المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النحو التحويلي التوليدي عَلاقة اللغة بالفكر


إبراهيم براهيمي
20-04-2009, 09:39 PM
النحو التحويلي التوليدي عَلاقة اللغة بالفكر ـــ د.صالح الكشو

إن البدهيات من أعداء البحث العلمي: بدهي مثلاً أن التاريخ هو تاريخ الإنسانية، لذلك ترى بعضهم ينطلق بالتاريخ من وجود "الإنسان الأول"، وبدهي كذلك أن وظيفة اللغة هي التواصل لذلك ترى بعضهم الآخر يبحث عن "اللغة الأولى" ليرى كيف تم هذا التواصل. أما اللسانيون فإنه يقلبون السؤال ويعلنون أن الخطى الأولى في الخطاب جاءت أو تجيء على نحو كذا وكذا، لذلك فإن "اللغة الأولى" هي على "نحو" كذا وكذا لأنه بدهي أن يكون بين اللغة ووظيفة اللغة تفاعل ما. ولكن لنفرض داخل هذه الدائرة وجود الإنسان الأول حسب ما تورده الأساطير فنحن إذا فعلنا فهذا يعني أولاً بأول أن هذا الإنسان عندما تكلم إنما مع نفسه وهو في حد ذاته نقض لوظيفة التواصل للغات الطبيعية، لأن هذه الوظيفة تقضي بوجوب تبني نموذج مهندس البريد والبرق والهاتف. وإذا كان لا بد اعتبار التواصل غاية للغة فلا مفر من جعله امتداداً وحالة خاصة للتعبير عن الفكر L' expression de la pensée: "تكلم" الإنسان مع ذاته ثم مع غيره، لا العكس، أي أنه لا يمكن أن يكون التعبير عن الفكر امتداداً للتواصل لأن فيه ازدواجاً للإنسان الأول.
وإذا خرجنا عن هذه الدائرة، دائرة الوضع والوقف تبينا أن الزمن لا يجري على سمت واحد: فكما اكتشف الفيزيولوجي أن الزمن سميك وأن خلية الحياة موجودة في الخلية الحية الأولى لذلك نسأل، بما أن خصائص الزمن هي ذاتها الخصائص: فما هي أول خلية حية بالنسبة إلى اللغة؟ لا نريد بهذا البحث التعرف عما إذا كان الاسم أسبق في الزمن من الفعل أم العكس، إنما نريد أن نضع البحث الألسني في إطار معين نعتقد أنه أكثر جدوى وخصوبة أي أن نمسك باللغة من زاوية الاكتساب(1) L' Acquisition والشيء الذي يجب تقريره من هذا المنظور هو أنا للغة تحفظ دون أن تدرس. يكفي أن نتنبه إلى النحو الذي ينحوه مواليد لغة ما من الصبيان في معالجة لغتهم لندرك أن هناك فرضيتين في تعليل تصرف الصبي: إما أنه يعالج الجمل التي ينتجها كلمة كلمة من اليمين إلى اليسار (الفرضية الأولى) وإما أن يعالجها ركناً ركناً en syntagmes دون ما توقف عند حدود الكلمات لأن الركن ذهني ومجرد أكثر منه مادياً وهو قد يطابق حدود الكلمة وقد لا يطابقها (الفرضية الثانية).
لنأخذ الجملتين التاليتين بسيطة ومضمنة en châssée للتدليل على ذلك:
1ـ تكلم الرجل
2ـ الرجل الذي تكلم بالتلفون أمس تكلم اليوم كذلك يجعل الفعل محل السؤال، فالصبي عندما يكون في حالة استبطان للغة الأم إذا هو أراد أن يصوغ جملة انطلاقاً من الجملة الأولى كما يلي.
1ـ هل تكلم الرجل؟
أي حسب الفرعية الأولى، بإثبات أداة الاستفهام على يمين الفعل كما هو الشأن في العربية. وهو يشكل
2ـ انطلاقاً من الجملة الثانية، هكذا:
2ـ هل الرجل الذي تكلم بالتلفون أمس تكلم اليوم كذلك؟
وهي لا يمكن أن تفيد غير:
2ـ الرجل الذي تكلم بالتلفون أمس هل تكلم اليوم كذلك؟
وهي جملة مقولة، وقد يأتي بها عوضاً.
2ـ لتطابقهما لديه، أي أن الصبي لا يمكن أن يخطئ فيعني بالسؤال الفعل الواقع يميناً.
ونحن لو مثلنا لذلك حسب اللهجة التونسية لقلنا:
3ـ الرجل اللي تكلم في التلفون أمس تكلم اليوم زادة.
3ـ الرجل الذي تكلم في التلفون أمس تكلمشي اليوم زادة؟
ولاتضح لذلك التمثيل بالعربية. وإذ أننا لا نقول:
3ـ * الراجل اللي تكلمشي في التلفون أمس تكلم اليوم زادة؟
فهي حجة لقولنا أن 2ـ لا يمكن أن تفيد غير 2ـ بإثبات السؤال، نتناول به حدث الفعل الثاني لا حدث الفعل الأول وإن كان الفعل عين الفعل:
1ـ (1... (2... فعل 1...) فعل 1...)
وهي حجة كذلك على عدم ملاءمة la non - adéquation الفرضية الأولى لمسالك اكتساب اللغات الطبيعية. فلو كانت هذه الفرضية هي الكائنة حقاً تحت sous jacente مسالك الاكتساب لأنتج الطفل التونسي مثل 3
3ـ ولو كان الأمر كذلك لكانت اللغات الطبيعية خطية الشكل linéaire دون تكرارية récurrence كالتضمين enchàssement مثلاً ودون عمق ولخلت من طابع الخلق.
2ـ (ج1....) (2....) إلخ.
بقي أن نحتفظ بالفرضية الثانية وأن نرفض الفرضية الأولى وأن نجري إنتاج الجملة 1ـ مجرى إنتاج الجمل 2ـ، 2ـ و3ـ أي طبقاً للفرضية الثانية بمعالجة الجملة البسيطة 1ـ على أنها حالة خاصة للجملة المضمنة 2ـ حيث أن تحليلها إلى أركانها المكونة الذهنية في تراكب مع تحليلها إلى كلمات إذا سلمنا بصلاحية مثل هذا الإجراء.
وهكذا، فإننا نعتقد أن فرضية مثل الفرضية الثانية (ونشير إليها في باقي النص بفرضية الاكتساب) هي كالخلية الحية الأولى بالنسبة إلى اللغة تعبر عن قانون (1) من جملة القوانين التي تقوم عليها اللغات الطبيعية.
ولو عدنا الآن إلى ما يشغل بعضهم من تقرير وظيفة للغة والتأكيد الحاسم من أن هذه الوظيفة هي التواصل لأخذنا نشك في بداهة الأمر على الأقل. وفعلاً في ضوء فرضية الاكتساب والطريقة التي حسمت بها مسألة الإشكال l'ambiguité في اللغة نسأل: كيف يستقيم التواصل بالذات في حالة الإشكال؟
لنستعرض المسألة. نحن نعلم أن الإشكال ضروب وأن النموذج النحوي الأكثر ملاءمة لوصف هياكل اللغة وبيانها مدعوّ لإيجاد ما يفسر مختلف أصناف الإشكال. فلو لم نكن قد اهتدينا إلى فرضية الاكتساب لبقينا في حالة تعجب: كيف أن مواليد اللغة من الصبيان والأحداث لا يخلطون بين الجملتين 1ـ و2ـ عندما يسألون وإذ اتضح أن الاستراتيجية الفاعلة هي أن هؤلاء المواليد لا يفرقون على مستوى الأركان الذهنية بين "الرجل" و"الرجل الذي تكلم بالتلفون أمس" وأن هذين الركنين الأمميين هما نفس الشيء على صعيد التجريد فإنه لا محل للتعجب بعد ذلك. هذا ضرب من الإشكال وجب رفعه.
الضرب الثاني: وهو كقولنا:
4ـ ما الذي جعلك تشتري كبشاً للصبي؟
5ـ ما الذي جعلك تشتري كبشاً للعيد؟
فبالرغم عن التماثل السطحي للجملتين فإن اختلافهما يمثل في أن للجملة 4ـ ما يقابلها وأنه ليس للجملة 5ـ مقابل:
6ـ تقبل الصبي الكبش
7ـ تقبل العيد الكبش.
إن هذه المقابلات منتظمة الحدوث. فإذا لم يضطرب الطفل أمام مثل هذا الملفوظ فلأن مثل ذلك الانتظام هو الذي يهدئ من روعه وهو يحتم على الألسني الوصول وألا يصبح الكلام في وظيفة اللغة لغواً مهما كانت هذه الوظيفة يصبح لغواً.
الضرب الثالث: كأن نقول:
8ـ تجول الحجيج في شوارع المدينة العتيقة.
9ـ جميع التلميذات والتلاميذ الآتية أسماؤهم مدعوون إلى حفل شاي.
فليس من الواضح من المثال 8ـ إن كانت الشوارع هي العتيقة أم المدينة. كذلك بالنسبة إلى المثال 9ـ فنحن لا نستطيع أن نعلم من أول وهلة من المدعو؟ فلو فرضنا أنه ليس في الأسماء الواردة من اسم واحدة لتلميذة من التلميذات، فهل هذا يعني أن الحصر لا يعنيهن أنهن جميعاً مدعوات؟ أم أن كلمة "التلميذات" موجودة في أول الجملة بحكم الاستعمال الإداري الجاري به العمل وأن مجموعة التلميذات مجموعة فارغة فعلاً، لذلك فلا ينتظر قبول ولو واحدة منهن في الحفل؟
هنا لا بد من السيطرة على جملة من الإجراءات التي تستخدمها اللغات الطبيعية في التعبير المختزل عن الفكرة، و منها الحذف والإضمار والخفض la réduction إلخ... وخاصة في حالات العطف والإضافة والتفضيل إلخ....
وهو ما يجعلنا نزاوج ما بين 8ـ و8:
8ـ تجول الحجيج في الشوارع العتيقة للمدينة.
من ناحية. وما بين 8ـ و8ـ
8ـ تجول الحجيج في المدينة وشوارعها العتيقة.
من ناحية أخرى. وهو كذلك ما ييسر لنا القرن ما بين 9ـ و9ـ:
9ـ جميع التلميذات الآتية أسماؤهن مدعوات إلى حفل شاي
وجميع التلاميذ الآتية أسماؤهم مدعوون إلى حفل شاي.
دون سواها. أما في الحالة التي أشرنا إليها من خلو قائمة المدعوين من اسم أي تلميذة، فهذا لا يعدو أن أحد أمرين فيما نعتقد: إما أن في الحصر تمييزاً نمسك التلاميذ ونطلق التلميذات والجملة 9 وفي هذه الحالة ـ تصبح الجملة 10ـ
10ـ جميع التلاميذ الآتية أسماؤهم وجميع التلميذات مدعوون إلى حفل شاي.
انطلاقاً من:
10ـ جميع التلاميذ الآتية أسماؤهم مدعوون إلى حفل شاي.
وجميع التلميذات مدعوات إلى حفل شاي.
وهو تركيب آخر، مغاير للتركيب 9ـ و9ـ ولا علاقة للواحد منهما بالآخر.
وأما أن الحصر المقصود يتعرض له التلاميذ فيما بينهم دون تمييز ولا تتعرض له التلميذات لفراغ المجموعة التي ينتمون إليها وفي هذه الحالة لن تفيد الجملة 9ـ غير الجملة 11ـ
11ـ جميع التلاميذ الآتية أسماؤهم مدعوون إلى حفل شاي.
وهي دون شك جملة لا صلة لها بالجملة 9ـ. أما التسويغ الإداري فهو إن دل على شيء فعلى اللغة هي غير الاستعمال، وليس الاستعمال إلا من إيديولوجيا التواصل، ونحن نلمس هنا بالإصبع كيف أن الاستعمال أي التواصل في آخر تحليل إنما يراد به "المغالطة" وإحباط التواصل بالذات، ولا يضر هذا الاستنتاج العام إذا كان المخصوص بالاستعمال هنا الاستعمال الإداري. وإنما نحن توصلنا إلى مثل هذا الاستنتاج لأن الاستعمال الإداري (للغة) أعرق في مثل هذه الممارسات المضللة.
الضرب الرابع والأخير من الإشكال: مثلاً:
12ـ زيد يطيع بكراً أكثر من عمرو
13ـ تلبية الواجب عجلت بموته
وتتحول الجملة 12ـ إلى:
12ـ زيد يطيع بكراً أكثر مما يطيع عمرو بكراً.
ويقع هذا التحويل على مرحلتين: المرحلة الأولى تربط بين 12ـ و12ـ والمرحلة الثانية تربط يبن 12ـ و12ـ أما الطفل فيكشف مبكراً أن العلاقات التي تجمع مثل هذه الجمل. 122ـ 12/12ـ 12 إنما هي على تناسق كبير، وهو إذا ما تطرق إلى الجملة 13ـ مثلاً فلا تلبث هذه الجملة أن تستقيم بمكوناتها كما لو قام بتفكيكها وتركيبها عن وعي:
http://www.awu-dam.org/mokifadaby/135-136/09/01.jpg

http://www.awu-dam.org/mokifadaby/135-136/09/02.jpg

وإذا عدنا إلى فرضية الاكتساب كما بيناها اتضحت لنا من خلال المشجرات الأركانية 13 و13 Indicateurs syntagmatiques الأسباب التي من أجلها افترضنا وجود مقولات نحوية ذهنية في تأويل 13 لفهم التأويل الأول ولوجب التأكيد على أن الركن الاسمي/ س Le syntagme nominal في ج1 هو نفس الركن الاسمي الذي يتفرغ عن الركن الفعلي Le syntagme verbal في ج2 وأن كليهما في محل فاعل وهو بالفعل ما يجب تأكيده ونحن لو حذلقنا تحليلنا لـ 13 لبان لنا ذلك أكثر فأكثر ولاتضح لنا كذلك أن 13 "ـ تتألف في الواقع (الذهني) من ثلاث جمل:
أ ـ س لبى الواجب ← تلبية الواجب
ب ـ مات س ← موت س
إلى ت ـ عجلت تلبية الواجب بموت س ← تلبية الواجب عجلت بموته
أما بالنسبة للتأويل الثاني أي 13 فنحن إذا لم ندرك بالإضافة إلى إقحام المقولات المجردة أن هذه المقولات قد تأتي مختلفة المراجع réferences بالنسبة للمقولات الاسمية فإننا لن نهتدي هنا إلى أن هوية فاعل الفعل عند تلبية الواجب هي غير هوية ذلك الذي ع جل بموته:
أ ـ س لبى الواجب ← تلبية الواجب
ب ـ مات ي ← موت ي
ت ـ عجلت تلبية الواجب بموت ي ← تلبية الواجب عجلت بموته
هذه كلها ضروب من الإشكال واللبس كان على أهل التواصل أن يصلوها بطبقاتها الجوفية وخلاياها البدئية قبل إطلاق الكلام في وظيفة اللغة على أنها كذا وكذا. ثم ماذا يجدي الكلام على وظيفة اللغة إذا كنا لا نعلم ما هي اللغة؟
نحن نزعم أننا إذا حاولنا معرفة اللغة من الداخل فإن هناك الكثير من المسلمات التي ستسقط من تلقاء نفسها وأن المسألة التي ستبقى قائمة والتي تتطلب منا حلاً أو حلولاً هي مسألة الفكر وعلاقته باللغة.
نعم إن البنى اللغوية جملة من الوظائف ولهذه الوظائف نوع من التأثير في هذه البنى. ولكن أي بنى؟ أي وظائف؟. وأي نوع من التأثير؟ مثال واحد ربما يجيب عن كل هذه الأسئلة، وربما يكون فيه الرد المقنع أنه لا فائدة ترجى من التصريحات الدغمائية: لنأخذ التركيب التالي وله صيغة معينة:
14ـ ركَّب كل من الحاضرين جملة واحدة.
وتصل هذه الصيغة صيغة أخرى وذلك بطريقة تكاد تكون مباشرة immécliate وهي الصيغة التالية انطلاقاً من التركيب 14:
15ـ جملة واحدة ركَّبها كل من الحاضرين.
كما لو قلنا في مثال آخر:
16ـ ركب زيد الجمل
16ـ الجمل ركبها زيد
إننا نلاحظ أن البنية هي نفس البنية: 14ـ 15/ 16ـ/ 16ـــــ ولكننا إذا تمعنا في 14ـ 15ـ تبينا أن لهما معنيين مختلفين 2 فالحاضرون في 14ـ إنما يركب كل منهم جملته فيكون بذلك عدد الجمل على نحو عدد الحاضرين. أما في 15ـ فقد يتغير عدد الحاضرين ولكل ما يصدر عنهم من تركيب لن يساوي غير جملة واحدة.
لنفرض أن ما يرمي إليه المتكلم هو الإبلاغ: فهو ينطلق من بنية معينة 16ـ وبتغيير أسلوبه في إبلاغ تتغير هذه البنية/ 16ـ فيثبت لديه عندئذ بالتجربة أن لوظيفة البنية اللغوية تأثيراً في هذه البنية.
ولكننا إذا اعتبرنا 14ـ 15 في مقابلة مع 16ـ/16ـ فإن هذه التجربة ستصبح مخادعة: فالتوظيف للكلام هنا وهناك هو نفس التوظيف وأسلوب الإبلاغ هو نفس الأسلوب وقد أنتج كل هذا نفس البنى، فلماذا لم يتماثل الحاصل من وراء هذه البنى إذن؟ أي لماذا لم نحصل على نفس ما نريد إبلاغه من خلال 14ـ 15/16ـ/16؟ فليس شرعياً أن نسأل أي بنى؟ أي وظائف؟ وأي نوع من التأثير؟
لقد أثبتت بعض الدراسات اللغوية عندما انتهت إلى أن أهم وظيفة للغة هي التعبير عن الفكر، أن نموذج المخابرات المعروف باسم نموذج مركوف Markov نموذج لا يتماشى وبعض الخاصيات للغات الطبيعية فهو محدود الحالات حتى ولو ألحقنا به سمة التكرارية التي تتصف بها اللغات البشرية وذلك على شكل حلقة تعقد في نقطة من نقاط تحوله من حال إلى حال(3):
http://www.awu-dam.org/mokifadaby/135-136/09/03.jpg

والتي تكسبه القدرة على إنتاج عدد لا متناه عن الجمل على صورة:

أخوك

ـ ركب زيد
ابن عمي
الجمل

صاحب الحمار


إن هذا النموذج وإن استجاب إلى مميزات مجموعة معينة من جمل العربية كالجمل السابقة فإنه لن يفي بالحاجة عند النظر في مجموعة أخرى من الجمل. مغايرة للمجموعة الأولى وإن بدت أقل تشابكاً، مثل الهياكل الآتية:
إذا كان كذا إذن فكذا
إما كذا وإما كذا إلخ...
ونحن لو توصلنا إلى بناء نموذجنا بطريقة نستطيع بها إنتاج كلمة "إذن" داخل حلقة من الحلقات فلن نستطيع تعويضها بـ "وإما" مثلاً.
إذا كان كذا وإما فكذا.
هذا يدل في سذاجته على إخفاق أمثال هذه النماذج الآتية لا في وصف اللغة فقط بل وحتى في توحيد مجموعاتها المنتمية ses sours - ensembles إذا نحن سلمنا بأخذ اللغة هذا المأخذ ككل.
وإذا انتقلنا إلى نموذج ثان أقرب إلى النحو من أي نموذج آخر لأنه يعتمد التحليل بواسطة التوزيع(4) distribution فإننا نكتشف أن هناك شيئاً يعوزه هو كذلك، وأن هذا الشيء هو كالمولد لا بد منه كي يتسرب التيار. وسنرى ما هو هذا الشيء. أما النموذج الذي نقصده فهو النموذج الأركاني Le modéle syntagmatique وهو يحلل الجمل إلى مكوناتها المباشرة Constituants immédiats على نمط من أهم مميزاته أنه غير خطي أفقي كما هو الحال في النهاية بالنسبة للنموذج مركوف، وهو وإن لم يكن على غاية من التجريد فهو على قدر يسير منه: فإذا نظرنا في توزيع كلمة كفعل "أخذ" مثلاً، وجدنا أنفسنا بصدد عمل قوامه التعميم، فنحن نقول:
أخذ عنباً
أخذ بيده
أخذ ينادي إلخ...
بضم الكلمات: "عنباً"، "بيده"، "ينادي"... على أنها خاصة واحدة لفعل: أخذ وتكون كل هذه الكلمات الكنف environnement الذي يختص به هذا الفعل عن الأفعال الأخرى كفعل "ركب"... مثلاً:
ركب جملاً(5)
ركب بحماره(6)
ركب يصيح إلخ..
فإن النموذج الأركاني إجمالاً لا يقطع الجملة إلى كلمات منفصلة discrats وإنما إلى وحدات Unités.
الجملة (ج) ← الركن الاسمي (ر ك سم) + الركن الفعلي (ر كـ فع)
الركن الاسمي ← أداة التعريف (تع) + الاسم (سم)
الركن الفعلي ← الفعل (فع) + ر كـ سم
إلخ.....
وقد استوعب النموذج التحويلي التوليدي مثل هذه القواعد وضم إليها ما كانت تفتقر إليه أي مفهوم التحويل، فتسرب التيار.
***
الهوامش:
(1)ـ لا بالمفهوم "السلوكي" له وإنما انطلاقاً من مفهوم القدرة الكامنة.
(2)ـ بخلاف 16ـ 16 فقد جرت العادة في كتابات التوليديين أن يقال هنا أن الفرق بين 16ـ 16 مثلاً إنما يمكن في مركز التشديد Focus لا غير.
(3)ـ أو في الكثير منها انطلق زيد سريعاً جداً: انطلق زيد أخوك.. سريعاً سريعاً جداً..
(4)ـ وباعتماده التحليل فهو يركز على دروس الهياكل Structures والتوزيعية La distributionnalisme من الهيكلية La structurisme.
(5)ـ ركب رأسه... هذا التعبير وإن امتازت به اللغة Idiosynesasiques فهو في آخر تحليل على نسق الجملة أعلاه ركب + اسم..
(6)ـ ركب وهو يصيح/ أخذ وهو ينادي.



نقلا عن //

مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 135 و 136 تموز و آب 1982

أبو ذر الفاضلي
20-04-2009, 09:56 PM
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

نضال الخفاجي
28-05-2009, 09:11 PM
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

سامر مسعود
21-07-2009, 06:35 AM
مقال رائع وجميل ومزيدا من المشاركات القيمة

بدر حلب
11-06-2010, 03:43 PM
شـــكـ بارك المولى فيك ـــراً جــــزيـــــلاً

زينب هداية
07-04-2011, 10:14 AM
جزاكم الله خيرا

النجدية
20-07-2011, 09:38 PM
رابط إضافي
النحو التحويلي التوليدي عَلاقة اللغة بالفكر (http://www.mohamedrabeea.com/books/book1_454.docx)