المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبدية اللغة


إبراهيم براهيمي
02-05-2009, 08:56 PM
أبـديـة اللـغـة


أبوالقاسم المشاي



"الحس هو نقطة انطلاق المعرفة الإنسانية والشكل الأولي لنشاط الروح"/ نايف بلور



التلعثم أمام ضيق العبارة التي تفضي لتعريـف محدّد يمكن اعتـماده للنص (في تعدديـته)، والوقوف عند حدوده ومعـانيه بانتمائه للذاتية، الموضوعـية وتبدلاته التاريخية، وتداولاته الأيديولوجية، السيـميائية، والتي تترك آثارها بإقامتها في الذاكـرة المعبّر عنها في تجلـيات الخطـاب، اللغـة؛ يدافـع عن وجوده بالمـوؤل والمرمّز وفق يقظة البـداهـة وعلاقة ترابـط داخـلية (تبادلية-تداولية) في كافة مستويات وعنـاصر إنتاجها وحسـب تعبير جـان جينيت: "تلك العناصر المتعالية فوق الأعمال الأدبية والمؤسـسة للعبة النصـية، مثل التقـنيات السردية..."، فالعناصر الافتراضية مقيـمة أسـاسـاً في بنـائية النـص "الشـكل" والمنـدمجة فيـه وتحويل الصـيغ الرمزية المخيلة عبر الأيروس واللوغوس إلى صـيغ لغـوية.. ذلك أن "اللغـة التي تنشئ على هذا النحـو إمكانية ضياع الوجود"– الميكروزمني" اتجاه الزمان والمكان لابد له من "لغة/نص/خطاب" للوضوح في ثنايا الفكر. وهذا التهشم والشرخ يكون حاضراً ضمن حيز ضئيل جداً في الزمن "وقود اجتياز" التعالي والتباعد الذي يقيم في اللغة باعتبار أن اللغة ذاتها متعالية، وبتعبير مغاير وحسب جيل دولوز "التكرار الزمني""إذ يقود النص دواله لكي يشوهها جذرياً، ولكي يباعد مدلولاتها ويغربّها"لا تستنفذ كلها في كونها وسيلة للفـهم فقط"(10) ومن منطلق أن المعرفة تؤدي إلى إدراك، أو حسب الغزالي"عادة- تعود- اعتقاد" وتوجس وتكهن وإشارات ومتاهات وبحث وترميز وتواصل وقطعية واستنباط.. المعرفة تؤدي وتقود إلى تمدد النص/ الخطاب وانكماشه داخل اللغة لتوليد وإنتاج "المعنى" وستقود إلى انهياره، لأنه لا يمكن إنتاج كل الإيحاءات والإيماءات والتلميحات والتخيلات واستحضار الصور واللذائذ..، لأن اللغة في أحيان كثيرة متعددة قاصرة عن التعبير مهما كانت المؤديات التي سينكتب بها النص وما يسميها رولان بارت "عمدية اللغة وتحطمها"(11) واللغة الكامنة في متاهات أو متن النص تشوه من خلال استعمالات اللغة، بمختلف فضاءاتها وتجلياتها والتعبير بها وبواسطتها عن الحالات الواعية واللاواعية: "اشعر بالعطش"، "أحس بالسعادة"، هذه التعبيرية الفيزيقية الغرائزية والانفعالية أو استعمال اللغة للتفكير والتبصر "الرؤيا" والهروب بها والتسلسل معها، التستر من خلالها والتجزئي عندها إلى الخيال وتجسيد عوالم لا مرئية "إحالة الوظيفة التميزية- الخيال إلى سرد"، بالتصورات والتعبير والتفكير والانشداه نحو فجائية الحضور الذهني للمتخيل، للتذكر، التفكر، أو الفرار إلى دفة النسيان أو الانحـدار إلى نهر الرغـبة واللـذة والقـفز على حـائط باتجاه السعادة الحـقة أو المشوهة، الفجيعة والرعشة "التي ستغذيها توترات وتشنجات وانتباهات تندهس كلها في مسامات ومساحات منتظمة في النص/ الخطاب"، نص الحقيقة-نص الوهم، وكلها خاضعة لحرية النص بوصفه نتاجاً تحريراً لخطاب مهيمن ومتفوق أو زائف ومخادع. وإذا كانت اللغة نسقاً من العلامات المعقدة"الغيب" فهي أيضاً نسق من العلامات المغرية "الحواس"، وثيمة من العلامات اللسانية"المنطوقة والمكتوبة"، التأوه والتلفظ، وعلاقات الازدواج التي تقود إلى تمفصل اللغة على مستوى الخطابات وداخل الخطاب الواحد "أقوال محتجزه وأجساد معذبة"(12) وهو تكريس الاختلاف واستغلاله بالواقع عبر استبدال تمثلات الواقع حيث تمسخ الاختلافات في الطقوس/الخطابات لينشأ النص ملغّماً بالتناقضات والتشوهات وهذا التجابه والصدام ينتج التكرار والاختلاف، حيث في سياقات نصية متعددة تتصل "التفاهة بالتكرار"(13) ويعبّر مصطفى كيلاني عن أدب كونديرا إذ يقول:"يكفي أن ندخل جاذبية النص كي نفقد كل الاتجاهات دفعة واحدة.. ولأن ما يحدث يقع مرّة واحدة- حتى الذاكرة لا تستعيد منه إلاّ الصدى والصورة الظلية"(14)، التكرار والاختلاف والتمادي في حرق تضاريس كتابة النص وتحويله وأيضاً كما يذهب إلى ذلك فيليب مانغ حول النموذج والشبه.(15).هذه الانشطارات المتسلسلة والفجوات المعتمة وراء نسيج كثيف وغامق من السيميائيات المتشابكة والمدعّمة بمؤسسة العلامات ونظام الخطابات، تنفتح عن كثافة جزيئية في بنية الخطاب اللغوي لتعانق التناهي واللانهائي بين فن المعنى والرصد "والتمحيص" إلى محدودية الفهم لتنمحي وراء سراب الخطاب ذاته أو تنتهي إلى فجوة الصمت والعجز كما يقول ميشال دور سارتو حين تعجز الكلمات عن التعبير: "ليس وراء اللغة وإنما بداخلها إنه حقيقة اللغة نفسها، اللامنطوق يقع في المنطوق"(16) ومثلما الصمت لحظة توتر وانشداه، الصمت حاجز النطق، الصمت حارس تلفظ، الصمت اختراق لامنطوق، وستجد كل هذه السكونات والصوامت والتلبسات ارتباطها بالبنيات الواعية- اللاواعية "الموت والحياة مثلاً" وكما يصوّر ذلك أوكتافيوباث: "الموت والحياة لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وكلما فقدت الحياة معناها غدا الموت لا أهمية له"(17)، لا ينفك هذا السؤال في تصيده للواقع/الجسد/النص، والغيبي/الجسد/ الخطاب، وعنفه الضروري للحياة ذاتها ولصلاحية اللغة وأبديتها، وعلى حدّ تعبير هايدغر "الموت هو الحياة، الحياة هي الموت"، اللغة وخطابها يستحيل معها الصمت، ولكنها تواجه الاختلاف بالتأسيس لسلطة القبول. فهذه المدونة اللغوية تجد شرعيتها في فضاءات الخطاب وتجليات النص "بمختلف نشاطاته ومؤدياته وتعبيراته وتعدديته وإنثناءاته ومحدوديته واتساعه وتدويناته..، تمثّلها اللغة وتعبر عنها من خلال ترميزات وكما يصف ذلك بول ريكور: "القدرة على تصوير الواقع بـ"إشارة" ومن ثم فهم "الإشارة" على أنها تمثل الواقع وبالتالي إقامة علاقة "تدليل" بين شيء ما وشيء آخر"(18)، لينكشف الواقع ويتجلى ويجد موقعه في الخطاب، من خلال "الترميز" والذي يخصب ويبلغ تحققه في أقصى مداه باللغة حسب أميل بنفيست في كتابه مسائل في الألسنية العامة (دار غاليمار، باريس 1966)، أي لينكشف الواقع المهيمن- خاضعاً للنص المتفوق بالصورة والصوت والذكاء الصنعي والتوهم الديجيتالي (الرقمي) حيث هوية اللاإنسان الجديد(19) والذي يشّمله سامي أدهم في مشروعه الفلسفي ويضمنه في خطابه، من خلال تهشيم سلطة وقسوة الماضي التي تؤطر وتهيمن على خطابنا وإنسانيتنا ولغتنا وعقلنا وتغيير وتحييد دفة الخطابات السائدة الرائجة في محدوديتها وانحباسها في تقليدية صارمة وقاسية، اللغة وحدها تنتج تجاوز ذاتها في إيضاح وشرح الأفكار واستباحة التعتيم ليتم تداولها في حقلها المعرفي "مركز الالتقاء" وبناء صرح الخطاب الذي يـدعم بنــيان "النـص" ولا ينسـحب ليخـضـع بالضـرورة إلى "العـقل التصنيفي" الذي يردمه في التاريخ ويُحيلهإلى أحداث هرمة وظواهر تنطوي بانسحاب اللغة ذاتها في فضاء مبهم وما يصفهنيتشه بـ"غـياب الذات النـاطقة"،ولكنه يتجسد من خلال النص الأسطوري/اللاهوتي كمدعاة للفضول وتلمس لبنيات رمزية وفنية، وكمختبر "أركيولوجي" اندسّ خفية في أبدية الصمت. (6)، حيث النص اللغوي في بنياته الجزيئية لا يحيل إلى أوضاع ولكنه ينتهي إلى تشكيلات خطابية صوتية وشؤون متخيلة "ترميزية"، إشارة تائهة، وأحياناً "إلى أحداث زائفة" وهو التمفصل بين الواقع في حركته والمجرد في غيابه، يرتمي في أحضان اللغة "النص"، كما يعبر عن ذلك سامي أدهم: "النص الذي سيحلل الذات ويفككها أو يحطمها ويفتتها"(7) من خلال إستراتيجية رمزية وبنيات لا شعورية بين المنطوق واللامنطوق الملفوظ واللاممكن قوله، وهنا الفهم لا يتعلق بدرجات وبتفاوت المعرفة وبمعنى "أن النص الأكثر امتلاءً بالمعرفة يحرز إدراكاً وفهماً جيدين"(8)، ولكن بنظرة مغايرة فإن اللغة الإشارية المستمدة صلاحيتها من الإشارة ذاتها هي بالضرورة برزخية الوظيفة بين العبارة والمعنى، الدلالة والتعبير، وهي إستراتيجية رمزية للنص/الخطاب داخل فضاءه التداولي، "فوضعيات علاقات القوة اللغوية هي الوضعيات التي يمكن فيها الكلام/الخطاب دون تحقيق التواصل"(9) وهي تنزاح في هامش التـناقض كلحـظة محايثة "الخطاب الصوفي"، تتعـالى اللغـة، لينكشف الوجـود مرة أخرى حيث توجد اللغة وحيث.. "ماهية اللغة(5) والتمثل الدائم للتبدد ذلك أن الحاضر هو الماضي بعد برهة، توالد الزمن من التكرار، وتخضع للنص المعبّر عنها "ولكيفية تداولها" ضمن سياق الخطاب ويبرهن رولان بارت عـن الحقيقة التي تبـدد الريب، المخبأة المتخفية والمنتهاة في البنيات الجزئية المجهرية. (1) ليمزق حجـاب اللغة (لوغوس الفـكر، أيروس الرغبة) ويخترق صـمت الخـطاب ويكشف عن نص مقروء وتظل الأسئلة طريقها وتتمفصل بين اللغة والحقيقة "المحجّبة"، ولكنها تصطنع التناقض والغموض وتختفي وراء القول (الحق، الصدق) لأن اللغة ليست مجرد أداة يملكها الإنسان ولكنها "إمكان الوجود وسط موجود"(2) ليصوغ النص "دالته" الرمزية في فضاء التفهم، التوهم والمعرفة الإدراكية الواعية "بالوجود" أو المنزاحه عنه "في الديانات القديمة اللاتاريخية"(3). فالوجود حسب ديكارت يتحدد من خلال الزمن، وبواسطة اللغة فقط يمكن التعبير والاستدلال عن الأشياء الأكثر وضوحاً ونقاوة وعن أعمقها غموضاً وبرؤية "ميكرو سكوبية" وعلى حدّ تعبير هايزنبرغ في محاولة تعريفه للألكترون ووجوده، "كلما عرفت أين هو، تبين أنك لا تستطيع تحديد مكان تواجده، والعكس، إذا عرفت مكان وجوده لا تعرف أين هو.."(4)، هذه الريبة والشك والتلعثم.. "أنه هنا وهناك في نفس الوقت اللحظي



----------------------------------------------------------------

هـوامـش:

1-مارتن هايدغر، هيلدرلن وماهية الشعر، ت: فؤاد كامل، القاهرة، 1974.

2-المرجع السابق.

3-حيث تعتبر الهندوسية "الدين اللاتاريخي أو اللازماني"، لأنه ليس هناك تحديد واضح للفترة الزمنية أوالتاريخ التي بدأت فيها الديانة الهندوسية أيضاً فإنها لا يُعرف لها مؤسس.

4-هايزنبرغ عالم فيزيائي، صاحب النظرية الكمية في الفيزياء- الكوانتوم.

5-دراسة عن جيل دولوز لفيليب مانع، حيث يرصد في الفصل الثاني "التكرار بذاته" من خلال آليات التمثّل والمتعالي، ت: عبدالعزيز بن عرفة، تونس، (كتابات معاصرة) أكتوبر 1998.

6-رولان بارت، لذة النص، ت: منذر عياش، مركز لبنان الحضاري، 1990. وحسب رولان بارت فإن قراءة النص لا تنفك عن اللذة والرغبة، ومثلما تنتج التوالد فإنها تعبر عن العقم والانهيار "موت البطل في الرواية مثلاً، أو بتعبير محمد أركون، القراءة التي تبحث في صيرورة الأفكار واللغات مابين الاختراق والتجاوز. اختراق الممنوعات والمحرمات "في الفكر الديني"، وتجاوز الذات "في خطاب الهوية، الثورة، العقيدة".

7-د.سامي أدهم، ما بعد الحداثة، دار كتابات، بيروت، 1994.

8-تيري انجلتون، النقد والأيديولوجيا، ت:صالح فخري، المؤسسة العربية للدرسات..، 1992

9-بيار بورديو، السوق اللغوية، ت: محمد سبيلا وعبدالسلام بن عبد العالي، توبقال، 1994.

10-جورج مونان، اللغة والتعبير، ت:محمد سبيلا وعبدالسلام بن عبدالعالي، توبقال، 1996.

11-رولان بارت، مرجع سابق.

12-ميشال دوسارتو، أجساد معذبّة وأقوال محتجزة، (ضمن كتابه الاختلاف وحفريات الخطاب.. قراءة في أعمال ميشال فوكو)، ت: الزين محمد شوقي، جامعة بروفونس، فرنسا. يتفحص دو سارتو هنا ويتبع أثر "الخطاب" في التجربة الصوفية معتمداً على مدلولات وتداولات النص الصوفي وتجلياته، وخاصة "الكتابة والتجربة الصوفية عند ابن عربي" واللغة الإشارية التي تضمنها الأساس النظري لنص محي الدين بن عربي.

13-عبارة الروائي التشيكي "ميلان كونديرا" الحائز على جائزة نوبل للآداب، من أشهر أعماله: كائن لا تحتمل خفته، ت: ماري طوف، لبنان، المركز الثقافي العربي.

14-مصطفى كيلاني، ألف الحنين أو حكاية الخطابة، قراءة في رواية ميلان كونديرا "كائن لا تحتمل خفته"، كتابات معاصرة، بيروت، العدد 35، أكتوبر 1998.

15-جيل دولوز، التكرار والاختلاف. مرجع سابق.

16- Michel de Carteau L etperience Seligiense RSR Cerf , Paris 1988

17-أوكتافيو باث، متاهة الوحدة، ت: نرمين ابراهيم دار المأمون، بغداد 1996.

18-بول ريكور،مقالة في فلسفة اللغة، ت:محمد سبيلا وعبد السلام عبدالعالي، توبقال 1998

19-يبحث د.سامي أدهم في مشروعه وخاصة "تشميّل ما بعد الحداثة/الفلسفة الصنعة"،كتابات 1996، عن هوية جديدة للإنسان الجديد الذي بدأ يراجع ذهنه وخياله وصورته. ولم تعد الذات الكانطية والأنا أفكر الديكارتية مجرد ملكات جوا نية في الإنسان، ولكنها تجاوزت ذلك.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ


*أبو القاسم المشاي: كاتب مغربي يقيم في فرنسا. kasim-mashai@yahoo.fr

أبو ذر الفاضلي
02-05-2009, 09:26 PM
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

النجدية
11-12-2009, 09:53 AM
نسأل الله أن يرفع بأعمالكم الصالحة قدركم درجات في الدنيا والآخرة

النجدية
07-07-2011, 12:00 PM
للرفع، بارك ربي جهودكم