المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دروس في اللسانيات الحديثة


إبراهيم براهيمي
21-07-2009, 08:43 PM
الدرس الاول

مبدأ التعميم
في نظرية النحو التوليدي التحويلي


يفهم من صفة التعميم في منهج المدرسة التوليدية أنّها لا تقصر الوصف والتفسير اللسانيين على لغة خاصّة، بل تجعل النظرية الواصفة المفسّرة معمّمَة على الظّاهرة اللغويّة البشريّة، في كافّة اللغات
وتدعى النظرية اللسانية الواصفة والمفسرة، للغة البشرية قاطبةً، بنظرية النحو الكلّيّ (Universal Grammar)
والقول بقواعد النحو الكلي هو قول بظاهرة التعميم أي تعميم مجموعة من المبادئ العامّة على سائر الأنحاء الخاصة، وهو قول بأن اللغات الخاصة التي توصف بتلك الأنحاء الخاصة، تحكمها قواعد عامة كلّيّة، هي قواعد النحو الكليّ، ولا بدّ من ظاهرة التّعميم (Generalization) في جسم النظرية حتى يصحّ نعتُها بأنها نظرية لسانسة عامّة أو كلّيّة تقوم على وجود ثوابت عميقة تحكم الظواهر اللغوية – أصواتها، وتراكيبها ، ومعجمها ، وصرفها ، ودلالاتها – وقواعد لغوية ترتد إليها الأجزاء والآحاد ،و لا بدّ لكي تتحقق صفة التعميم والكلّيّة في النظريّة من اطراح عوامل الاختلاف والتنوع في اللغات، التي هي عناصر محلية لا انتساب لها إلى المبادئ والقواعد الكلية ، وإنما هي محكومة بقواعد أخرى تؤول المختلفات وتفسرها بمتغيرات القاعدة الكلية الواحدة وتنوع أوجهها، وتسمى هذه المتغيّرات التي تفسر الخصوصيات بالوسائط أو الباراميترات (Parameters)
قواعد النحو الكلّيّ قواعد كلية مستقرة في مخزون المتكلمين قاطبة ،الذين لا يفزعون إلى هذه القواعد إلا لانتقاء ما يناسب لغاتهم ، ويوسّطون في الانتقاء وسائط لتثبيت القيم المناسبة ، تنتهي بالمستعمل اللغوي إلى تنزيل مبادئ النحو الكلي ومقاييسه على لغته الخاصة، فيتم الانتقال من الكليات إلى الجزئيات والأنواع


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انظر:
- من قضايا الأشباه والنّظائر بين اللغويات العربية والدّرس اللساني المعاصر، د. عبد الرحمن بودرع، نشر: حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، الرسالة:227، الحوليّة:25، مارس2005
- نظرية النحو الكلي والتراكيب اللغوية العربية دراسات تطبيقية، د. حسام البهنساوي، مكتبة الثقافة الدّينية، 1998
- Formal Parameters of Generative Grammar, I: Yearbook 1985 by Ger de Haan, Wim Zonneveld, Author(s) of Review: Thomas F. Shannon
********, Vol. 62, No. 4 (Dec., 1986)


http://loveberry.chu.la/line006.gif



الدرس الثاني ::


نظرية القوالب في المدرسة التوليدية التحويلية


القولبة أو القالبية نظرية يُفهَم منها معنى التعدد؛ ينصرف مفهوم القالبيّة أو القولبة إلى إفادة معنى التّعدّد في جسم النظريّة اللغوية، وقد جاءت المدرسة التوليدية التحويليّة بتصور جديد هو تصور التعدّد أو القولبة، فخالفت بهذا التّصوّر مبادئَ اللسانيات السابقة كالمدرسة البنيوية التي كانت تقوم على فكرة الثنائيات وليس التعدّد؛ كالثنائية بين الدّالّ والمدلول، والسمعي والذّهني، والمتكلّم والمستمع...
جاءت المدرسة التوليدية بمفهوم جديد هو التعدّد أو القولبة أو القالبية، و هذا اصطلاح غير مألوف في الأدبيات اللسانية:
القولبة (Modularity) مفهوم يتعلق بتعدد القوالب في جسم النظرية اللغوية، أي إن النظرية اللغوية التي تُعنى بوصف البنيات اللغوية وتفسيرها تقوم على تعدد الأنسقة أو تعدّد الأنظمة التي تنضوي تحت النظرية العامة. وهذا أمر جديد في التصوّر اللّساني . ويذهبُ النحو التوليدي إلى أن النظرية اللسانية العامة تخصص مجموعة من الأنحاء الممكنة لوصف اللغة، وهذه الأنحاء عبارة عن عدد من الأنساق الفرعية التي تتفاعل فيما بينها، فأما المكونات الفرعية للنحو فهي:
1- المعجم (lexicon)
2- التّركيب (Syntax)
3- المكوّن الصّواتي (Phonological Component)
4- المكوّن الدّلالي/المنطقي (Logical form)

وأما الأنساق الفرعية أو القوالب (Moduls) فهي:

1- نظرية العامل (Government theory)
2- نظرية الحالات الإعرابية (theory Case)
3- نظريّة العُقَد الفاصلة (theory bounding)
4- نظرية الربط الإحالي (theory binding)
5- نظرية المراقبة (theory Control)
فوصف ظاهرة لغوية ما يقتضي اللجوء إلى أنساق مختلفة من القواعد تضبطها مبادئ مختلفة وبسيطة، ولكنّ الواصف يحتاج إليها مجتمعةً. وقد دُعِيَ هذا الاتّجاه في تصوّر العلاقة بين مكوّنات النّظريّة اللغوية والطّريقة التي تعمل بها، بالقولبَة (Modularity)
وأريد أن أضيف–إلى مفهوم التعدّد التّعدّد في الملَكَة اللغوية، أي علاقة المَلَكة اللغوية ببقية الملكات الذهنية المتعدّدة، فالذهن مكون من مجموعة قوالب متفاعلة أثناء الإنجاز اللغوي ومن بينها:
- قالب النحو، وهو الجهاز الذي يصدر الجمل ويولّدها
- قالب التصورات والمفاهيم والاعتقادات التي يحملها الإنسان عن العالم
- القالب التداول الذي يضع الخطاب اللغوي في سياق المتكلم والمخاطب .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انظر في هذا المعنى:
N.CHOMSKY, Lectures On government and Binding, Dordrecht

اللسانيات واللغة العربية، نماذج تركيبية ودلالية، د.عبد القادر الفاسي الفهري، دار توبقال للنشر، البيضاء، ط.1، 1985، الجزء 1




http://loveberry.chu.la/line006.gif


الدرس الثالث::
قضايا اللسانيات التّداوليّة (Pragmatic Linguistics)



اشتغلت التداوليات بمجموعة من الإشكالات والقضايا التي تعدّ من صميم موضوعها، مثل: ماذا نفعل عندما نتكلم؟ ماذا نقول عندما نتكلم؟ من يتكلم؟ ومَن يُكلّم المتكلّمُ؟ ولماذا يتكلم على هذا النّحو؟ كيف يمكن أن يُخالِفَ كلامُنا مقاصِدَنا؟ ما هي أوجه الاستخدام الممكنة للغة؟...
أجابت التداوليات عن هذه الأسئلة بطريقة تتناسبُ والطابعَ المتجدد لهذا الحقل اللساني باعتباره حقلا يعيد النظر في المبادىء التي تتأسس عليها الأبحاث اللسانية السابقة، وهي:
- أولوية الاستعمال الوصفي والتمثيلي للغة.
- أولوية النسق والبنية على الاستعمال.
- أولوية القدرة على الإنجاز.
- أولوية اللسان على الكلام
Armengaud, Françoise, La pragmatique, Que-sais-je?,
PUF, 1985, p:7

من هذا المنطلق، يمكن القول إن التداوليات حقل لساني يهتم بالبعد الاستعمالي أو الإنجازي للكلام ويأخذ بعين الاعتبار المتكلم والسياق.

أما المعنى التّداولي أو المعنى البراغماتي :
فهو المعنى الذي يتعلّق بوظيفة الكلام، وهي الرّبط بين بنية اللسان الطّبيعيّ ووظيفتِه الأساس، هذه الوظيفة الأساس هي التّواصل داخل مجموعة لغويّة محدّدة، واللسانيات التداولية تدرس علاقات البنية اللغوية بالمتكلم والمُخاطَب. أي المعاني التي تدور في فَلَكِ الحوار ودائرة المُحادَثات أو التّواصُل الكلاميّ بين أطرافِ الكلام.
إنّ اللسانيات التّداولية تركّزعلى البعد العملي للمعنى أي معنى المحاورة بين أطراف الكلام.
وتعمل التداوليات بحكم كونها لسانيات ذات اهتمامات عمليّة براغماتيّة، على وصف فعل المحادثة وتفسيرها؛ مستخدمةً في ذلك مجموعة من المبادئ والمفاهيم الوصفية، كمبدإ التعاون ومبدإ الاحترام ، وغيرها من المبادئ التي تضبط سير المحادثات بين المتكلِّمين





ملاحظة: تم رفع هذه الدروس لتعميم الفائدة فقط مع عدم وجود صاحبها او الجهة التي قدمت بها

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:02 PM
معجم التعابير الاصطلاحية في العربية المعاصرة*
مدخل:

التعابير الاصطلاحية (Idioms) ظاهرة معجمية موجودة في كل اللغات الطبيعية ، وإن اختلفت درجة الوعي بهذه الظاهرة ، وتفاوتت درجات العناية بها: درسا وتحليلا وتوثيقا لها في معاجم تلك اللغات.

ويمكن تعريف التعبير الاصطلاحي بأنه : تجمع لفظي (أكثر من وحدة معجمية بسيطة) ، يقع في الاستعمال اللغوي باطراد، وله دلالة ثابتة لا تنتج من تجميع دلالات مفرداته المكونة له.

لذا فإن التعبير الاصطلاحي ، باعتباره ذا دلالة لا يمكن استنتاجها من خلال مفرداته ، يُعَدّ في العمل المعجمي الحديث وحدة معجمية. و يخصص له في المعجمات العامة مداخل فرعية ، كما تفرد له معظم اللغات الحية معاجم مستقلة ، يخصص له فيها المداخل الرئيسية.

واللغة العربية – التراثية والحديثة – تزخر بالتعابير الاصطلاحية ، وكان اهتمام المعجميين العرب بها بوصفها عبارات أو تراكيب تقع فيها الكلمة (المفردة) ، وظلت هذه النظرة التي ترى مركزية الوحدة المعجمية المفردة متحكمة في طريقة عرض التعابير الاصطلاحية في المعجم العام جمعا لمادتها، وإدراجا في بناء المعجم، وتحريرا وإخراجا طباعيا.

وفي العصر الحديث – ونتيجة للاحتكاك بالفكر اللغوي الغربي ، والصناعة المعجمية الغربية – برز اهتمام بالتعبير الاصطلاحي: تحديدا للمفهوم والمصطلح ، ثم بدأ الاهتمام بالتأليف فيه ، فظهر ثلاثة من معاجم التعابير الاصطلاحية، في الفترة الزمنية بين 1987 ، 2003

أهداف المعجم:

1. تغطية التعابيرالاصطلاحية الموجودة في العربية الحديثة.
2. المعالجة المعجمية الموسعة للتعابير الاصطلاحية.
3. خدمة الترجمة البشرية وبرامج الترجمة الآلية.

طبيعة المعجم / تصنيفه:

معجم مختص للتعابير الاصطلاحية في العربية الحديثة والمعاصرة ، أحادي اللغة ، مبني على مدوَّنة نصوص موسعة ( Corpus based )، يضم ما يقرب من 4000 تعبير اصطلاحي.

مادته:

بنيت مادة المعجم من خلال مدونة نصوص لغوية تمثل اللغة العربية الحديثة والمعاصرة في مجالات مختلفة : [ الأدب باختلاف أجناسه : ( روايات وقصص ومسرحيات عربية و مترجمة للناشئين والكبار) – فنون – علوم - رياضة – اجتماعيات – سياسة – اقتصاد- دوريات علمية ، ومجلات أدبية ونقدية، وسياسية ، وتربوية ، واجتماعية ، وثقافية فكرية، ونسائية ، تصدر في كل من مصر والكويت والإمارات والسعودية وسوريا ولبنان ولندن..إلخ ].

حجم المعجم:

يصل حجم المعجم إلى حوالي 500 صفحة .

بنية المعجم:

- البنية الكبرى:
قائمة مبنينة بالتعابيرالاصطلاحية في العربية الحديثة، كما أظهرتها مدونة النصوص.

- البنية الصغرى:
وتعرض فيها المعلومات الآتية لكل مدخل معجمي:
1. المدخل : التعبير وتنوعاته (Entry).
2. الشرح أو التعريف.
3. الأمثلة والاقتباسات من المدونة الحية (Corpus based).
4. المعلومات الصرفية (اشتقاقية وتصريفية).
5. المعلومات النحوية (تركيبية وإعرابية).
6. معلومات الاستعمال.
7. المعلومات التأثيلية ( Etymological information).
8. معلومات الهجاء.

الجديد في هذا المعجم:

* على المستوى التنظيري
1. تدقيق المفهوم ووضع معايير تحديد التعبير الاصطلاحي، وتحديد التنوعات الشكلية للتعبير الواحد.
2. بناء مدونة النصوص اللغوية وطرائق التحليل.

* على مستوى تقنيات الصناعة المعجمية
1. تقنيات جمع المادة:
- بالاعتماد – اعتمادا أساسيا – على مدونة نصوص طبيعية ، وعدم النقل عن المصادر المعجمية السابقة ، وإنما تنحصر الاستعانة بها في التوثيق.
- الاستعانة في الجمع اليدوي للمادة بمجموعة من الباحثين ، ( من طلبة الماجستير والدكتوراه).
2. تقنيات البناء:
- رُتِّبَت البنية الكبرى للمعجم حسب الترتيب الألفبائي لحروف التعبير كاملا ؛ باعتباره الوحدة المعجمية.
- تم الربط بين تنوعات التعبير الواحد عن طريق الإحالات المعترضة Cross references.
- حرصت الباحثة على إحكام بنية المعجم على المستوى الدلالي بالربط بين الحقول الدلالية، وتجلية العلاقات الدلالية بين التعابير.
3. تقنيات التحرير:
- توخي البساطة في شرح التعابير، وتنويع وسائل الشرح.
- تقديم معلومات موسعة نسبيا عن التعابير: تأثيلها واستعمالها.
4. تقنيات الإخراج الطباعي:
- تتميم ضبط متن المعجم ، عن طريق ضبط كل كلماته ضبطا كاملا بالشكل.
- محاولة ضبط البنية على مستوى الإخراج الطباعي ، بتنميط طرق التعامل مع الأشباه والنظائر.

المستهدَفون من المعجم / المستفيدون منه:

1. ابن اللغة.
2. متعلم اللغة من غير أبنائها.
3. برامج معالجة اللغات الطبيعية (قواعد البيانات المعجمية – برامج الترجمة الآلية).

مشكلات المحاولات السابقة:

1. عدم تحدد المفهوم في ذهن صانعي معظم هذه المعاجم تحددا كاملا؛ مما أدى إلى الخلط بين التعابير الاصطلاحية وظواهر لغوية أخرى: ( بقية التجمعات اللفظية مثل الوحدة المعجمية المركبة، والمصطلحات متعددة الكلمات...إلخ ).
2. ضعف الاستيعاب ؛ لاعتماد معظمها على تقليدية المقاربة.
3.فوضى تقنيات المعالجة.
4. الخلط بين التنوعات المختلفة للتعبير الواحد ، ومعاملتها في كثير من الأحوال باعتبارها تعابير مختلفة ، وهو ما يؤثر في تمثيل المعجم.
5. غياب الصياغة البنيوية للمعجم.
6. النقل والتقليد.

فريق العمل:

ـ قامت الباحثة بإعداد فريق عمل عدده 15 باحثا ، اشترك في الجمع اليدوي لمادة المعجم ، بعد تدريب أفراده على تمييز التعابير الاصطلاحية من خلال ورش العمل ، وتكليفهم برصد التعابير، وتحديد مواضعها في المدونة ، وكتابة الجمل التي وردت فيها هذه التعابير على نماذج خاصة مطبوعة أعدتها لهذا الغرض.

ـ واشتركت الباحثة مع أفراد هذا الفريق في جمع مادة المعجم يدويا على مدى أربع سنوات، ثم قامت بمراجعة المادة التي جمعها الباحثون ؛ لتدقيقها ، وحذف ما لا يندرج في إطار التعابير الاصطلاحية. واختيار الأمثلة التي توضح السياقات التي يستعمل فيها كل تعبير اصطلاحي ، ثم بدأت في تحرير مادة المعجم.

ـ وفي مراحل التدقيق أضافت ما يفيد في توضيح المعنى، بشرح الكلمات الصعبة أو الغامضة ، وتحديد خصوصية استعمال التعبير: إن كان مختصا بالأشخاص أو غيرهم ، أو مرتبطا بصيغ صرفية أو نحوية بعينها. كما رصدت معلومات الاستعمال ، والتأثيل ، والإحالات ... الخ.

ـ حين وجدت للتعبير أكثر من معنى رصدت كلا من هذه المعاني، وأتبعته بالأمثلة التي توضح السياق الذي يستعمل فيه.

ـ وحين وجدت الباحثة بالمدونة بعض التعابير الاصطلاحية المعاصرة من اللهجات العامية ، حرصت على تحديد مواضع هذه التعابير في المدونة، بالإشارة إلى صفحات الكتب والمطبوعات التي جمعت منها المادة.

والمعجم يعد إضافة للمعاجم العربية ، في مجال التعبير الاصطلاحي ، الذي يندر فيه المعاجم العربية ، التي تتبع التقنيات الحديثة للعمل المعجمي ، فضلا عن المعاجم التي ترصد مادتها من خلال مدونة حية.

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:04 PM
حول صفات الاصوات اللغوية


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo_13.jpg


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo_14.jpg



http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo_15.jpg





http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo_16.jpg




http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo_17.jpg




http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo_18.jpg




http://http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo_19.jpg





http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo_20.jpg





http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo_21.jpg





http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo_22.jpg





http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo_23.jpg

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:13 PM
مخارج الاصوات


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoooo_10.jpg


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoooo_11.jpg


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoooo_12.jpg


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoooo_13.jpg



http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoooo_14.jpg


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoooo_15.jpg


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoooo_16.jpg

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:18 PM
نشأة اللغة الانسانية الأولى : أهم النظريات أو الفرضيات


اختلف الباحثون قديما وحديثا في موضوع نشأة اللغة الانسانية الأولى ، ومدى نجاعة دراسة مثل هذا الموضوع بين معارضين للبحث فيه الى درجة التحريم ، باعتباره موضوعا غير ظني لا يمكن التحقق من صحة وقائعه ، و بين مؤيدين بل ومصرين على مثل هذه البحوث اللغوية التي تنبع من التراث المعرفي الذي يصب في صميم الدراسات اللغوية و ما يتعلق بها .

ولكن عندما ظهر ما يسمى بالدراسات اللسانية الحديثة ( المدارس اللسانية ) كان هناك انفصال بين علمين توأمين أحدهما يسمى (فقه اللغة ) والثاني (علم اللغة ).

كما مر معنا سابقا ، وصار من السهل اخراج مثل هذا الموضوع من الأبحاث والدراسات التي تدخل تحت عنوان (علم اللغة ) و ادراجه في الدراسات التي تسمى ( فقه اللغة ).

لذلك أدرجنا هذا الموضوع ضمن مادة ( فقه اللغة) ، بغض النظر عما تتضمنه هذه المادة من موضوعات يمكن أن تدرج في ( علم اللغة ) متابعة للبحوث و الدراسات والأعمال العربية التي جاءت تحت عنوان (فقه اللغة ) و لكنها كانت أقرب الى فقه اللغة حسب المفاهيم والآراء الحديثة لهذا العلم .

و قد تعددت الآراء والفرضيات التي تفسر نشأة اللغة الانسانية الأولى ، من اعتماد المعقول والمنقول .

ومن أهم هذه النظريات ( الفرضيات ) ، النظريات الآتية :

1ـ نظرية الالهام و الوحي والتوقيف :

تذهب هذه النظرية الى أن الله الخالق أوحى الى الانسان الأول وأوقفه على أسماء الأشياء بعد أن علمه النطق . وقدذهب الى هذا الرأي في العصور القديمة الفيلسوف اليوناني هيراقليط ( ت : 480 ق . م ) ، و في العصور الحديثة طائفة من العلماء على رأسها لامي والفيلسوف دونالد . ومن علماء المسلمين في العصور الوسطى : أبو عثمان الجاحظ (ت 255 ه) و أبو الحسن الأشعري (ت 324 ه) ، و أحمد بن فارس (ت 395ه ) ، الذي يرى أن لغة العرب توقيفية .

ويبدو من قول ابن فارس أن اللغة العربية هي لغة آدم عليه السلام ، لأنه ذكر أن أول من كتب الكتاب العربي والسرياني و الكتب كلها آدم ـ عليه السلام ـ قبل موته ب300سنة . وقد ذكر السيوطي عن ابن عساكر في التاريخ عن ابن عباس ، أن آدم (عليه السلام ) كانت لغته في الجنة العربية .

قال عبد الملك بن حبيب : " كان اللسان الأول الذي نزل به آ دم من الجنة عربيا . إلا أن بعد العهد و طال صار سريانيا ، وكان يشاكل اللسان العربي الا أنه محرف .... وبقي اللسان في ولد أرفشذ بن سام الى أن وصل الى يشجب بن قحطان من ذريته وكان باليمن ، فنزل بنو اسماعيل ، فتعلم منهم بنو قحطان اللسان العربي .

ويرى علماء العبرانية وتابعهم كثير من مشاهير علماء النصرانية وغيرهم : أن اللغة العبرانية هي اللغة التي فتق الله بها لسان آدم ـ عليه السلام ـ في ولده شيث حتى انتهت الى ابراهيم عن طريق عابر بن سام ويستدلون على ذلك بعدد من الأسماء الواردة في حديث الخلق وما بعده الى الطوفان مثل آدم وعدن و فيشون وجيجون وغيرها أسماء عبرانية .

أدلة أصحاب التوقيف

يعتمد علماء الغرب المؤيدون لهذه النظرية على ما ورد بهذا الصدد في العهد القديم من الانجيل" و الله خلق من طين جميع حيوانات الحقول ، و جميع طيور السماء ، ثم دعا آدم ليرى كيف يسميها . وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه له الانسان . فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ، ولطيور السماء و دواب الحقول "

وهذا النص لايدل على شيء مما يقوله أصحاب هذه النظرية بل يكاد يكون دليلا على عكس النظرية .

ويرى الدكتور توفيق شاهين أن أبا عثمان الجاحظ ارتضى هذه النظرية حيث قرر أن الله سبحانه و تعالى أنطق نبيه اسماعيل بالعربية دون سابق تمهيد أو تعليم وأنه ـتعالىـ فطره على الفصاحة على غير النشوء والتمرين .

و يضيف القائلون بالتوقيف الى ذلك ثلاثة وجوه :

1 ـ أنه سبحانه وتعالى ذم قوما في اطلاقهم أسماء غير توقيفية في قوله تعالى :" ان هي الا أسماء سميتموها أنتم ..." وذلك يقتضي كون البواقي توقيفية

2 ـ قوله تعالى :" ومن آياته خلق السماوات والأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم " و الألسنة اللحمانية غير مرادة لعدم اختلافها . و لأن بدائع الصنع في غيرها أكثر . فالمراد هي اللغات

3 ـ وهو عقلي : فلو كانت اللغات اصطلاحية لاحتيج في التخاطب بوضعها الى اصطلاح آخر من لغة أو كتابة ، يعود اليه الكلام ،و يلزم اما الدور أو التسلسل في الأوضاع و هو محال فلا بد من الانتهاء الى التوقيف .

وبناء على كلام أهل التوقيف ، لا يجوز قلب اللغة مطلقا : فلا يجوز تسمية الثوب فرسا مثلا

وقدم ابن جني تفسيرا آخر هو أن الله تبارك وتعالى : علم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات :العربية والسريانية و الفارسية والعبرانية و الرومية وغير ذلك من سائر اللغات . فكان هو و ولده يتكلمون بها ،ثم ان ولده تفرقوا في الدنيا وعلق كل منهم بلغة من تلك اللغات ، فغلبت عليه و اضمحل عنه ما سواها عهدهم بها

أما الخفاجي فيذهب الى أن التوقيف الالهي مستند الى لغة سابقة له يفهم بها المقصود بافتراض أن المواضعة تقدمت بين آدم والملائكة .


2ـ نظرية محاكاة أصوات الطبيعة :

تذهب الى أن أصل اللغة محاكاة أصوات الطبيعة ،كأصوات الحيوانات وأصوات مظاهر الطبيعة ، والتي تحدثها الأفعال عند وقوعها ، ثم تطورت الألفاظ الدالة على المحاكاة ، وارتقت بفعل ارتقاء العقلية الانسانية وتقدم الحضارة .

وذهب الى هذه النظرية " ابن جني" قديما ، و "ويتني " حديثا في القرن التاسع عشر.
وليست هذه النظرية من اختراع "ماكس ميلر " ، كما أشار بعضهم بل عرفها العلامة ابن جني . وذكر أنه نقله عمن سبقه ، مما يدل أنه كان مذهبا شائعا و مقررا حيث يقول : وذهب بعضهم الى أن أصل اللغات كلها ، انما هو الأصوات المسموعات كدوي البحر وحنين الرعد ، وخرير الماء ، و شحيح الحمار ونعيق الغراب ... ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد"

وقد كان ابن جني معجبا بهذه النظرية ،حيث أفرد لها بابا في كتاب الخصائص سماه
( باب في امساس الألفاظ أشباه المعاني ) ، قال فيه " و لو لم يتنبه على ذلك الا بما جاء عنهم من تسميتهم الأشياء بأصواتها ،كالخازبار لصوته ، و البط لصوته و نحو ذلك قولهم حاحيت ،و عاعيت ، هاهيت ، اذا قلت حاء ، عاء ، هاء ، وقولهم : بسملت ،هللت ، حوقلت . كل ذلك أشباهه انما يرجع اشتقاقه الى الأصوات و الأمر أوسع "

والواقع أن لهذا النظرية ما يؤيدها . فالطائر المسمى في الانجليزية CUOKOO الى جانب الهرة المسماة "مو " في المصرية القديمة

ويذهب بعض الباحثين الى أن هذه النظرية هي أقرب النظريات الى الصحة و الى
المعقول ، وأكثرها اتفاقا مع طبيعة الأمور وسنن النشوء .

ومن أهم أدلتها :

1 ـ أن المراحل التي تقررها بصدد اللغة الانسانية ، تتفق في كثير من وجوهها ، مع مراحل الارتقاء اللغوي عند الطفل :فقد ثبت أن الطفل في المرحلة السابقة لمرحلة الكلام ، يلجأ في تعبيره الارادي الى محاكاة أصوات الطبيعة ، فيحاكي الصوت قاصدا التعبير عن مصدره ، أو عن أمر يتصل به .
وثبت كذلك أنه في هذه المرحلة ـ و في بدأ مرحلة الكلام ـ يعتمد اعتمادا جوهريا في توضيح تعبيره الصوتي ، على الاشارات اليدوية والجسمية

نقد النظرية :

وجه الى هذه النظرية انتقاد أساسي، فهي من جهة تعجز عن تفسير مبدأ كيفية(حكاية الأصوات ) ، في آلاف الكلمات التي لا نرى الآن أية علاقة بين معناها وصوتها . فما العلاقة بين لفظ الكتاب و معناه ،مثلا ؟





3 ـ نظرية الاتفاق والمواضعة والاصطلاح

تقرر هذه النظرية أن اللغة ابتدعت و استحدثت بالتواضع ، و الاتفاق و ارتجلت ألفاظها ارتجالا . ومال كثير من العلماء والمفكرين الى هذه النظرية ،منهم : الفيلسوف اليوناني ديموكريط و أرسطو والمعتزلة .

وقال بها من المحدثين أيضا : آدم سميث الانجليزي .

وليس لهذه النظرية أي سند عقلي او نقلي أو تاريخي بل أن ما تقرره يتعارض مع النواميس العامة التي تسير عليها النظم الاجتماعية ، وعهدنا بهذه النظم ، أنها لا تخلق خلقا ، بل تتكون بالتدريج من تلقاء نفسها . اضافة الى ذلك فالتواضع على التسمية يتوقف في كثير من مظاهره على لغة صوتية يتفاهم بها المتواضعون فبأي لغة تواصل هؤلاء ؟
هذه النظريات هي أشهر النظريات و هناك نظريات أخرى نكتفي بذكرها دون تفصيل ومنها :

1 ـ نظرية الأصوات التعجبية العاطفية : نظرية pooh _ pooh

2 ـ نظرية الاستجابة الصوتية للحركة العضلية : نظرية yo _he –ho

3ـ نظرية جسبرسن الذي طالب بدراسة وافية للغة الطفل ، ولغات القبائل البدائية ، ودراسة تاريخية للتطور اللغوي . كل ذلك من أجل التوصل الى معرفة كيفية نشأة اللغة الانسانية الأولى وفق منهج علمي

4 ـ نظرية فندريس : الذي يرى أن اللغة كانت لدى الانسان الأولى انفعالية محضة
5ـ نظرية النشوء والتناسل : و ترى هذه النظرية أن اللغة نشأت بالطفرة و بشكل تلقائي ، فتفترض أن اللغة نشأت متكاملة في لحظة معينة ثم أعقبها التوالد والتكاثر.

نرى كما يرى عدد من الباحثين ، أنه لاتوجد نظرية واحدة يمكن أن تفسر نشأة اللغة الانسانية و أن ثلاث نظريات متكاملة يمكن أن تفسرذلك . فالله سبحانه وتعالى أهل الانسان وأعطاه القدرات الخاصة ، فألهمه لكي ينطق وينشئ اللغة .

بهذه القدرة استطاع الانسان الأول أن يضع كلماته وجمله الأولى ، بالاصغاء والملاحظة والتقليد ، لما يوجد حوله في الكون. ولما تقدم الانسان ، وارتقى في التفكير ، بدأ بوضع كلمات جديدة بالتواطؤ و الاصطلاح الذي ما زال مستمرا الى يومنا هذا ، بل الى قيام الساعة




إعداد الدكتور أحمد شامية

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:19 PM
بين فقه اللغة وعلم اللغة


الفقه - في المعاجم العربية - هو الفهم وربما خص بعلم الشريعة والدين.

وقد ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام قوله " من أراد الله به خيرا فقهه في الدين " ومن هنا يتبين لنا وجود مطابقة من الناحية اللغوية بين الفقه والعلم، وبهذا أخذ عدد من العلماء و الباحثين اللغويين فلم يفرقوا بين العلمين ، وإنما جعلوا ( فقه اللغة وعلم اللغة) مصطلحين لمفهوم واحد أو علم واحد .

ومن أبرز هؤلاء العلماء المعاصرين الأستاذ الدكتور صبحي الصالح ، الذي قال في كتابه( دراسات في علم اللغة ) : "من العسير تحديد الفروق الدقيقة بين علم اللغة وفقه اللغة لأن جل مباحثهما متداخل لدى طائفة من العلماء في الشرق والغرب ، قديما وحديثا ، و قد سمح هذا التداخل أحيانا ، بإطلاق كل من التسميتين على الأخرى ، حتى غدا العلماء يسردون البحوث اللغوية التي تسلك عادة في علم اللغة ، ثم يقولون : " وفقه اللغة يشمل البحوث السابقة ..." والحقيقة أن العرب ، لم يكونوا يعرفون هذه التسمية أو هذا المصطلح "فقه اللغة "، الا في أواخر القرن الرابع الهجري ، وربما كان أول من استعمل هذا المصطلح أحمد بن فارس ،المتوفى سنة395 ه ،عنوانا لمؤلفه (الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها).

ويلاحظ بعد ذلك استعمال هذا المصطلح عند عدد من العلماء مثل الثعالبي -ت429هـ - في كتابه (فقه اللغة وسر العربية). وان كان هذا الكتاب حسب رأي الباحثين المعاصرين ، لا يمثل في موضوعاته ما يمكن أن يسلك في فقه اللغة . بينما نجد بعض المؤلفات الأخرى التي لا تحمل مثل هذا العنوان ، و لكنها تشمل موضوعات هي أولى بأن تكون من مباحث فقه اللغة مثال ذلك كتاب ابن جني- ت 392هـ المعنون ب ( الخصائص ) .

ولعل أقرب المؤلفات الى مفهوم فقه اللغة كتاب المزهر للسيوطي - ت 211هـ - . في العصر الحديث وبعد أن تقدمت البحوث اللغوية لا سيما في الدراسات اللسانية العربية ومنذ أن ظهر العالم اللغوي السويسري ، فرديناند دي سوسير الذي دعا الى الفصل بين الدراسات اللغوية وفق منهج علمي موضوعي يتمثل في دراسة اللغة بذاتها و لذاتها و بين المنهج التاريخي - الزماني التطوري - .

هنا بدأ الفصل بين علمين مستقلين هما (فقه اللغة) أوالفيلولوجيا حسب المصطلح الغربي و( علم اللغة).

وتجلى ذلك في الدراسات اللغوية المعاصرة في اختلاف الآراء وظهور مصطلحات مختلفة للدراسات اللغوية ، اذ يرى بعضهم ألا فرق بين فقه اللغة و علم اللغة كما هو عند صبحي صالح و كذلك محمد المبارك .

بينما نجد تسميات أخرى مثل ( الفلسفة اللغوية ) عند جرجي زيدان
و(الألسنية ) عند مرمرجي الدومينيكي و( اللسانيات ) عند الدكتور عبد الرحمان الحاج صالح و (علم اللغة )عند محمود السعران و كثيرون .

لكن أشهر التسميات : فقه اللغة و علم اللغة ، أما مصطلح ( فيلولوجي ) الغربي الذي نترجمه الآن بفقه اللغة فيحتاج الى بعض التفصيل .

وتبين الدراسة التاريخية بين القرن الثامن عشر و القرن العشرين ، أن هذا المصطلح لم يكن واضحا، حيث استعملت مصطلحات أخرى من قبل وشملت بحوثا لغوية مختلفة مثل دراسة النحو والصرف والنصوص القديمة و يعتقد بعضهم أنه يشمل بحوث علم اللغة بالاضافة الى جميع الفنون اللغوية و الأدبية و تاريخ العلوم بشكل عام . ظل الأمر كذلك حتى ظهور ما يسمى
(اللسانيات)الحديثة عند دو سوسير و البنويين الغربيين .وتركت البحوث التاريخية والتطورية التي سميت بعد ذلك الفيلولوجيا . و لم تعد موضوعات مثل نشأة اللغات وغيرها تتدخل في نطاق ما يسمى بـ علم اللغة )

من هنا يمكن أن نوجز المراحل التي مرت بها الدراسات اللغوية الغربية بما يلي :

1- مرحلة ما يسمى بالقواعد ، و قد شيدها الإغريق ،و تابعها الفرنسيون
وهي تعتمد المنطق والمعيارية ، وترمي الى تقديم قواعد لتمييز الصيغ الصحيحة .

2- مرحلة فقه اللغة ونشأت في مدرسة الاسكندرية و تنصب الدراسة فيها على النصوص القديمة المكتوبة ، واللغة ليست موضوع الدراسة الوحيد وانما التاريخ والشرح والتفسيرو العادات ... وتهتم أساسا بالنقد ، وقد عبدت الطريق لما يسمى باللسانيات التاريخية .

3 ـ النحو المقارن ، و بدأت هذه الدراسات باكتشاف اللغة السنسكريتية (الهندية القديمة) و كانت في البداية - عند علماء الهندواوروبية - ذات منهج طبيعي ، عند ( بوب وماكس ميلر )
ثم تشكلت مدرسة جديدة تحمل اسم النحويين المولدين الألمان بحافز من كتاب الأمريكي ، ( ويتني ) الذي عنوانه ( حياة الإنسان )

4 - وفي الثلاثينيات من القرن العشرين ظهرت المدرسة البنيوية، التي لا تعتمد معايير خارجة عن اللغة ، فاللغة منظومة لا تعترف الا بنظامها الخاص و قد تم تطوير هذا الاتجاه في الولايات المتحدة الأمريكية.
وبعد ذلك تعددت الاتجاهات البنيوية في أمريكا وأوروبا حتى صار ما يعرف بالمدارس اللسانية الحديثة .


ولو رجعنا الآن الى التمييز بين فقه اللغة وعلم اللغة يمكن أن نذكر أن الفرق الرئيسي يتجلى فيما يلي:

1 - يعتمد علم اللغة المنهج الوصفي الآني للنصوص اللغوية .
بينما يعتمد فقه اللغة المنهج التاريخي التطوري المقارن \

2 - تنصب الدراسة في علم اللغة على النصوص الحية وخاصة الشفوية منها . في حين نجدها تهتم في فقه اللغة بالنصوص المكتوبة والقديمة بشكل خاص بالاضافة الى المخطوطات والنقوش.

3 - يهدف علم اللغة الى دراسة النظام اللغوي في البنية اللغوية .
بينما يهدف فقه اللغة بالاضافة الى دراسة اللغة بحد ذاتها الى الوصول الى معلومات تتعلق بالتاريخ والثقافة ، والعادات والتقاليد وغير ذلك مما يمكن استنباطه من النص اللغوي ، وهنا تتخذ اللغة باعتبارها وسيلة ، بينما هي حسب منهج علم اللغة غاية بحد ذاتها .



عن د . أحمد الشامية والأستاذة نبيلة

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:21 PM
فقه اللغة تعريف وتوضيحات


أ ـ أهمية اللغة

قد لا تبدو أهمية اللغة ودراسة علومها – وهي تسلك في مجموعة العلوم الإنسانية -لاتبدو هذه الأهمية في مستواها الحقيقي عند مقارنتها بالعلوم الأخرى لاسيما العلوم الدقيقة والتكنولوجية ... وربما ينعكس ذلك على الاهتمام بدراسة اللغة مما يؤدي إلى عدم إعطائها القدرالكافي ، والمساحة الضرورية في وضع البرامج والتخطيط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .

لكن لو حللنا المسألة بعمق وموضوعية لتبين لنا أن اللغة – أي لغة – هي عصب العلوم في جميع فروعها ، بل هي أداة الحياة والحضارة والتقدم .

حتى يمكن للمرء أن يقول أن الإنسان بتميزه عن غيره من المخلوقات قد كان له ذلك بفضل هذه النعمة ، حتى أنه قد يصدق القول ، الإنسان حيوان ذولغة بما للغة من الارتباط الوثيق بالتفكير وتأمين الاتصال ، ويمكن الرجوع في هذا إلى الكثير مما سجله الباحثون ورجال الفكر .

فاللغة هي الإنسان ، قال تعالى ( خلق الإنسان علمه البيان ) صدق الله العظيم . ففي هذه الآية نلاحظ هذه العلاقة بين خلق الإنسان وتعليمه البيان أي الكلام بلسان مبين مختلف عن وسائل الاتصال ، أو ما يسمى بلغة الطيور والحيوانات وغيرها ، فالمخلوق الوحيد الذي يمتلك مثل هذا اللسان وهذه الأداة هو الإنسان ، والإنسان وحده .

ولذا فكل مايتعلق بالإنسان وتفاعله مع هذا الكون يستند أصلا إلى اللغة ومن هنا كانت اللغة جديرة بالاهتمام والبحث والدراسة للاستفادة من مزاياها وإمكاناتها إلى أقصى حد .

والتفصيل في هذا الموضوع قد يطول ، ولكن يمكن أن أقول باختصار ، أن اللغة ، هي واحدة من الوسائل الحيوية الأربعة التي ما كان للإنسان أن يستمر في هذه الحياة بدونها ولكن على الترتيب في الأهمية ، بدءا بالهواء الذي لا يمكن العيش بدونه دقائق معدودة ولذلك وفرته العناية الإلهية بصورة غير محدودة ، بل هو الذي لا يسعى الإنسان إليه .

ويأتي بعد ذلك وفي المرتبة الثانية – الماء ـ إذ لا يستطيع الإنسان الصبرعلى فقدانه إلا لأيام معدودة ، ولذلك توفر في الحياة ولكن ببعض السعي والجهد من بحث أو سفر أو رحلة أو غيرذلك ، ثم يأتي في المرتبة الثالثة الغذاء وهو من الضرورات التي لابد منها لاستمرار الحياة ، ولكن يمكن الصبر على فقدانه لفترة أطول ، لذلك كانت الحكمة الإلهية توفره إنما بصورة أقل وتحتاج إلى فترة أطول من السعي والطلب .

وأخيرا تأتي اللغة و التي قد تعيش البشرية بدونها فترات طويلة نسبيا ولكن لولاها لما استطاعت أن تتقدم وتزهر وتبني وتعمر وبالتالي كانت عوامل الطبيعة قد عدت عليها فانقرض الإنسان ، وانقرضت الحياة ، إذ أننا لايمكن أن نتصور هذا التقدم العلمي الصاعد لوكان الإنسان دون لغة . ( انظر مقال : هل العربية ملكة اللغات ) مجلة المبرز ، العدد الأول – المدرسة العليا للأساتذة 1992 إن ما نسعى إليه في هذا الموضوع هو لفت الانتباه إلى أهمية اللغة والسعي إلى دراستها وتعلمها بطريقة منهجية لنتمكن أيضا من تعليمها إلى الأجيال ببذل أقل ما يمكن والوصول الىأفضل النتائج .


بين فقه اللغة وعلم اللغة

الفقه ـ في المعاجم العربية ـ هو الفهم وربما خص بعلم الشريعة والدين .

و قد ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام قوله " من أراد الله به خيرا فقهه في الدين "
و من هنا يتبين لنا وجود مطابقة من الناحية اللغوية بين الفقه والعلم، و بهذا أخذ عدد من العلماء و الباحثين اللغويين فلم يفرقوا بين العلمين ، و انما جعلوا ( فقه اللغة وعلم اللغة) مصطلحين لمفهوم واحد أو علم واحد .

و من أبرز هؤلاء العلماء المعاصرين الأستاذ الدكتور صبحي الصالح ، الذي قال في كتابه( دراسات في علم اللغة ) : "من العسير تحديد الفروق الدقيقة بين علم اللغة فقه اللغة لأن جل مباحثهما متداخل لدى طائفة من العلماء في الشرق والغرب ، قديما وحديثا ، و قد سمح هذا التداخل أحيانا ، باطلاق كل من التسميتين على الأخرى ، حتى غدا العلماء يسردون البحوث اللغوية التي تسلك عادة في علم اللغة ، ثم يقولون : " وفقه اللغة يشمل البحوث السابقة ..."

و الحقيقة أن العرب ، لم يكونوا يعرفون هذه التسمية أو هذا المصطلح "فقه اللغة " ، الا في أواخر القرن الرابع الهجري ، و ربما كان أول من استعمل هذا المصطلح أحمد بن فارس ،المتوفى سنة395 ه ،عنوانا لمؤلفه(الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها).
و يلاحظ بعد ذلك استعمال هذا المصطلح عند عدد من العلماء مثل الثعالبي ـ ت429هـ ـ في كتابه ( فقه اللغة وسر العربية) . و ان كان هذا الكتاب ، حسب رأي الباحثين المعاصرين ، لا يمثل في موضوعاته ما يمكن أن يسلك في فقه اللغة . بينما نجد بعض المؤلفات الأخرى التي لا تحمل مثل هذا العنوان ، و لكنها تشمل موضوعات هي أولى بأن تكون من مباحث فقه اللغة مثال ذلك كتاب ابن جني ـ ت 392هـ المعنون بـ (الخصائص)

ولعل أقرب المؤلفات الى مفهوم فقه اللغة كتاب المزهر للسيوطي ـ ت 211هـ ـ
في العصر الحديث وبعد أن تقدمت البحوث اللغوية لا سيما في الدراسات اللسانية العربية ومنذ أن ظهر العالم اللغوي السويسري ، فرديناند دي سوسير الذي دعا الى الفصل بين الدراسات اللغوية وفق منهج علمي موضوعي يتمثل في دراسة اللغة بذاتها و لذاتها و بين المنهج التاريخي ـ الزماني التطوري ـ

هنا بدأ الفصل بين علمين مستقلين هما(فقه اللغة) أو الفيلولوجيا حسب المصطلح الغربي و( علم اللغة)

وتجلى ذلك في الدراسات اللغوية المعاصرة في اختلاف الآراء وظهورمصطلحات مختلفة للدراسات اللغوية ، اذ يرى بعضهم ألا فرق بين فقه اللغة و علم اللغة كما هو عند صبحي صالح و كذلك محمد المبارك

بينما نجد تسميات أخرى مثل ( الفلسفة اللغوية ) عند جرجي زيدان و (الألسنية ) عند مرمرجي الدومينيكي و ( اللسانيات ) عند الدكتور عبد الرحمان الحاج صالح و (علم اللغة )عند محمود السعران و كثيرون .

لكن أشهر التسميات : فقه اللغة و علم اللغة ، أما مصطلح ( فيلولوجي ) الغربي الذي نترجمه الآن بفقه اللغة فيحتاج الى بعض التفصيل .

و تبين الدراسة التاريخية بين القرن الثامن عشر و القرن العشرين ، أن هذا المصطلح لم يكن واضحا ، حيث استعملت مصطلحات أخرى من قبل وشملت بحوثا لغوية مختلفة مثل دراسة النحو والصرف و النصوص القديمة . و يعتقد بعضهم أنه يشمل بحوث علم اللغة بالاضافة الى جميع الفنون اللغوية و الأدبية و تاريخ العلوم بشكل عام .

ظل الأمر كذلك حتى ظهور ما يسمى( اللسانيات )الحديثة عند دو سوسير و البنويين الغربيين .وتركت البحوث التاريخية والتطورية التي سميت بعد ذلك الفيلولوجيا . و لم تعد موضوعات مثل نشأة اللغات وغيرها تتدخل في نطاق ما يسمى ب (علم اللغة ).

من هنا يمكن أن نوجز المراحل التي مرت بها الدراسات اللغوية الغربية بما يلي :

1ـ مرحلة ما يسمى بالقواعد ، و قد شيدها الاغريق ،و تابعها الفرنسيون و هي تعتمد المنطق والمعيارية ، وترمي الى تقديم قواعد لتمييز الصيغ الصحيحة .

2 ـ مرحلة فقه اللغة و نشأت في مدرسة الاسكندرية و تنصب الدراسة فيها على النصوص القديمة المكتوبة ، واللغة ليست موضوع الدراسة الوحيد و انما التاريخ والشرح والتفسير والعادات ... وتهتم أساسا بالنقد ، و قد عبدت الطريق لما يسمى باللسانيات التاريخية .

3 ـ النحو المقارن ، و بدأت هذه الدراسات باكتشاف اللغة السنسكريتية (الهندية القديمة) وكانت في البداية ـ عند علماء الهندواوروبية ـ ذات منهج طبيعي ،عند ( بوب وماكس ميلر )
ثم تشكلت مدرسة جديدة تحمل اسم النحويين المولدين الألمان بحافز من كتاب الأمريكي ، ( ويتني ) الذي عنوانه ( حياة الانسان )

4 ـ وفي الثلاثينيات من القرن العشرين ظهرت المدرسة البنوية ، التي لا تعتمد معايير خارجة عن اللغة ، فاللغة منظومة لا تعترف الا بنظامها الخاص و قد تم تطوير هذا الاتجاه في الولايات المتحدة الأمريكية
وبعد ذلك تعددت الاتجاهات البنوية في أمريكا وأوروبا حتى صار ما يعرف بالمدارس اللسانية الحديثة
ولو رجعنا الآن الى التمييز بين فقه اللغة وعلم اللغة يمكن أن نذكر أن الفرق الرئيسي يتجلى فيما يلي:

1 ـ يعتمد علم اللغة المنهج الوصفي الآني للنصوص اللغوية
بينما يعتمد فقه اللغة المنهج التاريخي التطوري المقارن

2 ـ تنصب الدراسة في علم اللغة على النصوص الحية وخاصة الشفوية منها .
في حين نجدها تهتم في فقه اللغة بالنصوص المكتوبة والقديمة بشكل خاص بالاضافة الى المخطوطات والنقوش

3 ـ يهدف علم اللغة الى دراسة النظام اللغوي في البنية اللغوية
بينما يهدف فقه اللغة بالاضافة الى دراسة اللغة بحد ذاتها الى الوصول الى معلومات تتعلق بالتاريخ والثقافة ، و العادات والتقاليد و غير ذلك مما يمكن استنباطه من النص اللغوي ، وهنا تتخذ اللغة باعتبارها وسيلة ، بينما هي حسب منهج علم اللغة غاية بحد ذاتها .





الدكتور أحمد شامية

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:22 PM
فقه اللغة ، علم اللغة ، اللسانيات ، الألسنية (إعداد أ. د / أحمد شامية)


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo912.jpg



http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo913.jpg



http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo110.jpg


http://http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo111.jpg


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo112.jpg



http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo113.jpg




http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo114.jpg


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuoo115.jpg



















فقه اللغة ، علم اللغة ، اللسانيات ، الألسنية (إعداد أ. د / أحمد شامية

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:27 PM
العربية وموقعها بين اللغات (السامية)


تعد اللغات في عالمنا اليوم بالآلاف ، ولكن اللغات الظاهرة المشهورة منها تعد على الأصابع ومنها لغتنا العربية التي يتكلم بها مئات الملايين ودونت بها- ولا تزال - الملايين من الكتب ، وهي لغة القرآن والإسلام فما أصلها و من أين جاءت أو تفرعت ؟.

كنا قد تحدثنا عن فرضيات نشأة اللغة الانسانية الأولى و بتجاوز بعض الآراء التي يرى أصحابها أن عددا من اللغات قد بدأ في النشوء في مرحلة زمنية واحدة في أماكن متعددة فان الرأي السائد أن اللغة الانسانية الأولى- بأية طريقة- نشأت- كانت واحدة ، ثم تفرعت وتعددت بتفرق الشعوب مع امتداد الزمان والمكان.

ولا يمكن البحث في المجهول لمعرفة كيف كانت اللغة و كيف تفرعت وما هي الجذور اللغوية الأولى .

ولكن في العصور الحديثة و بعد اكتشاف اللغة السنسكريتية (الهندية القديمة) ونظرا لما لوحظ من التشابه بينها وبين اللغات الأوروبية و خاصة الجرمانية فقد قسم العلماء اللغات الى أرومات أو مجموعات كبرى أهمها : المجموعة الهندو أوروبية ،و المجموعة السامية ثم المجموعة الحامية .
ولغتنا العربية تقع بين أهم لغات المجموعة السامية التي تنسب الى سام بن نوح و ذريته و منها الآكادية و العبرية ،و الآرامية، و هي تشكل مع اللغات اليمنية القديمة و اللغات الحبشية السامية شعبة لغوية واحدة يطلق عليها الشعبة السامية الجنوبية .

إننا لا نعلم الكثير عن طفولة العربية فأقدم ما وصلنا من آثار العربية الباقية لا يتجاوز 150سنة قبل الإسلام ، أو 200 سنة على أبعد تقدير. وقلنا (العربية الباقية ) لأنها ( أي العربية ) تقسم أيضا الى عربية بائدة وعربية باقية .
أنظر المشجر البياني المرفق

تفصيل :يطلق العلماء اليوم على الشعوب الآرامية والفينيقية والعبرية والعربية واليمنية والبابلية ـ الآشورية لقب الساميين وكان العالم الألماني ، شلوتزير أول من استخدم هذا اللقب في إطلاقه على تلك الشعوب وقد شاركه عالم ألماني آخر هو ايكهورن ، في أواخر القرن الثامن عشر بتسمية لغات هذه الشعوب "اللغات السامية " واللغة السامية هي اللغة التي تكلم بها نسل سام بن نوح - كما ذكرنا - وقد اختلف اللغويون في كيفية تفرع بعضها عن بعض، والظاهر أن اللغات السامية الرئيسية الحية الى الآن وهي السريانية والعبرانية والعربية، لم تشتق إحداها من الأخرى ، ولكنها فروع لأصل قد طوته يد الأيام وهي لغة قدماء الساميين ، الذين سكنوا بين النهرين . وقد دعاها علماء اللغة ، باللغة الآرامية نسبة الى آرام أحد أبناء سام ، وهي لغة سكان ما بين النهرين الذين تشتتوا و تبعثروا في جهات آسيا فتنوعت لغاتهم وسكن بعضهم سواحل سوريا , وتنوعت لغتهم وعرفت باللغة الفينيقية، ومنها اللغة العبرانية وسكن آخرون العراق العربي وحدث عن تنوع لغتهم اللغة الآشورية ومنها اللغة الكلدانية والسريانية ، وآخرون أقاموا بشبه جزيرة العرب وتنوعت لغتهم وتولد عنها اللغة العربية بفروعها ومنها لغة الحبشة وحمير وعدنان وقريش... ولمعرفة أصل اللغة العربية يجب التفصيل في شجرة اللغة السامية . فالسامية تنقسم الى شرقية وغربية .

1- الشرقية : هي اللغات البابلية ـ الآشورية ، أو كما يسميها المحدثون من فقهاء اللغة" أكادية" نسبة الى بلاد آكاد وكان الأقدمون يسمونها الاسفينية أو المسمارية ، لأن الناطقين بها أخذوا الخط المسماري عن الشعب السومري حين تدفقوا الى منطقته في القسم الجنوبي من بلاد العراق .

2 - الغربية : وهي تنقسم الى فرعين ، شمالية وجنوبية

2 - 1: الشمالية : وهي تضم الكنعانية والآرامية

2-1 -1 الكنعانية : هي لغة القبائل العربية التي نزحت- على الأرجح - من القسم الجنوبي الغربي من بلاد العرب واستوطنت في سوريا وفلسطين ... وهي تشتمل على مجموعة من اللهجات (الكنعانية القديمة المؤابية الفينيقية ، العبرية الأوغيريتية)

2- 1- 2 الآرامية : وقد فرضت هذه اللغة نفسها على جميع أخواتها الشرقية والشمالية حتى أصبحت لغة التخاطب في الشرق الأدنى واستقرت هذه اللغة في جميع بلاد العراق وسوريا وفلسطين وما جاورها . وقدر بعض فقهاء اللغة مساحة البلاد الناطقة بها بما يقرب 600 من ألف كلم 2.

2- 2 : الجنوبية : وتضم العربية الجنوبية والعربية الشمالية.

2ـ2ـ1 العربية الجنوبية: يطلق عليها العلماء اسم اليمنية القديمة أو القحطانية وهي تحوي عدة لهجات وهي : المعينية والسبئية والحضرمية والقتبانية والحبشية .

- المعينية : هي اللهجة المنسوبة الى المعينيين الذين أسسوا في بلاد العرب في القسم الجنوبي من اليمن ، مملكة قديمة يعود تكوينها الى حوالي القرن الثامن قبل الميلاد .

- السبئية : و هي اللهجة المنسوبة الى السبئيين الذين أقاموا مملكتهم على أنقاض المملكة المعينية.
ومن المعروف أن مدينة مأرب كانت عاصمة المملكة السبئية وظلت هذه اللهجة سائدة في بلاد اليمن لمدة طويلة .

- الحضرمية : وهي اللهجة المنسوبة الى حضرموت التي استمرت الى زمن غير قليل تنازع سبأ الحكم والسلطان لكن حضارة سبأ كانت أقوى منها فغلبتها وأزالتها .

- القتبانية : هي اللهجة المنسوبة الى قتبان وهي مملكة عظيمة ، أنشئت في المنطقة الساحلية الواقعة شمال عدن ، وكتب عليها أن تنقرض في أواخر القرن الثاني ق. م، وبهذا كانت السبئية أقوى اللهجات العربية الجنوبية .

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:32 PM
علم الأصوات (إعداد الأستاذ الدكتور أحمد شامية)

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouu_ou10.jpg


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouu_ou11.jpg


http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouu_ou15.jpg



http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouu_ou16.jpg



http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouu_ou18.jpg

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:34 PM
الخصاص المشتركة بين العربية والسامية
تابع العربية وموقعها من اللغات السامية


ظهرت اللغة العربية على ألسنة العرب الأولين وقبائلهم القديمة من أمثال عاد وثمود الذين يعيشون في جنوبي الجزيرة . والعربية البائدة تضم : الصفوية واللحيانية والثمودية . ولما اندثرت هذه القبائل القديمة المتحدثة بهذه اللهجات، كانت بقايا منها لا تزال تحمل لغة الآباء ، و تتحدث بها ، واذا صح أن نطلق على اللهجات التي تحدث بها القبائل العربية القديمة اسم العربية البائدة، لأنها قد بادت مع أهلها فإننا نسمي اللغة التي وصلتنا بالعربية الباقية لبقائها حتى اليوم .

اذا : فالعربي اليوم يستعمل اللغة العربية الباقية وهي لغة الحجاز وتميم ولهجات أخرى.
رغم هذا تبقى اللغة العربية هي احدى اللغات السامية وأرقاها مبنى ومعنى واشتقاقا وتركيبا .

واللغات على اختلاف أنواعها تنقسم الى مرتقية و غير مرتقية والى متصرفة وغير متصرفة .

واللغات تقسم الى ثلاث طوائف كبرى : الهندو أوروبية ، الطورانية، السامية عاشت العربية في شمالي الجزيرة ( نجد ، الحجاز ، تهامة ) واستطاعت في القرن السادس ميلادي أن تبسط نفوذها في الجزيرة كلها وتدخل اليمن وتسيطر عليه ، وتمحو ما بقي من لهجات وتحل محلها .


الخصائص المشتركة بين العربية والسامية :

من خلال ما تقدم فان العربية تتموقع ضمن العربية الشمالية الباقية ، يعني الحجازية والتميمية وبعض اللهجات الأخرى .
وما من شك فان هناك مجموعة من الخصائص تتعلق باللغتين السامية والعربية.
فأصول الكلمات فيها تتكون غالبا من ثلاثة أصوات ساكنة ثابتة في الاشتقاق نقوم فيها بتغيير الحركات التي يتوقف عليها نوع الدلالة ... ففي العربية قتل أصل يتضمن معنى القتل فبتغيير الحركات فيها نشتق عدة أفعال وأسماء ونعوت تبعا لنوع ذلك التغيير فمنه : قتل (بفتح كل الحروف) قتل (بضم القاف و كسر التاء) ، قتل ( بفتح القاف وتسكين التاء) .
وقد تمد هذه الحركات فيقال : قاتل (بكسر التاء ) قاتل (بفتح التاء)، قتيل ، قتال (صيغة مبالغة). وبالإضافة الى هذه الخصائص نجد أنهما ( أي العربية والسامية ) تهملان الأصوات الصائتة في الكتابة . هذا ما يخص ثلاثية الأصوات ، الا أن بعض العلماء المحدثين كالأب مرمرجي الدومينيكي في كتاب (هل العربية منطقية) ؟

والقائلين بثلاثية الأصول يردون الرباعي منها الى الثلاثي ، فدحرج مثلا الى دحر أودرج .
ومن خلال ما تقدم يمكن القول أن :

- العربية والسامية معربتان
- كلاهما ثلاثية الأصول
- يهملان الأصوات الصائتة في الكتابة

وأخيرا يمكن أن نلحق هذه المحاضرة ببعض الملاحظات وبعض النصوص التي تمثل لغة النقوش التي اكتشفت وتمت ترجمتها وربما تمثل مرحلة لغوية سبقت العربية الفصحى باتجاه الأصل السامي.

1 - أداة التعريف (ها) في عربية النقوش (بالخط المسند) - الصفوية اللحيانية ، الثمودية - وكذلك باللهجة النبطية بتيماء ، واستثناء جاءت عندهم في اللهجة الصفوية بعض الأسماء معرفة بـ (أل) مثل الأوس ، العبد، والاسم الموصول في تلك اللهجة (ذو) وهو الذي تستخدمه قبيلة (طيء) التي تنزل بالقرب من منازل الصفويين شمالي الجزيرة في جبلي أجأ وسلمى .
واسم الاشارة في اللهجة الصفوية هو (ذا) ويأتون به تاليا للمشار اليه كما هو في العامية المصرية (النهارده) ومن عاداتهم التي ذكرها (ليتمان ) : " مرق نبط جوذا " أي مرق البط هذا الوادي بمعنى مروا به أو عبروه (عن شوقي ضيف:مجمع اللغة العربية في خمسين عام 1984-ط /1)

2 ـ من الألفاظ التي ما زالت واضحة الاشتراك في أهم اللغات السامية (ثابر) من المثابرة وأصلها الثلاثي ثبر : عن المعجم الكبير الصادر عن مجمع اللغة العربية


ففي الآكادية
شبارو

في الأوجريتية
ثبر

في العربية
شابر


في السريانية تبر (بتسكين التاء ) بالقاهرة ط|1 | 1992 ج |3 | ص212
وفي الحبشية سبر


3 - اتفق كثير من مهرة الدارسين للغات على أنه قد ضاعت أصول كثير من كلمات العربية والعبرانية ، لكن توجد أصول هذه الكلمات في العربية فوجود الفروع في السريانية والعبرية ووجود الأصل في العربية يدل على أنهما أخذتا منها هذه الكلمات مما يؤكد أصل العربية و قربها من اللغة السامية الأم .(عن مجلة المجمع العلمي بدمشق رقم | 6 | 1926 | ج| 12)

نصوص من لغة النقوش ويظهر فيها التقارب بين العربية البائدة والعربية الباقية :

- نقش سبئي : بمقم براهمو عشتر، شرقون ولشمسهو والآل تهمو وباخيل ومقيمت خميس

ترجمته :
يمجد سيدتهم عشتروت المشرقة وآلهتهم الشموس و سائر الآلهة وبحول وقوة الجيش


- نقش النمارة على قبر امرئ القيس بن عمرو أحد ملوك الحيرة(228م) :
تي نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو أسرالتج و ملك الأسدين ونزارووجا

ترجمته :
هذه روح امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم الذي عقد التاج وملك الأسدين وجاء ...

- نقش نبطي : (صنعه كعب بن حارثه للقيض بنت عبد مناة مؤرخ سنة 262 أي 368 م وبعد تحليل هذا النقش والحاق الأصوات المدية أصبحت عبارته :
( ذين للقيض بنت عبد مناة )

أي :
هذا القبر للقيض بنت عبد مناة


4 - يستخلص من الدراسات و آراء بعض الباحثين أن العربية ، إما أنها أم السامية أو اللغات جميعها أو أنها هي السامية الأم أو أنها أقرب اللغات السامية إليها .



نص تطبيقي حول اللغة العربية واللغات السامية


ملاحظة : سنعتمد في هذا الدرس تحليل ثلاثة نصوص.

1- يقول ابن حزم الأندلسي (ت456هـ ) : "فمن تدبر العبرانية والعربية والسريانية أيقن أن اختلافها انما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم وأنها لغة واحدة في الأصل "

2 - ويقول في نص آخر: "الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينا أن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير ، واحدة تبدلت مساكن أهلها فحدث فيها جرش (جرس) ، كالذي يحدث من الأندلسي اذا رام نغمة أهل القيروان ومن القيرواني اذا رام نغمة الأندلسي ... وهكذا في كثير من البلاد فانه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبدلا لا يخفى على من تأمله" .

3 - أما أبوحيان الأندلسي (ت754هـ) فيقول : "وقد تكلمت على كيفية نسبة الحبش في كتابنا المترجم عن هذه اللغة المسمى بجلاء الغبش عن لسان الحبش وكثيرا مما تتوافق اللغتان ، لغة العرب ولغة الحبش في ألفاظ و في قواعد من التركيب نحوية كحروف المضارعة وتاء التأنيث وهمزة التعدية "

التحليل :
تتمحور النصوص كلها حول مفهوم القرابة بين اللغات : العربية ، العبرية السريانية الحبشية، والتي تعود كلها الى أصل واحد هي اللغة السامية ويظهر ذلك في قول ابن حزم في نهاية النص الأول :
"... وهي لغة واحدة في الأصل" .
مما يعني وجود علاقات تاريخية بين اللغات - السابقة الذكر-

ومن الدلائل التي يمكن أن نؤسس عليها تلك العلاقات نذكر :
1 - أوجه الشبه الموجود بين تلك اللغات انطلاقا من مختلف مستويات البنية اللسانية أو اللغوية (الصوتية ، الصرفية ، التركيبية ) ، مستدلين بقول أبي حيان ، في النص الثالث حين يقول :
يقول : "وكثيرا ما تتوافق اللغتان ..................همزة التعدية ".

2 - يعود سبب الاختلاف بين هذه اللغات الى تفرق الناس الذين تكلموا السامية الأولى وانتشارهم في الأرض ، مما أنتج بعض التغيرات في خصائصها (أي السامية الأولى) على حسب مقام كل قوم وزمنه .

ويشبه ابن حزم هذا التغير الذي حدث بين السامية الأولى و مختلف اللغات التي انبثقت عنها بكيفية نشوء اللهجات العربية كلهجة مضر وربيعة عن العربية الفصحى ( الأولى) نتيجة هجرة العرب الى الأندلس في قوله في النص الثاني :
"والذي وقفنا عليه و علمناه يقينا ... تأمله " .

وبناء على هذا الواقع اللغوي المتمثل في اختلاف لهجات اللغة الواحدة يستنتج ابن حزم أن اللغات : العربية والعبرانية والسريانية ماهي الا لهجات انحدرت من أصل واحد .

من خلال هذه النصوص لعلمائنا العرب المتقدمين يتضح لنا معرفتهم باللغات المتشابهة والمختلفة، الى جانب التفاتهم الى بعض الحقائق اللغوية عن ميزات هذا التشابه الواضح بين اللغة العربية ولغات أخرى كالحبشية والسريانية ، في بعض الألفاظ والتراكيب مما يعني انحدارها من أصل واحد والتي يتصور البعض أنها اللغة السامية الأم ، في حين يتصور الآخرون أنها اللغة العربية .

ولقد انتبه بعض العلماء في الدراسات الحديثة الى وجود شبه بين اللغات السامية المتضمنة العربية: العبرية، الحبشية ... وهي تسمية أطلقها المستشرق الألماني "شلوتزر" بناء على تقسيم التوراة لشعوب الأرض الى أبناء سام وحام ويافث ، رغم اختلاف دلالته في البحث اللغوي عما جاء حول أبناء سام في التوراة ومن ثم شاع المصطلح أي اللغات السامية .

وقسم ماكس مولر لغات العالم الى ثلاث عائلات :

أ - الأسرة السامية الحامية ، وتتألف من :
1 - الأسرة السامية : أشهر لغاتها : العربية ، الآرامية ، السريانية ، العبرية ، الكنعانية الآكادية .
2 - الأسرة الحامية : أشهر لغاتها اللغة المصرية القديمة ، البربرية ...

ب - الأسرة الهندو أوروبية :
- من أشهر لغاتها القديمة : السنسكريتية ، اليونانية ، اللاتينية
- ومن أشهر لغاتها الحديثة : الألمانية ، الانجليزية ، الايطالية، الاسبانية

جـ - الأسرة الطورانية : تضم ما بقي من لغات أوروبا وآسيا مما لا يدخل في أسرة اللغات السامية الحامية ،أو الأسرة الهندية الأوروبية ، ومن أشهر لغاتها : الصينية واليابانية ، التركية والمغولية .

واذا نظرنا الى عائلة اللغات السامية والتي تنتمي اللغة العربية اليها ، نجد أن تصنيف لغات هذه العائلة ، يعود الى التشابه الموجود بينها من حيث مختلف مستويات البنية اللغوية وهي :

1 - من الناحية الصوتية : تحتوي اللغات السامية على أصوات حلقية :
- الحاء ، العين: وهي أصوات نجدها مثلا في العربية و العبرية والآرامية
- الطاء والصاد والقاف والظاء والضاد : حيث أجمع الباحثون في اللغات السامية على أن القاف والطاء والصاد شائعة في جميع اللغات السامية .

ومن هذا يتبين لنا أن أصوات اللغة السامية الأم هي :
الهمزة ، والهاء والحاء، الخاء، الطاء والعين والغين، والباء والفاء، الدال، الذال، التاء، الثاء، الجيم الكاف واللام والميم والنون، الراء، الواو، الياء، القاف، الصاد ، السين ، الشين ، الزاي .
وأثبتت الدراسة الصوتية المقارنة، أن اللغة العربية هي اللغة السامية الوحيدة التي تحتوي على هذه الأصوات كاملة .

2 - من الناحية الصرفية : تتضمن هذه اللغات في تصريف الأفعال صيغتين أساسيتين :
- احداهما تدل على تمام وقوع الحدث وانقضائه وانقطاعه، وهي صيغة الماضي .
- وتدل الثانية على استمرار الحدث وعدم تمامه ، وهي صيغة المضارع .

3 - من الناحية النحوية : فمن المميزات العامة للغات السامية وجود الجملة الاسمية التي تقوم على اسمين دون رابطة لفظية بينهما كالفعل المساعد في اللغات الهندية الأوروبية . ففي كل اللغات السامية أستطيع أن أقول : " الشجرة مزهرة " دون أن أضع بينهما كلمة " يكون " أو " هو" .
كما توجد فيها الجملة الفعلية ، ويكثر فيها وقوع الفعل في أول الجملة .
ويبدو أن اللغة السامية الأم كانت معربة ، واحتفظت العربية وحدها بهذه الظاهرة

4 - من الناحية المعجمية : تشترك اللغات السامية في استخدامها للكثير من الكلمات بدلالة واحدة - مع اتحاد النطق أو اختلافه اختلافا يسيرا - وهي : ذكر أنثى ، أب ، أم ، ملك عنب ، ثوم ، ركبة ، سماء ، أنف، قبر، شمس... وبناء على أوجه التشابه بين اللغات السامية رجح كثير من الباحثين أن اللغة العربية هي أقرب اللغات السامية شبها باللغة السامية الأم .

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:35 PM
النظرية الثنائية في اللغة


اذا كانت نظرية الأصل الثلاثي في العربية والسامية هي السائدة ،فان هناك من الباحثين اللغويين من يرى أن الأصل في العربية يعود الى الثنائية متأثرين بالنظرية التي تفسر نشأة اللغة الانسانية بمحاكاة أصوات الطبيعة .

حيث نشأت الألفاظ الأولى من صوتين متحرك وآخر ساكن أو ما يسمى بالمقطع الصوتي القصير المغلق ، ثم زيد فيها حرف أو أكثر في صدر الكلمة أو وسطها أو في آخرها.

وقد اهتم علماء اللغة العربية قديما وحديثا بهذه النظرية و تباينت آراؤهم بين مؤيد لها ومعارض ، نذكر منهم الأستاذ محمد المبارك الذي يعتقد بوجود الكثير من الألفاظ التي تشترك في حرفين دون الثالث ، وفي معنى عام يجمعها وينظم مفرداتها . وبذا يتم اكتشاف صلة جديدة بين المجموعات الثلاثية التي تشترك في حرفين من أصولها وفي فكرة كلية تجمعها ، وتتكون بذلك مجموعات ثنائية كبرى . ولتعليل هذه الصلة وضع محمد المبارك عدة احتمالات هي :

أ - يمكن القول أن الأصل في اللغة هو المجموعات الثلاثية فالمادة الأصلية في الحروف العربية تتكون من حروف ثلاث ، ولكن قد يعتري أحد هذه الحروف تبدل صوتي بتوالي الأزمان أو باختلاف القبائل والبيئات ، وبذلك تتكون هذه المجموعات الثنائية ويكون هذا الاشتراك بين المجموعات الثلاثية في حرفين دون ثالث ولكن هذا القول لا يمكن تعميمه.

ب - يرى عدد من الفقهاء قديما وحديثا أن الألفاظ العربية ترجع في منشئها التاريخي القديم إلى أصول ثنائية زيدت حرفا ثالثا في مراحل تطورها التاريخي، وقد جاء هذا الحرف الثالث منوعا للمعنى العام الذي تدل عليه الأصول الثنائية. ويتساءل الأستاذ المبارك عن موقع الحرف الثالث مضافا للحرفين ،والذي يأتي لتنويع المعنى العام وتخصيصه ثم يرد آخذا برأي أكثر الباحثين الذين يعتبرون أن الحرف الأخير هو الحرف المضاف . لكنه يعمد الى الأخذ بالأصل الثلاثي للغة ويعتبر الأصل الثنائي مرحلة تاريخية لم يعد البحث فيها مجديا الا ضمن هذا الاعتبار التاريخي.

أما الأمير مصطفى الشهابي فنجده يؤيد النظرية الثنائية قائلا:" المرجح أن العربية الأولى تكونت مثل غيرها من اللغات، من أصول قليلة ثنائية البناء أي مركبة من حرفين تحاكي الأصوات التي ينطق بها الإنسان البدائي على مقتضى غريزته ثم تعددت الكلم بإضافة حرف أو أكثر الى الأصل الثنائي ..."

أما الدكتور صبحي الصالح فقد تطرق الى الثنائية وعلاقتها بالمناسبة الطبيعية ، بين الثنائية التاريخية والثنائية المعجمية ، مشيرا الى أن الثنائية قد اتخذت في أذهان القائلين بها صورا مختلفة وأشكالا متنوعة فكانت الثنائية التاريخية ذات المقطع الواحد، والثنائية المعجمية ذات المقطع الواحد التي كرر مقطعها بكلا حرفيه فأصبحت رباعية بطريقة المضاعفة والتكرار.

1 ـ الثنائية التاريخية : تعود لدى أكثر القائلين بها الى تفسير نشأة اللغة الانسانية بمحاكاة أصوات الطبيعة ، كتقليد الإنسان أصوات الحيوان ، وأصوات مظاهر الطبيعة ، أو تعبيره عن انفعالاته الخاصة ،أو عن الأفعال التي تحدث عند وقوعها أصواتا معينة . فالكلم وضعت في أول أمرها على هجاء واحد، متحرك فساكن، محاكاة لأصوات الطبيعة ، ثم زيد فيها حرف أو أكثر في الصدر أو القلب ، أو الطرف - فتصرف المتكلمون بها تصرفا يختلف باختلاف البلاد و القبائل و البيئات ، فكان لكل زيادة أو حذف ، أو قلب أو ابدال أو صيغة أو غاية ، أو فكرة دون أختها ثم جاء الاستعمال فأقرها مع الزمن .

ومن علماء العرب من مال الى تقرير هذه الظاهرة اللغوية في نصوص واضحة، كابن جني الذي ينسب هذا الرأي الى بعض العلماء ، ثم يبدي إعجابه به وتقبله له فيقول : " وذهب بعضهم الى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات ، كدوي الريح وحنين الرعد ، وخرير الماء وشحيح الحمار ، ونعيق الغراب ،و صهيل الفرس ونزيب الظبي ، ونحو ذلك ، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد . وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل " ولتوضيح هذا الرأي وتقريره ، عمد ابن جني الى تخصيص باب آخر في كتابه الخصائص عنونه ب: (باب في امساس الألفاظ أشباه المعاني) بين فيه أن المناسبة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله قد تنبه اليها علماء اللغة الأقدمين كالخليل وسيبويه فقال: " اعلم أن هذا موضع شريف لطيف ، وقد نبه عليه الخليل وسيبويه ، وتلقته الجماعة بالقبول له والاعتراف بصحته . قال الخليل : كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدا فقالوا:
صر( بتشديد الراء) .
وتوهموا في صوت البازي قطعا فقالوا صرصر . وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان : أنها تأتي للاضطراب والحركة ، نحو النقزان والغليان ..."


2 ـ الثنائية المعجمية :
لكي يصح القول بالثنائية التاريخية في نشأة اللغة ، كان ينبغي لهذه الثنائية أن تلازم وحدة المقطع المؤلف من صوتين بسيطين فقط .
ويجب علينا عند الاستشهاد بهذه الظاهرة ذكر الكثير من المواد الثلاثية وبعض المواد الرباعية . لكننا نتساءل هنا عن ماهية الرابط المنطقي الذي يلمح بين تلك الصيغ المزيدة وبين أصولها الثنائية في نشأتها الأولى .

إن أصحاب هذا الرأي لا يعجزهم إيجاد ذلك الرابط ، مهما يكن بعيدا موغلا في التكلف ، فقد بدا لهم أن يتقصوا تلك الثنائية وهي تنقل من نطاق التاريخ الى بطون المعاجم ، فرأوها أجدر أن تسمى " ثنائية معجمية " وألفوا في كثير من المواد الثلاثية والرباعية أصولا ثنائية زيد عليها صوت أو أكثر
والتمسوا بين صورتها الأصلية المجردة وصورتها المتطورة المزيدة جامعا معنويا مشتركا، حتى اذا وجدوه اقتنعوا بأن زيادة المادة الصوتية ربما أوحت بفارق معنوي جديد ولكنها غالبا تحتفظ بجوهر المعنى الأصلي القديم .

وقد نبه الأب أنستاس ماري الكرملي الى معرفة حذاق اللغويين العرب المتقدمين لهذه الثنائية المعجمية مستشهدا بعمل الراغب الاصبهاني، حين بنى معجمه على اعتبار المضاعف هجاء واحدا، ولم يبال تكرار حرفه الأخير، فهو عنده من وضع الخيال ، أي اذا ذكر مادة (مد، يمد، مدا) ذكر بأنها مركبة من مادة (مد) أي ميم ودال ساكنة، ولا يعتبرها من الأصل الثلاثي (مدد) ، لهذا يورد (مد) قبل (مدح) .

ولم يكن الأب مرمرجي الدومينيكي أقل حماسة من الكرملي في الدفاع عن هذا المذهب إذ أورد بعض البراهين على سلامة هذه النظرية انطلاقا مما صاغه العلماء من الأفعال المضاعفة والمكررة مستخرجين عناصره الأولية من أسماء الأصوات، ودعاء الحيوانات وزجرها ، وبعض أسماء الأفعال، فهي جميعا ثنائية .

مثال ذلك :
أْف : بمعنى التكره
بخ: بمعنى استعظام الشيء
صه : للسكوت

من هذه الثنائيات صيغت أفعال : إما بتحريك الساكن وتشديده ، واما بتكرير الثنائي ذاته وتحريك الآخر ، فيقال صهصه من صه.

وكل حرف يزاد على الأصل الثنائي ، يجري على قانون التطور اللغوي تتويجا (في أول الكلمة)، أو إقحاما (في وسط الكلمة)، أو تذييلا (في آخر الكلمة ) ، مع بقاء الرابط المفهومي بين الثنائي والثلاثي و تستمر حتى مع الرباعي . إن الحرف الذي يزاد أي الثالث مثلا يكون ذا قيمة تعبيرية ذاتية ، موجه للمعنى الأصلي العام .

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:36 PM
العربية الباقية وأشهر لهجاتها

اللغة العربية الباقية هي التي ما نزال نستخدمها في الكتابة والتأليف والأدب وهي التي وصلتنا عن طريق الشعر الجاهلي والقرآن الكريم ، والسنة النبوية . والواقع أن الإسلام صادف - حين - ظهوره - لغة مثالية مصطفاة موحدة جديرة أن تكون أداة التعبير عند خاصة العرب لا عامتهم ، فزاد من شمول تلك الوحدة ،و قوى من أثرها بنزول قرآنه بلسان عربي مبين هو ذلك اللسان المثالي المصطفى.

وكان تحديه لخاصة العرب و بلغائهم أن يأتوا بمثله أو بآية من مثله، أدعى الى تثبيت تلك الوحدة اللغوية ، على حين دعا العامة الى تدبر آياته وفقهها وفهمها وأعانهم على ذلك بالتوسعة في القراءات ، ومراعاة اللهجات في أحرفه السبعة المشهورة .

والوحدة اللغوية التي صادفها الإسلام حين ظهوره ، وقواها قرآنه بعد نزوله لا تنفي ظاهرة تعدد اللهجات عمليا قبل الإسلام وبقاءها بعده بل من المؤكد أن عامة العرب لم يعودوا يتحدثون في أقاليمهم بتلك اللغة المثالية الموحدة وانما كانوا يعبرون بلهجاتهم الخاصة ، وتظهر على تعابيرهم صفات لهجاتهم وخصائص ألحانهم ، قال ابن هشام " كانت العرب ينشد بعضهم شعر بعض و كل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها و من هنا كثرت الروايات في بعض الأبيات . و يبدو أن اللغويين الأقدمين لم يعرضوا اللهجات العربية القديمة في العصور المختلفة عرضا مفصلا يوقفنا على الخصائص التعبيرية والصوتية لهذه اللهجات لأنهم شغلوا عن ذلك باللغة الأدبية الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم و صيغت بها الآثار الأدبية في الجاهلية وصدر الإسلام ، وهم - بعدم توفرهم على دراسة هذا الموضوع دراسة دقيقة عميقة - كانوا يتخلصون من اختلاف اللهجات بالاعتراف بتساويها جميعا في جواز الاحتجاج بها بعد الاكتفاء بإشارات عابرة مبثوثة في كتب الرواية واللغة الى بعض تلك اللهجات فهذا ابن جني على عنايته بدقائق الدراسة اللغوية لا يتردد في " خصائصه " في عقد فصل خاص حول ما سماه اختلاف اللغات وكلها حجة و هو يقصد باللغات (اللهجات)العربية المختلفة وعلى جواز الاحتجاج بها جميعا ، ولو كانت خصائص بعضها أكثر شيوعا من خصائص بعضها الآخر فيقول : الا أن إنسانا لو استعملها لم يكن مخطئا لكلام العرب لكنه يكون مخطئا لأجود اللغتين ، فأما إن احتاج الى ذلك في شعر أو سجع فانه مقبول منه غير منعي عليه وكذلك أن يقول " على قياس من لغته كذا كذا ويقول : على مذهب من قال كذا كذا وكيف تصرفت الحال فالناطق على القياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ وإن كان غير ما جاء به خيرا منه " . و من يعترف بأن اللغات كلها حجة لا يتعذر عليه أن يتصور اجتماع لغتين فصاعدا في كلام الفصيح فحين قال الشاعر :

فظلت لدى البيت أخيلهو
و مطواي مشتاقان له أرقان


لم يكن عسيرا على ابن جني أن يرى في اثبات الواو في " أخيلهو " و تسكين الهاء في قوله " له" لغة جديدة انضمت الى لغة الشاعر الفصيح ، فليس اسكان الهاء في " له " عن حذف لحق بالكلمة لكن ذاك لغة .

- من الانحراف الشخصي الى العرف الاجتماعي :

ومثل هذا الفصيح الذي يجتمع في كلامه لغتان فصاعدا ينصح ابن جني بتأمل كلامه ، :" فان كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الآستعمال . كثرتهما واحدة فان أخلق الأمر به أن تكون قبيلته تواضعت في ذلك المعنى على تينك اللفظتين لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة اليه في أوزان أشعارها و سعة تصرف أقوالها " .

وهكذا ينقل ابن جني تنوع الاستعمال من الفرد الى القبيلة أو قل من الانحراف الشخصي الى العرف الاجتماعي تهربا من الاعتراف بشذوذ الفرد ما دام فصيحا !!
وهذا التهرب واضح في دفاع ابن جني عن الفصيح حين تكون احدى اللفظتين أكثر في كلامه من صاحبتها ، فهو يرى حينئذ أن التي كانت أقل استعمالا " انما قلت في استعماله لضعفها في نفسه وشذوذها عن قياسه ، و ان كانت جميعا لغتين له ولقبيلته " ويستشهد على ذلك بحكاية أبي العباس عن عمارة قراءته " ولا الليل (بضم اللام ) سابق (بضم القاف ) النهار (بفتح الراء ) وأن أبا العباس قال له : ما أردت ؟ فقال : أردت سابق النهار (بضم القاف ) النهار (بفتح الراء ) ، فعجب أبو العباس لما لم يقرأه عمارة على ما أراده فقال له : فهلا قلته ؟ فقال عمارة : لو قلته لكان أوزن : أي أقوى !

- تساوي اللغتين الأقوى و الأضعف في كلام الفصحاء :

والنتيجة المنطقية لهذه المقدمات أن تتساوى اللغتان القوية والضعيفة في كلام الفصحاء ، فهم قد يتكلمون بما غيره عندهم أقوى منه وذلك لاستخفافهم الأضعف اذ لولا ذلك لكان الأقوى أحق و أحرى فلا ضير.

اذن أن يقول الشخص الواحد في المسمى الواحد :رغوته ( بضم الراء) اللبن ورغوته (بفتح الراء) ورغوته ( بكسر الراء ) و رغاوته ( بضم الراء ) و رغايته ( بضم الراء ) فكلما كثرت الألفاظ على المعنى الواحد كان ذلك أولى بأن تكون لغات لجماعات اجتمعت لانسان واحد من هنا وهناك .

وأطرف من ذلك كله أن يخلص ابن جني الى تداخل اللغات و تركبها فيهتم بضعف النظر و قلة الفهم كل من يفسر هذا التداخل بالشذوذ ، او ينسبه الى الوضع في أصل اللغة ولا يتردد في الاحتجاج لثبوت تركب اللغات بحكاية يرويها عن الأصمعي أ نه قال : اختلف رجلان في الصقر . فقال أحدهما " الصقر " بالصاد و قال الآخر " السقر " بالسين ، فتراضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما هما فيه فقال : لا أقول كما قلتما ، انما هو " الزقر " ويعلق ابن جني على هذا بقوله " أفلا ترى الى كل واحد من الثلاثة ، كيف أفاد في هذه الحال الى لغته لغتين أخريين معها ؟ و هكذا تتداخل اللغات .

وابن فارس نظر الى هذا الموضوع أيضا من خلال المنظار نفسه فبعد أن ذكر صورا متباينة من اختلاف لغات العرب و صرح بأنها " كانت لقوم دون قوم " لم يرتب في تداولها على ألسنة العرب على ما كان في بعضها من اللغات الضعيفة " فانها لما انتشرت تعاورها كل فهل على أبي حيان من حرج بعد هذا اذا رأى أن كل ما كان لغة لقبيلة قيس عليه " ؟

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:38 PM
خصائص اللهجات المتباينة و إقحامها على الفصحى


وعلى أساس تساوي جميع اللهجات العربية في جواز الاحتجاج بها ، لم تكن ثمة بواعث قوية تحمل القدامى على العناية باللهجات عناية خاصة ، فوقعوا في كثير من التناقض حين استنبطوا قواعدهم النحوية والصرفية من كل ما روي عن القبائل ، وأقحموا على الفصحى خصائص اللهجات المتباينة بوجوهها المتعددة ، " ولم يصدروا- كما قال سعيد الأفغاني - في تنسيق شواهدهم في خطة محكمة شاملة ، فأنت تجد في البحث من بحوثهم قواعد عدة . هذه تسند الى كلام رجل من قبيلة أسد. وتلك الى كلام رجل من تميم والثالثة الى كلمة لقرشي، و تجد على القاعدة تفريعا دعا إليه بيت لشاعر جاهلي و استثناء مبينا على شاهد واحد اضطر فيه الشاعر الى أن يركب الوعر حتى يستقيم له وزن البيت !!" .

ومنشأ هذا كله خلطهم بين اللغة الأدبية المثالية الموحدة التي هي لغة الخاصة وبين لهجات التخاطب العامة لدى القبائل الكثيرة المشهورة، على حين أن شرط اللغة هو الاطراد و التوحيد في الخصائص " وهو ما قاله ابن جني .

وتزداد الأمور تعقيدا بعد ذلك، فتدرس اللهجات في ضوء ما وضعه النحاة من القواعد والمقاييس ،ويحكم عليها- مع تنوع أصولها- من وجهة نظر واحدة هي مطابقتها أو مخالفتها لهاتيك القواعد ، كما فعل الهمذاني في كتابه "صفة جزيرة العرب ".



أشهر القبائل التي رويت لهجاتها : تميم ، طيء وهذيل :

الحق أن العرب ككل شعوب العالم كانوا قبل الإسلام وبعده منقسمين الى فئتين : فئة الخاصة التي كانت تتطلع الى صقل لغتها و تحسينها ، فتساموا في تعابيرها الى مستوى أرفع من مستوى التخاطب العادي .

وفئة العامة التي كانت تكتفي بحظ قليل من فصاحة القول وبلاغة التعبير وتمضي تبعا لتقاليدها الخاصة الى الاستقلال في صياغة جملها وتركيب مفرداتها و لحن أصواتها. و مما لا ريب فيه أن البيئة الحضرية في مكة والمدينة كانت بضرورة الحال تختلف لهجاتها عن لهجات البيئات البدوية المنعزلة التي لا تكاد تستقر على حال ، فمهما تكن اللغة العربية قد صقلت ، وتوحدت قبل الإسلام ، ومهما تكن وحدتها قد قويت وتمت بعد الإسلام لا يسعنا أن نتصورها إذ ذلك الا مؤلفة من وحدات لغوية مستقلة منعزلة متمثلة في قبائلها الكثيرة المتعددة على أن الكتب التي عرضت لتلك اللهجات كثيرا ما تغفل أسماء قبائل معينة تنسب إليها لهجة ما ، ومن خلال هذا العرض نستنتج أن أشهر القبائل التي تروى ، لها لهجات خاصة تختلف عن اللغة الأدبية المثالية اختلافا ذا بال هي : تميم و طيء و هذيل . وهي جميعا قبائل معروفة بالفصاحة ، بدوية ضاربة في أنحاء الصحراء .

ومع كثرة من ينتمي الى هذه القبائل من الشعراء يلاحظ أن أحدا من رجال الطبقة الأولى لم ينسب اليها من الجاهليين ، لا يروى عنهم الا النزر اليسير.
فمن التميميين أوس بن حجر ، وسلامة بن جندل وعلقمة بن عبدة ، وعدي بن زيد وعمرو بن الأهتم والبراق بن روحان و الأسود بن يعفر.
ومن الطائيين: حاتم الطائي ،و أبو زبيد الطائي ، واياس بن قبيصة .
ومن الهذليين: بو ذؤيب الهذلي ، وعامر بن حليس ، وخويلد بن خالد .

ومن اللهجات العربية الباقية مجموعتان رئيستان عظيمتان ، احداهما حجازية غربية ، أو كما تسمى أحيانا " قرشية " والأخرى "نجدية شرقية " أو كما تدعى أحيانا " تميمية " فهذه القسمة الثنائية الرئيسة للهجات العربية الباقية هي الحد الأدنى لتلك المجموعة الواسعة من الوحدات اللغوية المنعزلة المستقلة ، و ليستحيلن علينا بدون هذه القسمة أن نعلل تعليلا علميا صحيحا وجود تعلم و ونعلم بكسر حرف المضارعة الى جانب تعلم ونعلم بفتح حرف المضارعة .... وأمثال ذلك أكثر مما نتصور والخلاف حوله في أصلي لهجتي قريش وتميم أوسع نطاقا مما نقدر أو نستشعر. وسنرى أن لهجة قريش التي جعلتها العوامل السياسية و الدينية والاجتماعية و الاقتصادية اللغة العربية الفصحى المقصودة عند الاطلاق ، لم تكن في جميع الحالات أ قوى قياسا من لهجة تميم ، بل كثيرا ما تفوقها في بعض ذلك تميم ولكنها أي -القرشية- باعتراف من جميع القبائل وبطواعية واختيار من مختلف لهجاتها، كانت أغزرها مادة ، وأرقاها أسلوبا ، وأغناها ثروة وأقدرها على التعبير الجديد الدقيق الأنيق في أفانين القول المختلفة ،فقد ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم وكشكشة ربيعة , كسكسة هوازن ، وتضجع قيس ، وعجرفية ضبة و تلتلة بهراء . ولقد أكد الفراء صفاء لغة قريش و أوضح أسرار ذلك الصفاء بقوله " كانت العرب تحضر الموسم في كل عام وتحج البيت في الجاهلية وقريش يسمعون لغات العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به ، فصاروا أفصح العرب و خلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ ، لذلك اصطنعت قريش وحدها في الكتابة
والتأليف والشعر والخطابة ، فكان الشاعر من غير قريش يتحاشى خصائص لهجته ،ويتجنب صفاتها الخاصة في بناء الكلمة ، وإخراج الحروف وتركيب الجملة، ليتحدث إلى الناس بلغة ألفوها وتواضعوا عليها وأن أسهمت عوامل كثيرة في تهذيبها وصقلها . وفي كتب اللغة اشارات الى بعض المذموم من لهجات العرب من ذلك الكشكشة ، وهي في ربيعة ومضر يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شينا . فيقولون رأيتكش ، وبكش و عليكش ، فمنهم من يثبتها حالة الوقف فقط، وهو الأشهر ، ومنهم من يثبتها في الوصل أيضا ، ومنهم من يجعلها مكان الكاف , يكسرها في الوصل و يسكنها في الوقف . فيقول : منش وعليش ، وفي ذلك أنشد قائلهم :

فعيناش عيناها ، وجيدش جيدها ولو نش ، الا أنها غير عاطل

ومن ذلك الفحفحة في لغة هذيل ، يجعلون الحاء عينا .
ومن ذلك الطمطمانية في لغة حمير كقولهم : طاب امهواء ، أي طاب الهواء .
ومن ذلك العجعجة في لغة قضاعة ، يجعلون الياء المشددة جيما يقولون في تميمي : تميمج .

وقال أبو عمرو بن العلاء قلت لرجل من بني حنظلة : ممن أنت ! قال فقميج فقلت . من أيهم ؟ قال مرج أراد فقيمي ومري . ولذلك اشتهر ابدال الياء جيما مطلقا في لغة فقيم حتى أنشد شاعرهم :

خالي عويف وأبو علج .. المطعمان اللحم بالعشج و بالغداة فلق البرنج

ومن ذلك شنشنة اليمن، تجعل الكاف شينا مطلقا كلبيش اللهم لبيش، أي لبيك
والخلخانية : أعراب عمان كقولهم : مشا الله كان أي ما شاء الله كان .
وعنعنة تميم : تقول في موضع أن : عن . أنشد ذو الرمة :

أعن ترسمت من خرقاء منزلة .

فلو أن شاعرا ضمن شعره شيئا من كشكشة ربيعة أو طمطمانية حمير أو عجعجة قضاعة ، وغدا ينشده في بعض أسواق العرب ، لغلبوه على أمره بالمكاء والتصدية ، ولصيروه أضحوكة من التهكم به والتندر عليه .
ولكي تتصور مثل هذا الموقف تخيل رجلا يكشكش الكافات في قول امرؤ القيس من معلقته :

أغرش مني أن حبتش قاتلي
وأنش مهما تأمري القلب بفعل


وتخيل رجلا آخر يطمطم لامات التعريف فيسأل الرسول العربي صلى الله عليه وسلم : هل من امبر امصيام في امسفر ؟ فيجيبه " ليس من امبر امصيام في امسفر" . ثم تخيل رجلا ثالثا يعجعج الياءات المسبوقة بالعينات فيقول ( الراعج خرج معج ) بدلا من ( الراعي خرج معي ) .

فلا غرو بعد هذا كله اذا نزل القرآن بلغة العرب المثالية وبارك توحدها وسما بها الى الذروة العليا من الكمال بعد أن كانت لهجة محدودة لاحدى قبائل العرب ، ولا عجب اذا اقتصر على تحدي خاصة العرب االقادرين على التعبير بتلك اللغة الموحدة . ثم لا غرابة أخيرا اذا تعددت وجوه قراءته تخفيفا على القبائل لمعضلة تباين اللهجات



نص تطبيقي حول اللهجات العربية :


قال ابن جني في باب اختلاف اللغات وكلها حجة : " اعلم أن سعة القياس يتيح لهم ذلك ، ولا تحظره عليهم ، ألا ترى أن لغة التميميين في ترك اعمال "ما"، يقبلها القياس و لغة الحجازيين في اعمالها كذلك، لأن لكل واحد من القومين ضربا من القياس يؤخذ به، ويخلد الى مثله ... هذا حكم اللغتين اذا كانتا في الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين أو كالمتراسلتين ... حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال: ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، وكشكشة ربيعة أو كسكسة هوازن، وتضجع قيس وعجرفية ضبة، وتلتلة بهراء، فأما عنعنة تميم فان تميم تقول في موضع أن عن ... وأما تلتلة بهراء فانهم يقولون تعلمون وتفعلون وتصنعون بكسر أوائل الحروف ... "
الخصائص ج 2


تحليل النص :

1- نلاحظ مما نقله لنا ابن جني أن من بين لغات العرب نجد لغة تميم ولغة أهل الحجاز وقريش وربيعة وهوازن وقيس ... فهي لغات لقبائل عربية معروفة عاشت في الجزيرة العربية في عهد الفصاحة اللغوية .

2- إن هذه اللغات هي استعمالات لغوية ( لهجات) تفرعت عن استعمالات لغوية أصلية ، مثلا : الأصل في الفعل المضارع المشتق من الفعل الماضي المجرد على وزن فعل (بكسر العين ) أن يكون الحرف الأول فيه مفتوحا ، مثلا: علم (بفتح أوله وكسر ثانيه ) ، يعلم (بفتح عين الفعل أي اللام ) . وهذا الاستعمال اللغوي الأصلي كان شائعا في لغة أهل الحجاز والدليل على أنه أصل ، أن فتح حروف المضارعة مستعمل في جميع الأفعال المضارعة فيما ماضيه فعل ( بكسر العين ) وفيما ماضيه غير فعل( بكسر العين ) .

والاستعمال المتفرع عن هذا الأصل (1) هو كسر أوائل الأفعال المضارعة ويظهر في آخر هذا النص المدروس : " وأما تلتلة بهراء فانهم يقولون ... الحروف".

ونعني بالاستعمال المتفرع الأخذ من الأصل وهو تنوع لهجي قريب منه ، مثلا نجد تعلم ونعلم بكسر حرف المضارعة الى جانب نعلم بفتح عين المضارعة .

3 - إن الاختلافات في االلهجات العربية لا تغير المعنى، فاذا قيل : تعلم
(بفتح حرف المضارعة) أو قيل تعلم( بكسرحرف المضارعة، فالمعنى واحد. والخلاصة أن ما كان يسميه النحاة العرب الأولون مثل : الخليل بن أحمد وسيبويه وأبي علي الفارسي وابن جني، بلغات العرب ماهو الا اختلافات لهجية وتنوع في أداء بعض العناصر اللغوية وهو لا يغير المعنى. وأن لغات العرب أي اللهجات ليست سوى وجوه وكيفيات من الأداء اللغوي الفصيح تميزت بها قبيلة أو بعض الأفراد عن غيرهم .

ولهجات العرب كلها فصيحة يستشهد بها ويحتج بها في استخلاص و استنباط قواعد اللغة .

(1) الأصل والفرع مفهومان رياضيان و قد بني النحو العربي كله عليهما ، وميز النحاة العرب : الأصول عن الفروع فحددوا الأصل على أنه العنصر الثابت المستمر الذي لا يتغير والفرع هو الأصل مع الزيادة ، ويظهر التنوع في أداء اللهجات أما :

- في مستوى الحروف :
وذلك مثل عنعنة تميم : الذين كانو يقلبون الهمزة في بعض كلامهم عينا فينطقون مثلا (عن) عوض( أن) .وهذا النطق موجود الى يومنا .

- في مستوى الصيغ :
كجمع فعلة ( المعتلة والساكنة العين ) على فعلات (بفتح العين ) في لغة هذيل ، فقالوا في جوزة و بيضة : جوزات وبيضات .
بينما كره أكثر العرب أن يحركوا العين هنا ، لأن الواو والياء اذا حركتا
وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفين . وأما هذيل فتعتبر الفتحة عارضة ، لأنها لا تأتي في جميع المواضع وجميع الحالات .

في مستوى التراكيب :
كإعمال الحجازيين لـ "ما" النافية ، وقد شبهوها ب" ليس" فقالوا : ما عبد الله أخاك ، وما زيد منطلقا . بينما بنو تميم لا يعملونها.

نستنتج مما ذكر أنه ليس بين لهجات العرب اختلافات شديدة تمنع التفاهم بين القبائل

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:40 PM
الدراسات اللغوية العربية النشأة والمراحل


- 1 - أسباب قيام الدراسات اللغوية العربية
-2 - المراحل : أ - مرحلة تمهيدية
ب - جمع المعطيات اللغوية
جـ- الوصف والتحليل واستنباط القواعد
د - الدراسة المتخصصة ( المدارس النحوية )
هـ - الدراسة الوظيفية (عبد القاهر الجرجاني )


لم يكن العرب أول من درسوا لغتهم بهدف وضع القواعد لصيانة الألسنة من الخطأ واللحن . فقد سبق الى ذلك شعوب كثيرة منها الهنود والعبرانيون والاغريق وغيرهم . وكانت الكتب المقدسة والديانات والمعتقدات الدينية دائما هي العامل الأساسي في انطلاق تلك الدراسات ، وهذا ماكان بالنسبة للدراسات اللغوية العربية بالاضافة الى أسباب وعوامل أخرى .

- أسباب نشأة الدراسات اللغوية العربية:

يتفق معظم الدارسين على أن العرب في الجاهلية كانوا يتكلمون لغتهم بالسليقة ولم يكونوا بحاجة الى قواعد لغوية ،مع وجود بعض الاستثناءات التي لم تكن تشكل خطرا على اللغة علما أن الخطأ واللحن والانحراف اللغوي كان من العيوب التي قد لا تغتفر .
فقد جاء الاسلام ونزل القرآن الكريم في المستوى الأعلى من البلاغة والفصاحة(بلسان عربي مبين) أي باللغة المشتركة أو ما يسمى الآن بالفصحى ، التي يرى بعضهم أنها لهجة قريش التي كان لها من العوامل والظروف ما جعلها اللهجة الأرقى التي تبناها العرب وجعلوها لغتهم الرسمية التي يتعاملون بها على الصعيد الرسمي والمناسبات الأدبية والمواسم. وقد كان ما جاءنا من الشعر الجاهلي كله بهذه اللغة المشتركة مع اشارات الى بعض اللهجات العربية الخاصة التي ظهرت أيضا باللغات العربية المسموح بها (الجائزة ) .

هذا وقد ظل الأمر كذلك بعد مجيء الإسلام ، اذ أن السليقة لم تزل قاسما مشتركا بين العرب الذين دخلوا تحت راية هذا الدين ، وتوحدوا تحت لوائه وعزز القرآن وحدتهم اللغوية ، ولم تكن الدروس اللغوية الا ملاحظات عابرة تصحح بها بعض الأخطاء ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة الملازمين يتلون القرآن الكريم كما أنزل فيتبعهم في ذلك المسلمون حفظا وتلاوة . لكن الأمر لم يبق على هذه الحال لأن الاسلام جاء وبأمر من الله الى الناس كافة ، وكان لا بد أن ينطلق العرب المسلمون بهذه الأمانة لتبليغها للناس خارج حدود الجزيرة العربية . وقد أيدهم الله بالنصر وفتح على الاسلام والمسلمين ، فدخلت الأمم والشعوب في هذا الدين ، الذي كانت اللغة العربية لغته الرسمية ولغة دستوره(القرآن الكريم) .

وكان لا بد للمسلمين غير العرب من تعلم هذه اللغة أو الالمام بها ، لا سيما أن بعض شعائر الاسلام لا بد أن تؤدى باللغة العربية ، وأن تلاوة القرآن عبادة يتقرب بها المسلم الى ربه.

زيادة عن العلاقات الاجتماعية التي جعلت المسلمين على اختلاف أجناسهم امة واحدة يختلطون ويتعاملون .فلا بد من لسان يساعدهم على تمتين الروابط بينهم ، وقد كان اللسان العربي - بلا شك - هو المثل الأعلى وكان العرب المسلمون هم القدوة . ولكن أ من السهل محاكاة العرب ومجاراتهم في لغتهم لكل من دخل الاسلام ؟ وهل يمكن للعرب ألا يتأثروا بلغات تلك الأمم ورطاناتها ؟

بدأت السليقة تضعف وبدأت آثار الاختلاط تظهر سلبا على العربية ، وبدأ اللحن يتفشى ليس على ألسنة غير العرب فحسب ، بل وعلى ألسنة العرب أنفسهم ، حتى الخاصة منهم . ووصل الأمر- كما تذكر بعض الروايات الى تلاوة القرآن الكريم وعلى لسان بعض المقرئين ،مما أدى الى الاستنكار ورفع القضية الى الخليفة لتدارك الأمر .
وهكذا كانت الفتوحات الاسلامية وتوسع الحدود عاملا وسببا في شيوع اللحن وكان شيوع اللحن من الأسباب التي دفعت الى نشأة الدراسات اللغوية العربية. ولا شك أن العامل الديني كان العامل المركزي ، فالخوف على لغة القرآن - وليس على القرآن نفسه كما يذكر على بعض الألسنة - دفع الغيورين للقيام بعمل يصون الألسنة من الزلل والانحراف .

ولذا يمكن أن نسجل العوامل والأسباب كما يلي :

1- العامل الديني : للمحافظة على فهم القرآن وحسن تلاوته و استخراج الأحكام الشرعية .
ويرتبط بهذا العامل أسباب الخوف من فساد الألسنة بسبب :
أ- توسع الحدود بعد الفتوحات الاسلامية و نتج عنه :
ب - الاختلاط وتأثر العربية بغيرها من اللغات ( الألسن )
2 - هناك من يرى بوجود عامل آخر ، هو العامل القومي ويتمثل في حب العرب للغتهم و غيرتهم عليها .
3 - عامل فكري حضاري ، وهو ارتقاء التفكير عند العرب بسبب حضارية الدين الاسلامي و دعوته الى العلم بالاضافة الى الاحتكاك الفكري بالأمم الأخرى .
4 - وقد نضيف عامل الظروف العامة من حب خدمة الدين وهو بمثابة الجهاد وربما بعض الفراغ لخلو الحياة من بعض التعقيدات المعاصرة .

وهكذا تضافرت كل هذه العوامل وغيرها لقيام مشروع دراسة العربية ووضع قواعدها وقد مر ذلك بمراحل يمكن ايجازها فيما يلي :


1- المرحلة التمهيدية : وكانت مرتبطة بالقرآن الكريم لضبط تلاوته ضبطا نحويا صحيحا ، لأن الخطأالنحوي قد يغير من مدلول الآيات حتى يصل بذلك الى المحظور ، مثال ذلك ما ورد من قراءة بعض القراء " ان الله بريء من المشركين ورسوله " بكسر لام رسوله بدلا من رفعها .

ويعد أبو الأسود الدؤلي المتوفى( 69 هـ) علم هذه المرحلة ، بل يقال:إنه أول من وضع علم النحو ، وكان ذلك عندما قام بضبط المصحف الشريف بوضع ما يسمى بنقاط الاعراب على أواخر الكلم لبيان وظيفتها النحوية ، حيث أتى بكاتب من بني عبد القيس وقال له: نظر الى شفتي وأنا أقرأ فان فتحت شفتي فضع نقطة فوق الحرف ، وان كسرت فضع نقطة تحت الحرف ،وان ضممت فضع نقطة بجانب الحرف وان أتبعت ذلك غنة (ويريد بذلك التنوين) فضع نقطتين بدل النقطة ، وهكذا عمل معه من بداية المصحف حتى نهايته ويقال إن نقاط الاعراب هذه التي تدل على الحركات ظلت حتى جاء الخليل فاستبدل بها حركات الاعراب الحالية : الفتحة والضمة والكسرة (1).

الدراسة الوصفية التحليلية الشاملة :
المرحلة الأولى : وتتمثل في جمع المعطيات اللغوية ، فبالاضافة الى القرآن الكريم ، والسنة النبوية الشريفة والشعر العربي ، كانت هناك اللغة والألفاظ التي يستعملها العرب أو الأعراب الذين يعتقد أن لغتهم لم تزل صحيحة لبعدهم عن أماكن الاختلاط وتحصنهم في قلب الصحراء ، لذلك فقد حددت الأماكن2)) والقبائل التي يمكن الأخذ عنها والاطمئنان الى لغتها مثل قيس وتميم و أسد و بعض كنانة وهذيل وبعض الطائيين .

فقد ارتحل علماء اللغة الى قلب الصحراء يستمعون الى الأعراب ويسجلون لغتهم بطريقة السؤال المباشر وغير المباشر .
وربما انعكست هذه الرحلات اللغوية فيما بعد فصار الموردون من الأعراب يفدون الى الحواضر ويقدمون بضاعتهم من اللغة والألفاظ الى المهتمين .
وهكذا تشكلت لدى العلماء ثروة هائلة من المعطيات اللغوية الصالحة للدراسة.

المرحلة الثانية : وهي مرحلة التصنيف والتبويب ، فقد كانت المعطيات اللغوية قد جمعت في كثير من الأحيان بطريقة عشوائية ، فتم جمعها وتنظيمها في مجموعات (رسائل) حسب الموضوعات فكانت كتب مثل: كتاب الابل ، وكتاب الخيل ، والنبات وغير ذلك ... ثم كان فيما بعد جمع عام للألفاظ العربية ( المعاجم العامة ) كمعجم الخليل .
وقبل دراسة المعطيات اللغوية تم تصنيفها بطريقة أخرى ، يمكن أن تسمى شكلية أو نحوية ، فكانت قوائم للأفعال ، وأخرى للأسماء ، وثالثة للحروف .

(1)أنظر المشجر المرفق الذي يبين أهم علماء العربية الأوائل .
(2)أنظر في آخر المحاضرة ملحقا يبين أهم القبائل التي أخذت عنها اللغة

المرحلة الثالثة : مرحلة الاستقراء والمقارنة واستنباط القواعد العامة للغة من خلال دراسة هذه المعطيات التي تمثل الطريقة التي كان عليها العرب في كلامهم ، من حيث الرفع والنصب والجر والوقف ، وكل ما يتعلق بالنحو بالمعنى العام .
ولا بد من الاشارة هنا الى أن الدراسة في هذه المرحلة كانت عامة و في كل الجوانب ، وكان تصنيف تلك المعطيات النحوية حسب البيئة اللغوية ، وليس حسب الزمن مثلا عندما جمعوا الأفعال الماضية جمعوا كل الأفعال المفتوحة الآخر .
وكانت القواعد المستخلصة أشبه بعلم اللغة العام ، ففيها النحو والصرف والبلاغة وغير ذلك .

المرحلة الرابعة : كل علم يبدأ عاما شاملا ثم يتجه نحو التخصيص ، وهذا ما كان بالنسبة للدراسات اللغوية العربية . فقد ازداد التعمق في الدراسات النحوية ، وحدث الخلاف في وجهات النظر ، نظرا لاختلاف اللهجات العربية ، ولشدة المنافسة بين العلماء ، فظهر ما يسمى بالمدارس النحوية

(1) وكان على رأسها مدرسة البصرة، التي تميزت بالاصرار على الاعتماد على ما جاء على ألسنة عرب الصحراء دون الحواضر وعدم الأخذ بالشواذ من الشواهد الفردية ، ثم انشقت عنها مدرسة الكوفة واختلفت عنها في المنهج فقبلت الشاذ وقاست عليه ،كما اعتدت بكل كلام العرب ، سواء كان من بدو الصحراء أو من الحواضر .

المرحلة الخامسة : في نهاية القرن الخامس الهجري اتخذت الدراسة اللغوية العربية منهجا جديدا وهو منهج الدراسة الوظيفية للغة ، وكان ذلك على يد الامام عبد القاهر الجرجاني الذي أعاد للدراسة اللغوية العربية روحها ، وأكد على ربط النحو بالبلاغة ، لأن للغة وظيفة أساسية هي الاتصال .

(1) سنقدم محاضرة خاصة حول المدارس النحوية .

القبائل التي أخذت عنها العربية هي :قيس ، تميم ، أسد ،هذيل ، بعض كنانة ، بعض الطائيين .
و لم يؤخذ من لخم وجذام لمجاورتهم القبط ن ولا من قضاعة وغسان و اياد لمجاورتهم أهل الشام و أكثرهم نصارى يقرؤون بالعبرانية.
(الفارابي في كتابه الألفاظ والحروف. عن المزهر ج/ 1 ص 211 - 212)
أما ترتيب القبائل حسب نصيبها من الألفاظ القرآنية فهو كما يلي :
قريش ، هذيل ، كنانة ، حمير ، جرهم ، تميم ، قيس عيلان ، أهل عمان وأزدشنوءة ، خثعم ، طيء ، مذحج وغسان ، بنو حنيفة ، حضرموت ، أشعر ، أغار ، خزاعة ، بنو عامر ، لخم ، كندة ، سبأ ، أهل اليمامة ، مزينة ، ثقيف ، العمالة ، سعد العشيرة .
( مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ج/ 68 سنة 1991 ص 155)
- مشجر يبين أهم علماء الدراسات اللغوية العربية حتى القرن الرابع الهجري -



http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/sans_t75.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/sans_t76.jpg


نص تطبيقي حول نشأة الدراسات اللغوية العربية :


يقول شوقي ضيف : " فالأصل في كل علم أن تبدأ فيه نظرات متناثرة هنا وهناك ، ثم يتاح له من يصوغ هذه النظرات صياغة علمية تقوم على اتخاذ القواعد وما يطوى فيها من أقيسة وعلل ... ومعروف أنه لكي يصاغ علم صياغة دقيقة لا بد له من اطراد قواعده ، وأن تقوم على الاستقراء الدقيق ... وأما من حيث الاستقراء، فقد اشترطوا صحة المادة التي يشتقون منها قواعدهم ، ومن أجل ذلك رحلوا الى أعماق نجد ، وبوادي الحجاز وتهامة يجمعون تلك المادة من ينابيعها الصافية التي لم تفسدها الحضارة ، وبعبارة أخرى رحلوا الى القبائل المتبدية المحتفظة بملكة اللغة وسليقتها الصحيحة . وهي قبائل تميم وقيس وأسد وطيء وهذيل وبعض عشائر كنانة ... وأضافوا الى هذا الينبوع الأساسي ينبوعا بدويا زحف الى بلدتهم من بوادي نجد ، وهو نفر من الأعراب الكاتبين ، قدم الى البصرة واحترف تعليم شبابها الفصحى السليمة وأشعارها وأخبار أهلها ...
وكان القرآن الكريم وقراءاته مددا لا ينضب لقواعدهم ... وكانوا لا يحتجون بالحديث النبوي ولا يتخذونه إماما لشواهدهم وأمثلتهم لأنه لروي بالمعنى إذ لم يكتب ولم يدون الا في المائة الثانية للهجرة، ودخلت في روايته كثرة من الأعاجم " .


المدارس النحوية
التحليل :

يتحدث شوقي ضيف عن أهم المبادئ التي اعتمدها علماؤنا الأوائل - ابتداء من القرن الأول للهجرة - لتأسيس علوم اللغة العربية من نحو وصرف
و بلاغة ... إضافة الى أهم المصادر التي اعتمدوا عليها لجمع المادة اللغوية والتي تمثل الكلام العربي الفصيح.

أ- المبادئ :
- الفصاحة : إذ بقول : "... اشترطوا لصحة ... كنانة ".
فهو هنا يحدد لنا القبائل العربية التي أخذت عنها اللغة ،ويعود سبب هذا الانتقاء الى تصنيف القبائل العربية الى قبائل فصيحة يعتد بلغتها وقبائل غير فصيحة ، والقبائل الفصيحة تحمل في لغتها :صفاء المتن ، والبداوة ، نتيجة عدم مخالطتهم للأعاجم فهم عرب نشئوا وعاشوا في زمن الفصاحة العربية فبقوا على سليقتهم و تجافت ألسنتهم عن مخالفة الكلام الفصيح ويظهر ذلك في قول صاحب النص: "... رحلوا الى أعماق نجد ... وأخبار أهلها" .

عاش هؤلاء العرب الفصحاء في شبه الجزيرة العربية ، في قبائل حددها صاحب النص بقبائل نجد ، بوادي الحجاز ، تهامة ، تميم ، قيس ، أسد ، طيء ، هذيل ، بعض عشائر كنانة .

واستطاع أهل تلك البوادي أن يحافظوا على سلامة لغتهم وبيانها بفضل انعزالهم عن البيئات التي تحول فيها اللسان العربي .

وتحدد الفترة الزمنية للفصاحة اللغوية ابتداء من العصر الجاهلي الى القرن الرابع الهجري أي من زمن امرئ القيس الى زمن ابن جني .
الا أن الفترة الزمنية للفصاحة اللغوية انتهت بالنسبة للحواضر أي المدن بنهاية القرن الثاني للهجرة وبالنسبة للبوادي بنهاية القرن الرابع للهجرة

ب - المصادر :
1- القرآن الكريم : يقول عنه صاحب النص أنه :"مدد لا ينضب لقواعدهم "
فالقرآن الكريم كان أول مصدر اتجه إليه العلماء عند جمع اللغة لما فيه من مفردات و استعمالات كانت أصح مصدر لعلماء اللغة .

2 - سماع الأعراب في البادية : "وأضافوا الى هذا الينبوع الأساسي ... من الأعراب الذين وثقهم علماء البصرة " .
فالأعراب من أهم مصادر جمع اللغة، فكثيرا ما كان علماء اللغة يرحلون الى البادية ويمضون فيها الأعوام بين الأعراب ممن سلمت لغتهم فكانوا يسمعون هؤلاء جميعا: رجالا ونساء وغلمانا ويصغون لأحاديثهم في كل شأن من شؤونهم و يدونون ما يسمعون منهم .

أهم المدارس النحوية في الدراسات اللغوية العربية :
تميزت مرحلة الدراسة النحوية المتخصصة بظهور ما يسمى بالمدارس النحوية وأهمها :
- المدرسة البصرية
- المدرسة الكوفية
- المدرسة البغدادية

وهناك مدارس أخرى مثل :
- المدرسة المصرية
- المدرسة الأندلسية

أوائل النحاة :
بدأت نشأة علم النحو بالبصرة على يد آبي الدؤلي(ت 19 هـ ) وتوالت
طبقات النحويين البصريين طبقة بعد طبقة وبعد نشأة النحو ظهرت طبقات من النحويين ومن أهم هده الطبقات :(1)

الطبقة الأولى : أعلامها :
- نصر بن عاصم
- عبد الرحمن بن هرمز ت 117 هـ
- عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي ت 117 هـ
- عنبسة الفيل
- يحي بن يعمر الليثي ت 129 هـ

الطبقة الثانية : أعلامها :
- عيسى بن عمر الثقفي ت 149 هـ
- أبو عمرو بن العلاء ت 154 هـ

الطبقة الثالثة : من أعلامها :
- الخليل بن أحمد ت 174 هـ أ170 هـ
- يونس بن حبيب ت 182 هـ

الطبقة الرابعة : من أعلامها :
- سيبويه وهو إمامها ت 180 هـ
- اليزيدي ت 202 هـ
- النضر بن شميل المازني ت 204 هـ
- قطرب ت 206 هـ

عن أخبار النحويين البصريين للقاضي أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي ص5

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:43 PM
مدرسة البصرة النحوية


ميزاتها :
تعد هده المدرسة واصفة النحو ابتداء ، وإن أول نحوي بصري حقيقي هو ابن أبي إسحاق الحضرمي مند(ت 117 هـ )وهو من القراء.

وجميع نحاة البصرة الدين خلفوه ينتمتون إلى القراء من هؤلاء تلميذه عيسى بن عمر وأبو عمر بن العلاء، وتلميذا عيسى، الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب .
ونجد سيبويه أكثر من التعرض للقراءات وكان ما كان بينهم من خلافات في الأعراب هو الذي أضزم لرعية في نفوس قراءة البصرة كي يضعوا والنحو وقواعده وأصوله .

وتميز نحاة البصرة بجعل القواعد مطردة عامة مما جعلهم يطرحون أستاذ، ولا يعربون عليه إلا القليل النادر. وأيضا اشتراطهم في الاستواء صحة المادة التي يشتقون منها قواعدهم،فكانوا يجمعون من البوادي من أعماق نجد وبوادي الحجاز وتهامة ومن القبائل المحتفظة بملكة اللغة وسليقتها الصحيحة مما لم تفسد الحضارة لسانها وكانوا لا يحتجون بالحديث النبوي لاحتمال روايته بالمعنى من الأعاجم ، وتابعهم في هدا نحاة الكوفة .

وتوسعوا من حيث القياس والتعليل إد طلبوا لكل قاعدة علة، بحيث يصبح ما يخرج عليها شادات ولقياس على القاعدة ما لم يسمع عن العرب فتصير القاعدة المعيار المحكم لسديد .

وعلى هده الأسس شادك البصرة صرح النحو ورفعت أركانه . بينما كانت الكوفة مشغولة عن دلك كله بقراءات الذكر الحكيم حتى منتصف القرن الثاني للهجرة، وكذلك رواية الشعر والأخبار.

قال ابن النديم: "إنما قدمنا البصريين لأن علم العربية عنهم أخد " دلك لأن عقل البصرة كان أدق وأعمق من عقل الكوفة وكان أكثر استعدادا لوضع العلوم لسبقها إلى الاتصال بالثقافات الأجنبية وبالفكر اليوناني فذلك أن البصرة عنيت بعلم الكلام بينما الكوفة عنيت بالفقه .

ويعد ابن أبي إسحاق أول النحاة البصريين ويتبعه في هذه الأولية جيل من تلاميذه في مقدمتهم عيسى بن عمر، وأبو عمر بن العلاء، ويونس بن حبيب ويوجد من معاصريهم من كان دو علم بالنحو لكن لم ترو لهم كتب النحو أرأهم النحوية بما كان يغلب عليهم الفنون الأخرى كالحديث واللغة مثل: حمد بن سلمة ابن دينار والأخفش الأكبر .

ويعد ابن أبي إسحاق أستاذ المدرسة البصرية ت 117 هـ

قال ابن سلام ت 234 هـ : "كان أول من يعج النحو ومد لقياس وشرح العلل
وكان ابن أبي إسحاق كثير التعرض للفرزدق لما كان يورده في أشعاره من بعض الشواد النحوية، حتى كانت مراجعته المستمرة للفرزدق تغضبه فهجاه بقصيدة يقول في تضاعيفها هدا البيت:فلو كان عبد الله مولى

ولما سمعه ابن أبي إسحاق قال له : أخطأت إنما هو مولى موال .
وكان شديد التمسك بالقياس النحوي حتى إنه ليخالف جمهور القراء في بعض قراءتهم تمسكا بالقياس النحوي .

وتتابع على نحوه تلاميده في مراجعة الشعراء وتخطئتهم بل وصل بهم الحد إلى تخطئة الشعراء الجاهليين .

عيسى بن عمر الثقفي ت 149 هـ : وهو الذي مكن للنحو وقواعده التي اعتمدها تلميذه الخليل، ومن تلاه من البصريين سواء في محاضراته واملاءاته أو في مصنفاته فترك جهودا نحوية للخليل كي يتم صرح النحو ويشده.

أبو عمرو بن العلاء ت 154 هـ: عني بإقراء الناس القرآن في المسجد وهو أحد السبعة المشهورين لكن نقلت عنه آراء نحوية لدا كان من النحاة المبكرين لكنه لم يكن نحويا بالمعنى الدقيق و إنما كان لغويا وراويا ثقة من رواة الشعر القديم و أكثر من السماع عن العرب .
يونس بن حبيب ت 182 هـ :و كانت ليونس مذاهب و أقيسه تفردها أخد عنه أبو عبيدة وسيبويه غير أن النحاة الدين يوضعون بحق في تطور النحو هم:

ابن أبي اسحاق ،عيسى بن عمر وخليل بن أحمد وسيبويه .
الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري 175 هـ : هو المؤسس أخذ عن عيسى بن عمر وأبي عمروبن العلاء .
قال فيه بن المقفع إن عقله أكثر من علمه " من دلك وضعه لعروض الشعر ورفعه لصرح النحو ورسمه المنهج الذي ألف عليه معجم العين، أول معجم في العربية مرتبا كل دلك حسب مخارج الحروف بادئا بحرف العين .

الخليل لم يترك في علم النحو كتابا جامعا بل له كتابات فرعية منها رسالة في معنى الحروف " وجملة ألآت الإعراب و "العوامل"

قال الزبيدي عن الخليل : استنبط من علل النحو مالم يستنبط أحد ومالم يسبقه إلى مثلا سابق " أن الخليل وتلميذه سيبويه هما اللذان فتحا باب التمارين غير العملية وعمم النحاة دلك فيما بعد واتسعوا فيه إظهارا لمهارتهم.
وقد يكون بعض دلك لمحاولة تدريب ناشئة لنحاة على الدقة في التطبيق . والخليل يعد بحق واضح النحو العربي في صورته المركبة، وهو الذي أعطى النحو صيغته النهائية .

ويعد سيبويه – سواء من حيث عوامله ومعمولاته الظاهرة والمقدرة أو من حيث ، مما يجري فيه من شواهد ومن علل وأقيسة ونص على العبارات المهملة وأخرى الشاذة ، ومادمه في علم الصرف من اشتقاقات الكلمة وأبنيتها وتصريفاتها وما يدخلها من قلب وإعلال وغير دلك .
سيبويه ت 185 هـ : (على الأرجح) هو من قرى شيراز تلقى فيها دروسه الأولى ثم انتقل إلى البصرة ولقبه يدل على أصله الفارسي ، واختص بالأخذ عن الخليل أكثر من غيره ، له مؤلف اسمه "الكتاب" ألفه بعد وفاة الخليل .
قال أبو الطيب " سيبويه أعلم الناس بالنحو بعد الخليل وألف كتابه الذي سماه الناس قرآن النحو " قال المبرد: " لم يعمل كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه ". وهو أول كتاب جامع في قواعد النحو والصرف جعله في قسمين كبيرين:

القسم الأول خاص بالنحو ومباحثه .
القسم الثاني في المباحث الصرفية .

فسيبويه رسم أصول العربية وصاغ لها قوانينها الأعربية والصرفية.

ومن أبرز نحاة البصرة أو مدرسة البصرية : الأخفش الفارسي الأصل والمعروف بالأوسط تلميذ سيبويه الراوي كتابه .
قطرب البصري: لزم سيبويه ويقال أن سيبويه هو الذي سماه قطرب "ماأنت الا قطرب ليل "لما كان يتردد إليه مبكرا.
أبو عمر الجرمي : لم يلق سيبويه غير أته لزم الأخفش .
ومن نحاة البصرة كذلك المازني الذي لزم الأخفش وأخذ عنه كتاب سيبويه، والمبرد امام نحاة البصرة في عصره لزم أبا عمر الجرمي لقبه المازني بالمبرد ( بالكسر ) لحسن تتبعه في العلل. والكوفيون يقولون المبرد بالفتح عنتا له وسوء قصد .

وفي الأخير انتهت رياسة النحو البصري بعد المبرد إلى الزجاج وأبي بكر بن السراج ، ولزم المبرد وحسن رأيه فيه حتى كان من يردأن يقرأ عليه يأمره بأن يعرض على الزجاج ما يريد قراءته .
وبن السراح : أخد من تلاميذ المبرد ثم أخد عن الزجاج .
والسيرافي : أخد عن ابن السراج النحو .
وبالسيرافي تنتهي مدرسة البصرة وتصل إلى غايتها في تأصيل القواعد ، وهي التي شادت بناء النحو الشاهق، ومنها أخدت مدرسة الكوفة ثم المدرسة البغدادية والأندلسية والمصرية .

ومضت كل مدرسة تحاول أن تدخل على هدا البناء من الإضافات ما يتيح لها أن تكون ذات منهج جديد .

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:43 PM
المدرسة البغدادية


وأما البغداديون فقد أخذوا عن البصريين والكوفيين، ومادة الدرس عند هؤلاء إنما هي النحو البصري المتمثل في كتاب سيبويه ، وكل ما في الآمر آنهم خلطوا أقوال هؤلاء وهؤلاء وانتخبوا من هؤلاء وهؤلاء، ويسر لهم هدا أن بغداد كانت مقصد البصريين والكوفيين لأنها عاصمة الخلافة الإسلامية وموطن الأعمال واكتساب الرزق .

فليس المذهب البغدادي إذن إلا مذهبا انتخابيا فيه الخصائص المنهجية للمدرستين جميعا، على نحو ما فعل ابن مالك في محاولته الجمع بين المذهبين وانتهاجه منهجا وسطا بينهما "فإن مذهب البصريين إتباع التأويلات البعيدة التي خالفها الظاهر

وهكذا كان البغداديون في موضع يمكنهم من الانتفاع بعلم البصريين وعلم الكوفيين في وقت معا، ويكفي في دلك أن نشير إلى ما أورده الزبيدي في طبقات النحويين واللغويين عندما ترجم لأحمد بن يحي ثعلب إد يقول "أبو علي الدينوري زوج ابنته يخرج من منزله وهو جالس على باب داره فيتخطى أصحابه ويمضي ومعه محبرته ودفتره فيقرأ كتاب سيبويه على محمد بن يزيد المبرد فيعاتبه على دلك أحمد بن يحي ويقول "إذا رآك الناس تمضي إلي هذا الرجل وتقرأ عليه يقولون ماذا ؟ فلم يكن يلتفت إلى قوله "

- وبدخول بعض هده المصطلحات في الاستعمال النحوي المعاصر من خلال البغداديين والمتأخرين من أصحاب الشروح أصبح طلاب النحو لا يفرقون بين البصري والكوفي من المصطلحات .

ومن الواضح أن الخلاف حول المسائل لا ينهض مبررا لدعوى وجود مدرستين نحويتين ، لأن البصريين يختلفون حول المسائل تأويلا وتخريجا، ولكن الأصول واحدة ، ومن ثم يكون مجرد الخلاف في المسائل بين البصريين والكوفيين أبعد ما يكون عن الدلالة على اختلاف المدرستين .

وقد كانت عناية كتب الخلاف تنصب في العادة على مسائل الخلاف دون الخلاف حول مسائل الأصول ولكنها جاءت دون قصد(1)

وأبرز من ينسب إلى المدرسة البغدادية من العلماء : أبو على الفارسي ت 337 هـ وابن جني 392 هـ
(1) يمكن الرجوع إلى كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري


نص تطبيقي حول المدارس النحوية :

يقول شوقي ضيف : وينبغي أن يستقر في الأذهان أن المدرسة الكوفية لا تباين المدرسة البصرية في الأركان العامة للنحو ، فقد بنت نحوها على ما أحكمته البصرة من تلك الأركان التي ظلت الى اليوم راسخة في النحو العربي ، غير أنها مع اعتمادها لتلك الأركان استطاعت أن تشق لنفسها مذهبا نحويا جديدا له طوابعه وله أسسه ..
وإذن فمن الخطأ أن يرى معاصر الكسائي أو الفراء يتأثر بالنحو البصري فيظن أنهما ليسا كوفيين وأنهما مقدمة المذهب البغدادي أو المدرسة البغدادية فان هذا التأثر عندهما وعند جميع أئمة الكوفة شيء طبيعي ومعروف أن الكسائي تتلمذ للخليل بن أحمد وأنه قرأ كتاب سيبويه على الأخفش ، وقد رحل الفراء الى البصرة وتتلمذ على يونس بن حبيب و أكب على كتاب سيبويه يقرؤه و يدرسه كما أكب عليه جميع أئمة الكوفة من بعده . ومعنى ذلك أن الصلة بين المدرسة الكوفية والمدرسة البصرية في النحو ظلت قائمة على مدار الزمن ، وأن من الطبيعي أن نجد دائما عند نحاة الكوفة تأثرات مختلفة بالمذهب البصري ، ولكنهم مع ذلك استطاعوا أن يتبينوا شخصياتهم إزاءه وأن ينفذوا أي مذهب مستقل بهم ، له طوابعه وخصائصه التي تفرده عن المذهب البصري إفرادا متميزا "

عن المدارس النحوية
التحليل :

يتحدث صاحب النص عن أهم المدارس النحوية التي أسست النحو العربي وهي :
المدرسة البصرية والمدرسة الكوفية . وكلاهما مدرستان ظهرتا في العراق لأن العراق كانت موطنا للنشاط العلمي ، وفيها نشأت العلوم العربية .
ويحدد لنا شوقي ضيف أهم أعلام المدرستين . فمن علماء البصرة يذكر :
الخليل بن أحمد ( ت175هـ ) ، سيبويه ( ت183هـ ) ، يونس بن حبيب (ت182هـ ) الأخفش (ت215هـ ) .

ومن علماء المدرسة الكوفية يذكر لنا : الكسائي(ت189 هـ)، الفراء (20 هـ )

ويقر شوقي ضيف أن المدرسة الكوفية ما هي الا امتداد للمدرسة البصرية ، حيث يقول في بداية النص : "إن المدرسة الكوفية ... راسخة في النحو" . ويستدل على ذلك بسرده لأسماء العلماء الكوفيين الذين تتلمذوا على علماء البصرة إضافة إلى بقاء العلاقة بين المدرستين على امتداد الزمن حيث يقول: "ومعنى ذلك أن الصلة بين المدرسة الكوفية والمدرسة البصرية في النحو ظلت قائمة على مدار الزمن".
لكنه لا يعدم وجود بعض الخلافات بين المدرستين في آخر النص ، ويذكر أنه أمر طبيعي ناتج عن استقلالية علماء المدرسة الكوفية بآراء وأفكار نتيجة اختلاف في منهج البحث .

إذ نجد أن البصريين مثلا يقفون عند الشواهد الموثوق بصحتها، الكثيرة النظائر (الأمثلة التي يقاس عليها) ، وكانوا يؤولون ما خالف القواعد ، ويحكمون عليه بأنه شاذ أو مصنوع .

وإذا رأوا لغتين ( لهجتين ) احداهما تسير على القياس والأخرى لا تسير عليه فضلوا التي تسير على القياس وضعفوا من قيمة غيرها .
في حين رأى علماء المدرسة الكوفية ضرورة احترام كل ما جاء عن العرب وأجازوا للناس أن يستعملوا استعمالهم ، حتى لو كان شاذا لا ينطبق على القواعد العامة ، بل إنهم يجعلون هذا الشاذ أساسا لوضع قاعدة عامة

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:44 PM
مدرسة الكوفة


كانت الكوفة على خلاف البصرة مشغولة بالفقه ووضع أصوله وفتاواه وبالقراءات وروايتها رواية دقيقة مما جعلها تحظى بمذهب فقهي هو مذهب أبي حنيفة وبثلاثة من القراء السبعة الدين شاعت قراءاتهم في العالم العربي وهم :
عاصم وحمزة والكسائي، وعنيت إلى جانب دلك عناية واسعة برواية الأشعار القديمة .
وعادة تدكر كتب التراجم أولية للنحو الكوفي مجسدة في أبي جعفر الرواسي ومعاد الهراء .

أما الرواسي فيقول مترجموه إنه أخد النحو عن عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء، وعاد إلى الكوفة فتتلمد عليه الكساتي ، وألف لتلاميذه كتابا في النحو أسماه
"الفيصل"وكان يزعم أن كل مافي كتاب سيبويه من قوله.

ومن المؤكد أنه لم يدل في النحو بآراء ذات قيمة ، بدليل أن اسمه لم يدر في كتب النحو التالية لعصره ، وفيه يقول أبو حاتم : كان بالكوفة نحوي يقال له أبو جعفر الرواسي وهو مطروح العلم ليس بشيء "
وكان يعاصره معاد الهراء(ت 19 هـ)أخد النحو و الصرف من البصرة ثم عاد إلى الكوفة وجلس للتعليم وأخذ عنه الفراء .
وجعله السيوطي واضع علم الصرف. لكن يقال كتاب سيبويه زاخر به . ولعل علم الهراء بالصرف مثل علم الرؤاسي بالنحو، كان علما محدودا لا غناء فيه ولاشيء يميزه عن علم البصرة .

وإن يبدأ النحو الكوفي بدءا حقيقا بالكسائي وتلميذه الفراء فهما اللذان رسما صورة لهدا النحو ووضعا أسسه وأصوله و أعداه بحذقهما وفطنتهما.
لتكون له خواصه التي يستقل بها عن النحو البصري مرتبين لمقدماته ومدققين في قواعده ومتخذين له الأسباب التي ترفع بنيانه .

وقد شكل النحو الكوفي مدرسة مستقلة :
وبإجماع القدماء أن نحو الكوفيين يشكل مذهبا مستقلا ، لدا نجد ابن الأنبا ري في كتابه الضخم – الإنصاف في مسائل الخلاف- يعرض فيه الخلاف بين المدرستين في إحدى وعشرين ومائة مسألة استقلال مدرسة الكوفة عن البصرة . وإذا أردنا أن نبحث بين البصريين عن موجه للكسائي والفراء في إنشاء المذهب الكوفي ظهر أمامنا الأخفش والأوسط الذي روى عنه الكسائي- إمام الكوفة الأول – كتاب سيبويه الذي فتح له وللفراء أبوب الخلاف مع سيبويه والخليل ، وبدلك أعدهما للخلاف عليها وتنمية هدا الخلاف بحيث نفدا إلى مذهبهما النحوي الجديد .
ونجد أيضا أن الأخفش هو الذي ألهم الكوفيين المتأخرين الاعتداد بالقراءات الشاذة للذكر الحكيم، مما يجعله بحق الموجه الحقيقي للكوفيين في إحداث مدرستهم، من حيث أخدهم بالقراءات الشاذة، والاعتماد على الشواذ مخالفة لسيبويه وأستاذه الخليل . ثم إن الفراء يقوم في الكوفة مقام سيبويه في البصرة ،فهو الذي أعطى المدرسة الكوفية تشكلها النهائي،إلا بعض إضافات زادها الكوفيون بعده وفي مقدمتهم ثعلب

أما عن طابع المدرسة وميزاتها فأهمها ثلاثة طوابع :
- طابع الاتساع في الرواية وطابع لاتساع في القياس- بحيث يقاس على الشاذ – ثم طابع المخالفة في بعض المصطلحات النحوية وما يتصل بها من العوامل .
-إن الصلة بين المدرسة الكوفية والمدرسة البصرية في النحو ظلت قائمة على مدار الزمن ، ومن الطبيعي أن نجد عند نحاة الكوفة تأثرات مختلفة بالمذهب البصري لما نجده من تتلمذ الكسائي للخليل بن أحمد،وقراءته كتاب سيبويه على الأخفش ورحلة الفراء إلى البصرة، وتتلمذه على يونس بن حبيب وأنه أكب على كتاب سيبويه كجميع أئمة الكوفة ،غير أنهم استطاعوا أن يتبينوا شخصياتهم إزاءه.وأن ينفذوا إلى مذهب مستقل بهم له طوابعه وخصائصه التي تفرده عن المذهب البصري إفرادا متميزا واضحا .

أهم خصائص مد رسة الكوفة :
- الاتساع في الرواية والقياس : وهي من ميزات المدرسة الكوفية، أي اتساعها في رواية الأشعار وعبارات اللغة عن جميع العرب بدويهم وحضريهم، بينما تشددت المدرسة البصرية في الأخذ إلا عن الفصحاء، وهم سكان البوادي، لكن الكوفيين وفي مقدمتهم إمامهم الكسائي لا يكتفون بما يأخذون عن فصحاء الأعراب ، وقد حمل البصريون على الكوفيين حملات شعواء حينما وجدوهم يتسعون في الرواية .

وكان لهذا التمييز بين المدرستين بدءا لخلاف واسع بينهما ، مما جعل بعض البصريين يفخر على الكوفيين بقوله : نحن نأخذ عن حرشة (أكلة) الضباب وأكلة اليرابيع (أي البدو الخلص) وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز (اللبن الرائب المصفى) وباعة الكواسيخ ( أي عرب المدن) أما اتساعهم في القياس وضبط القواعد النحوية على خلاف البصريين فإن البصريين اشترطوا في الشواهد المستمد منها القياس أن تكون جارية على ألسنة العرب الفصحاء وأن تكون كثيرة ، فكان ضبطهم للقواعد دقيقا مما جعلهم يرفضون ماشذ على قواعدهم ومقايسيهم بل وصفوه بالغلط وللحن أي شاد على القياس فلا يلتفت إليه .

- أما الكوفيون فإنهم اعتدوا بأقوال و أشعار المتحضرين من العرب كما اعتدوا بالأقوال والأشعار الشاذة مما خرج على قواعد البصريين وذلك ما جعل القواعد عندهم تختلف وتتضارب ، حتى قال في ذلك القدماء :" لو سمع الكوفيون بيتا واحدا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلا وبوبوا عليه ".

- و بهذا التمايز بين المدرستين نستطيع أن نفهم السر في أن نحو المدرسة البصرية هو الذي ظل مسيطرا على المدارس النحوية التالية ، لأن قواعدهم قواعد مظردة مع الفصحى ، ذلك لأن قواعد العلوم بصفة عامة ينبغي أن يرفع عنها كل ما يعترضها من اضطراب .

- فتوسع مدرسة الكوفة في الرواية و القياس جعل البصرة أصح قياسا منها لطلبها العموم و الاطراد في قواعدها و لتثبتها في الرواية و أخذها عن الفصحاء الذين تخلصت عربيتهم من شوائب التحضر .
بل إن توسع الكوفيين في القياس ما نجده من استخدامهم القياس أحيانا من دون استناد إلى أي سماع .

3 – مصطلحات مدرسة الكوفة :
حاول الكوفيون جاهدين تمييز نحوهم بمصطلحات تغاير مصطلحات البصريين و النفوذ إلى آراء خاصة في بعض العوامل والمعمولات من ذلك مصطلح " الخلاف " وهو عامل معنوي يجعلونه علة النصب في الظرف، إذا وقع خبرا مثل " محمد أمامك" أما البصريون فيجعلون الظرف متعلق بمحذوف خبر .

- واصطلاح" الصرف " الذي هو علة نصب المفعول معه بينما جمهور البصريين يذهب إلى أنه منصوب بالفعل الذي قبله وغير ذلك من المصطلحات غير أن مصطلحات البصريين في الغالب هي التي كتب لها البقاء، و عم بين العلماء و الناس لدقتها المنطقية.
-
والحق أن هذه المصطلحات أو على الأقل أكثرها أريد بها مجرد الخلاف على مدرسة البصرة حتى أننا نجد عملهم في تمييز الحركات مخالفا تماما للبصريين . فالبصريون جعلوا الرفع و النصب و الجر و الجزم للمعرب، والضم و الفتح و الكسر و السكون للمبني فلجأ الكوفيون إلى قلبها و عكسها، غير أن النحاة تلقوا ذلك بالرفض .

وعلى هذه الشاكلة كان الكوفيون يحاولون النفوذ إلى آراء جديدة في العوامل والمعمولات حتى يفترق نحوهم على الأقل بعض الافتراق من نحو البصرة وقد استطاعوا بفضل أئمتهم أن يكونوا لهم مدرسة نحوية مستقلة ترقى حقا إلى منزلة المدرسة البصرية ،و لكنها على كل حال مدرسة بينة المعالم واضحة القسمات و الملامح .

أبرز نحاة مدرسة الكوفة :

1/ الكسائي :
فارسي الأصل ولد سنة 119 ﻫ .
و قيل لقب بالكسائي لأنه كان يلبس في مجالس القراء كساء أسود ثمينا
ويقال: لأنه أحرم في كساء . و أخذ النحو عن أبي جعفر الرؤاسي ومن كتابه(الفيصل) ثم عاد إلى الكوفة و أخذ من الخليل بن أحمد ،و عكف عليه
وهو أحد القراء المشهورين، و قراء ته إحدى القراءات السبع المتواترة .
ومن تآليفه في النحو كتاب مختصر النحو، وكتاب الحدود في النحو و كتاب ما تلحن فيه العوام . توفي سنة 189 ﻫ مع الفقيه محمد بن الحسن الشيباني
وحزن عليهما الرشيد حزنا شديدا و قال : " دفنا الفقه و النحو بالري "
ويعد الكسائي إمام مدرسة الكوفة وواضع رسومها ومناهجها ، و لعل الدافع الذي جعل الكسائي أن يفسح في العربية للغات الشاذة أنه من الفراء للذكر الحكيم وكانت تجري في قراءاته حروف تشذ على قواعد النحو فخشي أن يظن بهذه الحروف أنها غير جائزة مع أنها مروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم وجميعها صحيح مما جعله يتوسع في قواعد النحو أنها و الصرف حتى تشله .
فالكسائي كان يتوسع أحيانا في القياس، وأنه كان يدلي أحيانا بأحكام دون شواهد تسندها من اللغة، و مما جرى في الندرة على ألسنة بعض العرب ،
والحاصل أن الكسائي إمام مدرسة الكوفة للأسس التي و ضعها ،لها وهي أسس تقوم على الاتساع في القياس والرواية و النفوذ إلى أحكام وآراء لم تقع في خاطر البصريين سواء سندتها الشواهد أم لا ، مع كل ما يمكن من مخالفتهم في توجيه الأعراب في الصيغ و العبارات .

وأشهر تلاميذه أبو عبيد القاسم بن سلام .
وتذكر له كتب النحو نقله عن بعض العرب من ينصب ﺑ " إن " المبتدأ
و الخبر ، كقول بعضهم :

إذا اسود جنح الليل فلتأت و لتكن
خطاك خفافا إن حراسنا أسدا


غير أن الجمهور يتأولون البيت على الحال وأن الخبر محذوف .

الفراء:
فارسي الأصل ولد بالكوفة سنة 144 ﻫ. أكثر الأخذ عن أبي جعفر الرؤاسي ثم رحل إلى البصرة وتتلمذ على يونس بن حبيب، وكان جامعا للعلوم. قال عنه أحدهم: "جلست إليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا وفاتشته عن النحو فوجدته نسيجا وحده وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم، وبالنجوم ماهرا، وبالطب خبيرا وبأيام العرب وأخبارها وأشعارها حاذقا " ولما اشتهر الكسائي رحل إليه إلى بغداد ولزمه وتصدر للتدريس وأستاذه الكسائي على قيد الحياة وله تصانيف كثيرة مثل ، كتاب لغات القرآن والمصادر في القرآن، وكتاب معاني القرآن وقد وضع الفراء النحو الكوفي ومصطلحاته بشكله النهائي وكنا رأينا الكسائي يرسم منهج النحو الكوفي على أسس ثلاثة هي الاتساع في الرواية للأشعار والأقوال والقراءات الشاذة والاتساع في القياس بحيث يعتد في قواعد النحو بالشاذ والقليل والنادر، والاتساع في مخالفة البصريين بآراء لا تسندها الشواهد اللغوية .
ثم مضى الفراء على إثر أستاذه يتسع بهذه الجوانب
وكان عقل القراء أدق وأخصب من عقل الكسائي قادرا على الاستنباط والتحليل وتخريج القواعد والأقيسة مما جعله يقوم على الخلاف مع نحاة البصرة في كثير من الأصول ووضع مصطلحات جديدة .

وكان الفراء ليفرق بين ألقاب الإعراب والبناء ، وعنده المصدر مشتق من الفعل خلافا للبصريين، مع أن المصدر هو الأصل ، والفعل مشتق منه ، وأن الأصل في الأفعال الاعراب كالأسماء. وأيضا قسم الأفعال إلى ماض ومضارع ودائم (اسم الفاعل) أما فعل الآمر عنده فمقتطع من المضارع المجزوم بلام الأمر.

وأكثر الفراء من التبديل والتغيير في المصطلحات النحوية التي وضعها الخليل وسيبويه، مستعينا بعقله المتفلسف الخصب حتى استطاع أن يكون مدرسة مستقلة في النحو للكوفة ولكن ليس استقلالا كاملا لاعتمادها على الأمس التي وضعتها البصرة، ولكنها محاولة للتمييز والتفرد .وقد كان دلك على يد "الفراء من خلال آرائه ومصطلحاته التي تخالف البصريين وسيبويه وقد يخالف أستاذه الكسائي وهو إنما يريد أن يشكل النحو الكوفي في صيغته النهائية .


ثعلب :
ولد سنة 200 هـ فأخذ النحو عن تلامذة الفراء وأخذ منهم كتب الفراء له مؤلفات كثيرة قي النحو واللغة، وصلنا منها كتاب(المجالس) وكتاب (الفصيح) وقواعد الشعر .

وآراؤه مطابقة لآراء القراء والكسائي وما نهجاه لمدرستهما من أصول ومصطلحات، ولم يكن مثل الفراء والكسائي عقلا ورأيا، لكن له قيمة كبيرة في تاريخ النحو الكوفي، فقد كان في معرفة آراء إماميه الكسائي والفراء ما ليس عند غيره، وليس معنى هدا أنه لم يكن يعدو آراء الفراء والكسائي، بل كان يجتهد أحيانا ، فقد ذهب إلى أن " عسى" حرف وليست فعلا ، وأن الاسم مشتق من الوسم خلافا للبصريين، من أن الاسم مشتق من السمو .
وربما اختار بعض آراء البصريين وآثرها على بعض آراء مدرسته .
أما عن تلاميذه فلم تكن لهم آراء في كتب النحو، وكأنما كانوا امتدادا لمباحث ثعلب اللغوية، وكان أنبه تلاميذه في المباحث النحوية أبو بكر بن الأنبا ري، وله آراء مختلفة تدور في كتب النحو .
لعل آخر النحاة الدين استظهروا آراء المدرسة الكوفية في مصنفاتهم ابن آجروم الصنهاجي المغربي صاحب المتن المشهور بالآجرومية.
وفيه فراءه يذهب إلى أن السكون في فعل الأمر سكون جزم لا سكون بناء كما يذهب إليه الكوفيون ونحو دلك من المسائل .

وقد بقيت آراء المدرسة الكوفية حية نابضة في كتب النحاة المتأخرين (1)
(1) عن كتاب المدارس النحوية لشوقي ضيف .

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:46 PM
خصائص العربية الاعراب

كما أن للغة الإنسانية خصائص مشتركة تشترك فيها الألسنة على اختلافها وتنوعها فإن لكل لسان (لغة) خاص بكل أمة خصائص تنفرد بها وتتميز عن غيرها ، وربما تنفرد اللغة بهده الخصائص أو بواحدة منها وإنما تكون فيها أظهر من غيرها من دلك ما تمتاز به العربية (اللسان العربي) من خصائص ذكرها الباحثون وفصلوا فيها في مؤلفاتهم وأبحاثهم ومن أبرزها :
- الاعراب
- الاشتقاق
- الترادف
- المشترك اللفظي
- التضاد


الإعراب


ربما كان الإعراب من أبرز خصائص العربية ، ومعنى الإعراب :
في اللغة : البيان و الإفصاح .

أما في الاصطلاح فهو : إما الحالات الإعرابية التي تبين وظيفة الكلمة داخل التركيب (الرفع و النصب و الجر و الجزم ) أو هو علامات الإعراب نفسها (الضمة و الفتحة و الكسرة و السكون) وما ينوب عنها.وسيأتي تفصيل ذلك .

حكاية الإعراب
وجود الإعراب في الساميات :
إن النظر في اللغات السامية يؤكد أن الإعراب كان موجودا في هذه الفصيلة اللغوية (الفصيلة السامية) إلا أنه فقد من معظمها على العصور وقد بقيت منه بقايا في بعض فروعها .

يقول المستشرق برجستراسر " إن الإعراب السامي الأصل تشترك فيه اللغة الأكادية ، وفي بعضه اللغة الحبشية ونجد أثارا منه في غيرها " فالأكادية كالعربية تستخدم علامات الإعراب .

- فالمفرد يرفع بالضمة وينصب بالفتحة ويجر بالكسرة .
- والمثنى تقع في آخره ألف ونون في حالة الرفع وفي حالتي النصب
والجر، وينتهي في البابلية بياء ونون، و في الآشورية بحركة إمالة متطورة عن الياء المفتوح ما قبلها و النون ...

- وفي العبرية بقايا إعرابية تظهر في مواضع منها المفعول به، ويبدو أن علامة النصب في العبرية القديمة كانت (الفتحة الطويلة) التي نشأت عنها هاء متطرفة تذكر في أواخر الكلمات وتشبه الألف اللينة ، ويظهر ذلك واضحا في الاسم المنصوب بنزع الخافض وفي أواخر الظروف المنصوبة مثل "Laila " بمعنى " ليل"ATTA" بمعنى (حتى) وكذلك في المصدر الذي يناظر المفعول المطلق في العربية. إلا أنه وفق القواعد العبرية تأتي بعد (الفتحة الطويلة) ميم زائدة (ما يسمونه التمييم ويقابله التنوين في العربية) ونلمح آثارا في العبرية ترشد إلى أن الضمة والكسرة كانتا علامتين إعرابيتين فيها .

وجوده في العربية :
أما العربية فيكاد بجمع العلماء على أن الإعراب ظاهرة لغوية اتسمت بها من قديم الزمان ومنذ نشأتها .

ويقول المستشرق يوهان فك : " إن العربية الفصحى قد احتفظت في ظاهرة التصرف الإعرابي بسمة من أقدم السمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية باستثناء البابلية القديمة قبل عصر نموها وازدهارها الأدبي " .

ويقول الدكتور السامرائي: " وقد احتفظت اللغة العربية الفصيحة بظاهرة الإعراب، وهي من صفات العربية الموغلة في القدم " .
وبعض الباحثين اللغويين كانوا يخضعون البحث اللغوي منذ زمن غير قصير للنظرية القائلة بأن اللغات تمر بحالات ثلاث على التتابع :

1- حالة العزل
2- حالة الإلصاق
3- حالة الإعراب (التصرف) .

وكان من المسلم به أن كل لغة من اللغات المعروفة كانت على إحدى هذه الحالات الثلاث وفقا لمرحلة التطور التي عرفناها فيها .

ونقل ابن جني رأيا عن أبي الحسن أجاز فيه أن تكون الكلمات المبنية قد كانت قديما معربة فلما كثرت تميزت وأجاز مع ذلك أنهم ابتدأوا بناءها لأنهم علموا أنه لابد من كثرة استعمالها .

والنظرة التطورية إلى اللغة لا تقبل بحال أن نعد ظاهرة الإعراب في العربية وجدت هكذا دفعة واحدة . فالطبيعي أن لإعراب لم يصل إلى هذه الدرجة الدقيقة المنظمة في العربية إلا على مراحل ودرجات ولابد أنه كان بسيطا كما هو الحال عند أخواتها .
ولعل كثيرا من الألفاظ التي تعربها العربية الآن كانت في وقت ما مبنية ثابتة أواخرها على حركة واحدة أو على سكون؛ أقصد أن الإعراب لم يكن مطردا على أواخر الألفاظ المعربة وعلى النحو الذي نراه الآن.

ولا بأس أن نورد هنا مقطعا من نقش النمارة حيث تظهر آثار الإعراب :
" تي نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو أسرالتج …. وملك الأسدين ...".

ويرى بعض الباحثين المحدثين كالدكتور إبراهيم أنيس أن الإعراب كان من خصائص اللغة النموذجية ، فظاهرة الإعراب لم تكن ظاهرة سليقة في متناول العرب جميعا، كما يقول النحاة ، بل كانت صفة من صفات اللغة النموذجية الأدبية ، ولم تكن من معالم الكلام العربي في أحاديث الناس وخطابهم .ويوافقه الأستاذ عبد المجيد عابدين بعض الموافقة حين يقول : " إن العربي كان إذا عاد إلى بيئته أو بيته عاد إلى لهجته الدارجة ؛ هذه اللهجات الدارجة لم تكن في أغلب الظن معربة إعراب لغة قريش ، وكان الإعراب في هذه اللهجات بسيطا ، وهي تذكرنا على كل حال باللهجات العربية الحديثة " .

وكان الدكتور أنيس قد ادعى أن النحاة العرب قد اخترعوا قواعد الإعراب على نظام النحو في اللغات الأخرى كاليونانية مثلا ففيها يفرق بين حالات الأسماء التي تسمى "Cases" ويرمز لها في نهاية الأسماء برموز معينة ، وكأنما قد عز على النحاة ألا يكون في العربية أيضا مثل هذه الـ "Cases " فحين وافقت الحركة ما استنبطوه من أصول إعرابية قالوا عنها : أنها حركة إعراب وفي غير ذلك سموها حركة أتى بها للتخلص من التقاء الساكنين . ومن هذا يتلخص أن الدكتور أنيس ومن تابعه يدعون أن الإعراب لم يكن في لهجات التخاطب عند العرب القدماء، وأن بعضه اخترع لطرد القواعد وانسجامها .

ومن الردود على هؤلاء وخاصة الذين يرون في ظاهرة اللهجات العامية اليوم دليلا على خلوالعربية أصلا من الإعراب :

1- ما ذكره الدكتور عبد الواحد وافي حيث قال : إن اللهجات العامية الحديثة خضعت لقوانين التطور في مفرداتها وأوزانها ودلالاتها ، فبعدت بعدا كبيرا عن أصلها فلا تقوم دليلا، وقد خضعت لقانون التطور الصوتي وهو ضعف الأصوات الأخيرة في الكلمة و انقراضها ، وهو قانون عام خضعت له جميع اللغات الإنسانية في تطورها. وفي اللهجات العامية الحديثة بقايا من الإعراب مثل: ( أبوك وأخوك ) في عامية مصر.
وفي معظم لهجات العراق تثبت النون في الأفعال الخمسة مثل :
يمشون – تمشون – تمشين .

2 - روى بعض الباحثين أن آثار الإعراب بالحركات لا تزال باقية في لهجات بعض القبائل الحجازية في العصر الحاضر، ويستفاد ذلك من كثير من كتب التاريخ ، ففي كتب أبي الفدا أن العربية بقيت في بعض لهجات المحادثة حتى أواخر العصور الوسطى .
ونضيف إلى هذا أن الزبيدي في تاج العروس (مادة عكد) ذكر أن قرية قرب جبل عكادا كانت لا تزال فصيحة حتى عصره، وقد توفى الزبيدي سنة 1305 هـ.

3 - صعوبة قواعد الإعراب لا تدل على اختراعها ، فاليونانية و اللاتينية مع صعوبة الإعراب فيهما كالعربية لا تزال تستعمل حتى الآن في المحادثة وخلق القواعد خلقا لا يتصوره العقل، إذ اللغة هي التي تفرض نفسها ، ولم يكن هناك صلة بين علماء النحو العربي و الإغريق حتى يقتبسوا منهم لأنهم لم يكونوا يعرفون اليونانية مع أن قواعد العربية تختلف اختلافا جوهريا عن اللغة اليونانية .

4 - كان علماء البصرة والكوفة يأخذون في وضع القواعد من لغة المحادثة عند القبائل العربية متحرين الدقة في ذلك، وليس من المعقول أن يتواطأ جميع العلماء مع علماء النحو مع هذا الاختلاف و الاختراع .

5 - اكتشفت نقوش في شمال الحجاز تدل دلالة قاطعة على وجود الإعراب في العربية البائدة نفسها .

6 - أوزان الشعر العربي تقوم على الموسيقى ولابد لها من الإعراب .

7 - تواتر القرآن و السنة بالإعراب دليل قاطع على وصول الكلمات إلينا معربة، وكذلك رسم المصحف العثماني مع تجرده من الإعجام والشكل وذلك أن المصحف يرمز إلى كثير من علامات الإعراب بالحروف (المؤمنون، رسولا ، شهيدا … )

ولاشك أن المصحف العثماني قد دون في عصر سابق بأمد غير قصير لعهد علماء البصرة و الكوفة .

وقد أثبت المستشرق " يوهان فك " :" أن الإعراب من سمات العربية القديمة. فأشعار البادية من قبل العهد الإسلامي، ومن بعده ترينا علامة الإعراب مطردة كاملة السلطان . كما أن الحقيقة الثابتة أن النحويين اللغويين الإسلاميين كانوا حتى القرن الرابع الهجري و العاشر الميلادي على الأقل يختلفون إلى عرب البادية لدرس لغتهم تدل على أن التصرف الإعرابي كان بالغا أشده لذلك العهد، بل لا تزال حتى اليوم نجد في بعض البقايا الجامدة من لهجات العرب البداة ظواهر الإعراب، كما يستدل أيضا بالقرآن الكريم وإعرابه إذ أنه أقدم أثر من أثار النثر الأدبي ".
ودقة الإعراب وتنوعه ليست مانعا من التخاطب بلغة معربة، ولهذا نظائر في تاريخ اللغات الأوروبية كالألمانية التي لا تزال لغة تخاطب بين الألمان .

- لمَ دخل الإعراب الكلام ؟
كما هو معروف عند علماء اللغة إن اللغة العربية من خصائصها أنها معربة فهي تعتمد بالدرجة الأولى على الإعراب الذي يحدد الوظائف النحوية للمفردات ضمن التركيب .ومعنى الإعراب –أصلا– هو الإظهار والتوضيح فلو قال قائل: ( زار محمد سعيد ) بتسكين آخر الاسمين لا يستطيع المخاطب أوالسامع أن يفهم مَنْ منَ الرجلين قام بالزيارة، ومن الذي تلقى الزيارة لكن الإعراب يرفع هذا اللبس ويعطي القدرة على التحرك و التقديم و التأخير فنقولزار محمد سعيدا ، أو (زار سعيدا محمد) ، فتميز علامة الإعراب (الضمة) ، أو ما ينوب عنها في حالات خاصة ( كالتثنية و الجمع … ) تميز الفاعل وتميز (الفتحة) ، أوما ينوب عنها المفعول مع أن تغيير مواقع الكلمات في العربية يتم بموجب قواعد خاصة مثل : تقديم المفعول على الفاعل أو الفعل و الفاعل.

فالإعراب إذن بغض النظر عن حده ومفهومه الاصطلاحي إذا كان لفظيا أو معنويا هو وسيلة لتحديد الوظائف النحوية التي عليها يتوقف الفهم والتواصل.

إننا نعرب لنبين المعنى الوظيفي برفع أو نصب أوجر، ونشير إلى ذلك بعلامة صوتية هي الحركة الإعرابية، التي ترتبط بذلك المعنى النحوي، وتدل عليه فكما أن معاني الألفاظ (المعجمية) قائمة في الذهن يدل عليها بألفاظ صوتية، وكذلك معاني النحو يدل عليها بعلامات صوتية هي علامات الإعراب وذلك حتما شأن المتكلم أولا ، فالمعنى القائم في ذهن من قال : (زار سعيدا محمد) يدل عليه، ويجعل (سعيد) منصوبا ويجعل (محمد) مرفوعا وإن قدم وآخر. وإذا كانت الوظائف النحوية كثيرة ومتنوعة كما هو معروف في أبواب النحو، وعلامات الإعراب لا تعدو أن تكون ( الفتحة
والضمة والكسرة) بالإضافة إلى السكون، فقد أدى ذلك إلى استعمال علامة واحدة لأكثر من حالة إعرابية، وإلى حصر الحالات الإعرابية في الفاعلية وعلامتها الرفع والمفعولة وعلامتها النصب، والإضافة وعلامتها الجر، ثم حمل الحالات الأخرى على هذه الحالات الثلاث، وحمل المبتدأ على الفاعل على أساس أن الرفع علامة الإسناد، ثم حمل الخبر على المبتدأ، وحملت كل المفاعيل بالإضافة إلى الحال والتمييز والمستثنى على المفعول به، وحمل المجرور بالحرف على المضاف إليه ، بل إن هناك من جعل الحالات اثنتين الرفع علامة الإسناد والجر علامة الإضافة .

أما النصب أو الفتح فهو علامة تميزه عن الرفع أو هو علامة ما لا علامة له أي أن العرب عندما لا يكون للاسم ( وهو الأصل في الإعراب والفعل المضارع يقاس عليه) علامة إسناد، ولا علامة إضافة فإنه يحرك بالفتح، لأن الفتحة أخف من غيرها؛ كما أن السكون علامة سلبية في اللهجات العامية، أو عندما يخشى اللحن فيلجأ إلى التسكين ( فإذا خشيت اللحن فسكن) و(السكون عكاز الأعمى) ، وقد يدرج حسب هذا الرأي ما يسمى بالنصب لنزع الخافض أي عندما سقط الجار فسقطت حركته ، وصار الاسم دون حركة حُرك بالفتحة على أساس أنها علامة عدم الحركة وإن كان
- في المعنى المنطقي - عدم الحركة هو السكون .

إن تمييز المعاني النحوية لا يتوقف على الإعراب الذي تدل عليه علامات محدودة بصورة مطلقة ، ولكن مع هذا فالإعراب نظام من أنظمة متعددة ضمن النظام العام للغة ، يجعلها قادرة على تأدية وظائفها وأهمها الاتصال والتفاهم ، بل يكون الإعراب في كثير من الأحيان هو النظام الوحيد للفهم و البيان ؛ وذلك في مثل قولهم : (ما أحسن زيد) حيث يفرق الإعراب بعلاماته بين الخبر في حالة النفي (مَا أَحْسَنَ زَيْدٌ) ، و الاستفهام (مَا أحْسَنُ زَيْدٍ ؟) و التعجب (ما أحسنَ زيدا) دون أن يهمل طبعا عوامل السياق و النبر و التنغيم في المشاركة في بيان المعنى وعمل النظام اللغوي .

ملاحظة :
ينصح بالرجوع إلى كتاب (ظاهرة الإعراب ..) لأحمد سليمان ياقوت، وكتاب (فقه اللغة ) لعلي عبد الواحد وافي .

نص للتطبيق و التمرين
حول الإعراب في العربية
"إن اختلاط المستويين الصوتي و النحوي له مظاهر كثيرة تبدو في حركات الإعراب ؛ فتحريك أول الساكنين بالكسر حتى لا يلتقي مع الساكن الثاني كما في " لم يكن الذين كفروا " ، وكذلك حذف حرف العلة في " لم يستطع " مظهران من مظاهر التقاء المستويين الصوتي و النحوي، ويبدو هذا الالتقاء أيضا في حركة الاتباع في قولهم المشهور : ( جُحرُ ضبٍ خربٍ ) ، فلقد كان حق ( الباء ) الأخيرة الرفع، إلا أن اتباعها حركة الباء التي قبلها صوتيا جعلها تأخذ حركتها الإعرابية نفسها " .
عن كتاب ظاهرة الإعراب في النحو العربي وتطبيقها في القرآن الكريم لأحمد سليمان ياقوت. ص 74

1- حلل هذا النص تحليلا لغويا وبين :

أ - القضية اللغوية المركزية التي يتمحور حولها .
ب - المسائل اللغوية الفرعية التي يشير إليها النص .
هـ - علق على النص مبينا ماهية الإعراب وعلاقته بالنحو و الأصوات .

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:47 PM
خصائص العربية .. النحت

النحت


-النحت : لغة: النشر والقشر ونحته ينحته نحتا أي براه، ونحت الجبل إذا حفره .
- واصطلاحا : انتزاع من كلمتين أو أكثر كلمة جديدة تدل على معنى، وتكون هذه الكلمة اسما كالبسملة ، وهي منحوتة من قولنا :

" بسم الله الرحمن الرحيم " .
فعلا ، " مثل " حمدلَ " من قول الحمد لله " .
حرفا " إنما " في " إن – ما "
مختلطة " عما " من " عن – ما " .

- شروطه :

1 - توافق الحروف عند تأليفها في الكلمة المنحوتة.
2 - تنزيل الكلمة المنحوتة على أحكام العربية.
3 - إخضاعها لما تخضع له أوزان العربية.

- أنواعه : النحت ثلاثة أنواع :

1 - النحت النسبي وهو أن تنسب شيئا أو اسما أو فعلا إلى اسمين.
مثل : (عبشمي) من عبد شمس ، و(مرقسي) من امرئ القيس .
(عبقسي) من عبد قيس و(عبدري) عن عبد الدار.
وقد قال الشاعر العربي قديما :


وتضحك مني شيخة عبشمية
كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا


وهذه الخمسة مسموعة ، واشتق منها : تعبشم الرجل ، و تعبقس إذا أنتسب إلى عبد شمس ، و إلى عبد قيس بحلف أو جوار أو ولاء .

2 - النحت الفعلي ما ينحت من الجملة دلالة على منطوقها أو تحديدا لمضمونها .
أ - ما ينحت دلالة على منطوق الجملة مثاله :
بسمل، إذا قال بسم الله .
حسبل – حسبي الله .

ب - ما ينحت تحديدا لمضمونها، ومن أمثلة ذلك :
بزمخ ، فهو من " بزح و " زمخ " إذا تكبر.
وقد ينقسم اللغويون إلى ثلاثة فرقاء باعتباره وعدم اعتباره :

1 - فريق يؤكد أن النحت يدخل فيه معنى الاشتقاق ، وهو توليد فرع من أصل .
أصل
فرع

بسم الله
بسملة
.

2 - فريق ينفي فيقول : النحت غريب عن نظام الاشتقاق فلا يعد قسما منه.

3 - فريق يتوسط ويرى أنه من قبيل الاشتقاق وإن لم يكن بالفعل، وذلك أن أكثر المنادين به كابن فارس لم يحشروه في أبواب الاشتقاق؛ إلا أنهم رأوا فيه رغم ذلك أنه ضرب من التوسيع في المعاني .

يوصى بالرجوع إلى :
- دراسات في فقه اللغة لصبحي الصالح .
- فقه اللغة وخصائص العربية لمحمد المبارك .
- كشاف اصطلاحات الفنون للتها نوي .
- بالإضافة إلى لسان العرب لابن منظور .

نص تطبيقي حول النحت
يقول عبد القادر مصطفى المغربي ـ وهو من علماء اللغة المحدثين - في كتابه الاشتقاق والتعريب ، معرفا النحت : "أن تعمد الى كلمتين أو جملة فتنزع من مجموع حروف كلماتها كلمة تدل على ما كانت تدل عليه الجملة نفسها .و لما كان هذا النزع يشبه النحت من الحجارة والخشب سمي نحتا

ويقول ابن فارس (في القرن 4ه ) في كتابه فقه اللغة وسنن العرب في كلامها في باب النحت : " العرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة وهو جنس من الاختصار وذلك رجل عبشمي منسوب الى اسمين : الأول عبد والثاني شمس ".

التحليل :
يبرز لنا هذان النصان اهتمام اللغويين قديما وحديثا بالنحت، واعتبارهم أنه وسيلة من وسائل الاشتقاق حتى أنه سمي بالاشتقاق الكبار لأنه يسمح بالحصول على كلمات جديدة ، كل كلمة هي اختصار لمجموع كلمات .

وقد رد العلماء النحت الى أربعة أقسام هي :

1 - النحت الفعلي : وهو نحت فعل من جملة ليدل هذا الفعل المنحوت على ما تدل عليه الجملة، مثال ذلك : " بسمل" من بسم الله الرحمن الرحيم ، اذ أخذنا " الباء" و "السين" و"الميم" من كلمة : بسم و" اللام " من اسم الجلالة الله .

2 - النحت الاسمي : و هو نحت اسم من جملة فنختزل منها ذلك الاسم مثل الحمدلة ، المنحوتة من الحمد لله

3- النحت النسبي : وهو أن نستخرج اسما منسوبا الذي تكون في آخره ياء النسبة، وتنحت من اسمي شخصين أو مدينتين اسما واحدا تنسب اليهما مثل :

- طبرخزي : نسبة الى طبرستان وخوارزم .
- شفعنتي : نسبة الى الامامين ـ رحمهما الله ـ الشافعي و أبو حنيفة

4 - النحت الوصفي : وهو أن تنزع صفة أو وصفا من كلمتين فتدل الكلمة المنحوتة على معنى صفة الكلمتين أو بأشد من معناهما مثل الصلد: الشديد الحافر وهو وصف للناقة منحوت من الصفة التي هي الصلد بمعنى الصلب والصدم بمعنى الضرب والدفع.

تباينت آراء العلماء حول النحت ، اذ نجد منهم من اعتبر النحت نوعا من أنواع الاشتقاق وبذلك جعله وسيلة لتوليد الكلمات، خاصة في مجال المصطلحات العلمية ولنأخذ على سبيل المثال مصطلحين في علم الحيوان وضعا عن طريق النحت وهما :
- غمجناحيات من غمد و جناح
- البطجليات من بطن ورجل
- قبتاريخي من قبل وتاريخ

في حين رفض علماء آخرون استغلالها كوسيلة لتوليد المصطلحات وحجتهم في ذلك: - أن ما يوضع من مصطلحات منحوتة لا يخضع الى قواعد معينة، اذ تعتمد على أذواق واضعيها فقط .

- غرابة بعض المنحوتات، اذ يصعب علينا إيجاد علاقة بين الكلمة المنحوتة والأصل الذي نحتت منه - ثقلها .

تمرين
كتب ، جبل ، هديل ، حيعلة ، جلب ، ملك ، جليل ، مكتوب ، محركيار ، كتم ، كاتب ، هدير ، لكم ، أكتب ، كلم .

المطلوب : ميز بين هذه الكلمات حسب نوع الاشتقاق



الاشتقاق الصغير
الاشتقاق الكبير

كتب
جبل

كاتب
جلب

مكتوب
ملك

أكتب
لكم
كلم


الاشتقاق الابدالي
الاشتقاق الكبار (النحت)

هديل
محركيار

هدير
حيعلة

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:48 PM
خصائص العربية .. الاشتقاق السبت نوفمبر 08, 2008 7:44 pm

الاشتقاق

أولا - تعريف الاشتقاق
- لغة: الاشتقاق من الشق وهو أخذ الشيء من الشيء أو أخذ شقه ؛ أي نصفه، و اشتقاق الكلام الأخذ فيه يمينا وشمالا ، و اشتقاق الحرف من الحرف أخذه منه . ويقال شقق الكلام إذا أخرجه أحسن مخرج .
- اصطلاحا : له تعاريف متعددة لا تبتعد كثيرا عن المعنى اللغوي ونورد بعضها :

1 - اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه حروف ذلك الأصل.
2 - أخذ كلمة من أخرى بتغيير ما ، مع التناسب في المعنى.
3 - نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيبا، ومغايرته في الصيغة.

ثانيا : شروط الاشتقاق :
إن علماء النحو و الصرف وضعوا شروطا لصحة الاشتقاق نذكر منها:

1 - لابد في المشتق اسما كان أو فعلا من أن يكون له أصل ، فإن المشتق فرع مأخوذ من لفظ آخر، كما رأينا في التعاريف ولو كان أصلا في الوضع غير مأخوذ من غيره لم يكن مشتقا ، ولكن ما هو هذا الأصل المشتق منه ؟ أهو المصدر أم الفعل ، أم شيء آخر. في ذلك خلاف بين العلماء .

2- لا بد أن يناسب المشتق الأصل في الحروف من حيث عددها وترتيبها ، والمعتبر المناسبة في جميع الحروف الأصلية، فإن الاستباق من السبق مثلا يناسب الاستعجال من العجل في حروفه الزائدة و المعنى وليس مشتقا منه بل من السبق .

3- يجب أن يوافق المشتق الأصل في المعنى إما مع زيادة " كالضرب " فإنه للحدث المخصوص والضارب فإنه لذات ما له ذلك الحدث ، وإما بدون زيادة كاشتقاق الضرب من ضرب على مذهب الكوفيين .

ثالثا : الأصل في الاشتقاق
اختلف البصريون و الكوفيون في أصل الاشتقاق، فذهب البصريون إلى أن أصله هو المصدر في حين يرى الكوفيون أن الفعل أصل الاشتقاق. واحتج كل فريق بجملة من الأدلة :

أ - حجج البصريين :

1 - إن المصدر إنما سمي كذلك لصدور الفعل عنه .

2 - إن المصدر يدل على شيء واحد وهو الحدث ، أما الفعل فيدل بصيغته على شيئين الحدث و الزمان المحصل، وكما أن الواحد أصل الاثنين فكذلك المصدر أصل الفعل.

3 - إن المصدر يدل على زمان مطلق أما الفعل فيدل على زمان معين وكما أن المطلق أصل للمقيد ، فكذلك المصدر أصل للفعل .

4 - إن المصدر اسم والاسم يقوم بنفسه ويستغنى عن الفعل لكن الفعل لا يقوم بنفسه بل يفتقر إلى الاسم ولا يستغني بنفسه، وما لا يفتقر إلى غيره أولى بأن يكون أصلا مما لا يقوم بنفسه .

5 - إن المصدر مثال واحد نحو : الضرب" و "القتل" و الفعل له أمثلة مختلفة

ب - حجج الكوفيين :
1 - إن المصدر يذكر تأكيدا للفعل نحو : ضربت ضربا ، ورتبة المؤكد (بفتح الكاف) قبل رتبة المؤكد (بكسر الكاف).

2 - إن هناك أفعالا لا مصادر لها وهي : نعم ، بئس ، حبذا ، عسى ، ليس ... فلو كان المصدر أصلا لما خلا من هذه الأفعال لاستحالة وجود الفرع من غير أصل .

3 - إن الفعل يعمل في المصدر نحو : ضربت ضربا ، وبما أن رتبة العامل قبل رتبة المعمول وجب أن يكون المصدر فرعا عن الفعل .

4 - إن المصدر يصح لصحة الفعل ويعتل لاعتلاله مثل: ذهب ذهابا ، رمى رميا .
و الراجح أن أصل الاشتقاق ليس واحدا بل الصحيح أن العرب اشتقت من الأسماء والأفعال و الحروف لكن بدرجات متفاوتة، فأكثر ما اشتق منه الأفعال ثم الأسماء ثم الحروف، وهذا ما يراه عدد من الباحثين المحدثين.

رابعا : فوائد الاشتقاق وأغراضه
إن الاشتقاق يكتسب أهمية بالغة في اللغة العربية ، بل ذهب بعضهم إلى وجوب تقدم تعلمه على علم النحو؛ أي علم التصريف ، وهو نوع من أنواع الاشتقاق بل هو أهمها وأكثرها ورودا . وفي ذلك يقول ابن جني:"فالتصريف إنما هو لمعرفة أنفس الكلم الثابتة، والنحو إنما هو لمعرفة أحواله المتنقلة، ألا ترى أنك إذا قلت : قام بكر، ورأيت بكرًا، ومررت ببكرٍ فإنك إنما خالفت بين حركات حروف الإعراب لاختلاف العامل ولم تعرض لباقي لكلمة وإذا كان كذلك فقد كان من الواجب على من أراد معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف؛ لأن معرفة ذات الشيء الثابتة ينبغي أن يكون أصلا لمعرفة حاله المتنقلة، إلا أن هذا الضرب من العلم لما كان عويصا صعبا بدئ قبله بمعرفة النحو ثم جيء به بعد ليكون الارتياض في النحو موطئا للدخول فيه، ومعينا على معرفة أغراضه ومعانيه وعلى تصرف الحال".

وللاشتقاق فوائد كثيرة منها :

1 - إنه وسع كلام العرب فتمكن الشعراء من التسلط على قوافيهم ، كما تمكن الخطباء من التوسع في خطبهم ، فكثر عندهم السجع . ولولاه لما وجد في الكلام صفة لموصوف ولا فعل لفاعل .

2 - تمكن النحويون والصرفيون من معرفة الزائد من الأصل ومعرفة المجرد من المزيد.

3 - ساعد في تحديد أصالة الكلم، وكان سبيلا إلى معرفة الأصيل من الدخيل؛ لأن الكلمة الدخيلة لا نجد لها أصلا من ناحية اللفظ، ولا من ناحية الدلالة، فالصراط والفردوس" وغيرهما من الألفاظ المعربة لا نجد لها أصلا في لعربية؛ إذ لا توجد مادة "صراط"، ولا مادة " فردوس " فوجود سلسلة من المشتقات ينبئ بأصالة الكلمة في العربية .

أنواع الاشتقاق
أ -الاشتقاق الأصغر ( الصغير ) أو العام : هو نزع لفظ من آخر أصل له بشرط اشتراكهما في المعنى والأحرف الأصول وترتيبها، كاشتقاقك اسم الفاعل (ضارب) واسم المفعول (مضروب) و الفعل (تضارب) وغيرها من المصدر (الضرب) على رأي البصريين أو من الفعل ( ضَرَبَ) على رأي الكوفيين .
وهذا النوع من الاشتقاق هو أكثر أنواع الاشتقاق ورودا في العربية، وأكثرها أهمية، وإذا أطلقت كلمة (الاشتقاق) فإنها تنصرف إليه ، ولا تنصرف إلى غيره إلا بتقييد .
وقد تناوله الصرفيون و اللغويون على حد سواء ، إلا أن علماء الصرف يتناولونه بالبحث من حيث هيئات الكلمات وصورها في الاشتقاق

أما علماء اللغة فيبحثون فيه من جهة أخرى؛ أي من حيث اشتراك الكلمتين في الحروف وفي المناسبة بينهما في المعنى دون التفات إلى حركات
و سكون . هذا وقد تباينت أراء العلماء في حجم الدائرة التي يشملها الاشتقاق من الكلم :

أ - فبعضهم قال : الكلم بعضه مشتق وبعضه غير مشتق. فقال الدكتور صبحي الصالح: أما الرأي العلمي الجدير بأن ننتصر له فهو ما ذهب إليه المؤلفون في الاشتقاق ( يقصد قطرب والأصمعي وأبا الحسن الأخفش وابن دريد والزجاج والرماني وابن خالويه ) من أن بعض الكلم مشتق وبعضه غير مشتق .

ب- وقالت طائفة أخرى من متأخري أهل اللغة: الكلم كله مشتق، ونسب هذا إلى الزجاج.

جـ - وطائفة قليلة من الباحثين القدامى قالوا : الكلم كله أصل و ليس منه شيء اشتق من غيره .

ب - الاشتقاق الكبير، أو القلب اللغوي ، أو المكاني
1 - تعريفه :
هو نوع من أنواع الاشتقاق ولع به ابن جني، ولنتركه يبين لنا معناه بنفسه : "وأما الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحدا تجتمع التراكيب الستة ، وما يتصرف من كل واحد منها عليه ، وإن تباعد شيء من ذلك رد بلطف الصنعة و التأويل إليه، كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد" .

وقد انفرد ابن جني بتسمية هذا الاشتقاق بالأكبر.
2 - مثاله : أورد ابن جني بعض الشواهد على هذا النوع نختار واحدا منها:
قال ابن جني " ج ب ر" أين وقعت للقوة و الشدة
- منها : جبرت العظم و الفقير إذا قريتهما وشددت منهما .
- و الجبر: الملك لقوته وتقويته لغيره .
- ومنها : رجل مجرب إذا جرسته الأمور ونجدته، فقويت منته واشتدت شكيمته.
- ومنها : الجراب لأنه يحفظ ما فيه .
- ومنها : الأبجر و البجرة وهو القوي السرة.
- ومنه: البرج لقوته في نفسه وقوة ما يليه به.
- ومنها: رجبت الرجل إذا عظمته وقريت أمره.
- ومنه : رَجَبٌ لتعظيمهم إياه عن القتال فيه .
- وإذا كرمت النخلة على أهلها فمالت دعموها بالرجبة وهو شيء تسند إليه لتقوى به .
- و الراجبة أحد فصوص الأصابع وهي مقوية لها .

- ولعل ابن جني وجد صعوبة بل استحالة في تعميم فكرته على الألفاظ الرباعية الأصولية أو ما يلحق بها فقصر أمثلته على الأصول الثلاثية .

- وفكرة التقاليب تعود إلى الخليل الذي حاول بعبقريته الفذة حصر كل المستعمل من كلمات اللغة العربية معتمدا على تقليب اللفظ إلى كل الاحتمالات الممكنة ومبينا المستعمل من هذه التقاليب من غير المستعمل .

وعلى نهج الخليل سار ابن دريد وغيره- وعلى أساس فكرة التقاليب هذه رتب معجمه (العين) لكن الخليل لم ير أن التقاليب الستة للكلمة الثلاثية تدخل في باب اشتقاق واحد وترجع إلى أصل واحد يجمعها بسبب اشتراكها في الحروف الثلاثة مهما يكن موقعها وترتيبها.

في ترتيب معاجمهم، ويظهر أن أستاذ ابن جني أبا علي الفارسي قد استهوته هذه الفكرة، كما يذكر ابن جني نفسه، وتعسف ابن جني واضح كل الوضوح في المذهب الذي ذهبه وحتى في الأمثلة التي استشهد بها ( ) إذ كيف يستطيع المرء أن يجد صلة بين القول و القلو وهو حمار الوحش ، أم كيف يجدها في اللوقة(الزبدة ) واللقوة (العقاب) ؟

- وقد شعر ابن جني نفسه بهذا التكلف حينما تحدث عنه بشيء من الضعف وعدم الجزم . وقد وقف الباحثون إزاء هذا النوع الذي تحمس له ابن جني ثلاثة مواقف بين مؤيد ومنكر وواقف موقف وسط .

- فقد أيده الزجاج وأنكره السيوطي قائلا : " وهذا مما ابتدعه الإمام أبو الفتح ابن جني، وكان شيخه أبو علي الفارسي يأنس به يسيرا ، وليس معتمدا في اللغة، ولا يصح أن يستنبط به اشتقاق في لغة العرب ، وإنما جعله أبو الفتح بيانا لقوة ساعده ورد المختلفات إلى قدر مشترك .

- أما الذي وقف موقفا وسطا فهو صبحي الصالح لكونه تحفظ على بعض الأمثلة التي ذكرها ابن جني في هذا الباب، وانتهى في بعض الأحيان إلى التعمق لكنه مع تحفظه رأى بأن الاشتقاق الكبير لم يعرف اللغويون العرب أعظم منه .

جـ - الاشتقاق الأكبر أو الإبدال اللغوي
- تعريفه : هو ما اتحدت فيه أكثر الحروف مع التناسب في الباقي مثل نهق ونعق .

ويتميز الإبدال اللغوي ( الاشتقاق الأكبر) عن الإبدال الصرفي الذي يقع لضرورة صوتية، فالإبدال الصرفي هو إبدال صوت من كلمة بصوت آخر، يقع عادة بين الأصوات المتقاربة في الحيز والمخرج كإبدال الواو ألفا في صام وأصلها من صوم ، والتاء طاء في اصطلح و أصلها اصطلح واختلف النحاة في عدد حروفه .

أما الإبدال اللغوي فهو أوسع من حيث الحروف حيث أنه يشمل حروفا غير موجودة في الأول، واختلفوا في القدر، فمنهم من قال: يشمل جميع حروف الهجاء ، وضيق مجاله آخرون بأن تكون الحروف متعاقبة متقاربة المخرج .

- أراء العلماء فيه :

- اعتبره بعضهم نوعا خاصا من أنواع الاشتقاق كابن جني و السيوطي .
- في حين ذهب آخرون إلى إنكاره، فقال بعضهم : إن الإبدال يتنافى وطبيعة الاشتقاق، واعتبروه ليس إلا ظاهرة صوتية تقوم على استبدال بعض الحروف ببعضها لأسباب :
- الخطأ في السمع .
- التطور الصوتي في الحرف المبدل .
- التصحيف الناتج عن قلة الاعجام قديما .
ومن أمثلة الاشتقاق الأكبر : صهل – زأر – سعل . فهذه الأفعال الثلاثة كل منها يدل على صوت، الأول صوت الحصان، و الثاني صوت الأسد، و الثالث صوت الإنسان.
وبالمقارنة بين كل وما يقابله نلاحظ أن (ص . ز . س ) أحرف صفيرية و(الهاء ،والهمزة ، والعين ) أحرف حلقية، واللام المشتركة في فعلين أخت الراء في الفعل الثالث (زأر) فهي انحرافية .

نص تطبيقي حول الاشتقاق :
يقول ابن جني :"هذا موضع لم يسمه أحد من أصحابنا ، غير أن أبا علي كان يستعين به ويخلد اليه ، مع اعواز الاشتقاق الأصغر ، لكنه مع هذا لم يسمه . وانما كان يعتاده عند الضرورة ، ويستودع اليه ويتعلل به ، وانما هذا التقليب لنا نحن ، وستراه ، فتعلم أنه لقب مستحسن

وذلك أن الاشتقاق عندي على ضربين ، كبير وصغير ، فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم كأن تأخذ أصلا من الأصول فتتقراه ، فتجمع بين معانيه وان اختلفت صيغه ومبانيه ، وذلك كتركيب ( س ل م) فانك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه ، نحو سلم، يسلم، سالم سلمان ، سلمى، السلامة والسليم أطلق عليه تفاؤلا بالسلامة، وعلى ذلك بقية الباب اذا تأولته ...
أما الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحدا تجتمع التراكيب الستة و ما يتصرف من كل واحد منها عليه ، وان تباعد شيء من ذلك (عنه) رد بلطف الصنعة والتأويل اليه كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد ، وقد كنا قدمنا ذكر طرف من هذا الضرب من الاشتقاق في أول هذا الكتاب ، عند ذكرنا أصل الكلام والقول وما يجيء من تقليب تراكيبهما نحو : (ق س و)، (ق و س) ،(و ق س) ، (و س ق) ، (س و ق) وأهمل (س ق و) وجميع ذلك الى القوة والاجتماع منها القسوة وهي شدة القلب واجتماعه ، ومنها القوس لشدتها واجتماع طرفيها ، ومنها الوقس لابتداء الجرب و ذلك لأنه يجمع الجلد ويقحله ، ومنه الوسق للحمل ذلك لاجتماعه وشدته ..."
الخصائص ج 2

التحليل :
يتحدث ابن جني في نصه عن ظاهرة لغوية تحدث نتيجة التصاريف المتنوعة للكلمة وتقليباتها المختلفة و هي تعتبر احدى خصائص اللغة العربية وعاملا هاما
- ان لم نقل أساسيا ـ من عوامل زيادة الثروة الافرادية في هذه اللغة ونعني بها: الاشتقاق .

فذكر لنا أنواعه : الصغير والكبير معرفا كل واحد منهما ومبتدئا بالصغير الذي حدده انطلاقا من أربعة عناصر أساسية تدخل في تكوينه ، وهي :

- الحروف الأصلية : المثال الذي قدمه ، الجذر( س ل م )
- ترتيب هذه الحروف : لأن تغيير ترتيب الحروف يؤدي الى تغيير الجذر.
- المعنى الأصلي للجذر : وهو معنى السلامة .
- الاختلاف في الصيغة : فصيغة سليم هي فعيل ، وصيغة السلامة الفعالة وصيغة سلمى فعلى ...
وهي العناصر التي اعتمد عليها معظم علماء اللغة العربية في تحديدهم للاشتقاق الصغيرفقالوا أنه :" أخذ صيغة من أخرى مع اتفاقهما معنى ومادة أصلية و هيئة تركيب لها ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة "

ونستخلص وجود علاقة في هذا النوع من الاشتقاق بين المشتق والمشتق منه أو بين الكلمة الأصلية والكلمة المشتقة، وتناسبا بينهما في اللفظ والمعنى.
من المعلوم أن أصل المشتقات هو المصدر- وهو رأي علماء المدرسة البصرية - وأن المشتقات هي الفعل الماضي ، الفعل المضارع ، فعل الأمر ، اسم الفاعل ، اسم المفعول ، الصفة المشبهة باسم الفاعل ، اسم التفضيل، صيغ المبالغة ، اسم المكان ، اسم الزمان ، اسم الآلة .

ولقد ضبط النحاة في هذا النوع من الاشتقاق مقاييس دقيقة للحصول على المشتقات المختلفة التي تتولد وتتفرع من الأصل المشتق منه و ذلك بالتقيد بمجموع العناصر التي ذكرت سالفا.

- أما النوع الثاني للاشتقاق ، المسمى الاشتقاق الكبير وهي تسمية يذكر ابن جني أنه أول من وضعها ، لكن الفكرة كانت معروفة عند شيوخه ، وأول من ابتدعها الخليل بن أحمد الفراهيدي حين عمد الى حصر الكلمات في اللغة العربية . يعتمد في الاشتقاق الكبير على :
- تقليب الأصول الثلاثية و هي عملية تنتج ست تقاليب والمثال الذي قدمه هو ( ق س و)، ( ق و س ) ، ( و ق س ) ، ( و س ق ) ، ( س ق و ) ، ( س و ق )
- التمييز بين المهمل والمستعمل من هذه الأصول ، حيث أهمل ابن جني الجذر ( س ق و)

- اشتراك كل التقاليب مع ما يشتق من كل تقليب ، بالاشتقاق الصغير، في المعنى العام . وذكر لنا ابن جني المعنى العام الذي تشترك فيه تقاليب
( ق س و) وهو القوة والاجتماع .

في الأخير نقول أن الاشتقاق الصغير وسيلة لغوية هامة لوضع الكلمات في اللغة العربية واثراء القاموس اللغوي العربي خاصة بالمصطلحات العلمية العربية للتعبير عن المفاهيم العلمية في مختلف العلوم والفنون و التي تفد الينا يوميا بالآلاف من الدول المتطورة و بلغاتها. خاصة اذا علمنا أن عدد الجذور في اللغة العربية يصل الى ستة آلاف جذر ، اضافة الى عدد الصيغ التي تملكها للفعل الواحد ، حيث تنص كتب اللغة أن فعلا واحدا يمكن أن يحمل عدة صيغ وهي فعل ، أفعل ، فاعل ، استفعل ، افعل (بتشديد اللام ) افعال ( بتشديد اللام ) ، افعوعل ، افعول ( بتشديد الواو ) ، انفعل ، افتعل ، تفعل ، تفاعل ، فعلل ، تفعلل . ويمكن أن نشتق من كل صيغة عدة صيغ أخرى . في حين يبقى الاشتقاق الكبير وسيلة هامة لاحصاء الكلمات في اللغة العربية وتوجد أنواع أخرى من الاشتقاق، منها: الاشتقاق الكبار (النحت) - سنفرد له درسا خاصا - والاشتقاق الابدالي .

- الاشتقاق الابدالي: وهو أن يتفق المشتق والمشتق منه في بعض الحروف ويختلفان في بعضها لكن يشترط في الحرفين الذين يختلفان فيه أن يكونا من مخرج واحد في الجهاز الصوتي ـ وهو شرط لم يأخذ به كل العلماء ـ مثل : نعق الغراب ونهق الحمار اذ يختلفان في حرفي العين والغين
ويدلان على معنى متقارب .

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:48 PM
خصائص العربية .. الاشتقاق

الاشتقاق

أولا - تعريف الاشتقاق
- لغة: الاشتقاق من الشق وهو أخذ الشيء من الشيء أو أخذ شقه ؛ أي نصفه، و اشتقاق الكلام الأخذ فيه يمينا وشمالا ، و اشتقاق الحرف من الحرف أخذه منه . ويقال شقق الكلام إذا أخرجه أحسن مخرج .
- اصطلاحا : له تعاريف متعددة لا تبتعد كثيرا عن المعنى اللغوي ونورد بعضها :

1 - اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه حروف ذلك الأصل.
2 - أخذ كلمة من أخرى بتغيير ما ، مع التناسب في المعنى.
3 - نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيبا، ومغايرته في الصيغة.

ثانيا : شروط الاشتقاق :
إن علماء النحو و الصرف وضعوا شروطا لصحة الاشتقاق نذكر منها:

1 - لابد في المشتق اسما كان أو فعلا من أن يكون له أصل ، فإن المشتق فرع مأخوذ من لفظ آخر، كما رأينا في التعاريف ولو كان أصلا في الوضع غير مأخوذ من غيره لم يكن مشتقا ، ولكن ما هو هذا الأصل المشتق منه ؟ أهو المصدر أم الفعل ، أم شيء آخر. في ذلك خلاف بين العلماء .

2- لا بد أن يناسب المشتق الأصل في الحروف من حيث عددها وترتيبها ، والمعتبر المناسبة في جميع الحروف الأصلية، فإن الاستباق من السبق مثلا يناسب الاستعجال من العجل في حروفه الزائدة و المعنى وليس مشتقا منه بل من السبق .

3- يجب أن يوافق المشتق الأصل في المعنى إما مع زيادة " كالضرب " فإنه للحدث المخصوص والضارب فإنه لذات ما له ذلك الحدث ، وإما بدون زيادة كاشتقاق الضرب من ضرب على مذهب الكوفيين .

ثالثا : الأصل في الاشتقاق
اختلف البصريون و الكوفيون في أصل الاشتقاق، فذهب البصريون إلى أن أصله هو المصدر في حين يرى الكوفيون أن الفعل أصل الاشتقاق. واحتج كل فريق بجملة من الأدلة :

أ - حجج البصريين :

1 - إن المصدر إنما سمي كذلك لصدور الفعل عنه .

2 - إن المصدر يدل على شيء واحد وهو الحدث ، أما الفعل فيدل بصيغته على شيئين الحدث و الزمان المحصل، وكما أن الواحد أصل الاثنين فكذلك المصدر أصل الفعل.

3 - إن المصدر يدل على زمان مطلق أما الفعل فيدل على زمان معين وكما أن المطلق أصل للمقيد ، فكذلك المصدر أصل للفعل .

4 - إن المصدر اسم والاسم يقوم بنفسه ويستغنى عن الفعل لكن الفعل لا يقوم بنفسه بل يفتقر إلى الاسم ولا يستغني بنفسه، وما لا يفتقر إلى غيره أولى بأن يكون أصلا مما لا يقوم بنفسه .

5 - إن المصدر مثال واحد نحو : الضرب" و "القتل" و الفعل له أمثلة مختلفة

ب - حجج الكوفيين :
1 - إن المصدر يذكر تأكيدا للفعل نحو : ضربت ضربا ، ورتبة المؤكد (بفتح الكاف) قبل رتبة المؤكد (بكسر الكاف).

2 - إن هناك أفعالا لا مصادر لها وهي : نعم ، بئس ، حبذا ، عسى ، ليس ... فلو كان المصدر أصلا لما خلا من هذه الأفعال لاستحالة وجود الفرع من غير أصل .

3 - إن الفعل يعمل في المصدر نحو : ضربت ضربا ، وبما أن رتبة العامل قبل رتبة المعمول وجب أن يكون المصدر فرعا عن الفعل .

4 - إن المصدر يصح لصحة الفعل ويعتل لاعتلاله مثل: ذهب ذهابا ، رمى رميا .
و الراجح أن أصل الاشتقاق ليس واحدا بل الصحيح أن العرب اشتقت من الأسماء والأفعال و الحروف لكن بدرجات متفاوتة، فأكثر ما اشتق منه الأفعال ثم الأسماء ثم الحروف، وهذا ما يراه عدد من الباحثين المحدثين.

رابعا : فوائد الاشتقاق وأغراضه
إن الاشتقاق يكتسب أهمية بالغة في اللغة العربية ، بل ذهب بعضهم إلى وجوب تقدم تعلمه على علم النحو؛ أي علم التصريف ، وهو نوع من أنواع الاشتقاق بل هو أهمها وأكثرها ورودا . وفي ذلك يقول ابن جني:"فالتصريف إنما هو لمعرفة أنفس الكلم الثابتة، والنحو إنما هو لمعرفة أحواله المتنقلة، ألا ترى أنك إذا قلت : قام بكر، ورأيت بكرًا، ومررت ببكرٍ فإنك إنما خالفت بين حركات حروف الإعراب لاختلاف العامل ولم تعرض لباقي لكلمة وإذا كان كذلك فقد كان من الواجب على من أراد معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف؛ لأن معرفة ذات الشيء الثابتة ينبغي أن يكون أصلا لمعرفة حاله المتنقلة، إلا أن هذا الضرب من العلم لما كان عويصا صعبا بدئ قبله بمعرفة النحو ثم جيء به بعد ليكون الارتياض في النحو موطئا للدخول فيه، ومعينا على معرفة أغراضه ومعانيه وعلى تصرف الحال".

وللاشتقاق فوائد كثيرة منها :

1 - إنه وسع كلام العرب فتمكن الشعراء من التسلط على قوافيهم ، كما تمكن الخطباء من التوسع في خطبهم ، فكثر عندهم السجع . ولولاه لما وجد في الكلام صفة لموصوف ولا فعل لفاعل .

2 - تمكن النحويون والصرفيون من معرفة الزائد من الأصل ومعرفة المجرد من المزيد.

3 - ساعد في تحديد أصالة الكلم، وكان سبيلا إلى معرفة الأصيل من الدخيل؛ لأن الكلمة الدخيلة لا نجد لها أصلا من ناحية اللفظ، ولا من ناحية الدلالة، فالصراط والفردوس" وغيرهما من الألفاظ المعربة لا نجد لها أصلا في لعربية؛ إذ لا توجد مادة "صراط"، ولا مادة " فردوس " فوجود سلسلة من المشتقات ينبئ بأصالة الكلمة في العربية .

أنواع الاشتقاق
أ -الاشتقاق الأصغر ( الصغير ) أو العام : هو نزع لفظ من آخر أصل له بشرط اشتراكهما في المعنى والأحرف الأصول وترتيبها، كاشتقاقك اسم الفاعل (ضارب) واسم المفعول (مضروب) و الفعل (تضارب) وغيرها من المصدر (الضرب) على رأي البصريين أو من الفعل ( ضَرَبَ) على رأي الكوفيين .
وهذا النوع من الاشتقاق هو أكثر أنواع الاشتقاق ورودا في العربية، وأكثرها أهمية، وإذا أطلقت كلمة (الاشتقاق) فإنها تنصرف إليه ، ولا تنصرف إلى غيره إلا بتقييد .
وقد تناوله الصرفيون و اللغويون على حد سواء ، إلا أن علماء الصرف يتناولونه بالبحث من حيث هيئات الكلمات وصورها في الاشتقاق

أما علماء اللغة فيبحثون فيه من جهة أخرى؛ أي من حيث اشتراك الكلمتين في الحروف وفي المناسبة بينهما في المعنى دون التفات إلى حركات
و سكون . هذا وقد تباينت أراء العلماء في حجم الدائرة التي يشملها الاشتقاق من الكلم :

أ - فبعضهم قال : الكلم بعضه مشتق وبعضه غير مشتق. فقال الدكتور صبحي الصالح: أما الرأي العلمي الجدير بأن ننتصر له فهو ما ذهب إليه المؤلفون في الاشتقاق ( يقصد قطرب والأصمعي وأبا الحسن الأخفش وابن دريد والزجاج والرماني وابن خالويه ) من أن بعض الكلم مشتق وبعضه غير مشتق .

ب- وقالت طائفة أخرى من متأخري أهل اللغة: الكلم كله مشتق، ونسب هذا إلى الزجاج.

جـ - وطائفة قليلة من الباحثين القدامى قالوا : الكلم كله أصل و ليس منه شيء اشتق من غيره .

ب - الاشتقاق الكبير، أو القلب اللغوي ، أو المكاني
1 - تعريفه :
هو نوع من أنواع الاشتقاق ولع به ابن جني، ولنتركه يبين لنا معناه بنفسه : "وأما الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحدا تجتمع التراكيب الستة ، وما يتصرف من كل واحد منها عليه ، وإن تباعد شيء من ذلك رد بلطف الصنعة و التأويل إليه، كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد" .

وقد انفرد ابن جني بتسمية هذا الاشتقاق بالأكبر.
2 - مثاله : أورد ابن جني بعض الشواهد على هذا النوع نختار واحدا منها:
قال ابن جني " ج ب ر" أين وقعت للقوة و الشدة
- منها : جبرت العظم و الفقير إذا قريتهما وشددت منهما .
- و الجبر: الملك لقوته وتقويته لغيره .
- ومنها : رجل مجرب إذا جرسته الأمور ونجدته، فقويت منته واشتدت شكيمته.
- ومنها : الجراب لأنه يحفظ ما فيه .
- ومنها : الأبجر و البجرة وهو القوي السرة.
- ومنه: البرج لقوته في نفسه وقوة ما يليه به.
- ومنها: رجبت الرجل إذا عظمته وقريت أمره.
- ومنه : رَجَبٌ لتعظيمهم إياه عن القتال فيه .
- وإذا كرمت النخلة على أهلها فمالت دعموها بالرجبة وهو شيء تسند إليه لتقوى به .
- و الراجبة أحد فصوص الأصابع وهي مقوية لها .

- ولعل ابن جني وجد صعوبة بل استحالة في تعميم فكرته على الألفاظ الرباعية الأصولية أو ما يلحق بها فقصر أمثلته على الأصول الثلاثية .

- وفكرة التقاليب تعود إلى الخليل الذي حاول بعبقريته الفذة حصر كل المستعمل من كلمات اللغة العربية معتمدا على تقليب اللفظ إلى كل الاحتمالات الممكنة ومبينا المستعمل من هذه التقاليب من غير المستعمل .

وعلى نهج الخليل سار ابن دريد وغيره- وعلى أساس فكرة التقاليب هذه رتب معجمه (العين) لكن الخليل لم ير أن التقاليب الستة للكلمة الثلاثية تدخل في باب اشتقاق واحد وترجع إلى أصل واحد يجمعها بسبب اشتراكها في الحروف الثلاثة مهما يكن موقعها وترتيبها.

في ترتيب معاجمهم، ويظهر أن أستاذ ابن جني أبا علي الفارسي قد استهوته هذه الفكرة، كما يذكر ابن جني نفسه، وتعسف ابن جني واضح كل الوضوح في المذهب الذي ذهبه وحتى في الأمثلة التي استشهد بها ( ) إذ كيف يستطيع المرء أن يجد صلة بين القول و القلو وهو حمار الوحش ، أم كيف يجدها في اللوقة(الزبدة ) واللقوة (العقاب) ؟

- وقد شعر ابن جني نفسه بهذا التكلف حينما تحدث عنه بشيء من الضعف وعدم الجزم . وقد وقف الباحثون إزاء هذا النوع الذي تحمس له ابن جني ثلاثة مواقف بين مؤيد ومنكر وواقف موقف وسط .

- فقد أيده الزجاج وأنكره السيوطي قائلا : " وهذا مما ابتدعه الإمام أبو الفتح ابن جني، وكان شيخه أبو علي الفارسي يأنس به يسيرا ، وليس معتمدا في اللغة، ولا يصح أن يستنبط به اشتقاق في لغة العرب ، وإنما جعله أبو الفتح بيانا لقوة ساعده ورد المختلفات إلى قدر مشترك .

- أما الذي وقف موقفا وسطا فهو صبحي الصالح لكونه تحفظ على بعض الأمثلة التي ذكرها ابن جني في هذا الباب، وانتهى في بعض الأحيان إلى التعمق لكنه مع تحفظه رأى بأن الاشتقاق الكبير لم يعرف اللغويون العرب أعظم منه .

جـ - الاشتقاق الأكبر أو الإبدال اللغوي
- تعريفه : هو ما اتحدت فيه أكثر الحروف مع التناسب في الباقي مثل نهق ونعق .

ويتميز الإبدال اللغوي ( الاشتقاق الأكبر) عن الإبدال الصرفي الذي يقع لضرورة صوتية، فالإبدال الصرفي هو إبدال صوت من كلمة بصوت آخر، يقع عادة بين الأصوات المتقاربة في الحيز والمخرج كإبدال الواو ألفا في صام وأصلها من صوم ، والتاء طاء في اصطلح و أصلها اصطلح واختلف النحاة في عدد حروفه .

أما الإبدال اللغوي فهو أوسع من حيث الحروف حيث أنه يشمل حروفا غير موجودة في الأول، واختلفوا في القدر، فمنهم من قال: يشمل جميع حروف الهجاء ، وضيق مجاله آخرون بأن تكون الحروف متعاقبة متقاربة المخرج .

- أراء العلماء فيه :

- اعتبره بعضهم نوعا خاصا من أنواع الاشتقاق كابن جني و السيوطي .
- في حين ذهب آخرون إلى إنكاره، فقال بعضهم : إن الإبدال يتنافى وطبيعة الاشتقاق، واعتبروه ليس إلا ظاهرة صوتية تقوم على استبدال بعض الحروف ببعضها لأسباب :
- الخطأ في السمع .
- التطور الصوتي في الحرف المبدل .
- التصحيف الناتج عن قلة الاعجام قديما .
ومن أمثلة الاشتقاق الأكبر : صهل – زأر – سعل . فهذه الأفعال الثلاثة كل منها يدل على صوت، الأول صوت الحصان، و الثاني صوت الأسد، و الثالث صوت الإنسان.
وبالمقارنة بين كل وما يقابله نلاحظ أن (ص . ز . س ) أحرف صفيرية و(الهاء ،والهمزة ، والعين ) أحرف حلقية، واللام المشتركة في فعلين أخت الراء في الفعل الثالث (زأر) فهي انحرافية .

نص تطبيقي حول الاشتقاق :
يقول ابن جني :"هذا موضع لم يسمه أحد من أصحابنا ، غير أن أبا علي كان يستعين به ويخلد اليه ، مع اعواز الاشتقاق الأصغر ، لكنه مع هذا لم يسمه . وانما كان يعتاده عند الضرورة ، ويستودع اليه ويتعلل به ، وانما هذا التقليب لنا نحن ، وستراه ، فتعلم أنه لقب مستحسن

وذلك أن الاشتقاق عندي على ضربين ، كبير وصغير ، فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم كأن تأخذ أصلا من الأصول فتتقراه ، فتجمع بين معانيه وان اختلفت صيغه ومبانيه ، وذلك كتركيب ( س ل م) فانك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه ، نحو سلم، يسلم، سالم سلمان ، سلمى، السلامة والسليم أطلق عليه تفاؤلا بالسلامة، وعلى ذلك بقية الباب اذا تأولته ...
أما الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحدا تجتمع التراكيب الستة و ما يتصرف من كل واحد منها عليه ، وان تباعد شيء من ذلك (عنه) رد بلطف الصنعة والتأويل اليه كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد ، وقد كنا قدمنا ذكر طرف من هذا الضرب من الاشتقاق في أول هذا الكتاب ، عند ذكرنا أصل الكلام والقول وما يجيء من تقليب تراكيبهما نحو : (ق س و)، (ق و س) ،(و ق س) ، (و س ق) ، (س و ق) وأهمل (س ق و) وجميع ذلك الى القوة والاجتماع منها القسوة وهي شدة القلب واجتماعه ، ومنها القوس لشدتها واجتماع طرفيها ، ومنها الوقس لابتداء الجرب و ذلك لأنه يجمع الجلد ويقحله ، ومنه الوسق للحمل ذلك لاجتماعه وشدته ..."
الخصائص ج 2

التحليل :
يتحدث ابن جني في نصه عن ظاهرة لغوية تحدث نتيجة التصاريف المتنوعة للكلمة وتقليباتها المختلفة و هي تعتبر احدى خصائص اللغة العربية وعاملا هاما
- ان لم نقل أساسيا ـ من عوامل زيادة الثروة الافرادية في هذه اللغة ونعني بها: الاشتقاق .

فذكر لنا أنواعه : الصغير والكبير معرفا كل واحد منهما ومبتدئا بالصغير الذي حدده انطلاقا من أربعة عناصر أساسية تدخل في تكوينه ، وهي :

- الحروف الأصلية : المثال الذي قدمه ، الجذر( س ل م )
- ترتيب هذه الحروف : لأن تغيير ترتيب الحروف يؤدي الى تغيير الجذر.
- المعنى الأصلي للجذر : وهو معنى السلامة .
- الاختلاف في الصيغة : فصيغة سليم هي فعيل ، وصيغة السلامة الفعالة وصيغة سلمى فعلى ...
وهي العناصر التي اعتمد عليها معظم علماء اللغة العربية في تحديدهم للاشتقاق الصغيرفقالوا أنه :" أخذ صيغة من أخرى مع اتفاقهما معنى ومادة أصلية و هيئة تركيب لها ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة "

ونستخلص وجود علاقة في هذا النوع من الاشتقاق بين المشتق والمشتق منه أو بين الكلمة الأصلية والكلمة المشتقة، وتناسبا بينهما في اللفظ والمعنى.
من المعلوم أن أصل المشتقات هو المصدر- وهو رأي علماء المدرسة البصرية - وأن المشتقات هي الفعل الماضي ، الفعل المضارع ، فعل الأمر ، اسم الفاعل ، اسم المفعول ، الصفة المشبهة باسم الفاعل ، اسم التفضيل، صيغ المبالغة ، اسم المكان ، اسم الزمان ، اسم الآلة .

ولقد ضبط النحاة في هذا النوع من الاشتقاق مقاييس دقيقة للحصول على المشتقات المختلفة التي تتولد وتتفرع من الأصل المشتق منه و ذلك بالتقيد بمجموع العناصر التي ذكرت سالفا.

- أما النوع الثاني للاشتقاق ، المسمى الاشتقاق الكبير وهي تسمية يذكر ابن جني أنه أول من وضعها ، لكن الفكرة كانت معروفة عند شيوخه ، وأول من ابتدعها الخليل بن أحمد الفراهيدي حين عمد الى حصر الكلمات في اللغة العربية . يعتمد في الاشتقاق الكبير على :
- تقليب الأصول الثلاثية و هي عملية تنتج ست تقاليب والمثال الذي قدمه هو ( ق س و)، ( ق و س ) ، ( و ق س ) ، ( و س ق ) ، ( س ق و ) ، ( س و ق )
- التمييز بين المهمل والمستعمل من هذه الأصول ، حيث أهمل ابن جني الجذر ( س ق و)

- اشتراك كل التقاليب مع ما يشتق من كل تقليب ، بالاشتقاق الصغير، في المعنى العام . وذكر لنا ابن جني المعنى العام الذي تشترك فيه تقاليب
( ق س و) وهو القوة والاجتماع .

في الأخير نقول أن الاشتقاق الصغير وسيلة لغوية هامة لوضع الكلمات في اللغة العربية واثراء القاموس اللغوي العربي خاصة بالمصطلحات العلمية العربية للتعبير عن المفاهيم العلمية في مختلف العلوم والفنون و التي تفد الينا يوميا بالآلاف من الدول المتطورة و بلغاتها. خاصة اذا علمنا أن عدد الجذور في اللغة العربية يصل الى ستة آلاف جذر ، اضافة الى عدد الصيغ التي تملكها للفعل الواحد ، حيث تنص كتب اللغة أن فعلا واحدا يمكن أن يحمل عدة صيغ وهي فعل ، أفعل ، فاعل ، استفعل ، افعل (بتشديد اللام ) افعال ( بتشديد اللام ) ، افعوعل ، افعول ( بتشديد الواو ) ، انفعل ، افتعل ، تفعل ، تفاعل ، فعلل ، تفعلل . ويمكن أن نشتق من كل صيغة عدة صيغ أخرى . في حين يبقى الاشتقاق الكبير وسيلة هامة لاحصاء الكلمات في اللغة العربية وتوجد أنواع أخرى من الاشتقاق، منها: الاشتقاق الكبار (النحت) - سنفرد له درسا خاصا - والاشتقاق الابدالي .

- الاشتقاق الابدالي: وهو أن يتفق المشتق والمشتق منه في بعض الحروف ويختلفان في بعضها لكن يشترط في الحرفين الذين يختلفان فيه أن يكونا من مخرج واحد في الجهاز الصوتي ـ وهو شرط لم يأخذ به كل العلماء ـ مثل : نعق الغراب ونهق الحمار اذ يختلفان في حرفي العين والغين
ويدلان على معنى متقارب .

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:49 PM
خصائص العربية .. الترادف

الترادف لغة هو التتابع ، وهو مصدر ترادف الذي يدل على الحدث دون الدلالة على الزمان وهذا المصدر مادته ردف الذي يدخل ضمن دلالتها الدلالة على التبعية والخلافة ومن ذلك الردف الراكب خلف الراكب التابع .
- رَدَفَه ورَدف له رَدْفًا تبعه وركب خلفه وصار له .
- وكل ما تبع شيئا فهو ردْفُه .
- ترادفت الكلمات تشابهت في المعنى .

وأما اصطلاحا فالمترادف هو ما اختلف لفظه واتفق معناه أو هو إطلاق عدة كلمات على مدلول واحد كالأسد و السبع و الليث التي تعني مسمى واحدا .
الترادف عبارة عن الاتحاد في المفهوم ويطلق على معنيين الاتحاد في الصدق والاتحاد في المفهوم فمن نظر إلى الأول فرق بينهما ومن نظر إلى الثاني لم يفرق بينهما ...
- وهو أيضا كما عرفه الإمام الرازي : الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد .

* موقف الباحثين من ظاهرة الترادف في العربية
لقد ظهر الخلاف بين القدامى كما ظهر بين المحدثين العرب و الغربيين حول ظاهرة الترادف بين معترف بوجودها ومنكر لذلك .
ولقد تعرض كثير من الدارسين لهذه الظاهرة من وجهة نظر القدامى ولكن قليل منهم من تناولها من وجهة النظر اللغوية الحديثة ، ورأينا أن نتعرض أولا إلى موقف القدامى من هذه الظاهرة ثم نتعرض بعدها بالتفصيل لموقف المحدثين منها .

* موقف القدامى من الترادف
اختلف اللغويون العرب القدامى اختلاف واسعا في إثبات هذه الظاهرة أو إنكار وجودها في اللغة العربية حيث كانت هذه الظاهرة إحدى القضايا التي تناولها الباحثون و اللغويون القدامى فضلا عن كونها من الإشكالات التي قضت مضجع المختصين في اللغة العربية وفقهائها وهذا حين ظهر من أنكر وجود هذه الظاهرة في أواخر القرن الثالث الهجري وحاول أن يجد فرقا دقيقا بالكلمات التي يظن أن معناها واحد و اشتد الجدل وبلغ الخلاف أقصاه في القرن الرابع الهجري حول هذا الموضوع بين مغال في إنكار هذه الظاهرة ومبالغ في إثباتها وسوف نتناول بعض أراء اللغويين القدامى بغية الوصول إلى حقيقة هذه الظاهرة ومحاولة إزالة ما يعتريها من غموض وإبهام والتباس. وذلك من خلال الرجوع إلى كتب الباحثين اللغويين وتقصي أراء الباحثين القدماء واستعراض أدلتهم حول ظاهرة الترادف.


* الفريق الأول :
يثبت الترادف ويغالي في إثباته ويتوسع فيه ومن هؤلاء ابن خالويه (ت 370 هـ) ويظهر رأيه من خلال تلك الرواية التي تذكر الخلاف الذي وقع بينه وبين أبي علي الفارسي حول أسماء السيف. تعد هذه الرواية من أشهر الروايات حول الخلاف في ظاهرة الترادف في العربية ، حيث يروى أن أبا علي الفارسي قال " كنت بمجلس سيف الدولة بحلب وبحضرة جماعة من أهل اللغة ومنهم ابن خالويه فقال ابن خالويه: أحفظ للسيف خمسين اسما فتبسم أبو علي الفارسي وقال : ما أحفظ له إلا اسما واحدا وهو السيف . قال ابن خالويه : فأين المهند و الصارم وكذا وكذا ، فقال أبو علي هذه صفات . تدل هذه الحادثة أن ابن خالويه يثبت الترادف وأبو علي الفارسي ينكره.

ولقد ألف ابن خالويه كتابين في الترادف أحدهما في أسماء الأسد و الثاني في أسماء الحية. ومن الذين أثبتوا الترادف أيضا مجد الدين الفيروزبادي صاحب القاموس المحيط الذي ألف كتابا في الترادف أسماه الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف " . ومن هذا الفريق أيضا ابن جني حيث عبر عن ذلك في باب في استعمال الحروف بعضها مكان بعض واستدل على ذلك بوقوع الترادف فقال " وجدت في اللغة من هذا الفن شيئا كثيرا لا يكاد يحاط به "
وفيه موضع يشهد على من أنكر أن يكون في اللغة لفظتان بمعنى واحد من تكلف لذلك أن يوجد فرقا بين قعد وجلس وبين ذراع وساعد .

* الفريق الثاني :
وهو الذي ينكر الترادف ويرفضه رفضا تاما، ومن هؤلاء أبو علي الفارسي وذلك لما كان بمجلس سيف الدولة وكان بحضرة ابن خالويه عندما رد عليه كما ذكر آنفا .

وكذلك أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي وأبو العباس أحمد بن يحي ثعلب وأبو محمد عبد الله بن جعفر درستويه .
قال ابن درستويه : كذلك ذهب ابن فارس مذهب معلمه ثعلب فأنكر وقوع الترادف قائلا : " ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو السيف و المهند والحسام. و الذي نقوله في هذا أن الاسم واحد هو السيف وما بعده من الألقاب صفات ( ) ومن المنكرين أيضا للترادف أبو هلال العسكري ( ) ( توفى سنة 395 هـ ) حيث قال: " فأما في لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظ و المعنى واحد، كما ظن كثير من النحويين واللغويين ، وهو يقول أيضا : " الشاهد على أن اختلاف العبارات والأسماء يوجب اختلاف المعاني أن الاسم كلمة تدل على المعنى دلالة الإشارة، وإذا أشير إلى الشيء مرة واحدة فإن معرفة الإشارة إليه ثانية وثالثة غير مفيدة، ويؤيد ذلك ثعلب الذي يرى أن ما يظن من المترادفات هو من المتباينات كما يرى ابن فارس أن كل صفة من الصفات لها معنى خاص فالأفعال (مضى ، ذهب ، انطلق ، ليست بمعنى واحد " .

- ورغم أن أبا هلال العسكري كان من هذا الفريق الرافض للترادف المبالغ في رفضه في كتابه الفروق غير أنه في كتابين آخرين له نسي هذا المبدأ فذكر الألفاظ المترادفة بلا اعتراض عليها أو محاولة التفريق بينها وأول هذين الكتابين " التلخيص في معرفة أسماء الأشياء، وثاني الكتابين " المعجم في بقية الأشياء"

ويمكن القول: إن اللغويين القدامى فريقان تجاه الترادف :

الأول : يثبت وجوده ويحتج له بأن ألفاظ اللغة تفسر بعضها بعضا ومن ذلك أن أهل اللغة مجمعون على أنهم إذا أرادوا أن يفسروا اللب قالوا هو العقل .

الثاني : ينكر الترادف ويثبت الفروق ،وعلى نحوه كان يفعل أبو هلال العسكري وابن فارس ويرى الدكتور أحمد مختار عمر أن " مثبتي الترادف كانوا فريقين " الأول وسع في مفهومه ولم يقيد حدوثه بأي قيد ، والثاني كان يقيد حدوث الترادف ويضع له شروطا تحد من كثرة وقوعه وقد قصر الرازي الترادف على ما يتطابق فيه المعنيان دون أدنى تفاوت .

ويبدو أن كل من الفريقين أسرف فيما ذهب إليه فالأول أسرف في إثبات الظاهرة والثاني أسرف في البحث عن الفروق الدلالية بين الألفاظ .

أما الباحثون المحدثون فيمكن إيجاز مواقفهم فيما يلي :

أولا : المثبتون للترادف من العرب المحدثين :
يجمع المحدثون من علماء اللغات على إمكان وقوع الترادف في أي لغة من لغات البشر بل إن الواقع المشاهد أن كل لغة تشمل على بعض تلك الكلمات المترادفة، ولكنهم يشترطون شروطا معينة لابد من تحققها حتى يمكن أن يقال أن بين الكلمتين ترادف وهذه الشروط هي :

1- الاتفاق في المعنى بين الكلمتين اتفاقا تاما، على الأقل في ذهن الكثرة الغالبة لأفراد البيئة الواحدة … فإذا تبين لنا بدليل قوي أن العربي كان حقا يفهم من كلمة(جلس) شيئا لا يستفيده من كلمة(قعد) قلنا حينئذ ليس بينهما ترادف .

2- الاتحاد في البيئة اللغوية أي أن تكون الكلمتان تنتميان إلى لهجة واحدة ومجموعة منسجمة من اللهجات وبذلك يجب ألا نلتمس الترادف من لهجات العرب المتباينة فالترادف بمعناه الدقيق هو أن يكون للرجل الواحد في البيئة الواحدة الحرية في استعمال كلمتين أو أكثر في معنى واحد يختار هذه حينا ويختار تلك حينا آخر، وفي كلتا الحالتين لا يكاد يشعر بفرق بينهما إلا بمقدار ما يسمح به مجال القول .
ولم يتفطن المغالون في الترادف إلى مثل هذا الشرط بل اعتبروا كل اللهجات وحدة متماسكة وعدوا كل الجزيرة العربية بيئة واحدة ولكنا نعتبر اللغة النموذجية الأدبية بيئة واحدة ونعتبر كل لهجة أو مجموعة منسجمة من اللهجات بيئة واحدة

3- الاتحاد في العصر فالمحدثون حين ينظرون إلى المترادفات ينظرون إليها في عهد خاص وزمن معين وهي تلك النظرة التي يعبرون عنها بالنظرة الوصفية لا تلك النظرة التاريخية التي تتبع الكلمات المستعملة في عصور مختلفة ثم تتخذ منها مترادفات .
فإذا طبقت هذه الشروط على اللغة العربية اتضح لنا أن الترادف لا يكاد يوجد في اللهجات العربية القديمة؛ إنما يمكن أن يلتمس في اللغة النموذجية الأدبية .

أما المنكرون للترادف من المحدثين العرب فمنهم الدكتور السيد خليل والدكتور محمود فهمي حجازي وله رأي معتدل حيث يقول : يندر أن تكون هناك كلمات تتفق في ظلال معانيها اتفاقا كاملا ومن الممكن أن تتقارب الدلالات لا أكثر ولا أقل …

وأما المحدثون الغربيون فقد عرفوا الترادف بأنه الحالة التي يكون فيها لصيغتين أو أكثر المعنى نفسه ، ومن أول المنكرين للترادف من الغربيين أرسطو " ويبدو ذلك من النص الذي نقله الدكتور إبراهيم سلامة من كتاب الخطابة لأرسطو حيث يقول : وكذلك الكلمة يمكن مقارنتها بالكلمة الأخرى ويختلف معنى كل منهما .

ومن الذين أنكروا وجود الترادف من علماء اللغة الغربيين المحدثين "بلومفيلد" حيث يقول ليس هناك ترادف حقيقي .

وبعد النظر في هذه المواقف و الآراء المختلفة لدى الباحثين القدامى والمحدثين العرب والغربيين نرى أنه من التعسف الشديد إنكار وجود الترادف في العربية وإيجاد معنى لكل اسم من أسماء الأسد أو السيف وغيرها مختلف عن غيره في بعض الصفات أو التفاصيل. فالترادف ظاهرة لغوية طبيعية في كل لغة نشأت من عدة لهجات متباينة في المفردات والدلالة، وليس من الطبيعي أن تسمي كل القبائل العربية الشيء الواحد باسم واحد وعليه نرى أن الترادف واقع في اللغة العربية الفصحى التي كانت مشتركة بين قبائل العرب في الجاهلية، وكان من الطبيعي أن نقع على بعض الكلمات في القرآن الكريم لنزوله بهذه اللغة المشتركة .

ولا بأس أن نذكر أو نُذكر أخيرا بأن هناك رأيا ظل سائدا قديما وحديثا وهو أن لا ترادف في العربية وأن هناك فروقا بين المعاني للألفاظ التي تبدو مترادفة ذكرها العلماء في مؤلفاتهم وأوردوا لها أمثلة؛ من ذلك ما جاء في كتاب فقه اللغة للثعالبي ، فهو يرى أن هزال الرجل على مراحل فالرجل هزيل ثم أعجف ثم ضامر ثم ناحل .
وقد يدل على درجات لحالات نفسية متفاوتة، فالهلع أشد من الفزع، والبث أشد من الحزن، والنصب أشد من التعب و الحسرة أشد من الندامة .

كما أورد أبو هلال العسكري في كتابه الفروق في اللغة أمثلة كثيرة ومتنوعة لهذه الفروق نذكر منها قوله :

- الفرق بين الصفة والنعت أن النعت لما يتغير من الصفات، و الصفة لما يتغير ولا يتغير.
- و الفرق بين اللذة والشهوة أن الشهوة توقان النفس إلى ما يلذ و اللذة، ما تاقت إليه النفس .
- الفرق بين الغضب والغيظ والسخط والاشتياط أن الغضب يكون على الآخرين وليس على النفس، والغيظ يكون من النفس، والسخط هو الغضب من الكبير على الصغير وليس العكس، أما الاشتياط فهو تلك الخفة التي تلحق الإنسان عند الغضب .
- الفرق بين القد و القط أن القد الشق طولا والقط هو الشق عرضا.
- الفرق بين البخل و الشح أن الشح هو بإضافة الحرص على البخل أي البخيل يبخل على الآخرين أما الشحيح فهو يبخل على الآخرين وعلى نفسه .
- الفرق بين السرعة و العجلة أن السرعة التقدم فيما ينبغي وهي محمودة ونقيضها الإبطاء وهو مذموم، والعجلة التقدم فيما لا ينبغي ونقيضها الأناة. والأناة محمودة ( في التأني السلامة و في العجلة الندامة )
- الفرق بين الفوز و النجاة أن النجاة هي الخلاص من المكروه ، والفوز هو الخلاص من المكروه و الوصول إلى المحبوب .

أهم أسباب الترادف حسب رأي الباحثين1

- انتقال كثير من مفردات اللهجات العربية إلى لهجة قريش بفعل طول الاحتكاك بينهما وكان بين هذه المفردات كثير من الألفاظ التي لم تكن قريش بحاجة إليها لوجود نظائرها في لغتها مما أدى إلى نشوء الترادف في الأوصاف والأسماء والصيغ .

2 - أخذ واضعي المعجمات عن لهجات قبائل متعددة كانت مختلفة في بعض مظاهر المفردات، فكان من جراء ذلك أن اشتملت المعجمات على مفردات غير مستخدمة في لغة قريش ويوجد لمعظمها مترادفات في متن هذه اللغة .

3- تدوين واضعي المعجمات كلمات كثيرة كانت مهجورة في الاستعمال ومستبدلاتها (مفردات أخرى) .

4- عدم تمييز واضعي المعجمات بين المعنى الحقيقي و المعنى المجازي فكثير من المترادفات لم توضع في الأصل لمعانيها بل كانت تستخدم في هذه المعاني استخداما مجازيا .

5- انتقال كثير من نعوت المسمى الواحد من معنى النعت إلى معنى الاسم الذي تصفه فالمهند و الحسام و اليماني من أسماء السيف يدل كل منها على وصف خاص للسيف مغاير لما يدل عليه الآخر .

6 - إن كثيرا من المترادفات ليس في الحقيقة كذلك ؛ بل يدل كل منها على حالة خاصة من المدلول تختلف بعض الاختلاف عن الحالة التي يدل عليها غيره فقد يعبر كل منها عن حالة خاصة للنظر تختلف عن الحالات التي تدل عليها الألفاظ الأخرى ، ف (رمق) تدل على النظر بمجامع العين "ولحظ" على النظر من جانب الأذن و "حَدَجه " معناه رماه ببصره مع حدة "وشفن" يدل على نظر المتعجب الكاره "ورنا " يفيد إدامة النظر في سكون وهلم جرا ...

7- انتقال كثير من الألفاظ السامية و المولدة و الموضوعة و المشكوك في عربيتها إلى العربية وكان لكثير من هذه الألفاظ نظائر في متن العربية .

8 - كثرة التصحيف في الكتب العربية القديمة وبخاصة عند ما كان الخط العربي مجردا من الإعجام و الشكل

9 -تعدد الواضع أو توسع دائرة التعبير وتكثير وسائله، وهو المسمى عند أهل البيان بالافتنان أو تسهيل مجال النظم و النثر وأنواع البديع، فإنه قد يصلح أحد اللفظين المترادفين للقافية أو الوزن أو السجع دون الآخر وقد يحصل التحسين والتقابل والمطابقة ونحو ذلك بهذا دون الآخر .

10 - استخدام دلالات متعددة للمدلول الواحد على سبيل المجاز .

11 - أصل الحدث، أي الفعل الذي يقع من محدث ما يقع من غيره فيرمز للأول باسم غير الثاني فالهمس مثلا من الإنسان و الهيس صوت أخفاف الإبل و الهسمسة عام في كل شيء. وقد يكون الحدث واحد في الحالات المختلفة فالخرير صوت الماء الجاري أما إذا كان تحت ورق فهو قسيب فإذا دخل في مضيق فهو فقيق، فإذا تردد في جرة فهو بقبقة . وهناك أسباب أخرى يمكن الاطلاع عليها بالعودة إلى المراجع المختلفة .


نص تطبيقي حول الترادف

قال ابن فارس (ت 395هـ) : "ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو : السيف، والمهند ، والحسام . والذي نقوله في هذا أن الاسم الواحد، وهو السيف وما بعده من الألقاب و مذهبنا أن كل صفة منها فمعناها غير معنى الأخرى ، وقد خالف في ذلك قوم فزعموا أنها و ان اختلفت ألفاظها فانها ترجع الى معنى واحد ، وذلك مثل قولنا سيف وعضب وحسام ، وقال آخرون ليس منها اسم ولا صفة الا ومعناه غير معنى الآخر ، قالوا وكذلك الأفعال نحو مضى وذهب و انطلق وقعد وجلس و رقد ونام وهجع ...

واحتج أصحاب المقالة الأولى بأنه لو كان لكل لفظة معنى غير الآخر ، لما أمكن أن يعبر عن شيء بغير عبارته وذلك أنا نقول في " لا ريب فيه " لا شك فيه ، فلو كان الريب غير الشك لكانت العبارة عن معنى الريب بالشك خطأ ، فلما عبر عن هذا بهذا علم أن المعنى واحد .........ونحن نقول ان في " قعد" معنى ليس في " جلس " ، ألا ترى أنا نقول : قام ثم قعد ، ثم نقول : كان مضطجعا فجلس - فيكون القعود عن قيام و الجلوس عن حالة هي دون الجلوس لأن الجلوس مرتفع ، فالجلوس ارتفاع عما دونه وعلى هذا يجري الباب كله ، وأما قولهم أن المعنيين لواختلفا لما جاز أن يعبر عن الشيء بالشيء ، فانا نقول انما عبر عنه عن طريق المشاكلة ، ولسنا نقول ان اللفظين مختلفان فيلزمنا ما قالوه ، وانما في كل واحدة منهما معنى ليس في الأخرى ... وأما قولهم أن المعنيين لو اختلفا لما جاز أن يعبر عن الشيء بالشيء، فانا نقول أنه عبر عنه عن طريق المشاكلة ، ولسنا نقول أن اللفظين مختلفان فيلزمنا ماقالوه ، وانما في كل واحدة منهما معنى ليس في الأخرى"

التحليل :
يتحدث ابن فارس في هذا النص عن أحد مظاهر الثروة الافرادية وهي الترادف
الذي عرفه قائلا: " ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة " .
وهو ذات التعريف الذي قدمه علماء اللغة للترادف : ما اختلف لفظه واتفق معناه أو إطلاق عدة كلمات على مدلول واحد .
مثل السيف الذي نعبر عنه بعدة تسميات هي : المهند ، الحسام ...

ويظهر في النص الاختلاف الذي ساد بين العلماء بخصوص هذه الظاهرة وانقسامهم الى ثلاثة أقسام :

- القسم الأول: يثبته اثباتا تاما في اللغة ويقدم لنا ابن فارس حجتهم في قوله" وقد خالف في ذلك قوم ... حسام "
" واحتج أصحاب المقالة الأولى ... علم أن المعنى واحد" .
فهذه الفئة من العلماء ترى أن الترادف خاصية من خصائص اللغة ، وميزة من ميزاتها ، ويعللون وجوده بأن يكون من واضعين أو أكثر ، وبعد مدة يشتهر ما وضع، ثم يلتبس وضع أحدهما بوضع الآخر ويمكن أن تنتقل الى اللغة مفردات استعملتها قبائل أخرى مع تناسي الفروق الدقيقة الموجود بينها

- القسم الثاني: لا يثبته العلماء في كل الحالات ولا ينفونه أيضا و هو مذهب ابن فارس فهو يرى ضرورة التمييز بين الأسماء والصفات في المترادفات و نستشهد بما ذكره في النص : "والذي نقوله في هذا أن الاسم واحد وهو السيف ،وما بعده من الألقاب صفات ... الأخرى"
فكلمة " السيف " هنا وحدها تدل على معنى السيف أما باقي الكلمات فهي تدل على صفاته .
ثم يرد على من يرفض وقوع الترادف بين الكلمات قائلا : وأما قولهم :"وأما ... ليس في الأخرى " .

- القسم الثالث : تنفي وجوده في اللغة ،كأسماء مترادفة أو حتى كصفات
ويظهر في النص " وقال آخرون ، ليس منها اسم ولا صفة الا ومعناه غير معنى الآخر" وإذا أردنا مناقشة هذا النص نرى أن الترادف واقع في اللغة بشكل أو بآخر نتيجة إطلاق الألفاظ بدل بعضها ، واختلاف اللغات والمناطق، أضف الى هذا أننا لا ندقق في توظيف الألفاظ كما هي ، ولنأخذ الكلمتين المذكورتين: جلس وقعد ، فنحن نعرف أن الفرق بينهما قائم لكننا نستعمل اللفظتين لشخص واقف يؤدي نفس العملية وهي عملية الجلوس وهذا بالنسبة للمختصين وأما العوام فلا تفرق ولا تشعر بذلك بتاتا. وهذا ما جعلنا نقول إن الترادف حاصل في كلامنا ولا يمكن الاستغناء عنه .

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:50 PM
خصائص العربية .. المشترك اللفظي
المشترك اللفظي


- في التعريف : هو اتحاد اللفظ وتعدد المعنى؛ أي أن لفظا واحدا يدل على معنيين أو أكثر على السواء في لغة واحدة، أو هو ما اتحدت صورته واختلف معناه .

هذه الظاهرة لا تقتصر على لغة العرب بل هي ظاهرة عامة في كل اللغات تقريبا ، وقد توسع بعضهم فيها في لغة العرب مثل: سيبويه والأصمعي والخليل . غير أن كثيرا من العلماء اعتبروا ذلك مما تطورت فيه المعاني عن طريق المجاز و الكناية ، ويكمن بالتتبع الرجوع إلى المعنى الأصلي الذي لبس كل يوم معنى جديدا.

وكان على رأس المنكين للاشتراك اللفظي (ابن درستويه)، بينما اعتدل بعضهم مثل أبي علي الفارسي الذي لم ينكر المشترك ، ولكنه لم يبالغ فيه ولم يسلم بكل صوره ، وهو يرى أن الكثير من المشترك هو من قبيل تداخل اللغات، أو أن تكون لفظة وضعت لمعنى ثم استعيرت لغيره.

ويرى العالم لروا (Le Rou) أننا حين نقول أن لإحدى الكلمات أكثر من معنى في وقت واحد إنما نكون ضحايا الانخداع إلى حد غير قليل، إذ لا يطغى على الشعور من المعاني المختلفة التي تدل عليها إحدى الكلمات إلا المعنى الذي يعنيه السياق في النص .

وقد قال أبو العباس (ثعلب) عن ابن الأعرابي : " كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد في كل واحد منهما معنى ليس في صاحبه، ربما عرفنا فأخبرنا به ، وربما غمض علينا . فكلمة الليث للأسد، ونوع من العنكبوت، واللسن البليغ . و السياق هو الذي يعين إحدى هذه المعاني المشتركة " .

مثال: قال الشاعر :

يا ويح قلبي من دواعي الهوى
إذا رحل الجيران عند الغروب

أتبعتهم طرفـي وقد أزمعـوا
ودمع عـيني كـفيض الغروب

كــــانوا وفيهم طفلة حرة
تفتر عن مثل أقاحـي الغروب


فالغروب الأولى غروب الشمس، و الثانية جمع غرب وهو الدلو الممتلئ
والثالثة جمع غرب وهو الوهاد المنخفضة .

إن إطلاق سمة واحدة أو لفظة واحدة على عدة معان لا يكون إلا مصادفة حين يسمى الشيء باسم معين في لغة ما ، ويسمى شيء آخر بالاسم نفسه في لغة أخرى، ثم يكون هناك تداخل بين اللغتين فيستخدم اللفظ للمعنيين معا وذلك قليل نادر . أما إذا كان في لغة واحدة فالأمرلا يعدو التشابه و المجاز. ومثالنا على ذلك كلمة العين ، فعين الماء تشبه العين الباصرة في رقتها وصفائها ، وأما إطلاقها على الجاسوس فهو من قبيل العلاقة بين الجزء والكل. وتطلق العين أيضا على السحاب وعلى الذات وعلى النقد ... وحتى حرف العين فإنه يشبه العين بالرسم .
ومن المشترك ( الخال) للشامة على الخد ( له خال على صفحات خد ) وأخ الأم . ومن ذلك أيضا: الصدى للعطش، ورجوع الصوت ، وذكر البوم وجسم الرجل بعد موته .
الغرْب الجمع غروب ، البعْد .

الغرب : ضد الشرق
والغرب : الفرس الكثير الجري.
والغرب : عرق في العنق.
والغرب : أول كل شيء ، و النشاط و الجدة .
" وإني أخاف عليك غَرْبَ الشباب " .
والغرب : الدلو الكبيرة .
و من المشترك كذلك : الشوى : القوائم ، وجلدة الرأس ، وإخطاء المقتل
( رماه فأشواه ) .
والشوى : رذال المال ، ومن المشترك الظليم : ذكرا لنعام (والجمع ظلمان ) والظليم : التراب المستخرج من حفر حفرة في الأرض.

- موقف الباحثين من وقوع الاشتراك .

العلماء بالنسبة للاشتراك بين مثبت ومنكر، والأصح أنه ثابت في العربية، وقيل أن ما يظن أنه من الاشتراك هو ليس كذلك .
فمن المقرين بوجود الاشتراك ابن خالويه الذي قال إن (العين) تنقسم ثلاثين قسما ، وذكر منها : " العين " خيار كل شيء؛ أي أحسنه .
أما الذين ينكرون الاشتراك فيقف على رأسهم ( ابن درستويه ) ، وكان هناك المعتدلون مثل أبي علي الفارسي الذي لا ينكر الاشتراك ، ولكنه لا يغالي فيه كما ذكرنا من قبل. هناك حالات تختلف فيها صيغ جمع التكسير للتفريق بين معنيين متقاربين ، ومن أمثلة ذلك :

1- بيت: تجمع على أبيات وبيوت ، وقد خصصت (أبيات) جمعا لبيت الشعر و(البيوت) جمعا لبيت المسكن.

2- الشاهد: هو الذي يطلع على الشيء وجمعه أشهاد وشهود، وقد ورد الجمعان في القرآن الكريم ، ولكن العرف اللغوي لا يستعمل إلا الشهود ، وخاصة في القضايا و المنازعات .

3 - العباد: والعبيد بتخصيص العباد لله دون العبيد ، والأصل الاستعمالان فقد ورد في القرآن الكريم : " و الصالحين من عبادكم وأبنائكم " .

4 - الفضل: الأصل أن تجمع على فضول وهو القياس، ولكنها كثيرا ما تجمع على أفضال لأن العرف اللغوي جعل الفضول للشيء الذي لا خير فيه، وجاء من ذلك المعنى (الفضولي) .

ملاحظة :
يستحسن الرجوع إلى دراسات في قه اللغة لصبحي الصالح .

- أهم أسباب وقوع المشترك اللفظي :
1 - اختلاف اللهجات العربية باختلاف القبائل وتداخلها، وعند جمع هذه اللهجات ضمت المعاني إلى بعضها دون أن يقال إن هذا اللفظ للقبيلة كذا والآخر لغيرها .

2 - التطور الصوتي جعل أحيانا لفظا يتفق مع لفظ آخر في النطق ولكنهما يختلفان في المعنى .

3 - الاستعمال المجازي الذي ربما يكون دون قصد ومن عدة أفراد دون اتفاق بينهم، ثم يتحول هذا المجاز مع مر الأيام إلى حقيقة ويغيب المجاز عن الأذهان .

- أقسام المشترك :
قسم المحدثون المشترك إلى أربعة أقسام :

1 - وجود معنى مركزي للفظ له عدة معان فرعية .
2 - تعدد المعنى نتيجة لاستعمال اللفظ في مواقف مختلفة .
3 - دلالة الكلمة الواحدة على أكثر من معنى نتيجة لتطور في جانب المعنى.
4 -وجود كلمتين بدل كل منهما على معنى ، وقد اتحدت صورة الكلمتين نتيجة لتطور جانب النطق .

- من المراجع التي ينصح بالرجوع إليها :
- فقه اللغة علي عبد الواحد وافي .
- دراسات في فقه اللغة صبحي الصالح .
- في اللغة . أحمد شامية.


نص تطبيقي حول المشترك اللفظي :
1- يقول ابن فارس : ويسمى الشيئان المختلفان بالاسمين المختلفين ، وذلك أكثر الكلام كرجل وفرس ، وتسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد نحو " عين الماء " و"عين المال " و "عين السحاب " .

2- ويقول ابن درستويه( ت347ه) : " فلو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين ، أحدهما ضد الآخر ، لما كان ذلك ابانة بل تعمية وتغطية ، ولكن قد يجيء الشيىء النادر من هذه العلل ..............فيتوهم من لا يعرف العلل أنهما لمعنيين مختلفين ، وان اتفق اللفظان ، وانما يجيء ذلك في لغتين متباينتين (يقصد لهجتين) أو لحذف واختصار وقع في الكلام حتى اشتبه اللفظان وخفي سبب ذلك على السامع " .

التحليل :

يتحدث العالمان عن ظاهرة هامة تمثل احدى مظاهر الثروة الافرادية وهي الاشتراك اللفظي . وحدده ابن فارس قائلا " تسمي الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد نحو عين الماء، عين المال ، عين السحاب "
وهو عند ابن درستويه : "وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين ..."
ويشير ابن درستويه الى أسباب وقوع الاشتراك اللفظي وهي :

- اختلاف اللهجات، ويظهر في قوله:« فيتوهم من لا يعرف العلل ...في لغتين متباينتين"
- عدم ادراك الفروق الدلالية بين الكلمات : في قوله : "... أو لحذف واختصار وقع في الكلام حتى اشتبه اللفظان وخفي سبب ذلك على السامع "

من هذا يمكننا تلخيص أسباب وقوع الاشتراك اللفظي

أسباب الاشتراك اللفظي : * أسباب خارجية

* أسباب داخلية
تغير في النطق (قلب/ ابدال)
تغير في المعنى (مقصود/ غير مقصود)


- الأسباب الخارجية :

تتحقق حين تستعمل الكلمة بدلالتين مختلفتين في بيئتين مختلفتين ، بحيث اذا نظرنا الى الكلمة في بيئتها أو في اللهجة التي تستعمل فيها لم يكن هناك اشتراك لفظي لكن اذا نظرنا اليها داخل الثروة اللفظية للغة حدث الاشتراك مثال ذلك كلمة "الألفت "تطلق في قبيلة تميم على الأعسر ، أما عند قبيلة قيس فتطلق على الأحمق .

- التغير في طريقة النطق : سواء عن طريق الابدال أو القلب ، مثال ذلك :
الاشتراك بين الفعلين (خاط ) من الخياطة والفعل ( خطا ) من الخطو ولكن بقلب خطا الى خاط .
اطلاق كلمة ( الفروة ) على جلد الرأس وعلى الغنى ، وأصل الكلمة بالمعنى الثاني هو ( الثروة ) قلبت الثاء فاء .

- التغير في المعنى : فبعضه يتم عن قصد والآخر يتم تلقائيا أي غير مقصود، فالأول يتم أكثر في المصطلحات العلمية مثلما حدث في القرون الثلاثة الهجرة لبعض المصطلحات الفقهية .

أما التغير الثاني ، فقد يحدث لسبب ما، أن تكتسب كلمة ما دلالة جديدة وتبقى دلالتها الأولى مستعملة، فيحدث الاشتراك بين الدلالتين .
مثل كلمة ( العين) : تدل على العين الباصرة، وتستعمل بمعنى عين الماء أو الجاسوس .

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 01:51 PM
خصائص العربية .. التضاد

التضاد
التضاد في اصطلاح اللغويين
يقصد به الكلمات التي تؤدي معنيين متضادين بلفظ واحد . ككلمة "الجون" تطلق على الأسود والأبيض و"الجلل" تطلق على الحقير و العظيم وهكذا .

وفي اصطلاح الأصوليين :

هو نوع من المشترك فمفهوما اللفظ المشترك إما أن يتباينا بأن لا يمكن اجتماعهما في الصدق على شيء واحد كالحيض والطهر فإنهما لمدلول واحد هو القرء ولا يجوز اجتماعهما في زمن واحد ولا يتواصلا فإنما يكون أحدهما جزءا من الأخر كالممكن العام للخاص أو صفة كالأسود لدى السواد فيمن سمي به وقد قال قطرب في حديثه عن تقسيمات الألفاظ قد يتفق اللفظ ويختلف المعنى، فيكون اللفظ الواحد على معنيين فصاعدا وذلك مثل "الأمة .. الدين … والأمة الرجل وحده … والأمة : القامة قامة الرجل …" فالمتضاد عنده هو مشترك لفظي لكن الاختلاف فيه يصل إلى درجة التضاد ولعل أدق تعريف هو قول أبي الطيب اللغوي : "وضد كل شيء ما نفاه، نحو "البياض والسواد، وليس كل ما خالف الشيء ضدا له" وهو بهذا يشير إلى الفرق بين المشترك والمتضاد فالمتضاد نوع من المشترك وأخص منه، لدلالته على معنيين متقابلين ليس إلا ويرتبط معه ارتباط العام بالخاص .


موقف العلماء من وجود التضاد :

1 - فريق ينكر وجوده :
كما اختلف العلماء حول وقوع المشترك والترادف اختلفوا أيضا حول وقوع التضاد وأسباب وقوعه، فرأى بعضهم أن التضاد ليس إلا نوعا من الاشتراك اللفظي ومن أبرز المنكرين للتضاد على الإطلاق ابن درستويه، فهو يرفض وجود هذه الظاهرة حيث قال : "النوء السقوط أيضا وأنه من الأضداد وهو الارتفاع بمشقة وثقل، وقد أوضحنا الحجة عليهم في ذلك في كتابنا في إبطال الأضداد .

وإنكار ابن درستويه للمتضاد كإنكاره للمشترك حيث يرى فيه تغطية وتعمية للدلالة، ويرى أنه إذا اعترى اللفظة الواحدة معنيان مختلفان، لم يعرف المخاطب أيهما أراد المخاطب وانتصر السيوطي لهذا المذهب في صدر الفصل الذي عقده في كتابه المزهر فقال : هو نوع من المشترك وأنكره بعضهم مثل ابن سيده فقال كان أحد شيوخنا ينكر الأضداد وكان ثعلب يقول " ليس في كلام العرب ضد لأنه لو كان فيه ضد لكان الكلام محالا " كما انتصر الجواليقي لهذا الرأي وسنده إلى المحققين من علماء العربية، ثم عرض لكثير من الكلمات التي قيل إنها من الأضداد وبين عدم التضاد فيها ومن العلماء من عد الأضداد نقصا في كلام العرب وفي لغتهم، وقد رد عليه ابن الأنباري في كتابه عن الأضداد قال : " كلام العرب يصحح بعضه بعضا ويربط أوله بآخره ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه واستكمال جميع حروفه فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين لأنه يتقدمهما ويأتي بعدهما ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، ولا يراد بها في حال التكلم والإخبار إلا المعنى الواحد و الجدير بالذكر أن ابن درستويه وثعلب إنما إنكارهما يتحدد في نشوء التضاد في أصل الوضع أما ظهوره فيما بعد فإنما هو لعوامل معينة .

الفريق الثاني : يقرّ بوجود التضاد
وهم أغلب علماء العربية نذكر منهم: الخليل بن أحمد وأبا عمرو الشيباني وقطرب وأبا عبيدة والأخفش الأوسط وأبا زيد الأنصاري والأصمعي وأبا عبيد القاسم بن سلام، وابن الأعرابي وعبد الله التوزي وابن السكيت وأبا حاتم السجستاني وغيرهم، وقد خص كثير منهم هذه الظاهرة بتأليف مستقل كقطرب و الأصمعي وابن السكيت وابن الأنباري وقد أقر علماء العربية بقلة هذه الألفاظ المتضادة . قال ابن الأنباري: وهذا الضرب من الألفاظ هو القليل الظريف في كلام العرب" وقد رد السيوطي على المنكرين بأجوبة منها:

1- أن كلام العرب يصحح بعضه بعضا ويرتبط أوله بآخره ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه واستكمال جميع حروفه .

أسباب ظاهرة التضاد :

يرى الباحثون أن لظاهرة التضاد أسبابا منها:
1- التفاؤل و التشاؤم : وهما من الحالات النفسية التي تسيطر أحيانا على سلوك بعض الناس فقد يتشاءم بذكر كلمة وقد يتفاءل بذكر أخرى و اللغة تعكس ذلك كله مما يفسر لنا بعض كلمات الأضداد مثال ذلك كلمة المفازة وأصل معناها المعجمي النجاة من الهلاك ، واشتقاق الكلمة من الجذر(ف و ز) يؤكد ذلك . أما إطلاقها كاسم على الصحراء وهي في الحقيقة تدل على الهلاك والموت ، فمن قبيل التفاؤل ومثل ذلك أيضا كلمة السليم فإنها تطلق على اللديغ أو المريض من باب التفاؤل ومن هنا قد يحدث الضد .

2 - التهكم والسخرية : قال ابن الأنباري : " ومما يشبه الأضداد أيضا قولهم للعاقل : يا عاقل و للجاهل يا عاقل إذا استهزؤوا به " فالاستهزاء هنا أدى إلى تغير الدلالة إلى الضدية وهو أمر أيده المحدثون

3 - الخوف من الحسد : وذلك مثل أن يطلق العربي القديم على الفرس الجميلة اسم شوهاء أو حين يطلق على المرأة العاقلة بلهاء أو على السيف المصقول الخشيب وكل ذلك اتقاء للحسد و الخوف من الشر .

4 - ومن الأسباب أيضا : اختلاف اللهجات وتداخلها ، فللاختلاف اللهجي دور كبير في نشوء كثير من الظواهر اللغوية خاصة بعد تداخلها نتيجة رواية اللغة وجمعها من قبائل عربية متعددة ومختلفة في ظواهرها النطقية واستعمالاتها الدلالية، ومن أمثلة ذلك قول أبي زيد : السدفة في لغة تميم : الظلمة، وفي لغة قيس: الضوء، وقول ابن السكيت الساجد : المنحني وفي لغة طيء: المنتصب والسامد : الحزين عند طيء و اللاهي عند اليمن .
قال ابن الأنباري : " إذا وقع الحرف على معنيين متضادين فمحال أن يكون العربي أوقعه عليهما بمساواة منه بينهما ولكن أحد المعنيين لحي من العرب و المعنى الآخر لحي غيره، ثم سمع بعضهم لغة بعض ، فأخذ هؤلاء عن هؤلاء وهؤلاء عن هؤلاء " .

ثانيا : التغير الصوتي
وهو من العوامل اللغوية التي تؤدي إلى وقوع التضاد حيث يؤدي تغير بعض أصوات الكلمات إلى خلق كلمات ترتبط فيما بينها بعلاقة التضاد مثل الفعل ضاع الذي يدل على الاختفاء و الظهور معا ، و الأصل فيه الجذر (ض ي ع ) وأما دلالة الظهور فهي من الجذر (ض و ع) ثم تطور الفعلان إلى صورة واحدة هي (ضاع) ويدل على هذا الفرق صورة المضارع إذ هي بمعنى الفقد تكون (يضيع) وبمعنى الظهور (يضوع) وبالمثل : جبذ وجذب حصل لها قلب مكاني . ثالثا : دلالة الصيغة الصرفية .
حيث تحتمل الصيغة الصرفية أحيانا أكثر من دلالة مثال ذلك : صيغة فعيل التي تأتي بمعنى فاعل مثل : سميع عليم ، قدير ، أو بمعنى مفعول مثل : دهين بمعنى مدهون ، كحيل بمعنى مكحول ، جريح بمعنى مجروح .
ومن هنا قالوا بالتضاد في الغريم بمعنى الدائن والمدين والقنيص بمعنى القانص والمقنوص .

رابعا : الاستعمال المجازي
ويراد به الاتساع في استعمال دلالة الألفاظ الحقيقية و الانتقال منها إلى معان مجازية لعلاقة ما تربط بين المعنيين وقد يصل هذا الاتساع إلى درجة الضدية، ولما كثر استعمال هذه الألفاظ بمعانيها الجديدة وتنوسي الأصل عدت من الأضداد .
قال أبو علي الفارسي: " أن تكون لفظة تستعمل بمعنى ثم تستعار لشيء فتكثر وتغلب فتصير بمنزلة الأصل " ومن هذا الاتساع كما جاء في كتب الأضداد : كأس : هو الإناء الذي يشرب فيه ، و الكأس ما فيه من الشراب .

خامسا : دلالة اللفظ على العموم
كأن يكون المعنى الأصلي للكلمة يدل على العموم ثم يتخصص هذا المعنى مثل كلمة : الطرب وأصل معناها الخفة تصيب الرجل لشدة الفرح وشدة الجزع، فقد جاء من تخصص الدلالة على الحزن مثل ذلك : المأتم معناها الأصلي النساء يجتمعن في الحزن والفرح على السواء، ثم خصصت الدلالة باجتماعهن في الحزن فحدث الضد .

ونشير أخيرا إلى :

أولا : نماذج من كتب الأضداد في التراث اللغوي العربي :
1- كتاب الأضداد لقطرب (ت 206هـ )
2- كتاب الأضداد للأصمعي (ت 213 وفيها خلاف )
3 - كتاب الأضداد لابن السكيت (ت 243 وفيها خلاف )
4- كتاب الأضداد للسجستاني (ت 255 هـ )
5- كتاب الأضداد لابن الأنباري (ت 327 )
6- كتاب الأضداد لأبي الطيب اللغوي (ت 351 هـ )

ثانيا : نماذج من الأضداد

السامد للحزين و اللاهي ، الصارخ للمستغيث و المغيث ، الصريم لليل
و النهار ، الجبر للملك و العبد ، جدا سأل وأعطى ، المفرح للمسرور
والمثقل بالديون ،السدفة للظلمة و النور، الجلل للعظيم و اليسير، القانع للراضي و السائل .

نص تطبيقي حول التضاد

قال ابن الأنباري في كتاب الأضداد : " كلام العرب يصحح بعضه بعضا ويربط أوله بآخره ، ولا يعرف معنى الخطاب منه الا باستفائه و استكمال جميع حروفه، فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين لأنه يتقدمهما ويأتي بعدهما ما يدل على خصوصية المعنيين دون الآخر ، ولا يراد بها في حال التكلم والاخبار الا معنى واحدا ، فمن ذلك قول الشاعر :
كل شيء ما خلا الموت جلل
والفتى يسعى ويلهيه الأمل


فدل ما تقدم قبل " جلل" و تأخره بعده على أن معناه ؛ كل شيء ماخلا الموت يسير، ولا يتوهم ذو عقل وتمييز أن الجلل هنا معناه العظيم .
- التحليل : يتحدث ابن الأنباري في هذا النص عن مظهر آخر من مظاهر الثروة الافرادية وهي التضاد ، ويعرفه قائلا : "... فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين ..." .

يظهر من هذا التعريف اتفاق التضاد والاشتراك اللفظي في دلالة لفظة واحدة على عدة معاني، لكن يشترط أن تكون المعاني متضادة في التضاد ومنه أخذ المصطلح ويقدم لنا ابن الأنباري مثالا وهو كلمة : جلل التي تدل على : العظيم كما تدل على ضدها أي اليسير.
وقد حاول هنا أن يرسي قواعد في طريقة فهم وإدراك طبيعة العلاقات الدلالية بين الكلمات، إذ أنه احتكم في الفصل بين معنى ومعنى الى السياق واستعمال المتكلمين للغة ، لأن اللغة لا تفهم ولا تستخدم الا في السياق .
ويرجع الكثير من علماء اللغة التضاد الى أسباب عديدة منها :

- عوامل التطور اللغوي من مجاز وتوليد
- التداخل اللهجي
- اختلاط المواقف الاجتماعية والنفسية للانسان تفسر جانبا من وقوع التضاد في الكلمات ، فقد يأتي على الإنسان حين من الدهر، يختلط في نفسه الفرح والحزن الأمل واليأس، وكلها أضداد تجتمع في نفس واحدة، حتى يصبح من العسير على المرء وضع حدود فاصلة أو محددة بين كل معنى ومعنى آخر، ويتبين ذلك في المثال الذي قدمه ابن الأنباري في كلمة " جلل".

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 02:00 PM
اللغة العربية قبل عصر التدوين


اللغة ظاهرة بشرية ووسيلة اتصال وتبادل المشاعر والأفكار وهي مجموعة رموز صوتية منطوقة ومسموعة متفق عليها – بعدما كانت محاكاة – لأداء هذه المشاعر والأفكار ، وهذه الرموز تجتمع فيما بينها فتكون مقاطع ومفردات وجملا تؤدي عاني شتى حسب ما يريدها الباث للرسالة اللغوية ، وفهم المتلقي يعني إدراك العلاقات التي تقوم بين الأصوات ومدلولاتها ، وبين الكلمات بعضها ببعض . وهذه المواضعة هي "الأمر الأساسي الذي تستمد منه الكلمة مقومات دلالتها ، يضاف إليها بعد ذلك سياق الكلام والمقام الذي يقال فيه"
اللغة العربية من اللغات السامية، لم تولد كاملة، فقد مرت كغيرها من اللغات لأطوار لم يدركها عصر التدوين، والمهم أنها نمت نموا طبيعيا بعد زمن طويل، والشواهد ترجع وجود كتابتها إلى القرن الثاني الميلادي، وقد ظهرت فيها نهضات نوعية بسبب احتكاك الأفكار بالاختلاط الذي كان يتم أثناء مواسم الحج، أضف إلى هذا أثر الهجرة التي اقتضتها عوامل الطبيعة، وبذلك تعرضت لكثير من الطوارئ قبل أن تدون وتضبط في القرن الثاني للهجرة . وهكذا لم يصل إلينا – حسب كثير من الأقوال – إلا لغة الحجاز، وقد وجدت مجموعة كبيرة من اللغات التي تعرف آنذاك باللهجات .
وفي القرن الأول، والثاني قبل الإسلام، حدثت نهضة لغوية بنزول الأحباش والفرس في اليمن على اثر استبداد ذي يزن ملك اليمن ولما فتح الفرس اليمن، أقاموا فيها واختلطوا بأهلها، وكانوا يحجون إلى الكعبة ، وأهل الكعبة يتاجرون في اليمن، وسبب هذا في ظهور اختلاط في اللسان .

ومهما يكن فإن كثيرا من المصادر تشير إلى أن العربية مثلها مثل اللغات الأخرى ، عرفت طفولة ، فقد مرت بعدة أطوار قبل لأن ينزل بها القرآن الكريم ، وهذه الأطوار هي :

أطوار اللغة العربية

الطور الأول : كانت فيه مزيجا من اللهجات ، والبداية تعود إلى لهجتين: لهجة قبائل بني عدنان في شمال الجزيرة العربية ، ولهجة قحطان الحميرية ، وقد أفادت العدنانية من الحميرية وصارعها حتى تغلبت عليها.

الطور الثاني : بدأت عند اجتماع القبائل ، واختلاط بعضها ببعض في الحروب والحج والأسواق، وهنا كان لقريش السيادة الدينية ، حيث كانت تأخذ من لغات الشام واليمن وفارس والحبشة، ما تدخله في لغتها بعد تهذيب متقن ، وزادت ثروتها اللغوية

الطور الثالث : بدأت بنزول القرآن الكريم ، فأتم لهذه اللغة سيادتها وشرفها ، فكانت شيئا مهما ، وكان للحديث النبوي الشريف أثر واضح في تهذيبها ، وهنا اتسعت أغراض هذه اللغة بتأثير الدين ، ودخلتها الألفاظ الجديدة ، وتغيرت معاني بعض الألفاظ حسب طبيعة تطور المجتمع المدني آنذاك

في هذا الوقت بدأ اللحن يظهر عند العرب بفعل احتكاكهم بالمستعمرين ، وشاع في بداية العصر الأموي41-132 هـ الموافق لـ 661-749هـ ، واستنكر العرب هذه الظاهرة ، فانبرى أبو الأسود الدؤلي وتلامذته لوضع رسم إعراب القرآن عن طريق النقط، والشكل ، ووضع قواعد النحو ، وتواصل العمل في العصر العباسي 132-656 هـ الموافق لـــ : 750 -1258 هـ ، بشكل مكثف نظرا لاستعانة الحكام العباسيين بالفرس ، وازدياد انتشار الإسلام ، وكان من نتائج ذلك تأثير واضح في اللغة ، حيث ظهر الاعتماد على القياس والتعليل ، واعتماد مناهج جديدة في اللغة، ونسجل هنا ظهور علماء أفذاذ في اللغة مثل أبو عمرو بن العلاء ، وعيسى بن عمر الثقفي ، والخليل بن أحمد ، وسيبويه ، والكسائي ... فكانت كتبهم النواة الأولى لتأسيس لغة عربية لها مقوماتها التي تقوم عليها أية لغة من منهج ، قواعد ، تراث ... وزاد اختلاف العلماء فيما بينهم في أمور اللغة إلى إنشاء مدارس لغوية ، لكل منها مناهجها ، وطريقتها ، وهذا كله أدى إلى ضرورة الاعتماد على التدوين


جمع اللغة والأسباب الباعثة على ذلك :

لم يكن المجتمع الجاهلي في حاجو إلى دراسة أو روايتها ، حيث كانت على لسان العربي فطرة ، وكان صدره وعاءا لها ، وكانت الوسيلة التي بها كان يفاخر بأمجاد قبيلته ويحي عصبيته . ولما جاءت الدعوة المحمدية ، التف الناس حولها لفهم رسالة الإسلام التي نلت باللسان العربي المبين ، وكان عجزهم وتحدي القرآن لهم مدعاة إلى البحث فيه لفهم أسراره ، والعمل على نشره

نشأة الرواية اللغوية :

لقد كان المجتمع الجاهلي مجتمعا أميا لا يأخذ اللغة إلا بالحس " وكانت القبائل كأنها سجل زمني في إحصاء الأخبار والآثار" ومع ظهور الدين الإسلامي ، كانت اللغة ذات أوجه ومستويات كثيرة ، وكان ذلك دافعا لنشاط لغوي وافر بسبب إعجازه


تفسير القرآن :

لقد ورد في القرآن من الغريب ما وجد تعزيزا في التراث الشعري الجاهلي ، فكانت العودة إلى هذا الأثر مستمرة وذلك من أجل دعم مضمون الآية، انطلاقا من اللفظة الغريبة. كما جاء في القرآن من المجاز ما كان يبعث على البحث المستمر في الشعر القديم للتأكد من عدم الخروج عن الاستعمالات الحقيقية أو المجازية التي الفتها العرب في كلامها ، إلى جانب بعض التراكيب القرآنية المختلفة كالتقديم والتأخير والحذف والإضمار ... ولقد كان الشعر الجاهلي قمة ما وصلت إليه العرب من قوة الأسلوب، وروعة التعبير ، غير أنه كان يقف فاشلا أمام أسلوب القرآن الكريم ، فكان الإبقاء عليه لتأكيد إعجاز هذا القرآن عن طريق الموازنة ، وبذا كان كتاب الله الداعي الأول لرواية اللغة إلى جانب النزعات القومية التي ظهرت فيما بعد

تيقظ النزعات القومية :

لقد كانت دولة الأمويين كما يقول الجاحظ تـ 254/868 م دولة أعرابية ، نظرا لعصبيتهم للعرق العربي واتخذت هذه العصبية ألوانا شتى، حيث كانت الرواية اللغوية وسيلة لها إذ حاول الأمويون إبراز محاسن العرب ردا على الفرس، فدرسوا اللغة وتفننوا فيها، حتى أصبحت تطلب غاية في حد ذاتها ، بعدما كانت تطلب لفهم القرآن الكريم

وهكذا كانت دوافع جمع اللغة لا تخرج عن ثلاثة عوامل هي :

1- الخوف من القرآن من اللحن
2- الرغبة في ضبط اللسان العربي وحفظه من اللحن
3- التفاخر في التراث

الأخذ عن الإعراب :

لقد شافه أهل البصرة أعرب البادية للأخذ عنهم، وتعد لغة البادية أوثق نص لغوي وصل العرب ، وهي مثال جيد لتدوين اللغة وجمعها، وذلك لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم ونقلوا عنهم كثيرا من الشاذ والدخيل والمتروك، هذا يعني أنهم كانوا يدونون اللغة انطلاقا من المجموعة اللغوية الناطقة بها ، وفي محيطها الطبيعي ، وهذا يستلزم بالضرورة أن المدونة كانت أمينة وصادقة في تحديدها للحيز المكاني ، وتحديد البيئة أمر جدير بالتقدير ، وكان الرواة يجمعون ما يسمعون من القبائل المختلفة اللهجات، فكان من الضروري أن يوجد في اللغة الترادف والمشترك والأضداد . وإن جمع اللغة من "عوامل نمو اللغة وإثراء ألفاظها نظرا لما كان في لهجات القبائل من اختلاف في اللفظ ومدلولاتها، فجمع الرواة ما جمعوا من هذه اللهجات وبهذا ظهر واضحا أن اختلاف لهجات القبائل على أنواعها أدى إلى وجود ألفاظ ومعان مغايرة مستعملة عند قبيلة أخرى" ومع ذلك فاللغة لا تؤخذ إلا من الرواة الثقات ذوي الصدق والأمانة ويتقى المظنون . وقد بقيت لغة البادية على صفائها إلى آخر القرن الرابع الهجري

الرحلة إلى البادية :

لقد كان أهل البصرة والكوفة عربا كلهم في القرن الأول، إلا الموالي منهم ، وكان أولئك العرب من قبائل مختلفة وكلهم باق على فطرته ، فلم يكن الرواة في حاجة إلى البادية لأنهم لم يكونوا قد بلغوا الغاية في تعليل النحو وتفريعه ، ومن أقدم الذين رحلوا إلى البادية : الخليل بن احمد تـ 170 هـ/786 م ، وخلف الأحمر تـ 180 هـ/796 م ، يونس بن حبيب الضبي تـ 182 هـ/798 م ...
ولا شك أن ذهاب المجموعة إلى البادية كان سببه تفشي اللحن في الحضر والألتجاء إلى الأعراب الذين لم يظهر على ألسنتهم اثر الاحتكاك بالأعاجم فأخذوا عن قيس ، تميم ، وأسد ، وهؤلاء هم الذين أخذ عنهم الكثير ، وعليهم اعتمد في الغريب وفي الإعراب والتصريف ، وتأتي بعد هذه القبائل هذيل ، وبعض كنانة ، وبعض الطائيين ، ولم يؤخذ عن غيرهم . وفي الحق أن هذا التحديد المكاني والزماني كان من الضرورة أن يكون من الجاهلية إلى نهاية القرن الرابع لتكون المدونة واسعة ، إلا أن هذا التحديد يحتاج إلى دقة أكثر ، وينبغي دراسة مستويات اللهجات على حدة لكل قبيلة لكي لا يقع الخلط بين القبائل الستة ، ولكي لا يؤدي ذلك إلى الفوضى اللغوية ، ومجافاة روح البحث العلمي ، وبعد هذه الطبقة ، وهي الطبقة الثالثة من النحاة تأتي الطبقة الرابعة ، ومن أقدمهم النضر بن شميل تـ 818 هـ ، وقد أخذ عن الخليل وعن بعض الأعراب الذين أخذت عنهم الطبقة الثالثة ، وأقام في البادية أربعين سنة، ثم الكسائي تـ 189هـ وقد خرج إلى بوادي الحجاز ونجد وتهامة ، وقد أخذ أيضا عن الخليل واستمرت الرحلة إلى البادية حتى نهاية القرن الرابع ، ثم فسدت سليقة العرب ، وانقطعت المادة اللغوية اكتفاءا بالتوارث عن كتب الأسلاف

بعض وجوه نشاط الرواة :
كانت المواضيع التي كتب فيها الرواة القدماء مما يقع تحت بصر العربي ، وهم في كتاباتهم هذه لا يخرجون عن نطاق جمع اللغة، ولقد كانت موضوعاتهم في التبويب والتصنيف شاملة ، حيث أنها تتناول ما يوجد في الطبيعة من حشرات ونبات وإنسان وهناك كتب الصيغ التي كانت كتب تصنيف وبحث ، والى جانب كتب لجمع اللغة . فكتبوا في المؤنث والمذكر ، وفي المقصور والممدود و وغير ذلك

نشاط الرواية في البصرة :
لقد كان علماء البصرة يأخذون اللغة عن الأعراب ، وقد كانوا يضعون لهم أسئلة بطريقة خاصة ليمتحنوا سليقتهم ، وقد كان جلهم يتشدد في اختيار ما يصدر عن الشعراء مخافة ظاهرة اللحن ، فلقد حدد عبد الله بن أبي اسحق الحضرمي تـ 117 هـ الفصاحة بانتقاء اللغة التي يدرسونها ، والقبائل التي يأخذون عنها هذه اللغة، وبحكم نشأته غير بعيد عن السليقة العربية ، دفعه للرحلة إلى البادية فسن هذه السنة ، ومن تلاميذه يونس بن حبيب وعيسى بن عمر تـ 149 هـ، وقد رحل هذا الأخير لمشافهة الأعراب الفصحاء فلقد كانت حلقة البصرة يحضرها الأعراب ، وطلاب العلم أمثال سيبويه ، وهكذا تشدد البصريون في تحديد رقعة الفصاحة ، والقبائل الفصيحة على خلاف الكوفيين الذي يعتدون بلغات عربية كثيرة

نشأة الرواية في الكوفة :
لقد كانت الرواية فيها مقصورة على الشعر ، لإشباع نزوع العنصر العربي من الشعر ، فرحل علماؤها إلى البادية للسماع عن الشعراء ، والرواة ، ومن أقدم رواتهم : الخثعمي أبو البلاد الكوفي ،ثم حماد الراوية ، والمفضل الضبي 170هـ/ 786 م والكسائي ، وأبو عمر الشيباني تـ 206 هـ/ 821م .
ورأى كثير من اللغويين أن الشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة ، إلا أن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله. وإن أكثر آثار الرواة تحاول جمع الثروة الأدبية في صميم المجتمع الكوفي، فيقال في حماد الراوية أنه جمع السبع الطوال، واختار المفضل مجموعة كبيرة من الشعر عرفت باسم المفضليات ، كما وضع كتابا في الأمثال ، وعمل الأصمعي كتابا على شاكلة المفضليات سماه الأصمعيات وهي سبع وسبعون قصيدة ... ومهما يكن من أمر، فإن الكوفيين أكثر توسعا في الرواية، ومن آثار الرواية عندهم: النوادر ، ومعاني القرآن ...

ويمكن أن نجمل ما قلناه في مسألة جمع اللغة أنها مرت بهذه المراحل :
1- مرحلة جمع أوائل العلماء الشواهد كيفما كانت ونظموها على شكل رسائل صغيرة في موضوع صغير
2- مرحلة تأليف الكتب في الموضوع كفعل سيبويه في النحو
3- مرحلة تأليف الكتب الضخمة الشاملة الجامعة للموضوع أو شرح الكتب السابقة

إذن اختصت المرحلة الأولى بجمع الكلمات، تدوين كل شيء والمرحلة الثانية جمع الكلمات المتعلقة بموضوع ما ، والمرحلة الثالثة كانت على شكل معجم شامل، يشمل الكلمات على نمط خاص
وفي الحقيقة أنه نشأت الرواية اللغوية من العلوم العربية الأخرى وكانت مرتبطة بعلوم الدين ، حيث كان الالتفات إلى فهم القرآن الكريم الداعي الأول للبحث اللغوي ، ثم استقل بعد ذلك، ونضج على يد البصريين والكوفيين ، رغم الاختلافات في طريقة رواية اللغة ، حيث نجد أن مدونة الكوفة أكثر توسعا من البصرية ، ولكن البصرية أكثر منطقية وتحكما في الأسلوب العلمي الدقيق . غير أن هذا النشاط يمكن اعتباره جهدا قيما في مرحلة معينة ، وفي إطار تاريخي واجتماعي وسياسي خاص ، كان من الأحرى أن يتطور هذا الجهد ، لتترقي به اللغة

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 02:08 PM
مصادر جمع اللغة


تعرف اللغة العربية التي نتحدث بها حاليا باللغة الباقية ، وقد نشأت هذه اللغة ببلاد الحجاز ، ثم انتشرت في كثير من المناطق التي كانت تشغلها من قبل أخواتها السامية والحامية وإن طفولة هذه اللغة مجهولة في كثير من جوانبها ، وأقدم ما وصل هي بعض النقوش والأمارات التي يعود تاريخها إلى القرن الثاني الميلادي ، وأقدم ما وصل من آثارها الراقية الشعر والنثر الجاهليين ، وجمعا في القرن الأول للهجرة ويمثلان اكتمال هذه اللغة ، التي تغلبت لهجة من لهجاتها واستأثرت بميادين الأدب في مختلف القبائل مع فروق دقيقة ، لأنه متى انتشرت اللغة في مساحة واسعة وتكلم بها الناس استحال عليها الاحتفاظ بوحدتها الأولى ، فلا تلبث أن يحدث فيها تغيير .

نص كثير من المصادر على أن قوانين التغلب اللغوي ساد في الجزيرة العربية ، فبعد صراع اللهجات المحلية، كانت لغة قريش مهيأة للتغلب على اللهجات الأخرى، وقد ساعدها على ذلك العامل الديني، لأنه كان لقريش السلطان الديني على بقية القبائل الأخرى وبجانب ذلك كان هناك سلطان اقتصادي ، حيث كانت التجارة في يد القرشيين الذي كانوا يتنقلون بتجارتهم في مختلف بقاع الجزيرة العربية من الشام شمالا إلى أقاصي اليمن جنوبا ، وأشهر تبك الرحلات التجارية رحلات الشتاء والصيف ، وبفضل هذين العاملين تحقق للغتها النفوذ الاستعمالي ، والتغلب اللهجي على باقي اللهجات الأخرى ، ومن المقر أن اللهجة التي يتاح لها التغلب تصبح آجلا لغة الآداب فتصطنع وحدها في الكتابة والتأليف والأدب شعره ونثره . ومن المصادر التي جمعت عنها اللغة، وقننت على ضوئها هي :

1- القرآن الكريم :
نزل القرآن بلسان عربي مبين ، في الوقت الذي استفحل فيه اللسان القرشي ، ولم يعد للهجات الأخرى سلطان على الآداب . ومن هنا يمكن أن نقول على أن اللسان العربي المبين يعد ذلك اللسان الذي تنطقه الجماعة الكبيرة من أهل الجزيرة العربية . وهكذا كان لنزول القرآن بهذا اللسان تقوية وتدعيم سلطانها على الألسنة، أضف إلى ذلك تنقيحها ، والنهوض بها إلى أرفع المستويات الأدبية .

وقد اتسعت العربية بفضل القرآن أيما اتساع ، وذلك في الأغراض والمعاني والأخيلة والأساليب والألفاظ ، و قد فتح القرآن أبوابا كثيرة من فنون القول لم يكن العرب يعرفونها – رغم أنهم قوم بلاغة – وما تحديه لهم إلا من باب تلك الأساليب الجديدة التي لم يألفها العرب سابقا، "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضكم لبعض ظهيرا" الإسراء 88 "وإن كنتم في ريب مما نولنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين" البقرة 23 ، والقرآن معجز في الجديد الذي أتى به ، فلم يكن معجزا في ألفاظه ، وقد نزل بلغتهم إنما الإعجاز في نظمه وطريقة أساليبه وهكذا كان الثر واضحا ، فقد تجردت كثرا من الألفاظ من معانيها العامة ، وأصبحت تدل على معان خاصة ، أضف إلى ذلك قضاؤه التام على كثير من الألفاظ العربية الجاهلية التي تدل على نظم حرمها الإسلام ، مثل:المرباع / الصفايا / النشيط /الفضول ...

والقرآن أضاف إلى العربية أغراضا كثيرة، عملت على ارتقائها لتتبوأ المكانة الكبيرة التي شرفها بها ، ومن ذلك غدا القرآن المدونة الصحيحة التي يرجع إليها في جمع اللغة لنع منزه عن الخطأ ، وقد نزل بلسان عربي مبين. وهند جمع اللغة أضحت الضرورة قصوى للاحتجاج به في صحة أو فساد قاعدة لغوية، وقد ألفت حوله كثير من الدراسات اللغوية في معانيه وغريبه ، وأوجد لها علماء اللغة التخريجات المختلفة لما ورد فيه مخالفا للمألوف ، وقد اتخذتها مدرسة الكوفة دليلا لمخالفتها رأي البصرة في بعض الآراء النحوية ، وقاست عليها على أن ما ورد في القرآن بمختلف قراءاته حجة ولا يطعن فيه

ومن هنا عد القرآن المصدر الأساس أثناء جمع اللغة ، فكلما يقع خلاف يرجعون إلى القرآن للفصل فيه

2- الشعر القديم :
إن الأدب الجاهلي لم يدون إلا بعد الإسلام بأكثر من مائة عام وظل مدة طويلة يروى شفويا ، وغني عن التذكير أن ما يروى شفهيا يأتي زمن يناله التحريف، ويندس فيه ما لم يكن منه. ونذكر بعض المصادر أن كثيرا من الأعراب يخلقون القصائد وينسبونها لشعراء الجاهلية ، إرضاء لرغبة اللغويين - الموردون - الذين كانوا يلحون عليهم ويطلبون المزيد ، وذكروا أن حمادا الراوية كان ينحل وأن خلف الأحمر وغيره اخترعوا من الشعر ما لم يكن له وجود وكذبوا على الشعراء .

ومهما يكن الأمر فإن المنحول من ذلك الشعر ، لا يقل أهمية عن الصحيح لأن قائليه كانوا قريبي عهد بالعصر الجاهلي ، فجاء ذلك الشعر يحاكي أنماط الشعر الجاهلي في كل أحواله .
وهكذا عد الشعر القديم النواة الأولى أو المصدر الأساس للغة العربية ، والذي حفل بهذا الكنز الضخم الذي لا نقل خصائص اللغة ومقوماتها العامة . وقد كان الأنموذج الذي يحتذى ، وبه يستشهد عند إشكال أمر من الأمور ، لأنه الوثيقة الرسمية الذي حمل اللسان العربي الصحيح ، وكل خروج عن أنماطه يعد شذوذا أو خرقا للقاعدة ، وزاد من صحة ذلك الشعر نزول القرآن الكريم بمعظم قوالبه، ونظمه

ولما جاء عصر التدوين تهافت جماع اللغة للنزول إلى البادية - الوبر- على أن ملكتهم مازالت بها السليقة العربية ، وأن العربي يمتلك اللغة الصحيحة التي ينطق بها سليقة ، وما يقوله لا يحتمل على الخطأ لأنه رضع لغته من محيطه الأصلي . وقد اتحذت على أساس أنها النموذج الصحيح ، وعليها القياس ، وقد عدت لغة العرب في البادية كلها صحيحة إلى نهاية القرن الرابع الهجري ، وبعده لم تبق الفصاحة في الجزيرة العربية بفعل عوامل الاختلاط ، وتطور المجتمع العربي وبفعل الإسلام الذي دخلت أقوام فير عربية اللسان. والذي يهمنا في هذا المقام أن لسان العربي في ذلك العصر حجة ، وثقة ، وأنه لا ينطق الا الصحيح من لغته، وتأبى عيه نفسه النطق الخطأ ، وقد حاول بعض النحاة أن يصطنعوا بعض الأخطاء، وأعطوها للعرب الذي تؤخذ عنهم اللغة فرفضوها بدعوى أنها ليست من لسانهم. ومهما يكن من أمر فإن اللسان العربي عد أنموذجا يحتذى أثناء جمع اللغة، واليه يرجع في القياس والاحتجاج اللغوي ، وما ورد على لسانهم فهو منه وكان الشعر والنثر الجاهليين النماذج التي يرجع إليها ، لأنهما المادة اللغوية الباقية على لغة ذلك العصر

3- الحديث النبوي الشريف :

لقد تحرج اللغويون الأوائل من الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف على أساس أن بعضا منه روي بالمعنى، وبعضه انقطع سنده وبعضه طعن في رواته ... ومن ذلك لم يحتج بالحديث النبوي الشريف إلى غاية القرن الخامس الهجري ، حيث استشهد الزمخشري بها وواصل ابن مالك الاحتجاج بع في ألفيته في القرن السباع ... على أن هذا التحرج كان من قبل النحاة واللغويين الأوائل خوفا مما اصطبغه الرواة على الحديث من تحريف وما وضعته كثير من الفرق الإسلامية للتشيع للمواقف التي تخدم أغراضها الخاصة ... ومهما يكن من أمر فإن هذا مدعاة إلى الاحتياط والتريث في الأمر والتحقق من مدى صدق الراوي، وثقته والتمييز بين الحديث الصحيح والمشكوك فيه ، لأن الحديث دون متأخرا والرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( من دون عنب شيئا فليمحه ) ، وهو الذي قال كذلك : ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) ، على أن التحرج صدر منه، ومن هنا تحرج النحاة واللغويين كثير من الاحتجاج بالحديث خوف ما يطرأ عليها من تحريف . فكان طبيعيا هذا التشدد وكله من أجل بقاء اللغة الفصيحة لا تشوبها شائبة .

ومع كل ذلك أعيد النظر في الأمر ، ورأى النحاة واللغويون الذين جاؤوا من بعد أن الحديث النبوي الشريف يحمل ثروة لغوية هامة كان من الأحرى الرجوع إليه والاستفادة منه على أساس أنه لسان عربي مبين وكيف وهو الذي صدر عن الرسول الذي لا ينطق عن الهوى ، وكيف يكون الاحتجاج بأولئك الأعراب الذين يبولون على أعقابهم ولا يحتج بحديث الرسول المعصوم ... وقد وقع في العصر الحاضر البت في هذه المسألة على أن ما ورد في الكتب الصحاح يحتج بها دون جدال

إن القرآن الكريم ، والحديث النبوي الشريف أضافا إلى رصيد العربية ثروة هائلة من المصطلحات ، فنجم عن ذلك اتساعها في الأغراض والاتقاء في المعاني والأخيلة والأساليب ، فقويت على تجلية المعاني الدقيقة، واستخدمت فيها الحجج العقلية والبراهين الفلسفية ودخلت فيها عناصر جديدة للخيال والتشبيه ، وتهذيب أساليبها وتشكلت في صورة الأساليب العلمية . ومن هنا عدا من المصادر الثلاثة التي جمعت منها اللغة - بعد الشعر الجاهلي

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 02:12 PM
تعريف المعجم لغة واصطلاحا


النص :
يقول ابن جني : " اعلم أن عجم وقعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء وضد البيان والإفصاح ، فالعجمة الحبسة في اللسان ، ومن ذلك رجل أعجم وامرأة عجماء ، إذا كانا لا يفصحان ولا يبينان كلامهما ، والأعجم الأخرس ، والعجم و العجمي غير العرب لعدم إبانتهم أصلا ، واستعجم العربي القراءة ، لم يقدر عليها لغلبة النعاس عليه ، والعجماء البهيمة لأنها لا توضح ما في نفسها ، واستعجم الرجل : سكت ، واستعجمت الدار عن جواب سائلها سكتت ...
اعلم أن أعجمت وزنه أفعلت و أفعلت هذه وان كانت في غالب أمرها تأتي للإثبات والإيجاب نحو أكرمت زيدا أي أوجبت له الكرامة ، فقد تأتي أفعلت أيضا ويراد بها السلب والنفي ، وذلك نحو أشكيت زيدا أي أزلت له ما يشكوه ، وكذلك قولنا أعجمت الكتاب أي أزلت عنه استعجامه " .

ابن جني : سر صناعة الإعراب . ج 1 ص 40




التحليل

يتضح لنا من استعمال مشتقات كلمة عجم أنها لا تفيد الوضوح إنما تدل على الغموض ، فكيف يكون المعجم من مشتقاتها ؟ والمعروف أن من أهدافه الأساسية التيسير والتسهيل ؟
جمع ابن جني في هذا النص مشتقات كلمة عجم محددا معانيها بـ:

عجم : وقعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء و ضد البيان والإفصاح
العجمة : الحبسة في اللسان
رجل أعجم ، امرأة عجماء : إذا كان لا يفصحان لا يبينان كلامهما
الأعجم : الأخرس
العجم ، العجمي : غير العرب لعدم إبانتهم أصلا
استعجم القراءة : لم يقدر عليها لغلبة النعاس عليه
العجماء : البهيمة لأنها لا توضح ما بنفسها
استعجم الرجل : سكت
استعجمت الدار عن جواب سائلها : سكتت

فباستقرائنا لمعاني كل هذه الكلمات يتبين لنا أنها تدل على :

عدم البيان والفصاحة ، على عدم القدرة ، على السكوت ، عدم التوضيح . وكلها إذن تشترك في دلالتها على عدم الوضوح أي على الغموض ، فكيف يكون المعجم من مشتقاتها ، مع العلم أننا نستعمل المعجم لتوضيح معاني الكلمات ؟

لكن ابن جني يوضح لنا في الجزء الثاني من النص أن أعجمت على وزن أفعلت التي تدل على معنى :

أ ـ الإثبات: أكرمت زيدا أي أوجبت له الكرامة
ب ـ النفي : أشكيت زيدا أي أزلت له ما يشكوه
أعجمت الكتاب أي أزلت عنه استعجامه

المعنى الاصطلاحي لكلمة المعجم :

هو كتاب يضم أكبر عدد من مفردات اللغة مقرونة بشرح معناها واشتقاقها وطريقة نطقها وشواهد تبين مواضع استعمالها



حصة تطبيقية حول تحليل مادة معجمية


يحلل المعجم معنى الكلمات بالنظر إلى مستوياتها اللغوية المختلفة وهي مستويات تمثل مجموعة من المعلومات التي يتوقع أي طالب أن يقدمها له المعجم :

أ ـ المعلومات الصوتية: وهو تمثل صوتي دقيق يمثل الحرف في الكتابة رمزا كتابيا واحدا مستقلا كأن تصف حركات الكلمة و مدها واعجام الحروف وإهمالها .

ب ـ المعلومات الصرفية : يقدم المعجم تحديد المبنى الصرفي للكلمة إذا كانت اسما أو صفة أو فعلا ، وهذا غالبا ما يحدث في صيغ صرفية محايدة مثل فاعل ( بكسر العين ) تقال لصفة فاعل والأمر من فاعل نحو قاتل .
ج ـ المعلومات النحوية: حينما يسوق المعجمي شواهد الكلمة عادة ما يورد بعض الإشارات النحوية، وذلك بعرض بعض القواعد النحوية وذكر معناها الوظيفي في فهم المعنى.

د ـ المعلومات الدلالية : يكون شرح المعنى بذكر المعاني المتعددة التي يصلح كل واحدة منها لسياق معين ، وذلك :

ـ بعرض الأشكال التي تستعمل في عصر واحد مثل : بكة ومكة
ـ تخصيص مدخل لكل اشتقاق من اشتقاقات المادة
ـ يتجنب الشرح بالمرادف .
ـ الاستشهاد على كل معنى من المعاني التي يوردها المعجم للكلمة إذ يساعد في تركيبها



نموذج تطبيقي على معجم تاج اللغة وصحاح العربية :


ينتمي إلى معاجم الألفاظ ، ويمثل المدارس التي اعتمدت على نظام القافية ، أي الترتيب الألفبائي للكلمات مع اعتبار أواخر الأصول

مؤلفه هو أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري المتوفي سنة 400ه . تتلمذ على يد أبي علي الفارسي ، وأبي سعيد السيرافي . ويدلنا عنوان المعجم على أن صاحبه قصد إلى أرقى الألفاظ والصحيح منها بصفة خاصة. يقول في مقدمته: "أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة التي شرف الله تعالى منزلتها"
ترك الجوهري نظام ترتيب الحروف على المخارج ، ونظام ترتيبها على الألف باء . وابتدع نظاما جديدا


منهج المعجم


راعى فيه ترتيب الألفاظ حسب أواخرها ، فالمعجم عنده ينقسم إلى ثمانية وعشرين بابا ، كل واحد منها يتناول الألفاظ المتحدة الحرف الأخير ، فباب لما آخره همزة ، وباب لما آخره باء ، وباب لما آخره تاء ، وهكذا تتوالى الأبواب إلى آخر الحروف .
ثم قسم كل باب من هذه الأبواب إلى فصول معتمدا على الحرف الأول من الكلمة ومرتبا لها على الألف باء أيضا . فباب الهمزة مثلا يحوي فصل الهمزة ، ففصل الباء ... إلى آخر الحروف والفصول، وهذه الفصول تحوي جميع الألفاظ الثنائية والثلاثية والرباعية.

سار على طريقة الصحاح معاجم كثيرة ، أشهرها :

1 ـ لسان العرب لابن منظور ت سنة 711ه
2 ـ القاموس المحيط للفيروز آبادي ت سنة 817ه
3 ـ تاج العروس للزبيدي سنة 1205ه

كيفية استخدامه : إذا أردنا مثلا البحث عن معنى كلمة استكتب : جردناها من الحروف الزائدة وهي همزة الوصل والسين والتاء ، فيكون أصلها كتب ، فنبحث عنها في باب الباء فصل الكاف .


نموذج من المعجم

مادة عق ( باب القاف فصل العين )

العقيقة : صوف الجذع . وشعر كل مولود من الناس و البهائم الذي يولد عليه : عقيقة وعقيق وعقة أيضا بالكسر . قال ابن الرقاع يصف حمارا :


تحسرت عقة عنه فأنسلها
واجتاب أخرى جديدا بعدما ابتقلا


ومنه سميت الشاة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه : عقيقة . وقال أبو عبيد : العقة في الناس والحمر ولم نسمعه في غيرهما
وعقيقة البرق : ما انعق منه ، أي تضرب في السحاب وبه شبه السيف . قال عنترة :

وسيفي كالعقيقة فهو كمعي
سلاحي لا أفل ولا فطارا


وكل انشقاق فهو انعقاق . وكل شق وخرق في الرمل وغيره فهو عق . ويقال انعقت السحاب ، إذا تبعجت بالماء .

والعقيق ، ضرب من الفصوص . والعقيق واد بظاهر المدينة . وكل مسيل شقه ماء السيل فوسعه فهو عقيق والجمع أعقة .

وعق بالسهم إذا رمى به نحو السماء ، وينشد للهذلي :

عقوا بسهم ثم قالوا صالحوا
ياليتني في القوم إذا مسحوا اللحى


وذلك السهم يسمى عقيقة ، وهو سهم الاعتذار وكانوا يفعلونه في الجاهلية . فان رجع السهم ملطخا بالدم لم يرضوا إلا بالقوة، و إن رجع نقيا مسحوا لحاهم وصالحوا على الدية . وكان مسح اللحى علامة للصلح، قال ابن الأعرابي: لم يرجع ذلك السهم إلا نقيا. ويروي عقوا بسهم، بفتح القاف، وهو من باب المعتل وينشد:


عقوا بسهم فلم يشعر به أحد
ثم استفاءوا وقالوا حبذا الوضح



وعق عن ولده يعق : إذا ذبح عنه يوم أسبوعه ، وكذلك إذا حلق عقيقته . وعق والده يعق عقوقا ومعقة فهو عاق وعقق ، مثل عامر وعمر ، والجمع عققة مثل كفرة . وفي الحديث ( ذق عقق) أي ذق جزاء فعلك
يا عاق .
أعق فلان : إذا جاء بالعقوق . أعقت الفرس : أي حملت فهي عقوق ، ولا يقال معق إلا في لغة رديئة، وهو من النوادر ، والجمع عقق مثل لرسول رسل .

ونوى العقوق : نوى رخو تعلفه الإبل العقق ، وربما سموا تلك النواة عقيقة .
والعقاق الحوامل من كل حافر ، وهو جمع عقق مثل قلص وقلاص وسلب وسلاب . والعقاق بالفتح : الحمل ، يقال أظهرت الأتان عقاقا وكذلك العقق ...


المطلوب : حدد المعلومات التي ذكرها الجوهري لمادة ( عق ) .

الإجابة : لقد شرح الجوهري المادة ( عق ) بذكره لمجموعة من المعلومات نفصلها بـ:

أ ـ المعلومات الصوتية : أورد الجوهري طريقة نطق بعض الكلمات مثل قوله : عقة أيضا بالكسر وعقوا بسهم بفتح القاف ، العقاق بالفتح .

ب ـ المعلومات الصرفية : قدم لنا مجموعة من اشتقاقات الجذر ( عقق ) ، ابتداء من الفعل الماضي عق في قوله: عق بالسهم ، أعق ، العقاق ، العقوق إضافة لذكر بعض الجموع مثل الجمع عقق وعققة. وبعض أبواب الفعل في قوله : عقوا بسهم هو من باب الفعل المعتل .

ج ـ المعلومات الدلالية : شرح الجوهري معاني الكلمات المشتقة من الفعل ( عقق)، كتعريفه للعقيق : بأنها ضرب من الفصوص والعقاق : الحوامل من كل حافر.
الشواهد : استعان مؤلف المعجم لتحديد معاني بعض الكلمات بمجموعة من الأبيات الشعرية لشعراء يعتد بفصاحتهم اللغوية .


تمرين :

1 ـ رتب هذه الكلمات على حسب طريقة عرضها في معجم الصحاح :

أ ـ ندم ، علم، سلم، وهم، قدم، ردم، ثلم
ب ـ عنف ، عكف ، عفف ، عاف ، عقف ، عسف ، عرف

2 ـ اقرأ سورة القارعة :

"باسم الله الرحمان الرحيم. القارعة ، ما القارعة. وما أدراك ما القارعة، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش. فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، وما أدراك ماهيه ، نار حامية ".

المطلوب :

استخرج معاني المفردات التالية من معجم الصحاح أواللسان ، أو تاج العروس ، أوالقاموس المحيط ، مبينا نوع المعلومات التي يقدمها كل معجم :
القارعة، المبثوث، العهن، المنفوش، هاوية

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 02:13 PM
المعاجم العربية


( تقدم هنا فكرة موجزة عن أبرز المعاجم العربية المشهورة مع الإشارة إلى المصادر والمراجع التي اقتبسنا منها هذه المعلومات وخاصة مؤلفي الدكتور حلمي خليل : المولد قبل الإسلام ، والمولد بعد الإسلام )

1- المعجم الكبير الذي وضعه المجمع اللغوي بمصر:
رتب المادة اللغوية حسب المعاني الكبرى متدرجا بها من المولد الحسي إلى المدلولات المجردة ، فاستشهد على ذلك بنصوص من الشعر و النثر على اختلاف العصور، دون التقيد بعصر معين.

2- المعجم الوسيط : صدرت الطبعة الأولى للمعجم الوسيط سنة 1961 و الثانية 1972.

في مقدمة الطبعة الأولى عرف المولد بأنه : المحدث من كل شيء... ومن الكلام كل لفظ عربي الأصل غيرته العامة... وما استخدمه العرب و لم يكن من كلامهم فيما مضى
حلمي خليل – الحديث ص182 - الوسيط ج/68 ط 1
وفي مقدمة الطبعة الثانية قالوا: المولد المحدث من كل شيء ... ومن الكلام كل لفظ عربي الأصل، ثم تغير في الاستعمال واللفظ العربي الذي يستعمله الناس بعد عصر الرواية .
الوسيط ج/56 ط1

3- لسان العرب :
نعلم أن المادة اللغوية التي ضمها معجم لسان العرب المؤلف في القرن الثامن الهجري قد أخذت من معاجم سبق تأليفها في مراحل سابقة، و هذه المعاجم بدورها أخذت مادتها من الرسائل اللغوية التي أسفرت عنها معركة جمع اللغة في البادية منذ أواخر القرن الهجري الأول و أوائل القرن الهجري الثاني ثم على امتداد القرن الثالث كله ، ومن ثم فمادة اللسان مادة بدوية تمثل العربية وهي في داخل الجزيرة وقبل انتشارها مع المسلمين عقب الفتح الإسلامي. خ ح ص 189-190
ملاحظة : هذا الرمز (خ ح ) أينما ورد يعني : خليل حلمي

4- معجم دوزي : يزيد إلى المعاجم القديمة ألفاظ الحضارة الإسلامية التي دخلت العربية بعد الفتح ترجمتهم للعلوم والمعارف المختلفة والتي اعتبرتها المعاجم القديمة من المولد فأهملتها .
خ ح ص 191 - دوزي ملحق المعاجم العربية ص 8- ص13

5- المعجم الوسيط يعكس ما أثبت من ألفاظ مولدة ومستخدمة في صورة العربية الحديثة ويحذف كثيرا
من الألفاظ التي ماتت بفعل التطور .. خ ح ص191

6- يرى الدكتور خليل أنه من الضروري وجود مجمع لغوي واحد لوضع مسميات موحدة وخاصة للآلات والأدوات الحديثة على أن نكثر هذه المسميات وتتعدد بتعدد اللهجات والأقطار العربية .. خ ح ص230

7- نتيجة ... يجب أن نفرق بين المصطلحات المولدة والألفاظ العامة... حتى يسهل علينا وضع معجم مستقل لمصطلحات كل علم من العلوم بعد ذلك .. خ ح ص 239

8- من حصيلة هذين المصدرين [قراءة المعاجم الغربية القديمة ومعاجم المصطلحات قراءة دقيقة والاتجاه إلى النصوص الأدبية و التاريخية و العلمية في التراث العربي وحديثا على أن نقسم النصوص تاريخيا ...] يمكن ترتيب هذه المادة اللغوية واستكمال المعجم المنشود للألفاظ المولدة .. خ ح ص 239

9- خصص الرازي المتوفي 322 لهذا اللون من الألفاظ التي جاء بها الإسلام معجما كاملا سماه كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية .. خ. المولد بعد الإسلام ص67 - الزينة ج1 ص6.

10- شهدت هذه الفترة ( عصر النهضة ) حركة التأليف في المعاجم اللغوية التي كانت قد توقفت منذ أن أخرج الزبيدي (ت 1205) معجمه تاج العروس فظهر أول معجم عربي حديث هو محيط المحيط لبطرس البستاني 1866 تبعه بقطر المحيط وهو مختصر لهذا المعجم ثم ظهر أقرب الموارد 1889. ثم معجم الطالب لجرجس همام الشويري 1907 ثم المنجد 1908 للأب لويس المعلوف.
وقد اعتنت هذه المعاجم جميعا بالمصطلحات و الألفاظ المولدة و أكثر من فعل ذلك بطرس البستاني في محيط المحيط .. خ ح ص46

11- وشهدت هذه المرحلة (عصر النهضة) ظهور مجموعة من المعاجم العلمية من أشهرها معجم الدكتور محمد شريف بالانجليزية والعربية في العلوم الطبيعية والكيمياء والطبيعة والنبات ومعجم الحيوان والمعجم الفلكي لامين المعلوف ومعجم أسماء النباتات للدكتور احمد عيسى ومعجم الألفاظ الزراعية للأمير مصطفى الشهابي كما نشرت صحف ومجلات هذه المرحلة بحوثا في الكثير من المصطلحات العلمية والمعربة. ح خ ص55 .. مصطفى الشهابي- المصطلحات العلمية.


12- ولسد هذا النقص وضع مصطفى الشهابي معجمه في الألفاظ الزراعية في الزراعة العامة والبساتين و يضم هذا المعجم حوالي عشرة آلاف مصطلح كان للمولد نصيب كبير فيها.

والغرض من هذا المعجم أن يجد العلماء و الأدباء و أساتذة الجامعات و المدارس الزراعية والثانوية وأرباب الزراعة و المتأدبون أصلح الكلمات العربية التي يمكن استعمالها في زبدة العلوم الزراعية الحديثة و في زبدة علوم المواليد من نبات وحيوان و جماد.
.. ح خ ص119 - الشهابي معجم الألفاظ الزراعية- المقدمة- ص2.

13- ولذلك فكر الكرملي في وضع معجم لسد هذا النقص في مفردات العربية يذكر فيه ما أغفلته المعاجم من الألفاظ و سمى معجمه هذا ذيل لسان العرب ثم عدل عن هذه النسبة و أطلق عليه (المساعد)
.. ح خ 87 و ما بعدها
مجلة لغة العرب 7/883 نقلا عن د. إبراهيم - الأب انستاس الكرملي و آراؤه اللغوية ص111.

14- وقد نتج عن هذه القطيعة إسقاط ألاف من الألفاظ – المصطلحات من المعجم العربي العام، وقد اقتفى المحدثون إلا من رزقه الله التسامح – أثار اللغويين القدماء في هذه القطيعة فكانت المعاجم العامة الحديثة – في الغالب – صورا مشذبة متفرعة من المعاجم القديمة .
دراسات في المعجم العربي - إبراهيم مراد ص5

15- ظهر في اللغة العربية خلافا لبقية لغات العالم الحية – مستويان مستقلان منفصلان للرصيد المعجمي العربي – توقيفي ومنظور وقد حظي الأول بالتدوين وهمش الثاني. وتهميش هذا المستوى قد أحدث في المعجم العربي انفصاما بين مستويات اللغة.
دراسات في المعجم العربي - إبراهيم مراد ص8

16- معجم العين للفراهيدي (ت175-791) في اللغة العامة
- في أواخر القرن الثاني و بداية الثالث ظهرت مؤلفات معجمية كثيرة و لكنها لم تكن معاجم حقيقية ومعظمها إما في غريب القرآن و الحديث أو في مظاهر لغوية معجمية مثل الأضداد والمعلقات هو في صفات الإبداع و هي الأكثر عددا لهذه المعاجم مثل: الرسائل في المطر واللبن .....والنبات وخلق الانسان ، أو أكثر المعجميين المؤلفين لهذه المعاجم .

- النضر بن شميل (203-818م) - قطرب بن المستنير (206-821) وأبو عبيدة معمر بن المثنى (210-825) و أبو زيد الأنصاري (215-830) وأبو سعيد عبد الملك الأصمعي (214-828) وأبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (223-839) وكتاب الغريب المصنف أهم مدونة معجمية بعد كتاب العين، وقد رتب فيه الألفاظ اللغوية التي جمعت من المؤلفات السابقة بحسب مجالاتها ..
دراسات في المعجم العربي – بن مراد ص9

17- في النصف الأول من القرن الثالث ظهر في اللغة العربية معجمان علميان مختصان إلا أنهما ليسا من وضع علماء عرب بل هما معجمان مترجمان من اللغة اليونانية هما:

1- معجم المقالات الخمس من القرن الأول الميلادي أو كتاب [الحشاشين] للعالم اليوناني ديوسفيريدس العين زربي من القرن الأول الميلادي، من نقل اسطفن بن بسيل (من القرن الثالث) وإصلاح حنين إسحاق (260-873م))
2- كتاب الأدوية المفردة للعالم اليوناني جالينوس البرغامي 199م. من نقل حنين بن إسحاق.
- وآخر كتاب عربي ألف في الأدوية المفردة على طريقة القدامى هو[كشف الرموز] لعبد الرزاق بن حمّادوش الجزائري المتوفي (1168ه – 1754م)
- كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري (282/895)
- الرحلة المشرقية لأبي العباس النباتي الاشبيلي (637-1239) وهو معجم في النبات.
- معجم البلدان لياقوت الحموي (ت620-1229م)
- كشاف اصطلاحات الفنون لمحمد بن علي التهانوي الذي انتهى من تأليفه (1158-1745) .. دراسات في المعجم العربي ص9 وما بعدها

18- أول معجم علمي مختص يؤلف في اللغة العربية هو كتاب الأدوية المفردة لإسحق بن عمران بالقيروان وهو مفقود... وقد أخذ منه ابن البيطار في كتابه الجامع في النبات و المداواة 22 مفردة وفي النبات 30
دراسات في المعجم العربي ص13.

19- لسان العرب لابن منظور [جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرّم ابن منظور (630هـ-711ه) (1232م- 1311) في مستوى الجمع كان تابعا لأعمال سابقيه لأنه لم يتسع إلى استيعاب الرصيد المعجمي العربي كله، من مختلف مظانه، بل تعمد الانحصار في خمسة مصادر فضلها على كل ماعداها واعتبرها كافية وهي:

- التهذيب للأزهري (ت370 ه /980 م)، الصحاح للجوهري (ت393ه/1003م) والمحكم لابن سيدة (ت458ه/1066م) والحواشي لابن بري(ت582 ه/1187م) والنهاية لابن الاثير(ت606ه / 1210م).

ومن مزايا هذه المصادر أنها:

* تنتمي إلى عصور مختلفة، ما بين النصف الأول من القرن الرابع إلى نهاية القرن السادس الهجريين
* كما تنتمي إلى بيئات مختلفة.
* ومن حيث الاختصاص تنتمي تلك المصادر إلى مجالي المعجمية وعلم الحديث (ابن الأثير)
ـ كانت غاية ابن منظور استيعاب لسان العرب و الإحاطة به.
- ومن منهجيته أنه لم يكن يتقيد بالنقل الحرفي دائما عن مصادره فكان ذا موقف و منهج في الأخذ فكانت مدونته معبرة عن شخصيته العلمية.
- كان موقفه متحيزا ضد العجمة و ذلك دفاعا عن العربية التي كانت في حالة جزر. حيث فشت العجمة و استفحلت .
- أفقد العجمة ألفاظا كثيرة. حيث دون مداخل أعجمية كثيرة و لكنه اعتبرها عربية خالصة ولم يشر إلى عجمتها مثل البوارج و الابريز و الأنزيم و بندق و البستان .......... و البطيخ.
- اعتمد في اثبات العجمة لبعض الألفاظ على أراء عدد كبير من العلماء.
- اقتصر في أخذ المقترضات اللغوية على إثبات ما اعترف به أئمة اللغة من المقترضات و دونوه في متونهم و خاصة المعرب العلمي.
- كان يخضع الأعجمي لجذور عربية فوضع الإستبرق تحت برق كما اشتق جذور وهمية من ألفاظ أعجمية مثل بطرك الذي وضع للبطريك.
- أطلق مصطلحات مختلفة على الأعجمي مثل (المعرب – الدخيل – الأعجمي – المولد.......)
ونسب الأعجمي إلى لغات مختلفة مثل (الفارسية – النبطية- العبرانية (البعير) – الرومية وأهمل كثيرا من نسبة الألفاظ إلى لغاتها.
دراسات في المعجم العربي 157 إلى 191 - لسان العرب لابن منظور.

20- من الكتب ذات الأهمية التي اعتمدها المعجميون العرب في تعريف المادة النباتية (كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري).
دراسات في المعجم العربي ص182

21- مستدرك دوزي : دوزي هو المستشرق الهولندي رينحارت دوزي المتوفي 1883 و هو مجمع لمستدركات متعددة لخصها في المستدرك على المعاجم العربية – صدرت طبعته الأولى في لندن 1881.
- جمع مادته من المصادر التي استقرأها و التي بلغت 450 مصدرا ينتمي معظمها إلى ما بين القرن الرابع و العاشر الهجريين.
- حاول تدوين المولد و المستحدث من الألفاظ و العبارات الجديدة التي طرأت في مختلف الأعصار الإسلامية، خلافا لمن سبقوه الذين اكتفوا بتدوين الفصيح فقط في حدود الجزيرة العربية و بعض التخوم ونهاية عصر الاحتجاج (ق 3 ه)
- ومع ذلك فكان في مدونة دوزي بعض مصادر النقص إذ لم يستقرأ كل المصادر و خاصة التي كانت قبل عصر الاحتجاج مع وجود مؤلفات كثيرة في العلوم و خاصة في القرن الثالث وفيها ألفاظ لم تدون في المعاجم العربية.
- رتب معجمه ألفبائيا بحسب الجذور معراة من الزوائد (و هذا من السلبيات).
- كان معجم دوزي ثنائي (عربي / فرنسي) اللفظ بالعربي و الشرح بالفرنسي.
- كان لديه في كثير من الأحيان ظاهرة الحشو بتكرار تعاريف بعض المداخل و خاصة المركبة.
- كان المدخل المركب تارة حسب الجزء الأول و تارة حسب الثاني و أخرى حسب
- يعتبر معجم دوزي أول معجم يقر بلغة الأمصار الإسلامية من دور في إثراء اللغة العربية
وينطلق من مبدأ أن الفصاحة فصاحات.
دراسات في المعجم العربي ص199 وما بعدها

22- كتاب الجامع لابن البيطار ومعالجة المصطلح النباتي والصيدلي :
ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المعروف بالعشاب و النباتي ولد في مالقة بالأندلس في النصف الثاني من القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) و توفي في دمشق 646/ 1248م

أهم كتبه التي وصلت:

- المغني من الأدوية المفردة
- تفسير كتاب دياسفاريدوس
- الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخلل والأوهام.
- الجامع لمفردات الأغذية للأدوية.
- المصطلحات النباتية والصيدلية: احتوى كتاب الجامع على 3000 مصطلح علمي منها القديم ومنها الحديث الذي اختص به ابن البيطار.

واعتمد في منهجه على 1- استقراء المصادر القديمة. 2- البحث الميداني. 3- اعتماد المخبرين.

وجد في الاقتراض اللغوي وسيلة هامة لانماء معجمه اللغوي وتوسيعه إذ يلاحظ تفتح المؤلف على معجم اللهجات العامية في عصره و على معجم اللغات الأعجمية فقام بدور العالم المصطلحي والمعجمي، كان يكتب المصطلح حسب نطقه بلغته الأم فبدأ بالساكن مثل (سطوبي )
إن عمل ابن البيطار العلمي والمعجمي منهج يحتذى به وطريقة لا تزال صالحة.
دراسات في المعجم العربي 271 – 293 - ابن بيطار – الجامع – 1/3 و 3/14

23- أهم المعاجم المتخصصة في العصر الحديث ( خلال القرن العشرين ) :

1- معجم العلوم الطبية و الطبيعية لمحمد شرف الصادر في القاهرة 1926
2- معجم أسماء النبات لأحمد عيسى الصادر في القاهرة 1930 (لاتيني- فرنسي – انجليزي عربي).
3- معجم الحيوان لأمين المعلوف الصادر في القاهرة 1932.
4- معجم الألفاظ الزراعية للأمير مصطفى الشهابي دمشق 1943 (فرنسي – عربي)
5- معجم المصطلحات الطبية الكثير اللغات الذي صدر في دمشق 1956 للأساتذة مرشد خاطر – أحمد حمدي الخياط – محمد صلاح الدين الكواكبي.
6- مجموعة المصطلحات العلمية و الفنية الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة في ستة أجزاء بين 957 و 964
7- الموسوعة في علوم الطبيعة لادوارد غالب الصادر في بيروت 965 – ثلاثة أجزاء.
8- المعجم الطبي الموحد الصادر في بغداد 1973عن اتحاد الأطباء العرب.
9- المعجم الموحد للمصطلحات العلمية في مراحل التعليم العام الصادر عن المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم ممثلة في مكتب تنسيق التعريب بالرباط في دمشق . وبغداد بين-1976 ـ1978 في ستة أجزاء هي الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الحيوان، النبات، الجيولوجيا.
والسمة الأساسية في كل هذه المعاجم المتخصصة هي الترجمة، فهي جميعا ثنائية اللغة
أو متعددة اللغات.
وقد رتبت مداخلها المعجمية على حروف المعجم الأعجمية عدا الموسوعة في علوم الطبيعة.
دراسات في المعجم العربي ص295.

24 - معجم مصطلحات علم النبات دمشق 1978 – عدد مداخله الأصلية 4237 مادة.
- اعتبرت في ترتيب مداخله المصطلحات الانجليزية أصولا ثم اتبعت بالفرنسية و قوبلت جميعها بالعربية.
- وكان ترتيب المعجم من حيث الصفات عربيا (من اليسار إلى اليمين) خاص بقسم النبات.
- هذا المعجم مؤهل لأن يكون أحسن ما ألف المحدثون في مصطلحات علم النبات وذلك لتوفر أربع خصائص:

أ- لأنه تتويج للأبحاث العربية في علم النبات.
ب- لأنه ثمرة عمل جماعي و مر بثلاث مراحل – فقد أعد مادته الأولى مكتب تنسيق التعريب، ثم أعادت النظر فيه لجنة علمية في الجزائر 1973 ، ثم أعادت مراجعته لجنة علمية متخصصة 1974.
ج- انه معجم موحد بمعنى أن تحظى مصطلحا ته بنوع من الإجماع العربي.
د- انه موجه إلى جمهور التعليم العام.
المعجم الموحد - دراسات في المعجم 295 إلى 298.

25- ومع المزايا الايجابية فان معجم النبات لا يخلو من بعض السلبيات مثل:

1- أنه خال من التعريف ويكتفي بذكر المقابل العربي فيعرف المصطلح بمصطلح آخر وكأنه معجم لغة عامة مع أنه معجم مصطلحات علمية
2- هناك نوع من التسيب المنهجي في وضع المصطلحات ومن مظاهر ذلك عدم التقيد بمنهج دقيق في معالجة السوابق و اللواحق كترجمة اللاحقة oide ذات الأصل اليوناني بست طرق مختلفة، والاضطراب في تعريب الأصوات الأعجمية مثل v. G بالإضافة إلى تحريف مصطلحات عربية كانت اللغة اللاتينية قد اقترضتها في القرون الوسطى مثل مصطلح سماق الذي جاءت محرفة سماك.
هذا بالإضافة إلى القطيعة بين واضعي هذا المعجم والعلماء السابقين من القدماء والمحدثين
دراسات في المعجم العربي ص299-203

26- من ناحية أخرى يلاحظ تزايد ظهور المعاجم الفنية التخصصية في كثير من مجالات العلوم بفضل جهود مؤسسات التعريب ومجامع اللغة العربية في عدة أقطار عربية في المشرق والمغرب.
تجديد النهضة باكتساب الذات وتقدمها - محمد جابر الأنصاري

27- من المعاجم الحديثة : الجاسوس على القاموس لأحمد فارس الشدياق (1804-1887 ينتقد فيه القاموس المحيط للفيروز أبادي.
كنز الرغائب 1/205 - خ ح 75

29- البرقيات لأحمد تيمور (1871-1930) وهو معجم صغير كان هدفه احياء بعض الكلمات العربية القديمة - خ ح ص101.

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 02:15 PM
الترادف


إن كثيرا مما قيل عن المشترك يقال عن الترادف و لكن في وضع معكوس بالنسبة للمفهوم .
فالترادف لغة هو التتابع ، وهو مصدر ترادف الذي يدل على الحدث دون الدلالة على الزمان وهذا المصدر مادته ردف الذي يدخل ضمن دلالتها الدلالة على التبعية و الخلافة ومن ذلك الردف الراكب خلف الراكب التابع . ( ينظر : فريد عوض حيدر ، كتاب علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية ، كلية دار العلوم جامعة القاهرة ، فرع الفيوم )
- رَدَفَه ورَدف له رَدْفًا تبعه وركب خلفه وصار له .
- وكل ما تبع شيئا فهو ردْفُه .
- ترادفت الكلمات تشابهت في المعنى .

وأما اصطلاحا فالمترادف هو ما اختلف لفظه واتفق معناه أو هو إطلاق عدة كلمات على مدلول واحد كالأسد و السبع و الليث التي تعني مسمى واحدا
- وهو أيضا كما عرفه الإمام الرازي : الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد. على أية حال فالترادف هو من مجالات دراسة المعنى، إذ أن لفظين أو عدد من الألفاظ تحمل دلالة واحدة أو تدل على معنى واحد أو متقارب بوجود بعض الفروق كما سيتبين .

• موقف الباحثين من ظاهرة الترادف في العربية :

لقد ظهر الخلاف بين القدامى كما ظهر بين المحدثين العرب والغربيين حول ظاهرة الترادف بين معترف بوجودها ومنكر لذلك.

ولقد تعرض كثير من الدارسين لهذه الظاهرة من وجهة نظر القدامى ولكن قل منهم من تناولها من وجهة النظر اللغوية الحديثة، ورأينا أن نتعرض أولا إلى موقف القدامى من هذه الظاهرة ثم نتعرض بعدها لموقف المحدثين منها.

• موقف القدامى من الترادف :

اختلف اللغويون العرب القدامى اختلاف واسعا في إثبات هذه الظاهرة أو إنكار وجودها في اللغة العربية حيث كانت هذه الظاهرة إحدى القضايا التي تناولها الباحثون واللغويون القدامى.

• الفريق الأول :

يثبت الترادف ويغالي في إثباته ويتوسع فيه ومن هؤلاء ابن خالويه ( ت 370 هـ ) ويظهر رأيه من خلال تلك الرواية التي تذكر الخلاف الذي وقع بينه وبين أبي علي الفارسي حول أسماء السيف. وتعد هذه الرواية من أشهر الروايات حول الخلاف في ظاهرة الترادف في العربية ، حيث يروى أن أبا علي الفارسي قال " كنت بمجلس سيف الدولة بحلب وبحضرة جماعة من أهل اللغة ومنهم ابن خالويه فقال ابن خالويه أحفظ للسيف خمسين اسما فتبسم أبو علي الفارسي وقال : ما أحفظ له إلا اسما واحدا وهو السيف .
قال ابن خالويه : فأين المهند و الصارم وكذا وكذا ، فقال أبو علي هذه صفات.

- تدل هذه الحادثة على أن ابن خالويه يثبت ظاهرة الترادف وأبو علي الفارسي ينكرها.
- ولقد ألف ابن خالويه كتابين في الترادف أحدهما في أسماء الأسد و الثاني في أسماء الحية.
ومن الذين أثبتوا الترادف أيضا مجد الدين الفيروزبادي صاحب القاموس المحيط الذي ألف كتابا في الترادف[ أسماه الروض المسلوف فيما له أسمان إلى ألوف ] .

ومن هذا الفريق أيضا ابن جني حيث عبر عن ذلك في باب في استعمال الحروف بعضها مكان بعض واستدل على ذلك بوقوع الترادف فقال " وجدت في اللغة من هذا الفن شيئا كثيرا لا يكاد يحاط به "
وفيه موضع يشهد على من أنكر أن يكون في اللغة لفظتان بمعنى واحد من تكلف لذلك أن يوجد فرقا بين قعد وجلس وبين ذراع وساعد . ( ينظر فريد عوض حيدر ،علم الدلالة . دراسة نظرية تطبيقية ، مكتبة النهضة المصرية ص121)

• الفريق الثاني :

وهو الذي ينكر الترادف ويرفضه رفضا تاما ومن هؤلاء أبو علي الفارسي وذلك لما كان بمجلس سيف الدولة وكان بحضرة المجلس ابن خالويه عندما رد عليه كما ذكر آنفا .

وكذلك كان أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي وأبو العباس أحمد بن يحي ثعلب وأبو محمد عبد الله بن جعفر درستويه .

قال ابن درستويه : كذلك ذهب ابن فارس مذهب معلمه ثعلب فأنكر وقوع الترادف قائلا : " ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو السيف و المهند و الحسام و الذي نقوله في هذا أن الاسم واحد هو السيف وما بعده من الألقاب صفات ( ينظر إميل بديع يعقوب . فقه اللغة العربية وخصائصها ص177) .

ومن المنكرين أيضا للترادف أبو هلال العسكري ( توفى سنة 395 هـ ) حيث قال : "فأما في لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظ و المعنى واحد، كما ظن كثير من النحويين واللغويين ، وهو يقول أيضا : "الشاهد على أن اختلاف العبارات و الأسماء يوجب اختلاف المعاني أن الاسم كلمة تدل على المعنى دلالة الإشارة، وإذا أشير إلى الشيء مرة واحدة فإن معرفة الإشارة إليه ثانية وثالثة غير مفيدة ويؤيد ذلك ثعلب الذي يرى أن ما يظن من المترادفات هو من المتباينات ، كما يرى ابن فارس أن كل صفة من الصفات لها معنى خاص فالأفعال "مضى ، ذهب ، انطلق ، ليست بمعنى واحد "

ورغم أن أبا هلال العسكري كان من هذا الفريق الرافض للترادف المبالغ في رفضه في كتابه الفروق غير أنه في كتابين آخرين له نسي هذا المبدأ الألفاظ المترادفة بلا اعتراض عليها أو محاولة التفريق بينها.

ويبدو أن كلا من الفريقين أسرف فيما ذهب إليه فالأول أسرف في إثبات الظاهرة والثاني أسرف في البحث عن الفروق الدلالية بين الألفاظ

أما الباحثون المحدثون فيمكن إيجاز موقفهم فيما يلي :

أولا : المثبتون للترادف من العرب المحدثين :

يجمع المحدثون من علماء اللغات على إمكان وقوع الترادف في أي لغة من لغات البشر بل إن الواقع المشاهد أن كل لغة تشمل على بعض تلك الكلمات المترادفة، ولكنهم يشترطون شروطا معينة لا بد من تحققها حتى يمكن أن يقال أن بين الكلمتين ترادفا وهذه الشروط هي :

1 - الاتفاق في المعنى بين الكلمتين اتفاقا تاما على الأقل في ذهن الكثرة الغالبة لأفراد البيئة الواحدة … فإذا تبين لنا بدليل قوي أن العربي كان حقا يفهم من الكلمة جلس شيئا لا يستفيده من كلمة قعد قلنا حينئذ ليس بينهما ترادف .

2 - الاتحاد في البيئة اللغوية أي أن تكون الكلمتان تنتميان إلى لهجة واحدة ومجموعة منسجمة من اللهجات وبذلك يجب ألا نلتمس الترادف من لهجات العرب المتباينة فالترادف بمعناه الدقيق هو أن يكون للرجل الواحد في البيئة الواحدة الحرية في استعمال كلمتين أو أكثر في معنى واحد يختار هذه حينا ويختار تلك حينا آخر وفي كلتا الحالتين لا يكاد يشعر بفرق بينهما إلا بمقدار ما يسمح به مجال القول (ينظر إبراهيم أنيس في اللهجات العربية ص177)

ولم يتفطن المغالون في الترادف إلى مثل هذا الشرط بل اعتبروا كل اللهجات وحدة متماسكة وعدوا كل الجزيرة العربية بيئة واحدة. ولكنا نعتبر اللغة النموذجية الأدبية بيئة واحدة ونعتبر كل لهجة أو مجموعة منسجمة من اللهجات بيئة واحدة

3 - الاتحاد في العصر فالمحدثون حين ينظرون إلى المترادفات ينظرون إليها في عهد خاص وزمن معين وهي تلك النظرة التي يعبرون عنها بالنظرة الوصفية لا تلك النظرة التاريخية التي تتبع الكلمات المستعملة في عصور مختلفة ثم تتخذ منها مترادفات
فإذا طبقت هذه الشروط على اللغة العربية اتضح لنا أن الترادف لا يكاد يوجد في اللهجات العربية القديمة، إنما يمكن أن يلتمس في اللغة النموذجية الأدبية .

أما المنكرون للترادف من المحدثين العرب فمنهم الدكتور السيد خليل والدكتور محمود فهمي حجازي وله رأي معتدل حيث يقول : يندر أن تكون هناك كلمات تتفق في ظلال معانيها اتفاقا كاملا ومن الممكن أن تتقارب الدلالات لا أكثر ولا أقل …

وأما المحدثون الغربيون فقد عرّفوا الترادف بأنه الحالة التي يكون فيها لصيغتين أو أكثر المعنى نفسه ، ومن أول المنكرين للترادف من الغربيين أرسطو " ويبدو ذلك من النص الذي نقله الدكتور إبراهيم سلامة من كتاب الخطابة لأرسطو حيث يقول : وكذلك الكلمة يمكن مقارنتها بالكلمة الأخرى ويختلف معنى كل منهما

ومن الذين أنكروا وجود الترادف من علماء اللغة الغربيين المحدثين " بلومفيلد " حيث يقول ليس هناك ترادف حقيقي .

وبعد النظر في هذه المواقف و الآراء المختلفة لدى الباحثين القدامى و المحدثين العرب والغربيين نرى أنه من التعسف الشديد إنكار وجود الترادف في العربية وإيجاد معنى لكل اسم من أسماء الأسد أو السيف ، وغيرها مختلف عن غيره في بعض الصفات أو التفاصيل

فالترادف ظاهرة لغوية طبيعية في كل لغة نشأت من عدة لهجات متباينة في المفردات والدلالة ،وليس من الطبيعي أن تسمي كل القبائل العربية الشيء الواحد باسم واحد وعليه نرى أن الترادف واقع في اللغة العربية الفصحى التي كانت مشتركة بين قبائل العرب في الجاهلية وكان من الطبيعي أن نقع على بعض الكلمات في القرآن الكريم لنزوله بهذه اللغة المشتركة (ينظر اميل بديع يعقوب، فقه اللغة العربية و خصائصها ص 175)

ولا بأس أن نذكر أو نذكّر أخيرا بأن هناك رأيا ظل سائدا قديما وحديثا وهو أن لا ترادف في العربية وأن هناك فروقا بين المعاني للألفاظ التي تبدو مترادفة ذكرها العلماء في مؤلفاتهم وأوردوا لها أمثلة ،من ذلك ما جاء في كتاب فقه اللغة للثعالبي (ارجع إلى هذا الكتاب) فهو يرى أن هزال الرجل على مراحل ، فالرجل هزيل ثم أعجف ثم ضامر ثم ناحل .

وقد يدل على درجات الحالات النفسية المتفاوتة ، فالهلع أشد من الفزع ، والبث أشد من الحزن ، والنصب أشد من التعب و الحسرة أشد من الندامة .

كما أورد أبو هلال العسكري في كتابه الفروق في اللغة ( ارجع إلى هذا الكتاب) أمثلة كثيرة ومتنوعة لهذه الفروق نذكر منها قوله :

- الفرق بين الصفة و النعت : أن النعت لما يتغير من الصفات، و الصفة لما يتغير ولا يتغير.
- والفرق بين اللذة و الشهوة : أن الشهوة توقان النفس إلى ما يلذ، و اللذة ما تاقت إليه النفس .
- الفرق بين الغضب والغيظ و السخط والاشتياط : أن الغضب يكون على الآخرين وليس على النفس ، و الغيظ يكون من النفس ، و السخط هو الغضب من الكبير على الصغير وليس العكس ، أما الاشتياط: فهو تلك الخفة التي تلحق الإنسان عند الغضب

- الفرق بين القد و القط : أن القد الشق طولا و القط هو الشق عرضا

- الفرق بين البخل و الشح : أن الشح هو بإضافة الحرص على البخل أي البخيل يبخل على الآخرين أما الشحيح فهو يبخل على الآخرين وعلى نفسه

- الفرق بين السرعة والعجلة: أن السرعة التقدم فيما ينبغي وهي محمودة، ونقيضها الإبطاء وهو مذموم
والعجلة : التقدم فيما لا ينبغي ونقيضها الأناة، و الأناة محمودة ( في التأني السلامة و في العجلة الندامة )
- الفرق بين الفوز و النجاة: أن النجاة هي الخلاص من المكروه، والفوز هو الخلاص من المكروه و الوصول إلى المحبوب

ويمكن تلخيص أهم أسباب الترادف حسب رأي الباحثين بما يلي (وهذا يخص اللغة العربية دون غيرها)

1 - انتقال كثير من مفردات اللهجات العربية إلى لهجة قريش بفعل طول الاحتكاك بينهما وكان بين هذه المفردات كثير من الألفاظ التي لم تكن قريش بحاجة إليها لوجود نظائرها في لغتها مما أدى إلى نشوء الترادف في الأوصاف و الأسماء و الصيغ .

2 - أخذ واضعي المعجمات عن لهجات قبائل متعددة كانت مختلفة في بعض مظاهر المفردات، فكان من جراء ذلك أن اشتملت المعجمات على مفردات غير مستخدمة في لغة قريش ويوجد لمعظمها مترادفات في متن هذه اللغة .

3 - تدوين واضعي المعجمات كلمات كثيرة كانت مهجورة في الاستعمال ومستبدلاتها ( مفردات أخرى).

4 - عدم تمييز واضعي المعجمات بين المعنى الحقيقي و المعنى المجازي فكثير من المترادفات لم توضع في الأصل لمعانيها بل كانت تستخدم في هذه المعاني استخداما مجازيا (ينظر اميل بديع يعقوب، فقه اللغة العربية و خصائصها ص 177) .

5 - انتقال كثير من نعوت المسمى الواحد من معنى النعت إلى معنى الاسم الذي تصفه فالمهند
و الحسام و اليماني من أسماء السيف يدل كل منها على وصف خاص للسيف مغاير لما يدل عليه الآخر .

6 - إن كثيرا من المترادفات ليس في الحقيقة كذلك، بل يدل كل منها على حالة خاصة من المدلول تختلف بعض الاختلاف عن الحالة التي يدل عليها غيره، فقد يعبر كل منها عن حالة خاصة للنظر تختلف عن الحالات التي تدل عليها الألفاظ الأخرى ف(رمق ) يدل على النظر بمجامع العين و"لحظ " على النظر من جانب الأذن و " حَدَجه " معناه رماه ببصره مع حدة و"شفن" يدل على نظر المتعجب الكاره و"رنا" يفيد إدامة النظر في سكون وهكذا ...

7 - انتقال كثير من الألفاظ السامية و المولدة و الموضوعة و المشكوك في عربيتها إلى العربية وكان لكثير من هذه الألفاظ نظائر في متن العربية

8 - كثرة التصحيف في الكتب العربية القديمة وبخاصة عند ما كان الخط العربي مجردا من الإعجام و الشكل (نفسه ص176/177)

9 - تعدد الواضع أو توسع دائرة التعبير وتكثير وسائله، وهو المسمى عند أهل البيان بالافتنان
أو تسهيل مجال النظم و النثر وأنواع البديع، فإنه قد يصلح أحد اللفظين المترادفين للقافية أو الوزن أو السجع دون الآخر وقد يحصل التحسين والتقابل و المطابقة ونحو ذلك بهذا دون الآخر

10 - استخدام دلالات متعددة للمدلول الواحد على سبيل المجاز

11 - أصل الحدث أي الفعل الذي يقع في محدث ما يقع من غيره . فيرمز الأول باسم غير الثاني فالهمس .

مثلا من الإنسان، و الهيس أيضا صوت أخفاف الإبل . والهسهسة عام في كل شيء . وقد يكون الحدث واحدا في الحالات المختلفة ، فالخرير صوت الماء الجاري أما إذا كان تحت ورق فهو قسيب ، فإذا دخل في مضيق فهو فقيق ،فإذا تردد في جرة فهو بقبقة

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 02:16 PM
العلاقات الدلالية


مما لا شك فيه أن الأصل أن يكون لكل لفظ ( كلمة ) دلالة ( معنى ) واحدة محددة ، ولكن كما لاحظنا عند حديثنا عن تطور الدلالة أن الدلالات تتغير وتنتقل ، وتتشابك بحيث أنه قد تجتمع عدة دلالات على اللفظ الواحد، حتى تلك الدلالات التي تبدو متباعدة المجالات ، وقد تصل إلى درجة التضاد الذي يوحي بعدم منطقية اللغة، كما أن حركية الدلالات قد تجعل عددا من الألفاظ لها جميعها دلالة واحدة. ومن هنا ظهر في اللغة ما يسمى بظواهر : الترادف ، والاشتراك ، والتضاد ...

إن هذه الظواهر ظاهرة عامة في كل اللغات ، وان هناك من يرى أنها في العربية أكثر ظهورا حتى عدت من خصائص العربية [مع شيء من التحفظ].

وأن البحث الدلالي يقتضي الوقوف عند هذه الظواهر التي تتعلق بالمستوى الدلالي للغة. إنما سنحاول

– هنا – الإيجاز قدر الإمكان لأن هذه الموضوعات تدرس أيضا في سياق دراسة فقه اللغة. وسيكون اهتمامنا منصبا على هذه الظواهر في اللغة العربية لاسيما فيما نسوقه من أمثلة.


المشترك اللفظي :
اهتم القدماء من علماء العربية بهذه الظاهرة و كانت هناك مؤلفات عديدة لمعالجتها سواء فيما يتعلق بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف أو اللغة العربية بشكل عام.
ووصل إلينا عدد من العناوين مثل ( الأشباه و النظائر ) ،أو ( الوجوه والنظائر ) ، أو عنوان ( ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد ) للمبرد.

وربما كان من أشهر المؤلفات القديمة في هذا الموضوع هو الذي وضعه كراع ( علي بن حسن الهنائي ت 310هـ ) الذي عنوانه ( المنجد في اللغة ).
و بشكل عام كان تعريف المشترك هو ( ما اتفق لفظه و اختلف معناه ) أو بعبارة أخرى ( اتحاد الصورة واختلاف المعنى ) ، وقد ذكر سيبويه في ( الكتاب ) ذلك فقال "اعلم أن من كلامهم اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين) (ينظر الكتاب ج/1 ص 7).

وقد كان هناك من القدماء من ضيّق مفهوم المشترك حتى كاد أن ينكر وقوعه مثل ( ابن درستويه )، وهناك من أكد وجوده و ربما بالغ في ذلك مثل ابن فارس و ابن خالويه وهناك منهم من اعتدل فلم ينكر و لم يبالغ بل أقرّ بأن هناك بعض المشترك اللفظي في اللغة، إذ أن ذلك لا ينافي المنطق بل أنه قد يكون سنة لغوية إن لم يكن ضرورة ، ولا يقتصر وجوده على العربية بل هو في كل اللغات، والشواهد على ذلك كثيرة.


وفيما يروى من الشواهد في ذلك قول الشاعر:

يا ويح قلبي من دواعي الهوى
إذا رحل الجيران عند الغروب

اتبعتهم طرفي وقد أزمعوا
ودمع عيني كفيض الغروب

كانوا وفيهم طفلة حرة
تفتر عن مثل أقاصي الغروب


فالغروب الأولى غروب الشمس ، والغروب الثانية جمع غرب ، وهو الدلو الكبيرة المملوءة والثالثة جمع غرب وهي الوهاد المنخفضة (المزهر ج/1/381).

وقد عزا اللغويون وقوع المشترك إلى عدد من الأسباب من أهمها:

1- تداخل اللهجات
2- التطور الصوتي لبعض الكلمات حتى تتطابق لفظتان في لفظة تدل على المعنيين لكل منهما أو يحدث فيهما أو في أحدهما قلب مكاني .
3- التطور المعنوي أي تغيير المعنى عن طريق المشابهة والاستعارة والمجاز. من ذلك توسيع المعنى، أو تضييقه أو السببية فكلمة ( الإثم ) كان معناها الذنب، ثم أصبحت تطلق على الخمر لأنها سبب في الإثم

أما المحدثون فقد بلوروا أنواع المشترك بما يلي:

1- معنى مركزي للفظ تدور في فلكه عدة معان فرعية.
2- تعدد المعنى نتيجة استعمال اللفظ في مواقف مختلفة.
3- دلالة الكلمة الواحدة على أكثر من معنى بسبب تطور المعنى.
4- وجود كلمتين تدل كل واحدة منهما على معنى ثم اتحاد صورتي الكلمتين في كلمة واحدة.

وربما يتقارب النوعان الأول والثاني ، ونمثل لهما بكلمة (عنق) فالمعنى المركزي هو(الرقبة) ومن المعاني الهامشية عنق الزجاجة وعنق الوادي ...

أما النوع الثالث فقد سماه اللغويون ( البوليزيمي ) أو( كلمة واحدة ـ معنى متعدد ) فكلمة ( عملية ) لا يفهم لها معنى محدد منعزلة عن السياق ويحدد لها معنى من المعاني حسب السياق أو الحقل فتكون عملية جراحية أو عسكرية أو اقتصادية

أما النوع الرابع ويسمى ( الهومونيمي ) فيمكن أن يمثل له بكلمة (قال) الفعل الماضي الذي يدل على معنى القول، أو الإقالة ويحدد ذلك صيغة المضارع، قال يقول أو قال يقيل .

وقد يصعب الفصل أحيانا، في التفريق فيما إذا كان لدينا معنى مركزي تدور حوله معان أخرى، أو أن لدينا عدد من المعاني لكلمة واحدة مثال كلمة( يد ) التي ترد في عدد من الاستعمالات:

- كسرت يد فلان
- يد الفأس
- يد الطائر ( جناحه )
- طويل اليد ( سمح جواد أو سارق )
- يد الرجل ( قومه أو أنصاره )

وللملاحظة:
هناك نوعان من المجاز، أو لهما المجاز الحي الذي نشعر به و نلاحظه كقولنا أسد عن الرجل الشجاع و المجاز الميت أو الذي تنوسيت علاقته و انتقاله من الحقيقة فأصبح كأنه حقيقة مثل الكتابة لمعنى النسخ و أصل معناها الجمع، إذ هي جمع للحروف والكلمات

نماذج من المشترك اللفظي من كتب بعض اللغويين القدماء (ينظر أحمد مختار عمرص153)

عن كراع:
العين: مطر يدوم خمسة أيام لا يقلع.
عين كل شيء : خياره
وعين القوم : ربيئتهم الناظر لهم
وعين الرجل : شاهده
والعين : عين الشمس
عن أبي عبيدة:
العين : الذهب
العين : عين الماء
العين : نفس الشيء
العين : النقد
العين : التي يبصر بها
عن أبي العميثل :
العين : النقد من دنانير ودراهم
العين : عين البئر وهو مخرج مائها
والعين : ما عن يمين القبلة
والعين : عين الميزان

وأخيرا هناك من يرى أن المشترك كظاهرة هو مزية ايجابية في اللغة فهو :

1- يعد من خواص الأسلوب و يساعد الأدباء والشعراء في فنهم.
2- أنه يخفف من حفظ الكلمات الكثيرة لجميع المعاني إذ يعبر بكلمة واحدة عن أكثر من معنى . ولكن ذلك ينقضه وجود الترادف

ومن الآثار السلبية للمشترك :
1- ما يؤدي إليه من الغموض و عدم الدقة و تعمية الفهم.


الأضداد


يمكن اعتبار التضاد نوعا من المشترك اللفظي يصل فيه اختلاف المعنى للفظ الواحد إلى درجة الضدية
وتعريفه هو استخدام اللفظ الواحد في معنيين متضادين

وقد اهتم علماء العربية قديما بهذه الظاهرة ووضعوا فيها كثيرا من المؤلفات، من أشهرها:

- الأضداد لابن الانباري (ت 328هـ)
- الأضداد للأصمعي 216 هـ
- الأضداد لابن السكيت 244 هـ

وكما كان بالنسبة للمشترك فقد اختلف العلماء قديما بين مثبت ومنكر ومتوسط
ومن المنكرين ابن درستويه ( 347هـ ) الذي وضع كتابا في إبطال الأضداد، كما فعل بالنسبة للمشترك ، وكذلك الجواليقي.
وكان مما علل به المنكرون موقفهم أن وجود الأضداد ينافي الحكمة، وواضع اللغة لا بد أنه كان حكيما.
أما الذين يقرون بوجود الأضداد فهم كثر منهم :

ابن الانباري ، وابن فارس، الذي قال "وأنكر ناس هذا المذهب، وأن العرب تأتي باسم واحد للشيء وضده ... " ( ينظر الصاحبي ص98 )

على أية حال هناك من توسع في التضاد فأدخل فيه ما ليس منه، وهناك من ضيق فاعتبر أن بعضه لغات وليس من الأضداد

بل هناك من بالغ كثيرا مثل : قطرب وابن الانباري

إبراهيم براهيمي
24-07-2009, 04:17 PM
Introduction à la linguistique: la sémiologie

Plan des notions présentées en sémiologie:
2.0 Définition de la sémiologie
2.1 La boucle de la communication
2.2 Le schéma de la communication de Jakobson
2.3 Les fonctions du langage
2.4 Critique du schéma
2.5 Signe linguistique
2.6 Caractéristiques du signe linguistique
2.7 Distinction signe - indice
2.8 Distinction signe - symbole - icone
2.9 Double articulation du langage
2.10 Commentaire supplémentaire
2.11 Spécificités de la communication humaine
2.12 Principales différences entre la communication humaine et animale
2.13 Exercices sur la sémiologie


2.0 Définition de la sémiologie

La discipline scientifique qui étudie les systèmes de communication se nomme la sémiologie (du grec "semeion", qui signifie "signe"). Comme la définition provenant de la racine hellénique le suggère, ces systèmes de signification sont développés autours de la notion de signe, dont nous parlerons plus bas.

C’est Ferdinand de Saussure, linguiste genevois, qui a été le fondateur européen de la sémiologie. Selon lui, la meilleure façon d'étudier la nature de la langue est d'étudier ses caractéristiques communes avec les autres systèmes de signe. De plus, considérant que la langue sert d’abord et avant tout à communiquer avec ses pairs, il est donc logique, que, dans le but de décrire son fonctionnement, nous fassions des rapprochements plus ou moins nombreux avec les autres systèmes de communication développés par l’homme. Saussure prétend également que la sémiologie devrait avoir pour objet d'étude "la vie des signes au sein de la vie sociale". Les langues naturelles seront donc étudiées en tant que système de communication au même titre que les systèmes de communication des sourds-muets, les rites symboliques, les formes de politesses, la pantomime, la mode, les signaux visuels maritimes, les coutumes, etc.

Les études sémiologiques sont divisées entre deux branches distinctes de la sémiologie: l'une, la sémiologie de la signification (Rolad Barthes et ses disciples), et l'autre la sémiologie de la communication (Luis J. Prieto, Georges Mounin, Jeanne Martinet).

Avant de continuer, une précision terminologique s’impose. Le terme "sémiotique" a été proposé par Charles S. Peirce qui, à la même époque où Saussure tentait de fonder la sémiologie, a tenté aux États-Unis de proposer une théorie générale des signes. Son disciple, Charles Morris, a adopté le même projet qu'il a nommé Sémiotics (publié dans Signs, Langage and Behavior 1946). Ce terme est ensuite pénétré en France pour en venir à désigner un ensemble du domaine sémiologique (la sémiotique du code de la route par exemple). Finalement, en 1969, un comité international qui a donné naissance à l'Association internationale de sémiotique a proposé d'adopter les deux appellations recouvrant toutes les acceptions des deux termes.

Les deux types de sémiologie se distinguent par leur objectif général: dans la sémiologie de la communication, la communication doit être au centre de la sémiologie (la langue est fondamentalement un instrument de communication). En comparaison, dans la sémiologie de la signification, la sémiologie devient une partie de la linguistique à cause du fait que les objets, les images ou les comportements ne peuvent jamais signifier de façon autonome, sans l'utilisation de langage.

Nous reviendrons sur les propositions de Saussure lorsque nous aborderons l'étude du signe linguistique.

Retour au haut de la page

2.1 La boucle de la communication
Les linguistes se sont évidemment intéressés à la transmission de sens entre deux individus. Cette étude a d'abord été schématisée à l'aide de la "boucle de la communication", qui présente les principaux éléments impliqués dans une interaction:

a) production d'un message (encodage)
b) la transmission d'un message
c) la réception d'un message (décodage)

Si les étapes ci-dessus sont respectées non seulement par l'émetteur mais également par le récepteur, on obtient ainsi la boucle de la communication, qui inclut une communication bidirectionnelle:

http://www.sfu.ca/fren270/Semiologie/SemImag/BoucleComm1.GIF



Les linguistes ont ensuite essayé d'élargir ce schéma en éclaircissant certaines de ses fonctions et en essayant d'incorporer le rôle de certains autres facteurs.

Retour au haut de la page


2.2 Le schéma de la communication de Jakobson
Ce schéma permet d'identifier tous les intervenants et tous les facteurs intervenant dans une communication entre personnes. Tous les facteurs identifiés dans ce schéma ont un rôle à jouer dans le cas d'un interaction et ils influencent tous le message qui est transmis d'une certaine façon.

http://www.sfu.ca/fren270/Semiologie/SemImag/SchemaComm1.GIF

• DESTINATEUR ~ DESTINATAIRE: correspondent respectivement à l'émetteur et au récepteur. Dans le cas d'une interaction normale, la communication est bidirectionnelle alors que deux personnes interagissent de façon courante. Dans les cas où la communication est institutionnalisée (implique une institution comme une administration publique, une télévision, une université, etc.), la communication est unidirectionnelle alors que l'interaction implique l'intervention verbale d'une seule personne alors que l'autre écoute. Une hiérarchie plus ou moins rigide s'impose lors de ces interactions, comme c'est le cas dans la salle de classe, où le professeur enseigne et où vous écoutez.

• MESSAGE: le matériel transmis par l'interlocuteur, l'information transmise. Ce message varie énormément dans sa durée, sa forme et son contenu. Dans les interactions individualisées, le message est généralement adapté à l'interlocuteur. Dans des communication institutionnalisées, le message est plutôt rigide et standard.

• le CONTACT (canal): canal physique et psychologique qui relie le destinateur et le destinataire. La nature du canal conditionne aussi le message. Un canal direct (locuteurs en face à face) implique une réponse directe dans le même médium, qui est l'air ambiant dans ce cas.
Le canal peut être modifié pour vaincre en particulier l'effet du temps: l'écriture sur du papier (livres, journaux, magazines, etc.), bandes magnétiques, disques, support magnétique utilisant même le courrier électronique, etc.

• CONTEXTE: la situation à laquelle renvoie le message, ce dont il est question. Le contexte de situation, lui, réfère aux informations communes aux deux locuteurs sur la situation au moment de la communication. Ces informations sont sous-entendues et elles n'ont pas besoin d'être répétées à chaque fois que l'on débute une interaction.

• le CODE: "un code est un ensemble conventionnel de signes, soit sonores ou écrits, soit linguistiques ou non linguistiques (visuels ou autre), communs en totalité ou en partie au destinateur et au destinataire." (Leclerc 1989:24) Code doit être compris par les deux locuteurs pour permettre la transmission du message. Dans certains cas, le message peut mettre en oeuvre plusieurs codes en même temps. Dans ces cas, redondance, complémentarité ou contraste peuvent être mis en jeu.

Retour au haut de la page


2.3 Les fonctions du langage

À ces facteurs de la communication correspond une fonction linguistique bien précise (en caractères gras dans le tableau ci-dessous):



http://www.sfu.ca/fren270/Semiologie/SemImag/SchemaComm2.GIF

• fonction RÉFÉRENTIELLE: l'une des trois fonctions de base (avec expressive et incitative). Correspond à la fonction première du langage qui est d'informer, d'expliquer, de renseigner. Elle renvoie au référent, à la personne dont on parle (utilisation de la 3e personne très souvent). Intimement relié à la véracité du message en question.

• fonction EXPRESSIVE: centrée sur le destinateur qui manifeste ses émotions, son affectivité. Elle suppose l'acquisition d'un style, d'une façon bien personnelle de s'exprimer. Les onomatopées, les jurons, les formes exclamatives en général, les adjectifs à valeur expressive, etc. Les traits non linguistiques du genre mimique, intonation (?), les gestes, le débit, les silences, ont aussi une fonction expressive.

• fonction INCITATIVE: axée sur le destinataire, donc sur le tu. On vise ici à modifier le comportement du destinataire, pour ordonner, pour interdire, pour inciter. Pensons seulement à la publicité qui incite à acheter, aux politiciens qui incitent à voter, etc.

• fonction POÉTIQUE (ou esthétique): fonction où l'accent est mis sur le message dont la forme importe autant que le fond. La rime, la métaphore, l'antithèse, l'ironie, les jeux de mots font partie des procédés qui ont une fonction esthétique et qui font que le message comporte plus d'information que le message lui-même.
ex.: "Tu as les yeux bleus comme un ciel d'azur!" dit par un amoureux à son amoureuse, contient bien plus d'information que le seul fait de comparer ses yeux au ciel.

• fonction RELATIONNELLE (phatique): permet de maintenir et de développer des contacts entre individus.
ex.: on parle à quelqu'un au téléphone pendant 30 minutes à tous les soirs sans vraiment rien se dire, juste pour garder le contact, juste pour être sûr que nous sommes toujours en phase. C'est le cas de toute communication vide de son contenu, comme dans certaines réunions mondaines.

• fonction MÉTALINGUISTIQUE: explication du code utilisé, des conventions que l'on utilise pour communiquer. Tous les ouvrages traitant du code, comme les grammaires ou les dictionnaires constituent d'excellents exemples de message à visée métalinguistique.
ex.: "Moi, par gauchiste, je veux dire tous ceux qui veulent changer quelque chose dans notre société, que ce soit par la violence ou par la persuasion..."
"Entendons-nous, par cinglé, je veux dire ..."

Retour au haut de la page

2.4 Critique du schéma

Comme tout modèle théorique, il se prête à la critique. La principale faiblesse de ce schéma est que les fonctions proposées existent rarement à l'état pur. Les messages font souvent appel à plusieurs fonctions de façon simultanée. La fonction d'un message serait donc celle qui domine et non seulement celle qui est ou celles qui sont présentes.

Deuxièmement, les fonctions du langage sont totalement laissées de côté, comme celles référant aux rapports sociaux établis à l'aide du langage. Les choix sociaux et même politiques effectués à la fois de façon consciente et même inconsciente par les individus ne sont pas analysés par le fameux schéma de Jakobson.

Retour au haut de la page


2.5 Signe linguistique

La sémiologie a beaucoup apporté à la linguistique par son étude des systèmes de communication. Un des premiers sujets d’étude qui a retenu l'attention des chercheurs est la constitution du CODE servant à communiquer oralement. La définition de ce code et de son usage par les communautés linguistiques constitue la préoccupation première de la linguistique.

La transmission de sens d'un individu à un autre repose dur l'existence du signe linguistique. Ferdinand de Saussure a été le premier à définir de façon précise cette notion importante, à l'aide des notions suivantes:

Le signe est formé de deux parties:

a) une partie matérielle: le SIGNIFIANT (image acoustique, image mentale du signe, la représentation mentale sonore)

b) une partie immatérielle: le SIGNIFIÉ (partie conceptuelle du signe --notion).

Prenons un exemple, le mot "oiseau":

http://www.sfu.ca/fren270/Semiologie/SemImag/SigneLinguistique1.GIF

Le signe linguistique est donc le résultat de l'association d'un signifiant (groupe de sens) et d'un signifié (le sens). Il est difficile de concevoir l'un sans l'autre.

Le signifié est en réalité différent de la définition mais on l'utilise ici comme remplacement par souci de simplicité. Le signifié est constitué d'éléments de sens qu'on appelle les "attributs sémantiques" (concept tiré de la sémantique). Les attributs sémantiques d'un signifié se combinent pour créer le sens du signe. Les attributs sémantiques sont habituellement représentés par les linguistes sous forme de caractéristiques binaires (qui sont actives ou inactives, notées par "+" ou "-"). Le signifié de "table" pourrait ainsi comporter les attributs sémantiques qui suivent: [+meuble][+une surface plane horizontale]. En précisant que la table comporte une seule surface plane, on l'oppose à la bibliothèque qui en possède plusieurs. En précisant que c'est un meuble, on l'oppose au plancher, à la patinoire ou au plafond. (Beaudoin 2002)

À ces deux distinctions signifiant-signifié, il faut en ajouter une troisième. D'un côté, nous avons la réalité sonore (ou écrite mais qui ne fait que traduire la réalité sonore) dont nous parlons ([wazo]), d'un autre côté nous avons la NOTION de l'objet auquel on réfère. Cette notion existe dans l'esprit des locuteurs, et c'est ce qui leur permet de se comprendre. Cependant, nous n'avons pas parlé de l'objet lui-même, celui dont on parle. Il s’agit du référent (l'objet physique, matériel dont les locuteurs parlent).

Le rapport entre le signifié et le signifiant est non arbitraire mais nécessaire car il fonde le signe lui-même. Par contre, le rapport entre une réalité elle-même et un signe (la signification) est, elle, arbitraire et elle est le résultat d'une convention entre les individus d'une communauté linguistique particulière. Ce rapport constitue la base de toute communication linguistique, alors que les mots, ou comme nous pouvons les appeler maintenant les signes, prennent vie lorsque le lien entre signifiant et signifié est effectué, ce qui nous donne une signification entre une image acoustique et une notion, une réalité mentale (signifié).

Retour au haut de la page


2.6 Caractéristiques du signe linguistique

À partir des observations précédentes, nous pouvons affirmer que le signe linguistique se définit par son caractère:

a. arbitraire:
Comme nous l'avons mentionné auparavant, il n'y a pas de relation "naturelle" entre le mot (ou le signifiant) et la réalité physique qui lui est associée (le signifié).

Par exemple, le choix du mot "bureau" ne repose sur aucun critère qui aurait pu favoriser le choix d'un tel mot plutôt qu'un autre.

Une exception cependant: les onomatopées. Dans ce cas, les mots utilisés sont relativement proches du son que l'on veut décrire, et ce, dans toutes les langues. ex.: le chant du coq, le bruit de la vache, le jappement du chien.

le bruit d'un canard:
-français: couin-couin
-anglais: quack-quack
-allemand: pack-pack
-danois: rap-rap
-hongrois: hap-hap

Si ce lien obligé entre la réalité et le signe linguistique existait, tous les humains parleraient probablement la même langue. Ce caractère arbitraire du signe fait que l'on doive apprendre un large vocabulaire lorsqu'on apprend une langue, quelle soit maternelle ou seconde.

Évidemment, ce caractère arbitraire du signe linguistique ne s'applique pas aux autres sortes de signes. Par exemple, les signaux routiers doivent se ressembler à cause du fait que l'action est la même dans toutes les langues. Par exemple, un panneau comportant un pain indiquera aux locuteurs de toutes les langues et cultures (ou presque) qu'il y a une boulangerie à proximité.

b. conventionnel:

Pour que les membres d'une communauté se comprennent, il faut qu'ils s'entendent sur les mêmes conventions ou sur les mêmes signes. En conséquence, les signes sont considérés, comme nous avons dit précédemment, comme étant conventionnels, en cela qu'ils résultent d'une convention entre les membres d'une communauté. En fait, partager la même langue, c'est également partager un certain nombre de conventions.

c. linéaire:

Le signifiant se présente de façon linaire dans l'axe du temps. il nous faut du temps pour prononcer un mot, pour le réaliser de façon physique. De même, il y a un ordre qui est suivi lors de sa prononciation. Dans la réalisation du signifiant [wazo], il ne m'est pas permis de prononcer les sons dans un ordre différent de celui que nous avons ci-haut si je veux que les autres locuteurs me comprennent. Les signes forment donc une successivité et non une simultanéité. Par opposition, les signes routiers peuvent se substituer: "obligation de tourner" et "tourner à gauche".

Retour au haut de la page

2.7 Distinction signe ~ indice
Il est nécessaire de distinguer un signe d'un indice (signes non intentionnels): selon Prieto, il s'agit d'un fait immédiatement perceptible qui nous fait connaître quelque chose à propos d'un autre fait qui, lui, n'est pas immédiatement perceptible. Un indice est un phénomène naturel ou culturel, perceptible, involontaire ou non intentionnel et qui nous fait connaître quelque chose à propos d'un autre fait qui, lui, n'est pas immédiatement perceptible.
ex.: symptômes d'une maladie, traces dans la neige, nuages noirs à l'horizon, etc.

Cependant, si je m'entendais avec quelqu'un pour lui dire que s'il voit des traces de pas dans le sable, en route pour mon chalet, il comprendra que je suis arrivé. L'intention de signification est essentielle dans l'identification d'un signal. Il en va de même de la présence d'une canne blanche pour indiquer un aveugle, trois coups cognés à la porte, les numéros de salle dans un édifice public, etc.

L'indice se différencie donc du signe par le fait que sa première fonction n'est pas celle de signifier quelque chose. Il peut très bien avoir une signification, mais ce n'est pas sa fonction première. Les signaux de fumée, s'ils ne sont pas effectués en vue de communiquer avec quelqu'un d'autre, ne constituent pas un signe mais bien un simple indice qui nous indique qu'il y a un feu à quelque part.

Aussi, nous pouvons effectuer une autre distinction entre un signe et un signal: un indice produit spécifiquement en vue de transmettre un message (contient les signes linguistiques, les symboles, et les signes non linguistiques)

Si j'élève la voix, si je me mets à crier, vous pourrez bien relier cet indice à ma condition psychologique et prendre cet indice comme indication que je suis un peu fâché, que je ne suis pas de bonne humeur.

L'indice est donc non conventionnel, involontaire, diversement interprétable mais signifiant (revenir là-dessus plus tard, après l'explication du signe linguistique).

Autre exemple: le voisin qui s'achète une Rolls Royce. Au départ, le fait de posséder cette voiture est un indice de sa richesse. Par contre, si le voisin en question a l'intention de lancer un message bien précis à ses propres voisins, celui qu'il est vraiment riche, qu'il a réussit, qu'il est dans une classe à part, alors cette même voiture deviendra un signe. Nous sommes en présence d'un message qui a été transmis avec une intention bien claire de le communiquer.

Retour au haut de la page


2.8 Distinction signe ~ symbole ~ icone

Comme nous l'explique Charles Peirce, lorsque deux signes sont liés par leur signifiés, on parle alors de symbolisation (ou connotation), et donc de la construction d'un symbole. Le symbole résulte d'une relation conventionelle et arbitraire commune à une ou à plusieurs cultures. Le signe linguistique est, en fait, un type particulier de symbole.

Ex. de symboles:
une colombe symbolise un message de paix;
un drapeau rouge symbolise une interdiction;
signaux routiers : cercle rouge avec une ligne transversale symbolise aussi une interdiction.
les tours du WTC symbolisaient la suprématie financière de New York
la couleur bleu, dans les forces armées, symbolise une force neutre
le champagne (marque Dom Pérignon) symbolise la richesse et le luxe extrême

Il est également possible de transmettre du sens en utilisant un icone qui est créé par un lien analogique avec la réalité. Il y a une grande quantité d'icones largement utilisés par nos sociétés modernes et qui sont reconnaissables par l'ensemble des êtres humains, sans égards à leur culture. Considérez, par exemple, les images suivantes:


Il est relativement facile d'identifier, d'après les icones présentés ci-dessus, les significations de clavier, de pub ou bar, de souris, d'imprimante, de restaurant et de loupe pour modifier la taille d'un objet. Ces significations sont évidentes à cause du lien analogique direct entre l'élément utilisé pour représenter la réalité et son rapport extrêmement étroit avec l'objet qu'il représente.

En résumé, nous faisons les distinctions entre les notions suivantes:

http://www.sfu.ca/fren270/Semiologie/SemImag/SemiolRes1.GIF

Les langues naturelles comme le français et l'anglais par exemple sont des systèmes de communication basés sur l'utilisation de signes plutôt que de symboles et d'indices.

Retour au haut de la page


2.9 Double articulation du langage

Cette relation entre le signifié et le signifiant nous amène à faire une autre distinction qui nous paraît importante du point de vue linguistique. Il s'agit de la double articulation du langage (deux types d'unités découpées sur deux niveaux distincts). Selon André MARTINET, la langue s'organise sur deux niveaux qui opèrent de façon différente. Pour lui, les unités qui s'enchaînent dans le discours ne s'enchaînent pas de la même façon et au même niveau.

André Martinet propose donc que la langue contient :
a) des unités de première articulation: les morphèmes (unités minimales de signification). Ce sont des noms (arbre, crayon, maison, etc.), verbes (manger, écrire, rêver, etc.), adjectifs (bleu, grand, rapide, etc.), etc. On note aussi que les "parties de mots" (comme le "-ons" dans le verbe "mangerons", ou le "eur" dans "réparateur") qui ont une valeur grammaticale sont aussi appelées des morphèmes et qu'elles sont aussi porteuses de sens. En effet, à chaque fois qu'un verbe se termine par un "-ons", les locuteurs du français reconnaissent que le sujet est une première personne du pluriel ("nous"), peu importe le verbe.

Ex. 1:

a. "Je viens." (2 morphèmes)
b. "Je viendrai." (3 morphèmes)

1-je: pron. pers.
2-vien: verbe venir
3-drai: futur, 1ere personne du sing.

Ex. 2 (utilisation du morphème "-ons"):

a. Nous viendrons.

b. Isabelle et moi voterons pour Steven Harper.

Ce qu’il faut comprendre à ce moment et ce en quoi cette notion se rattache avec la sémiologie est que ces morphèmes sont constitués d'un signifiant ET d'un signifié.

L'analyse de la langue en morphèmes, champ d'étude fascinant, sera abordée de façon plus détaillée lorsque vous ferez de la morphologie dans le deuxième cours d'introduction offert au département (Fren 370).

b) des unités de seconde articulation: les phonèmes (unités minimales distinctives). Ce sont des sons distinctifs (ils changent le sens d'un mot (pont-bon, quand-banc) sans qu'ils n'aient de sens inhérent) propres à une langue.

Ces phonèmes ne sont constitués que d'un signifiant, sans signifié.

Autre illustration de la double articulation du langage: Combien de mots d’une seule syllabe pouvez-vous former qui se terminent par le son « -on »? Un étudiant bien inspiré pourrait arriver à cette simple liste qui contient un bon nombre de mots différent seulement par leur première consonne et qui se terminent tous par le son "-on":

pont
bon
ton / taon
don / dont
con / qu’on
gong
font / fond
vont
son / sont
jonc
mon
non
long
rond

La langue peut donc "optimiser" son système en formant un grand nombre de mots différents avec une seule modification (remplacer un seul son) plutôt que de créer un nouveau mot complètement différent à chaque fois. Ceci est possible seulement par l’existence d’unités sans sens (les sons, ou phonèmes) que l’on peut substituer les unes aux autres pour changer le sens d’un mot. Cette particularité de créer un système productif contenant deux niveaux d'organisation pour communiquer constitue une différence majeure entre les systèmes de communication utilisés entre animaux et ceux utilisés par les humains.

En résumé, lorsque nous parlons de double articulation du langage, nous parlons de deux niveaux d'organisation du langage:

a) première articulation, les morphèmes (qui ont un signifié et un signifiant)

b) deuxième niveau d'organisation: les phonèmes (signifié)

Retour au haut de la page


2.10 Commentaire supplémentaire sur la sémiologie

Nous pouvons appliquer les notions de sémiologie précédentes de façon à définir les relations entre mots entre autres choses.

Synonymes : mots (approximativement) de même sens et de forme différente
Même signifié, signifiant différent. (ennuyer / embêter; voiture / bagnole; manger / bouffer; etc.)

Antonymes : mots dont les sens sont contraires
Signifiés opposés, signifiants différents (grand /petit; vendre / acheter; blanc / noir; etc.)

Homophones : Signifiés différents, signifiants semblables. (vert / verre / vers / vers / verre / etc.)


Définitions

Indice : « Fait immédiatement perceptible qui nous fait connaître quelque chose à propos d’un autre fait qui ne l’est pas. » (Prieto, Sémiologie)

Signal : « Fait qui a été produit artificiellement pour servir d’indice. » (Prieto, Sémiologie)

Symbole : « Un symbole est la notation d'un rapport --constant dans une culture donnée-- entre deux éléments. » (Dict. de linguistique Larousse) Comme le signe linguistique, le symbole résulte d'une convention arbitraire.

Icone: « Signe dont le signifiant et le signifié sont dans une relation « naturelle » (ressemblance, évocation). » (PRobert)

Retour au haut de la page


2.11 Spécificité de la communication humaine

Les langues naturelles comme le français, l'espagnol, l'allemand, le mandarin et l'anglais, sont des systèmes de communication un peu au même titre que les systèmes comme le code de la route par exemple. Cependant, ils se différencient de ces autres systèmes par une caractéristique principale. Examinez le tableau ci-dessous qui résume les similarités et différences entre les deux systèmes: Spécificités Systèmes de communication Langues naturelles
a. La transmission du sens -nombreux systèmes de communication transmettent le sens voulu (ex.: code de la route, langue des sourds-muets, numéros de salle, etc.)
-la langue sert à transmettre du sens

-tout sens transmis n'est pas voulu: les accents nous trahissent
b. L'arbitraire -de nombreux systèmes utilisent des signes arbitraires (code de la route, numéros de salle, code morse)
-la langue utilise aussi des signes arbitraires ("chat", "crayon", etc.)

-la langue utilise aussi des signes moins arbitraires mais interprétables: par exemple: "Je suis intelligent."
c. Linéarité du message -simultanéité permise (linéarité utilisée mais non requise): les codes visuels spécialement permettent de superposer des images -linéarité obligée: il faut absolument mettre les sons les uns à la suite des autres, sinon le message sera incompréhensible
d. Le caractère discret du signe -les systèmes utilisent habituellement des unités discrètes, en nombre fini
-la langue utilise des unités discrètes: les sons d'une langue sont en nombre limité

-la langue utilise également des unités qui présentent un nombre théoriquement infini de variations
e. L'organisation interne du système -les systèmes ne sont encodés qu'à un seul niveau (simple articulation)
-les langues sont encodées à deux niveaux (double articulation): les unités significatives et les unités distinctives

a) sons: [p] + [a] + [R] + [l] = "parl"

b) monèmes: "parl + ez" = "parlez"




Retour au haut de la page


2.12 Principales différences entre la communication animale et la communication humaine

Cette section est directement tirée du site de Dr. Martin Beaudoin (Université d'Alberta: http://www.fsj.ualberta.ca/LINGQ200.htm)Différences Communication humaine Communication animale
1. Déplacement peut évoquer le passé, le futur, l'absent, l'hypothétique et l'impossible énonce ce qui est lié au présent temporel et spatial (sauf abeilles)
2. Apprentissage nécessaire non nécessaire
3. Base unités arbitraires (sans lien entre le mot et l'objet à décrire) unités iconiques (avec lien entre le signifié et le signifiant)
4. Unités discrètes (divisibles et combinables) graduées (messages indivisibles et non combinables)
5. Mutualité fréquente (les gens se répondent) relativement rare
6. Mensonges, divagations fréquents cas sporadiques de mensonges et pas de divagation
7.Métacommunication métacommunication (les gens expliquent ce qu'ils veulent dire ou corrigent les autres) pas de métacommunication
8. Polysémie prévalente (les mots peuvent avoir plusieurs sens) monosémie


Parmi les caractéristiques présentées dans le tableau ci-dessus, il importe de porter une attention particulière au déplacement qui permet aux humains de parler du passé, du futur, d'imaginer, de supposer, etc. Cette caractéristique des langues naturelles, sur laquelle repose la littérature en général, est extrêmement importante car elle constitue l'une des manifestations les plus intéressantes de la langue.

La nature des unités utilisées se démarquent de celles utilisées par les animaux pour communiquer en ce sens qu'elles sont combinables et servent à former des messages qui peuvent être soit très simples soit très complexes (très longues phrases). Cette caractéristique nommée la double articulation est certainement la plus remarquable des systèmes de communication oraux propres aux humains.

Il est important d'ajouter que la plupart des signes linguistiques sont polysémiques. Prenons par exemple le mot « siège ». Le Petit Robert indique que le mot a trois sens principaux: a) « lieu où se trouve la résidence principale « d’une société, d’une organisation). », b) « lieu où s’établit une armée, pour investir une place forte », et c) « objet fabriqué, meuble disposé pour qu’on puisse s’y asseoir ». Il est donc très fréquent pour un mot d'avoir plus d'un sens (caractère polysémique).

Finalement, les langues naturelles sont les seuls systèmes permettant la métacommunicaiton qui sert à la définition du code à l'aide du code lui-même. Par exemple, il est possible (et fréquent) pour quelqu'un de définir l'usage d'un terme particulier dans un texte technique par exemple. Cette situation se retrouve très souvent dans les volumes d'introduction à un nouveau champ d'étude nécessitant la définition de notions de base.


Retour au haut de la page

2.13 Exercices

1) Expliquez comment la linguistique peut être considérée comme faisant partie de la sémiologie, ou l'inverse si vous croyez que c'est l'inverse.

2) Donnez un exemple d'interaction qui représente chacune des fonctions du schéma de la communication de Jakobson. Expliquez en quoi chaque exemple illustre bien chaque fonction.

3) Quelle est la principale utilité du schéma de Jakobson? Expliquez et donnez deux exemples.

4) Quelle est la principale critique que l'on peut faire du schéma de Jakobson? Expliquez et donnez deux exemple.

5) Expliquez de quoi est composé le signe linguistique et donnez trois exemples.

6) Croyez-vous qu'il soit possible, hypothétiquement, d'utiliser le mot "pamo" pour remplacer le mot "chat"? Expliquez.

7) Comment expliquez-vous que la même réalité puisse avoir deux mots complètement différents dans deux dialectes d'une même langue? Par exemple, les mots « ferry » et « traversier » en français européen et canadien respectivement qui dénomment « le bateau qui permet d'aller d'une rive à l'autre d'un lac ou d'un fleuve. » Selon vous, est-ce que c'est un problème? (pensez en termes de signe linguistique)

8) Lorsque vous marchez dans le sable, vous remarquez des traces de pas. Est-ce qu'elles représentent un signe, un indice ou un icone? Expliquez.

9) Résumez les principales différences entre la communication animale et humaine. Soyez précis, clairs et concis.

10) Imaginez une question qui, selon vous, ferait une très bonne question d'examen résumant le matériel vu en classe.

Retour au haut de la page

© Christian Guilbault, Université Simon Fraser
Si vous utilisez ce site, veuillez avoir l’obligeance d’en citer la source et de m’en aviser par courriel

http://www.sfu.ca/fren270/Semiologie/Semiologie.htm.

إبراهيم براهيمي
25-07-2009, 08:04 PM
Navigation interactive pour l'apprentissage en linguistique uelle

http://hal.archives-ouvertes.fr/docs...8/27/PDF/3.pdf

إبراهيم براهيمي
25-07-2009, 08:18 PM
Analyse de La linguistique textuelle - Introduction à l'analyse textuelle des discours
de Jean-Michel Adam


Plan
1. Introduction
2. Cadre épistémologique
2.1. Une pragmatique textuelle ?
2.2. Quelles catégories pour l'analyse des textes ?
2.3. Quels textes analyse-t-on ?
3. L'unité textuelle élémentaire
3.1. Prise en charge énonciative des énoncés ou point de vue [PdV]
3.2. Micro-actes de discours
4. Types de liages des unités textuelles
4.1. Co-référence et anaphores
4.2. L'implicite
4.3. Les connecteurs
4.4. Chaînes d'actes de discours
5. Période et séquences : unités compositionnelles debase
6. Le texte comme unité compositionnelle et configurationnelle
6.1. L'effet de dominante
6.2. Macro-structure sémantique (thème, topic) et micro-actes de discours
7. Le fonctionnement textuel des temps verbaux
8. Analyse textuelle d'un récit de Jorge Luis Borges :"Le Captif"
9. Pour conclure
Texte int


1. Introduction

1
Dans les huit chapitres qui composent cet ouvrage, l'auteur poursuit sa réflexion dans le domaine de la linguistique textuelle, dont il est désormais un des spécialistes reconnus. Dans la lignée de ses travaux précédents [Adam01], dont il reprend et développe ici certaines analyses [Adam05], J.-M. Adam continue à baliser ce champ d'études, mais il ouvre aussi des perspectives théoriques nouvelles. En effet, l'auteur renonce à la décontextualisation et à la dissociation entre "texte" et "discours" [AdaGriBoua04][1] que préconisaient encore ses Éléments de linguistique textuelle [Adam90] et situe résolument la linguistique textuelle dans le domaine plus vaste de l'analyse du discours [CharauMaingue02][2]. Dans cette discipline convergent des mouvements aux présupposés extrêmement hétérogènes, apparus dans les années 60 en Europe et aux États-Unis, mais tournant tous "autour de l'étude de productions transphrastiques, orales ou écrites, dont on cherche à comprendre la signification sociale" ([CharauMaingue02] : 7).
1 Dans l'introduction de ce récent ouvrage collectif, J.-M. Adam insiste sur cette proposition de (...)
2 Nous soulignons au passage que dans l'article "linguistique textuelle" du Dictionnaire (...)

2
Cette ouverture à l'analyse du discours est, nous semble-t-il, très intéressante dans l'optique des études sur les caractéristiques de la Communication Médiatisée par Ordinateur (CMO). Tout en ayant à l'esprit la spécificité des discours médiés par ordinateur (courriels, clavardages, forums) par rapport aux discours écrits et oraux traditionnels – objets d'étude dans cet ouvrage - nous pensons que certains outils fournis par la linguistique textuelle pourront être mis à contribution dans l'analyse de l'interaction sur Internet. D'autant plus que, comme le rappelle L. Mondada, il s'agit, dans ce cas, de discours hybrides [Mondada99], caractérisés par un "registre interactif écrit" (Ferrara et al., cités par [Mondada99]). Parmi les phénomènes ici analysés susceptibles d'intéresser aussi les spécialistes des nouvelles formes d'interaction relevant de la CMO, nous songeons notamment à la prise en charge énonciative des énoncés ou point de vue (PdV) ainsi qu'aux aspects liés à l'organisation de l'information (anaphores, cataphores, etc.). Inversement, la CMO est un exemple de l'hétérogénéité des genres sur laquelle J.-M. Adam n'a eu de cesse d'insister dans ses travaux. Par ailleurs, une nouvelle orientation se fait jour qui propose de synthétiser ces deux perspectives, CMO, d'une part, et analyse du discours, d'autre part : il s'agit de l'Analyse du Discours Médiatisé par Ordinateur (Admo), dont l'objectif est l'"étude des manifestations pragmatico-linguistiques propres à la CMO" [Torres01].

3
Un ouvrage collectif récent [RebMourRako04] pose la question de la conduite à adopter face à ces "discours de l'Internet". S'agit-il de nouveaux genres de discours ? Dans l'analyse de ces nouvelles pratiques discursives, faut-il appliquer des méthodes déjà existantes ? Ne faut-il pas également forger de nouveaux concepts opératoires ? S'il est vrai, comme le rappelle J.-P. Bronckart, que tout genre nouveau se construit à partir de genres existants [Bronckart96], on pourrait retravailler avec profit les concepts disponibles, dont ceux de la linguistique textuelle précisément. C'est de ce point de vue, nous semble-t-il, que la confrontation avec les analyses ici présentées devrait se révéler féconde pour l'étude de la CMO. Tout en conservant le découpage de l'ouvrage en question, nous avons essayé d'introduire, au fil de notre analyse, des remarques allant dans cette direction.
2. Cadre épistémologique

4
Les deux premiers chapitres décrivent le cadre épistémologique de l'ouvrage. Depuis les années 60, Jakobson d'abord [Jakobson73], Bakhtine [Bakthine75] et Labov [Labov78] ensuite, ont dénoncé le cantonnement de la linguistique dans les limites de la phrase. La linguistique textuelle s'inscrit dans cette lignée, soulignant avec force que la linguistique ne saurait être réduite à l'analyse de catégories grammaticales, autrement dit de phrases et de mots. Tout en accordant une place importante aux micro-enchaînements, elle va en effet au-delà des limites d'une "grammaire transphrastique" pour se fonder sur "une théorie de la production co(n) textuelle de sens, qu'il est nécessaire de fonder sur l'analyse de textes concrets" (p. 3). C'est cette démarche que J.-M. Adam nomme "analyse textuelle des discours" - dont le présent ouvrage, comme son sous-titre l'indique, se veut une introduction - opérant ainsi un recouvrement entre deux orientations qui n'ont ni la même origine épistémologique ni la même histoire : la linguistique du texte et l'analyse du discours.

5
J.-M. Adam propose de placer son approche sous un double parrainage : la "translinguistique des textes, des œuvres" d'É. Benveniste et la "métalinguistique" de M. Bakhtine. Contrairement à la "grammaire de texte", la linguistique textuelle ne se revendique pas de l'épistémologie générativiste. Elle ne se présente pas comme une théorie de la phrase étendue au texte, mais comme une "translinguistique" qui, à côté de la linguistique de la langue, rend compte de la cohésion et de la cohérence des textes (voir Adam dans [CharauMaingue02] : 345-346).

6
Dans L'archéologie du savoir [Foucault69], M. Foucault montre qu'une phrase ne devient unité de discours (énoncé) que si on relie cet énoncé à d'autres, au sein de l'interdiscours d'une formation sociale. Puisque l'interdiscours déstabilise l'opposition entre l'intérieur et l'extérieur d'une formation discursive, quel est au juste le rôle joué par le contexte ? J.-M. Adam estime qu'une redéfinition de cette notion est indispensable, car elle n'est convoquée en linguistique que pour lever les ambiguïtés. L'auteur souligne que le contexte n'est pas externe mais partie prenante de toute interprétation et qu'il implique une "mémoire discursive" (MD), dont font partie les propositions énoncées dans une autre partie du texte (co-texte) ou dans un texte antérieur. C'est ce que Berrendonner définit comme l'"ensemble des savoirs consciemment partagés par les interlocuteurs" ([Berrendonner83] : 230). La mémoire discursive est à la fois "ce qui permet et ce que vise une interaction verbale" (p. 26). Cette notion est, nous semble-t-il, opératoire pour l'analyse des interactions sur Internet, où l'on observe la constitution de communautés discursives.

7
L'ouverture en direction de l'interdiscours, ébauchée dans les travaux précédents de l'auteur ([Adam99] : 87), se poursuit dans cet ouvrage. Analysant, au quatrième chapitre, la partie d'implicite qui caractérise tout discours, J.-M. Adam emploie la notion de "préconstruit". Il tient toutefois à souligner, dans sa conclusion prospective, que son analyse ne porte ici que sur les "forces centripètes de la textualité", envisageant de faire des "forces centrifuges qui ouvrent un texte sur d'autres textes" matière d'un livre à venir, ce travail ne représentant donc que le premier volet d'un programme de recherche plus vaste.
2.1. Une pragmatique textuelle ?

8
Dans la mesure où il cherche à analyser l'action que font les locuteurs lorsqu'ils produisent un énoncé, J.-M. Adam s'interroge sur les fondements pragmatiques de la linguistique textuelle. Il reconnaît les limites de la pragmatique d'O. Ducrot [Ducrot77] et de la "pragmatique du discours" de J. Moeschler et A. Reboul [MoeschReboul98], qui réduisent le discours à un simple enchaînement d'énoncés. C'est pourquoi la linguistique textuelle puise ses modèles dans la Textpragmatik des années 80, qui sert d'appui aussi à la définition du concept de texte proposée par J.-M. Schaeffer (voir [DucrotSchae95]). Dès que le texte est défini comme une "occurrence communicationnelle" [DeBeauDress81], la linguistique textuelle devient une pragmatique textuelle et elle se rapproche de l'analyse de discours.
2.2. Quelles catégories pour l'analyse des textes ?

9
La linguistique textuelle, qui se démarque résolument de la "grammaire de texte", dispose d'une série de concepts propres. La classe textuelle des connecteurs s'oppose ainsi aux conjonctions de coordination ("mais", "ou", "et", "donc", "or", "ni", "car"). De même, l'homogénéité de la classe morphologique des pronoms personnels éclate dès que l'on passe au niveau du texte. Les pronoms de troisième personne il(s) et elle(s) doivent, en effet, être alors (re)classés dans le domaine des reprises, avec les démonstratifs, certains indéfinis et certains groupes nominaux définis, tandis que les deux premières personnes doivent être mises en relation avec les possessifs et les modalisateurs, la classe des déictiques et l'ensemble du domaine énonciatif.

10
Un bon exemple de la nécessité de distinguer entre catégories textuelles et catégories de la grammaire phrastique est donné par la théorie de la "Perspective Fonctionnelle de la Phrase" élaborée dans le cadre des travaux du second Cercle linguistique de Prague (travaux de Dane et Firbas) et basée sur la distinction entre thème (Th) et rhème (Rh). Cette théorie revient sur la vieille question de l'ordre des mots dans la phrase. La reprise par D. Slatka [Slatka75], à la mémoire duquel est dédié cet ouvrage, B. Combettes [Combettes83] et plus récemment par S. Carter-Thomas [Carter00] des travaux de Dane et Firbas a permis de mettre en évidence, d'une part, la fonction cohésive des différents types de reprises thématiques et, d'autre part, le rôle du rhème dans la dynamique de la progression des énoncés. Ainsi, selon J.-M. Adam (p. 50),

11
Tout texte – et chacune des phrases qui le constituent – possède, d'une part, des éléments référentiels récurrents présupposés connus (par le co(n)texte), qui assurent la cohésion de l'ensemble, et, d'autre part, des éléments posés comme nouveaux, porteurs de l'expansion et de la dynamique de la progression informative.
2.3. Quels textes analyse-t-on ?

12
En conclusion du deuxième chapitre, J.-M. Adam se pose la question de la définition de son objet d'analyse. De quels textes s'agit-il ? Selon A. Grésillon ([Grésillon89] : 185), "le linguiste, au lieu de disposer de données qui ne demandent qu'à être interprétées, a besoin de construire d'abord son objet". Cette réflexion sur l'objet d'étude fait pourtant défaut en linguistique textuelle ainsi qu'en analyse de discours ou encore en explication de textes. La faute est au dispositif méthodologique structuraliste, qui a prôné une autonomie et même une autotélicité des textes, dont la conséquence a été le discrédit de la philologie. Or, comme le dit fort justement F. Rastier ([Rastier01] : 82) : "la philologie rappelle que les textes ne sont pas des données, mais des constructions problématiques issues de diverses procédures". D'où la nécessité, selon J.-M. Adam, de l'établissement critique des textes, surtout à l'époque actuelle, où les banques de données informatisées foisonnent et deviennent la principale source d'information pour les chercheurs.
3. L'unité textuelle élémentaire

13
Le troisième chapitre de cet ouvrage est en revanche consacré à l'unité textuelle élémentaire, à savoir la proposition-énoncé comme proposition énoncée. J.-M. Adam met ainsi l'accent sur le fait qu'il s'agit toujours d'un acte d'énonciation : elle est énoncée par un énonciateur à destination d'un destinataire-interprétant ayant valeur de co-énonciateur. Il est ensuite question des trois dimensions complémentaires que comporte toute proposition-énoncé : une dimension énonciative [B] qui prend en charge un contenu référentiel [A] et lui donne une certaine potentialité argumentative [ORarg] qui lui confère une force ou valeur illocutoire [F] plus ou moins identifiable.
3.1. Prise en charge énonciative des énoncés ou point de vue [PdV]

14
Le degré de prise en charge énonciative d'une proposition est susceptible d'être marqué par un très grand nombre d'unités de la langue. Sans les détailler ici, J.-M. Adam énumère les grandes catégories suivantes : a) les différentes sortes de discours rapportés ; b) les indications d'un support de perceptions et de pensées rapportées ; c) les indications de cadres médiatifs : marqueurs comme "selon", "d'après" et "pour", choix d'un verbe d'attribution de parole comme "prétendent", "paraît-il", reformulations de type "(c'est) en fait", "en réalité", et même "en tout cas", etc. ; d) les phénomènes de modalisation autonymique : "comme on dit", "pour employer un terme philosophique", "pour ainsi dire", "mieux vaut dire", "je ne trouve pas le mot", "au sens étymologique", "dans les deux sens du terme", "passez-moi l'expression", "comme tu as l'habitude de dire" ; d) les indices de personnes : depuis les pronoms et les possessifs marqueurs de la personne ("mon", "ton / votre", "son livre") ; e) les déictiques spatiaux et temporels : "hier", "demain", "ici", "aujourd'hui", etc. ; f) les temps verbaux ; g) les modalités.

15
Ces analyses sur les traces de l'hétérogénéité énonciative et les phénomènes de modalisation sont exploitables dans la perspective de la CMO, le but étant de déceler les marques linguistiques qui révèlent l'attitude du sujet parlant à l'égard de son interlocuteur, de lui-même et de son propre énoncé.
3.2. Micro-actes de discours

16
Toute proposition énoncée possède une valeur illocutoire. L'auteur parle donc de micro-actes de langage, alors qu'au niveau textuel, comme nous le verrons plus loin, il s'agit de macro-actes. Du point de vue des actes de langage, J.-M. Adam ne suit pas l'idée d'É. Benveniste de limiter l'illocutoire aux seuls performatifs explicites. Il propose le classement suivant : a) assertifs-constatifs ; b) directifs ; c) engageants ; d) déclaratifs ; e) expressifs.
4. Types de liages des unités textuelles
4.1. Co-référence et anaphores

17
Au quatrième chapitre, l'auteur se penche sur les liages des unités textuelles de base. Les liages sémantiques sont de deux types : la co-référence et les anaphores d'un côté, l'isotopie du discours de l'autre. Les relations sémantiques de co-référence sont dites anaphoriques dans la mesure où l'interprétation d'un signifiant dépend d'un autre, présent dans le co-texte gauche (anaphore proprement dite) ou dans le co-texte droit (cataphore). Adam passe donc en revue les différentes sortes d'anaphores : résomptive (reprise du titre dans la dépêche d'agence, par exemple) ; associative (reprise par un défini dont le sens est inférable sur la base des connaissances lexicales) ; pronominale, qui est par définition fidèle car elle n'indique généralement aucune nouvelle propriété de l'objet.

18
Au-delà de la reformulation, dont le but est de maintenir un continuum de signification, toutes les formes d'anaphores et de chaînes de co-référence assurent aussi la progression textuelle par spécifications nouvelles et mobilisation des références virtuelles des lexèmes convoqués (p. 95) :

Les liens anaphoriques jouent un rôle capital non seulement dans la cohésion, mais dans la progression par modifications progressives d'un référent qu'ils ne secontentent généralement pas de simplement reprendre.

19
Quant au deuxième type de liages, comme l'écrit M. Arrivé ([Arrivé76] : 115) : "Lire un texte, c'est identifier la (les) isotopie(s) qui le parcoure(nt) et suivre, de proche en proche le (dis) cours de ces isotopies". J.-M. Adam s'attarde ainsi sur les faits de co-topie, hétérotopie et polyisotopie.

20
En ce qui concerne l'interaction sur Internet, L. Mondada fait remarquer que malgré la discontinuité apparente, la CMO reprend l'organisation de l'information comme à l'écrit, par exemple en faisant usage de la cataphore ([Mondada99] : 5).
4.2. L'implicite

21
L'incomplétude est la règle du discours, en vertu d'une loi d'économie du langage qui permet de ne pas tout dire (opération d'abrègement) et d'impliciter ce que l'auditeur ou le lecteur peuvent restituer facilement et / ou inférer sur la base de diverses formes d'implicite. Dans un texte, "Ce qui est dit – posé – est inséparable de ce qui est présupposé" (p. 115). J.-M. Adam reprend ici l'exemple bien connu du verbe transformatif - l'exemple étant en l'occurrence "Lucky Luke a cessé de fumer" (T1) - et la distinction opérée par O. Ducrot entre contenu présupposé et sous-entendu d'un côté, contenu posé de l'autre. Toutefois, à la différence de la "pragmatique intégrée" d'O. Ducrot, J.-M. Adam emploie la notion de "préconstruit". Lorsque quelqu'un énonce T1, il sous-entend probablement une idée unanimement reçue aujourd'hui, au point d'être imprimée sur les paquets de cigarettes : "Fumer nuit gravement à la santé" (donc à la santé de Lucky Luke). J.-M. Adam classe les idées reçues dans une catégorie d'implicites préconstruits, non impliqués par la structure linguistique des énoncés, contrairement aux présupposés, mais proches des sous-entendus proprement dits. Ces derniers sont dérivés par un processus interprétatif au cours duquel l'acte d'énonciation "Si elle ou il me dit T1" reçoit une interprétation du type "c'est qu'elle ou il veut me dire quelque chose d'autre" ([Ducrot77] : 33).

22
Ainsi, c'est probablement pour nous reprocher de fumer ou nous inciter à arrêter à notre tour que quelqu'un nous dira T1, en s'appuyant sur le préconstruit qui veut que fumer nuit gravement à la santé. La notion de préconstruit est liée à celle d'interdiscours et représente une reformulation des théories de la présupposition d'O. Ducrot.

23
L'inférence joue assurément un rôle majeur dans l'interprétation des messages échangés dans la CMO. Cela s'explique en partie par le principe d'économie qui caractérise toute communication, mais surtout par la nature particulière de ces types d'interaction, caractérisés par la rapidité et la place prééminente accordée aux sous-entendus. Par ailleurs, la notion de préconstruit peut être pertinente toujours dans cette direction et en relation avec le concept de communauté discursive.
4.3. Les connecteurs

24
La fonction fondamentale des connecteurs est de marquer une connexité entre deux unités sémantiques pour créer une structure "p connex q" ([Nølke02] : 186). Ces morphèmes contribuent à la linéarisation du discours. Ce qui les différencie, c'est qu'ils ajoutent ou non à cette fonction de connexion l'indication de prise en charge énonciative (PdV) et / ou d'orientation argumentative (ORarg). Les emplois et la fréquence des connecteurs varient selon les genres de discours. Leur fonctionnement change aussi en fonction des types de mise en texte : ils ont un poids plus important dans les textes argumentatifs, où ils servent à mettre en évidence les relations entre les arguments et contre-arguments, entre la thèse propre et la thèse adverse, alors qu'ils sont moins indispensables dans un texte narratif, où le déroulement chronologique est assuré par la succession des énoncés ([RiePelRioul94] : 623).

25
À côté des connecteurs, les organisateurs textuels jouent un rôle dans le balisage des plans de texte. Il y a les organisateurs spatiaux ("à gauche / à droite", "devant / derrière", "(au-) dessus / dessous", "plus loin", "d'un côté / de l'autre", etc.), les organisateurs énumératifs, où il faut distinguer entre les simples additifs ("et", "ou", "aussi", "ainsi que", "avec cela", "de même", "également", "en plus",...) et les marqueurs d'intégration linéaire qui ouvrent une série ("d'une part", "d'un côté", "d'abord", etc.), signalent sa poursuite ("ensuite", "puis") ou sa fermeture ("d'autre part", "enfin", "de l'autre", "en conclusion").

26
Le passage d'un objet de discours à un autre, en revanche, est souvent souligné par des marqueurs de changement de topicalisation comme "quant à" ou "en ce qui concerne". Les marqueurs d'illustration et d'exemplification, eux, ont pour fonction d'introduire des exemples : "par exemple", "en particulier", "notamment".

27
Particulièrement importants du point de vue de la prise en charge énonciative sont les marqueurs de cadre médiatif ou de "sources du savoir" : "Ces marqueurs signalent qu'une portion de texte n'est pas prise en charge (sa vérité garantie) par celui qui parle, mais médiatisée par une autre voix ou PdV." (p. 122). De même, la catégorie des marqueurs de reformulation souligne une reprise méta-énonciative qui est souvent une modification de point de vue ("c'est-à-dire", "autrement dit", etc.). À ces marqueurs, il faut ajouter les marqueurs de conversation ("bon", "ben", "pis", "alors") et autres phatiques ("tu sais", "tu vois", "euh", etc.). Ces derniers jouent un rôle très important dans la CMO. Par exemple, un phénomène spécifique aux clavardages est la rupture de l'alternance dans les tours de parole et la séparation des paires adjacentes de type question-réponse, d'où l'usage fréquent d'interjections conatives et des phatiques [Torres01].
4.4. Chaînes d'actes de discours

28
Si plus haut J.-M. Adam s'est intéressé aux micro-actes de discours qui caractérisent les propositions-énoncés, il élargit ici la perspective pragmatique au texte envisagé comme un tout. En effet, un texte n'est pas une simple suite d'actes d'énonciation possédant une certaine valeur ou force illocutoire, mais une structure d'actes de discours liés. Le principe de cette structure hiérarchique a très tôt été envisagé par E. Roulet [RouAucScheMoRu85] et par D. Viehweger ([Viehweger90] : 49) : "Les analyses concrètes montrent que les actes illocutoires qui constituent un texte forment des hiérarchies illocutoires subsidiaires [...]". Viehweger, en particulier, reproche aux "grammaires de texte" de ne pas saisir la structure actionnelle des discours.
5. Période et séquences : unités compositionnelles debase

29
En faisant de la proposition-énoncé une unité textuelle élémentaire (chapitre 3) et en envisageant ensuite les grandes opérations qui règlent les liages de ces unités (chapitre 4), J.-M. Adam s'est plutôt attaché à la description des agencements linéaires. Aussi, au cinquième chapitre, se penche-t-il sur le passage "de la mise en série des propositions-énoncés à leur empaquetage sémantique dans des unités textuelles de niveaux croissants de complexité" (p. 136). Il décrit les unités compositionnelles de base : période et séquences.

30
La notion de période, théorisée par les grammairiens et les styliciens classiques, est réapparue dans la linguistique des années 80, sous la plume des spécialistes de l'oral (Luzzati, Blanche-Benveniste, Berrendonner). Dans le champ de la linguistique textuelle, M. Charolles a été le premier à considérer la période comme un des plans d'organisation de la textualité.

31
En ce qui concerne les séquences, J.-M. Adam revient ici sur son livre de 1992 dont "le but a été de développer cette hypothèse des différents agencements préformatés de séquences contre les typologies de textes" (p. 137). En réalité, dans son ouvrage de 1999, il va encore plus loin, affirmant vouloir "en finir avec les types de textes" ([Adam99] : 81), cette typologie étant incapable, selon lui, de rendre compte de la diversité et de l'hétérogénéité des productions textuelles. D'où sa préférence pour les "prototypes de séquences".

32
Ces différents agencements sont dits "narratif", "argumentatif", "explicatif", "dialogal" et "descriptif". Les cinq types de base retenus correspondent à cinq types de relations macrosémantiques mémorisées par imprégnation culturelle (par la lecture, l'écoute, et la production de textes) et transformées en schéma de reconnaissance et de structuration de l'information textuelle. En distinguant des formes élémentaires de textualisation dites "narratives", "descriptives", "argumentatives", "explicatives" ou "dialogales", les propositions de J.-M. Adam s'inscrivent dans le prolongement linguistique de la théorie psycho-cognitive des schémas qui a son origine dans les travaux de Barlett [Barlett32] et qui a été développée surtout par Kintsch et Van Dijk (la psychologie cognitive est l'approche choisie dans un récent ouvrage faisant le point sur l'"activité de comprendre" (voir [HamonRen06]).
6. Le texte comme unité compositionnelle et configurationnelle

33
J.-M. Adam met en exergue du sixième chapitre cette affirmation de M. Meyer : "Certes le texte se matérialise bien par l'ensemble des phrases qui le composent, mais il les dépasse toujours." ([Meyer92] : 88) Avec O. Mink et Ricœur, J.-M. Adam appelle "configurationnelle" cette unité sémantique et pragmatique qu'est le texte "au sens où elle subsume les parties et se présente comme une saisie compréhensive du sens" (p. 175). Ce sont donc l'unité thématique et l'unité illocutoire qui déterminent la cohérence sémantico-pragmatique globale d'un texte.

34
Les plans de texte jouent, quant à eux, un rôle essentiel dans la composition macro-textuelle du sens. Ils correspondent à ce que la rhétorique rangeait dans la disposition. Ce modèle rhétorique ne rend toutefois pas compte de la variété des plans de textes possibles. Un plan de texte peut être "conventionnel", c'est-à-dire fixé par l'état historique d'un genre ou d'un sous-genre de discours. Mais le plan de texte d'un éditorial, d'une chanson ou d'un poème, du rédactionnel d'une publicité, d'un discours politique, d'une nouvelle ou d'un roman est, le plus souvent "occasionnel", inattendu, décalé par rapport à un genre ou à un sous-genre de discours. J.-M. Adam tient à préciser que si la structuration séquentielle est facultative, dans la mesure où les empaquetages de propositions n'aboutissent pas toujours à des séquences complètes, le plan de texte, en revanche, est "le facteur unifiant de la structure compositionnelle" (p. 177).

35
Peut-on étendre, appliquer la notion de "plan de texte" à la CMO ? Compte tenu de sa plus importante structuration par rapport aux échanges des forums et des clavardages, le courriel est peut-être la forme où cette notion serait la plus pertinente.
6.1. L'effet de dominante

36
En dépit de cette hétérogénéité fréquente, la caractérisation globale d'un texte résulte d'un effet de dominante : le tout textuel est, dans sa globalité et sous forme de résumé, caractérisable comme plutôt "narratif", "argumentatif", "explicatif", "descriptif" ou "dialogal". Le concept de "dominante", que J.-M. Adam applique ici à la caractérisation globale des textes, a été utilisé en linguistique, dans des contextes très différents, par Ch. Bally et par R. Jakobson. Dans le célèbre article de 1935 où il définit l'œuvre poétique comme "un message verbal dans lequel la fonction esthétique est la dominante" ([Jakobson73] : 147), Jakobson développe une réflexion sur la façon dont une dominante "pèse sur la structure" ([Jakobson73] : 146). J.-M. Adam fait néanmoins remarquer que parler de dominante d'un type ou d'un autre de séquences ne signifie pas replonger dans les typologies de textes, auxquelles l'auteur reproche de ne pas saisir la complexité des agencements séquentiels.

37
Dans la CMO les effets de dominante relèvent de l'explicatif, du descriptif et de l'argumentatif.

38
Quant au dialogal, des distinguos s'imposent entre clavardages, courriels et forums. Par exemple, comme le signale M. Marcoccia (cité par [CelikMang04]),

dans un forum de discussion, il est impossible de sélectionner un destinataire. Toute intervention est "publique", lisible par tous les participants au forum, même si elle se présente comme la réaction à une intervention initiative particulière. L'aparté est impossible : le polylogue est la forme habituelle du forum et le multiadressage en est la norme.
6.2. Macro-structure sémantique (thème, topic) et micro-actes de discours

39
Un texte peut presque toujours être sémantiquement résumé par un titre (donné ou à déduire). On parle à ce propos de "macro-structure sémantique" ou de "thème-topic du discours" établi soit à la production pour guider l'interprétation, soit lors de la lecture / audition d'un texte. Comprendre un texte, c'est également pouvoir répondre à une question pragmatique : pourquoi, pour accomplir quel but, avec quelle visée argumentative, ce texte a-t-il été produit ? Comprendre l'action langagière engagée en dérivant ainsi un macro-acte de discours d'une suite plus ou moins hiérarchisée d'actes est une autre façon de résumer un texte et donc de l'interpréter dans sa globalité.
7. Le fonctionnement textuel des temps verbaux

40
Le septième chapitre est consacré au fonctionnement textuel des temps verbaux. H. Weinrich a été un des premiers à examiner le rôle textuel des temps verbaux [Weinrich73] dans une perspective qu'il nommait déjà la "linguistique textuelle". Contrairement à ce qui se fait encore dans les travaux les plus récents, qui ne prennent comme objet d'analyse que des suites de deux phrases, H. Weinrich s'intéressait aux effets textuels liés aux suites de temps identiques (suites de passé simple ou de passé récent, etc.) et aux transitions entre temps proches (passé simple + imparfait différente de passé récent + futur, par exemple).

41
J.-M. Adam se démarque néanmoins de la position de H. Weinrich lorsque celui-ci affirme que seules les transitions homogènes "garantissent la consistance d'un texte, sa textualité" ([Weinrich73] : 204). Selon J.-M. Adam, en revanche, les variations énonciatives marquées par les formes verbales font partie des effets de sens propres aux textes. Ce bref chapitre se penche précisément sur les effets de ces transitions, l'objectif étant de dessiner "les grandes lignes d'une approche globale de l'emploi textuel du système verbal français" (p. 194).

42
En s'appuyant sur É. Benveniste, J.-M. Adam souligne que la possibilité d'une narration au passé composé divise le discours en "narration de discours" et "énonciation de discours". La présence de déictiques comme "maintenant" dans un co-texte à l'imparfait et même au passé simple s'explique, elle, par le fait que le repérage de l'énoncé est interne au monde construit par le texte. Dans ce mode énonciatif non actualisé, l'origine de la référence temporelle est à chercher dans une deixis que l'on peut dire "secondaire". Rappelons que le recours à la "deixis textuelle" est l'un des phénomènes qui, dans la CMO, assurent une certaine organisation de l'information, malgré la discontinuité apparente qui caractérise ce type de communication ([Mondada99] : 5).

43
J.-M. Adam reprend la distinction opérée par É. Benveniste entre les systèmes de l'"énonciation de discours" et de l'"énonciation historique", qui propose un dépassement des représentations traditionnelles des paradigmes verbo-temporels. Cette division du système des temps correspond, chez H. Weinrich, à l'opposition entre erzählte Welt "monde raconté" et besprochene Welt qui, d'après J.-M. Adam, a été improprement traduit par "monde commenté" ou "commentaire", alors que Besprechen signifie : discuter, débattre, parler de quelque chose avec quelqu'un.

44
L'auteur déplore que cette tendance à la division binaire se soit malheureusement figée dans la vulgarisation scolaire du couple récit / discours, introduisant une confusion qu'É. Benveniste avait pourtant dénoncée par anticipation : "Nous parlons toujours des temps du 'récit historique' pour éviter le terme "temps narratifs" qui a créé tant de confusion" ([Benveniste76] : 242). Dans Le texte narratif déjà, J.-M. Adam s'en prenait à la mauvaise lecture d'É. Benveniste et à la mauvaise traduction du texte d'H. Weinrich ([Adam94] : 236). Il regrette ensuite que le glissement terminologique ait induit, depuis H. Weinrich, G. Genette et D. Maingueneau, une confusion entre plans énonciatifs et séquentialité.

45
Il est intéressant de remarquer que J.-M. Adam s'en tient ici à la distinction par É. Benveniste entre "discours" et "histoire", alors qu'à la suite de D. Maingueneau on préfère aujourd'hui utiliser les termes de "plan embrayé" (= discours) et "plan non embrayé" (= histoire), considérés moins ambigus que les dénominations choisies par É. Benveniste. Une définition de dictionnaire ou un proverbe, par exemple, ne sont pas des énoncés narratifs, mais ils sont dépourvus d'embrayage. Ils relèvent ainsi du "plan non embrayé", mais non du récit ([CharauMaingue02] : 210-211).
8. Analyse textuelle d'un récit de Jorge Luis Borges :"Le Captif"

46
Dans ce huitième et dernier chapitre, J.-M. Adam procède à l'analyse translinguistique de ce bref récit de J. L. Borges. Il propose une approche textuelle de sa traduction, critiquant celle donnée par R. Caillois. L'analyse de ce texte permet à J.-M. Adam de rassembler quelques-unes des propositions théoriques et méthodologiques développées dans les précédents chapitres de son ouvrage. J.-M. Adam commence par souligner que ce texte s'inscrit dans la formation sociodiscursive littéraire latino-américaine. Il pointe ensuite les lacunes de la traduction par R. Caillois : elle manque le réseau de connexions entre titre, co-texte, intertexte et interculture. J. M. Adam dégage enfin la structure compositionnelle de ce texte.
9. Pour conclure

47
Dans cet ouvrage, l'auteur fait preuve de toute la rigueur qu'on lui connaît et varie opportunément les genres analysés : textes de La Bruyère à Borges, textes journalistiques et politiques (dont un discours de Giscard d'Estaing). Il fait ainsi émerger les usages de la langue en discours et la complexité des agencements textuels d'énoncés. En parlant d'analyse textuelle des discours, J.-M. Adam entame ici un dialogue entre la linguistique textuelle, qui relève des sciences du langage, et les disciplines des textes littéraires (comme la stylistique) d'une part ; entre la linguistique textuelle et les "sciences de l'information et de la communication" d'autre part (cf. [AdamBonh97]). De ce point de vue, on peut souhaiter un élargissement de son corpus à la CMO qui, on l'a vu, participe des genres traditionnels tout en introduisant des aspects nouveaux qu'il s'agit de creuser à l'aide des notions présentes dans cet ouvrage. Cela aiderait à faire progresser les connaissances à la fois dans le domaine de la linguistique textuelle et dans celui de la CMO.
Références

Les liens externes étaient valides à la date de publication.

Les liens externes étaient valides à la date de publication.
Bibliographie

[Adam90]
Adam, J.-M. (1990). Éléments de linguistique textuelle. Bruxelles-Liège : Mardaga.

[Adam94]
Adam, J.-M. (1994). Le texte narratif. Paris : Nathan.

[Adam99]
Adam, J.-M. (1999). Linguistique textuelle - Des genres de discours aux textes. Paris : Nathan.

[Adam01]
Adam, J.-M. (2001). Les textes : types et prototypes. Paris : Nathan.

[Adam02]
Adam, J.-M. (2002). "Linguistique textuelle". In Charaudeau, P. & Maingueneau, D. (dir.). Dictionnaire d'analyse du discours. Paris : Seuil. pp. 345-346.

[Adam05]
Adam, J.-M. (2005). Les textes : types et prototypes - Récit, description, argumentation, explication et dialogue. Paris : Armand Colin.

[AdamBonh97]
Adam, J.-M. & Bonhomme, M. (1997). L'argumentation publicitaire - Rhétorique de l'éloge et de la persuasion. Paris : Nathan.

[AdaGriBoua04]
Adam, J.-M., Grize, J.-B. & Bouacha, M. A. (dir.) (2004). Texte et discours : catégories pour l'analyse. Dijon : Éditions Universitaires de Dijon.

[Arrivé76]
Arrivé, M. (1976). Lire Jarry. Bruxelles : Complexe.

[Bakthine75]
Bakhtine, M. (1975). Esthétique et théorie du roman. Paris : Gallimard, 1978.

[Barlett32]
Barlett, Sir F. C. (1932). Remembering. Cambridge: Cambridge University Press.

[Benveniste76]
Benveniste, E. (1976). Problèmes de linguistique générale. Paris : Gallimard.

[Berrendonner83]
Berrendonner, A. (1983). "Connecteurs pragmatiques et anaphores". Cahiers de linguistique française, université de Genève, n° 5. pp. 215-246.

[Bronckart96]
Bronckart J.-P. (1996). Activités langagières, textes et discours. Lausanne-Paris : Delachaux et Niestlé.

[Carter00]
Carter-Thomas, S. (2000). La cohérence textuelle. Paris : L'Harmattan.

[CelikMang04]
Celik, C. & Mangenot, F. (2004). "La communication pédagogique par forum : caractéristiques discursives". Les Carnets du Cediscor, n° 8. pp. 75-88. Paris : Presses Sorbonne. Disponible en ligne. http://w3.u-grenoble3.fr/espace_pedagogique/celik-mangenot-cediscor.doc

[CharauMaingue02]
Charaudeau, P. & Maingueneau, D. (2002). Dictionnaire d'analyse du discours. Paris : Seuil.

[Combettes83]
Combettes, B. (1983). Pour une grammaire textuelle. Bruxelles : Duculot.

[DeBeauDress81]
De Beaugrande, R. & Dressler, W. (1981). Introduction to Text Linguistics. London-New York: Longman.

[Ducrot77]
Ducrot, O. (1977). "Présupposés et sous-entendus (réexamen)". Stratégies discursives. Lyon : Presses Universitaires de Lyon. pp. 33-43.

[DucrotSchae95]
Ducrot, O. & Schaeffer, J.-M. (dir.) (1995). Nouveau Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage. Paris : Seuil.

[Foucault69]
Foucault, M. (1969). L'archéologie du savoir. Paris : Gallimard.

[Grésillon89]
Grésillon, A. (1989). "Fonctions du langage et genèse du texte". In Hay, L. (dir.). La naissance du texte. Paris : Corti, pp. 177-192.

[HamonRen06]
Hamon, L. & Renard, C. (2006). "Analyse de Aider les élèves à comprendre – Du texte au multimédia". Apprentissage des Langues et Systèmes d'Information et de Communication (Alsic), vol. 9, n° 1. Disponible en ligne. http://alsic.u-strasbg.fr/v09/hamon/alsic_v09_06-liv3.htm

[Jakobson73]
Jakobson, R. (1973). Questions de poétique. Paris : Seuil.

[Labov78]
Labov, W. (1978). Le parler ordinaire. Paris : Minuit.

[Meyer92]
Meyer, M. (1992). Langage et littérature. Paris : PUF.

[MoeschReboul98]
Moeschler, J. & Reboul, A. (1998). Pragmatique du discours. Paris : Armand Colin.

[Mondada99]
Mondada, L. (1999). "Formes de séquentialité dans les courriels et les forums de discussion. Une approche conversationnelle de l'interaction sur Internet". Apprentissage des Langues et Systèmes d'Information et de Communication (Alsic), vol. 2, n° 1. pp. 3-25. Disponible en ligne. http://alsic.u-strasbg.fr/Num3/mondada/alsic_n03-rec1.htm

[Nølke02]
Nølke, H. (2002). "Pour un traitement modulaire de la syntaxe transphrastique". Verbum XXIV,n° 1-2. pp. 179-192. Nancy : Presses universitaires de Nancy.

[Rastier01]
Rastier, F. (2001). Arts et sciences du texte. Paris : PUF.

[RebMourRako04]
Reboul-Touré, S., Mourlhon-Dallies, F. & Rakotonoelina, F. (dir.) (2004). Les discours de l'Internet : nouveaux corpus, nouveaux modèles ? Les Carnets du Cediscor, n° 8.

[RiePelRioul94]
Riegel, M., Pellat, J.-C. & Rioul, R. (1994). Grammaire méthodique du français. Paris : PUF.

[RouAucScheMoRu85]
Roulet, E., Auchlin, A., Schelling, M., Moeschler, J. & Rubattel, C. (1985). L'articulation du discours en français contemporain. Berne : Peter Lang.

[Slatka75]
Slatka, D. (1975). "L'ordre du texte". Études de Linguistique Appliquée, n° 19. pp. 30-42.

[Torres01] Torres i Vilatarsana, M. (2001). "L'analyse du discours médiatisé par ordinateur : l'apport de la linguistique à la société de l'information". In Actes du Colloque "La Communication Médiatisée par Ordinateur : un carrefour de problématiques". Université de Sherbrooke, 15-16 mai 2001. Disponible en ligne. http://grm.uqam.ca/activites/cmo2001/torres.html

[Viehweger90]
Viehweger, D. (1990). "Savoir illocutoire et interprétation des textes". In Charolles, M., Fisher,

S. & Jayez, J. (dir.). Représentations et interprétations. Nancy : Presses universitaires de Nancy. pp 41-51.

[Weinrich73]
Weinrich, H. (1964). Le Temps. Paris : Seuil, 1973.
Bibliographie complémentaire non citée dans l'article

[Adam06]
Adam J.-M. (2006). "Autour du concept de texte. Pour un dialogue des disciplines de l'analyse des données textuelles". Conférence plénière d’ouverture des Journées internationales d’Analyse des DonnéesTextuelles (JADT). Besançon, 19-21 avril 2006. Disponible en ligne.http://www.cavi.univ-paris3.fr/lexicometrica/jadt/JADT2006-PLENIERE/JADT2006_JMA.pdf

[AdamHeidmann06]
Adam J.-M. & Heidmann U. (2006). "Entretien de J.-M. Adam et U. Heidmann avec R. Baroni". Vox Poetica. Disponible en ligne. http://www.vox-poetica.com/entretiens/heidmann%20adam.html
Notes

1 Dans l'introduction de ce récent ouvrage collectif, J.-M. Adam insiste sur cette proposition de méthode essentielle qui consiste à ne pas séparer les notions de texte et de discours. Nous en profitons ainsi pour signaler ce recueil d'articles, qui ne figure pas dans la bibliographie très fouillée de l'ouvrage ici analysé. D'autant plus qu'on peut y lire les contributions de plusieurs auteurs convoqués dans le présent ouvrage, dont, entre autres, B. Combettes, J.-B. Grize, G. Kleiber et D. Maingueneau.

2 Nous soulignons au passage que dans l'article "linguistique textuelle" du Dictionnaire d'analyse du discours, J.-M. Adam définissait déjà cette discipline comme "auxiliaire de l'analyse de discours".

إبراهيم براهيمي
25-07-2009, 08:31 PM
"لسانيات النص" – Linguistique Textuelle -كما نقول في المغرب الكبير أو /"علم لغة النص"/ كما يقول إخواننا المشارقة- هي علمٌ ناشئٌ وحقلٌ معرفي جديد تكوّن بالتدريج في السبعينيات من القرن العشرين، وبرز بديلا نقديا لنظرية الأدب الكلاسيكية التي توارت في فكر "الحداثة" و"ما بعد الحداثة"، وراح هذا العلم الوليد يطوّر من مناهجه ومقولاته حتى غدا "أهمّ وافدٍ" على ساحة الدراسات اللسانية المعاصرة، وقد نشأ على أنقاض علوم سابقة له كـ"لسانيات الجملة" و"اللسانيات النَّسَـقية" و"الأسلوبية"، ثم انطلق من معطياتها وأسس عليها مقولات جديدة، وهو قريب جدا من صنوه "تحليل الخطاب"، غير أن هذا الفرع الأخير يقوم على أساس التحليل البنيوي، أما فرع "لسانيات النص"- حتى وإن استثمر جميع النظريات اللسانية السابقة عليه- فهو يقوم في الأعم الأغلب على أساس التحليل التداولي، وأهم ملمح في لسانيات النص أنه غني متداخل الاختصاصاتInter-disciplinaire يشكِّل محور ارتكاز عدة علوم، ويتأثر دون شك بالدوافع ووجهات النظر والمناهج والأدوات والمقولات التي تقوم عليها هذه العلوم.
وأما في التراث العربي فقد بحث بعض علمائنا في "النص" ونظّروا له ولم يتوقفوا عند التنظير للجملة كما يحلو لبعضهم أن يردد؛ فمن علمائنا الذين قدموا إسهاما علميا ناضجا (في مجال التنظير والتطبيق النصي) الإمام عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) في "نظرية النظم" (كتاب: دلائل الإعجاز)، وتبرز قيمته "النصية" في أنه جمع بين علوم كثيرة كـ"النحو" و"علم المعاني" و"علم البيان" و"التفسير" و"دلالة الألفاظ" و"المعجمية" و"المنطق"... وألّف بين أشتاتها في تناغم عجيب واتخذ منها أدوات معرفية متضافرة على تحقيق هدف واحد هو: خدمة النص القرآني وبيان إعجازه. وقد كانت فكرة "الانسجام النصي" (Cohérence textuelle) واضحة في ذهن عبد القاهر وضوحا متميزا حتى إننا نجده يعبر عنها بقوله: "واعلم أن مَثَلَ واضعِ الكلامِ مَثَلُ من يأخذ قطعا من الذهب أو الفضة فيذيبُ بعضَها في بعض حتى تصير قطعة واحدة..."(5) وهذا يدل على أن بنية النص في تصور عبد القاهر الجرجاني تصل إلى مرتبة "الصهر" الذي هو أعلى درجات "التشكيل".

إبراهيم براهيمي
25-07-2009, 08:42 PM
المناهج النقدية المعاصرة من البنوية إلى النظمية ـــ د. حلام الجيلالي- السعودية



المناهج النقدية المعاصرة من البنوية إلى النظمية ـــ د. حلام الجيلالي- السعودية

المقدمة‏

يعدّ النقد من أهمّ الحوافز الدافعة إلى ازدهار الإبداع الأدبي، وتطوير أشكاله الفنية ومقاصده الفكرية والثقافية، وتنوّع مناهجه التحليلية. وما فتئ كلّ إبداع سردي أو شعري يقابل بإبداع نقدي في مواكبة دائبة عبر توالي العصور وتعاقب الأجيال. وما ازدهر الأدب في عصر من العصور إلا وكان النقد رافداً له؛ تفسيراً أو تقييماً أو إبداعاً، وكلما قلتَ القراءة المبدعة خبت جذوة الإبداع وقاربت الأفول؛ فوقف الكتّاب عند عتبة السائد، واكتفى النقاد والدارسون بما تحقق لديهم من مناهج وأدوات ورؤى؛ فجاءت قراءاتهم تقليدية مكرّرة، تكبت مقصدية النصّ، وتخبت طموح الناصّ.‏

وقد تداولت على النقد الأدبي عبر مسيرته التطوّرية مناهج متعدّدة، بدأت القراءة التذوقية مروراً بالمناهج البلاغية والاجتماعية والنفسية في إطارها السياقي، إلى أن جاء التحوّل النسقي مع ظهور البنيوية وما بعد البنيوية كالسيميائية ونظرية التلقي والنصّانية والتقويضية والموضوعاتية والتداولية؛ فكانت أكثر المناهج تأثيراً في مسيرة النقد الأدبي هي تلك النظريات المنبثقة عن اللسانيات الحديثة في بحر القرن العشرين.‏

وتأتي هذه الورقة البحثية لتطرح إشكالية المنهج في القراءات النقدية المعاصرة ضمن إطارها النظري والتطبيقي، انطلاقاً من مدخل نظري يحاول تحديد مفهوم مصطلح النقد وصلته بمناهج التحليل المستنبطة أساساً من الدرس اللغوي. وتطمح الدراسة إلى تناول بعض المناهج النقدية المعاصرة الأكثر إثارة، وما آلت إليه من انحسار في العقود الأخيرة. كما تقترح مشروع منهج لقراءة لسانياتية تستثمر عدداً من النظريات الحديثة في ظلّ القراءة النظمية التي ترى أنّ البنية الإسنادية للجملة لا تفي بالغرض إلا بما قبلها وما بعدها، وأنّ النص في بعده النظمي والتداولي هو الوحدة الأولى والأخيرة لكلّ قراءة نقدية، وأن لا سلطة لعنصر من العناصر الفنية لتشكيل النصّ دون آخر.‏

وتصل الدراسة إلى أن النقد الأدبي يجب أن يظل مشروعاً مستقبلياً متجدّداً، مواكباً ومفتوحاً على كلّ المناهج والنظريات، ما دام المنهج الواحد قاصراً عن استيفاء النصّ حقه في التفسير والتأويل؛ وما دام النصّ نسيجاً تواصلياً، إطاره النظم وأداته اللغة، وهي ظاهرة اجتماعية تتشابك فيها كلّ القيم والأبعاد الحضارية؛ فكرية واجتماعية ودينية وفنية وسياسية.‏

أوّلاً/ في مفهوم النقد والمنهج:‏

إنّ مصطلح النقد بات فضفاضاً جداً، تتوسّله جملة من المعارف الإنسانية والتيارات الفكرية. وكلما دخل معرفة أو دلف تياراً فكرياً تغيّرت دلالته وتباينت أهدافه تبعاً لسنة تطور العلوم الإنسانية وتباين نصوصها وخطاباتها وبيئاتها ومجالاتها الفكرية والثقافية والاجتماعية والفنية والسياسية على توالي الأزمان.‏

والنقد من هذه الوجهة إبداع لإبداع آخر، فلا يمكن لأحدهما أن ينمو ويزدهر في منأى عن قرينه؛ فأيّ إنتاج إبداعي إنما هو دعوى في حاجة إلى تحقيق ومساءلة، وإبداع أوّلي يحتاج إلى إبداع ثان يفسّره أو يقوّمه أو يطوّره ويستشرف فيه رؤى سيرورته عن المستقبل. والنقد من هذه الوجهة فنّ شمولي، يتضمّن جوانب تطبيقية تعنى بالتحليل، وأخرى تنظيرية تعنى بالتأسيس والتأصيل والإبداع، وفي كلتا الحالتين ما فتئ يتخطى ويتجاوز منذ أن حاول أرسطوطاليس (322 ق. م) أن يضع قوانين للإبداع في كتابه فنّ الشعر، مروراً بحازم القرطاجني (684 هـ/1285م) حين تجاوز ذلك بمنهاج البلغاء، وصولاً إلى رولان بارت في الدرجة الصّفر للكتابة.‏

فقد سعى حازم إلى نقل أدبية الأدب من المحاكاة التقليدية ذات المنحى الأسطوري المحدودة الأغراض عند اليونان إلى الواقع الإبداعي؛ فصرّح بأنّ القوانين الشعرية الأرسطية يضيق عنها الشعر العربي؛ لأنها محكومة بعادات وأغراض خاصة بهم، ولو وجد أرسطو ما في الشعر العربي من ضروب الإبداع لزاد على ما وضع من القوانين(1)، ثمّ أضاف (فإني رأيت الناس لم يتكلموا إلا في بعض ظاهر لما اشتملت عليه تلك الصنعة فتجاوزت أنا تلك الظواهر..)(2)، فسنّ بذلك عنصر الإبداع النقدي. وفي العصر الحديث وجدنا ميخائيل نعيمة يعبّر عن خاصية الإبداع في النقد حين يقول (إنّ فضل الناقد لا ينحصر في التمحيص والتثمين والترتيب؛ فهو مبدع ومرشد مثلما هو ممحّص ومثمّن ومرتب)(3). ويعمّق محمود أمين العالم(4) هذه الفكرة فيرى أن النقد بقدر ما يهدف إلى التفسير والتقييم والكشف، يهدف إلى إضاءة وتعميق الوعي والتذوّق وتجاوز القصور تجاوزاً إبداعياً.‏

وإذا كانت وظيفة الناقد هي تلك، فلا مناصّ من أيّ تحليل أو قراءة نقدية مبدعة لا بدّ وأن تستند إلى منهج، والمنهج في أبسط تعريفاته ـ بالإضافة إلى رؤاه الفكرية ـ طريقة موضوعية يسلكها الباحث في تتبع ظاهرة، أو استقصاء خبايا مشكلة ما لوصفها أو لمعرفة حقيقتها وأبعادها، ليسهل التعرف على أسبابها وتفسير العلاقات التي تربط بين أجزائها ومراحلها وصلتها بغيرها من القضايا، والهدف من وراء ذلك هو الوصول إلى نتائج محدّدة يمكن تصنيفها وتعميمها في شكل أحكام أو ضوابط وقوانين للإفادة منها فكرياً وفنياً.‏

وقد ثبت أنه لا يمكن البحث في أية ظاهرة وتحليلها تحليلاً علمياً دون الأخذ بمنهج يناسب الظاهرة المدروسة بعد تحديد عناصرها وأبعادها وعلاقتها بالظواهر الأخرى؛‏

ذلك أن المنهج طريقة للبحث توصلنا إلى نتائج مضمونة أو شبه مضمونة في أقصر وقت وبأقل جهد ممكن كما أنه وسيلة تحصّن الباحث من أن يتيه في دروب ملتوية من التفكير النظري، ولا يستطيع تحقيق النتائج العلمية المرجوة في زمن قياسي؛ وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الفرنسي ديكارت R.Descartes (1595/ 1626م) حين الحديث عن أهمية المنهج بقوله: (لئن تترك البحث خير لك من أن تلجه من غير منهج)(5).‏

وتعلمنا المسلمات المشاهدة أنّ المعادن النادرة توجد دائماً مختلطة بالتراب، وهي في حاجة إلى أدوات ووسائل لاستخراجها، وكذا المعاني الراقية في النصّ تحوجك دائماً إلى مفاتيح وآليات متنوعة كي تصل إليها؛ لأن الغموض من سلطة النظم في النصّ؛ والإبداع الحقيقي لا يبوح إلا بقدر الجهد المبذول ونجاعة الآليات، يقول الجرجاني: (إن المعنى إذا أتاك ممثلاً فهو ينجلي لك بعد إن يحوجك إلى طلبه، بالفكرة وتحريك الخاطر والهمّة في طلبه، وما كان منه ألطف، كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجاجه أشدّ. ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى والميزة أولى.. فإنك تعلم على كلّ حال أن هذا الضرب من المعاني كالجوهرة في الصدف لا يبرز لك إلا بعد أن تشقه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه، ثم ما كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه، ولا كل خاطر يؤذن له في الوصول إليه، فما أحد يفلح في شق الصّدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة)(6). وسرّ الغموض في الإبداع الأدبي ليس مقصوداً لذاته بل لغاية إبراز المعاني الراقية والأفكار العالية التي لا تنقاد بالألفاظ الساذجة والتراكيب المباشرة؛ فيلجأ الناصّ في تجسيدها إلى أدوات بيانية من مجاز وتشبيه واستعارة، وتنويعات تركيبية وأسلوبية متعدّدة.‏

وتبعاً لذلك، فإنّ المنهج رؤيا تتوخى الوصول إلى أسرار النصّ ومقاصده، وأداة بحث منهجية تقرّب تحقيق هذه الغاية؛ فكما أنه يمكنك تعقيم الماء بطرائق مختلفة كالتقطير والترشيح والصدمات الكهربائية أو إضافة بعض الأحماض، فكذلك مناهج قراءة النصّ قد تكون تذوقية أو تاريخية أو نفسية أو بنيوية أو سيميائية أو تداولية، وكلها توصل إلى نتائج؛ غير أنّ النتائج المتوصّل إليها تختلف باختلاف المادة والمنهج المتّبع؛ لأن المنهج في جوهره ليس أداة فحسب، بل فكرة تحمل رؤية جزئية أو كلية إلى الكون بهدف تفسير ما يحتويه من موجودات وظواهر والوقوف على العلاقات التي تربط بينها، وتحيل على القضايا المطروحة بطريقة تستند إلى نظريات وأدوات تسهّل الوصول إلى مقاصد المبدع والإبداع، من منظور أن الناصّ مدّع والنصّ أطروحة تحتاج إلى تحقيق.‏

ولا شكّ في أنّ النصّ؛ أيّ نصّ يحمل حقيقة قد تطابق الموضوع وقد لا تطابقه، وتبعاً لذلك يظلّ التحليل مفتاحاً للتفسير والتأويل ما دامت اللغة لا تبوح عن جميع أسماء مسمياتها، وتظلّ محتفظة بحقيقة أخرى خفية وعلى الناقد أن يكتشفها بأكبر عدد من الوسائل والنظريات.‏

وإذا تجاوزنا قضية المنهج بوصفه أداة عملية، ولجنا في قضية الأدب بوصفه موضوعاً للدراسة، وأنّ المادة المحسوسة هي (النصّ) في حمولته الفكرية والثقافية التي تتقاطع مع شتى العلوم، ممّا يوجب تقاطع المناهج تبعاً لذلك حتى يظلّ الأدب أدباً؛ أي أنّ الهدف ليس الأدب أو الشعر، وإنما أدبية الأدب أو شعرية الشعر؛ أو بمعنى آخر ما يجعل الأدب أدباً في خصائصه ووظائفه وقضاياه ورؤاه الآنية والمستقبلية.‏

ثانياً/ المناهج النقدية المعاصرة:‏

يعود انبثاق المناهج النقدية الحديثة في أوربا إلى تراث ثرّ من التراكمات الثقافية والتيارات الفكرية المختلفة التي عمل على إثرائها تقاطع العديد من المعارف والآداب العالمية لحضارات وشعوب متباينة، وما انبثق عنها من فلسفات مثالية وإسلامية ووجودية ومادية وذرائعية؛ وبقدر ما انتعشت تلك المناهج في الغرب، كان لها أثرها وتفاعلها في الدراسات النقدية العربية اتباعاً مرة ومثاقفة في طور آخر. وقد برزت هذه المناهج في عدد من الاتجاهات يمكننا حصرها في مسارين:‏

أ ـ مسار المناهج السياقية، وعمادها الإسقاطات السياقية والأحكام التذوقية والملابسات الخارجية في تحديد مقاصد النصّ ودلالته، وفيها يستعين الناقد في قراءاته للنصوص بالملابسات الاجتماعية والثقافية والنفسية ونحوها. ونلمس ضمن هذا المسار زمرة من المناهج لعلّ من أهمّها:‏

ـ المنهج الاجتماعي أو ما عرف بالواقعية الاشتراكية والنقد الثقافي(7) الذي تولد عن المادية التاريخية مع كارل ماركس من منظور علاقات الإنتاج الاقتصادي والطبقات الثقافية في المجتمع؛ حيث يعدّ الأدب نتاجاً للواقع الاجتماعي، ومن أعلامه بيير زيما ولوي ألتسير وجورج لوكاتش وغيرهم، كما وجد اهتماماً من لدن النقاد العرب(8) خلال الخمسينات والستينيات لارتباطه بحركات التحرر والتوجّه الاشتراكي في العالم العربي.‏

ـ المنهج النفسي، ويعتمد على إسقاط مقاصد النصّ المقروء على الحالات النفسية التي ترافق الشخص في نموّه وما يلازمه من كبت وعقد نفسية تترسّب في اللاوعي نتيجة الحظر الاجتماعي. وقد برز منهج التحليل النفسي من فلسفة اللاوعي مع فرويد وجون لاكان وغيرهما.‏

ـ المنهج الظاهراتي، وقد انبثق هذا المنهج من الوجودية مع جان بول ساتر (J. P. Sartr)، ثم تبلور في فلسفة إدموند هوسرل (1859/1938م) وانتهى إلى مبدأ القطيعة المعارفية مع غاستون باشلار، ثم إلى السيميائية الصوفية مع جوليا كريستيفا. ويرى هذا المنهج أنّ المعرفة أو مقاصد النصّ لا تأتي بمحاولة تحليل النصّ، وإنما بتحليل الذات وهي تتعرف على العالم في حال تقمّصها لعملية الإبداع، فيقوم النقاد بتحليل الوعي البشري الذي استبطن الأشياء فتحوّلت إلى ظواهر قابلة للدراسة.‏

ب ـ مسار المناهج النسقية، وفيها يعتمد الناقد على بنية النصّ ونسقه مبعداً كلّ الملابسات الخارجية. وقد بدأ هذا المسار بظهور اللسانيات البنيوية مع فردينان دي سوسير (F. De. Saussure) (1857/1913م)؛ في ظلّ فلسفة الجشتلت ونظرية النظم وقانون انشطار الذرّة؛ ولذلك اعتبر رومان ياكوبسن رائد مدرسة براغ الوظيفية انشطار الصّيتة (الفونام) إلى سمات وصفات في اللغة معادلاً لانشطار الذرّة في الفيزياء.‏

وتعدّ البنيوية نموذجاً معرفياً واسعاً امتدّ تأثيره إلى كثير من العلوم الإنسانية، وأصبح منطلقاً للأفكار التي قامت عليها المدارس اللغوية العربية خلال القرن العشرين، كما باتت اللسانيات البنيوية منبعاً لأكثر المناهج النقدية المعاصرة التي تمثلها عدد من النقاد؛ فظهر المنهج البنيوي على اختلاف توجهاته الشكلانية والتكوينية، وما بعد البنيوي بنظرياته المتباينة، انطلاقاً من رولان بارت في كتابه درجة الصفر للكتابة؛ حيث يعدّ نقداً للوجودية، وفي أعمال كلود ليفي ستراوس، كما أفادت منه السيميائية مع بيرس وغريماس ثم التفكيكية والنصّانية والتداولية من زوايا مختلفة.‏

ويلاحظ أن بعض هذه المناهج قد ولى وانحسر نسبياً مثل النقد الثقافي الاجتماعي الذي عرف بالبنيوية التكوينية أو الواقعية الاشتراكية، والظاهراتية ونظرية التحليل النفسي، في حين ظلّ المنهج البنيوي قائماً في شكل بنيويات مستحدثة، ـ وإن حكم بعض الدارسين والنقاد بانتهاء النقد البنيوي ونفوقه ـ باسم ما بعد البنيوية أو الحداثة كما في التفكيكية والنصانية ونظرية التلقي والتداولية.‏

ولعلّ من أهمّ المناهج النقدية المعاصرة التي نعتقد أنه كان لها أثر واضح في تحليل الأعمال الأدبية؛ ونودّ أن نستعرض جانباً منها في هذه الورقة البحثية هي:‏

البنيوية والسيميائية والموضوعاتية وما ظهر ضمن توجّهات ما بعد البنيوية مثل التفكيكية أو التقويضية ونظرية التلقي ونظرية النصّ والنظرية التداولية، بالإضافة إلى مقترح مشروع منهج في القراءة النصانية وقد أطلقنا عليه مصطلح المنهج اللسانياتي النظمي.‏

1 ـ المنهج البنيوي (Sructural): تعني البنيوية في معناه الواسع تشكل الظواهر الكونية والموجودات المختلفة في بنية من الأجزاء والعناصر المترابطة بحكم نظام متكامل من العلاقات لأداء وظائفها الدلالية؛ ويشمل هذا التحديد دراسة كل الظواهر الإنسانية من وجهة معرفية كاللغة والإنسان والمجتمع والأجهزة وغيرها؛ واللسان أحد هذه الظواهر التي تخضع لنظام مخصوص. وتتكوّن مادة اللسان من جميع أشكال التعبير، وتظهر في بنية متكاملة، وعلى اللسانياتي أن بعمل على اكتشاف جزئيات وعناصر هذه البنية وحصرها وتتبّع العلاقات التي تربط بينها دلالياً، واستشفاف وظائفها وأسرارها(9)؛ من وجهة معارفية شمولية.‏

ويعرّف دي سوسير اللغة ـ من حيث هي بنية مترابطة الأجزاء ـ بأنها (نظام من الرموز التي ترتبط العناصر المشكلة له ببعضها على أساس الاتحاد والاختلاف)(10)، ويقوم هذا التحديد على أن هناك نظاماً (Systeme) تحكم بنيته (Structure) مجموعة من العلاقات الوظيفية التي تجمع بين الوحدات اللغوية الدالة من أصغر وحدة إلى أكبر وحدة؛ وهي أجزاء منتظمة مثل البناء أو وحدات الشطرنج، فلا تحتلّ صيتة (Phoneme) أو كلمة موقعاً إلا بسبب من الأخرى(11). وينطلق سوسير من العلامة بوصفها الوحدة الدالة في أي نظام من أنظمة التواصل اللغوية والسيميائية، وتتشكل هذه العلامة من صورة سمعية بصرية (النطق أو الكتابة)، وهي الدّال، ومفهوم وهو ما تدل عليه في الواقع الوجودي؛ أي مدلول. وترتبط العلامات فيما بينها بعلاقات وظيفية تشكل في مجموعها وحدة بنيوية ذات عناصر يكمّل أحدها الآخر، ولا يمكن أن تتحقق وظيفتها التواصلية خارج النظام الذي يحكمها. وتتجسد في مستويات: صوتية ومفرداتية وتركيبة وتداولية ودلالية.‏

وقد تبلورت البنيوية في منهج نقدي بعد الستينات من القرن العشرين، حين تراجعت كثير من المناهج النقدية السياقية كالظاهراتية والتاريخية والنفسية؛ فاخترقت البنيوية الساحة الأدبية مع رومان ياكوبسون (R. Jacobson) وإميل بنفست (E Benveniste) اعتماداً على أعمال فردينان دي سوسير. وكان لمقالات كلود ليف ستراوس (C. Levi - Strauss) الأثر الكبير في إبراز هذا التوجه(12).‏

يوجز بنفنست المنهج البنيوي في قوله: (إن اللسان يشكل نسقاً تتحدّ أجزاؤه ضمن علاقة من التضامّ والارتباط، ويقوم بتنظيم وحدات هي عبارة عن علامات متمفصلة تختلف عن بعضها وتحدد بعضها بالتناوب.. ويعلمنا المنهج البنيوي بأنّ النسق يسيطر على نظام العلامات، ويهدف إلى استخلاص البنية من خلال العلاقات القائمة بين العناصر)(13). ويركز التحليل البنيوي في النقد الأدبي على النص والنص وحده واستبعاد كل العناصر الفنية الأخرى كالناصّ والمتلقي والمرجعيات التي تشمل السياقات والملابسات التناصية.‏

وتقوم البنيوية في النقد الأدبي على جملة من المبادئ يأتي في مقدّمتها: اعتبار النص وحدة مستقلة بذاتها مكتفية بنفسها. وإغفال سياق النص والناص معاً وهو ما عرف لاحقاً بموت الكاتب؛ فهي تتعامل مع النص بوصفه مادّة مستقلة معزولة عن سياقها وعن الذات القارئة. كما تأخذ بمبدأ تقسيم النص إلى بنيات انطلاقاً من الصيتة (Phoneme) فالمفردة، وصولاً إلى الجملة بوصفها الوحدة الأساس للتحليل لدى البنيويين، ومحاولة قراءة النصّ في ضوء العلاقات التي تربط بين عناصر الجمل. ويعدّ تيار الشكلانيين الروس في ظل مدرسة براغ الوظيفية أول تطبيق علمي للتحليل البنيوي وبخاصة مع الناقد فلادمير بروب الذي سعى إلى تحليل وظائف القصة تحت مصطلح (مورفولوجيا الخرافة) بقوانين علمية تبعد الملابسات التاريخية والنفسية عن النصّ. وقد تعمّق هذا التوجه مع كل من ليفي ستراوس وغريماس.‏

وعلى الرغم من أن بعض النقاد ذهب إلى أن البنيوية قد انتهت إلا أن الواقع غير ذلك؛ فأكثر الأعمال المنتمية إلى ما بعد البنيوية لم تتمكن من الاستغناء عن مفاتيح التحليل البنيوي كما يتضح ذلك من أعمال رولان بارت في كتابه: س/ز (S/Z) حين نعتها باللاعلمية؛ وفي أعمال جاك دريدا الذي وصمها بالتجريد مكرّساً مبدأ الاختلاف. ولعلّ أكبر قصور اتسمت به البينوية هو انحسارها في نسق النص وإهمال السياق، وإبعاد المؤلف، والاكتفاء بالمنجز، واتخاذ الجملة وحدة للتحليل.‏

مناهج ما بعد البنيوية: يأتي مصطلح "ما بعد البنيوية" للدلالة على المناهج التي حاولت أن تتجاوز البنيوية، ثمّ أخذت في الظهور معتمدة بعض مبادئ البنيوية قبل انحسارها وانشطارها إلى عدد من المناهج.‏

وتمثل جلّ الأعمال التي ظهرت في حيز اللسانيات النصية، مرحلة ما بعد البنيوية للمدرسة الباريسية قبل أن تتميز بمنهج مستقل؛ حيث امتزجت فيها البنيوية بالمعطيات السيميائية والأبعاد التقويضية والتداولية. ومن بين الأسماء التي تبنت اللسانيات النصية، نجد الناقد رولان بارت (R. Barthes) صاحب كتاب مبادئ السيميولوجيا 1964م، وكتاب (س/ز/ S.Z) الصادر سنة 1970م. وقد عد ّبارت السيميائية فرعاً من اللسانيات على خلاف دي سوسير؛ لأن الوسيلة الأساسية في التعامل مع العلامة السيميائية ذاتها هي اللغة. كما حد النص بوصفه جملة طويلة فقال (إن سرداً معيناً هو جملة طويلة، كما أن كل جملة إثبات تكاد تكون بمثابة الخط العريض لسرد قصير)(14)، وميّز بين النص الكلاسيكي وعدّه نصّاً قروءاً، والنص الحداثي وعدّه نصاً كتوباً؛ أي قابلاً للكتابة، من منظور تداخل المعارف وتشابكها في النصّ الحديث. كما قدّم دراسة تطبيقية في كتابه الأخير لقصة (سارازين) للكاتب الفرنسي بلزاك، مستخدماً بعض الأدوات الإجرائية، متوسلاً في تحليله خمس شيفرات هي: الأفعال التي تحرّك الحدث، ويرمز لها بالاختصار (ACT)، والتأويلية (HER) والرمزية (SYM)، والتضمينية (SEM)، والمرجعية (REF)، ويقسم النصّ إلى خمس مئة وإحدى وستين وحدة قرائية، ويخضعها لاستنباط الشيفرات الخمس السابقة ليصل التحليل إلى (561×5) من الوحدات التي يطلق عليها مصطلح (Lexias)، ويخلص إلى أن النتائج المتوصل إليها هي التي تحدّد المعنى الكلي للنصّ ويمكن في ضوئها إعادة بناء النصّ أو القصة المحللة(15). ويبدو أن هذا التصنيف الذي وضعه بارت لتحليل النص لا يستند إلى أية معطيات لسانية معروفة لدى القارئ، بما في ذلك نظريات التحليل الدلالي ونظريات القراءة. ومهما يكن، فإن ما قام به بارت في تحليل نصّ قصّة بلزاك يظل محاولة ضمن المقاربات التي تسعى في سبيل الاقتراب من اللسانيات النصية.‏

ومن بين الأعمال الأخرى التي حاولت التنظير للسانيات النصيّة في هذه المدرسة، نجد اللغوي الفرنسي ميشال آدام (M. Adam)، الذي قدّم في كتابه مبادئ اللسانيات النصية‏

(Elements de linguistiqe Textuelle)؛ جملة من الفرضيات تقوم على أساس الممارسات الفعلية للخطاب في ظل التوجّه التداولي لتحليل النص(16)؛ تستند إلى الطبيعة النصية التي تتميز بالاتساق والانسجام والترابط، بفعل العلاقات التركيبية النحوية والدلالية السيميائية.‏

2 ـ المنهج السيميائي (Semiologie): ويعني دراسة حياة العلامات اللغوية وغير اللغوية في النصّ دراسة منتظمة، وينطلق من التركيز على العلاقة بين الدّال والمدلول، وهو من هذه الوجهة لا يكاد يختلف عن المنهج البنيوي سوى في أنه يهتمّ بالإشارات غير اللغوية التي تحيل على ما هو خارج النصّ بما في ذلك الدال والمدلول والمرجع. ومن هنا فالسيميائية تولي أهمية لدراسة الرموز والإشارات وأنظمتها حتى ما كان منها خارج اللغة التي تشكل الحيّز الداخلي للخطاب، أو بمعنى آخر فإن التحليل السيميائي ينطلق من حيث ينتهي التحليل اللسانياتي؛ ولذلك عدّوا السيمياء جزءاً من اللسانيات على خلاف دي سوسير 1957 ـ 1913م (De Saussure)، فوجدت الدراسة مصداقيتها في النقد الأدبي ابتداء من مقولة رولان بارت (R/Barthes- 1915/1980): (يجب منذ الآن قلب الأطروحة السوسيرية؛ لأنّ اللسانيات ليست جزءاً من علم العلامات، بل السيميائية هي التي تشكل فرعاً من اللسانيات)(17)؛ وبذلك جعلوا التحليل البنيوي منطلقاً للتحليل السيميائي.‏

ولم يظهر الاتجاه السيميائي بوصفه منهجاً نقدياً إلا مع الستينات من القرن العشرين؛ وذلك بعدما أخذت البنيوية في الانحسار نتيجة انغلاقها على النصّ، وإلغائها لكل الملابسات والسياقات المتصلة بفضائه الخارجي. وقد ساعد على بروزه عدّة عوامل كان أهمّها ظهور جماعة "كما هو" (Tel.. quel) التي تأسست في باريس سنة 1960م على يد الباحث فليب سولرز (F/Sollers)، وتمثلت في منطلقها الاتجاه الماركسي ثمّ انتهت إلى التصوف والتفكير الديني. كما تبلورت مع ظهور "الجمعية الأدبية للسيمياء" سنة 1969م، حين أصدرت مجلتها الدورية "سيمياء" بباريس، واستقطبت نخبة من الباحثين أمثال جوليا كريستيفا (J/Kristeva) من فرنسا، وأمبرتو إيكو (Umberto Eco) من إيطاليا، ويوري ليتمان (Y. Lotman) من روسيا، وسيبوك (sybock) من أمريكا وغيرهم.‏

ومن الجدير بالذكر أن استثمار التوجه السيميائي في تفسير مكونات النصّ ليس بجديد؛ إذ تنبّه قدماء اليونان والعرب إلى أهمية الإشارة غير اللغوية في أنظمة التواصل وعدوا الإشارة ذات وظيفة أساسية في قراءة النصّ وتأويل دلالاته المسكوت عنها بل عدوها ثاني أنواع البيان من حيث تلقي المعاني الخفية وشريكاً للفظ. يقول الجاحظ (والإشارة واللفظ شريكان ونعم العون هي له والترجمان هي عنه، وأكثر ما تنوب عن اللفظ وتغني عن الخط)(18). كما اعتنى بها في بداية القرن الثامن عشر الفيلسوف جون ليك (J. Lacke- 1932 - 1704)، إلا أنهما لم يخصّا هذا التوجّه بالبحث اللسانياتي على خلاف دي سوسير ومن تبعه من الدارسين.‏

وقد وجدت السيميائية من الوجهة التطبيقية في الممارسات النقدية عدّة اتجاهات(19): ذهب بعضها إلى أنّ دراسة الأنظمة الدالة تكون من خلال الظواهر الاجتماعية والثقافية الملابسة للنصّ، فحبّذ هذا الاتجاه أكثر الدارسين مثل رولان بارت وبيير جيرو وغريماس وكورتيس ومحمد عزام ورشيد بن مالك وعبد الكبير الخطيبي وغيرهم. وقد ركز هؤلاء في أعمالهم النقدية على تطبيق مفاهيم اللسانيات في شكلها البنيوي ووجهتها الدلالية الموصولة بالحياة الاجتماعية للأفراد والجماعات؛ حيث يرى بارت أن النص الأدبي ليس نتاجاً بل هو إشارة إلى شيء يقع وراءه، لتصبح مهمّة الناقد هي تفسير هذه الإشارة وتأويلها(20)؛ ومن الأمثلة التي يسوقها بارت، صورة الجندي الزنجي الذي يحيي العلم الفرنسي، ويقدّم للصورة قراءتين: القراءة الأولى هي جندي فرنسي يؤدّي تحية علم بلده، والثانية؛ فرنسا إمبراطورية عظيمة يخدمها أبناؤها بغض النظر عن الجنس واللون ويقدّمون لها الولاء من أجل رفعتها، والقراءة الثالثة؛ إنها دولة استعمارية توسعية تبني مجدها على اضطهاد الأقليات. فالدال (الجندي الزنجي يحيي العلم الفرنسي) والمدلول (الانتماء العسكري الفرنسي)، والدلالة (الجندي الفرنسي)(21).‏

وهذه الإشارات كلها تحيل إلى علاقات بين الشخوص المشكلة لفاعلية النص والفاعل والموضوع من جهة وبين المساعد والمعارض من جهة أخرى، ولذلك وجدنا غريماس(22) يذهب في تحديد أقطاب الصراع في ضوء مخطط سباعيّ الأقطاب لتجسيد عناصر فاعلية الخطاب.‏



كما سعى إلى تفسير الدرامي في النصّ عن طريق المربّع السيميائي في ظل الثنائيات الضدية للطباق والمقابلة:‏



وذهب فريق آخر إلى أنها دراسة لأنظمة الاتصال عامة اللغوية وغير اللغوية، ومن رواد هذا الاتجاه جورج مونان (G. mounin) الذي يرى أن بارت حينما عمل على دراسة أنظمة اللباس والغذاء فإنه نظر إليها بوصفها أنظمة دالة مقدّراً أن مشكلة الرسالة بين المرسل والمتلقي قد حلت في حين أن المشكلة بالذات هي التي كان سوسير قد أثارها. وبذلك يكون بارت قد أغفل المشكلة الأساسية المرتبطة بانطلاقه من الدلالة الاجتماعية(23)، ويعنى بذلك أن الإشارة هي الأصل الذي يجب أن تفسرالظاهرة في ظله قبل اللفظ.‏

وأما الاتجاه الثالث فحاول أن يوفق بين الاتجاهين السابقين؛ أي بين الرمز اللغوي والرمز غير اللغوي بوصفهما عنصرين يتكاملان مع اللسانيات، على أساس أنّ دلالة الاتصال قائمة على نظرية إنتاج العلامة، والعلامة لا يمكن فصلها عن نظرية الشفرات (Code) التي هي أساس الدلالة. ومن أنصار هذا الاتجاه جوليا كريستفا (J. Kristeva) وأمبرتو إيكو (U. Eco) ومحمد مفتاح وغيرهم. تقول جوليا كريسستيفا (إنّ النص ليس نظاماً لغوياً كما يزعم البنيويون، أو كما يرغب الشكليون الروس، وإنما هو عدسة مقعّرة لمعان ودلالات متغايرة ومتباينة ومعقدة في إطار أنظمة اجتماعية ودينية وسياسية سائدة)(24). ويفهم من النصّ أن مرجعية هذا الاتجاه لا نهائية: لسانية، فلسفية، اجتماعية، دينية، نفسية.. ترتبط بمحيط الفكر المعاصر. وعلى الرغم من اعتبارها للنصّ كياناً مغلقاً نجدها تتصل بنظرية التلقي حين يصبح المرسل أو المتلقي ضمن شخوص فاعلية الحدث. ومع ذلك لم تتمكن السيميائية من تشكيل منهج متسق ومتكامل نظراً لاعتمادها بالدرجة الأولى على المعطيات الإجرائية للبنيوية، بالإضافة إلى تشعّب آراء منظّريها.‏

3 ـ المنهج الموضوعاتي (Thematique): يقوم هذا المنهج في مجال النقد الأدبي على أسس بنيوية من وجهة إحصائية تترصد حقول الموضوعات الطاغية في نصّ أو لدى كاتب ما، ولا يكاد يختلف هذا التوجّه عن التحليل البنيوي سوى في أنه يركز على تحديد الموضوع أو عدد الموضوعات التي يعالجها الكاتب في نص ما.‏

والموضوع (Theme) بوصفه الفكرة النواة أو المعنى الطاغي في نصّ أو عدد من النصوص هو الهدف الذي يسعى الناقد الموضوعاتي إلى تحديده وإبرازه. ويمثل الموضوع أحد العناصر الفنية للنص، وتعدّ نظرية الحقول الدلالية من أهمّ المبادئ التي يستند إليها في حصر المفردات المطردة وتصنيفها إلى موضوعات طاغية تحدّد مقصدية النص(25). وقد يكون الموضوع هو الفكرة العامة للنصّ أو الحقل الدلالي، أو كما ويرى عبد الكريم حسن أنّ (العائلة اللغوية هي حدّ الموضوع)(26) من وجهة معجمية.‏

ومن أبرز الدارسين الذين تبنوا هذا المنهج في مجال النقد الأدبي جون بول ويبر(J P Weber)، وجون بيار رشارد (J. P. Richard) من فرنسا وعبد الكريم حسن من الوطن العربي.‏

وقد حاول أنصار هذا التوجه جعله منهجاً مستقلاً بذاته إلا أنهم لم يتمكنوا من تقديم نظرية متكاملة سواء على مستوى التأسيس النظري أم على مستوى الإجراء التطبيقي. وأعتقد أن ذلك يرجع إلى قضية التصنيف الموضوعاتي لا تعدو أن تكون عملية إحصائية لعنصر واحد من عناصر النصّ الفنية المتعدّدة. ومن هنا ظل هذا التوجه جزءاً أو مستوى من مستويات التحليل البنيوي أو النصاني لا يتجاوز الشكل التصنيفي لنظرية الحقول الدلالية.‏

4 ـ نظرية النص (Textuel): يعدّ ظهور المنهج النصّاني أو (منهج نظرية النص (Textuel)) مع أوائل السبعينات من القرن العشرين في الدراسات النقدية الأوروبية، من أكبر المحفزات الداعية إلى إعادة النظر في معطيات المدارس اللسانية الغربية المختلفة التي وقفت بالنصّ عند عتبة الجملة، وعجزت عن الربط بين أبعاد الظاهرة اللغوية؛ سواء في ذلك التوجهات البنيوية نتيجة اتخاذها البنية التركيبية للجملة المنجزة وحدة أساسية للتحليل الدلالي، مبعدة بذلك كلاً من القدرة الإنتاجية للغة، وسياق النص وملابساته والظواهر الكلامية ومقاماتها، أم بالنسبة إلى التوجهات التوليدية التحويلية التي اتخذت الجملة المولدة ميكانيكياً وحدة أساسية للتحليل؛ وأبعدت السياق التداولي واكتفت بالمتكلم المثالي والبنية العميقة، وهما عنصران متحوّلان لا وجود لهما سوى في حدس الدارسين. وكان هذا القصور كافياً لتنتقل اللسانيات الحديثة من النسق إلى السياق، ومن البنية المنجزة إلى التداول والاستعمال، ومن الجملة إلى النص(27).‏

ويقصد بالنصانية (Textologie) أو علم النص: اتخاذ النص وسياقاته التداولية وحدة أساسية للدراسة بصورة مشتركة بين عدة مناهج ونظريات إجرائية. ومن المحاولات الأولى التي سعت إلى وضع نظرية لسانياتية لقراءة النصّ الباحث فان ديك (Van. dik) الذي استبدل البنية العميقة بمصطلح البنية الكبرى خلال سنوات 1972 ـ 1977م ابتداء من دراسته المركزة (النص بناه ووظائفه مقدمة أولية لعلم النص)(28). ثم ظهرت أعمال اللغوي الألماني روك هانس (Rucks. H) الذي أشار إلى أن النصانية تختلف عن كلّ من البنيوية والتوليدية في أنها تجعل النص وحدة دراسية بدل الجملة؛ يقول: (أخذت اللسانيات النصية بصفتها العلم الذي يهتم ببنية النصوص اللغوية وكيفية جريانها في الاستعمال شيئاً فشيئاً مكانة هامة في النقاش العلمي للسنوات الأخيرة، لا يمكن اليوم أن نعدّها مكملاً ضرورياً للأوصاف اللغوية التي اعتادت أن تقف عند الجملة معتبرة إياها أكبر وحدة دراسية بدل الجملة؛ يقول:‏

أخذت اللسانيات النصية بصفتها العلم الذي يهتم ببنية النصوص اللغوية وكيفية جريانها في الاستعمال شيئاً فشيئاً مكانة هامة في النقاش العلمي للسنوات الأخيرة، لا يمكن اليوم أن نعدّها مكملاً ضرورياً للأوصاف اللغوية التي اعتادت أن تقف عند الجملة معتبرة إياها أكبر وحدة للتحليل، بل تحاول اللسانيات النصية أن تعيد تأسيس الدراسة اللسانية على قاعدة أخرى هي النص ليس غير)(29). كما قدّم اللغوي الفرنسي جان ميشال آدام (Adam) جملة من المبادئ(30)، أوضح فيها أسس التحليل في اللسانيات النصية. وذهب بعض الدارسين العرب مثل صلاح فضل إلى ربط النصانية بالدراسات البلاغية القديمة(31).‏

(1) انظر: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص 69، 68 وما بعدهما.‏

(2) المرجع السابق، ص 18.‏

(3) الغربال، ص 18.‏

(4) توفيق الحكيم مفكراً وفناناً، ص 9.‏

(5) مناهج البحث الأدبي، ص 20.‏

(6) أسرار البلاغة، ص 110.‏

(7) المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، ص 38.‏

(8) انظر: دراسات في ضوء المنهج الواقعي، ص 61 وما بعدها.‏

(9) دروس في الألسنية العامة، دي سوسير، ت/ صالح القرمادي، ص 24. وانظر: بؤس البنيوية، ص 43 وما بعدها.‏

(10) Cours de Linguistique generale. Op. cit p 24

(11) انظر/ دلائل ص 40، وأسرار ص 200 ودلائل ص 50.‏

(12) النقد الأدبي في القرن العشرين، جان إيف تادييه، ت/ قاسم المقداد، ص 267.‏

(13) النقد الأدبي في القرن العشرين، ص 268.‏

(14) بؤس البنيوية، ص 223.‏

(15) S.Z.Bxthes R.P

(16) Elements de linguistiqe Textuelle. P45

(17) Qusstion de poetique

(18) البيان والتبيين، ج1/ص 78.‏

(19) انظر: المنهج السيميائي وتحليل البنية العميقة للنص، ص 45 وما بعدها.‏

(20) انظر: النقد والدلالة نحو تحليل سيميائي للأدب، ص 2.‏

(21) انظر/ دليل الناقد الأدبي، ص 183. من أمثلة ذلك محاولة تحليل الرموز الوطنية وألوان أعلام الدول.‏

(22) انظر: النقد الأدبي في القرن العشرين، ص 312.‏

(23) مقدمة للسيمولوجيا، ص 196.‏

(24) حوار مع جوليا كريستيفا، مجلة الفكر العربي، ع 18/ص 122.‏

(25) انظر: Dictionnaire de linguistiqu. P 1003

(26) المنهج الموضوعاتي، ص 185.‏

(27) انظر في هذا: La pargmatique linguistique. P 10- 12

(28) انظر: النص بناه ووظائفه، مقدمة أولية لعلم النص.‏

(29) Linguistique Textuelle et enseignment du francais. P18

(30) انظر كتابه: Elements de linguistique Textuelle.‏

(31) بلاغة الخطاب وعلم النص. ص 319.‏

إبراهيم براهيمي
26-07-2009, 12:33 AM
الحفريات اللغوية السريانية في شمال الأردن

المؤلف : جهاد علي محمود علاونه


الحفريات اللغوية السريانية في شمال الأردن

جهاد علاونه



هذه الحفريات اللغوية لا تعني أن بعض الكلمات العربية الكح ليست سريانية هنالك كلمات مشتركة سامية مشتركة وهنالك غير ذلك , والحفريات اللغوية في شمال الأردن تدل على عمق تاريخي كبير في منطقتنا وبعداً إستراتيجياً لغوياً كبيرا .
أم من سرق من؟ أو من سطى على من ؟
, فهذا من باب تداخل الحضارات والثقافات , حتى أن كلمة بلط , لربما إشتق منها في الإنكليزية الباليت بمعنى الطبلية والبلاط الأرضي.

إن الحضارات تتشابك وتتداخل وليس من المعقول أن يصل العرب هكذا فجئة إلى قواعد نحوية يكتب بها عنترة العبسي معلقته!!!!!! وإمرأ القيس وبنفس الوقت لا يملكون أدواة الكتابة والخط إلا النادر واليسير , من المحتمل أن العرب أخذوا لغتهم ودينهم عن غيرهم وهذا ما زال قيد البحث .

وغير ذلك وهم لا يقرأون ولا يكتبون ومع ذلك يكتبونها بدقة لغوية , إن هذا يعني أننا جميعنا شاركنا في الإنتاج الحضاري والفكري واللغوي وليس من المعقول أن تكون العربية أقدس اللغات بل هي آخر السلالات اللغوية السامية أو الآرامية .
لقد تطورت العربية أخيراً عن النبطية والأنباط وأصبحت حروفها أكثر إستقامة .

bahar.بحر.


bhas.بخش.

bhan.بخن.


etbarat.إتبرطع.

bat.إنبجد.

buap.بفه.

blas.بلشه


blat:بلط, بلطه .

gam: جَمّ: جمت شعرها قصته..

hazap: حزق وتقال حرق بالراء بدل حرف الزين, أي غضب.

hannen.حنن , وتقال للخشب حنن.



خايس, وتقال يا خايسه , في حالة الحيرة والتحبب والتودد للمنادى به سواء أكان ذكراً أم أنثى .


هتيجه: وتلفظ بالجاء المرخمة , وتعني أهبل أو بليد . أو عبيط , وكذلك تعني كلمة بليد .

طعج: أي أثنى , وأحنى , ويقال طعجتُ قضيب الحديد بمعنى أثنيته .

جعط: أي أخرج صوتاً كبيراً بعد حبس أنفاسه في صدره , والصوت بدون كلمات , وتقال في حالة التمخيط وإخراج اللعاب .

إخنان ,: أو إخنانه , تعني أيضاً اللعاب .

طرقع : بمعنى شرب الماء دفعة واحدة .

عقطته : في حالة أن تكون ضربته برجلك من الخلف , وتستعمل للحمار والحيوانات التي تعقط من الخلف.

فشر : تعبيراً عن الخيبة , ومنها كلمة فشار , بتشديد الشين وإستعمالها كصيغة مبالغة .

عجقه : أي أزمه وكركبة وفوضى , يقال مثلاً : كانت الحفلة فيها ناس إكثير عجقه كبيره .

جلق : إذا فتح الباب على إتساعه فنقول جلق الباب أو الشباك, ومنها جلق ثمه , أي أعوجه إذا ما عجبه شيء .


جقم : وكمان هذه الكلمة جقم بمعنى أعوج , وجقم ثمه أو إحناكه , إذا ما عجبهوش شيء .

طبر: هو نفس الفأس .

فش: أو فش الطابه أو الفطبول إذا أخرج الهواء الذي بها , وفش كرشه : أي عاد بدون أو أصبح بدون كرش منتفخ.

معطوب : أي خربان ومتنهية مدته .

مرغ : أي تقلب على الأرض فنقول للطفل الذي يبكي ويتقلب على الأرض : مالك إبتمرغ بالأرض؟
لطم : ضرب وصفع على وجهه .

ملط : أي خرج من الشيء , ونقول : مش قادر أملط أي مش قادر أستمر .

مطجه : مكتله , وتقال للإنسان المظلوم : مطجه , وتقال للولد الذي دائماً ما يضربونه أولاد الحارة : مطجه .

بز: هو ثدي المرأة , وإبتز لا تعني نفس المعنى , وهي تستعمل عندنا في العامية .

عمّش: بتشديد العين صيغة مبالغة , وهي رديف كلمة عمّص : أي بطل يشوف .

بطّل : بالتشديد معناها توقف, ونقول بطلت أروح على السوق , يعني لا أريد الذهاب ,وعلى هذا الشيء قس .


عشبشوش: أعتقد أنها مركبة من كلمتين وهما : عث +بوش, والبوش كما قلنا الفارغ والنتهي والفاضي من غير فائدة , وعث هو الوسخ فنقول هذا : عث , وتستعمل هذه الكلمة لبيت العنكبوت الذي يعشش في زوايا المنزل فنقول له : عبش بوش, ومن الناس من يكتبها متصلة وهذا خاطىء لأن أصل الكلمة مركب من كلمتين .

رشوط: رشط , ورشوط على ثيابي أي سال الطعام أو الماء أو أي شيء على ثيابي , أو على الأرض.

خام : يعني مش كويس غير جيد , وفلان خام يعني أخلاقه سيئة .

خمع: سكت .

داخ : أي فتل دخت : أي نظري زاغ .

مح : إنتهى وتستعمل أحياناً شيئاً مجهولاً وأحياناً : للحلوى , فنقول للطفل تعال معي مح أو محه .

رطن : تكلم , وبرطن أي بتكلم .

لخه : خلطه , ولخمه العديم الفهم .

لعلع: بتكلم كثير بدون فائدة أو من غير ما يفهم الناس كلامه .

براطم : هي الشفايف , وبراطمه أي شفايفه وشفاهه.

بجق : للدلال تقال مثلاً بجقت الولد أي دللته أو دلعته , وبجق الباب أي فتح الباب على وسعه , وإستعملها الناس للإشارة لدلال الأطفال نظرأ لأن الطفل يلوي ويفتح فمه كثيراً أمام أبيه في حالة أن طلب الولد من أبيه وأهله شيئاً وهو بذلك يفتح فمه كما يبجق الباب ولهذا تقول الناس : هذا ولد مبجوق يعني مدلل .

شنص: حظ.
تاع , : أو تاعتي أي : لي : فنقول هذه تاعتي وهذا تاعي , ويستخدمها المصريون أكثر ..
بزّم: أي كشّر , وبزّم فمه أي : لواه غضباً وزعلاً .

برم : أي لف , وتقال برم فمه أي لفه .

سرمح : أي ذهب ساعياً : ونقول وين باقي تتسرمح أي وين كنتَ طوال النهار فإذا غاب الشخص .

مراقع فقس: اي بتمرقع

مصخره:

إبراهيم براهيمي
26-07-2009, 12:36 AM
لهجة القبائل العربية في المدن المصرية

المؤلف : جهاد علي محمود علاونه


لهجة القبائل العربية في المدن المصرية



حين دخل الإسلام إلى مصر , كان قادة المسلمين قد سكنوا المواقع الخصبة من السهول المصرية , وكان هؤلاء القادة من العرب الأقحاف , من قريش ومن طيء ومن القبائل اليمنية ومن مُضر ومن خثعم ومن تميم وغيرهما الكثير الكثير ...إلخ .

فهؤلاء الأقوام كانت أراضيهم غير خصبة وعبارة عن صحراء قاحلة وحين دخلوا مصر ورأوا ما رأوا من نعيم البلاد وسحر المكان قرروا أن يسكنوا في المواقع المصرية الخصبة مثل : بني سويف ..والدقهلية ..وبعض مدن الصعيد ..وسكنوا أيضاً بَحري في المدن البحرية وسكنوا قِبلي في المدن القبلية .

وما زالت اللهجة المصرية العامية شاهد عيان على توغل القبائل العربية في المدن المصرية وما زالت بعض المدن لهجتها شبيهة بتلك اللهجات العربية المتعددة .
فهذه اللهجات ليست مصرية أي أنها ليست فرعونية ولا قبطية , وإنما هي لهجات العرب الأقحاف الذين إستعمروا مصر وفتحوها عسكرياً وثقافياً , وقد تأثرت تلك الأقوام بتلك اللهجات ونطقوا بها واليوم يستطيع المصري أن يكتشف عرقه المغشوش غير المصري الكح , فالمصريون الذين يدعون أنهم أقحاف لربما أنهم ليسوا أقحاف والشاهد على ذلك لهجاتهم العامية والتي سأورد منها عدة أمثلة .

مسؤل .: مسعول.
إجعر: إجأر.
إسعل: إسأل.
عنت: أنت.
وهذه اللهجة ساريةالمفعول في الصحارى المصرية , وبدو الأردن المحاذين للعقبة سيناء من بدو الحويطات ومعان والكرك الأقحاف.
إمبارح: إمبارح.
أمهواء: الهواء.

إمعلم: المعلم.
وتعود هذه اللهجة أصلاً للقبائل (حُمير) وهذه اللهجة ما زالت عندنا وأنا كاتب هذه السطور أتحدثُ بها في شمال الأردن ووسطه , ما عدى بدو الجنوب الذين نادرأ ما يتكلمونها.

وكذلك تبدل الكاف شيناً في اليمن , فيقولون شذب بدل قولهم كذب :
وكذلك أهل شرويدة والزنكلون في محافظة الشرقية يقولون :
شذب: كذب.

شلب: كلب .
شيف؟: كيف؟
وهذه أيضاً مستخدمة في بلاد الشام وخصوصاً في سهول حوران والتي ينتمي إليها كاتب هذه السطور حيث يتحدث أهلي قاطبة هذه اللهجة مع زيادة أخرى وهي أن الشين إنقلبت مع مرور الزمن إلى حرف ج ويلفظ بالجيم المرخمة يعني كما يضعون تحت الجيم ثلاث نقاط وليس نقطة واحدة .

النات: الناس.
التلج: الثلج.
التعلب: الثعلب.
ومن المعروف أن السين والثاء متقاربتان وتجري عليهما عوامل الإبدال, وهذه لهجة يتحدثها معظم سكان مصر وهي بالأصل ليست قرشية بل يمنية كُح.

ومن المعروف علمياً أن المغلوب يقلد النتصر أو يحاول تقليده حتى بالأخطاء والعثرات , ولمّا كانت القبائل العرية منتصرة , أخذت القبائل المصرية بتقليدهم , وكلٌ حسب المنطقة التي سكنوا بها , حتى طغت بنهاية الأمر اللهجات العربية المتعددة على القبطية والفرعونية .

وكذلك أهل الدقهلية وديروط يقولون :
بكانك: مكانك.
التمن: اتبن .
وكذلك تأثر بهذه اللهجة أهل الغربية .

ومن المعروف أن قبيلة طيء هي القبيلة التي تبدل التاء هاء نخو قولهم :
البناه: البنات, وقرى شربين وبقاس وكفر الشيخ يقولون يابه: يابنت.

وقبيلة طيء يقلبون الألف المقصورة إلى ألف ممدودة بسبب إشباعهم للفتح الظاهر على آخر كل كلمة مثل:
رضى: رِضا.
وهذا النوع من الإعلال اللغوي شائع الإستعمال في الدقهلية .

وبعض المهتمين في اللغة العامية والنحو يخطؤون في قولهم من أن قريشاً يقولون :
فأساً و رأساً , بالهمزة وهذا إعتقاد خاطىء لأن قريش أصلاً لا يهمزون في اللغة إطلاقاً , ولكن من المحتمل أنهم تأثروا بعد ذلك بالقبائل العربية التي أرادوا أن يأسلموها فإنتسب الناس لدينهم وأخذوا هم من لغة الأقوام الأخرى , وهذه أصلاً من لهجة تميم , وقد عاب يوماً العرب ُ على آخر الشعراء العرب الذين يستشهد بشعرهم وهو قريشي فقيل له :
إن قريشاً لا تهمز , فقال تالله لآتين بقصيدة كلها همزة فقال :
إن سليمى والله يكلأها

قد ضنت بأمر ما كان يرزأها .
وقد سقتُ الشاهد هنا للتدليل على صحة كلامي .

أهل دمياط والمنصورة أو بعض أهل المنصورة حسب ستطلاعاتي من خلال المصريين الذين يقيمون في الأردن , نعم أغلب هؤلاء يضيفون حرف الشين لضمير المخاطب فيقولون :
ما شافكش.
ما سافرتش؟
ما طلعتش .
وهذه اللغة أو اللهجة أتحدث بها أنا كاتب هذه السطور فيقولون عندنا في شمال الأردن :
ما رحتش :
ما طلعتش :
ما جبتش.
ما شفتش:
ما عرفتش.
وأغلبها بعد ما النفي .
وهذه من لهجة مضر وربيعة .
طبعاً أمي زنساء الحارة وكذلك المصريات لم يتخرجن في الأزهر أو في أعتى الجامعا ولم يتعلمن لغة الإعلال حتى لديهن هذه القدرة على التحدث بلغعة مضر وربيعة , ولكن هذا شاهد على عمق الإستعمار البدوي أو قوة التداخل الثقافي , فنحن هنا لسنا بحاجة إلى أحافير إنثربولوجية , ولكننا بحاجة للأحافير اللغوية التي إن دلت على شيء فإنما تدل على أسماء القبائل العربية التي سكنت المحافظات المصرية والشامية والتي تظهر من خلا لغة ولهجة كل واحدة منها .

وكذلك في مسألة إبدال أداة التعريف بحرف الميم فأنا كاتب هذه السطور أتحدث بها مثل :
إمبارح .
وإن قبيلة الأزد يقفون بالسكون التام على أواخر الكلمات وهو شائع في كافة اللهجات العامية في مصر والأردن وسوريا والخليج العربي .

ونحن في شمال الأردن نقول مثلأ:
طلعت عالسيارة , وطلعت عالشجرة , وهنا حذف حرف اللام من على , وهي في الأصل لهجة بلحرث

إبراهيم براهيمي
26-07-2009, 12:38 AM
متى تحظى لغتنا الحديثة بنحو حديث




متى تحظى لغتنا الحديثة بنحو حديث ؟!
بقلم : بروفسور سليمان جبران

تتطوّر اللغة الحيّة بتطوّر الناطقين بها، وتتغيّربتغيّر أحوالهم؛ من عصر إلى عصر، ومن مستوى حضاري فكري ثقافي إلى آخر. هذا ما حدث للغتنا العربية أيضا: تطوّرت تطوّرا هائلا في العصور الوسطى بتطوّر الناطقين بها، من مجتمع صحراوي قبلي إلى إمبروطورية عظمى ورثت الحضارات القديمة كلّها، حتى غدت تبعا لذلك أرقى اللغات آنذاك؛ وتراجعت في ظلّ الدولة العثمانية حتى بلغت الحضيض، وتهدّدها الضياع والانقراض .
في عصرنا هذا أيضا واجهت لغتنا حضارة أرقى منها وأوسع، فكان لا بدّ لها من التطوّر معجما ونحوا، وبسرعة أيضا، لتتمكّن من اللحاق باللغات الوافدة. على هذا النحو تطوّرت لغتنا المعاصرة تطوّرا كبيرا بجهود آلاف المترجمين والصحافيين والمبدعين، أكثر ممّا تطوّرت بجهود مؤسّسات رسمية لم تكن أساسا في المراحل الأولى، حتى غدت اليوم مختلفة اختلافا بيّنا عن لغة الأقدمين. لعلّنا لا نلحظ بوضوح كل التغيير الذي طرأ على اللغة في عصرنا هذا، لقربها منّا، واعتيادها في قراءاتنا وكتاباتنا. لكن لو طالع سيبويه ومعاصروه نصّا من لغتنا اليوم لأنكروه تماما، ولم يفهموا منه إلا القليل القليل!
يتمثّل تطوّر لغتنا الحديثة في مجالين أساسيين: الأوّل هو استحداث ألفاظ ومصطلحات جديدة، بالابتكار والاشتقاق والنحت والتعريب، وبذلك انضافت إلى لغتنا العربية آلاف الألفاظ والتراكيب والتعابير الجديدة، بعضها واضح نعرفه، وبعضها يتردّد على ألسنتنا وأقلامنا ، حتى المحافظين منّا، دونما إدراك لأصله الأجنبي في أحيان كثيرة.
المجال الثاني هو التطوّر والتجديد في مبنى الجملة، أو في النحو ذاته، وهو تطوّر لا تلحظه العين دائما، لأنّ القارئ يمرّ بهذه الأساليب الجديدة فيألفها حتى يظنّها من الأساليب الكلاسيكية التي يجيزها النحو والنحاة. ثمّ إنّ إصرار رجال اللغة والقائمين على المؤسّسات التعليمية، على تفسير كلّ التجديدات المبنوية بأحكام النحو الكلاسيكي، بالمنطق حينا وبالقسر أحيانا، قد يوهم القرّاء، والمثقّفين أحيانا، أنّ لغتنا المعاصرة ما زالت محكومة بنحو سيبويه والكسائي، لاتشذّ عنه أو تخرج عليه. وإلا فما معنى محاولات " النحاة " الجدد فرض القوالب النحوية الكلاسيكية على كلّ المباني الحديثة، المستقاة في معظمها من اللغات الأجنبية واللغات المحكية، وبالعنت والقسر غالبا؟ لا أظنّنا نغالي إذا قلنا إنّ نحو لغتنا الحديثة قد تغيّر وتطوّر بحيث باتت الحاجّة ماسّة إلى وضع نحو حديث للغتنا الحديثة، تماما كما وضع أجدادنا نحوا للغتهم التي تداولوها في تلك الأيّام. هل يُعقل أن يحكم لغتنا اليوم نحو وضعوه قبل اثني عشر قرنا وأكثر، هل في اللغات المعاصرة كلّها لغة تعاني ما تعاني لغتنا حين تُفرض عليها، في عصرنا هذا، أحكام العصور الوسطى وأعرافها؟
واضح أنّ نحو اللغة المعاصرة يتأثر في تطوّره، كما ألمحنا، بعاملين حاسمين: العامل الأوّل هو الترجمة من اللغات الأخرى، ولا أظنّ اللغة العربية عرفت عهدا ازدهرت فيه الترجمة من اللغات الأخرى ، كما ونوعا ، كما نشهد في هذه الأيّام. وكم من مترجم يتبنى خلال عمله المضني مبنى الجملة الأجنبية، واعيا أو دون وعي، فيلاقي هذا المبنى الجديد قبولا لدى القراء والكتّاب، ولا يلبث أن يشيع على الأقلام والألسنة، فيكتسب بذلك رواجه السريع وشرعيته . العامل الثاني طبعا هو لغتنا المحكيّة، اللغة الطبيعية في حديثنا وتفكيرنا أيضا. ففي عصرنا هذا لم يعد المبدعون يتهيّبون " حماة الفصاحة " في نقل الأبنية المحكية إلى اللغة المعيارية، شعرا ونثرا، لتشيع هذه الأبنية دونما حرج، وتغدو جزءأ لا يتجزّأ من لغتنا الحديثة.
بل إن هذه الأبنية المستقاة من المحكيّة غالبا ما تضفي على النصّ مذاقا طازجا يلاقي هوى في نفوس قرائه، فيكفل له الشيوع والانتشار الواسع. لعلّ نزار قباني، في هذا المجال، هو أكثر من استفاد من نحو المحكية وصياغاتها، في شعره السياسي بوجه خاصّ، فكان ذلك عاملا بارزا من عوامل انتشار شعره في كل مكان وعلى كل لسان!
لسنا هنا في مجال تعداد كلّ الأبنية الحديثة التي " خرجت " عن النحو الكلاسيكي، وسوّغها شيوعها في النصوص الحديثة ، حتى غدت "شرعية" لا اعتراض عليها ولا استنكار، فذلك يحتاج إلى دراسات مستفيضة ينجزها رجال اللغة المتخصّصون وفي إطار أوسع مدى. أردنا فقط لفت الأنظار إلى هذه القضيّة الهامّة في لغتنا، وإلى حاجة لغتنا الحديثة إلى نحو حدبث، أسوة بجميع اللغات الحيّة المعاصرة. لذا فإننا نكتفي بأيراد أمثلة معدودة وقعنا عليها عرضا، محاولين تفسيرها كما هي، دونما " تخريج " نحوي لها، أو "إعرابها" ، كما هو دأب " الغيورين " !
• عودة الضمير على ما بعده
يعود الضمير في النحو الكلاسيكي على ما قبله، دون استثناء. نقول : عاد الرجل إلى بيته مساء، وضمير الغائب، الهاء، يعود على الاسم قبله – الرجل. هذا هو المبنى الكلاسيكي طبعا. إلا أن الأساليب الحديثة يعود فيها الضمير على ما بعده أيضا، إما بتأثير اللغات الأجنبية التي نترجم منها، أو لسبب بلاغي يستدعي تقديم جزء من الجملة على آخر. على هذا النحو نقرأ ونسمع مباني كثيرة مثل : بعد هبوطه في المطار صرّح وزير الخارجية بأن ... ، إنه مبنى شائع سائغ، ولم يعد يلقى المعارضة أيضا !
• مضافان أو أكثر لمضاف إليه واحد
وهو مبنى شائع، رغم خروجه عن الأسلوب الكلاسيكي، بحيث لم يعد يعترض عليه أو يلتفت إليه حتى غلاة المحافظين. فكما نقول: كتب التلميذ ودفاتره، شاع وتشرعن في لغتنا الحديثة أن نقول أيضا: كتب ودفاتر التلميذ، فلا اللغة العربية تضعضعت ولا نحوها استغاث طالبا النجدة !
• كلَّ عام وأنتم بخير
وهو مبنى مستقى ، في رأينا، من اللغة المحكية،عرضنا له بكثير من التفصيل في مقالة سابقة لنا، مبيّنين طريقة " الغيورين " في تخريجه، أو تطبيق النحو الكلاسيكي عليه قسرا، فلا حاجة إلى تكرار ذلك ثانية.
• ذات وكافّة للتوكيد المعنوي
من المعروف أن التوكيد المعنوي يقتصر على ألفاظ معدودة هي: كلّ، جميع، كلا، كلتا، نفس، عين، كقولنا : قابلتُ المدير نفسَه / عينَه. إلا أننا في لغتنا الحديثة نقول أيضا: قرأت الكتاب ذاتَه، بمعنى نفسه، وشارك الأصدقاء كافّتهم، بمعنى كلّهم.
• الكاف في غير التشبيه
تعتبر كتب النحو الكاف حرف جرّ، وتفيد التشبيه، كقولنا : وجهك كالبدر. بل يعتبرونها أحيانا اسما مضافا لما بعده إذا كانت الجملة قبلها غير مكتملة نحويا، كما في بيت المتنبي : وما قتل الأحرارَ كالعفو عنهم... من حيث معناها لا تذكر المراجع الكلاسيكية سوى التشبيه ، أما في اللغة الحديثة فكثيرا ما تستخدم استخداما جديدا، بمعنى بصفة أو باعتبار، كقولنا : نحن كمعلمين ( بصفتنا/ باعتبارنا معلمين) يجب أن نرفع من شأن اللغة العربية بين تلاميذنا. المحافظون لا يقبلون طبعا مثل هذا الاستعمال للكاف، إلا أنه من الشيوع بحيث يفرض شرعيته.
• الجملة الاستفهامية مضافا إليه
أدوات الاستفهام ، سواء كانت حرفا أو اسما، لها حقّ الصدارة، بأسلوب النحاة، فلا ترد إلا في أوّل الجملة. لذا فإنّ الجملة الاستفهامية لا تشكّل عادة جزءا من جملة كبيرة فيكون لها محلّ
من الإعراب. إلا أنّ اللغة الحديثة أخذت شيئا فشيئا في استخدام الجملة الاستفهامية مفعولا به، ومضافا إليه أيضا . الحالة الأولى منتشرة تماما ، بتأثير نحو المحكية ربما، حتى غدت مقبولة سائغة يأخذ بها معظم الكتّاب دونما حرج. ما أكثر ما نكتب ونقرأ ، في الصحافة والأدب، جملا مثل: لا أحد يعرف متى وقع الحادث، لم تعلن اللجنة من الفائزفي المسابقة. أما أن تقع الجملة الاستفهامية مضافا إليه فذلك أقلّ شيوعا، وأغلب الظنّ أنه بتأثير الترجمة من اللغات الأجنبية. ما المانع، مع ذلك من استخدام المبنى المذكور، كما هو في الجمل التالية التي عثرنا عليها في نصوص حديثة مختلفة :
ـ كان من المهمّ معرفة كيف تمّ تلقّي نظريته في مصر.
ـ ... تجعل مسألة هل نحن إزاء لغة واحدة أم إزاء لغات متباينة، مسألة ذات مغزى.
ـ من الصعب أن نتوصّل إلى فهم مسألة ما هي الوقائع التي يستند إليها هذا الخوف.
ـ ... لفحص هل يلائم النصّ أهداف القراءة، وهل يستحقّ الاستمرار في قراءته.
• بعضهم البعض
إذا كان تلاميذ الصفّ يساعد أحدهم الآخر فكيف نصوغ ذلك باستخدام الاسم بعض؟ في المباني الكلاسيكية هناك طريقتان للتعبير عن ذلك :
ـ يساعد التلاميذ بعضُهم بعضا، كما في الآية القرآبية : " ... وآتيناهم كتابا فهم على بيّنة منه
بل إنْ يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا" ( فاطر 35/ 40) . في هذه الحالة تعتبربعض
الأولى بدلا، والثانية مفعولا به، وهو مبنى جائز وشائع طبعا، سواء كان المبدل منه اسما
ظاهرا أو ضميرا متّصلا.
ـ التلاميذ يساعد بعضُهم بعضا، كما في الآية القرآنية : "... ورفعنا بعضهم فوق بعض
درجات ليتّخذ بعضُهم بعضا سخريّا " ( الزخرف 43/ 32) . وهذا المبنى أبسط في تركيبه من سابقه، فهو من فعل وفاعل ومفعول به طبعا.
ـ يساعد التلاميذ بعضهم البعض / التلاميذ يساعدون بعضهم البعض . في هذين المبنيين تأثير واضح لنحو اللغة المحكية، لذا من الطبيعي أن لا نجدهما في النصوص الكلاسيكية ، وعليه فلا "تخريج" أو إعراب لهما أيضا، بل إن " الغيورين " يعتبرون ذلك خطأ فاحشا لا بدّ من "تصويبه "، رغم شيوعه في الصحافة، وفي الأدب أيضا !
• أفعل التفضيل، هل تظلّ المطابقة فيه مطلقة ؟
من الأحكام المعروفة أنّ أفعل التفضيل " إذا كان معرّفا بال فلا بدّ فيه من المطابقة" ، نحو: البنت الكبرى، الرجلان الأفضلان. بكلمة أخرى، إذا كان أفعل التفضيل صفة معرّفة بال ، وهذا ما يهمّنا هنا، فحكمها أن تتبع ما قبلها، الموصوف، في الجنس، أي في التذكير والتأنيث، فإذا قلنا البنت الأكبر كان ذلك خطأ. بناء على هذه القاعدة، علينا أن نقول: القرية الجملى( مؤنث أجمل)، الساحة الوسعى( مؤنث أوسع)، النتيجة الروعى( مؤنث أروع) ! إذا استثنينا ألفاظا معدودة متداولة في اللغة (مثل: كبرى، صغرى، عظمى، سفلى، عليا، دنيا، قصوى، طولى...) نجد أن اللغة الحديثة لا تأخذ بهذا الحكم، بل تجعل أفعل التفضيل مذكّرا مفردا دائما؛ على حالة واحدة " جامدة " لا تتغيّر. فكثيرا ما نقرأ اليوم تراكيب مثل: القصة الأروع، الطبيعة الأجمل، الدولة الأقوى وهكذا!
لعلّ الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل كان أوّل من أجاز لنفسه، حين كان محرّرا لصحيفة الأهرام قبل سنوات طويلة، أن يتجاهل الحكم المذكور. فكم من مرّة سمعناه وقرأناه يردّد تركيب " الدولتان الأعظم " ، أي الولايات المتّحدة والاتّحاد السوﭭييتي، يوم كانت العلاقات بين هاتين الدولتين شغل العالم الشاغل. قد يكون هيكل تأثّر بالصياغة في اللغات الأجنبية وقد يكون استثقل " الدولتان العظميان " ، لكنّه بذلك أوّل من شرعن هذه الصياغة، ربّما، فلم تعد تنفر الأذن منها، وغدت اليوم صياغة يمرّ عليها "الغيورون" في صمت، دونما اعتراض أو احتجاج. لا يستطيع كلّ الكتّاب، ولا الأذن تستسيغ كل الأمثلة " الغريبة" المذكورة أعلاه في سبيل المطابقة. من واجبنا إذن القبول ببقاء أفعل التفضيل على حالة واحدة لا تتغيّر، مفرد مذكّر، باستثناء ألفاظ معدودة تداولتها لغتنا الحديثة. وسواء شرعنّا هذه الصياغة أو استنكرناها ، فالصحفيون والكتّاب لن يعودوا إلى أحكامنا كلّما جلسوا إلى الكتابة، والحياة كفيلة بشرعنة كلّ ما تراه هي معقولا وسائغا!
• حتى في سياقات حديثة
إذا كان الفرّاء مات وفي قلبه شيء من حتى ، فلغتنا الحديتة أضافت إلى حتى استعمالات لا يعرفها الفرّاء ورفاقه في العصور الوسطى. رغم ما نالته حتى من سمعة سيئة، عند النحاة والتلاميذ، إلا أنها على الغالب من نوعين:
1) حتى الجارّة، بمعنى إلى، والاسم بعدها يرد محرورا، بلغة النحاة، فنقول: انتظرتُ حتى نهايةِ الدرس، أو المثال المألوف لدى النحاة: أكلتُ السمكة حتى رأسِها. وهي حتى نفسها طبعا التي يرد بعدها المضارع منصوبا بأن مضمرة، مثل: لا تأكل حتى تجوعَ ( إلى أن تجوعَ).
2) حتى العاطفة، بمعنى وأيضا، نحو: فرّ الجميع حتى القائدُ ( وأيضا القائد )، أو أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها. لكنّ اللغة الحديثة، كما ذكرنا ، أضافت استعمالات جديدة إلى حتى لا يجوز فيها اعتبارها جارّة، ويصعب القول إنها عاطفة لعدم ورود معطوف عليه قبلها. إنها صياغات جديدة تأثّرت فيما يبدو بنحو لغتنا المحكيّة أو بالأساليب الأجنبية. للتمثيل لا للحصر:
ـ يعترف بذلك حتى المعارضون.
ـ لم يقبل المعارضون حتى الصمت.
ـ حتى أنت تنكر كلّ ما حدث ؟
• هو الآخر، هي الأخرى
هذا التركيب من تراكيب لغتنا الحديثة، ويعني : هو أيضا، هي أيضا. أغلب الظنّ أن هذا التركيب مصدره المجكية المصرية،( هوّ لاخر / راخر)، " تسلّل " إلى النصوص القصصية
أوّل الأمر، ثمّ شاع على أقلام الكتّاب المصريين، وغير المصريين أيضا.
• صياغات "انفعل" جديدة في لغتنا المعاصرة
كلّ من يتأمل لغتنا الحديثة يلاحظ بوضوح تزايد الوزن انفعل ومشتقاته في صياغات جديدة لم تعرفها لغتنا الكلاسيكية. هناك أفعال كثيرة في المصادر القديمة، من الثلاثي المجرّد بوجه خاصّ، لا يُشتقّ منها وزن انفعل، وإنما تبنى للمجهول بدلا من هذا الوزن. فنحن مثلا نقول كُتِبَ ولا نقول انكتب ، رغم أنه "مطاوع " كَتَبَ، أو" المجهول" منه في دلالته لا شكله.
إلا أن لغتنا الحديثة، في منحاها التبسيطي، تميل إلى انفعل بالذات لسببين: الأوّل أن هذا الفعل لا يحتاج إلى تشكيل، كما في المبنيّ للمجهول، ولذا فإن استخدامه أسهل وأوضح طبعا، خصوصا في النصوص غير المشكولة. السبب الثاني هو أن لغتنا المحكية في جميع لهجاتها لا تعرف صيغة المبنيّ للمجهول عادة، تماما كما في العبرية التي يقوم فيها وزن نِفْعال، الموازي لوزن انفعل العربي،بديلا للمجهول دائما. وبتأثير المحكية أخذت "تتسلّل" إلى اللغة المعيارية أفعال كثيرة بوزن انفعل لم تعرفها اللغة الكلاسيكية، أو هي "خروج" عن الأبنية الكلاسيكية في نظر المتشددين. هكذا بدأت تتخلّل لغتنا المعاصرة أفعال مثل: انبنى، انقاس، انغلق، انجرح، انطرح، انضاف، انسمع، انضرب، انقتل، انداس، انخلط ... بعضها شاع حتى ألفته الآذان، وبعضها ما زالت الآذان تنكره، لكن لا أحد يستطيع إلغاءه. في هذا السياق، لا بدّ أيضا، كما نردّد دائما، من تأليف قاموس معاصر شامل "يشرعن" مثل هذه الاشتقاقات الجديدة، وآلاف الألفاظ والمصطلحات المبتكرة والمعرّبة، ليثري بذلك لغتنا العربية ويوحّدها في هذه الحقبة الحرجة من تاريخها.
هذا قليل من كثير من " نحو اللغة الحديثة " ، أوردناه للتمثيل لا أكثر. فغايتنا هنا التنبيه إلى ضرورة تأليف نحو جديد، يتقصّى ويشرعن الظواهر النحوية والصرفية الجديدة كلها في لغتنا الحديثة، لا تأليف هذا النحو، فهو يحتاج إلى جهود كبيرة، وسنين عديدة أيضا.

* بروفسور سليمان جبران – ناقد وباحث ادبي معروف ، أشغل منصب استاذ الادب العربي الحديث في جامعة تل أبيب ، وكان رئيسا لقسم اللغة العربية وأدابها في الجامعة بين ( 1998 – 2002 )
sulaiman jubran

إبراهيم براهيمي
27-07-2009, 05:40 PM
الأسلوبية عند ميشال ريفاتير


الدكتور طارق البكري

تمهيد:
الأسلوب في اللغة والأصطلاح :
يقول ابن منظور في اللسان: ( يقال للسطر من النخيل وكل طريق ممتد فهو أسلوب، فالأسلوب هو الطريق والوجه والمذهب، ويقال أنتم في أسلوب سوء... ويقال أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه).
ويعرف ابن خلدون الأسلوب في المقدمة فيقول: ( إنه عبارة عن المنوال الذي تنسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ فيه ولا يرجع إلى الكلام باعتبار فادته كمال المعنى من خواص التركيب الذى هو وظيفة الإعراب ولا باعتبار افادته كمال المعنى من خواص التركيب الذي وظيفته البلاغة والبيان ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب) ويخلص للقول إن الأسلوب هو(الصورة التي ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب الصحيحة باعتبارالإعراب والبيان فيرصها فيه رصاً).
وفي اللاتينية كلمة(stilus) تعني ريشة ثم تطورت لتصل إلى الأعمال الأدبية .
وأشهر تعريف للمصطلح الحديث المعاصر نجده عند الكونت بوفون بقوله:
( الأسلوب هو الإنسان نفسه ولا يمكن أن يزول ولا ينتقل ولا يتغير) .



مقدمة :
يعتبر ميشال ريفاتير من أبرز الباحثين في الدراسات الأسلوبية الحديثة، فقد قدم العديد من الأفكار والمبادئ التي تفاعلت بمجملها مع أفكار غيره المصنفين في دائرة الأسلوبية البنيوية وسواهم من الضالعين في سبر أغوار الأسلوبية وسبك بنائها المتماسك من نواحيه.
وبالفعل، فقد وضع ريفاتير مجموعة قيمة من الأسس استطاعت أن تشقً طريقها وتثبت ذاتها، وتقدم للباحثين أضواء ساطعة كاشفة .
ركز ريفاتير على جملة من القضايا الهامة، وتكلم على عدد من الظواهر الأسلوبية البارزة في النص، ولفت إلى الجمل التي تستوقفنا كقراء وتلفت انتباهنا، معتبراً أن الأسلوب يعد إبداعا من المنشيء وإرجاعا من المتلقي ، فالمبدع يسعى للفت انتباه المخاطب والوسيلة هي شيفرات تستوجب كشفاً من القارىء.
ويعتبر ريفاتير من أبرز الأسلوبيين، وقد عمل في جامعة كولومبيا منذ مطلع العقد الخامس من القرن الماضي وله دراسات عديدة منها 'إنتاج النص' و ' دراسات في


ريفاتير والأسلوب:
يصنف ريفاتير مع الأسلوبية البنيوية ومن الذين يقولون بأن الأدب شكل راق من أشكال الإيصال وأن النص الابداعي ما أن يتم خلقا ويكتمل نصا حتى ينقطع عن مرسله لتبقى العلاقة بين الرسالة والمستقبل زمنا لا يتنتهي دوامه. وهو بذلك خالف ياكبسون الذي يهتم بالمرسل والمرسل إليه وينصب اهتمامه بالدرجة الأولى على القارئ دون أن ننسى الوظيفة الشعرية.
ويعتبر ريفاتير من المجددين في التنظير الأسلوبي بمقالاته التي نشرها في بداية الستينات ثم جمعت واستكملت في أوائل السبعينيات من القرن الماضي في كتابه مقالات في الأسلوبية البنيوية (Essais de stylistique structurale).
ويعرف ريفاتير الأسلوب بأنه: ( إظهار عناصر المتوالية الكلامية على اهتمام القارئ ) وتظهر من كتابات ريفاتير أن الأسلوبية ما هي( سوى هذا التأثير المفاجئ الذي يحدثه اللامتوقع في عنصر من السلسلة الكلامية بالنسبة إلى عنصر سابق).ويستشهد ريفاتير ببيت شعر لكوريني: (هذه عتمة مضيئة تسقط نجوما) ويقول : هذه مفارقة غير متوقعة.
ولا شك أن ريفاتير أحسن كثيرا بالاستشهاد بهذا النص الفريد، فمن حيث التباين الظاهر يقع القارئ في حيرة بين الضوء والعتمة والاستعارة غير المتوافرة في تكتيك شعري فريد ينقل المتلقي من حيثيات الكلمات المعتادة إلى أفق جديد غير متوقع ، وهذه الصدمة المفاجئة التي تحدث لدى المتلقي هي المقصودة من فعل التغيير المنطقي للكلمات المتتالية في السياق، ويرى البعض أن هذه الطريقة هي بنية ثنائية متباينة منتظمة في زمن التكون التتابعي للنص .
ويقدم ريفاتير في كتابه أسلوبية البنيوية تعريفاً محدداً للأسلوب يتولى بعد ذلك شرحه والتعليق عليه، فيقول :
يفهم من الأسلوب الأدبي كل شكل مكتوب فردي ذي قصد أدبي أي أسلوب مؤلف ما أو بالأحرى أسلوب عمل أدبي محدد يمكن أن نطلق عليه الشعر أو النص وحتى أسلوب مشهد واحد.. ويعلق المؤلف نفسه على تعريفه هذا بقوله: إن هذا التعريف محدود للغاية وكان من الأفضل أن نقول بدلا من (شكل مكتوب) كل شكل دائم ، حتى يشمل الآداب الشفاهية التى لا تستمر نتيجة للحفاظ المادي عليها كشكل نصي متكامل فحسب، بل بوجود خواص شكلية فيها تجعل من الميسور فك شفراتها، مثل : الافتتاحية الموسيقية بطريقة منظمة ومستمرة ، وقابلة لأن نتعرف عليها بالرغم من أي تنويعات أو أخطار في طريقة عزفها أو تفسيرها من مختلف القراء.
أما قوله ذو قصد أدبي) فلا يشير في هذه الحالة إلى ما أراد المؤلف أن يقوله ولا يهدف إلى التمييز بين الأدب الجيد والردئ ولكنه يعني أن خواص النص المحدد تدل على أنه ينبغي اعتباره عملاً فنياً وليس مجرد تعاقب كلمات.
من هذه الخواص شكل الطباعة وشكل الوزن وعلامات الأجناس الأدبية والعناوين الفرعية مثل رواية أو قصة أو حتى ظهوره في الوقت الحاضر في مجموعات معينة قصصية أو مسرحية أو شعرية .
ويبدو أنه من الأسهل لنا في ريفاتير أن نطلق كلمة الأدب على كل كتاب ذات طابع أثري أي كل كتابة تجذب انتباهنا بصياغتها وشكلها.
ثم يعود إلى تعريفه للأسلوب قائلا :
وهنا نفهم من الأسلوب كل إبراز وتأكيد سواء أكان تعبيريا أو عاطفيا أو جماليا يضاف إلى المعلومات التي تنقلها البنية اللغوية دون التأثير على معناها. ويشرح كلماته فيما بعد مشيرا على أن هذا التعريف لا يتميز بالمهارة اللازمة لأنه يبدو كما لو كان يفترض معنى أساسياً لوناً من ألوان درجة الصفر- على حد تعبير بارت-
تقاس عليه عملية التكثيف التي نسعى لتقييمها ولا يمكن أن نصل إلى هذا المعنى الأساسي إلا عن طريق نوع من الترجمة أي عن طريق تحطيم النص كشيء أو نقص القصد منه أي استبعاد النص المكتوب وإحلال فرض يدور حول المؤلف حوله. ثم يضيف: ( لكنني كنت أفكر في نوع من الكثافة التي يمكن أن تقاس عند كل نقطة من القول في المحور التركيبي طبقا للمحور الاستبدالي حيث تعد الكلمة الماثلة في النص (أقوى) بشكل أو بآخر من نظيراتها أو مترادفاتها الممكنة دون أن يؤدي هذا إلى خلل في المعنى، لكن هذا المعنى - مهما كان المستوى اللغوي الذي ننظر إليه من خلاله- لا بد أن يختلف بما يسبقه وما يلحقه). ويردف قائلا: (وربما كان من الأوضح والأدق أن نقول أن الأسلوب هو البروز الذي تفرضه بعض لحظات تعاقب الكلمات في الجمل على انتباه القارئ بشكل لا يمكن حذفه دون تشويه النص ولا يمكن فك شفرته دون أن يتضح أنه دال ومميز مما يجعلنا نفسر ذلك بالتعرف فيه على شكل أدبي أو شخصية المؤلف أو ما عدا ذلك. وباخصار فإن اللغة تعبر والأسلوب يبرز).


الأشكال الفردية:
الأشكال الفردية عند ريفاتير بالنسبة للأسلوب كالكلام بالنسبة للغة، فدراستها تسمح بالحصول على البيانات اللازمة لإقامة النظام وعندما يستخدم المؤلف عناصر اللغة الأدبية لإحداث تأثير خاص تتحول إلى عناصر أسلوبية وميزتها تكمن في هذا التنفيذ الخاص لقيمتها لا في قيمتها المحتملة في نظام موحد. ولولم تستخدم لإحداث تأثير محدد فإن أقصى ما يقال حينئذ إنها تمثل خلفية سياقية متخصصة بالنسبة للأسلوب الفردي أكثر من القول العادي.على أن الأساليب الفردية في الكلام يصعب في أحسن الحالات وصفها ويسهل وضعها في أنماط عامة، مما يجعلها أقل تخالفاً فيما بينها وأقرب إلى اللغة العامة من الأساليب الكتابية، أما الأساليب الأدبية فهي معقدة متشابكة، ولهذا فهي ذات ملامح يمكن تمييزها بوضوح .


وعي المؤلف:
ويرى ريفاتير أنه إذا كانت مهمة عالم اللغة تنحصر في الإمساك بجميع ملامح القول دون استثناء فإن دارس الأسلوب ينبغي له أن يعتد فحسب بتلك الملامح التي تنقل المقاصد الواعية للمؤلف، مما لا يعني أن وعي المؤلف يشمل كل ملامح القول. وغالبا ما يستحيل التعرف على هذه المقاصد دون تحليل الرسالة مما يمكن أن يؤدي إلى حلقة مفرغة لولا أن هذه المقاصد ربما تتضح بإجراءات أخرى، مثل التحليل الفيلولوجي أو تصريح المؤلف بها وغير ذلك من الإشارات.
كما يرى أن هذا التمييز بين الاختيارات الواعية واللا شعورية لا يفيد إلا في حالة دراسة كيفية توليد الأسلوب، إما في دراسة ظاهرة الأسلوب نفسها وتأثيرا على توجه إليه، فإن جدواه ضئيلة للغاية، إذ لا يمكن الوصول فيه حينئذ إلى نتائج حاسمة


الفرادة في العمل الأدبي :
يذهب ريفاتير في كتابه ( إنتاج النص) باحثا عن سمة الفرادة في العمل الأدبي ومن أجل الوقوف على هذه السمة يقترح مقاربة شكلية ويذكر أن التحليل الذي يعتزم إجراءه لا علاقة له بالأسلوبية المعيارية القديمة أو البلاغة، وإذا كان ريفاتير للبلاغة مفارقا فإنه أيضا من النقد الأدبي نفور.
وليس ذلك منه إلا لأنه لا يريد أن يجعل من التحليل مطية تعلوها أحكام القيمة، وما هذا الموقف بدعا، فمنهجه في التحليل يقف عند الظاهرة ويتحقق من وجودها، وأما النقد فيأتي بعد ذلك أي بعد هذه الخطوة فيتبنى الظاهرة التى وقف عليها وتحقق من وجودها.ولكن ريفاتير عندما عمد إلى دراسة سلوك الكلمة في العمل الأدبي، لاحظ أن سمة قرابة تجمع بين دراسته التحليلية والدرس اللساني، غير أنه أكد أم السمات الخاصة بالعمل الأدبي تتطلب أن يبقى التحليل النصي واللسانيات مختلفين ضمن هذا التقارب نفسه .
ولتعليل هذا الأمر يرى أنه لا يكفي أن نلجأ إلى اللسانيات فقط لدراسة الأدب، ذلك لأن العمل الفني يطرح على اللسانيات قضية غير لسانية، ألا وهي الأدبية.
ويلاحظ ريفاتير أن ثمة محاولة قامت لحل هذه القضية وذلك بتعميم الوقائع التي تم الكشف عنها في النصوص من جهة وباستخلاص القواعد الخاصة باللغة الشعرية من جهة أخرى .
وقد كانت غاية هذه المحاولة - كما يرى ريفاتير- تكمن في وضع التعبير الأدبي في إطار نظرية عامة للإشارات، غير أنه لم يلبث أن وجد في هذه المحاولة مطعنا جعله يعرض عنها، ويمكن أن نستدل على هذا الأمر بقوله: ( إن هذا البحث الذي هو ميدان الشعرية، لا يستطيع أن يكشف عن السمة الخاصة بالرسالة الأدبية)، وهويرى( أن الشعرية تعمم هي الأخرى على حين أن طبيعة الرسالة هي النص).
ويؤكد ريفاتير أننا لا نستطيع أن نعرف حقاً هذا النوع من الرسائل إلا بالنصوص، خاتماً نقده لهذه المحاولة بقوله: ( إن القواعد المستخلصة من النص حتى ولو كانت لا تنتج إلا جملا منحرفة وموازية لجمل النص فإنها لا تنتج مع ذلك نصا أدبيا جديداً).
ثم يتدرج ريفاتير منهجا وطريقة في بحثه إلى أن ينتهي إلى تقرير أمور ثلاثة:
1- الأدبية وفرادة النص .
2- الفرادة هي الأسلوب.
3- النص والأسلوب .

وسنحاول فيما يلي تقديم تعريف مختصر لكل من هذه الأمور الثلاثة :

أولاً: الأدبية وفرادة النص :
يقول ريفاتير: ( النص فريد دائما في جنسه، وهذه الفرادة هي التعريف الأكثر بساطة، وهو الذى يمكن أن نعطيه عن الأدبية، ويمكننا أن نمتحن هذا التعريف فورا إذا فكرنا أن الخصوصية في التجربة الأدبية تكمن في كونها تغريبا وتمرينا استلابياً وقلبا لأفكارنا ولمدركاتنا ولتعبيراتنا المعتادة) .

ثانياً: الفرادة هي الأسلوب:
يقول ريفاتير إن النص يعمل كما يعمل برنامج الحاسوب، وذلك لكي يجعلنا نقوم بتنفيذ تجربة الفرادة .. الفرادة التي نعطيها اسم الأسلوب، والتي تم خلطها ردحا طويلاً مع الفرد المفترض المسمى الكاتب).

ثالثا: النص والأسلوب :
في نهاية المطاف يعلن ريفاتير مقرراً الأسلوب في الواقع هو النص).

وأشار هنا بعض الباحثين إلى ملاحظتين:

الأولى : أن الأسلوب يخرج من كونه بصمة من بصمات الشخص ليصبح شيئا من أشياء النص، او بمعنى أدق ليصبح هو النص نفسه وليس الشخص أو الرجل كما ذهب بيفون إلى ذلك.

الثانية : أن هذا الأمر عند ريفاتير بمنزلة الشيء الذي يدور على نفسه، إذ إن مفهوم النص عنده يرتبط بأدبيته والأدبية ترتبط بالفرادة والفرادة أسلوب والأسلوب هو النص، وبما أن الأدبية لا تقوم إلا ضمن هذا الأخير فإن خلو أي نص من الأدبية يرفع عن صفته كنص.

ويستنتج الباحثون من هاتين النقطتين السابقتين ما يلي :
إن دل هذا الأمر على شيء فإنما يدل على أن حاجة النص الأدبي إلى أسلوبه حاجة واكدة، بها يصير إلى وجوده، وهذا يعني أنه لا وجود لنص إلا في أسلوبه ولا وجود لأسلوب إلا في فرادته.
وهكذا ترتبط الفرادة والأدبية بالنص كما يرتبط النص بالأسلوب، ويدور الأمر على نفسه حتى لا إنفكاك.


ريفاتير وموقفه من القاريء:
يرى ريفاتير في كتابه دراسات في الأسلوبية البنيوية (أن القاريء يجلي الأسلوب بفعل الأثر الذي يتركه، فالأسلوب يستأثر بانتباه القاريء واهتمامه عبر ما يفضيه في سلسلة الكلام ، والقارئ يستجيب بدوره للأسلوب فيضيف إليه من نفسه عن طريق رد الفعل الذي الذي يحدثه فيه)، وهذا يشير إلى خلاصة مفادها أننا نقول ما نقول، أي نعبر في استعمالنا للكلام،ولكن الأسلوب هو يجعل لما نقول ميزة ويعطيه فرادته ، وريفاتير يقول:
( إن االلغة تعبر والأسلوب يجعل لهذا التعبير قيمة).
ويرى ريفاتير ( أن إطالة الأثر الأسلوبي زمنا والإحساس بالشعر في أي لحظة من اللحظات إنما هو أمر يتعلق كلية بالقارئ. ثم يخلص للقول: ( إن هذا التداخل بين الطريقة الأسلوبية والإحساس بها، إنما هو من صلب القضية) ولذا يقترح أن نتبنى هذا الإحساس ( لتعيين الوقائع الأسلوبية في الخطاب الأدبي).
ويعلق عبد السلام المسدي عل موقف ريفاتير هذا فيقول: ( ويفضي هذا التقدير بريفاتير إلى اعتبار أنً البحث الموضوعي يقتضي ألا ينطلق المحلل من النص مباشرة، وإنما ينطلق من الأحكام التي يبديها القارئ حوله .
وفي كتابه إنتاج النص يتضح منظوره بشكل أكبر فيما يخص القارئ حيث يرى أن ( الظاهرة الأدبية ليست هي النص فقط ولكنها القارئ أيضاً بالإضافة إلى مجموع ردود فعله إزاء النص) .
من هنا نستطيع أن نستنتج أن ريفاتير يولي الأهمية الكبرى لأمر خارج حدود النص نفسه، فهو لا ينسب الفضل للمؤلف ولا للسياق الأسلوبي أو التعبير النسقي في الكلام ولكنه يميل صراحة إلى الاعتراف بدور القارئ باعتباره المنتج الأول للنص حيث تتحدد قيمة النص عبره وحده.
وهذا الاعتبار الذي يقودنا إليه ريفاتير يقدم للقارئ فضاءات واسعة ويجعلة حاكماً وحكماً ومنفذاً للحكم، وبذلك يكون القارئ هو صاحب السلطة والسلطان والقدرة على التحكم بالنص برفعه أو بخفضه.
وهو يقول بشكل أو بآخر ( إن النص في وجوده مدين لمباشرة القارئ له، أو بكلمة أخرى وجود غير محقق لا يتم ظهوره وتنفيذه إلا بقراءة القارئ له ). وبهذا نستطيع أن نفهم معنى قوله ( إن الظاهرة الأدبية ليست هي النص فقط ولكنها القارئ أيضاً بالإضافة إلى مجموع ردود فعله إزاء النص) .
ويطلق ريفاتير اسم (القارئ النموذج) ويدفع الباحث عن نفسه تهمة إحلال القارئ ورد فعله محل المؤلف ونفسيته، ملاحظا أن المؤلف لا يبقى منه سوى النص، أما القارئ فالبرغم من أن عملية تلقيه إنما هي نفسية، إلا أنه وباستخدام القارئ النموذجي فإننا نصفي العناصر الشخصية من المتلقي بحيث لا يبقى منها سوى ما يتصل بالمثيرات الموضوعية، وإقامة التفسير بعد ذلك على أساس الوقائع نفسها لا على أساس النص الذي استصفته شخصية القارئ أو حصرته فيما يذكره به بما يتوافق مع ذوقه أو فلسفته أو ما يظن أنه ذوق وفلسفة المؤلف المدروس.
ويؤكد ريفاتير أهمية الزمن كعامل مغير في الدلالة الأسلوبية، فاستجابة القارئ النموذجي لا تصلح إلا بالنسبة لحالة اللغة التي يفهمها، إذ إن وعيه اللغوي الذي يتحكم في ردود فعله يتصل فحسب بفترة زمنية وجيزة في تطور اللغة.

النص والمستقبل :
وهنا يعالج ريفاتير القضية بما لها من صلة من نظرية الإيصال، بحيث يصل إلى نتيجة يفترق فيها الإيصال الأدبي عن العادي فالإيصال الأدبي لا يحتوي إلا عنصرين لهما تمثيل مادي فيه وهما: النص والقارئ، أما العناصر الأخرى التى يقوم عليها الإيصال العادي فأشياء بديلة عن النص.
ويعلق على الشرح الذي يستهدف القارئ بقوله: ( إن الشرح يقتضي إظهار الأثر الأدبي الذي تحمله العبارة في مظانها فهي توجه القارئ نحو بعض التأويلات وتزوده بشفرات لفك شيفرات النص). وهنا يؤكد مجددا على دور القارئ وعلى مكانته الأولى بالنص مهما كان هذا النص باعتبار أنه رسالة موجهة إليه ولولاه لما كان هنالك رسالة والرسالة نفسها لا تنفتح على مغاليقها إلا من خلال قارئ يفك رموزها.


طاعة واعية للنص:
لكنه من جانب آخر يؤكد أن الوحدات الأسلوبية تفرض نفسها على القارئ وهو يرى وجود شرطين للتحقق من وجودها:
أولا : يجب أن يقوم التحليل على طاعة مطلقة للنص.
ثانيا: أن تكون الطاعة القاعدة الأصولية للشرح.
لكن تجدر ملاحظة قضية هامة وهي أن الطاعة للنص عند ريفاتير ليست مطلقة، ولا تعني مجرد أن يبتعد القارئ تماما عن التدخل في النص لتصحيحه أو لاستكماله، ولكنها تعني أيضا أن يكون الشرح قائما على عناصر ذات قابلية إدراكية إجبارية، وهو يؤكد ( أن الشرح يختلف بهذا التحديد عن التأويل البنيوي العادي الذي يبحث أن يضم كل شيء إلى نظامه ولكنه لا ينجح إلا في ضم النص باعتباره مادة لسانية وليس باعتبار النص نصا ً).


الوحدة الأسلوبية :
ويقدم ريفاتير تعريفا قيما للوحدة الأسلوبية بأنها: ( ثنائية لقطبين لا يفترقان، الأول منهما يبدع الاحتمال والثاني يلغيه) ويعتبر أن الأثر الأسلوبي ينتج عن التضاد الحاصل بينهما).ولا يمكن لهذه الوحدة الأسلوبية برأيه أن تختلط مع التقطيع الطبيعي، أي مع الكلمة والجملة ذلك لأنها ( لا تستطيع أن تكون سوى مجموعة من الكلمات أو الجمل المرتبطة بطريقة أخرى غير المقطعية ).
وقد دفع هذا الموقف بريفاتير إلى الإعراض عن شرح الكلمة معزولة لأن ذلك يؤدي إلى إنكار الحدث الأسلوبي ( ومن أراد الشرح عليه أن يذهب إلى ما وراء الكلمة ). ويقترب ريفاتير هنا تماما مع رأي عبد القاهر الجرجاني بأن الكلمة المفردة وحدها ليست هي الأسلوب بل طريقة نظم الكلم .


السياق الأصغر والسياق الأكبر:
الطريقة الأسلوبية ليست عند ريفاتير هي الأسلوب، فما هي سوى مظهره المنتظم، إن أسلوب نص أو عمل أو كاتب ليس مجموع طرائقه الأسلوبية،بل هو علاقاتها التركيببية المحتملة. وأول خطوة على طريق توسيع المنظورات يميز ريفاتير إلى جانب السياق الذي يسميه بالسياق الأصغر (Microcontexte) الذي يسهم في إنتاج الأسلوبية، ويميز ما يطلق عليه السياق الأوسع (Macrocaontexte)، وهو بالتحليل الأولي خارجي ومتقدم على هذه الطريقة الأسلوبية ولكنه ذات مدى متبدل سواء في البداية أو النهاية وقابل للائتلاف مع سابقه،
أو لإعادة التشكيل في نهايته، والتحديد من خلال اللامتوقع في العناصر التي تكونه.


الانحراف والسياق:
الانحراف عند ريفاتير حيلة مقصودة لجذب انتباه القارئ، وكان الاعتقاد السائد أن النمط العادي يحدده الاستعمال، غير أن مفهوم الاستعمال نسبي، ولا يمكن الدارس من مقياس موضوعي صحيح، فيقترح ريفاتير تقويض مفهوم لاستعمال بماهو يسميه ( السياق لأسلوبي ).
ومفهوم الانزياح والانحراف عند ريفاتير ( انزياح عن النمط التعبيري المتواضع عليه، وهو خرق للقواعد حينا ولجوء إلى ما ندر من الصيغ حينا آخر).
وقد استقر ريفاتير عند فكرة الانحراف الداخلي بعد أن تبين له أن طريقة القارئ العمدة -الذي سنتعرض له لاحقاً- تكفي لاكتشاف الانحراف، ويحدد ريفاتير معيار الانحراف بالسياق الخارجي ويسمي وحدته الأساسية السياق الأصغر فهما مع الانحراف أو المخالفة يكونان معا ما يسميه مسلكا أسلوبيا نحو وصف الشيء بما لا يعد من صفاته، كأن يقال: شمس سوداء أو ضوء خجول، فالاسم الأول من العبارتين سياق أصغر والوصف مخالفة أو انحراف، ويضع ريفاتير المعادلة التالية:

سياق أصغر + مخالفة = مسلك أسلوبي

لكن لا بد ملاحظة أن السياق الأصغر لا يقتصر على هذا النوع فقط .
وعموماً يمكن للسياق الأصغر أن يدخل في سياق أكبر، ليشكل سلسلة لغوية ممتدة يكون السياق جزئا منها، ولا تنحصر داخل حدود الجملة النحوية أو عدد معين من الجمل، وإنما تتحدد نهايتها بشعور القارئ كما تتحدد بدايتها بقدرته على التذكر.ويعين ريفاتير شكلين أساسيين للسياق الأكبر:

سياق + مسلك أسلوبي + سياق
سياق + مسلك أسلوبي يبتدئ سياقاً أسلوبياً جديدا + مسلك أسلوبي

فكأن السياق الأكبر في كلتا الحالتين يتحدد بالعبارات التي تحيط بالسياق الأصغر، وإن كان من الجائز أن تمتد المخالفة حتى تصبح هي نفسها سياقاً.
ولتوضيح ما يقصده، نورد هذا المثال الذي قدمه للنوع الأول وهو قول لبرنارد شو:
إنهم يصورون المسكين على أنه مجرم، مع أنه لم يكن إلا رجلاً إنكليزياً صميماً ذا عيال.
فالعبارة الأخيرة تكون مع العبارة التي تسبقها مباشرة مسلكاً أسلوبياً، وهي في هذه الحالة تعد سياقاً أصغر، والعبارة ليست في النهاية إلا جزءا من السياق الأكبر الذي يبدأ مع بداية الجملة حتى نهايتها.


التشبع عند ريفاتير:
التشبع مصطلح يستخدم بالكيمياء عادة، ويعني أن المادة المنحلة في السائل - كالسكر في الماء - قد بلغت كميتها حداً لم يعد لكمية السائل معه القدرة عل الامتصاص.
أما ريفاتير فقد استعمل هذا المصطلح مجازا للدلالة على أن الخاصية الأسلوبية هي بمثابة المادة المنحلة، والنص بمثابة السائل، فإذا تكررت السمة الأسلوبية باطراد تشبع النص فلم يعد يطيق إبرزها كعلامة مميزة.
ومثال ذلك أن ينبني نص على ظاهرة السجع فإذا تراوحت مواطنها ظلت محتفظة بطاقتها التأثيرية، وإن اطردت اختفي تأثيرها بل لعل عدول صاحب النص عن ظاهرة السجع يصبح هو نفسه خاصية أسلوبية.
ويمكن تلخيص هذه الفكرة بأن الاستخدام المتكرر لظاهرة أسلوبية معينة لدى كاتب ما أو عدة كتاب يجعل الظاهرة أمراً عادياً ولا يعود لها أي مزية أسلوبية، وهذا الأمر يستدعي من الكاتب أن يبتكر دائماً ولا يعتز بظاهرة معينة ويواظب على استخدامها، فمع استخدامها المتكرر تفقد بريقها ولا تعود لها قيمة لدى القارئ .


القارئ العمدة (architecteur):
لكن من هو القارئ الذي لديه القدرة على تمييز النص واكتناهه وسبر محتواه؟
الأثر الأسلوبي كما ذكرنا سابقاً يتعلق بالقارئ، لذا فإن النص نفسه سيتعدد دائما بتعدد القراء له ، لذلك أراد ريفاتير أن يحل العقدة فرأى تعيين الانحراف بمعونة عدد من القراء، وبمجموع القراءات يصل إلى ما يسميه بالقارئ العمدة.
فريفاتير يعين مواضع الانحراف بمعونة عدد من القراء المدربين على هذا النوع من القراءة، كما يفعل علماء اللغة في الفروع الأخرى لهذا العلم، فيعتمدون على أخبار الرواة من أهل اللغة عن كيفية النطق ومعاني الكلمات...، ويسمى مجموع هذه الأخبار على سبيل التجريد ' القارئ العمدة'.
وعيب على هذا الاقتراح الأخير أنه يجرد العملية التذوقية من محتواها الشخصي باسم الموضوعية.
والقارئ العمدة بتعبيره هو محصلة ردود أفعال عدد من الخبراء اللغويين تجاه النص بضمنهم نقاد ومترجمون وعلماء وشعراء وغيرهم، فالقارئ العمدة ليس قارئا بعينه إنما هو مجموعة الاستجابات للنص التي يحصل عليها المحلل من عدد من القراء الخبراء.
ويحدد ريفاتير القارئ العمدة بقوله: ( هو مجموع الرواة الذين يستخدمون لكل مثير أو متواليه أسلوبية كاملة... إنه وسيلة لاستخراج مثيرات النص لا أكثر ولا أقل) لكنه يستدرك قائلا من الضروري أن نستبعد تصنيفات القراء حتى لا نتورط في تصنيفات جاهزة).
وهنا لا بد من الاشارة إلى أن قضي القارئ العمدة تحتاج إلى دراسة قائمة مستقلة تتناول هذا الجانب بالبحث والتحليل نظرا لأن ريفاتير أولى هذه المسألة جانبا مهما من أبحاثه وهي تحتاج إلى تعمق أكبر ومجال أوسع للبحث .


الأسلوبية البنيوية:
مع ميشال ريفاتير بدأت الأسلوبية البنيوية مساراً مهماً في تناول الأسلوب في النص الأدبي، وقد افرد كتابا خاصاً لهذا الغرض وسماه (محاولات في الأسلوبية البنيوية) صدر عام 1976. وتمثلت غاية الكاتب في أن الأسلوبية البنيوية تقوم على تحليل الخطاب الأدبي لأن الأسلوب يكمن في اللغة وووظائفها ولذلك ليس ثمة اسلوب أدبي إلا في النص.وقد عرف ريفاتير الأسلوب الأدبي بأنه كل شيء مكتوب وفردي قصد به أن يكون أدباً.
ويرى ريفاتير في مقال له ( لا يمكن فهم الوقائع إلا في اللغة، لأن اللغة هي أداتها، ومن ناحية أخرى يجب أن تكون للوقائع الأسلوبية خاصة مميزة، وإلا لم نستطع أن نميزها عن الوقائع اللغوية).



التواصل :
يركز ريفاتير على فكرة التواصل التى تحمل طابع شخصية المتكلم في سعيه إلى لفت نظر المخاطب، ولهذا اعتنى عناية كبيرة بالمنشيء الذي هو يشفر (Encode) تجربته الذاتية، وبالمخاطب الذي يفك شيفرة (decode) .
هذا التعبير، وهو بذلك يؤكد تجاوز ما جاء به جاكبسون الذي كانت نظريته لا تنظر إلى الرسالة الشعرية بوصفها تكيفاً لمتطلبات التواصل، وبدلا من ذلك ينظر إلى إسقاط مبدأ التماثل على الرسالة بكيفية ما، بوصفه يحررها من المقام الأول ويجعلها غامضة وغير تداولية، وبذلك يتجاوز ما يطرحه جاكبسون في أن الرسالة قائمة بذاتها، ولا يظهر من ذلك أن هذه الرسالة تحقق تواصلا مع المخاطب، أما ريفاتير فإنه يرى أن الرسالة لا يمكن أن توجد بذاتها، وإنما هناك علاقة يجب أن تنشأ بين الرسالة والمخاطب، فالعلاقة التي تقوم بينهما عنصر مهم من عناصر الأسس التي أقام عليها ريفاتير أسلوبه ، وهي رؤية تتجاوز كون الأسلوبية تحليلا ألسنيا يميز عناصر الأسلوبية في رسالة ما، وإنما يكون للقارئ دور في تمييز هذه العناصر، ولذلك يقوم القارئ في أسلوبية ريفاتير بدور مهم جدا(كما أشرنا سابقاً) وهو دور يقوم على الوعي والإدراك لما تمثله العناصر الأسلوبية من وظائف داخل النص الأدبي.
ويصبح طرفا الإخبار عند ريفاتير المرسل والمتلقي، ويتضح ذلك من القول: ( فإذا كانت عملية الباث في عملية الإبلاغ العادي أن يصل بالمتقبل إلى مجرد تفكيك الرسالة اللغوية لإدراكها، فإن الغاية من الباث في عملية الإبلاغ الأدبي تتمثل في توجيه المتقبل توجها يقوده إلى تفكيك الرسالة اللغوية على وجه معين مخصوص، فيعمد الباث عندئذ إلى شحن تعبيره بخصائص أسلوبية تضمن له هذا الضرب من الرقابة المستمرة على المتقبل في تفكيكه للمضمون اللغوي).
وهذه الأفكار الخطيرة التي يطرحها ريفاتير بجرأة تفصل ما بين نوعين من التواصل البشري، الأول التواصل العادي المجرد من الأسلوب الأدبي البليغ، والتواصل القائم على الحاجات والتبادل والخدمات، أما الجانب الأدبي وهو الجانب المتمثل بالشعور فغير ذلك تماماً، فالنص الذي يشحنه الشاعر أو الأديب بنصه يحتاج برأي ريفاتير إلى رقابة مستمرة ليس على نفسه فقط بل وأيضا على المستقبل في عملية التمحيص والتفكيك وإعادة التشكيل، ولكن من حيث الاجمال فإن ذلك يبدو مستحيلا من الناحية العملية، وربما يكون القصد غير ذلك حيث على الباث أن يكون مهيئاً ليستوعب قدرة المتقبل على تفكيك النص واستشعاره، وهو أقرب إلى الظن لأن الباث بطبيعة الحال يستحيل له مراقبة كل المستقبلين وخصوصاً مع مرور الزمن واستمرارية النص بعد سنين من زوال صاحبه .

عنصر المفاجأة:
وهنك عنصر مهم جدا أشار إليه ريفاتير أهميته ليست دون أهمية ما سبق، وهو عنصر المفاجأة من خلال المثير والمنبه الأسلوبي، حتى إنه رد الميزة بالنص إلى هذا العنصر، فقال: ( تنتج القوة الأسلوبية من إدخال عنصر غير متوقع إلى نموذج، فالسياق الأسلوبي يتكون من نموذج لغوي يكسره بغتة عنصر لا يتنبأ به).
ويرتبط مفهوم الأسلوب عنده بعنصر المفاجأة التي تصدم المستقبل وتحدث صدمة في نفسه، فكلما كانت السمة الأسلوبية متضمنة للمفاجأة فإنها تحدث خلخلة وهزة في إدراك القارئ ووعيه.
وقد ساق ريفاتير مثلا هو قول كورني ( عتمة مضيئة تسقط نجوما) فجمع العتمة مع الضوء، وبهذا أحدثت المقابلة منبها أسلوبيا لا بد له أن يحدث استجابة ما لدى المستقبل، فكل واقعة أسلوبية تنشأ من سياق ومن تعارض ولذلك على الدارس الأسلوبي أن يمنح التعارض عنايته، لأنه يشكل الأجراء الأسلوبي في النص المدروس.
ومما لا شك فيه أن عنصر المفاجأة عند ريفاتير هو بنفسه تجسيد للانحراف( الذي تحدثنا عنه سابقا)، فقد عرف الأسلوب على أنه انحراف عن المعيار، كما وصف الانحراف بالانزياح، والمقصود انزياح أو انحراف الأسلوب عن الاستخدام العادي للغة، مما يجعل اللغة تستخدم استخداما غير مألوف.
وقد لقي مفهوم الانحراف عند ريفاتير تطورا جذريا استخلص منه مقولة ( التضاد البنيوي ) وحدد ما يترتب عليها من إجراءات أسلوبية أي من عمليات التكوين الأسلوبي حسب مصطلحه، وهي إجراءات تعتمد على القارئ أساسا لأنه هدف الكاتب الموجه إليه الرسالة.
ولا شك أن الكتابة الفنية تتطلب من الكاتب أن يفاجئ قارئه من حين لآخر بعبارة تثير انتباهه حتى لا تفتر حماسته بمتابعة القراءة أو يفوته معنى يحرص الكاتب على إبلاغه إياه. وفي هذا تختلف الكتابة الفنية عن الاستعمال العادي للغة فالإنسان في حديثه العادي يستطيع أن يلجأ إلى وسائل كثيرة مصاحبة للكلام كي ينبه سامعه إلى فحوى الرسالة: من استخدام النبر والتعبير بحركات الوجه أو الإشارة باليدين إلى هز ذراع السامع إذا كان المتكلم في حالة انفعالية تدفعه إلى ذلك، وأما إذا تأملنا الكتابة الفنية وجدنا في تعابير اللغة أحيانا ما يشبه هز الذراع وربما الإمساك بالتلابيب، وإذا كانت هذه الحركات والنبرات في لغة الحديث لا تفعل فعلها إلا لكونها خارجة عن المألوف، فكذلك وسائل اللغة التي يراد بها جذب الانتباه إنما تحدث ذلك بفضل ما فيها من المفاجأة أو الخروج على سياق الكلام العادي ، أي بفضل ما فيها من الانحراف.





السياق الأسلوبي :
بما أن التقوية الأسلوبية تنتج من إدخال عنصر غير متوقع في نسق، فهي تفترض إشعارا بالانقطاع الذي يغير السياق، وهنا فرق جوهري - كما يقول ريفاتير- بين المفهوم الشائع لكلمة السياق وبين السياق الأسلوبي.
فليس السياق الأسلوبي ترابطيا، بمعنى أنه ليس السياق اللفظي الذي يقلل تأثير لمشترك اللفظي أو يضيف إيحاءات إلى لفظة ما، فالسياق الأسلوبي كما يقول ريفاتير: ( نسق لغوي يقطعه عنصر غير متوقع- مفاجئ كما أشرنا في الفقرة السابقة- والتقابل الذي ينشأ عن هذا الاقتحام هو المثير الأسلوبي) ويوضح ريفاتير أنه يجب أن يفهم أن هذا الانقطاع ليس من باب الفصل، فقيمة المقابلة الأسلوبية ترجع إلى نظام العلاقات الذي تقيمه بين العنصرين المتصادمين، وما كانت لتحدث أي تأثير بدون وصلهما في متتابعة.
إن صنع النسق الذي تتوقف عليه 'المفاجأة' يرجعه ريفاتير بالضرورة إلى سير المتواليات، والسياق يبتع القارئ مارا بكل متواليات الحدث.
ويرى ريفاتير أن السياق لا ينفصل عن الإجراء الأسلوبي ويتمايز بالخواص التالية :
1- التلاؤم اللازم مما لا يحدث بالنسبة للقاعدة.
2- قابليته الفورية للتحديد وإمكانية الإمساك به على التو فليس غامضا ولا مبهما ولا ذاتيا.
3- التنوع، إذ إنه يشكل مجموعة من مظاهر التضاد مع الإجراءات الأسلوبية المتوالية، وهذا التنوع هو الذي يوضح لنا السبب في أن وحدة لغوية ما تكتسب تأثيرها الأسلوبي أو تعدله أو تفقده نظرا لوضعها، كما أنه هو الذي يوضح السبب في عدم اعتبار اطراد القاعدة واقعة أسلوبية بالضرورة بمثل ما أن التأثير الأسلوبي لا يتوقف دائما على الشذوذ عن القاعدة.

الانصباب:
وهناك ظاهرة تتصل بالسياق الأسلوبي يطلق عليها ريفاتير اسم الانصباب، فقد تتجمع العناصر الناجمة عن الإجراءات الأسلوبية مما يجعل تأثيرها يعتمد على التوافق بين الجوانب الدلالية والصوتية وتتراكم حتى تصل إلى نقطة محددة، بحيث يكون كل إجراء أسلوبي منها- على استقلاله في ظاهر الأمر- جزءا من بنية أكبر تمثل القوة التعبيرية التي تصب فيها جميع الإجراءات المستخدمة.
وهذا الانصباب ذو طبيعة تراكمية ويمثل السياق الدلالي الذي يحد من تعدد معاني النص ويوضح مقاصد المؤلف، كما أن هذا الانصباب هو الإحراء الوحيد الذي يمكن أن يوصف بأنه يتم بطريقة واعية إذ إنه حتى لو كان قد نبت في النص بشكل لا شعوري من المؤلف فإنه لا يلبث أن يدركه على التو عند قراءة ما كتب ولو اقتصر على الاحتفاظ به أو اجتهد في تكوينه، فإنه يصبح مثلا للوعي الواضح في استخدام اللغة.
ويعد الانصباب أقوى وأعقد أشكال الإجراءات الأسلوبية، ومن المسلم به أنه معيار خصب للتحليل فلو فرض أن القارئ النموذجي قد لاحظ وجود إجراء أسلوبي ما لكنه لا يمثل تضادا موسوما مع السياق السابق فبوسع الدارس أن يبحث حينئذ عن الانصباب كواقع أسلوبي.
وكثيرا ما ينجم عن خطأ حذف لإجراءات الأسلوبية ألا يستطيع قارئ اليوم استجلاء البروز الأسلوبي للنصوص القديمة وبوسعه حينئذ أن يعتمد على الانصباب ليكتشف هذا البروز بتحليل اتجاه الإجراءات الأسلوبية الأخرى، وتوقع أن تكون الإجراءات المندثرة مساوقة للتيار نفسه مما يساعده في نهاية الأمر على اكتشافها وتحديدها وجبر حذفها. فالانصباب في الواقع هو العامل الأسلوبي الذي يضمن استمرار نظام التشفير في النص، ولو كانت هناك أجيال من القراء لم تعد تتبين اتجاه بعض الإجراءات الأسلوبية لأنها فقدت قدرتها على التضاد في النظام اللغوي الجديد، كأن تكون المصطلحات الجديدة أو المستعارة قد فقدت جدتها وطرافتها وصارت من اللغة الأدبية المشتركة فمن الممكن أن تظل بعض هذه العناصر محتفظة بفاعليتها كمثير أسلوبي للتعبير يمس مجموعة الإجراءات التي وضعها المؤلف، ويصبح الانصباب هو وسيلتنا للتعرف على بقيتها.

إبراهيم براهيمي
29-07-2009, 09:59 AM
شارلز فيرجسون والدرس اللساني ـ الاجتماعي للغة العربية

من المعروف جيداً أن دراسة اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية ليست أمراً مستحدثاً، سواء لدى أصحاب العلوم الاجتماعية، أم لدى اللسانيين· وفي إشارة سريعة يدلل شارلز فيرجسون على هذه الحقيقة فيقول: >منذ وقت بعيد أكد رواد علم النفس الاجتماعي ـ مثل >جورج هربرت ميد< على أهمية اللغة في التفاعل الاجتماعي· وفي مطلع هذا القرن حاول لسانيون مبرزون ـ مثل أنطوان مييه ـ أن يضعوا اللغة في مكانتها الاجتماعية، وأن يجمعوا بين التحليل الاجتماعي وبحث التغير اللغوي· وبشكل تقليدي ظل للسانيات مكانها داخل البحث الأنثروبولوجي<·

ولعل من أكثر المسائل بروزاً في هذا العلم تركيزه على >الكلام< parole ؛ أي على الكلام الفعلي بكل أبعاده الاجتماعية·

فبإمكاننا في هذا السياق الوجيز أن نقول إن الخط الأساسي الذي يسلكه علم اللغة الاجتماعي يتمثل في التركيز تاريخياً ووصفياً على هذا السؤال: من يتكلم؟ وبأي لغة؟ وفي أي مناسبة؟

ومن هنا فإن الموضوعات الأساسية التي يعالجها العلماء الذين يعملون داخل هذا الإطار هي موضوعات من قبيل: الأقليات اللغوية، والازدواجية اللغوية، والصراعات اللغوية، والتخطيط اللغوي·

كذلك يمكن أن تميز في سياق علم اللغة الاجتماعي ـ وفق التصور الذي قدمه فيشمان ثلاثة علوم فرعية هي:

أولاً: علم اللغة الاجتماعي الوصفي : وهو موجه لدراسة النماذج العامة للاستخدام اللغوي في كلام المجتمع· والحقيقة أن هذا الفرع يعد ـ من بين الفروع الثلاثة ـ المهمة الأساسية لعلم اللغة الاجتماعي· وهو يمثل ما يمكن أن نسميه مرحلة جمع المادة فيما يتعلق بالنماذج القائمة فعلاً في التنظيم الاجتماعي للاستعمال اللغوي، وكذلك فيما يتعلق بنماذج السلوك المتبع تجاه هذا الاستعمال·

ثانياً: علم اللغة الاجتماعي الحراكي : وهو يركز على نماذج التغير وأسبابه في نظام الاستخدام اللغوي·


وفي هذا السياق يشير >فيشمان< إلى نموذجين من الذخيرة اللغوية: الذخيرة المتحركة، ومن بين أمثلتها المهاجرون إلى الولايات المتحدة من مختلف بلدان العالم ذات اللغات المختلفة، حيث يتحولون إلى استخدام الإنجليزية في كل مجالات العمل والحياة حتى ينتهي الأمر عند الجيل الثالث من أبناء هؤلاء المهاجرين ليكونوا أحادي اللغة؛ أي لا يتكلمون إلا اللغة الإنجليزية·

النوع الثاني فهو الذخيرة الثابتة· ومن بين أمثلتها سكان مقاطعة كوبيك الكندية الذين يتحدثون الفرنسية، والذين ظلوا محافظين عليها، على الرغم من ضغط بقية المجتمع الكندي الإنجليزي· ويبدو هنا أن عامل الإحساس بالانتماء إلى الثقافة الفرنسية لدى مواطني كويبك كان له أثر قوي في تمسكهم بلغته· وهذا يؤكد أهمية >الميول اللغوية< وأثرها في السلوك الاجتماعي·

ثالثاً: علم اللغة الاجتماعي التطبيقي: وهو يهتم بعدد واسع من الموضوعات التي تتدرج بدءاً من تعليم اللغة، ووضع الرموز الكتابية أو تنقيح أنظمة الكتابة القائمة، وانتهاء بالتحديدات السياسية والاجتماعية للغة، مثل اختيار اللغة الرسمية، ولغة التعليم·وهي موضوعات تجمع بين علم الاجتماع التطبيقي وعلم اللغة التطبيقي·

وبعد هذه العجالة السريعة فإن السؤال الذي ينهض الآن هو: وما نصيب العربية من دراسات هذا العلم ؟ وبطبيعة الحال فإن سياقنا الحالي لا يسمح باستقصاء مدقق حول هذا السؤال· وقد يكون كافياً أن نشير فقط إلى أعمال أحد المبرزين في علم اللغة الاجتماعي، وهو تشارلز فيرجسون الذي قدم عدداً من الدراسات المختصة بالعربية، والذي أشرف على كثير من رسائل الطلاب العرب المبتعثين إلى الولايات المتحدة·

وفي بحثه عن الازدواجية اللغوية diglossia الذي يعد من كلاسيكيات اللسانيات الاجتماعية يقدم فيرجسون دراسة مقارنة لهذه الظاهرة في أربع من لغات العالم الحية : العربية، واليونانية الحديثة، والألمانية السويسرية، والكرييولية الهاييتية ( لغة جمهورية هاييتي الواقعة بأمريكا اللاتينية)· ومصطلح الازدواجية اللغوية >هو ترجمة للمصطلح الأوربي diglossia وهو المصطلح الذي كان لفيرجسون ـ فضل السبق في استخدامـه سنة 1959م· ومنذ ذلك التاريخ انتشر هذا المصطلح لدى علماء الاجتماع اللغوي·

ويشير فيرجسون إلى أن الازدواجية اللغوية قد تستمر قروناً طويلة، وأن الشواهد ـ في بعض الأحيان ـ تظهر أنها يمكن أن تبقى أكثر من ألف عام، وأن مشكلات الاتصال التي تصاحب الازدواجية اللغوية ـ ربما تحل عن طريق استخدام أشكال لغوية وسيطة ومتغيرة·

ويسمى هذا الشكل الوسيط في العربية >اللغة الوسطى< ويتسم هذا الشكل بالاقتراض المتكرر من مفردات المتغاير الأعلى إلى المتغاير الأدنى· وفي العربية ـ كما يشير فيرجسون ـ كثيراً ما يستخدم نوع من العربية المنطوقة في بعض المواقف نصف الرسمية، أو بعض مواقف التفاعل اللهجي ويتميز هذا النوع من العربية المنطوقة بمفرداته الكلاسيكية العالية مع قليل من الالتزام بالإعراب أو بدونه· وكذلك يتميز بملامح معينة من التركيب الكلاسيكي ولكن مع أساس عامي في صيغ الكلمات وتركيبها· كما يتميز بامتزاج وافر من المفردات العامية·

أما فيما يتعلق بـ>النحو< فإن فيرجسون يذكر أن أحد الاختلافات اللافتة للنظر بين المتغاير الأعلى والمتغاير الأدنى هو الاختلاف في التركيب النحوي ففي المتغاير الأعلى أقسام نحوية لا تظهر في المتغاير الأدنى، كما أن في المتغاير الأعلى نظاماً تصريفياً للأسماء والأفعال ليس موجوداً كلية، أو أصبح مختزلاً، في المتغاير الأدنى·

ويخلص فيرجسون إلى فرضية ماتزال بحاجة إلى اختيارها في ضوء الدراسات التي تتم حول اللهجات العربية المعاصرة· وهذه الفرضية مؤداها أن التركيب النحوي لأي متغاير أدنى أبسط من تركيب النحو في المتغاير الأعلى المقابل له·

ولكن الملمح البارز في الازدواجية اللغوية هو وجود العديد من أزدواج المفردات المشتركة في المتغاير الأعلى والمتغاير الأدنى· وهي المفردات التي تشير إلى مفاهيم شائعة بشكل واضح ومستخدمة بشكل متكرر في كل من المتغايرين، حيث إن مجال المعنى لكل المفردين متماثل تقريباً، وحيث إن استخدام إحداهما أو الأخرى يميز المجرى النطقي أو الكتابي إما على أنه من المتغاير الأعلى أو من المتغاير الأدنى·


وعلى سبيل المثال فإن كلمة >رأى< تنتمي إلى المتغاير الأعلى، ويقابلها كلمة >شاف< في المتغاير الأدنى، وكلمة >رأى< لا تأتي إطلاقاً في الحديث العادي، وكلمة >شاف< لا تأتي في العربية المكتوبة القياسية·

ثم يقدم فيرجسون مايسميه بـ > التكهن غير الحاسم< بالنسبة للازدواجية اللغوية العربية خلال القرنين القادمين (أي حوالي سنة 2150 ميلادية)· وهذا التكهن يقوم على أن الازدواجية اللغوية العربية ستتطور بشكل بطيء نحو ظهور عدد من اللغات النموذجية، التي تعتمد كل منها على متغاير أدنى ممتزج بشدة بمفردات المتغاير الأعلى· ويرشح فيرجسون ثلاث لغات هي: المغربية: ويعتمد على لهجة الرباط أو تونس، المصرية : وتعتمد على لهجة القاهرة، الشرقية : وتعتمد على لهجة بغداد·

كما يشير إلى أنه ربما وقعت تطورات سياسية واقتصادية يمكن أن تضيف إلى هذه اللغات : اللغة السورية التي تعتمد على لهجة دمشق، واللغة السودانية التي تعتمد على لهجة أم درمان ـ الخرطوم، وكذلك لغات أخرى·

في نهاية مقالته يقدم فيرجسون نقداً للمنهج الوصفي الذي ركز اهتمامه على وصف التركيب الداخلي للغة متجاهلاً الوضع الاجتماعي والثقافي الذي تعمل اللغة من خلاله· كما يشير فيرجسون إلى أن الوصفين قد فضلوا الوصف التفصيلي للهجات واللغات النموذجية والصافيةpure بدلاً من الدراسة المعمقة للأشكال الوسيط والخليط· ويقول فيرجسون إن دراسة موضوعات مثل موضوع الازدواجية اللغوية لها أهمية واضحة في فهم عمليات التغير اللغوي، كما أنها تقدم تحديات طريفة لبعض مزاعم علم اللغة الوصفي (السنكروني)·

إبراهيم براهيمي
04-08-2009, 11:52 PM
صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات - د.مازن الوعر


مدخل: الحديث عن صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات ذو شجون، ونحن نعلم أن البحث عن هذه الصلة يشغل اللغويين العرب، ويكاد يكون برهاناً على رؤيتهم المعاصرة للسانيات العربية.‏


ولكن ماهي طبيعة هذه الصلة؟ ثم كيف ننظر إليها؟‏


الواقع أحب أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار أشمل وأوسع ليكون حديثنا أكثر دقة وموضوعية ذلك أنني أعتقد أن التراث اللغوي العربي ليس ملكاً للعرب وحدهم، ولكنه ملك حضارة الإنسان المعاصر. والإنسان دائماً وأبداً خارج عن نطاق الجنس والعرق والتاريخ. ومن ثم يمكنني أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار ما يلي:‏


1-ماذا نعني بالتراث اللغوي العالمي؟‏


2-أين يقع التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي؟‏


3-ماذا نعني باللسانيات الحديثة؟‏


4-أين تقع البحوث اللغوية العربية القديمة في خارطة اللسانيات الحديثة؟‏


5-وأخيراً، هل هناك صلة بين ما فعله العرب في مجال الدراسات اللغوية القديمة وبين هذا العلم الجديد المسمى "اللسانيات"؟ ثم ما طبيعة هذه العلاقة؟‏


1-التراث اللغوي العالمي:‏


من يطلع على الكتاب القيم الذي كتبه الباحث اللساني الإنكليزي ر.روبنز (R. Robins) والمسمى "التاريخ الوجيز للسانيات (A short History of linguistics) سيكتشف أن تاريخ الأمم السالفة حافل وغني بالدراسات اللغوية التي تبحث في الظاهرة اللغوية من الوجهة الصوتية والتركيبية والدلالية، ثم علاقة هذه المكونات اللغوية بالعالم الذي يحيط بالإنسان. فقد لفتت الظاهرة اللغوية انتباه الإنسان منذ قديم الأزل، وجعلته يطرح الأسئلة تلو الأسئلة حولها. وسواء أقاده حدسه الطبيعي إلى الجواب الصحيح أم تجاربه العلمية المتوافرة آنذاك، فإنه قد توصل إلى حقائق عدة حول اللغة بشكل عام.‏


فالحضارة الهندية القديمة بحثت في الظاهرة اللغوية بحثاً مستفيضاً ولاسيما في وجهها الصوتي (Phonetic) والحق يقال: يُعدّ الباحث الهندي الكبير بانيني (Panini) أبا الصوتيات في العالم. فمن رجع إلى بحوث هذا الرجل منذ حوالي أربعة آلاف سنة فإنه سيدهش من الدراسة الصوتية العميقة التي قام بها سواء أكانت هذه الدراسة مبنية على اللغات الهندية أم على لغات بشرية أخرى.‏


وقد فعل اليونانيون في الحضارة الإغريقية الشيء نفسه، إذ استفادوا من البحوث اللغوية التي سبقتهم وبنوا على تلك الدراسات ثم طلعوا بنظرات جديدة حول الظاهرة اللغوية. وما البحوث اللغوية التي قدمها أفلاطون وأرسطو والمدرسة الرواقية إلا دليل واضح على اهتمام الحضارة الإغريقية بالظاهرة اللغوية.‏


وإذا كانت الحضارة الرومانية قد تبنت كل الحقائق اللغوية التي أتت بها الحضارة الإغريقية فإنها قد ساهمت قليلاً في تطوير الدراسات اللغوية ولاسيما في وجهها الدلالي والبلاغي. أضف إلى ذلك أن هناك دراسات لغوية قيّمة ونافعة قامت بها الحضارات الشرقية القديمة وبالتحديد اليابان والصين وغيرهما، تلك الدراسات التي لم تصل إلينا نحن –العرب- لنتعرفها ونأخذ بها. ومن يطلع على كتاب ر.روبنز الآنف الذكر يكتشف أن هناك حقائق كثيرة أتت بها الدراسات الشرقية حول الظاهرة اللغوية.‏


والخلاصة: لا يمكن لظاهرة من الظواهر الإنسانية أو الفيزيائية أن تكون طفرة في تاريخ الجنس البشري وإنما هي تحول من ظاهرة إلى ظاهرة أخرى متعاقبة. وهكذا فإن السابق هو نتاج اللاحق. اللغة ظاهرة فيزيولوجية –إنسانية لاحظها الإنسان منذ أن خُلق على وجه الأرض، وقد حاول وما يزال يحاول سبرها. وهكذا فإن تاريخ الإنسان (بغض النظر عن جنسه وعرقه وأصله وفصله) مليء بالدراسات التي تناولت الظاهرة اللغوية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما مدى صحة هذه الدراسات اللغوية التراثية العالمية وشرعيتها؟ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى رواية ودراية لا تقل مدتها عن عشر سنوات من البحث والاستقصاء العلمييْن.‏


2-التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي:‏


لا أريد أن أقول –لأنني عربي- إن التراث اللغوي يُعد تحولاً كبيراً في مسيرة التراث اللغوي العالمي، ولكنني أقول هذا لأن الحقائق العلمية حول هذا الموضوع مثبتة تاريخياً. وأكرر ما كنت قد ذكرته في مقالات عديدة أنه لو التفت الغرب المعاصر إلى التأريخ اللغوي التراثي العربي لكان علم اللسانيات الحديث في مرحلة متقدمة عن الزمن الذي هو فيه. هذه الحقيقة شاركني فيها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي خلال حوار كنت أجريته معه 1982. وقد نشرت ما قاله تشومسكي حول هذا الموضوع في مجلة اللسانيات الصادرة عن معهد العلوم الإنسانية والصوتية التابع لجامعة الجزائر (المجلد 6-1984). ولكن ماذا نعني بالتراث اللغوي العربي؟ الواقع أن الذي فعله النحاة العرب حول اللغة العربية يُعد جزءاً من التراث اللغوي العربي وليس كله. ذلك أن التراث اللغوي العربي هو أشمل وأوسع مما قدمه النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن يعيش وغيرهم. فهذا التراث هو كل عمل عربي وضعه العرب القدماء من أجل تفسير النص القرآني. وهذا يعني أننا إذا أردنا إعادة تركيب التراث اللغوي العربي فإنه ينبغي أن نبحث في المصادر التالية:‏


-كتب النحو والشروح التي تناولته (نحويات أو علم التراكيب).‏


-كتب التجويد وفق قراءة القرآن الكريم (صوتيات أو علم الصوت).‏


-كتب البلاغة والفلسفة والمنطق (دلاليات أو علم المعنى).‏


-كتب التفاسير القرآنية والنبوية.‏


-دواوين العرب الشعرية والنثرية والشروح التي تناولتها.‏


-كتب الموسوعات المعرفية المختلفة التي كتبها عظماء الكتّاب العرب، أمثال الجاحظ وابن عبد ربه وابن حزم الأندلسي وغيرهم.‏


-كتب المعاجم واللغة كما هي الحال عند ابن منظور وابن فارس والأصمعي والقالي وغيرهم.‏


-كتب التاريخ كما هي الحال عند الطبري وياقوت الحموي وغيرهما.‏


وبكلمة أخرى؛ إن ما نعنيه بالتراث اللغوي العربي هو كل هذا الركام المعرفي المتناثر في تاريخ الفكر العربي والذي وجد من أجل خدمة النص القرآني. ونحن لا نستطيع معرفة النظرية اللغوية العربية بأبعادها الكاملة إلا إذا أعدنا تركيب هذا الفكر اللغوي العربي المتناثر بعد سبر دقيق وعميق لكل ما قاله العرب حول المسألة اللغوية.‏


إن الشرعية العلمية التي تدفعنا إلى تنفيذ هذا العمل ليست نابعة من تجميع ركام معرفي لا يربطه رابط معين، وإنما هو ركام معرفي انطلق من مبدأ فلسفي متماسك واضح من أجل تفسير الكون والحياة. فالنظرة الفلسفية الإسلامية أرادت أن تفسر مشكلة الإنسان على الأرض، ولأن اللغة مكوّن جوهري من مكونات الإنسان فإنها أرادت معرفة هذه اللغة وسبرها وتفسيرها وربطها بالنظرة الفلسفية الكونية.‏


صحيح أن تاريخ العالم وحضارته مملوء بالنظرات اللغوية التي تناولت اللغة درساً وتمحيصاً، إلا أن معظمها لم ينطلق من منطلق فلسفي شامل وعام. من هنا فإن تجميع الركام المعرفي اللغوي انطلاقاً من هذه الحقيقة وفي إطار يفقد صفته العلمية.‏


إن شرعية إعادة بناء الركام اللغوي العربي القديم تأتي من حقيقة أن العرب القدماء أرادوا تفسير الظاهرة اللغوية، كما فسروا بقية الظواهر الإنسانية والطبيعية، من أجل خدمة النص القرآني. وبمعنى أدق من أجل خدمة المنطلق الفلسفي الإسلامي.‏


3-اللسانيات الحديثة:‏


اللسانيات هي الدراسة العلمية للغات البشرية كافة من خلال الألسنة الخاصة بكل قوم من الأقوام. هذه الدراسة تشمل ما يلي: الأصوات اللغوية –التراكيب النحوية- الدلالات والمعاني اللغوية- علاقة اللغات البشرية بالعالم الفيزيائي الذي يحيط بالإنسان.‏


ونعني بالدراسة العلمية البحث الذي يستخدم الأسلوب العلمي المعتمد على المقاييس التالية: ملاحظة الظواهر اللغوية –التجريب والاستقراء المستمر- بناء نظريات لسانية كلية من خلال وضع نماذج لسانية قابلة للتطوير- ضبط النظريات اللسانية الكلية ثم ضبط الظواهر اللغوية التي تعمل عليها- استعمال النماذج والعلائق الرياضية الحديثة- التحليل الرياضي الحديث للغة- الموضوعية المطلقة. وبما أن اللغات البشرية لها ارتباطاتها الإنسانية والطبيعية المتفرعة، كذلك فإن لعلم اللسانيات فروعاً متعددة يختص كل منها بناحية جزئية من هذا الكل الذي اسمه "اللغات".‏


آ-فاللسانيات النظرية (العامة) تبحث بالنظريات اللغوية ونماذجها المتفرعة عنها وكيفية معالجتها للبنية اللغوية سواء أكانت تلك النظريات اللغوية في الماضي أم الحاضر. ومن العلوم المتفرعة عن اللسانيات النظرية ما يلي:‏


1-الصوتيات التي تتفرع بدورها إلى: الصوتيات الفيزيولوجية النطقية- الصوتيات الفيزيائية –الصوتيات السمعية الدماغية.‏


2-النحويات أو علم التراكيب الذي يتفرع بدوره إلى: علم بناء الجملة –علم بناء الكلمة- علم التقديم والتأخير في العناصر اللغوية- علم القواعد اللغوية العالمية- علم القواعد اللغوية الخاصة- علم الضوابط العامة والخاصة المفروضة على القواعد.‏


3-الدلاليات أو علم المعنى الذي يتفرع بدوره إلى: علم المعنى الخاص وعلم المعنى العام- علم بنية الدلالة في الدماغ البشري- علم التعرف على اللغة (عندما تخزن في الدماغ دون معرفتها) –علم فهم اللغة (عندما تخزن في الدماغ مع فهمها)- علم المشترك والترادف- علم تقطيع اللغات للواقع وتسميته- علم أنواع الدلالة والمعنى.‏


ب-واللسانيات التطبيقية تبحث في التطبيقات الوظيفية التربوية للغة من أجل تعليمها وتعلمها للناطقين ولغير الناطقين بها، وتبحث أيضاً في الوسائل البيداغوجية المنهجية لتقنيات تعليم اللغات البشرية وتعلمها (أصول التدريس –مناهج التدريس- وضع النصوص اللغوية وانسجامها مع المتعلمين- وضع الامتحان- امتحان الامتحان- علاقة التعلم والتعليم بالبيئة الاجتماعية).‏


ج-واللسانيات الأنثروبولوجية تبحث بالصلة التي تربط اللغة بأصل الإنسان. فاللغة عضو بيولوجي كبقية الأعضاء البيولوجية الأخرى عند الإنسان، ولكن، على الرغم من ذلك فإن اللغات البشرية متفاوتة من حيث الرقي الحضاري ومن حيث أنظمتها الداخلية وقدرتها على تقطيع العالم الذي يحيط بالإنسان.‏


د-واللسانيات الاجتماعية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والمجتمع. ذلك لأن اللغة لها صلة بالمجتمع الذي ينظمها ويؤطرها على نحو يجعلها مختلفة عن اللغات الأخرى نظاماً وعادة وسلوكاً. فاللغة ظاهرة اجتماعية تتفق عليها الجماعات البشرية، وهي تعكس كل ما يموج فيها من عادات وتقاليد وثقافة ودين وتنوعات جغرافية وإقليمية. إن من مهمة اللسانيات الاجتماعية البحث في التالي: اللغة واللهجة –الأطلس اللغوي الجغرافي- العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الواحد وأثر ذلك في تعليم اللغة القومية وتعلمها- الفروق القائمة بين لغة النساء ولغة الرجال- المستويات الكلامية اللغوية حسب سياقاتها الاجتماعية- اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة.‏


هـ-واللسانيات الأدبية تبحث بالعلاقات القائمة بين اللسانيات والأدب والنقد والسيميائيات والأسلوبيات. ماهي أفضل التقنيات اللسانية التي يمكن للأديب والكاتب أن يستخدمها ليكون عمله أكثر تأثيراً وفهماً في المجتمع؟ كيف يستطيع الأدب أن يقدم عينات وشرائح أدبية متنوعة للسانيات من أجل أن تدرسها وتبني عليها فرضيات يمكن أن تساهم في بناء صيغة علمية دقيقة للنقد الأدبي الحديث؟.‏


و-واللسانيات البيولوجية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والدماغ. إن مهمة هذا العلم معرفة البنية اللغوية الدماغية عند الإنسان ومقارنتها بالبنية الإدراكية عند الحيوان. أضف إلى ذلك أن هذا العلم يريد معرفة التطور اللغوي البيولوجي عند الأطفال وكيف يمكن أن ينشأ المرض اللغوي عندهم؟.‏


ز-واللسانيات الرياضية تنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة حسابية مركبة صوتاً وتركيباً ودلالة، ومنظمة على نحو متشابك من أجل تطويعها ووضعها في أطر وصيغ رياضية من أجل معرفتها معرفة دقيقة جداً لإثبات الفرضية التي وضعها تشومسكي من أن اللغة عبارة عن آلة مولدة ذات أدوات محددة قادرة على توليد ما لا نهاية له من الرموز اللغوية من خلال طرق محددة.‏


ح-واللسانيات الحاسوبية –المعلوماتية (الكومبيوترية) تبحث عن وضع اللغات البشرية في صيغ وأطر رياضية وذلك لمعالجتها في الحاسبات الإلكترونية من أجل السرعة والدقة العلميتين في البحوث اللغوية ومن أجل ترجمة النصوص اللغوية ترجمة آلية فورية.‏


والواقع أن تاريخ اللسانيات يبدأ بالمحاضرات اللسانية التي كان يلقيها عالم لساني سويسري يدعى فرديناند دي سوسور الذي يعتبر الأب الحقيقي للسانيات. وقد نشرت هذه المحاضرات اللسانية بعد مماته (1919) في كتاب اسمه "محاضرات في اللسانيات العامة" إن جوهر هذه المحاضرات يدور حول طرح منهج لساني علمي جديد لدراسة اللغات يدعى باللسانيات السنكروفية الآنية التي تدرس اللغات البشرية كما هي الآن. وقد كان هذا المنهج ردة فعل علمية على المناهج اللغوية الماضية التي كان يستخدمها العلماء في الهند لمقارنة اللغات الهندية باللغات الأوربية الأمر الذي دعاهم لدراسة تاريخ هذه اللغات ومقارنتها مع بعضها بعضاً طبقاً لمنهج لغوي دعوه بالمنهج الدياكروني التطوري (التاريخي).‏


وقد انتقل منهج دي سوسور اللساني إلى الولايات المتحدة وطُوّر تطويراً يختلف عما كان عليه في أوربة. من هنا نشأت "البنيوية" اللسانية (Structuralism) على يد عالم أمريكي هو بلومفيلد في كتابه "اللغة" (Language) وقد طورت النظرية البنيوية من خلال نماذج عديدة جداً استمرت في التطور حتى عام 1957 حيث جاء عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي الذي كان انعطافاً وحدثاً عظيماً في تاريخ العلوم الإنسانية والطبيعية في العالم. فقد استطاع هذا العالم أن يقلب المفاهيم الطبيعية والإنسانية رأساً على عقب كالمفاهيم المطروحة في علم النفس والمنطق والفلسفة وعلم الأنثروبولوجيا والرياضيات وعلم البيولوجيا وعلم الحاسبات الإلكترونية وعلم الفيزياء. ومن أراد التفصيل فلينظر في دائرة المعارف البريطانية ليرى ماذا فعل هذا العالم في تاريخ العلم الحديث والمعاصر. لقد قلب كثيراً من المفاهيم في هذه العلوم من خلال الثورة اللسانية التي قام بها عام 1957 عندما نشر كتابه الأول المسمى "المباني التركيبية" والذي يدور حول طرح نظرية جديدة تدعى "نظرية القواعد التوليدية والتحويلية" وما زال هذا العالم يطور في نظريته هذه حتى الآن وذلك من خلال تطبيقها على لغات بشرية عديدة. ولكن هذا لم يمنع من ظهور اتجاهات ومدارس لسانية أخرى في الولايات المتحدة وأوربة رافقت النظرية التوليدية والتحويلية كمدرسة "الدلاليات التوليدية" لمكولي ومدرسة "الدلاليات العلامية" لغيلمور ومدرسة "تحليل الخطاب" لـ لابوف وجمبرز وجودي، ولكن إذا أردنا فعلاً معرفة جوهر اللسانيات فإننا نستطيع القول إن هوية هذا العلم تتسم بصفتين اثنتين: الأولى هي العلمية (تطبيق المقاييس العلمية على اللغات) والثانية هي الاستقلالية (أصبح لهذا العلم قوانينه وأنظمته الخاصة به). هاتان السمتان اكتملتا بظهور علماء لسانيين في القرن العشرين أمثال دي سوسور وبلومفيلد وسابير ومارتينه وتشومسكي وغيرهم كثير.‏


4-موقع البحوث اللغوية العربية القديمة في اللسانيات الحديثة:‏


لاشك في أن كل أمة من الأمم عندما تفرز حضارة ما فإن هذه الحضارة ستكون مكتملة الجوانب ومتعددة الظواهر غالباً. فالحضارة العربية الإسلامية هي حضارة تتسم بسمة الكلية (Universal) هذه السمة الكلية التي كانت جوهر الدعوة الإسلامية دفعت العرب والمسلمين في كل مكان وزمان للبحث عن جوهر الإنسان ضمن بوتقة الكون والحياة. من هنا لم يكن من همِّ الأيديولوجية الإسلامية أن تجعل الإسلام يعتقد بالإسلام فقط وإنما كان همها إضافة إلى ذلك البحث والاستقصاء عن الإنسان أولاً (الانطلاق من معرفة الإنسان) وعن الكون الذي يحيط بالإنسان ثانياً (الانطلاق من المحيط الخارجي للإنسان). لذلك نرى القرآن الكريم يركز على قضية الاكتشاف عندما يقول "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وكذلك الحديث النبوي الذي حث على هذا الاكتشاف عندما قال الرسول الكريم: "اطلبوا العلم ولو في الصين". وانطلاقاً من هذا المفهوم الفلسفي الإسلامي كان الرسول الكريم يفك أسر كافر إذا علَّم عشرة صبية من المسلمين.‏


نستطيع أن نقول إذن بأن الحضارة العربية الإسلامية لم تكن استمراراً لتطور حضاري سابق على الرغم من أنها كانت قد تأثرت بالخط العام لمسيرة الحضارات السابقة، وإنما كانت "طفرة" أو "انعطافاً" أو "حدثاً ثورياً" في تاريخ الحضارات الإنسانية. من هنا فإن ما توصلت إليه هذه الحضارات من خلال دراسة الظواهر الإنسانية والطبيعية إنما يستحق الروية والدراية والتأمل والعمق.‏


ومن الظواهر التي وقفت عندها الفلسفة العربية الإسلامية ظاهرة "اللغة". وعندما نقول "اللغة" لا نعني اللغة العربية فقط وإنما "اللغة" التي ينبغي أن تكون كونية، كلية، شاملة، صالحة لكل زمان ومكان حسب المفهوم الفلسفي العربي الإسلامي. إنها "اللغة" التي هي ركن أساسي من أركان الحضارة العربية الإسلامية. من هنا فإن خدمة العرب والمسلمين لهذه "اللغة" لم تنطلق من المفهوم القومي للغة وإنما انطلقت من المفهوم الإسلامي الكلي والإنساني والشمولي. فكما أن الإسلام هو الحل الوحيد لمشكلة الإنسان على هذه الأرض حسب المفهوم العربي الإسلامي فإن اللغة العربية هي اللغة التي يجب أن تحمل كل المعارف التي حصل عليها الإنسان ويريد أن يحصل عليها، وذلك من أجل حل مشكلاته في هذا الكون. إذن المفهوم العربي الإسلامي اعتبر "اللغة" ظاهرة عربية كونية كلية. لذلك أقدم العرب والمسلمون على دراستها انطلاقاً من هاتين السمتين: السمة القومية والسمة العالمية أو الكلية. وما بحثه العرب في "اللغة" كثير جداً ومتعب جداً، ولكن يمكن حصره بما يلي:‏


أ-أصوات اللغة العربية:‏


1-الفيزيولوجية –النطقية (النحاة والأطباء العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن سينا في كتابه أسباب حدوث الحروف).‏


2-الفيزيائية (علماء الرياضيات العرب أمثال الحسن بن الهيثم والخوارزمي).‏


3-السمعية –الدماغية (علماء التجويد أمثال الشاطبي ومكي بن أبي طالب القيسي وعلماء الموسيقى أمثال زرياب وإبراهيم الموصلي).‏


فقد درس العرب والمسلمون الظاهرة الصوتية دراسة نطقية –فيزيولوجية ودراسة فيزيائية ثم دراسة سمعية دماغية، ولكن معلوماتهم حول هذه الظاهرة جاءت مبعثرة لا يجمعها منهج أو نموذج واحد متماسك.‏


ب-تراكيب اللغة العربية:‏


وهذا كثير عند النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه والكسائي والفراء والشراح الذين فصلوا ما أتى به هؤلاء المتقدمون أمثال ابن يعيش وغيره. ويُعد كتاب سيبويه "الكتاب" منطلق التحليل النحوي العربي في تاريخ الدراسات النحوية التركيبية. وفي اعتقادي أنه لو استطاع العرب فهم كتاب سيبويه فهم رواية ودراية وعمق لنبشوا حقائق نحوية من هذا الكتاب لا تقل أهمية عن الحقائق النحوية التي أتى بها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي ولكن هذا يحتاج إلى جهد كبير جداً ليس هناك مؤشرات لحوافزه، في مناخ الدراسات اللغوية العربية المعاصرة.‏


ج-دلالات اللغة العربية ومعانيها:‏


ونجد هذه الدراسات في أعمال البلاغيين العرب الذين كانوا يتحدثون عن معاني اللغة العربية ودلالاتها في إطار البلاغة "الممنطقة" أمثال الجرجاني والسكاكي والقزويني وغيرهم. ولعلنا نجد بعض النظرات الدلالية العميقة في أعمال النحاة العرب عندما كانوا يتحدثون عن تراكيب اللغة العربية ونحوها. وهذا كثير عند ابن يعيش في كتابه "شرح المفصل". ثم إن دلالات اللغة العربية ومعانيها أخذت حظاً كبيراً من الدراسة على أيدي الفلاسفة وعلماء المنطق العرب والمسلمين أمثال الفارابي وابن سينا والتوحيدي وابن حزم الأندلسي وابن رشد وغيرهم، حتى أن هناك نظرات دلالية عميقة جداً مبعثرة هنا وهناك ولاسيما في أعمال المفسرين العرب والمسلمين الذين تناولوا القرآن الكريم والأحاديث النبوية تفسيراً وشرحاً.‏


د-ارتباط اللغة بالمجتمع:‏


ونجد مثل هذه الدراسات عند الجاحظ في مؤلفاته جميعها ولاسيما "البيان والتبيين" و"الحيوان" وكذلك نجد بعض هذه الدراسات حول العلاقة بين اللغة والمجتمع عند بعض الشعراء في نثرهم أمثال أبي العلاء المعري في "رسالة الغفران"، وكذلك نجد هذه الأعمال عند من بحثوا في قضية اللغة العربية واللهجات المتفرعة عنها وأنظمة التفرع وضوابطه.‏


هـ-ارتباط اللغة بفيزيولوجية الإنسان وبيولوجيته:‏


وهذا نراه عند المؤلفين العرب الذين بحثوا في قضية الأمراض اللغوية والتطور اللغوي عند الإنسان ولاسيما عند الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين".‏


و-نشأة اللغة واللغات:‏


وهذا الموضوع تناوله المؤلفون العرب إجمالاً لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأصل الإنسان عندما خلقه الله تعالى ليكون خليفته في الأرض. ومن المؤلفين العرب الذين تناولوا هذا الموضوع ابن جني في "الخصائص" وابن فارس في "المجمل" و "المقاييس"، ثم نراه عند بعض الفرق الفلسفية كالمعتزلة مثلاً. ولكن هذه الدراسات اللغوية التي قام بها العرب والمسلمون إنما هي دراسات إنسانية مستطردة لم تبن على نماذج معينة تخضع لنظريات علمية تجريبية مثبتة اللهم إلا في مجال الصوتيات والنحويات والدلاليات وحتى هذه تحتاج إلى غربلة "علمية" صارمة.‏


5-الصلة بين التراث اللغوي العربي واللسانيات:‏


لا أجد حرجاً في أن أكرر، هنا، شيئاً كنتُ قلته، وسأبقى أقوله، هو أن صلة القربى ليست فقط بين التراث اللغوي العربي واللسانيات، وإنما هي موجودة أصلاً بين التراث اللغوي العالمي واللسانيات. هذه الحقيقة هي قانون علمي للظواهر الحضارية، ذلك لأن اللسانيات لم تنشأ في فراغ لتخدم في فراغ، وإنما هي شيء لاحق لشيء سابق. فعملية التأثير والتأثر موجودة، ليس بين اللسانيات وبين الدراسات التي سبقتها، وإنما بين الظواهر الحضارية كلها.‏


ولكن السر في تقدم الظواهر الحضارية بعضها على بعض إنما يكمن في حقيقة مفادها أن الشيء اللاحق يجب أن يكتشف جديداً لم يكن في السابق. هذا هو سر تقدم العلوم الإنسانية والطبيعية، وسر تقدم الحضارات في تاريخ الإنسان.‏


اللسانيات، بصفتها علماً، جاءت من أجل تبني صيغة علمية بمفهوم العلم الفيزيائي، وذلك من أجل معرفة كيفية عمل اللغات البشرية بدقة وضبط وموضوعية مطلقة، وذلك للاستفادة من نتائج هذه المعرفة اللغوية وتوظيفها في مجال الحضارة والتكنولوجيا المعاصرة. ولكي تستطيع اللسانيات أن تكون علماً قائماً برأسه مستقلاً عن بقية العلوم الإنسانية والطبيعية الأخرى، فلابد لها من أن تستفيد من المعارف والنظرات اللغوية والتراثية سواء أكانت عربية أم غير عربية.‏


وهكذا فإن المعارف اللغوية الموجودة في التراث الهندي والبابلي والإغريقي والروماني والعربي ثم جهود الباحثين في القرن الثامن والتاسع عشر إنما كانت معارف لغوية مهمة جداً للسانيات.‏


ولكن فضيلة التراث اللغوي العربي تأتي من حقيقة أن الأيديولوجية الحضارية العربية الإسلامية كانت أعلى في الوتيرة الفكرية وأنفذ في الرؤية المستقبلية. لذلك كانت استفادة اللسانيات من التراث اللغوي العربي أكثر من غيره على الرغم من أن بعض الباحثين اللسانيين الغربيين لا يعترفون بهذه الحقيقية، ذلك لأن حجتهم هي أن التراث اللغوي العربي إنما هو انعكاس وحفظ للتراث اللغوي الإغريقي إلا في بعض فرضياته الدلالية الجديدة.‏


على أية حال، لقد أثبت باحثون لسانيون غربيون معتدلون ومنصفون (أمثال روبنز وتشومسكي وكوك) تأثر اللسانيات الحديثة بالتراث اللغوي العربي وذلك عن طريق وسائل مختلفة سواء أكانت مباشرة (الاطلاع على التراث اللغوي العربي باللغة العربية) أم غير مباشرة (عن طريق ترجمة أعمال النحاة واللغويين والبلاغيين العرب إلى لغات أجنبية كثيرة وخاصة اللغة الألمانية).‏


إن الفكرة الرئيسية في قانون البحث العلمي هي أنه لا سابق دون لاحق ولا لاحق دون سابق، وكل من ينكر هذا القانون العلمي إنما نظرته إلى الظواهر هي نظرة شخصية وليست نظرة موضوعية. لنأخذ على سبيل المثال عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي فسوف نجد برهاناً على ما نقول. فعلى الرغم من أن هذا العالم قد رفض كل شيء أتت به البنيوية، ولكنه في صميم أعماله التوليدية والتحويلية إنما هو بنيوي. إن ما فعله تشومسكي هو أنه قلب البنيوية رأساً على عقب وأتى بشيء جديد لم تلتفت إليه البنيوية وهو دراسة "اللغة" على أنها ظاهرة فيزيائية –رياضية- آلية- بيولوجية تعمل داخل الدماغ البشري. أنت ترى ظاهرة معينة منذ مدة وأنا أرى الظاهرة نفسها الآن، ولكن رؤيتي لهذه الظاهرة يمكن أن تكشف شيئاً جديداً لم يسترع انتباهك أنت. ولنقل ما نقول: أهي الوسائل البدائية التي استخدمتها ولم تجعلك تكتشف هذا الشيء الجديد أم أنه القصور في التحليل العلمي لهذه الظاهرة؟‏


المهم في الأمر هو "الاكتشاف الجديد"، هذا هو سر اللسانيات الحديثة التي اكتشفت في اللغات البشرية أشياء جديدة لم تستطع الدراسات اللغوية القديمة اكتشافها وذلك بسبب ظهور التكنولوجيا الحديثة والأساليب العلمية المذهلة. ما تفعله اللسانيات هو أنها تأتي إلى اللغات البشرية كافة، تفككها وتحللها قطعة قطعة لتكشف وظيفة كل قطعة لغوية وكيفية توزعها في النظام العام. وهكذا فإنها ستكشف أن هناك نظاماً معيناً فتسجله، ثم تنتقل إلى قطع لغوية أخرى لتدرس وظيفتها وتوزعها ضمن النظام العام، وهكذا دواليك. فمن خلال هذه الدراسة تتكون عند اللساني أنظمة كثيرة حول الظاهرة اللغوية. وهذه الأنظمة لابد لها من نظام معين من أجل ضبطها.‏


إن الفكرة الرئيسية هنا هي أن اللساني ينطلق من الجزء لينتهي بالكل. الجزء هو اللغات البشرية كلها. الكل هو أنظمة هذه اللغات البشرية وقوانينها. إن الجزء والكل هما اللذان يعطيان اللسانيات الحديثة شرعيتها لتكون علماً قائماً برأسه.‏


في التراث اللغوي القديم (عربياً كان أم غير عربي) لم تكن هناك وسائل علمية سريعة لفحص اللغات البشرية كلها وتحليلها ومعرفة سر حركيتها وعملها من أجل أن نستفيد منها تقنياً وتكنولوجياً، وإلا فكيف يمكننا الآن وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصمم آلات تكنولوجية (مخابر صوتية) أو حاسبات الكترونية (كومبيوتر) لتلائم مثلاً لغتين أو لغات عدة من أجل أن نقوم بعملية الترجمة الآلية كما هو الحال في مشروع لغات السوق الأوربية المشتركة؟ ثم كيف يمكننا وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصوغ جميع اللغات البشرية صياغة رياضية صوتياً وتركيبياً ودلالياً؟. لم يكن هذا الأمر ممكناً في القديم ذلك لأن إمكانات فقه اللغة أو الدراسات اللغوية القديمة إمكانات بدائية تتلاءم مع العصر الذي أفرزها.‏


هذه الحقيقة العلمية تؤيد حقيقة أخرى فلسفية كان وضعها الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس وهي "انك لا تستطيع أن تستحم بماء النهر مرتين". من هنا فإنه من الخطأ العلمي أن نحمّل التاريخ الحضاري وزراً فوق وزره. لندع التاريخ الحضاري يفرز حقائقه من الواقع والزمن الذي كان يعايشه دون أن نسقط عليه حقائق معاصرة لرغبة قومية أو نزعة دينية أو تحمس عاطفي.‏


والخلاصة أن الدراسات اللغوية القديمة هي دراسات إنسانية (علاقة اللغة بالإنسان الذي يتكلمها). وبهذا فإنها في الغالب دراسات شخصية (Subjective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة في أنا (كشخص). أما الدراسات اللغوية الحديثة أو اللسانيات فهي دراسات علمية (علاقة اللغة ببعضها بعضاً). وبهذا فإن هذه الدراسات أكثر موضوعية (Objective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة ببعضها بعضاً.‏


الدراسات اللغوية القديمة تبدو وكأنها تستخدم معيار السببية (لماذا مثلاً تحدث صفات نحوية معينة في اللغة؟ وكيف يجب على هذه الصفات النحوية أن تعمل؟). وبالمقابل فإن اللسانيات الحديثة تبدو وكأنها تستخدم معيار الماهية (فهي تسجل الحقائق الملحوظة للغة فقط دون محاولة شرحها. وإذا كان هناك شرح لساني فإنه عبارة عن الشرح الذي يتناول العلاقة بين الحقائق الملحوظة للغة وبين النظرية اللسانية العامة والتجريبية). الدراسات اللغوية القديمة خلطت بين مستويات التحليل اللغوي فهي لم تميز بشكل دقيق هذه المستويات وتفرزها عن بعضها بعضاً لكي يكون التحليل أكثر دقة وموضوعية. أما اللسانيات الحديثة فقد فصلت بين مستويات لسانية عديدة مكّنها من اكتشاف العملية اللغوية وكيفية عملها ووظيفتها.‏


إن حقيقة فهم الناس للدراسات اللغوية القديمة إنما يعود إلى التاريخ الثقافي الذي حمل التراث اللغوي القديم من جيل إلى جيل وعلى مدد زمنية طويلة وعريضة، ذلك التاريخ الذي صبغ الدراسات اللغوية القديمة بالتيارات الفلسفية والنفسية والدينية والبلاغية والنقدية والأدبية. ومن جهة أخرى فإن اللسانيات الحديثة هي وليدة العصر وليس لها تاريخ ثقافي طويل وعريض. أضف إلى ذلك أن اللسانيات حاولت جهدها أن تصرف النظر عن المناقشات الجدلية النفسية والمنطقية والميتافيزيقية العقيمة وأن تركز على الوصف والشرح اللغويين المبنيين على الوصف التجريبي للغة.‏


وبكلمة أخرى؛ إن اللسانيات الحديثة هي استمرار للخط الحضاري الحديث ذي الطابع العلمي التكنولوجي الذي يجعلها مرتبطة بالعلوم الطبيعية والتقنية الصارمة كالفيزياء والبيولوجيا والحاسبات الإلكترونية والرياضيات. أما الدراسات اللغوية القديمة فإنها استمرار للخط الحضاري القديم ذي الطابع الإنساني الذي يجعلها تدور في فلك العلوم الإنسانية كالأدب والنقد والفلسفة والتاريخ.‏


وهكذا فإن الفرق بين الدراسات اللغوية القديمة وبين الدراسات اللسانية الحديثة هو الفرق بين الهدف الإنساني والهدف العلمي.





مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 48 - السنة 12 - تموز "يوليو" 1992 - المحرم 1413

إبراهيم براهيمي
04-08-2009, 11:56 PM
التمثل المعرفي اللغوي وإشكالية التقيس في الترجمة الآلية[1]



د.عز الدين غازي

المعهد الوطني للنباتات الطبية، جامعة محمد بن عبد الله ، فاس ، المغرب.

تقديم:

سأسعى في ورقتي هذه، إلى تقديم المقاربة الحاسوبية المعرفية الآلية دون غيرها من المقاربات التي تعالج الأشكال الرمزية والتمثلات المعرفية ، نظراً لارتباطها الوثيق بما تعرفه الهندسة المعلوماتية من تطور كبير . فهذه المقاربة قبل أن تكون وسيلة لمراقبة صحة الافتراضات التي طرحت حول طريقة اشتغال السيرورة المعرفية (processus cognitif)، فإنها تقوم أساساً على تقييس الدماغ البشري باعتباره جهازاً مادياً كما أنها تقوم على نمذجة جميع السيرورات الإدراكية العصبية المعرفية. غايتها بناء نظام آلي ذكي من مرتكزاتة الأساسية خوار زم الفهم الاصطناعي في مقابل الفهم الطبيعي، يحاكي النظام الصوري المزود بقدرات معرفية وأخرى لغوية، تعرف بالكفاية اللسانية، التي تعمل وفق سيرورة دما غية وذهنية. وذلك من خلال التركيز على تمثلات المعارف القابلة للحساب وعلى قواعد الحساب (التمثيل المنطقي).

إن الغاية المثلى من وراء عملية التقييس (simulation) هذه، هي وضع الحلول الممكنة لمسألة فهم العلامة وإدراكها ثم إنجازها على مستوى الآلة الذكية. وهذا ما اجتهد فيه العلماء وكرسته أبحاث المعلوميات الرمزية والذكاء الاصطناعي .حيث توصلت إلى اقتراح حلول جريئة بطرح الأساليب المتطورة في مجالات كثيرة وذات أهمية مثل معالجة اللغات الطبيعية وفهمها وخاصة ما يتعلق منها بميدان فهم النصوص وترجمتها آليا. وقد أدى هذا إلى وضع إطار صوري لبناء آلة مترجمة (Machine Translation) قادرة على نقل النصوص من لغة مصدر إلى أخرى هدف بقليل من المشاكل والمعوقات. وهذا ما جعل فهم النصوص في العملية الترجمية عمل من صميم السيرورة الإدراكية التواصلية المعقدة . فهي تعود إلى الوضعية الفردية العامة لحالة ذهن الذات المترجمة ( الكفاية النفسية) قائمة أساساً على الاستعدادات الإدراكية ( قدرات الذاكرة والتخزين والحفظ ودرجات التعامل مع النصوص من حيث درجة تعقد أنماط الخطابات ) وعلى الاتفاقات الثقافية والإستراتيجيات الاستدلالية والإستنتاجية للقراءة .ذلك ما يتيح إمكانية التأويل المضاعف للخصائص السيميائية لعناصر النص المنطقية والإحالية .

فإذن، تقوم فكرة التقييس على ما ذكرنا في النظام الصوري الطبيعي موظفة أساليب معلوماتية كتحليل عناصر النص المصدر إلى أجزاء صغرى أو وحدات للدلالة ( متواليات) يتعرف عليها النظام الآلي وهذا يعني استقبال النص الأصلي بتطبيق جميع مراحل الفهم الآلي للغة: بداية من المحلل الصرفي إلى المستويات اللسانية الأكثر تعقيداً ، كالمستوى الدلالي والتداولي. بعد ذلك يتم توليد النص الهدف جملة جملة ويحدد لكل جملة بنيتها، وفق تمثل بيني (interface ) يستطيع نقل التمثيل الصوري بحساباته المنطقية الخوارزمية إلى الآلة.

في هذا العرض سأركز على كيفية تمثل المعرفة ومحاولات تقييس السيرورة الإدراكية لدى الإنسان من جهة، ومن جهة ثانية سأعرج على التمثل الآلي للمعرفة اللغوية من خلال التطرق إلى جهازين صمما لهذا الغرض هما : جهاز (ATN ) وجهاز( SOAR) كانتا بمثابة بداية تجريبية للفهم وللترجمة الآليين . حاولا أن يلامسا خصائص التمثيل الدلالي لنص اللغة الطبيعية وذلك باستدعاء قواعد المعرفة كحل لتقبل الصيغ الصورية للمعارف والتمثيلات المنطقية في أنظمة الآلة المترجمة باعتبارها تعمل وفق الخبرة البشرية.

1 . تمثل المعرفة ومحاولة تقييس السيرورة الإدراكية والمعرفية:

مفهوم التمثل: مما لاشك فيه أن لهذا المفهوم حضور قوي في حقل علم المعرفية ، فهو إلى جانب تميزه بدرجة عالية من العمومية والتجريد فإنه يتصف بصيغه وأشكاله المختلفة موزعة على باقي فروع العلوم المعرفية . وهذا المفهوم يتقاسم اتجاهين رئيسيين: أحدهما الموقف القائل بالتمثلات المبنية أي تلك الموجودة على هيأة كيانات فيزيقية مبنية وعبارة عن بدائل جزئية محملة بقيم رمزية داخل مجموعات ثقافية تندرج ضمن سياقات تواصلية ودلالية (معارف في مجال المعلومات)، لأنها تقوم على إنجاز حسابات وإيجاد إجابات صادقة واقعياً(الإحالة) ومتماسكة داخلياً (البنية اللسانية). وثانيهما التمثلات الطبيعية القائمة على نظام بيولوجي ومحيطي ،وفي هذا إقرار بدور التمثل في ترميز المعلومات والاحتفاظ بها قصد استدعائها وتشغيلها عند الاقتضاء (د. الغالي أحرشاو ود.أحمد الزاهر(1999)). ويتخذ التمثل، شكلا وتنظيما، درجتين من التجريد: الأولى عالية وتتم بصورة أو هيأة وحيدة، والثانية تتحقق وفق أنماط مختلفة وظروف استعماليه متعددة. نشير هنا إلى أن سمة التمثلات تشكل الإطار الطبيعي لتقريب الباحثين في العلوم المعرفية ذلك أنها قابلة للتغير باعتبارها منفتحة على مفاهيم تقييسية للسيرورة المعرفية " المنفذ المعرفي" ككائن مادي قابل لامتلاك المعارف ومعالجتها ( LeNy 89) .

و بحسب مظاهره مفهوم التمثل المتعددة يمكن الجمع بين الأنظمة الطبيعية و الاصطناعية في آن معاً، ففي علم النفس المعرفي مثلا نجد نماذج التمثل الذهني ( الذي مهد، طبعا، لما بناه المهندسون من أنظمة خبيرة لمعالجة المعلومات بكيفية عقلانية ) قد تطورت لدى الفرد عبر تجربته وخبرته الخاصة فتكونت لديه أنماط داخلية مضمرة عن محيطه ومشاكله وأكدت الأبحاث التجريبية استخلاصها للخاصيات العامة للتمثلات كبنيات حافظة للمعلومات بشكل مجرد ومختصر ومن ثم إمكانية التعديل والتوجيه في كياناتها بحسب ما تقتضيه الذاكرة وهذا ما يجعل الذهن البشري قادرا على معالجة أشكال وأنظمة مختلفة للمعلومات عن طريق القياس أو التمثلات القضوية اللغوية ( الغالي أحر شاو 99 ) .أما في الذكاء الاصطناعي المتميز بتقنياته المعلوماتية المتطورة ( هندسة المعارف والمناهج الحدسية في البحث وتقنيات التمثيل ) فقد وظف التمثل كتقنية لتمثيل الكيانات المرمزة كالتعرف مثلا على الأصوات مجزأة إلى وحدات جد صغيرة ( متواليات الرموز الأصواتية ) وتقدم على النظام دون أن تفقد شيئاً من معلوماتها نفس الشيء بالنسبة للنصوص. هذا ما استدعى لبناء أنظمة الترجمة التزود بإجراءات تقنية كالصوت والصورة وقواعد بيانات معجمية والترجمة المنطقية وآلة الاستدلال (inférence) ونظام المراقبة (contrôle) إلى غير ذلك من أساليب المعلوميات الرمزية للذكاء الاصطناعي (عزالدين غازي(2007)) فكل تمثل هنا يخضع للتعبير التصريحي للمعارف ما دام مرتبطاً ، على الأقل في البداية ، بمجالات معينة ( الأنظمة الخبيرة في مجال الفضاء أو الطب مثلا ). وما يميز هذا التمثل القائم على المعرفة هو تشغيله للقوة الحسابية الكبيرة. ومما لاشك فيه ، أن أساليب الذكاء الاصطناعي هذه قد اعتمدت في بنائها على تقييس الشبكة العصابية الحيوانية المعقدة . إذ أن كل نشاط إدراكي حسب علم العصاب يستلزم تنشيط التمثلات المخزنة في الذاكرة ، كما تنشط هذه التمثلات بالموازاة مع النشاط الإدراكي الناتج عن المثير. وتعتبر الصلات بين وحدات الذاكرة أهم خاصية منظمة للشبكة الدلالية أقام عليها مهندسو الشبكة العصابية الاصطناعية نموذجهم حيث اعتبروا العقد المخفية خوارزمات تعالج المعلومات المدخلة عبر عقد الدخل وأخرى أقاموها للخرج قصد توليد المعارف.

إن توظيف هذا النموذج ساعد علماء اللسانيات والمهندسين على حد سواء في فهم كنه السيرورة اللغوية نفسها فاعتبروا محتوى التمثل بنية صورية حاملة لدلالة معينة ، أي كعلامة ما ، ولذلك حينما ينتج المتكلم جملة أو يؤولها دلاليا فإنها غالبا ما تتطلب مرحلة زمنية لتنشيط التمثلات الدلالية والوصول إلى تأويل البنية اللغوية .

إن عملية تفسير الخطاب اللغوي (مهما كانت الإجراءات المتخذة لمعالجته) يكتنفها الغموض واللبس الدلالي والتداولي. و استدراكاً لهذه المسألة صمم مهندسو المحللات الآلية للغة أنظمة خبيرة تعمل (تقييساً) وفق الخبرة الإنسانية . ورغم صعوبة عمل هذا الجهاز على الأقل في الوقت الراهن ، يلح الإختصاصيون دوماً، على تطوير مجموعة من النماذج التي تستطيع التعامل بذكاء مع المعطيات اللغوية المعقدة وأذكر منها جهازين هما :

ا- جهاز شبكة الانتقال المعززة( Augmented Transition Networks ) باعتباره نظاماً من البرامج المستعملة لتحليل وتفسير الجمل والنصوص بواسطة الحاسوب ، وباعتباره كذلك بنية صورية مكونة من مجموعة من السبل والطرق التي يسلكها معالج الحاسوب، في كل عملية، وتكون هذه البنية بشكل أدق ، من مجموع الحالات التي توجد عليها الآلة ومن مجموع الانتقالات التي تطابق التحولات بين هذه الحالات .

إن العملية الأساسية التي ينبني عليها هذا النظام ، هي توفره على معلومات مخزنة ومجزأة ومرتبة بشكل دقيق في ذاكرته ، تمكنه من فحص وتفسير المعلومات الداخلة إليه باعتبارها جملا ونصوصاً ، كما يستطيع هذا الجهاز وصف تنظيمها ووصف السيرورات التي تمت بواسطتها هذه العملية ( بنعيسى زغبوش ، عبد النبي.سفير، مططفى بوعناني (1997 )) .

وبما أن النظام متوفر على قاموس مخزن في الذاكرة وعلى برمجي متطور يستطيع التعرف بنسبة عالية على سلسلة الحروف وعلى مجموعة من القواعد ، إضافة إلى محلل صرافي وآخر نحوي ( على شكل شبكة تنطلق من معالجة البنية السطحية فقط) فإنه يقوم عند استقبال سلسلة من الكلمات بمجموعة من عمليات المقارنة ، فإذا قبل النظام هذه السلسلة فإنه يخلص إلى نتيجة معينة. أما إذا رفضها فإنه يخبر المستعمل بعدم صحة السلسلة المُدْخَلَة(input ). بيد أن الفهم الآلي للغة يتطلب عمليات أعقد لأنه نظام من الأنشطة النفسية ، تشكل الذاكرة أحد ثوابته الأساسية. وأثناء المعالجة يخلق النظام وحدات الذاكرة المختصة ويغيرها ويمسحها .وتستخلص المعلومات المخزنة في السجلات إما من النص بعد تحويلها بواسطة قوانين أو تبنى على شكل شروحات جزئية .وهذه العملية تقابل الذاكرة البعيدة المدى لدى الإنسان ، ومن هنا يستطيع النظام تكوين ميتا- معرفة (méta-connaissance ) يحفظها أيضا في سجلات معينة .وأهم ما يميزه أيضاً هو توظيفه للذاكرة كي يحتفظ معالجه بالنقطة التي خرج منها من الشبكة ليدخل إلى أخرى ، وبالنقطة التي فيها ،باختيار معين، من بين مجموعة من التعليمات الممكنة.

ب - نظام( SOAR) :وهو نظام لحل المشاكل طوره كل من نيوويل و لارد و روزنبلوم ليصبح برنامجاً حاسوبياً كان اقتراحاً لما ذهبوا إليه في نظريتهم المعرفية. ومفاد ذلك، أن كل معالجتنا المعرفية تتدخل في النهاية في بعض صيغ حل المشاكل .وتصميم هذا النظام ، هو في حقيقة الأمر، إجابة عن هذه الصيغ، بالقيام بالمهام المعرفية التي أنيطت به ، من خلال تطبيق مجموعة من قواعد حل المشاكل وذلك ببرمجته بقواعد منطقية مثل ( إذا ....إذن ) وباستعمال القواعد الحدسية المشتركة بين الأفراد . فإذا حصل أن واجه الحاسوب عائقاً معيناً فإنه يشكل أهدافاً فرعية لتجاوز هذا العائق عن طريق مراجعة كل القواعد واختيار الملائم منها .وعندما يصل إلى هدفه الفرعي يخزن الحل على شكل قاعدة ( إذا ... إذن ) جديدة .وهنا يتعلم هذا النظام بنفس الطريقة التي يتعلم بها الإنسان لحل المشاكل التي لم يصادفها من قبل .وإذا كان المشكل من قبيل ما واجهه فإنه يستخرج المعلومات المتوفرة لديه ولا يقوم بحل المشاكل من البداية بل من النقطة التي يراها ضرورية. ويبقى هذا المشروع محاولات عقود عديدة لتقييس العمليات الإنسانية بواسطة الحاسوب. (عزالدين غازي (1999) ).

ج- الترجمة الآلية : إن معالجة اللغات الطبيعية بواسطة الحاسوب ،كما يعتقد بعض المهتمين تستدعي توظيف مفهوم الخوار زم لتتم عملية وصف ميكانزمات اللغة التركيبية الشكلية ، وهذا ما يعني ضرورة تطوير أنحاء صورية قابلة للاستعمال على شكل خوارزمي يشبه إلى حد ما لغات البرمجة الاصطناعية . نجد في هذا المضمار جهود كل من الرياضيين واللسانيين و المناطقة مجتمعة ومتكاملة ، إذ استفادت منها أبحاث معالجة اللغات الطبيعية وتطبيقاتها، وظهرت إثر ذلك نماذج أكثر تعقيداً وأكثر تطوراً لتقييس اللغة ، فحينما صمم الحاسوب الرقمي خلال الأربعينات بدأت المحاولات الأولى للترجمة الآلية بإنشاء قاموس آلي ثنائي اللغة يساعد على إيجاد الكلمات والتراكيب النحوية المتكافئة من لغة إلى لغة أخرى .وقد أفضت هذه الأبحاث التي تناولت المتكافئات الزوجية بين اللغات ، أو بالأحرى إلى ما أطلق عليه " القواعد التقابلية " إلى الفشل النسبي الذي منيت به هذه الدراسات يرجع بكل تأكيد إلى أن الترجمة الآلية لم تستند إلى طريقة عمل الذهن البشري الذي لا يقوم بنقل الرموز فحسب وإنما يدرك المعنى ويعاود التعبير عنه .فلو استندت الأبحاث إلى السيرورة الذهنية للإنسان وإلى الطريقة التي ينتهجها في الترجمة ، لفقدت الطريقة التقابلية الكثير من أهميتها لصالح نظرية للترجمة تقوم على المعنى بالدرجة الأولى . (دانيكا سيليسكوفيتش (1993) ) .إذن ، فالمعنى أساس الترجمة لأنها وضع بين ثقافتين استدعاه التواصل الإنساني لفهم النص والتعبير عنه بإدراكه وتأويله ، وهذا هو شأن المترجم الذي يكون تارة قارئا يدرك وتارة كاتبا ينقل إرادة القائل الأساسية. وتكمن جمالية الترجمة، كما تقول سيليسكوفيتش، في أنها صلة وصل بين مقولة الكاتب وفهم القارئ .وفهم النص إنما يثير العمليات الإدراكية ذلك أن الإدراك الفردي لايتوقف عند الحدود السطحية للنص وإنما يتوغل إلى الأعماق الهرمنطيقية له حيث أن إنتاج عملية الفهم تصاحب السيرورة الإدراكية المعقدة ، وهذا يعود إلى حالة الفرد الذهنية والاستعدادات المعرفية والاتفاقات واستراتيجيات الإستدلال والقراءة بالإضافة إلى ما يندمج فيها من عناصر ثقافية واجتماعية وعاطفية ...(ز.ي.شميت (1995)).

2 . التمثيل الدلالي في الترجمة الآلية وأشكاله:

على الرغم من المجهودات القيمة ، التي قامت بها الترجمة الآلية في أول عهدها فإنها قد طرحت مجموعة من المشاكل اللغوية ذات طبيعة دلالية وتداولية وتأويليه ( كريستيان فلوهر (1996)) . ذلك أن المشكل الرئيسي الذي تواجهه أنظمة الترجمة الآلية هو مشكل الغموض الدلالي. و هذا مشكل مطروح في جميع اللغات وفي جميع المستويات وخاصة ما يتعلق بتحديد الدلالة وإسنادها الذي يلعب دوراً مهما في البحث النصي والترجمة الآلية . ولذلك أصبح من المؤكد بناء أنظمة الترجمة المتعددة اللغات (MLTS) يقوم بتحليل المادة اللغوية تحليلا معجمياً وتركيبياً ودلالياً مع معادلة هذا التحليل في اللغة الهدف . يستقبل الحاسوب عناصر المادة اللغوية ويحللها إلى أجزاء خطابية ( مكونات صرافية و/أو صوتية ومعجمية دلالية ) ثم تخضع للعمليات الخوارزمية بتطبيق القواعد المخزونة في ذاكرته وتوليدها في لغة هدف.

وإذا كانت ما بين المدخلات والمخرجات أشكال وسيطة عبارة عن " تمثيلات للمعنى" فإن المستوى الدلالي في الفهم الآلي سيطرح كمعيق أمام هذا التمثيل ، ولهذا حاولت أنظمة آلية بناء تصورات خاصة عن ماهية الدلالة ، يحدد بلاك هنا مظاهر مختلفة لها تتجلى في دلالة التمثيل (المعنى القضوي) ذات الارتباط العضوي مع بنية القضية المنطقية التي هي جملة دلالية ،فهي ذات طبيعة أساسية في نظرية المعنى والدلالة المرجعية التي تحدد هوية الوحدات اللسانية تداوليّاً ( التعريف والنكرة في اللغة) هذا علاوة على ما قد يطرحه الإطناب الذي عادة ما يقوم بتجديد المستوى التعبيري للقضية المنطقية الواحدة وبطرق مختلفة واضحة مما و يؤمن اللبس الذي يكتنف بعض البنيات اللسانية المعقدة مثل تلك المركبة والمتلازمة.وفي هذا تحديد للمعنى تحديداً دقيقاً يكون ملائماً للبنيات المعجمية والتركيبية، كما يدقق أيضا المعنى في السياق التداولي (.J Black (1988)) لما قد يطرحه من تواردات ومصاحبات لغوية.

إن استدعاء المستوى الدلالي في الفهم الآلي للنصوص عند الترجمة الآلية أو الُمسعَفة بالحاسوب أصبح أمراً لا مفر منه لامن لبس بنيات لغوية عسيرة على الفهم والإدراك الطبيعي قبل أن تكون في متناول الآلة. فما تروم إليه المقاربات الحاسوبية ولاسيما الدلاليات الحاسوبية هو بناء نموذج للدلالة يكون قادراً على الوصف الدقيق لعلاقة " العالم الواقعي" باللغة ومن ثم جعل الآلة تدرك هذا العالم وتتصوره وفق تمثيلات ذات أنماط وبنيات تركيبية (1996Clarck R.) مما يجب على المحلل التركيبي أن يقبلها بمرونة تامة، إذ لا يعقل أن تكون بنية لسانية ذات تمثيلين منطقيين متماثلين واضحة ، لذلك وجب كما ذكرنا أعلاه وصف أنماط للغموض الدلالي طبقا للمرجعية والجمل القضوية الحاملة للأسوار المنطقية وغموض معنى الكلمات. وفي هذا الصدد وظف ج. بلاك التوابع المفهومية باعتبارها شكلا لتمثيل الدلالة ( بواسطة رسم مؤلف من أربع مقولات تصف الوحدات هي : "مولد الصور" و"محول الصور" و"الأفعال المفهومية الأساسية" و"محولات الأفعال") .

إن الدلاليات الحاسوبية تضمن عمل خوار زم النظام الذي يجب أن يكون مزوداً بإطار قوي يجمع بين الشكل اللساني والمحتوى الدلالي والتمثيل المنطقي لهما ، وهنا يكمن دور التمثيل الرابط ين اللغة والتأويل .

و الترجمة الآلية كمعالجة النصوص في حاجة أكثر إلى التأويل الدلالي الذي يرتبط كذلك بالمكونات الصغيرة التي تساعد في البحث النصي كتقنية المصطلحية وتقنيات لسانية أخرى دقيقة تشكل قواعد لوقائع أساسية في بنية المعارف .إن تدخل المستوى التركيبي-المعجمي تقتضيه أنظمة الترجمة ذلك أنه يرفع الغموض عن بعض المركبات والتعابير المتسمة باللاتأليف وبالتعتيم الدلالي، وهذه لها دور كبير في الترجمة الآلية إن عولجت علاجًا وافيًا ( د.محمد الحناش (1992) ) .إن مسألة التعرف على الكلمة في السياق أو خارجه تتطلب التفريق للتدقيق في مستوياتٍ عديدة من التحليل (analyse)، وهذا يعني أن للبنيات المدخلة هنا أنواع مختلفة وجب تحديدها وتصنيفها بدقة، لهذا نجد مثلا، ما يتعلق منها بالعلاقات بين المركبات مثل : فعل+ اسم1 (ظرف+صفة..) +اسم 2( فظلة)، هذا إضافة إلى متغيرات كثيرة تكون ذات أهمية كبيرة في تحديد الدلالية. ..فكل مقولة أو صنف يفرض نوعا من المعالجة بحسب بنيتها وعلاقاتها ( فالقطعة قد تعني فاكهة أو نقداً أو أرضاً مثلا) .إن التصنيف يقتضي بحسب ما يعترض نجاح الترجمة تمثيلا صريحا لقواعد النظام اللغوي المعالج ، كأن نمثل بالكتابة ( نحو البنود المحددة ) أو بالطريقة الشجرية حيث يمكننا في كل عقدة أن نجري تعديلا ما على العناصر بغية النفاذ إلى المعنى المراد من البنية المعدة للترجمة.

لقد حاول مجموعة من مهندسي الأنظمة الخبيرة أن يضعوا نظاما للترجمة متعدد اللغات يشتغل بخوارزميات تتلاءم مع المعطيات والخصائص اللسانية،مراعاة لكل قضية دلالية وتركيبية.كما تساعد المعاجم الآلية والمتخصصة على اشتقاق وتوزيع المتواليات الصرفية بخاصة في اللغة المنطلق حيث تتقاطع مع اللغة التمثيلية العميقة للوصول إلى مرحلة التوليد.هذا وإن ظهور فعل معين في النص المصدر بحيلنا للتو إلى العناصر الصورية المؤلفة معه ويساعدنا على التعرف على البنية الملائمة في النص الهدف . إن رفع الغموض التركيبي والدلالي يحتاج إلى أدوات لسانية و تقنية دقيقة ومتقدمة ( كريستيان فلوهر) .

ا –التمثيل المنطقي منهج لتمثيل المعارف: إذا كان التمثيل هو ربط المحتوى اللساني الحامل للمعرفة بالصور المنطقية التي تسند إلى الإحالة والأبعاد النفسية ، فإن وظيفته أساسا تنحصر في العمل التقني ، لذلك ولأجل نقل المعرفة إلى الصور الرمزية المنطقية لابد من الاستعانة بالاستدلال وبالأساليب المنطقية ، كمنطق القضايا ومنطق المحمولات من الدرجة الأولى ... هذا وتنقسم صيغة تمثيل المعرفة إلى طبيعتين مختلفتين هما :

1 – بنية المعطيات لتمثيل المعلومات.وتتعلق أساسا بالمعرفة المراد تمثيلها.

2 – منهجية استغلال هذه المعلومات ، وتتجلى في ميكانزمات الإستدلال الذي يسمح بوصف ومعالجة معلومات ومعارف جديدة وهنا يكمن الفرق بين قواعد المعرفة وقواعد المعطيات التي تصنف المعلومات ظاهريا فقط .

ويعتبر دور تمثيل المعرفة هاما في بناء ما يسمى بالشبكات الدلالية باعتبارها رسما يمثل المفاهيم مما يترك للاستدلال المجال الواسع ببحث ميكانزمات التسلسلين الخلفي والأمامي والتعرف على القواعد انطلاقا من المقدمات إذ كل قاعدة منها جزء من المعرفة التي نريد تمثيلها. وتعرف هذه القواعد بقواعد الإنتاج، وتمثل عادة ببنية " إذا ...إذن" أو " إذا كان...عندئذ " وهي قواعد لتوصيف المعرفة وتمثيلها. ومن الإختبارات الرئيسية للتمثيل نقل الدلالات والعبارات ، وبما أن الترجمة ستضطلع بمهمة هذا النقل فعلى الآلة المترجمة أن تكون مجهزة بخوار زم هذا التمثيل .

إن دور التمثيل المنطقي هو دور منهجي أساسا لصورنة الدلاليات زمكانياً ومعجمياً وتداولياً و تمثيلا للمعارف . إنه عمليات حسابية صورية . ويمكن تلخيص أنواع الصيغ المنطقية في العملية الآلية كما يلي:

1 – البرهنة الآلية وهي تفعيل لعملية الاستدلال وقد ساهمت بكثير في تطوير تقنيات البرمجة المنطقية و منطق الجهة والمنطق الشرطي ..

2- منطق تمثيل المعارف والاستدلال : ويصلح عادة لتعيين بعض أنواع المعلومات و الاستدلال وكذلك الأنواع المختلفة للمعارف وصيغ الاستدلالات .

3- المنطق باعتباره وسيلة من وسائل الذكاء الاصطناعي ويتعلق الأمر بالمنطق المحلل للمتن و المساعد على نمذجة العمليات اللغوية أو حتى المساعدة على حل المشاكل .

يتبين انطلاقا من هذه المعطيات المنطقية أنه لا يوجد حل منطقي محدد ، ولذلك اهتدت الأبحاث في الذكاء الاصطناعي إلى اعتماد طريقة الحدس لحل المشاكل ، وهذا البحث أقل تكلفة وأكثر سرعةً واختصاراً . وهكذا ، إذن ، يتم اللجوء وفق هذا المنهج إلى قاعدة معرفة قصد حل المشاكل المطروحة تكون مبرمجةً بلغة من لغات البرمجة الاصطناعية وهذا ما يسمى بآلة الاستدلال .ويمكن تمثيل المعرفة بسهولة بواسطة لغة بر ولوج حيث لا تستخدم رموزاً رقمية بل تستخدم لغةً هيكليةً لجملة حقائق حول الموضوع المعالج مثال :

إذا كان الجو مستقراً
وكان الجو صحواً

إذن سيكون الجو جميلا

بعدد قليل من المعارف لايمكن لنظام كهذا أن يقدم على حل المشكل إلا في حالة ما إذا كان الجو مستقراً . وفي حالات أخرى تغيب فيها المعرفة الكاملة لا يستطيع النظام القيام بالاستنتاج .وأهم ما يميز برامج الذكاء الاصطناعي هو الفصل التام بين قاعدة المعرفة ونظام معالجة هذه المعارف ، ولذلك فإن نظامه يتكون من ثلاث مكونات رئيسية هي الاستنتاج والمراقبة والمعارف.

ب- أنظمة قواعد المعرفة أساس جودة برامج الترجمة الآلية : تعتبر قواعد المعارف حجر الزاوية بالنسبة للعديد من التطبيقات ، وتعتبر الترجمة الآلية إحدى هذه المجالات الأساسية التطبيقية . وإذا كانت الأنظمة الآلية للترجمة لم تستطع حل بعض المسائل فإنما اعتمدت على مورد وحيد هو المعلومات .فقد اثبتت التجارب أن قواعد البيانات الضخمة لم تحل كثيراً من المشاكل والمعوقات التي تطرح عادة كمثل تلك التي ذكرناها أعلاه. لذلك وجب الإقتداء بحكمة البشر وخبراتهم ومعارفهم في مواجهة المشاكل وطرح بدائل الحلول لها وتقويمها والتصرف أمام المواقف الطارئة .

لهذا الغرض ظهرت الأنظمة الخبيرة القائمة على قواعد المعرفة التي يتم اكتسابها عند بناء الأنظمة من مصادرها مباشرة وبصورة منهجية منطقية مُداوِمة التحديث وذات قدرة على التعلم الذاتي من خلال تفاعلها مع ما تتناوله من مشاكل وما تتلقاه من معلومات وخبرات. ولذلك فإن هذا الأسلوبَ فعالٌ في تحديث أنظمة الترجمة الآلية وتيسير تطبيقاتها .

وتمثل الخطاطة التالية تمثيل المعرفة في الترجمة الآلية وهي عبارة عن خوار زم يمثل العلاقات القائمة بين أصناف النصوص المماثلة بين اللغات الطبيعية كما يلي في هذه الترسيمة :




اللغة المصدر اللغة اللغة الهدف




التمثيل التحليلي المصدر الهدف التمثيل المولد

تمثيل المصدر التمثيل تمثيل الهدف

إن أنظمة الترجمة المتعددة اللغات قد عملت على تحقيق نسبة مهمة من النتائج رغم ما اعترضها من مشاكل ، ذلك أنها اعتمدت قواعد المعرفة لبناء أنظمتها .فهذا نظام (MMT) الياباني يوظف القاموس الآلي القائم على قاعدة المعرفة المتكونة من قواميس معجمية للغات وكذلك قاموس تمثيلي يصف المعارف المتعالقة والتصورات مع إيراد سلمية للتصورات. تستعمل الموسوعة التي تصون مجموع الخصائص الوراثية ببنية التمثلات لتجريد وصورنة المعارف في مستوى قاعدة المعارف .( تاكنوري مكينو(1996)). ففي هذا المشروع تم تطبيق إجراءات مكونة من خمس قوالب وهي : قواميس معجمية متضمنة لمعلومات صرافية وأقسام الكلم ومعلومات تركيبية ومعلومات تضم قواعد الصياغة بين المعجم والمعرفة وقاعدة المعارف التي تشمل المعلومات المعرفية المتعلقة بالإجراء الدلالي وتنجز القوالب الخمسة المذكورة تحليل وتوليد الجمل باستعمال مصادر لغوية معينة.

خاتمة :

لقد حاولت قدر المستطاع من خلال هذا العرض المقتضب عن إشكالية التقييس في الترجمة الآلية وتداعياتها التمثلية المعقدة أن أطرح المقاربة الحاسوبية التي تتجلى في أنظمتها الذكية المتطورة وكذا ما يطرحه التمثيل الدلالي في أنظمة الآلة المترجمة ، وخلصت إلى أن على الآلة أن تدخل في اعتباراتها الهندسية المسارات اللغوية المعقدة وخاصة الدلالي منها ومستويات المعارف الإنسانية والأنساق الثقافية حتى تتمكن من بناء تمثل قائم على المعرفة بغية إنشاء نظام يقوم بالتمثيل الدلالي للجمل في اللغات الطبيعية فاتحا المجال للأنظمة الآلية للترجمة وللتعبير بكيفية متطورة عن المعارف البشرية في سائر مستوياتها. وأن لا تقتصر الترجمة الآلية على نوع معين من النصوص بل يجب أن توسع دائرة اهتماماتها وتلف في حقلها اللغة المجازية المعقدة وكل مستويات التأويل والهرمونطيقا.

مراجع البحث :

v أحر شاو الغالي ، أحمد الزاهر. 1999 ." مفهوم التمثل في العلوم المعرفية " مجلة معرفية ، عدد مزدوج 2و3.صص : 3-18.

v الحناش محمد.1992. "المعجم الآلي للغة العربية (قواعد البيانات ) "،مجلة التواصل اللساني .المجلد الرابع العدد الأول مارس 92.صص75-108

v زغبوش بن عيسى ،عبد النبي سفير ،مصطفى بوعناني. 1997. "نماذج البحث المعرفي ونمذجة العمليات المعرفية "،مجلة معرفية عدد 1. صص:5-37.

v سيليسكوفيتش دانيكا ، لوديرير ماريان.2001 ." الترجمة ، نقل للعلامات اللغوية أم صياغة جديدة " ترجمة محمد النحاس الحمصي نبيل ، مجلة البيان ، ع: 372و373 يوليو –أغسطس 2001 ، الكويت .صص:7-26.

v -غازي عز الدين.1999.نظام قواعد معرفة صرافي- صواتي للغة العربية :مقاربة الفعل،.رسالة دبلوم الدراسات العليا في اللسانيات . كلية الآداب والعلوم الإنسانية 1. فاس.

v -غازي عز الدين.2007 ." الذكاء الاصطناعي ، هل هو تكنولوجيا رمزية؟" مجلة فكر للعلوم الاجتماعية والإنسانية العدد 6 يوليوز 2007. صص43 82.

v فلوهر كريستيان.1996 ." الترجمة الآلية والمساءلة المتعددة اللغات " مجلة التواصل اللساني ، ملحق سلسلة ندوات ، المجلد 3 .1996 .صص:31-36.

v مكينو تاكنوري .1996." الوضع الحالي للترجمة الآلية " مجلة التواصل اللساني .ملحق سلسلة ندوات ، المجلد 3.صص: 37-52.

v AFIA ( l’Association Française pour l’Intelligence Artificielle). 1999.2000.2001. Bulletins. n° 39 à 44.

v Black ,W.J. 1988 .Les systèmes intelligents basés sur la connaissance , Traduit de l’anglais par H..de Feraudy. Paris. Edition Masson

v Clarck ,R ,1997. Semantics for computers , Laboratoire d’analyse et de technologie du langage .Notes techniques n° 93/9 .Genève .

v Kayser ,D.1998. Les représentations , Paris ,PUF.

v LeNy,J.F . 1989. Sciences cognitives et compréhension du langage , Paris , P.U.F.

v Reig , Daniel.1993. «Les mirages de sens et la traduction automatique » in Turjuman, V 2,n°1, avril 1993.pp : 7-44.

v Roderick,C.J , Johnson Rosner Michael.1992.”Situation Schemata and Linguistic Representation “ in Computational linguistics and formal semantics. Edited by Michael Rosner and Roderick Johnson.Combedge University Press.

v Schmidt, S.J.1995. « From. Comprehension To Translation » in Traduction et interprétation du textes , faculté des lettres Rabat, série : colloques et séminaires n° 47.pp :59-87.

v Vignaux,George.1992. Les sciences cognitives, une introduction , Paris, Edition La découverte..

[1] هذه المقالة هي في الأصل ورقة قدمت في "ندوة الترجمة وثقافة النص " المنظمة من قبل المنتدى المغربي للمصطلحيات والترجمة والجمعية المغربية لأساتذة اللغة الإنجليزية.وذلك يومي 12 و13 نونبر 2001 بالمعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط.


مجلة واتا للترجمة واللغات، السنة الثانية، العدد 5، شتـاء

إبراهيم براهيمي
10-08-2009, 06:11 PM
3- اللسانيات التطبيقية applied linguistics فنّ حديث ظهر في بعض جامعات أمريكا منذ منتصف القرن العشرين، ثمّ بدأ ينتشر في جامعات عالمية، وقد اختلف الباحثون في تحديد مصطلح اللسانيات التطبيقية، فقد عرّفه الدّكتور عبده الراجحي بأنّه " يمثل استعمال ما توفر لنا عن طبيعة اللغة من أجل تحسين كفاءة عمل علمي ما، تكون اللغة العنصرَ الأساسَ فيه بحسب تعريف " كوردر " ،
اللسانيات التطبيقية ميدان تلتقي فيه معارفُ مختلفة تتناول اللغةَ بالبحث والمعالجَة، ميدانٌ أو فنّ ذو روافدَ متعددة تُمدّه، وتُستثمَر نتائج هذه الروافد في تحديد المشكلات اللغوية ومعالجتِها.
من روافد اللّسانيات التطبيقية ومصادِرِها :
- اللسانيات العامة: وفائدةُ اللسانياتِ العامّة في أنّها تُفيدُ اللسانيات التطبيقيةَ بما تقدّمه لها من وصف منهجي
- و اللسانيات النفسية، وفائدتُها في ما تقدّمه من اهتمام بالسلوك اللغوي للفرد وخاصة ما يتعلّق بالاكتساب اللغوي والأداء اللغوي أو الإنجاز، والأنسقة اللمعرفيّة
- واللسانيات الاجتماعية، تقدم المعلومات الضرورية عن حركية اللغة في المجتمع وأوجه التفاعل والتّواصل اللغويين بين المتكلم والمستمع
- والبيداغوجيا أو علوم التربية ، تهتمّ بنظرية التعلم، وما يدور في فلَكِها من قضايا التعلم، والإجراءات التعليمية، والوسائل التعليمية...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
انظر:
- علم اللغة التطبيقي وتعليم اللغة العربية، د.عبده الراجحي، دار المعرفة الجامعية-الاسكندرية
- دراسات في علم اللغة التطبيقي / نظرية التبعية في التحليل النحوي، سعيد حسن بحيري، دار الفكر العربي، القاهرة
- في علم اللغة التطبيقي، محمد فتيح، دار الفكر العربي، القاهرة
- القاموس الشامل لمصطلحات علم اللغة التطبيقي، محمد فوزي محيي الدّين، دار الثّقافة، الدّوحة
- معجم علم اللغة التطبيقي/انكليزي- عربي، الخولي، مكتبة لبنان، بيروت

إبراهيم براهيمي
10-08-2009, 06:13 PM
- علاقة اللسانيات بالترجمة:
- اللسانيات دراسة علمية منهجية للظاهرة اللغوية وووصف لبنياتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والمعجمية والتداولية، لمعرفة قوانين حركيتها ووظائفها
- والتّرجمة فنّ نقل المعاني من لغة إلى أخرى مع الحفاظ على خصائص اللغة المنقول إليها
- والجامع بينهما أنّ اللسانيات تمدّ فن الترجمة بمعرفة خصائص اللغات وما تشترك فيه وما تختلف فيه و تُمدّها بالتقنيات اللغوية لنقل المعاني
التّرجمة تستعين باللسانيات في معرفة بنيات اللغات وخصائصها ومميزاتها، ومعرفة قضايا التواصل بين اللغات والتّقريب بينها

2- قد نتساءل: كيف يمكن أن تتدخل الترجمة لتعميم اللغة ونشرها وتدويلها ؟
تسعى التّرجمة إلى إرساء خصائص لغة وسطى أو قنوات دلالية موحّدة تعبر فيها المعاني بسهولة ويسر، ولكن هذه القنوات أو الجسور الموطِّئة لعبور المعاني لا يمكن أن تمتدّ بين اللّغات إلا بعد إنشاء معجم دلالي واصطلاحي في كل اللغات، حيث تحلّ كلّ لغة مشكلات إيجاد المصطلحات للمفاهيم المتداولة بكثرة في عالمنا الرّاهن وإيجاد العبارات الجاهزة للتعبير عن المعاني المتردّدة على الأسماع في الميادين السياسية والثقافية والاقتصادية...
وعندما تتأسس هذه المعاجم في اللغات الخاصّة يسهل على الترجمة آنذاك أن تنقل المعاني والمفاهيم والتصورات من لغة إلى لغة، وبسرعة فائقة كما هو الشّأن في الترجمة الفورية

إبراهيم براهيمي
10-08-2009, 06:14 PM
علم اللغة التقابلي أو اللسانيات التقابلية :
علم مقارن، يقارن بين لغتين أو أكثر تنتمي إلى فصيلة لغوية واحدة، أو فصائل مختلفة، والغرض من دراسته هو استكشاف المشاكل اللسانية التي تعترض طريقَ متعلمي لغة ما، وتقوم الدّراسة التقابليّة بدراسة اللغة الأولى أو الأمّ واللغة الثانية التي هي موضوع التعليم، من حيثُ أوجه الشبه والاختلاف، فهي دراسة مقارنة بين لغتين باعتبترهما مستويين من مستويات الأداء أو باعتبارِهما أو نظامينِ تواصليين.
وقد جرّ التحليل التقابلي نفعا عمليا في تطوير موادّ تعليم اللغة الأجنبية، وفي تعليم اللغة الأمّ لأبنائها، وفي تطويرِ الموادّ الدّراسية، وتحليل الأخطاء اللغوية التي يرتكبها متعلّم اللغة، وبيان أنواعها وأسبابِها

إبراهيم براهيمي
10-08-2009, 06:15 PM
ماذا يمكن أن تقدّمَ اللسانياتُ التقابلية للتّرجمة من فوائدَ ؟ :
اللسانيات التقابلية تهتمّ بالموازنة بين خصائص اللغات، وتستخدمُ في الوصف المُقارَنِيّ مصطلحاتٍ ومفاهيمَ تخصّ دراسةَ أكثرَ من لغةٍ، إنّ اللسانيات التقابلية فضاء التقاء اللغاتِ وتقاطُعِها ، ويجد الدارس اللساني نفسَه مُلزَما بترجمة المفاهيم والمصطلحات عند انتقالِه من دراسة لغة إلى دراسة لغةٍ أخرى ، ليستثمرَ هذه المفاهيمَ في دراسة ظواهر لسانية : - كالتّعدّد اللغوي في بيئة معيّنة ، - وتعليم اللغات...
وإنّ تنقّل الدّارس اللساني بين لغاتٍ متعدّدة من أجلِ دراستِها ، يفرض عليه أن يتجاوز الحواجزَ بين هذه اللغاتِ بواسطةِ ترجمة المفاهيم والمصطلحاتِ للتمكّن من المقارنة بين اللغات، ولتشخيص مشاكل تعلّم اللغة الثانية أو الثالثة كالتّداخُل اللغوي وصراع البنيات اللغوية في نفسية المتعلّم، ولتيسيرِ الطرقِ التعليميّة وإيجاد الحلول لمشكلات تعلّم اللغات

إبراهيم براهيمي
10-08-2009, 06:17 PM
اللسانيات التطبيقيةُ هي فرعٌ من فروع اللسانيات "أي علم اللغة"، وهذا الفرعُ يعنى بتطبيق النظريات اللغوية ومعالجة المشكلات المتعلقة باكتساب اللغة وتعليمها. كما يعنى هذا الحقل بالتحليل التقابلي بين اللغات للاستفادة منه في تحسين ظروف تعلم اللغات وتدريسها. تأثر هذا الحقل من اللسانيات بنظريات العالم اللغوي الأمريكي المعروف "ناعوم تشومسكي"، وخاصة نظرية النحو الكلي "Universal Grammar" والتي تفسر قدرة الإنسان على اكتساب أي لغة بشرية بغض النظر عن عرقه أو لونه أو معتقده أو ديانته، ومن ثم محاولة توظيف هذه النظرية في سبيل الوصول إلى فهم أكثر لعملية الاكتساب اللغوي. ويعد عقد التسعينيات من القرن العشرين هو عقد ازدهار حقل اللسانيات التطبيقية، حيث أصبح بعض الشيء حقلاً مستغلاً عن اللسانيات النظرية "Theoretical Linguistics" وأصبحت العديد من الجامعات تقدم برامج للدراسات العليا المتخصصة باللسانيات التطبيقية كما أصبح هناك العديد من المراكز والمنظمات التي تعنى بهذا الحقل كالجمعية الأمريكية للسانيات التطبيقية، ومركز اللسانيات التطبيقية بالولايات المتحدة وغيرها من المنظمات بأمريكا والمملكة المتحدة.

حقل اللسانيات التطبيقية يتقاطع مع فروع أخرى للمعرفة ومن هذه الفروع بالإضافة إلى اللسانيات، هناك علم الإنسان "Anthropology" وعلم النفس "Psychology" والتربية والتعليم "Education" وكذلك علم الإدراك "The Cognitive Science" ويحاول توظيف كل ما تنتجه فروع المعرفة هذه لصالح تعلم اللغات واكتسابها بين البشر.

إبراهيم براهيمي
10-08-2009, 07:57 PM
النظرية الثقافية الأجتماعية وتوظيفها في اللسانيات التطبيقي

النظرية الثقافية الاجتماعية "Sociocultural theory" نظرية مهمة في علم النفس الارتقائي "developmental psychology" وقد تم توظيفها كإطار نظري في دراسة وفحص كثير من الظواهر البحثية في عدد من المجالات.

وهذه النظرية مبنية على الأطروحات النظرية التي قدمها عالم النفس الروسي الشهير فيغوتسكي وطلابه السوفييت مثل لوريا ولوينتيف.

ولا يتسع المقام لشرح أهم مبادئ هذه النظرية ولكن يمكن الرجوع إلى عدد من الكتب التي تشرح المبادئ الأساسية لهذه النظرية ومن أهم هذه الكتب كتاب عالم اللسانيات وعلم النفس المعرفي الأمريكي المتميز جيمس وورتش "Wertsch" الصادر في عام 1985م ضمن مطبوعات جامعة هارفرد الشهيرة بعنوان "فيغوتسكي والتشكيل الاجتماعي للعقل"

"Vygotsky and the social formation of the mind".

وكذلك كتاب عالم اللسانيات وعلم النفس المعرفي الآخر فراولي "Frawley" الصادر في عام 1997م كذلك ضمن مطبوعات جامعة هارفرد بعنوان "فيغوتسكي وعلم النفس المعرفي: اللغة وتوحيد العقل الاجتماعي والحاسوبي"


"Vygostsky and cognitive science : Language and the unification of the social and computational mind"

(ملاحظة: للمحة عن هذين الكتابين اضغط على العناوين).


وقد لقيت هذه النظرية رواجا كبيرا في عدد من المجالات بسبب ضيق كثير من الباحثين من الأساليب الكمية والاحصائية المستوردة من العلوم الطبيعية والتي تفرض على العلوم الإنسانية فرضا قد لا يناسبها، وهذه النظرية تتيح قدرا من التناول الكيفي الذي يناسب طبيعة العلوم الإنسانية بشكل أكبر (فهم هذه الملاحظة يحتاج إلى معرفة في مناهج البحث وانواعها والاختلافات الأبستمولوجية والمنهجية التي تكمن وراء تلك التنوعات).


ويأتي هذا الرواج الكبير رغم أن كتب فيغوتسكي وأبحاثه لم تترجم إلى اللغة الإنجليزية إلا مؤخرا، فأقدم ما ترجم له من كتب كان كتاب "اللغة والتفكير" "Language and thought" الذي ترجم إلى الإنجليزية في عام 1968م تقريبا، وفي مقابل هذه العناية الكبيرة والرواج الهائل لهذه النظرية في الأوساط الأكاديمية في العالم الغربي فإنها مجهولة تمام في العالم العربي رغم أن الدكتور طلعت منصور قد ترجم كتاب "اللغة والتفكير" لفيغوتسكي إلى العربية في فترة مقاربة للفترة التي تمت فيها ترجمة الكتابة إلى الإنجليزية (تمت الترجمة إلى العربية في عام 1974م) ولكنه بقي مجهولا ولم أجد أحدا يشير إلى هذه النظرية وأهميتها رغم تتبعي الشديد لذلك باستثناء الدكتور بدر الدين عامود في كتابه البانورامي بعنوان "علم النفس في القرن العشرين" الصادر عام 2001م ضمن مطبوعات إتحاد الكتاب العرب، ويمكن مطالعة الكتاب وتحميله مجانا من خلال الرابط التالي:


http://awu-dam.net/index.php?mode=bo...catId=1&id=854


فقد تطرق المؤلف في هذا الكتاب للمحة موجزة عن أهم أساسيات النظرية، ولكن لا يمكن فهم ما ذكره الدكتور لأن المفاهيم التي يتناولها لم تنضبط وتتأسس في الثقافة العربية بعد فهي لا تزال مفاهيم عائمة وغير محددة.


المهم أن هذه النظرية قد دخلت مؤخرا إلى مجال اللسانيات التطبيقية ضمن ما دخلت من مجالات معرفية، وأهم الكتب التي تعرض لدور هذه النظرية وتوظيفها في مجال اللسانيات التطبيقية كتاب لانتولف وثورن "Lantolf & Thorne" الصادر في عام 2006م ضمن مطبوعات جامعة أكسفور في اللسانيات التطبيقية بعنوان:

"Sociocultural theory and the gensis of second language development"


والدكتور لانتولف يعتبر من أبرز المنافحين عن هذه النظرية والمهتمين بتطبيقها وتوظيفها في مجال اللسانيات التطبيقية وقد قام عام 2004م بجمع قائمة ببليوغرافية لأهم الأبحاث المنشورة في الدوريات العلمية في هذا المجال ونشرها على الإنترنت، وهذه القائمة مفيدة جدا للذي يريدون الرجوع إلى تلك الأبحاث والاستفادة منها فيما يقومون به من أبحاث وواجبات جامعية، ويمكن الرجوع إلى هذه القائمة ومطالعتها من خلال الرابط التالي:


http://language.la.psu.edu/aplng597f/VL2BIB.html

إبراهيم براهيمي
13-08-2009, 10:12 AM
مدخل لفهم اللسانيات إيبستمولوجيا أولية لمجال علمي


ملحق ثقافي
11/3/2008م
علي محمد إسبر
لم يحقق علم اللسان العام استقلاليته الفعلية إلا في النصف الثاني من القرن العشرين ذلك أنّ الدراسات اللسانية افتقرت بادىء الأمر إلى هوية تحددها بوصفها علماً مستقلاً،


غير أن النزعة التركيبية التي وسمت الأبحاث اللغوية استطاعت أن تنهض بالمحاولات المنهجية في هذا المنحى إلى مستوى العلم. والحق يقال إنه لولا الجهود المضنية التي بذلها عالم اللغويات السويسري الشهير فرديناند دي سوسير (1857-1913) لما حظيت أبحاث اللغويات بهذا الاهتمام العالمي المنقطع النظير. ومرد ذلك إلى أن دي سوسير أثار إشكالية فائقة الأهمية بَل حوّل هذه الإشكالية إلى مبدأ أساسي في نظرته إلى اللغة . وهذا المبدأ هو «اللغة نظام لايعرف غير نسقه الخاص به». وبذا أطلق دي سوسير النزعة البنياوية وحققت انتشاراً واسعاً، لكن النزعة البنياوية المعاصرة لم تكن محصلة فقط لآراء دي سوسير، بل ساهم في ذلك ثلاثة علماء لسان من روسيا هم: «س. كارشفسكي»، و« ن.تروبتسكوي» ،و« ر.ياكبسون»، وقد كان لهؤلاء العلماء الأفذاذ قصب السبق في استخدام كلمة «بنية» والدعوة إلى استعمال «منهج صالح للتمكين من اكتشاف قوانين بنية النظم اللغوية وتطورها » هذا إلى أنهم هم الذين قدحوا شرارة دائرة براغ اللغوية سنة 1929 . ولئن كانت النزعة البنياوية في اللغة تحقق نوعاً من التمايز عن الدراسات اللسانية إلا أنها كانت أساس تطورها. والحقيقة أن أغلب الترجمات العربية لكتب اللسانيات متأثّر إلى حد بعيد بالنزعة البنياوية إلا أننا نجد الآن توجهات نحو ترجمات مؤلفات لسانية من اتجاهات أخرى . وعلى أي حال فإن علوم اللسان صارت الآن متنوعة جداً وحتى متباينة من حيث اختلاف النظريات والآراء والمناهج. ومن هنا تأتي أهمية كتاب « روبير مارتان» .«مدخل لفهم اللسانيات» . وآية ذلك أن مارتان يريغ إلى أن يكوّن تصوراً متكاملاً مُتسقاً حول هذا الموضوع معوّلاً في ذلك على خبرته المعرفية وهو أحد أهم أعضاء المعهد الأكاديمي الفرنسي بالإضافة إلى أنه أستاذ اللسانيات العامة واللسانيات الفرنسية في جامعة السوربون.وقد رامَ مارتان أن يستنبط من النظريات المتنوعة في هذا الصدد ما هو ثابت في مقابل المتحول وهذا يتجلى في أمور أساسية مثل: «غاية اللسانيات ، وموضوعها، والقضايا التي تتناولها، والمسالك التي تتوخى لدراسة اللغة والألسن ، وكذلك ما أصبح لهذا الفن من فروع وتطبيقات» . والواقع أن هذه الأمور الاساسية هي التي دفعت المترجم عبد القادر المهيري إلى نقل كتاب مارتان إلى اللغة العربية «علّ القارىء العربي يجد فيه ما يمهّد له معرفة ماهية اللسانيات وقضاياها ومناهجها». وعموماً يهدف مارتان إلى أن يُظهر للقارىء الغايات التي يضعها عالم اللسانيات نصب عينيه أو أصناف الأسئلة التي يثيرها وتقتضي أجوبة معينة حتى لو كانت هذه الأسئلة جدّ عويصة ما يفضي إلى محاولة تبيان مختلف الطرق التي يقصدها اللساني (عالم اللغويات) ليقدم أجوبته المنشودة. وهذا لايعني أن المؤلف تعمد استخدام منهجية لاتتساوق مع قدرات القارىء العادي وإنما أراغَ إلى بسط مفاهيمه بطريقة لابد أن تنسجم مع القارىء الجاد من حيث إمكان فهم المقصود تماماً. ويحاول مارتان أن يقدم فكرة واضحة عن «عُلومية اللسانيات» أي عمّا يتصل بتداخلاتها وأهدافها ومناهجها. ويُعنى مارتان بإظهار أنه لايُقيّض لأي مثقف أن يكون لسانياً وسبب ذلك أن قدرة المرء التي تتجلى في مَلَكَة استعمال اللغة لاتكفي لجعله لسانياً، وقد يكون من الممكن أن يقدر انسان ما على استعمال لسان من الألسن بطريقة نادرة مثل الخطيب المفوّه أو الكاتب الكبير ويمكن له أيضاً أن يتقن عدداً كبيراً من الألسن لكن كل هذا لا يتيح له أن يكون لسانياً. وهنا يثور السؤال التالي: من هو اللساني ؟ والجواب «اللساني هو الذي اكتسب معرفة عن الألسن وعُني بوظيفة اللغة» لكن هذا لايؤول إلى أن اللساني انسان أعلى لأنه كما يؤكد مارتان كلما تقدم الباحث في اللسانيات سوف يدرك مجالات جهله وأنّ معرفته ليست بهذه السعة التي يتخيلها البعض وإنما هي تقتصر على جانب جدّ بسيط. فالمعرفة اللسانية يكتنفها الغموض بل هو جزء منها أو كما يقول النفري: «المعرفة التي مافيها جهل هي جهل ما فيه معرفة». ولاشك أن صعوبة الدراسات اللسانية تعود إلى وجود «آلاف الألسان» التي تحكمها الكثير من الفروقات ويُعطف على هذه الصعوبات صعوبة أُخرى وهي أن مجال عمل اللساني محدود واللسانيات تحتاج إلى تقاطع اختصاصات متعددة. وعلة ذلك أنّ اللساني إذا أراد دراسة «النطق» فإنه لايستطيع ذلك إلا إذا كان قد ضربَ بسهم وافر في حقل الفيزيولوجيا وآية ذلك أنّ الأصوات التي تقرع أسماعنا ناتجة بواسطة الهواء الملفوظ وحتى في هذه الناحية يوجد الكثير من التأويلات التي تتعلق بعوامل أنثروبولوجية هذا إلى أن اللسانيات تتداخل مع علم الأعصاب، فاللسان عضو مرتبط بالدماغ ويخضع لتأثيرات سلبية مصدرها دماغي. وكذلك فاللسانيات ترتبط بعلم الاجتماع لأنّ اللسان محصلة اجتماعية وأيضاً علم النفس له نصيب في هذا الاتجاه ، لأن الانتاج اللساني يستند على الملكات النفسية كلها. وهذا الفهم للأمور يقتضي أن يكون اللساني إنسكلوبيدياً يلم من كل شيء بطرف. وهذا التعقيد الشديد في اللسانيات يماثله تعقيد آخر يرتبط بميادين اللسانيات سواء في الاتجاه الوصفي أو النظري أو العام أو التاريخي أو التطبيقي. وينظّر مارتان حول أصل اللغة منتقلاً من المستوى اللساني إلى ميدان التفكير الفلسفي، فيؤكد أن الألسن لايمكن أن تكتسب إلا بالتدرّب لكن هنا تظهر مفارقة وهي أنّ وظيفة اللغة نفسها هي التي تجعل من التدرّب أمراً متاحاً وهذا يؤول إلى إمكان أن تكون اللغة فطرية بنسبة كبيرة. وهنا يظهر دور هام لعلم مثل علم الإحاثة الذي قد يقدم مساعدات قيمة ها هنا . ولاشك أن هذا الكلام الذي يقوله مارتان يعود بنا إلى اللغويين العرب القدماء من أمثال الثعالبي صاحب كتاب «فقه اللغة وسر العربية»،والسيوطي الذي قدّم مؤلفاً هاماً هو « المزهر في علوم اللغة وأنواعها» والسكاكي صاحب «مفتاح العلوم» . إلخ.. والواقع أن هؤلاء العرب الأفذاذ انشغلوا منذ زمن طويل بمشكلات اللغة ودخلوا في مُساجلات حول أصل اللغة كما يفعل مارتان الآن. وطرحوا سؤالاً هاماً جداً حول أصل اللغة هو: هل اللغة وقف أم كسب؟ أي هل هي فطرية أم مكتسبة وقدموا آراء في غاية العمق فكانوا الرواد الأوائل لهذا النوع من الدراسات. وهنا لانريد الوقوف على الأطلال، لكن الهدف أن نشير وهذا يكفي.‏‏

الكتاب: مدخل لفهم اللسانيات‏‏

المؤلف: روبير مارتان‏‏

ترجمة : د. عبد القادر المهيري . مراجعة : د. الطيب البكوش‏‏

الناشر: المنظمة العربية للترجمة‏‏

يقع الكتاب في 239 صفحة من القطع الوسط.‏‏

إبراهيم براهيمي
17-08-2009, 02:07 AM
اللغة والمعرفة


قال الفيلسوف الألماني لودفج وتجينشتاين Ludwig Wittgenstein ذات مرة: "إن حدود لغتي هي حدود عالمي." ويمكن للمرء أن يضيف إلى ذلك القول، "إن حدود لغتي هي حدود معرفتي"، وبالتالي هي حدود فرصتي وتجربتي في الحياة. اللغة هي واحد من أهم العوامل التي تؤثر في انجازات الإنسان وتحديد سقف طموحاته، وبالتالي تحديد قدراته على تحقيق ذاته. فاللغة هي أداة التفكير والتعبير الرئيسية، ووسيلة التواصل مع الغير من الناس والكثير من الأشياء التي تساهم في تحديد المجال الحيوي لنشاط الإنسان في كافة المجالات، يما في ذلك مجالات العمل والتعليم والتفاعل الخلاق مع عناصر البيئة الطبيعية والاجتماعية والتكنولوجية التي تكتنف حياة الإنسان.

إذا كانت لغة الإنسان هي لغة محلية فقط، فإن حدود عالمه تكون محصورة ضمن حدود مجتمعه المحلي، والتي تحدد بدورها حدود معارفه العلمية وخبراته العملية وفرصه المعيشية وتجاربه وانجازاته الحياتية وطبيعة تقاليده وعلاقاته الاجتماعية. أما إذا كان لدى الإنسان لغة وطنية أو إقليمية إضافة إلى لغته المحلية، فإن حدود عالمه لا بد وأن تضم تجمعات إنسانية كثيرة وربما أقطارا ودول عديدة. وهذا من شأنه أن يتسبب في توسعة نطاق معارفه وخبراته، ويُحَسن فرص نجاحه في تحقيق انجازات أكبر، ويساهم في إثراء حياته بشكل أوفر، ورفع مستوى معيشته بوجه عام.

من ناحية أخرى، إذا أتقن الإنسان لغة عالمية بالإضافة إلى لغته المحلية والإقليمية، علما بأنه ليس هناك لغة عالمية اليوم سوى اللغة الانجليزية، فإن عالمه يتسع كثيرا ليصبح بلا حدود، وقدراته على الحصول على المعرفة بلا قيود. وهذا من شأنه أن يجعل فرصه في الحياة كبيرة، ومستقبله مسيرة حياة جميلة ومثيرة. وهذا يضع الإنسان الذي يتقن لغة إقليمية ولغة عالمية في موقع قوى يسمح لك بإعادة تشكيل حياته من جديد، وصياغة المستقبل الذي يريد، والسعي لتعلم وممارسة المهنة التي تتناسب مع مواهبه، والعمل في المؤسسة التي يرغب في الانتماء إليها، والوصول إلى المستوى المعيشي الكفيل بالتجاوب مع احتياجاته المتزايدة وتوقعاته المستقبلية المتصاعدة وطموحاته المتنامية. كما وأن من شأن الحصول على أكثر من لغة تمكين صاحبها من ممارسة النشاطات التي يتمناها والتي تعود عليه بالمتعة والرضا عن النفس. بناء على ذلك يصبح تعلم اللغات نوعا مميزا من الاستثمار طويل المدى في رأس المال البشري، والذي لا يمكن لفرد أو مجتمع أن ينمو ويتقدم ويتجاوز عقبات التخلف والتبعية والفقر بدونه.

ديسمبر 2007

د.أحمد
18-08-2009, 12:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه
حبذا لو وضعت هذهالدروس في ملف ورود ليسهل حفظها بدلا من نسخها صفحة صفحة

إبراهيم براهيمي
18-08-2009, 01:16 AM
اشكرك الاستاذ الفاضل د. احمد عن المرور .

اتمنى ان يتيسر لي ذلك مستقبلا ان شاء الله

دمت موفقا

المعتز
13-09-2009, 04:37 PM
شكرالك على هذه المعلومات اللهم اجعلها في ميزان حسناته

إبراهيم براهيمي
19-11-2009, 11:56 PM
شكر على مروركم

ابو عبد القادر
21-02-2010, 10:18 PM
سلام عليكم والله إن هذا الموقع لشرف لنا نحن أهل اللغة فزادكم الله حرصا على حرصكم وتوفيقا وسدادا ولكن أضم صوتي إلى الأخ الكريم الذي طلب أن تكون هذه المواد في شكل وورد حتى تعم الفائدة. بارك الله فيكم وفي أعمالكم أخوكم ابو عبد القادر

إبراهيم براهيمي
23-02-2010, 07:00 PM
LA LINGUISTIQUE GÉNÉRALE DE FERDINAND DE SAUSSURE :
TEXTES ET RETOUR AUX TEXTES

Simon BOUQUET
Université de Paris 10

(Communication inédite présentée au Congrès ICHOLS, septembre 1999)

SOMMAIRE
0. Introduction
1. Les textes saussuriens de linguistique générale : une histoire éditoriale singulière
1.1. Définition de l'expression textes de linguistique générale
1.2. Le corpus disponible
1.3. Les deux paradigmes éditoriaux :
A. Le paradigme du Cours comme oeuvre
a. Le Cours de 1916
b. L'édition critique de R. Engler, titrée Cours de linguistique générale, Tome 1 (1968)
B. Le paradigme des leçons orales et des autographes de Saussure comme oeuvre
a. Les leçons orales (autrement dit les trois cours genevois de linguistique générale)
b. Les écrits
2. Pour illustrer le " retour à Saussure "


Introduction

On entend parler depuis quelque temps de " retour à Saussure ". Il y avait eu l'ébullition saussurolâtre ou saussuromane des années structuralistes (en France). Puis une période d'accalmie avec le déclin du structuralisme. Et maintenant le " retour à Saussure ". J'en veux pour exemple le titre d'un article de 1994 de Jean-Claude Milner (" Retour à Saussure ", précisément) [1], ou d'un article de Jean-Claude Chevalier en 1997 dans la Quinzaine Littéraire (" De nouveau Saussure ") ou par exemple encore le titre d'une communication que Christian Stetter va donner à Zürich dans quelques semaines " Am Ende des Chomsky-Paradigmas : zurück zu Saussure ? ".

Cette expression " retour à Saussure ", en raison de l'histoire éditoriale singulière qui a été celle des textes de linguistique générale du grand Genevois, enveloppe de fait une réelle ambiguïté : s'agit-il d'un retour à des idées de Saussure que l'on a connues grâce au Cours de linguistique générale ; ou s'agit-il d'un retour à des textes qui, eux, sont demeurés et demeurent encore assez largement méconnus, voire qui sont totalement inédits, - des textes que le Cours de linguistique générale recouvre, comme celui d'un palimpseste ?

La réponse à cette question est quasi inextricable (sauf chez quelqu'un comme Milner qui a toujours, avec des arguments assez étranges, refusé de s'intéresser à d'autres textes que celui du Cours). En fait, les deux retours se mêlent et se motivent mutuellement : les textes originaux permettent de susciter de nouvelles interprétations de cette " pensée de Saussure " qu'on a chacun dans notre tête, ... et nos interprétations de cette " pensée de Saussure ", le plus souvent largement fondées sur le Cours, peuvent nous mener à la quête de confirmations dans les textes originaux.

En bref, le " retour à Saussure ", s'il en est - mais, au fond, il est évident qu'il en est, puisqu'il suffit que des linguistes repensent à Saussure pour que retour il y ait - eh bien ce retour à Saussure est confronté, au minimum, à une situation philologique particulièrement compliquée.

C'est pourquoi je voudrais contribuer à éclairer cette question du " retour à Saussure " en revenant sur l'histoire éditoriale singulière des textes saussuriens de linguistique générale.


1. Les textes saussuriens de linguistique générale : une histoire éditoriale singulière
1.1. Définition de l'expression textes de linguistique générale

Tout d'abord " textes saussuriens de linguistique générale ", qu'est-ce que ça veut dire ?

Saussure ne s'est jamais préoccupé, ni lors de ses cours, ni dans aucun écrit connu, de définir de manière explicite cette expression. On sait qu'elle recouvre à son époque un ensemble assez hétéroclite de problématiques (je renvoie aux travaux de S. Auroux [2]). -- Finalement, sans perdre l'arrière-plan historique, on peut préciser le sens qu'elle prend de facto dans le domaine spécifique de la production intellectuelle de Saussure.

J'ai proposé, dans mon Introduction à la lecture de Saussure [3], d'envisager cette " linguistique générale " saussurienne comme relevant de trois approches distinctes : 1° une réflexion sur les principes d'une science existante, dont le linguiste genevois était un expert : la grammaire comparée (autrement dit une épistémologie de la grammaire comparée) ; 2° une réflexion sur une discipline à venir, conçue comme susceptible de devenir aussi scientifique que la grammaire comparée (en d'autres termes un pari épistémologique ou encore une épistémologie programmatique) ; 3° une réflexion sur le fait de la signification linguistique , qu'on peut appeler philosophie du langage, et que je préfère appeler, dans un sens technique, métaphysique.

C'est donc à l'ensemble de ces domaines que j'attacherai l'étiquette de linguistique générale concernant Saussure - et qu'a été couramment attachée, de fait, cette étiquette, quand bien même la partition de ces domaines n'était-elle pas nécessairement évoquée dans les termes que je propose. Il est clair, par ailleurs, que si ces trois domaines de réflexion de la pensée saussurienne, pris proposition par proposition, obéissent à une logique qui permet de les distinguer, il arrive bien souvent que leurs propositions s'entrecroisent au sein des mêmes textes.
1.2. Le corpus disponible

Avant d'aborder l'histoire proprement dite des éditions des textes saussuriens de linguistique générale, un bref rappel de l'état des textes existants. On peut répartir ces textes en trois catégories.

1° catégorie : les textes autographes de Saussure. Parmi ces textes, très peu de textes achevés : il y a le manuscrit des trois leçons inaugurales de la chaire de grammaire comparée, (novembre 1891), et des cahiers d'aphorismes qui peuvent être considérés comme des textes achevés ; à côté de cela, on trouve un très grand nombre de brouillons, d'ébauches de chapitres, de notes éparses en vue d'un livre à venir, de notes prises pour les cours genevois de linguistique générale. La plupart de ces textes ne peuvent pas être datés avec précision (il s'échelonnent entre 1891 et 1912). Leur très grande majorité est conservée en grande majorité à la Bibliothèque publique et universitaire de Genève (comprenant une importante donation récente en cours de classement, sur laquelle je reviendrai). Et un petit nombre de textes ont été vendus par la famille Saussure à la Houghton Library de l'université d'Harvard [4].

2° catégorie de textes : les notes d'étudiants des trois cours genevois de linguistique générale. Il en existe aujourd'hui : 2 versions pour le cours de 1907 ; 3 versions pour le cours de 1908-1909 ; 5 versions pour le cours de 1910-11 (toutes conservées à la Bibliothèque publique et universitaire de Genève) [5].

3° catégorie de textes : le texte rédigé par Bally et Sechehaye intitulé Cours de linguistique générale.
1.3. Les deux paradigmes éditoriaux

J'en viens maintenant aux éditions de ces textes. Mon intention ici n'est pas de prendre en compte toutes les parutions des textes saussuriens de linguistique générale, mais de relever les événements éditoriaux qui, en langue française et sous la forme achevée d'un livre, auront balisé la diffusion de la pensée saussurienne et auront servi de référence à la critique (ou devraient se montrer propre à lui servir de référence, si l'on considère les futures éditions). De fait, ces événements éditoriaux auront concouru à créer deux objets distincts - correspondant à ce que j'appellerai deux paradigmes éditoriaux [6].

Le premier paradigme éditorial peut être nommé paradigme du Cours de linguistique générale comme oeuvre. Au plan du contenu, le caractère remarquable de ce paradigme est qu'il revient, fondamentalement, à construire et à légitimer la pensée de Saussure dans sa dimension d'une épistémologie programmatique de la linguistique.

Le second paradigme peut être nommé paradigme des leçons orales et des autographes de Saussure comme oeuvre. Ce second paradigme éditorial a pour caractère spécifique de refléter, sans opérer de tri, une pensée beaucoup plus multiforme : à savoir, selon mon analyse, celle qui envisage à la fois une épistémologie programmatique de la linguistique, mais aussi une philosophie des sciences (en l'occurrence d'une épistémologie de la grammaire comparée) et une philosophie du langage (ou, pour utiliser ma terminologie, d'une métaphysique ).

Examinons maintenant l'histoire des éditions qui constituent ces paradigmes.

A. Le paradigme du Cours comme oeuvre

a. Le Cours de 1916 [7]

Si le Cours peut être considéré comme l'oeuvre de Ferdinand de Saussure, c'est en tout cas comme une oeuvre bien particulière. Cette particularité s'enracine dans la vision et dans la volonté de Bally et Sechehaye. Ceux-ci, quelques semaines après la mort de Saussure, après avoir consulté des notes d'étudiants et quelques autographes du linguiste disparu, vont, d'une part, imaginer un livre et, d'autre part, infléchir le contenu de ce livre vers une pure épistémologie programmatique de la linguistique, en élaguant quelque peu ce qui dans les textes originaux (notes d'étudiants et autographes de Saussure) ressortissait à une réflexion épistémologique au sens strict (autrement dit à une épistémologie de la grammaire comparée) et, bien plus systématiquement encore, ce qui ressortissait à une métaphysique (la conséquence en sera une réduction, dans le Cours, de la place tenue par la sémiologie dans les leçons orales et dans les autographes). Si la rédaction du Cours aura été une oeuvre menée conjointement par les deux collègues, Bally semble avoir joué un rôle crucial dans le projet initial - dans la conception de l'oeuvre à créer. Deux témoignages récemment retrouvés en attestent. Ils datent tous deux de 1913 (Saussure étant mort le 22 février 1913). Un premier témoignage remonte au mois de mai. C'est une lettre de Bally à Meillet (que j'ai découverte dans les papiers de ce dernier au Collège de France il y a quelques années). Bally y prend vigoureusement parti contre un projet d'édition des leçons de Saussure d'après les cahiers d'étudiants - projet conçu avec l'appui de Meillet par un auditeur des cours de linguistique générale, Paul Regard [8]. Ce projet consistait en une publication, partielle, des notes de Regard. Si, par retour de courrier, Meillet répond à Bally :

(...) le projet que j'avais esquissé avec le jeune Regard est abandonné ; ce projet a toujours été subordonné à votre agrément, et, dès l'instant que vous avez d'autres vues, il ne doit pas en être question. [9]

l'examen de la correspondance entre Bally et Meillet, tout au long des années suivantes, n'en montre pas moins que le savant parisien aurait, sans aucun doute, préféré une édition philologiquement fidèle aux leçons. Bally, lui, ne voit pas les choses ainsi et, lorsqu'il critique le projet de Regard en mai 1913, c'est déjà sa vision qu'il défend : un livre reconstruit, et non la publication des notes d'étudiants. Un second témoignage, issu lui aussi des archives Meillet, corrobore le premier. C'est une lettre de Marie de Saussure, la veuve de Ferdinand, remerciant Meillet pour sa notice nécrologique. La lettre, datée du 30 novembre 1913, se termine ainsi :

Quant au Cours de linguistique générale, je crois que Monsieur Bally fera pour le mieux et qu'en tout cas il vous soumettra son projet. [10]

Ainsi, en novembre 1913, le titre du livre, qui reflète sa conception, existe déjà : c'est " le Cours de linguistique générale " ; et Bally en est le maître d'oeuvre incontesté.

La vision de Bally, relayée par Sechehaye, a été claire et ferme : là où le maître, dans ses écrits et dans ses cours, élaborait une méditation de philosophie des sciences à propos de la grammaire comparée, ou se livrait à une réflexion métaphysique parfois effilée et hésitante, les élèves se devaient de réduire la pensée saussurienne au pur programme d'une linguistique future. C'est à ce prix que la " recréation " du Cours pouvait avoir lieu. Aussi le Cours ne pouvait-il naître qu'en tronquant de son caractère multiforme et foisonnant, lié à son esprit exploratoire, la parole qui avait tenu ses auditeurs sous son charme. On comprend que Regard ait pu dire après la parution du Cours:

Un élève qui a entendu lui-même une part importante des leçons de Ferdinand de Saussure sur la linguistique générale, et connu plusieurs des documents sur lesquels repose la publication, éprouve nécessairement une désillusion à ne plus retrouver le charme exquis et prenant des leçons du maître. Au prix de quelques redites, la publication des notes de cours n'aurait-elle pas conservé plus fidèlement la pensée de Ferdinand de Saussure, avec sa puissance, avec son originalité ? Et les variations elles-mêmes que les éditeurs paraissent avoir craint de mettre au jour n'auraient-elles pas offert un intérêt singulier ? [11]

Si Regard est déçu par le Cours, il en va de même de Riedlinger, quand bien même ce dernier, contrairement à Regard, n'a jamais fait ouvertement part de sa déception ; une lettre (inédite à ma connaissance) écrite en 1957, soixante ans après qu'il a entendu les cours de linguistique générale, en conserve cependant la trace. C'est une réponse à son ancien condisciple Gautier qui l'a prié d'écrire un article sur Saussure pour la Tribune de Genève. Riedlinger décline l'invitation en ces termes, bien durs à l'égard de Bally :

Il me serait impossible de donner une idée de la vraie grandeur de F. de Saussure sans le comparer à Bally et, par conséquent, rabaisser ce dernier. Je m'explique : Bally a sabré la linguistique générale, ce que le travail en cours de Godel démontrera sans discussion possible. (...) Plus grave encore est la suppression complète de la magnifique introduction de 100 pages du deuxième cours, que Godel m'a demandé par lettre l'autorisation de publier in extenso d'après mes notes. Vous vous rappelez sans doute que Bally avait décrété que le chapitre sur `unités et identités' n'était pas clair, et vous l'aviez soutenu. Godel, lui, voit dans cette introduction la quintessence de la pensée saussurienne. Mais Bally, très doué par ailleurs pour l'observation des faits linguistiques, n'avait pas le sens philosophique de son maître. [12]

Si la nostalgie des étudiants s'explique, leur critique du texte de 1916 porte néanmoins partiellement à faux. Car il était probablement nécessaire de n'être pas fidèle à la lettre des leçons et des écrits, de n'être pas fidèle, même, à la complexité de la pensée saussurienne, pour être fidèle à Saussure d'une autre manière. En simplifiant son discours et en l'unifiant, dans l'énonciation d'une épistémologie programmatique de la linguistique, la mise en forme de Bally et Sechehaye aura permis une réception des idées du linguiste genevois qui justifiera leur parti-pris. En d'autres termes, ils auront bien contribué à réaliser une oeuvre- quand bien même on saurait dire que Saussure en est l'auteur, ou qu'ils en sont, eux, les auteurs.

b. L'édition critique de R. Engler, titrée Cours de linguistique générale, Tome 1 (1968) [13]

Si l'ouvrage publié en 1957 par R. Godel sous le titre Les sources manuscrites du Cours de linguistique générale est un événement capital pour l'histoire des textes saussuriens, ce n'est pas à proprement parler une édition de textes, mais (entre autres objectifs) un travail préparatoire pour une édition des textes. (Je ne parle donc pas de ce livre, sauf pour mentionner que son point de vue - et, plus particulièrement, celui de l'édition qu'il projette - est, de fait, le point de vue de l'autre paradigme éditorial, le paradigme que j'ai baptisé des leçons orales et des autographes de Saussure comme oeuvre, paradigme que soutenaient Regard et Meillet dès le printemps 1913.)

Or, retour des choses, l'édition de texte qui s'appuiera sur le travail de Godel, celle de R. Engler, va adopter très nettement le point de vue opposé, à savoir celui du Cours comme oeuvre.

L'ouvrage monumental qui paraît en 1968 sous le titre de Cours de linguistique générale, Tome 1 est en effet explicitement l'édition critique du texte de 1916. Celui-ci est donné dans sa continuité en première colonne, fragmenté en 3281 segments, en regard desquels figurent (aux colonnes 2, 3 et 4) des passages des cahiers d'étudiants (parmi lesquels des cahiers inconnus de Bally et Sechehaye) rapprochés, sur la base de l'analyse de Godel, du texte de Bally et Sechehaye et (en colonne 6) des brouillons de cours de la main de Saussure ainsi que quelques rares autres fragments de textes autographes. Il est, de fait, bien difficile de lire, dans cette édition, les minutes des leçons orales dans leur continuité. Il en va de même des textes autographes. Le but de l'ouvrage est de permettre, partant du texte du Cours de linguistique générale, et considérant des segmentations très courtes de celui-ci, d'avoir accès aux textes originaux qui, selon Godel, lui correspondent. Autrement dit : permettre d' " interpréter " des passages problématiques du Cours de linguistique générale.

En bref, ce qui est d'une certaine façon barré par cette édition - alors même qu'elle fournit les textes de tous les cahiers d'étudiants [14] et de la quasi-totalité des trois cours [15] -, c'est l'accès aux leçons orales considérées en elles-mêmes (c'est-à-dire l'accès au développement de l'argumentation sur une leçon entière, sur un cours entier, voire sur les trois cours).

B. Le paradigme des leçons orales et des autographes de Saussure comme œuvre

J'en viens au second paradigme, celui des leçons orales et des autographes de Saussure comme oeuvre.

a. Les leçons orales (autrement dit les trois cours genevois de linguistique générale)

Je laisse de côté des publications d'extraits, données principalement dans les Cahiers Ferdinand de Saussure, et antérieures à 1968.

Au titre de ce paradigme, on peut mentionner, bien sûr, le Tome 1 de l'édition Engler, - mais comme on l'a vu, bien que les textes y soient présents, ils sont pratiquement illisibles, du point de vue de la logique de leur continuité.

De fait, ce paradigme, appelé de leurs voeux par Meillet et par Godel, est resté largement virtuel au cours du siècle : il aura fallu attendre 1993 pour que paraisse, sous forme de livre, la première édition (partielle) des leçons genevoises dans leur continuité. Elle a été établie par E. Komatsu, et concerne une partie du premier cours et le troisième cours. Outre certains problèmes philologiques, cette édition se limite à un seul cahier d'étudiant et ne comporte ni variantes, ni réel apparat critique, ni - ce qui est plus handicapant - aucun système de correspondance permettant de la rapprocher du texte de l'édition de 1968. Une édition partielle du deuxième cours est parue - même éditeur (Komatsu) et même principe - en 1997.

Cette situation éditoriale nous a conduit à mettre en chantier ces dernières années une édition critique qui procurera les trois sessions intégrales des leçons genevoises de linguistique générale, dans leur continuité naturelle. Un seul cahier d'étudiant - Riedlinger pour le premier cours, Constantin pour le deuxième et le troisième cours - constituera à chaque fois le texte de base, complété en notes de bas de page par des variantes significatives issues des autres cahiers. Et, surtout, il y aura un appareil de correspondance permettant d'utiliser, en complément de cette édition, l'édition synoptique de 1968, pour avoir ainsi accès aux variantes de tous les cahiers d'étudiants - et, du même coup, au Cours de linguistique générale, si l'on veut s'y référer.

Les volumes de cette édition devraient paraître à la fin de l'année prochaine. Ils figureront dans la Bibliothèque de Philosophie de Gallimard, c'est-à-dire seront accessibles à un prix raisonnable.

b. Les écrits

Il y a d'abord des éditions fragmentaires d'écrits genevois, dans les Cahiers Ferdinand de Saussure.

Il y a ensuite les fragments qui se trouvent en colonne 6 de l'édition Engler de 1968.

Il y a surtout le second tome de cette édition, paru en 1974, consacré exclusivement aux écrits de linguistique générale, qui reprend tous les textes genevois disponibles à l'époque [16]. Mais ce volume est conçu comme une annexe au tome 1, et certains de ces écrits se trouvent de nouveau fragmentés, avec renvoi à la colonne 6 du tome 1 pour les morceaux manquants. Les écrits ne sont donc pas totalement lisibles dans leur continuité.

Mentionnons encore de très rares écrits retrouvés à Genève dans les années 70 et 80, comme la " note sur le discours ", publiés dans les Cahiers Ferdinand de Saussure ; ainsi qu'une édition partielle par H. Parret, toujours dans les Cahiers Ferdinand de Saussure des manuscrits de Harvard.

Et puis il y a eu la donation récente à la Bibliothèque publique et universitaire d'un gros corpus d'écrits de linguistique générale retrouvés récemment dans l'orangerie de l'Hotel de Saussure à Genève, dont un extrait vient de paraître dans les Cahiers Ferdinand de Saussure.

Cette situation éditoriale et cette donation nous ont amenés, R. Engler et moi, à préparer un volume procurant tous les écrits déjà publiés dans les tomes 1 et 2 de l'édition critique de 1968-1974 (défragmentés cette fois), les quelques écrits genevois publiés depuis, et surtout l'intégralité des textes nouvellement découverts. Ce volume devrait paraître avant la fin de cette année, ou début 2000.

Ainsi, si le développement du paradigme des leçons orales et des autographes a été quelque peu chaotique au cours du siècle, on peut espérer qu'au XXIe siècle ce paradigme accède à une meilleure reconnaissance. C'est l'un des objectifs que s'est fixés l'Institut Ferdinand de Saussure, récemment créé, qui entend soutenir également des travaux philologiques concernant les autres aspects de l'oeuvre écrite du linguiste.


2. Pour illustrer le " retour à Saussure "

Pour terminer, quittant la pure philologie, je voudrais illustrer - illustrer seulement, et très brièvement - ce que pourrait être un " retour à Saussure " en terme de contenus.

Nous vivons probablement actuellement un tournant dans les sciences du langage. Le XXe siècle a été celui de théories linguistiques fondées sur des présupposés épistémologiques fortement liés au positivisme logique - ou disons, moins restrictivement, à une approche logico-grammaticale du langage (je reprends ici termes et contenus de la réflexion épistémologique que mène depuis plusieurs années François Rastier, à laquelle je souscris largement). On en arrive, lentement, aujourd'hui à réarticuler l'approche logico-grammaticale à l'autre tradition des sciences du langage, qui depuis plus de 2000 ans considère le sens par l'autre bout de la lorgnette, si j'ose dire, à savoir la tradition rhétorico-herméneutique.

Du côté logico-grammmatical, on est frégéen (on analyse la compositionalité atomique du sens). Du côté rhétorico-herméneutique, on prend en compte une approche non-frégéenne (on interprète l'agencement des atomes de sens sur d'autres bases que leur compositionalité).

La pensée de Saussure a beaucoup servi à accréditer le paradigme logico-grammmatical de ce siècle. Ce phénomène a été favorisé par le fait que les éditeurs du Cour sont renchéri sur le caractère logico-grammatical de la pensée saussurienne, pour lui conférer son statut unifié de programme épistémologique. Le geste, ici, est lourd de conséquences ; et il est signé par la dernière phrase du texte de 1916 - posant que la linguistique sera la science de la langue et reléguant aux oubliettes l'importance qu'accordait Saussure à ce qu'il appelait " linguistique de la parole ".

Or, une réflexion sur la linguistique de la parole, c'était bien le projet de Saussure pour la dernière partie de son ultime cours de linguistique générale, une partie dont il avait annoncé le titre au début de l'année : " la faculté et l'exercice du langage chez les individus " [17]. C'était aussi son projet pour le quatrième cours de linguistique générale. L'importance le la linguistique de la parole apparaît encore dans la remise en question, faite dans le troisième cours, de la distinction langue/parole sur le chapitre de la syntaxe. Et elle apparaît encore dans la réaffirmation de la dualité de la linguistique - dans le dernier texte autographe connu traitant de linguistique générale, écrit en 1912 à l'occasion de la création de la chaire de stylistique de Bally [18]. Ainsi, s'appuyer sur la dernière phrase, parfaitement apocryphe, du Cours - présentant la linguistique comme science de " la langue en elle-même et pour elle-même " - revient à faire de Saussure le héraut d'une conception des sciences du langage qui n'a jamais été la sienne.

En effet, si la théorie saussurienne du signe traite bien d'un signe compositionnel, finalement Saussure thématise la valeur linguistique de telle sorte qu'il laisse largement ouverte la question du sens (ou de la signification, ou de la référence des énoncés) : de sorte qu'à cette ouverture, puisse correspondre le domaine de la linguistique de la parole, qu'il concevait, contrairement à ce que laisse entendre la dernière phrase du Cours, comme formant un tout avec la linguistique de la langue.

Aussi Saussure peut apparaître aujourd'hui comme le théoricien, non seulement de la seule dimension logico-grammaticale du langage, mais encore de sa dimension rhétorico-herméneutique. (Si l'on peut parler d'herméneutique, regardant Saussure et regardant une science du langage aujourd'hui, il ne s'agit pas, en l'occurrence, d'une herméneutique métaphysique à la Heidegger, mais d'une herméneutique matérielle- fondée sur une épistémologie des sciences du langage -, au sens que cette expression de Schleiermacher a pu prendre dans des réflexions contemporaines comme celle de P. Szondi ou de F. Rastier.)

De ce Saussure-là témoigne dans le corpus de textes inédits, une formulation étonnante. Il s'agit d'un fragment qui peut être considéré comme une théorie non plus du " signe de langue ", mais du " signe de parole " - autrement dit, une représentation du biface composé par un constituant phonologique (propre à être conçu tout autant comme segmental que comme supra-segmental) et par un " sens " qu'on peut dire " textuel ", dans l'acception que Hjelmslev donnait à ce terme, un sens ressortissant à une approche rhétorico-herméneutique de nature à instancier les traits logico-gramaticaux qui le constituent :

(Sémiologie =
morphologie, grammaire, syntaxe,
synonymie, rhétorique, stylistique,
lexicologie, etc.
... le tout étant inséparable)
______________________________
(phonétique)

Quelle que soit la date de rédaction de ce texte, on peut y voir l'esquisse d'une conception de ce qu'en 1911 le professeur genevois proposera de nommer signifiant et signifié, - mais ici la bifacialité du langage serait envisagée non plus dans la tradition logico-grammaticale d'un théorie du signe ; elle le serait au contraire dans la perspective rhétorico-herméneutique d'une théorie du texte [19].

Je n'en dirai pas plus sur ce point, je voulais juste comme je l'ai dit, illustrer brièvement l'intérêt de relectures de Saussure.

Une relecture a pu faire apparaître par exemple que la pensée saussurienne n'a pas seulement présidé à la fondation du structuralisme, mais tout autant à celle de la grammaire générative [20]. D'autres relectures permettront peut-être, au XXIe siècle, de découvrir dans les écrits et les leçons du professeur genevois une inspiration pour une linguistique rhétorico-herméneutique -, donnant raison à Rudolf Engler, sur une phrase duquel je terminerai mon exposé : il parlait en effet, en juin dernier lors de l'inauguration de l'Institut Ferdinand de Saussure, de " la vigueur d'une pensée qui, à l'image du phénix, ne s éclipse que pour resurgir de plus belle ".



NOTES

[1] A certains égards, écrit Milner, on peut affirmer que la linguistique aujourd'hui n'est plus du tout saussurienne. Pour autant la tentative de Saussure (...) oblige les linguistes à ne rien tenir pour évident ; ceux-là mêmes qui s'en sont écartés devraient reprendre étape par étape l'itinéraire théorique du Cours et affronter les objection, explicites ou implicites, qui s'en déduisent. " (" Retour à Saussure ", Lettres sur tous les sujets, Le perroquet, p. 17)

[2] Notamment : S. Auroux, " La notion de linguistique générale ", Histoire Epistémologie Langage, tome 10, fasc. II, 1988

[3] S. Bouquet, Introduction à la lecture de Saussure, Payot, Paris, 1997

[4] Il faudrait mentionner aussi de rares passages de travaux édités de linguistique historique mentionnant des questions de linguistique générale.

[5] Il faudrait ajouter ici les notes d'étudiants de quelques autres cours genevois, pour quelques rares remarques de linguistique générale.

[6] On trouvera la recension des textes saussuriens publiés dans les Bibliographies saussuriennes de R. Engler, in : Cahiers Ferdinand de Saussure, n°30 (1976), n°31 (1977), n°33 (1979), n°40 (1986), n°43 (1989), n°50 (1997). -- Cf. aussi mon article intitulé " Les deux paradigmes éditoriaux de la linguistique générale de Ferdinand de Saussure ", Cahiers Ferdinand de Saussure, n°51, 1999, dont le présent article reprend une partie du contenu.

[7] F. de Saussure, Cours de linguistique générale, publié par C. Bally et A. Sechehaye avec la collaboration de A. Riedlinger, Lausanne-Paris, Payot, 1916 [Payot, Paris, 1995]

[8] Correspondance Bally-Meillet (1906-1932) " (R. Amacker et S. Bouquet, éds.), Cahiers Ferdinand de Saussure, n°43, 1989, p. 102-103

[9] Ibid. , p. 103-104.

[10] In S. Bouquet, " Documents retrouvés dans les archives d'Antoine Meillet au Collège de France ", C.F.S. n° 40, 1986, p. 9.

[11] P.-F. Regard, préface à Contribution à l'étude des prépositions dans la langue du Nouveau Testament, E. Leroux, Paris, 1919, p. 6

[12] Bibliothèque publique et universitaire de Genève, Papiers L. Gautier.

[13] F. de Saussure, Cours de linguistique générale, édition critique par R. Engler, tome 1, Otto Harrassowitz, Wiesbaden, 1968 [Reproduction de l'édition originale, 1989]

[14] R. Godel, Les sources manuscrites du Cours de linguistique générale de Ferdinand de Saussure, Droz, Genève, 1957

[15] Sauf le cahier Patois, non découvert à l'époque

[16] A l'exception des parties indo-européennes de deux de ces cours

[17] F. de Saussure, Cours de linguistique générale, édition critique par R. Engler, tome 2 : Appendice, Notes de F. de Saussure sur la linguistique générale, Otto Harrassowitz, Wiesbaden, 1974 [Reproduction de l'édition originale, 1990]

[18] Cours de linguistique générale/Edition Engler : 1.24.122

[19] Cf. mon Introduction à la lecture de Saussure, notamment pp. 264-269 et 334-345.

[20] Il n'est pas certainement inintéressant de trouver dans les noms qu'on a cités pour commencer pour illustrer cette mouvance d'une " retour à Saussure " des épistémologues de la grammaire générative, fer de lance de la linguistique logico-grammaticale.

Vous pouvez adresser vos commentaires et suggestions à : mailto:?to=bouquet@ext.jussieu.fr &cc=redaction@revue-texto.net &subject=Via Texto
© décembre 1999 pour l'édition électronique.

Référence bibliographique : BOUQUET, Simon. La linguistique générale de Ferdinand de Saussure : textes et retour aux textes. Texto ! décembre 1999 [en ligne]. Disponible sur : <http://www.revue-texto.net/Saussure/Sur_Saussure/Bouquet_Linguist-gen.html>. (Consultée le ...).

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 06:08 PM
الدليل اللغوي le signe linguistique


يقول دو سوسير : "يظن بعض الناس أن اللسان إنما هو في أصله مجموع الألفاظ أي قائمة من الأسماء تطلق على عدد من المسميات . وفي تصوره هذا نظر، من عدة وجوه: انه يفترض وجود معان جاهزة قبل وجود ألفاظها ثم إننا لا نتبين به هل الاسم هو جوهر صوتي أم نفساني ... ويشعرنا أيضا أن ارتباط الاسم بالمسمى هو عملية في غاية البساطة وهذا بعيد جدا عن الواقع ... إن الدليل اللغوي لا يربط مسمى ما باسمه الملفوظ بل مفهوم ذلك الشيء أو تصوره الذهني بصورة لفظه الذهنية فهذه الصورة الصوتية ليست هي الصوت المادي لأنه شيء فيزيائي محض بل انطباع هذا الصوت في النفس والصورة الصادرة عما تشاهده حواسنا . فالدليل اللغوي إذن كيان نفساني ذو وجهين ويسمى دليلا لغويا المركب المتكون من المفهوم والصورة الصوتية ( صورة اللفظ في الذهن )... ولكن نقترح لفظة الدليل للدلالة على الكل واستبدال لفظتي المفهوم والصورة الصوتية بلفظتي الدال والمدلول ".
( دروس في اللسانيات العامة لدوسوسير ص97 ، ترجمة د عبد الرحمان الحاج صالح ص45 من مجلة اللسانيات )

المطلوب : استخرج من النص المفاهيم الدلالية واشرحها.

الإجابة : أهم المفاهيم الدلالية الواردة في النص هي :

أ ـ الدليل اللغوي : وهو وحدة علم الدلالة، نعرفه بأنه اللفظ الدال على شيء أو معنى معين و ركيزته المادية هي الصوت .
ب ـ الصورة الصوتية (le signifiant) هي انطباع الصوت في الذهن .
ج ـ الصورة الذهنية : ( Le signifié)هي انطباع الشيء في الذهن .

دوسوسير في هذا النص ينفي فكرة سادت ، وهي أن الألفاظ ألقاب للمسميات ويبين لنا الدليل اللغوي لا يربط بين لفظ ومسماه ( الشيء والمعنى ) إنما يربط بين المفهوم والصورة الصوتية في قوله " إن الدليل اللغوي .........لفظه الذهنية ".

يعني هذا أننا لا ننظر إلى الدليل اللغوي كحقيقة مادية لأننا لا نتحدث عن المعنى كشيء جاهز ولا عن الألفاظ كمجموعة من الأصوات نسمعها في قوله " يفترض وجود معان جاهزة ................نفساني ".

لكن دوسوسير يتصور الدليل اللغوي كيانا ذهنيا مكونا من دال هو الصورة الصوتية ومدلول هو المفهوم الذي يتصوره الإنسان لذلك الشيء الخارجي، أي الموجود خارج ذهن الإنسان والذي ندرج فيه كل الأشياء المادية والمعنوية التي تحيط بنا و نسميه المرجع أو المدلول عليه.

فالدليل اللغوي إذن يتكون عندما يريد الإنسان الحديث عن المرجع ( الشيء ) فيبحث في نظامه التقديري عن المفهوم الذي ينطبق على ذلك المرجع وقد تعلمه وورثه عن أفراد مجتمعه ، والمسمى المدلول أو ( الصورة الذهنية ) . ثم يعبر عنه بصورة صوتية وهي ( التصور الذهني للأصوات الذي يتم في ذهن الإنسان ) وهنا تتم عملية تكوين الدليل اللغوي ، ويمكننا التمثيل له بالشكل التالي :

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/sans_t60.jpg

أما عن ميزات الدليل اللغوي فهي :

أ ـ الاعتباطية : (arbitraire ) أي لا يوجد في اللفظ ما يدل حتما على معناه ، ونعطي لذلك مثلا توضيحيا كلمة شجرة.
فلو كانت الشين مثلا تدل على الأوراق والجيم على الساق والراء على الأغصان لقلنا بطبيعية العلاقة وحتميتها ، لكن ، بما أن الأمر عكسي فنقول بأنها علاقة اعتباطية وضعية ناتجة عن التواضع والاتفاق بين بني البشر .والدليل على ذلك اختلاف اللغات ففي اللغة العربية نستعمل ـ مثلا ـ كلمة ( كرسي ) للدلالة على شيء معين ،في حين يستعمل الناطق باللغة الفرنسة كلمة (chaise) للدلالة على الشيء ذاته ، فأي الأصوات من الكلمتين تدل على المعنى أكثر من الأخرى ؟

ب ـ الخطية : (liniaire) بما أن الركيزة المادية للدليل اللغوي هي الصوت فانه يتسلسل عند إحداثه تسلسل الزمن في خط واحد أفقي يسمى مدرج الكلام ، مثلا كلمة ( صدق ) التي تنطق حروفها متسلسلة ص + د + ق وإذا تغير التسلسل ق+ ص+ د تغير المعنى.

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 06:11 PM
اللغة


تقديم: من الدلالات إلى الإشكالية.


1- الدلالات:


‌أ) الدلالة المشتركة:

- اللغة أداة للتواصل بين أفراد المجتمع

- اللغة وسيلة من وسائل التعبير عن الفكر

- اللغة هي فعل الكلام

- اللغة هي حقيبة أو وعاء يضم مجموعة من الكلمات والحروف، والتي نركب فيما بينها وفقا لقواعد وضوابط لكي ننتج كلاما مفهوما لدى الآخرين…

Éاللغة: *الفكر/العقل

*الكلام

*التعبير

*التواصل

‌ب)الدلالة المعجمية:

à معجم “لسان العرب” لابن منظور:

É اللغة من لغا يلغو لغوا وهو الكلام غير المفيد

É” اللغة أصوات يعبر بها قوم عن أغراضهم”

· استنتاجات:

- الصوت: اللغة في ارتباطها بالصوت أو الكلام ذات أبعاد عضوية، مادية، فيزيولوجية، عصبية ووراثية…

- التعبير: اللغة وسيلة من بين عدة وسائل يستخدمها الإنسان للتعبير عن الأفكار والأحاسيس (الموسيقى، الرسم، الرموز…)

- قوم: اللغة هي خزان لثقافة وحضارة شعب من الشعوب، ولذلك فإن لها طابعا رمزيا، ثقافيا وحضاريا.

- أغراض: للغة عدة أدوار ووظائف داخل حياة الإنسان والمجتمع.

à في الفرنسية:

لفظة “Langage” مشتقة من “Lingua” اللاتينية التي تعني الكلام واللسان.

- “Logos” اليونانية تحمل معاني اللغة، الفكر، العقل والكلام.

· اللغة: - الكلام

- اللسان

ماهي الفروق الموجودة بين هذه المصطلحات؟

· اللغة: - الإنسانية ككل

- إنها تلك القدرة الخاصة بالنوع البشري مبدئيا على التكلم والتواصل

· اللسان: - المجتمع الواحد

- إنه نسق من العلامات الصوتية الخاصة بمجتمع معين، وهو لا يتحقق إلا في شكل مؤسسات اجتماعية

· الكلام - الفرد الواحد

- إنه يشير إلى قدرة ومهارة كل فرد على استخدام اللغة

É تشكل اللغة مرجعية أساسية للكلام، كما يمنح هذا الأخير اللغة الحياة والتطور والاستمرارية.

‌ج) الدلالتان الفلسفية والعلمية:

معجم “أندري لالاند” A Lalande

à هناك معنيان للغة:

o معنى خاص: “اللغة هي وظيفة التعبير الكلامي عن الفكر داخليا وخارجيا”

o معنى عام: “اللغة هي كل نسق من العلامات يمكن أن يتخذ وسيلة للتواصل”

· استنتاجات:

É اللغة الكلامية هي ظاهرة خاصة بالإنسان وحده.

É هناك ارتباط وثيق بين اللغة والفكر بحيث لا يمكن الحديث عن وجود فكر في غياب اللغة سواء كان فكرا داخليا(حديثا مع النفس=منولوج) أو فكرا خارجيا (حديثا مع الآخرين)

É تخضع اللغة لضوابط وقواعد ونظام خاص.

É تتكون اللغة من مجموعة من العلامات، والتي يمكن التمييز فيها بين علامات لغوية أو لسانية وعلامات غير لسانية كالإشارات والرقصات… هذه العلامات التي تستخدم أساسا لتحقيق التواصل سواء بين الناس أو بين الحيوانات فيما بينها.

à معجم لاروس “Larousse“

اللغة هي قدرة خاصة بالنوع البشري على التواصل بواسطة نسق من العلامات الصوتية.

2- طرح الإشكالية:

ما الذي يجعل اللغة خاصة بالإنسان وحده.؟

ماهي طبيعة العلاقة بين العلامة اللسانية وما تدل عليه من أشياء الواقع؟

هل هي علاقة طبيعية وضرورية أم أنها علاقة اعتباطية واصطلاحية؟

ماهي طبيعة العلاقة بين اللغة والفكر؟ هل هي علاقة اتصال أم انفصال؟ وبمعنى آخر؛ هل يمكن الحديث عن وجود فكر بدون لغة؟ ثم هل يمكن للغة الإحاطة بكل جوانب الفكر والتعبير عن كل مكوناته؟ و ما هي أهم وظائف اللغة؟

I- اللغة خاصية إنسانية.

à هل للحيوان لغة؟

- نعم للحيوانات أشكال من التواصل فيما بينها

· الدليل: - دليل ديني: سورة النمل مثلا

- دليل علمي: دراسة فون فريش لأشكال التواصل لدى النحل مثلا

ماهي إذن الخصائص المميزة لأشكال التواصل لدى الحيوان؟

§ أشكال غريزية

§ أشكال ثابتة وغير متطورة

§ أشكال مرتبطة بحاجات ضرورية وبيولوجية

§ أشكال فقيرة وبسيطة من حيث الدلالات والمعاني

§ أشكال منغلقة وخاصة بالنوع الحيواني الواحد..

ماهي خصائص اللغة الإنسانية؟

وما الذي يجعل اللغة بالمعنى الدقيق خاصية إنسانية؟

1- أطروحة ديكارت:

à نص ص 13: “ الكلام خاصية للإنسان”

· موضوع النص [عماذا يتحدث هذا النص؟]

النص هو عبارة عن مقارنة بين اللغة الإنسانية و”اللغة” الحيوانية…

· إشكال النص: [السؤال المركزي الذي يسعى النص إلى الإجابة عنه]

ما الذي يجعل اللغة الكلامية خاصية مميزة للإنسان وحده دون سائر الحيوان؟

· أطروحة النص [الموقف الفلسفي الذي يتبناه صاحب النص]

اللغة ككلام هي خاصية مميزة للإنسان وحده دون سائر الحيوان.

حجج النص: للتدليل على أطروحته يقدم ديكارت مجموعة من الحجج يمكن تقديمها كما يلي:

أ- اعتماد حجة التقابل بين الإنسان الأبله أو البليد من جهة والحيوان الكامل من جهة أخرى، ويمكن ترجمة ذلك من خلال الجدول التالي:
الإنسان الأبله
الحيوان الكامل

- من أنقص نوعه عقلا

- نشأة مضطربة

- القدرة على التركيب بين الكلمات

- إنتاج أفكار مفهومة
- من أكمل نوعه

- نشأة سعيدة

- العجز عن التأليف الكلامي

- عدم القدرة على إنتاج أفكار


à وهكذا نستنتج أن الأبله، وبالرغم من نقص قدراته العقلية، يستطيع أن ينتج أفكارا انطلاقا من التأليف بين مختلف الكلمات، بينما لا يستطيع الحيوان الذي هو من أكمل نوعه أن يفعل ذلك.

ب- يلجأ ديكارت مرة أخرى إلى أسلوب التقابل من خلال المقارنة بين الببغاء من جهة والأصم الأبكم من جهة أخرى. وهذا يمكن التعبير عنه من خلال الجدول التالي:
الببغاء
الأصم/الأبكم

* كمال في أعضاء النطق

* القدرة على النطق ببعض الكلمات

* النطق بالكلمات اعتمادا على التقليد

*عدم القدرة على إنتاج أفكار

* غياب الوعي/العقل
* نقص في أعضاء النطق

* عدم القدرة على الكلام

* تعويض الكلام بالإشارات

*القدرة على إنتاج أفكار

*حضور الوعي/العقل


à يستخلص صاحب النص من هذه المقارنة النتيجة التالية:

“معرفة الكلام لا تحتاج إلا إلى قدر قليل من العقل”، وهو ما يعني نسبة اللغة ككلام إلى الإنسان كيفما كانت قدراته العقلية، ونفي هذه النسبة عن الحيوان مهما بلغ من التطور والكمال بالقياس إلى نوعه، ما دام يفتقر بشكل مطلق إلى العقل.

ج- يمضي صاحب النص في أسلوب المقارنة للتدليل على الفكرة التي يريد إثباتها، وهو الآن يعمد إلى المقارنة بين القرد والطفل المضطرب عقليا، وهذا ما يمكن توضيحه في الجدول التالي:
القرد
الطفل المضطرب عقليا

من أكمل نوعه

استحالة تعلم الكلام

السبب : افتقاره للعقل

اللغة : حركات طبيعية انفعالية غريزية وآلية
من أنقص نوعه عقلا

إمكانية تعلم الكلام

السبب : امتلاكه للعقل

اللغة : الكلام المعبر عن أفكار عقلية إبداعية




Ãوهكذا يصل بنا صاحب النص إلى النتيجة التالية:

اللغة الكلامية هي خاصية مميزة للإنسان وحده ككائن عاقل، وهي لغة إبداعية ومتطورة وغنية بالدلالات، بينما تظل لغة الحيوان مجرد حركات غريزية وآلية تنتفي معها كل قدرة على التطور والإبداع.

وفي الأخير يقدم صاحب النص حجة أخرى لتدعيم موقفه المعبر عنه آنفا، ويمكن صياغتها كما يلي:

لم يتم إثبات في يوم من الأيام أن بإمكان الحيوانات أن تتفاهم مع الإنسان مثلما تتفاهم مع أفراد نوعها، وعليه فالحيوانات لاتتكلم ولا يمكن أن تمتلك لغة الكلام الإنسانية.

2- أطروحة إميل بنفنيست:

استنادا إلى دراسة قام بها كارل قون فريش حول النحل، والتي أثبتت أن أفراد النحل يتواصلون عن طريق علامات هي عبارة عن رقصات إما دائرية أو اهتزازية حسب قرب أو بعد مكان الرحيق، حدد إميل بنفنيست ثلاثة خصائص تميز اللغة الإنسانية عن أشكال التواصل لدى الحيوان.

‌أ) الارتكاز على الصوت مما يمكن الإنسان من التواصل في عدة أوضاع وشروط فيزيائية بينما لا يمكن للحيوان القيام بذلك.

‌ب)تحرر العلامة اللسانية من الموضوع الخارجي الذي تشير إليه

‌ج) قابلية اللسان للتفكيك إلى وحدات صوتية ودلالية قابلة للتأليف، وإعادة التأليف إلى ما لا نهاية.

3- أطروحة أندري مارتيني:

تتميز اللغة الإنسانية بخاصية رئيسية وهي خاصية التمفصل المزدوج، والتي تعني أن اللغة تتكون من تمفصلين:

à التمفصل الأول: الفونيمات وهي أبسط وحدات صوتية غير دالة في اللغة وهي بمثابة الحروف في اللغة العربية.

ويمكن هذا التمفصل الإنسان من التأليف بين الوحدات الصوتية(الفونيمات) وتغيير مواقعها لإنتاج معاني متعددة، وهذا مؤشر على عمق وغنى اللغة الإنسانية وتميزها عن أشكال التواصل لدى الحيوان.

مثال: * ك، ل، م: - كلم * ب،ر - بر

- لكم - رب

- ملك * س،ه،م - سهم

- همس….

à التمفصل الثاني: المونيمات أو المورفيمات، وهي أبسط وحدات دالة في اللغة، وهي تسمح بالتأليف بينها لإنتاج معاني وأفكار لا متناهية..

\هكذا يمكن القول بأن انفراد الإنسان باللغة هو امتياز يسمح له بالارتقاء فوق مملكة العضويات الحية كما يرى الفيلسوف الألماني ارنست كاسيرر حيث يستطيع الإنسان تشكيل عوامل، رمزية شاسعة وغنية كالأسطورة والفن والدين والفكر… والخروج من رتابة العوالم المادية المباشرة.

II- طبيعة العلامة اللسانية.

العلامة(signe)§ عامة هي إشارة تدل على شيء أو فكرة

§ لسانية

§ غير لسانية: الإشارات، الرموز، الرقصات…

§ طبيعية: الحمام، الزيتون…

§ اصطناعية: علامات المرور، اللغة الإنسانية…

· الفرق بين العلامة والرمز: هيجلHegel

à نص هيجل:

يميز هيجل بين العلامة والرمز، فالعلامة ترتبط بعلاقة اعتباطية/ اتفاقية/ عرضية مع الشيء أو الفكرة التي تدل عليها سواء تعلق الأمر بالعلامات اللغوية أو بالعلامات المادية الاصطناعية مثل الألوان التي تستخدم في البواخر للإشارة إلى الأمة التي تنتمي إليها الباخرة. أما الرمز فيرتبط بعلاقة طبيعية مع ما يرمز إليه، علاقة تنبني على التشابه بين محتوى الرمز وخصائصه وبين المعنى المجرد الذي يرمز إليه، مثال:

§ الأسد، رمز للقوة

§ الثعلب، رمز للمكر

§ الدائرة رمز للأبدية

· العلامة اللسانية هي الوحدة الأساسية في اللغة، وهي الكل المركب من الدالة والمدلول

العلامة: الدالsignifiant

Signe المدلولsignifié

الدلالة signification

Éالدال: هو رمز يتكون من وحدات صوتية (=فونيمات) يختلف عددها من كلمة إلى أخرى، ويدخل الدال تحت النظام المادي في الدراسة اللغوية.

Éالمدلول: هو فكرة أو تصور ذهني مستخلص من الدال، وبهذا فهو ينتمي إلى ماهو مجرد و معنوي.

É الدلالة هي العلاقة بني الموجود ببين الدال والمدلول والتي تختلف حسب السياق.

à الإشكال : ماهي طبيعة العلاقة بين الدال والمدلول؟ هل هي علاقة طبيعية وضرورية أم اعتباطية وعرضية؟

1- الموقف التقليدي:

لقد اعتقد اللغويون القدماء وعلى رأسهم أفلاطون أن علاقة الكلمة بالشيء هي علاقة طبيعية تعكس فيها الكلمات أصواتا طبيعية وتحاكيها، مثل زقزقة العصافير خرير المياه… فلقد اعتبر أفلاطون أن الأسماء هي عبارة عن أدوات نسمي بها الأشياء، فهي –أي الأسماء- من صنع ووضع المشرع لأنه يستطيع وضع الأسماء على نحو طبيعي وبحسب الخصائص الذاتية التي تحملها هذه الأشياء، كما أنه وانطلاقا من محاكاة الأسماء لماهيات الأشياء وصفاتها يستطيع أن يضع لكل شيء اسما معينا يناسبه.

2- الموقف المعاصر:

‌أ) إرنست كاسيرر(Ernest Kassirer)

يقول كاسيرر” إن الأسماء الواردة في الكلام الإنساني لم توضع لتشير إلى أشياء مادية بل وضعت لتدل على معاني مجردة وأفكار لايمكن قراءتها في الواقع المادي ولا يمكن استخلاصها من جرس الكلمات وإيقاع الحروف، بل إن الكلمة أو الرمز لا تحيل في ذاتها إلى أي معنى أو مضمون إلا الذي اصطلح عليه المجتمع.

à استنتاجات:

Éالعلامات الموجودة في اللغة هي من وضع الإنسان، فهي ترجع إذن إلى مجرد المواضعة والاتفاق.

Éلم توضع اللغة لتعبر عن الواقع مباشرة، أي لتشير إلى أشياء مادية محسوسة، بل وضعت لتعبر عن الفكر، أي لتدل على أفكار وتمثلات ذهنية يسقطها الإنسان على أشياء الواقع المادي.

Éلايمكن استخلاص المعنى (المدلول) من جرس الكلمات (الدال)، وهذا يعني أنه لا توجد علاقة تشابه وضرورة بين الدال والمدلول، بل إن العلاقة بينهما حسب كاسيرر ترجع إلى مجرد المواضعة والإتفاق بين أفراد المجتمع.

‌ب)فرندناند دوسوسير(F. De saussure)

Ãنص: “عملية الدلالة بالعلامة اللسانية”

Éموضوع النص: العلاقة الموجودة بين الدال والمدلول وكيفية تشكل العلامة اللسانية

Éإشكال النص: ماهي العلاقة الموجودة بين الدال والمدلول؟

Éأطروحة النص: العلاقة الموجودة بين الدال والمدلول هي علاقة اعتباطية.

Éالبنية المفاهيمية للنص:

§ الصورة السمعية: هي أثر نفسي ناتج عن الصوت: أي أنها تمثل ذهني تمنحنا إياه حاسة السمع.

§ التصور: هو تمثل ذهني أو فكري أو مدلول يتعلق بشيء معين.

§ الدال المدلول والدلالة(انظر الدرس)

§ الاعتباط: يعني أن الدال غير مبرر ولا تربطه أية علاقة طبيعية في الواقع مع المدلول، بل هي مجرد علاقة مواضعة واتفاق.

§ حجج النص: يقدم النص مجموعة من الحجج للتأكيد على قوله باعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول:

o الحجة بالمثال: لا يمكن استخلاص معنى أخت من سلسلة الأصوات أ.خ.ت مادام أنه يمكن التعبير عنه بعدة ألفاظ بحسب اختلاف الألسن.

o المعنى الواحد يمكن التعبير عنه بعدة ألفاظ بحسب اختلاف اللغات.

يرى دوسوسير أن الدلالة اللسانية لا تجمع بين الشيء واللفظ بل بين دال ومدلول؛ فالعلاقة اللسانية لا تعبر مباشرة عن الشيء وإنما تعبر عن تصورنا حول هذا الشيء. ففكرة الشيء هي التي تنتج علامته اللسانية، فاللغة إذن هي تعبير عن الواقع كما يدركه الفكر.

III- اللغة و الفكر.

Ãالإشكال: “اللغة هي أداة للتعبير عن الفكر”

هل فعلا أن اللغة مجرد أداة للتعبير عن فكر سابق عليها؟

هل يمكن الحديث عن وجود فكر مستقل عن اللغة؟

هل العلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة انفصال أم اتصال؟

هل بإمكان اللغة التعبير عن كل مكونات الفكر؟

1- الموقف التقليدي/الانفصالي :

‌أ) أفلاطون: يميز بين وجود عالمين:

· عالم المثل: - عالم عقلي مفارق

(الفكر) - عالم المعقولات/الأفكار المثالية

- عالم الحقائق المطلقة والكاملة

· عالم الحس: - عالم مادي حسي

(اللغة) - عالم المحسوسات

- عالم أشباه الحقائق والظلال

يعطي أفلاطون الأسبقية للفكر على اللغة، فللفكر أسبقية أنطلوجية على اللغة أي أنه سابق في الوجود عليها. إن العلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة انفصال واستقلال: فمستودع الأفكار عند أفلاطون هو عالم المثل؛ فالأفكار المطلقة توجد في هذا العالم بدون كلمات لأن اللغة تنتمي إلى عالم آخر يأتي في مرتبة سفلى هو العالم المادي الحسي.

إذن فاللغة في نظر أفلاطون ليست سوى أداة للتعبير عن فكر سابق عليها.

‌ب)ديكارت (R. Descartes)

يرى ديكارت أن اللغة والفكر من طبيعيتين مختلفتين؛ فاللغة ذات طابع حسي مادي أما الفكر فهو ذو طابع روحي، ولذلك فالعلاقة بينهما هي علاقة انفصال واستقلال، والأسبقية هنا للفكر.

‌ج) شوبنهاور(Schopenhauer)

“الأفكار تموت لحظة تجسيدها في كلمات”

Éللفكر أسبقية على اللغة

Éليست اللغة سوى أداة للتعبير عن الفكر وإظهاره

Éالفكر أوسع نطاق من اللغة، وهذه الأخيرة لا تستطيع الإحاطة بكل جوانبه.

Éالعلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة انفصالية.

2- الموقف المعاصر/الاتصالي :

‌أ) دوسوسير

Ãنص: “لقد وقع إجماع الفلاسفة وعلماء اللسان على أننا نكون عاجزين بغير الاستعانة باللسان، عن التمييز بين فكرتين أو معنيين بكيفية واضحة وثابتة، ولو اعتبرنا الفكر ذاته لتبين لنا أنه عبارة عن سديم وعماء ضبابي ليس فيه بالضرورة شيء محدد، فليس هناك معان وأفكار قد سبق وضعها، ولا وجود لشيء متميز قبل ظهور اللسان… ويمكن أن نشبه اللسان بوجهي ورقة نقود: فالوجه هو الفكر، والظهر هو الصوت ولا يمكن أن نحدث قطعا في وجه الورقة دون أن نقطع في نفس الوقت ظهرها، وهكذا الحال مع اللسان، لا يجوز أن نعزل الصوت فيه عن الفكر ولا الفكر عن الصوت”.

Ãاستنتاجات:

Éلا يكون الفكر واضحا حسب دوسوسير- إلا من خلال كلمات اللغة التي تجزئه إلى أفكار يمكن التمييز بينها بدقة وجلاء؟ فبدون اللغة لا يمكن للفكر أن يتجسد بشكل كامل وواضح.

Éيشبه دوسوسير الفكر بكتلة ضبابية، فلكي يعبر عن ذاته لا بد أن يتجزأ إلى وحدات واضحة، وهو الأمر الذي تقوم به كلمات اللغة، كمالا يمكن الحديث في نظر دوسوسير عن فكر واضح قبل اتصاله باللغة، فالعلاقة بينهما هي علاقة اتصال ولا يمكن الحديث عن وجود أحدهما في غياب الآخر.

وهكذا يشبه دوسوسير اللغة بورقة نقدية وجهها الفكر وظهرها الصوت فلا يمكن أن نمزق الوجه دن أن نمزق الظهر، وكذلك الحال في ارتباط الصوت بالفكر.

‌ب)ميرلوبنتي

Ãنص: “الفكر والكلام”

- إشكال النص: كيف تتحدد علاقة الفكر بالكلام؟ هل هي علاقة انفصال أم اتصال؟ وهل يمكن القول إن الفكر سابق عن الكلام أم أنهما يتكونان في آن واحد؟

- أطروحة النص: ليس الفكر والكلام موضوعين منفصلين، ذلك أن كل منهما محتوى في الآخر، فالعلاقة بينهما هي علاقة وثيقة بحيث لا يمكن الحديث عن أسبقية أحدهما عن الآخر، فهما ينبثقان في آن واحد.

- حجج النص:

§ الحجة بالمماثلة: العلاقة بين الفكر والكلام لا تشبه العلاقة بين النار والدخان؛

لا يمكن اعتبار الكلام مجرد علامة على وجود الفكر مثلما الأمر بالنسبة لعلاقة الدخان بالنار، وهو ما نفهم منه رفض ميرلوبنتي للقول بأسبقية الفكر على الكلام ورفض العلاقة الانفصالية بينهما.

§ العلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة تماهي وتداخل إذ أن كلا منهما محتوى في الآخر، يؤخذ الفكر من الكلمات، والكلمات هي المظهر الخارجي للفكر.

§ أثناء عملية التذكر نتذكر الكلمات أسهل مما نتذكر الأفكار، وهذا أمر له دلالته بحيث أنه لايمكن تذكر الأفكار معزولة عن الكلمات. إذن فالكلام ليس مجرد وسيلة للتعبير عن الفكر بل هو الفكر نفسه وهو متجسد في قالب لغوي.

§ الأصوات تحمل في ذاتها المعنى، والكلمات هي ذاتها نص مفهوم، وقوة الكلام تأتيه مما يحمله من دلالة.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الارتباط الوثيق بين الفكر والكلام.

§ يرفض ميرلوبنتي أن يكون الكلام مجرد إشارة أو لباس للفكر، ويقول على العكس من ذلك إنه جسده وحضوره في العالم المحسوس.

Ãلاوجود لفكر خارج عالم الكلمات لأن الفكر الصامت هو نفسه ضجيج من الكلمات.

وفي الأخير يؤكد ميرلوبنتي على عدم وجود أسبقية بين اللغة والفكر بل يذهب إلى القول بأنهما يتكونان في آن واحد.

هل يمكن للغة التعبير عن كل مكونات الفكر؟

هناك أحوال يبدو فيها الفكر أوسع نطاق من اللغة، وتبدو هذه الأخيرة عاجزة عن التعبير عنه.

أ- الحالات الوجدانية العاطفية:

يرى هنري برجسون أن الفكر أوسع نطاق من اللغة، فهذه الأخيرة تظل عاجزة عن التعبير عن كل معطيات الفكر، وفي هذا الإطار يميز برجسون بين وجود عالمين يعيشهما الإنسان:

· عالم داخلي: وهو عالم الحالات الفكرية، والشعورية والوجدانية

· عالم خارجي: وهو عالم الأشياء والموجودات المادية.

ولقد جاءت اللغة من أجل تلبية حاجة الإنسان/العقل لاستيعاب العالم المادي و السيطرة عليه، ولما كان العقل لا يحقق هذا الاستيعاب وهذه السيطرة إلا باللجوء إلى عملية التجزئ والقياس الكمي، فإنه يستعمل نفس الطريقة حتى وهو يتعامل مع الأشياء غير المادية وخصوصا ظواهر الحياة النفسية الداخلية، ولما كانت هذه الظواهر لا تقبل التجزيء، فإن العقل ولغته يظلان إما عاجزين عن التعبير عن هذه الظواهر الوجدانية والشعورية في خصوصيتها وتفردها، وإما يتعسفان عليها بتحويلها إلى أشياء(التشييء) وهو ما يضعف من مكوناتها وطاقاتها الكاملة.

ب- الحالات الصوفية:

يعيش رجال التصوف تجارب روحية من خلال ما يقومون به من طقوس دينية، وهي تجارب متفردة ومتميزة لا يدركها إلا المجرب/الصوفي. كما أنه لا يستطيع أن يعبر عنها بواسطة اللغة لأنها حالات روحية تتجاوز عالم الكلمات خصوصا، وأن اللغة ذات أصل اجتماعي مما يجعلها لا تواكب العوالم الروحية التي يرتادها الصوفي.

ج- حالات الفكر العلمي:

العلماء في مجال الرياضيات مثلا يصلون إلى أفكار لا تستطيع اللغة الطبيعية التعبير عنها، فيلجؤون إلى وسائل تعبيرية أخرى تتمثل أساسا في اللغة الصورية الرمزية، وهذا مثال آخر على قصور اللغة وعدم قدرتها على مواكبة الفكر والإحاطة بكل جوانبه.

د- الحالات الفنية:

لجوء الإنسان إلى بعض الوسائل التعبيرية كالرسم والموسيقى هو دليل آخر على عجز اللغة عن التعبير عن كل مكونات الفكر.

\إن إشكالية العلاقة بين اللغة والفكر تحمل في طياتها إشكاليات أخرى عديدة ومعقدة ومتداخلة. ومن أبرز هذه الإشكاليات إشكالية الوظائف التواصلية للغة باعتبارها مواضعة اجتماعية وتأليفا بين عدة عناصر. فكيف يتحدد التواصل بواسطة النسق اللغوي؟ هل يتحقق التواصل في إطار من الشفافية والوضوح أم أن عملية التواصل تدخل عوامل تقصي الشفافية؟

IV- وظائف اللغة.

تقول جوليا كرستيفا: “إذا كانت اللغة مادة للفكر، فهي أيضا عنصر للتواصل الاجتماعي، فلا مجتمع بدون لغة كما أنه ليس هناك مجتمع بدون تواصل”

Ãالإشكال: كيف تؤدي اللغة وظيفة التواصل؟

أثناء التواصل، هل تقوم اللغة بوظيفة الكشف والإظهار أم الإخفاء والإظهار؟

1- وظيفة الكشف والإظهار : جاكوبسون

تقوم اللغة بوظيفة أساسية هي تحقيق التواصل.

ماهو التواصل؟

التواصل هو نقل خبر أو معلومة من طرف أول يسمى مرسل إلى طرف ثاني يسمى متلقي أو مرسل إليه.

كيف تؤدي اللغة وظيفة التواصل؟

تتطلب عملية التواصل ستة عناصر أساسية كلما ركزنا على عنصر من هذه العناصر الست إلا وأدت اللغة وظيفة معينة.وهو ما يمكن توضيحه من خلال الخطاطة التوضيحية التالية:

المرجع (وظيفة مرجعية/إخبارية)

المرسل الرسالة (وظيفة شعرية) المرسل إليه (وظيفة انفعالية (وظيفة تأثيرية)

القناة (وظيفة اتصالية)

السنن (وظيفة واصفة)

· الوظيفة التعبيرية/الانفعالية: وهي ما تسعى رسالة ما تحقيقه من خلال التعبير الانفعالي للمرسل.

· الوظيفة التأثيرية: وهي الطرية التي قد يضطر المرسل إلى نهجها من أجل التأثير على المتلقي

· الوظيفة الاتصالية: وهي الصيغ اللغوية التي قد يلجأ إليها المرسل حتى لا يكون هناك فتور في التواصل، وهي قد تتم من خلال عدة قنوات، كلام شفوي مباشر، هاتف فاكس…

· الوظيفة الشعرية: وهي الصور التي يجب أن تتحقق في الرسالة ذاتها عل مستوى جمالية التعبير والأنساق اللغوي وضبط للقواعد واحترام لها.

· الوظيفة الواصفة: وهي وظيفة يمكن أن تتجلى في كل دراسة لخطاب من الخطابات أو رسالة من الرسائل، في هذه الحالة تتخذ الرسالة صور تحليلية أو نقدية أو شروح…إلخ.

Éإن سرد الوظائف بهذا الشكل يبين أن الرسالة الواحدة يمكنها أن تقوم بكل هذه الوظائف، لذلك قال جاكبسون إن تحديد رسالة ما بالوظيفة المهيمنة لا يجب أن تحجب عنا الوظائف المتبقية. غير أن اللغة أثناء عملية التواصل لا تتم ممارستها في إطار من الوضوح والشفافية دائما، بل تصبح اللغة أيضا وسيلة للإظهار والإخفاء.

2- وظيفة الإظهار والإخفاء: دوكرو

يرى دوكرو أن اللغة تحمل في ذاتها وسائل للإخفاء والإظهار حيث يتخذ كل فرد الحيطة والحذر في كلامه، فيظهر كل ما يمكن أن يحاسب عليه، وتعود ضرورة الإظهار في اللغة إلى سببين رئيسيين:

§ المحرمات اللغوية الموجودة في كل جماعة بشرية.

§ كل قول قابل للنقد والاعتراض عليه من طرف الآخرين.

وهكذا يعتبر دوكرو أن اللغة ليست مجرد شرط لحياة اجتماعية أو أداة لنقل أخبار واضحة وجلية، بل إنها نمط لحياة اجتماعية ولمعيش يومي، أي أنها حاملة للأنظمة السياسية والدينية والأخلاقية ولطقوسها التحريمية.

إن اللغة والحالة هاته هي بمثابة قواعد لعب يومي، ليس بالمعنى المبتذل لكلمة لعب بل بمعناه كإستراتيجية تعتمد على الحساب والتقدير المسبق للنتائج.

3- الوظيفة السلطوية/رولان بارت(R. Barthes)

تقوم اللغة بوظيفة سلطوية على الفرد الناطق بها، وتتجلى هذه السلطة في مستويين رئيسيين:

‌أ) مستوى الشكل: حيث لا يمكن للمتحدث بلغة ما أن يخرق قواعدها النحوية والصرفية، وإلا سيعتبر كلامه خاطئا أو خارجا عن الصواب وحسن الأخلاق، كأن يخاطب المذكر مؤنثا أو العكس.

من هنا فاللغة تمارس سلطة على الفرد مادام ينضبط لمنطقها وتركيبها الخاص.

‌ب)مستوى المضمون: إن الشخص الذي يتعلم لغة ما يستبطن في نفس الوقت ما تحمله تلك اللغة من مضامين اجتماعية وقيم فكرية، وهي التي تتحكم في مواقفه وسلوكاته فيما بعد.وهذا مظهر من مظاهر سلطوية اللغة. وفي هذا الإطار يرى بارت أن اللغة تنطوي تبعا لبنيتها ذاتها على علاقة استلاب محتومة، فكل لغة تحدد بما تلزم بقوله أكثر مما تحدد بما تسمح بقوله، ويمكن القول مع رولان بارت بأنه ما إن ينطق لسان حتى ينخرط في سلطة معينة، فأن تتكلم ليس هو أن تتواصل بل أن نسود ونسيطر.

\نستخلص إذن أن اللغة لسان اجتماعي له وظائف متعددة منها ما يتعلق بخدمة الذات المفكرة فتعبر عن الأفكار وتقوم بعمليات التحليل والتأمل والمناقشة وغيرها من العمليات العقلية. أما فيما يتعلق بالتواصل، فلا تقتصر وظيفة اللغة على تبليغ رسالة والكشف عن أفكار، بل هي وسيلة للإخفاء والنفاق والتظاهر والتزييف، كما أن اللغة خزان اجتماعي لثقافة الشعوب والحضارات إذ بتعلم لغة ما نضطلع في نفس الوقت على حضارة أهلها. هكذا تلعب اللغة أدوارا متعددة بالنسبة للفرد والمجتمع، أهمها فرض السلطة الخاصة بها كلغة لها سنن خاص ومضمون اجتماعي معين.

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 06:22 PM
ما هي اللسانيات؟ (سؤال/ جواب).

إنّ الطابع العلمي للدرس اللساني جعلني أفكّر في طريقة رأيتها الأمثل لتقريب الفكر اللساني إلى المتلقي العربي، فحاولت أن أتقمّص دور هذا الأخير لأخمّن في بعض الأسئلة التي قد يطرحها للاستفسار عن خفايا و مزايا هذا العلم، لأنتقل بعد ذلك إلى الإجابة عنها بطريقة موجزة و مبسطة، و لتكن البداية في السؤال العام الذي عنونت به المقال:
س: ما هي اللسانيات؟
ج: اللسانيات علم يتميّز عن باقي الدراسات اللغوية بامتلاكه مجموعة من الخصوصيات المعرفية المتمثلة في المناهج و المفاهيم و المصطلحات الخاصة، كما أنّه يتّسم بالموضوعية و العلميّة.
س: بما أنّه يتّسم بالموضوعية، فما هو موضوعه؟
ج: موضوع اللسانيات هو اللسان.

س: إذا كان موضوعها اللسان و هي دراسة علمية، فلماذا لا تسمى بعلم اللسان؟
ج: بالفعل، يسمى هذا العلم أيضا بعلم اللسان، لكن المترجمين العرب يفضلون تسميته باللسانيات قصد الاختصار، تماما مثل ما هو الحال عند الغرب، و هذه الطريقة تستعمل في تسمية علوم مختلفة، كالصوتيات و السيميائيات و الرياضيات...بإضافة اللاحقة "يات" للدلالة على العلم، ففي الفرنسية -مثلا- تٌضاف اللاحقة (tique) التي نجدها في: Linguistique (لسانيات) و Sémiotique (سيميائيات أو سيميائية) و Phonétique (صوتيات)...
س: و ما هو اللسان؟
ج: اللسان نظام تواصلي.
س: أ ليست اللغة و الكلام كذلك؟
ج: لا يجب أن نخلط بين اللغة و اللسان و الكلام: اللسان هو عبارة نظام تواصلي (بمعنى معيار أو مجموعة من القوانين المتحكمة في التواصل البشري)، على أن يكون ذلك في بيئة لغوية متجانسة (مشتركة في الثقافة و الحضارة...)، و يقنِّن اللسان التواصل البشري للفرد المثالي (=متكلم/مستمع). أمّا اللغة فهي تلك الملكة الإنسانية التي يتميّز بها الإنسان عن باقي المخلوقات (مثل ميزة العقل)، فإذا استغل هذه الميزة فبإمكانه أن يٌصيب و بإمكانه أن يُخطئ، فالمهم أن يتمكّن من التعبير و التواصل؛ لذلك يمكننا أن نصف اللغة بالصحيحة أو الخاطئة، بينما لا يمكننا أن نصف اللسان بذلك لأنه أصلا مجموعة من القوانين الصائبة. أما عن الكلام فهو الإنجاز الفعلي للسان في الواقع، أي أنّه الجانب التطبيقي أو العملي للسان، لذلك يمكننا هنا أيضا أن ندرس كلام الأفراد مقارنة بالقوانين التي يفرضها اللسان، فنقول إنّ هذا الفرد طبّق القاعدة أو اخترقها. تماما مثل السارق -مثلا- الذي يعرف أنّ السرقة غير مشروعة؛ لكنّه بالرغم من ذلك يسرق. و ألخص كل ذلك في هذه الجملة: المتكلم يتكلم (كلاما) بالاستعانة بقوانين (اللسان) عن طريق ملكة (اللغة).
س: من أي ناحية يُدرس اللسان؟
ج: يُدرس اللسان من أبعاده الثلاثة، و هي البعد الصوتي و البعد الدلالي و البعد التركيبي، أما البعد الصوتي فيخصّ تتابع الأصوات و ترتيبها حسب قوانين اللسان المعيّن، بينما يتعلق البعد الدلالي بالمعاني أو ما يسمى بالأفكار أو المفاهيم، و يتمثل البعد التركيبي في تلك العلاقات الوظيفية التي تحدد طبيعة التراكيب اللسانية.
س: هل تٌدرس هذه الأبعاد في آنٍ واحد؟
ج: لكل بعد من هذه الأبعاد علاقة بالبُعدين الآخرين، و لا يمكن الفصل بينهم كليا، لكن الدراسات اللسانية حدّدت لكل بعد علما جزئيا خاصا به.
س: ما هي هذه العلوم الجزئية؟
ج: تتمثل هذه العلوم في: الصوتيات (علم الأصوات العام و علم الأصوات الوظيفي)؛ و هو علم يهتم بالبنية الصوتية. ثمّ علم الدلالة الذي يهتم بالبنية الدلالية، و يليه علم التراكيب (النحو و الصرف) الذي يهتم بالبنية التركيبية.
س: من هو العالم الذي اكتشف كل ذلك؟
ج: بالرغم من وجود دراسات لغوية قديمة في غاية الأهمية؛ كالدراسات الهندية و اليونانية و العربية، إلاّ أنّ الفضل في إعطاء هذا الطابع الجديد لعلوم اللغة يعود إلى العالم السويسري "فارديناند دو سوسير"، الذي وضع قطيعة إبستيمولوجية بين الدراسات القديمة و الدراسات الحديثة التي سماها (لسانيات).
س: هل تستند اللسانيات على علوم أخرى؟
ج: بالطبع، تستعين اللسانيات بعلوم كثيرة، أذكر منها، التعليمية و علم النفس و علم الاجتماع و الأنثروبولوجيا و الجغرافيا... و نجم عن هذا الاحتكاك ما يسمى باللسانيات التطبيقية و علم النفس اللساني و علم الاجتماع اللساني و اللسانيات الأنثروبولوجية و الجغرافيا اللسانية...
س: نعود إلى اللسان لنتسائل: هل يمكن تحديد محتوى اللسان ككل و دراسته باعتباره مجموعة هائلة؟
ج: لا، لا يمكن تحديد محتوى اللسان، فهو مجموعة غير منتهية من الوحدات.
س: ما هي تلك الوحدات؟ هل لها تسمية؟
ج: بالطبع لها تسمية، فهي أساس الدراسة اللسانية، تماما مثل المسافة التي تقاس بالسنتيمتر و الكتلة التي تقاس بالغرام... اللسان وحدته هي العلامة اللسانية (حسب دوسوسير و كل من جاء بعده).
س: كيف نلمس هذه العلامة، و ما هي؟
ج: هذا سهل جدا، الأمر يشبه نوعا ما المصطلح التقليدي "كلمة" مع التحفظ طبعا، ذلك أنّ دوسوسير لا يحبذ هذا التشبيه، لأنّ مصطلح كلمة قاصر، بينما مصطلح علامة لسانية فهو الأمثل، لأنّه يدل على شيئين هما وجها العلامة (دال/مدلول)، اللذان لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض، تماما مثل القطعة النقدية أو الورقة اللتان لا يمكن فصل وجهيهما عن بعضهما البعض (حسب رأي دوسوسير). أمّا الدال فهو الصورة السمعية للعلامة اللسانية (ما نسمعه)، بينما يمثل المدلول المفهوم أو الفكرة التي تنطبع في الذهن بعد سماع الصورة السمعية للعلامة.

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 06:58 PM
نظريات نشوء اللغة

عرض ونقد



تقديم:

ما هي حقيقة العلاقة بين الألفاظ ومعانيها ؟ هل تحمل حروف الدالّ ( الاسم ) قيمةً تعبيريّةً كافية للدلالة على المدلول ( المُسمّى )، أم أن الدالّ مجرّد رمزٍ مهمّته الإشارة إلى المدلول ؟

أسئلة كثيرة يمكن أن تُطرح في هذا المقام؛ فهذه القضيّة شغلت الذهن البشري منذ عهود طويلة، ودائماً كانت تجد من يحاول الإجابة عليها مُنطلِقاً من مرجعيات فكرية متعددة؛ دينية حيناً وفلسفيّة حيناً آخر.

وعلى الرغم من تعدّد الإجابات فإنها – وفي العصور جميعاً – كانت تتمحور حول نظريات ثلاث، لم يطرأ عليها أي تغيير يُذكر، بل إن التغيير الوحيد كان في أصحاب هذه النظريات وطرق البرهنة عليها.

وفي هذا البحث سنحاول التعريف بهذه النظريات والمآخذ التي أُخِذت عليها، خالصين من ذلك كلّه إلى رأي توفيقيّ نراه الأكثر منطقيّة وعقلانيّة.



نظريات نشوء اللغة:

1- نظرية التوقيف:

يرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة هبة من الله تعالى، ولا شأن للإنسان بوضعها ، وأوّل من قال بهذه النظرية كان الفيلسوف اليوناني هيرقليطس الذي رأى أن ( الأسماء تدل على مُسمّياتها بالطبيعة لا بالتواطؤ والاصطلاح، وأن هذه الأسماء قد أعُطيت من لدن قوّة إلهيّة لتكون أسماء لمسمَّياتها )[1].

واستمرّت هذه النظرية في العصور الوسطى، ولاقت قبولاً عند رجال الدين المسيحي، ولم تعد براهين هذه النظرية تعتمد على الأدلّة العقليّة والفلسفيّة فحسب؛ بل أضحت تستمدّ شرعيتها من الكتب السماويّة ( الإنجيل والتوراة )، من ذلك الجملة التي وردت في صدر إنجيل يوحنّا : ( في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله )[2].

واستمرّت هذه النظريّة بعد ظهور الإسلام، بل ازدادت قوّة بفضل آية قرآنيّة رأى معظم المفسرين أنها دليل على توقيفيّة اللغة ، وهي قوله تعالى : ( وعلّم آدم الأسماء كلّها )[3]، وتابع عدد من علماء العربية المفسرين فيما ذهبوا إليه من القول بتوقيفيّة اللغة، منطلقين في ذلك من الآية القرآنيّة ذاتها، وأهمهم : ابن دريد في كتابه الاشتقاق، وابن فارس في كتابيه : الصاحبي في فقه اللغة، ومعجم مقاييس اللغة.

أمّا في العصر الحديث فقد انحسرت هذه النظرية نوعاً ما، إلاّ أنها لم تندثر نهائياً، ففي القرن الثامن عشر نادى بها المفكر الفرنسي دي بونالد، الذي رأى أن ( اللغة ليست تواطئيّة من خلق الإرادة البشرية فالناس لم يتفقوا فيما بينهم على أن يكون ثمّة لغة فكان هناك لغة . . . فالإنسان لا يقدر على خلق شيء ما لم يكن لديه فكرة صريحة عنه، ولكي يحصل على هذه الفكرة الصريحة ينبغي له أن يعبّر عنها، إذن اللغة واجب وجود لمنشأ اللغة ذاتها، مما يفيد أن اللغة ليست من عمل القوى البشرية، إنها من لدن الله )[4].

والحق أن ما ذهب إليه دي بونالد بقوله : ( إن اللغة واجب وجود لمنشأ اللغة ذاتها ) ليس فتحاً جديداً، فقد سبقه إليه السيوطي بقوله في كتابه المزهر : ( لو كانت اللغات اصطلاحيّة لاحتيج في التخاطب بوضعها إلى اصطلاح آخر من لغة أو كتابة يعود إليه الكلام )[5].

وبعد هذا العرض السريع لتاريخ هذه النظرية؛ يجدر بنا الوقوف عند قوله تعالى : ( وعلّم آدم الأسماء كلّها ).

ذكرنا أن معظم المفسرين ذهب إلى أن اللغة توقيفيّة، ودليل توقيفيتها هو هذه الآية ، وأخذ كلٌّ منهم يفسرها بالشكل الذي يجعل من توقيفيّة اللغة أمراً لا محيد عنه، وتعدّدت الآراء وتشعبت في ماهيّة هذه ( الأسماء ).

فابن جني يرى أن ( الله سبحانه علّم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات العربية والفارسيّة والسريانيّة والعبرانيّة والروميّة وغير ذلك من سائر اللغات، فكان آدم وولده يتكلمون بها، ثمّ إن ولده تفرقوا في الدنيا وعلق كلٌّ منهم بلغة من تلك اللغات، فغلبت عليه واضمحلّ عنها ما سواها لبعد عهدهم بها )[6].

وذهب بعض المفسرين إلى أنّه علمه أسماء ذريته، وبعضهم الآخر إلى أنّه علمه أسماء النجوم، وبعضهم إلى أنه علمه أسماء الملائكة، وبعضهم إلى أنه علمه أسماءه الحسنى.

بل إن بعضهم نسب إلى رسول الله (ص) حديثاً بادي الوضع، ونصه: ( عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أي كتاب أنزل على آدم عليه السلام؟ قال:كتاب المعجم، قلت أي كتاب المعجم؟ قال: أ – ب – ت – ث – ج، قلت يا رسول الله كم حرفاً؟ قال تسعة وعشرون حرفاً )[7].

والحق أن الاختلاق ظاهر في هذا الحديث، ولأسباب عدة منها:

1- عدم عثورنا على هذا الحديث في معظم كتب السنّة .

2- لم تكن الحروف في عهد الرسول (ص) معروفة بهذا الترتيب وبهذا العدد، فأوّل من رتّب الحروف بهذا الشكل كان نصر بن عاصم الليثي (ت: 90هـ ).

أمّا قوله تعالى: ( وعلّم آدم الأسماء كلّها ) والذي ذهب فيه المفسرون مذاهب شتّى، فإننا نرى فيه أن الله لم يعطِ آدم الأسماء بل أعطاه القدرة على وضعها، أي ما يمكن لنا أن نسميه بالفضول البشري المعرفي[8]، ويؤيّد هذا المذهب أشياء عدّة منها:

1- ورد في موضع آخر من القرآن الكريم قوله تعالى: ( إن هي إلاّ أسماء سميتموها )[9]، حيث نُسِب وضع الأسماء إلى البشر لا إلى الله.

2- جاء في سفر التكوين الأصحاح الثاني ما يدعم هذا الرأي؛ أي القول بأن آدم هو من وضع الأسماء، ولكن الله وضع فيه القدرة على وضعها، ونصه: ( وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء، فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس حيّة فهو اسمها )[10].

3- يمنعنا من القول بتوقيفيّة اللغة أشياء عدّة منها:

آ- لا يصحّ إذا كانت اللغة من عند الله تعالى وجود التضاد في اللغة ( كالجون الذي يدلّ على الأبيض والأسود ) لأن هذا التضاد تناقض يتنافى والحكمة الإلهيّة، كما أنها لو كانت من عند الله ( لما كان للشيء الواحد أسماء متعددة وللاسم الواحد معان كثيرة )[11].

ب- لو كانت اللغة من عند الله لما كانت – كما يقول دوسوسير – ( عاجزة جذرياً عن الدفاع عن نفسها ضد العوامل التي تنقل من لحظة إلى أخرى العلاقة بين الدال والمدلول، وهذه إحدى نتائج اعتباطيّة العلامة )[12].

ج- لو أن آدم عليه السلام أُعطي كل الأسماء والكلمات – كما يرى بعض اللغويين – لأعطي كلمات لم يُعرف معناها في ذلك العصر، كالحاسوب والطائرة وغيرها، ولكن لم تصلنا في الأخبار المنقولة كلمات كهذه.

د- أيّة حكمة في تعلّم آدم عليه السلام اللغات التي ذكرها ابن جنيّ، إن وظيفة اللغة الأساسية هي التواصل، ولغة واحدة كفيلة بتحقيق هذا التواصل.

والخلاصة: إننا لا نرفض هذه النظرية جملة وتفصيلاً، بل نرى أن التوقيفيّة – إذا كانت موجودة – فهي مقصورة على القدرة الكامنة التي وضعها الله في الإنسان، والتي سمحت له بوضع الأسماء.



2- نظرية المحاكاة:

ملخص هذه النظرية أن اللغة نشأت عن محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة المحيطة به، وأقدم الأقوال التي وصلتنا حول هذه النظرية كانت للفراهيدي وتلميذه سيبويه، فقد نقل لنا ابن جني في الخصائص ما نصّه: ( قال الخليل كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدّاً، فقالوا: صرّ، وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً، فقالوا: صرصر، وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على فَعَلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة نحو: النقزان والغليان، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال )[13]، وقَبِل ابن جني بهذا الرأي ورجحه بقوله: ( وذهب بعضهم إلى أنّ أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوِيّ الريح وحنينِ الرعد وخرِير الماء وشحِيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزِيبِ الظبي ونحو ذلك ثم ولدتِ اللغات عن ذلك فيما بعد وهذا عندي وجه صالح ومذهب مُتقبَّل )[14].

وتابعت هذه النظرية ظهورها في العصور الحديثة، فتبنّى العالم ( وتني ) ما ذهب إليه ابن جنّي بحرفيته تقريباً، إذ رأى ( أن اللغة نشأت عن طريق محاكاة الإنسان للأصوات الطبيعية التي كان يسمعها حوله )[15]، وبالغ بعضهم في قيمة هذه النظرية كعبد الله العلايلي ( الذي يزعم أن كلّ حرف من حروف الأبجدية العربية يدلّ على معنى خاصّ، وأنّه إذا عرفت معاني الحروف أمكن معرفة معنى الكلمة العربية ولو لم تكن معروفة من قبل، ثمّ يمضي فيجعل لهذه الحروف معاني فلسفيّة لا نظنّ أنها خطرت يوماً على قلب الإنسان العربي القديم )[16].

والحقّ أن هذه النظرية فيها من المبالغة ما يجاوز حدّ المعقول، فلو كانت اللغة بكاملها محاكاة للطبيعة لما تعدّدت لغات العالم،ولَكان للعالم لغةٌ واحدة لا غير.

إلاّ أن هذه النظرية تحمل شيئاً من الصواب، فبعض الألفاظ تُعتبر صدىً لأصوات الطبيعة كالحفيف والخرير والزفير والصهيل والعواء، كما أن بعض الألفاظ قد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالدلالات في بعض الحالات النفسيّة، كالكلمات التي تعبّر عن الغضب أو النفور أو الكره، كما أنّه غدا معروفاً في العربية أن زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، وهذا ما أشار إليه سيبويه والخليل آنفاً[17].

والخلاصة: إننا لا نستطيع أن نردّ كلّ ألفاظ اللغة إلى محاكاة الطبيعة، كما أننا لا نستطيع أن نهمل هذه النظرية إهمالاً تامّاً، فهناك قسط لا بأس به من ألفاظ العربية يمتّ بصلة وثيقة إلى أصوات الطبيعة.



3- نظرية الاصطلاح :

يرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة اصطلاح وتواضع يتمّ بين أفراد المجتمع، ومن ثمّ ليس لألفاظ اللغة أيّة علاقة بمسمياتها.

وأوّل من قال بهذه النظرية كان الفيلسوف اليوناني ديمقريطس الذي ( اعتبر مَنشَأ اللغة عملية تواطئيّة؛ لأن الاسم الواحد ذاته كثيراً ما يقبل عدّة مسميات، ولأنّ الشيء الواحد كثيراً ما يقبل عدّة أسماء أو قد يتبدّل اسمه ولا يتبدّل هو، وتوسعاً بهذا المبدأ انتهى ديمقريطس إلى القول بأن الأسماء تُعطى للأشياء من لدن الإنسان لا من لدن قوّة إلهيّة )[18].

وعلى الرغم من سيطرة النظرة الدينية التوقيفيّة في المجتمع الإسلامي؛ فإن ذلك لم يمنع بعض اللغويين العرب من القول بالاصطلاح، وهذا ما يبدو جلياً من خلال قول ابن جنّي في الخصائص: ( أكثـر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف )[19].

وتابعت هذه النظرية في العصور الحديثة استمراريتها، حيث لاقت قبولاً عند الأب الروحي للدراسات اللغوية الحديثة فردينان دوسوسير، فهو يقرّر منذ البداية أن ( الرابط الجامع بين الدال والمدلول هو اعتباطي )[20]، ويبرّر ذلك بقوله: ( وحجتنا في ذلك إنما هي الاختلافات القائمة بين اللغات ووجود اللغات المختلفة )[21]، ولكن دوسوسير ما لبث أن أقرّ بوجود شيء من العلاقة بين الدال والمدلول، إذ يرى أن ( هناك بعضاً من ملامح الرابط الطبيعي بين الدال والمدلول )[22]، ثمّ يرى أن الفرد ليس لديه ( القدرة على تغيير أي شيء في علامة ما، وذلك عند ثبوتها وتمكنها في مجموعة لغوية )[23].

وعلى الرغم من منطقيّة ما تطرحه هذه النظريّة فإنها تعرّضت لاعتراضات عدّة، منها الاعتراض القائل بحاجتنا إلى لغة تكون وسيلة التخاطب حتّى نتمكّن من وضع لغة، وهذه الفكرة هي التي أشار إليها كلٌّ من السيوطي ودي بونالد في العبارات التي اقتبسناها عنهما عند الحديث عن النظرية التوقيفية، كما أشار إلى الفكرة ذاتها العالم الألماني ماكس مولر الذي رأى أن ( اللغة الإنسانيّة الأولى لم تكن نتيجة تواضع واتفاق خلافاً لما ذهب إليه أصحاب النظرية التواطئيّة، إذ لو كان الأمر كذلك – وهو ما تأباه طبيعة النظم الاجتماعيّة – لوجب أن يكون في أيدي المتواضعين وسيلة للتفاهم فيما بينهم، ولا يمكن أن تكون هذه الوسيلة؛ اللغة الصوتيّة؛ لأن المفروض أن اللغة الصوتيّة هي موضوع التواضع )[24].

والخلاصة: إن قسماً كبيراً من مفردات اللغة قد وُضِع عبر الاصطلاح، فما تقوم به مجامع اللغة العربية لا يعدو أن يكون اصطلاحاً وتواضعاً، ولكن ذلك لا يعني أن اللغة كلها قد وُضِعت على هذا الأساس.



وجهة نظر:

إن موقفنا هو موقف توفيقي سلكه عدد من الباحثين منذ القِدم، فمنذ العصور الأولى وفّق أفلاطون بين كلٍّ من رأي هيرقليطس التوقيفي ويمقريطس الاصطلاحي، وفي العصور الوسطى في الغرب المسيحي، اعتنق لواء التوفيق القديسُ غريغوريوس حيث يقول: ( أن يكون الله قد وضع في الطبيعة البشرية كل ملكاتها المألوفة فهذا لا يعني أنّه علّة كلّ الأفعال المباشرة التي نقوم بها، أجل لقد وضع فينا ملكة بناء البيت، كما وضع فينا الملكات المحققة للأفعال الأخرى، لكننا نحن البانون لا هو، وهكذا قل عن اللغة )[25].

كما ذهب القاضي أبو بكر في الشرق الإسلامي إلى التوفيق، فرأى أن تعليم الله الأسماءَ لآدم قد حصل بالإلهام، وأنه وضع في الإنسان مَلَكَة الخلق، ثمّ تركه يخلق على هواه[26].

وقد تابع هذا النهج الألماني ماكس مولر الذي يقول بعد أن يفنّد دعوى كلٍّ من التوقيفيّة والتواطئيّة: ( لم يبقَ إلاّ تفسير واحد معقول لهذه الظاهرة وهو أن الفضل في نشأة اللغة يرجع إلى غريزةٍ زُوِّد بها الإنسان في الأصل للتعبير عن مدركاته )[27].

وأرى أن اللغة هي كلّ ما تقدّم، فهي توقيف واصطلاح ومحاكاة،؛ فهي توقيف باعتبار الغريزة التي أودعها الله فينا، ومن خلال هذه الغريزة رحنا نضع الكلمات طوراً عبر محاكاة الطبيعة وأطواراً عبر التواضع والاصطلاح، ولكن إذا كان النصيب الأكبر من لغتنا قد وُضِع بالتواضع والاصطلاح؛ فما هو سبب شعورنا بتلك العلاقة الحميمة بين اللفظ ومعناه؟

إن معظم ما نشعر به من تناسب ( بين الألفاظ والمعاني أمر مكتسب نشأ بعد معرفة السامع بالمعنى لا قبله، ولذلك يتعذّر على الأجنبي أن يحسّ بشيء من هذا التناسب الدلالي الصوتي ما لم يكن على معرفة باللغة )[28].

هذه العلاقة المكتسبة يسميها إبراهيم أنيس؛ الصلة المكتسبة بين الألفاظ والمعاني، ويرى أن الخطأ الذي وقع فيه دارسو اللغة هو عدم التفريق بين الصلة الطبيعيّة الذاتيّة والصلة المكتسبة إذ ( لا شكّ أن بين الألفاظ ودلالاتها صلة، ولكنها صلة مكتسبة؛ أي لم تنشأ مع تلك الألفاظ أو تولد بمولدها، وإنما اكتسبتها الألفاظ اكتساباً بمرور الأيام وكثرة الاستعمال )[29]


1- الأنطاكي، محمد، دون تاريخ، الوجيز في فقه اللغة، الطبعة الثانية، مكتبة دار الشرق – بيروت، ص: 56 .

2- الإنجيل المقدّس، جمعيات الكتاب المقدّس المتّحدة – بيروت، إنجيل يوحنّا – الإصحاح الأوّل : 1 .

3- القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية : 31 .

4- الحاج، كمال يوسف، في فلسفة اللغة، الطبعة الثانية – 1978م ، دار النهار – بيروت، ص : 26 .

5- السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق : فؤاد علي منصور، الطبعة الأولى – 1998م ، دار الكتب العلميّة – بيروت ، ص : 19،ج : 1 .

6- ابن جني، أبو الفتح عثمان، الخصائص، دون طبعة – دون تاريخ ، عالم الكتب – بيروت، تحقيق : محمد علي النجار، ص : 41، ج : 1 .

7- ابن عبد الله القسطنطيني، مصطفى، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، الطبعة الأولى – 1992م، ص: 25، ج: 1.

8- يُنظر الأنطاكي، ص: 59، والحاج، ص: 22.

9- القرآن الكريم، سورة النجم، الآية : 23.

10- الكتاب المقدّس – دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط – القاهرة، الإصدار الثالث – الطبعة الأولى 2005م، العهد القديم – سفر التكوين – الإصحاح الثاني: 19.

11- الأنطاكي، ص: 368.

12- دوسوسير، فردينان، محاضرات في الألسنيّة العامّة، تر: يوسف غازي ومجيد النصر، دار نعمان للثقافة – لبنان، دون تاريخ ودون طبعة ، ص: 97-98.

13- ابن جني، ج:2، ص: 152.

14- ابن جني، ج: 1، ص: 46 – 47.

15- الأنطاكي، ص: 62.

16- الأنطاكي، ص: 374.

17- يُنظر: أنيس، إبراهيم، الألفاظ ومعانيها كانت رموزاً لدلالاتها، مجلة العربي الكويتية، العدد: 100، آذار 1967م،ص: 134.

18- الأنطاكي، ص: 56.

19- ابن جني، ج: 1، ص: 40.

20- دوسوسير، ص: 89.

21- دوسوسير، ص: 90.

22- دوسوسير، ص: 91.

23- دوسوسير، ص: 91.

24- الأنطاكي، ص: 64.

25- الحاج، ص: 20.

26- يُنظر الحاج، ص: 22، ويُنظر رأي قريب من هذا للسيوطي في المزهر، ج: 1، ص: 22.

27- الأنطاكي، ص: 64.

28- قدور، أحمد، المدخل إلى فقه اللغة العربية، جامعة حلب، دون طبعة، 2003م، ص: 132.

29- أنيس، ص: 134.

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 07:18 PM
http://dahimohamed.unblog.fr/files/2008/06/yaktine1001.jpg

تسخير الكلام من المنظور السيميائي

أنور المرتجي - جامعة محمد الخامس، الرباط


تتمحور مقارتبي([1]) لكتاب سيميائية الكلام الروائي ( المدارس2006) لمحمد الداهي([2]) حول ثلاثة محاور. أولها يتعلق بإبداء ملاحظات أولية، وثانيها يهم التمفصلات الكبرى للكتاب، وثالثها يخص ما يفتحه من آفاق للبحث والاستقصاء.

ا- يوحي كتاب محمد الداهي بكتاب آخر يحمل العنوان نفسه تقريبا، وهو كتاب ” الكلام الروائي” لجوليان لان مرسيي(1989). لكن لما نتصفح كتاب “سيميائية الكلام الروائي” نجد أن صاحبه يشق طريقا جديدا ويدافع عن طرح مغاير في مقاربة النص الروائي. لقد ركزت جوليان لان مرسيي في كتابها على الحوار الروائي مستندة إلى نظريات سوسيو-لغوية وتداولية ونفسية- اجتماعية وسردية. فبعد أن بينت ما تتسم به هذه الطبقة النصية من خصائص بنيوية وتلفظية وتداولية، وما تمده من جسور مع الواقع ( آثر الواقع) خرجت بتصور حول كلام الشخوص قابل للتعميم والتطبيق على أجناس أخرى. ويسعى محمد الداهي في كتابه أن يتخذ موقعا متميزا داخل النظرية السيميائية مبرهنا على استقلالية البعد الكلامي أو التلفظي ومبينا ما يميزه عن البعد المعرفي والبعد التداولي ( سيميائية العمل) والبعد الاستهوائي ( سيميائية الأهواء). ولم يكن غرض محمد الداهي بيان سمات كلام الشخوص ومميزاته وإنما إعادة بناء الكلام ، في مختلف تجلياته سواء أكان سردا أم حوارا، من الزاوية السيميائية. وهكذا، فهو يتعامل مع الكلام بوصفه أثرا تلفظيا وعملا تداوليا يحدد طبيعة العلاقة التي تجمع بين طرفين، ويلعب دورا في تغيير المعتقدات وصنع الحقائق وتلوينها بأصباغ ذاتية. إن الكلام، بمقتضى ذلك، هو فعل سيميائي يكشف عن هوية المتكلم ومقاصده وتطلعاته وأهوائه، ويراهن على إحداث تغييرات جوهرية في التواصلات البشرية وتوجيه الناس وتسخيرهم لتحقيق أهداف محددة سلفا وصرف انتباههم عن القضايا الحيوية.

ب- استند محمد الداهي في كتابه “سيميائية الكلام الروائي” إلى التصور الجديد للخطاب السيميائي الذي بلوه وطوره السيميائيون لمعاودة النظر في ما سبق أن أثبته كريماص وكورتيص في “المعجم المعلقن لنظرية اللغة”(1979)، ونقله من التصور الماقبل خطابيPrédiscursif إلى التصور الخطابي، وتوسيعه ليستوعب جوانب جديدة أملتها المستحدثات المعرفية والمنهجية. وعليه، تخلت السيميائية عن التحليل المقومي ( الإغراق في الجزئيات) واهتمت بالمجموعات الدالةEnsembles signifiants ، وأصبحت تعطي أهمية للعمليات والممارسات التلفظية.

عندما نقرأ كتاب محمد الداهي يتضح أنه استوعب هذا التحول الجوهري الذي مس مفهوم الخطاب السيميائي وأثر في طريقة تحليله وتداوله. لم يصرف محمد الداهي اهتمامه في رصد جزئيات الخطاب ومقوماته، وإنما انكب على مجموعاته الدالة التي تقاربه في شموليته وتماسكه. ومن المجموعات الدالة التي ركز عليها نذكر أساسا: الوحدات الكلامية، التطويع التلفظي، المقاطع التحدثية، الصُّورية. كما دعم محمد الداهي مشروعه حول سيميائية الكلام بتصورات تلفظية وتداولية لحصر حدود ما اصطلح عليه هرمان باريت بالسيميائية الذاتية، التي كان لها دور في مساءلة المسار التوليدي ،ومعاودة النظر في بعض مستوياته، والتعامل مع الخطاب بوصفه كينونة ملموسة وليس حالة افتراضية.

ج-لقد أُهمل الكلام من الدرس اللساني رغم أهميته. ولم يقع إنصافه إلا مع أبحاث إميل بنفنيست التي أحدثت ثورة في لسانيات التلفظ ( وخاصة في دراستيه القيمتين: الجهاز الشكلي للتلفظ والإنسان في اللغة)، ومع صدور ترجمات لميخائيل باختين باللغة الفرنسية. فإليه يعود الفضل في إثارة قضايا تلفظية وتداولية كان لها تأثير ملموس في المجال اللساني والنقدي على حد سواء. ومن بين القضايا التي طرحها نذكر أساساً: الحوارية والتوجيه الاجتماعي للغة والتشخيص الأدبي للغة وتعدد الأصوات..الخ. وتكمن أهمية كتاب محمد الداهي في كونه أعاد الاعتبار لهذا المكون الحيوي من اللسانيات مستفيدا من مختلف المقاربات التلفظية والتداولية، ومراهنا على إعادة بناء الكلام سيميائيا. ونلاحظ في الآونة الأخيرة أن السيميائيين -إلى جانب اهتمامهم بالعمل والهوى- أصبحوا يعتنون بسيميائية التطويع(Sémiotique de la manipulation) التي انتبه إليها كريماص وكورتيص في المعجم المعقلن، وأصبحت الحاجة إليها ملحة أكثر من أي وقت مضى بالنظر إلى صعود ثقافة الصورة التي تراهن على تطويع الإنسان( أي جعله أداة طيعة) ليستسيغ محتوياتها المبثوثة دون أي رد فعل أو مقاومة. ويعتبر الكلام من بين التقنيات التطويعية التي يعتمد عليها لتجريد المواطن من إنسانيته وتحويله إلى “ألعوبة” بين أيدي الآخرين. كما يعد من بين عناصر الضغط الاجتماعي الذي يُنمذج الإنسان الحداثي على الامتثالية والنمطية. وهذا ما عزز لديه الإحساس بالفردانية والعزلة. وهذا ما حتم على النظرية السيميائية العدول عن النزعة المحايثة، والاهتمام بإنتاج الخطاب وتلقيه، والكشف عن إيحاءاته الثقافية والاجتماعية، وتوسيع مفهوم الخطاب ليشمل مختلف الظواهر المكتوبة أو الشفاهية ( وهذا ما نجد مجلاه في كتاب محمد الداهي فهو إن حصر دراسته على المتن الروائي فقد تجاوز ذلك إلى خطابات أخرى ( القرآن، المقامة، قصاصات الأخبار، الإشهار) للبرهنة على سداد منطلقاته النظرية).

3-يضع محمد الداهي في كتاب ” سيميائية الكلام الروائي” معالم مشروع سيميائي متميز عن سيميائية العمل وسيميائية الهوى رغم تكامل السيمائيات الثلاث وتعضادها في إطار ما اصطلح عليه كريماص وفونتاني ( سيمائية الأهواء1991) بالبعد السيميائي للوجود المتجانس. وما أثارني أنه يشدد على كلمة مشروع لتأكيد بأنه لا يقدم معطيات يقينية أو نظرية جامعة مانعة. ويعلل مسعاه في مقدمة الكتاب قائلا.” نعرف مسبقا أن أي مشروع-من هذا القبيل- يحتاج إلى مجهودات جماعية، وتحقق التراكمات الكافية، والاستفادة من ردود فعل الباحثين وانتقاداتهم ونصائحهم. وفي هذا الصدد بعثت تقريرا عن المشروع لجاك فونتاني، وطلبت منه إبداء بعض ملاحظاته، فتوصلت منه بجواب بتاريخ 17-04-2001… ثم أرشدني إلى بعض المصادر للاعتماد عليها في إرساء دعامات الباحثين النيرة لتبيان مواطن قصوره، والحفز على تعميق نتائجه حتى تكتمل حلقات مدرسة باريس ( العمل، الهوى، الكلام)” ص5.إن أي مشروع طموح ،من النوع الذي انخرط فيه محمد الداهي، إلا ويتطلب مجهودا جماعيا لإرساء بنيانه وتوطيد أركانه. وما قدمه محمد الداهي هو نهر زاخر يصب في يم مترامي الأطراف. وإن حرص على تسميته بمشروع فهو قد بذل قصارى جهوده لتحديد أهدافه، والكشف عن خلفياته ومراميه، وتمييزه بعدة مفاهيمية أو لغة واصفة تسعف ليس فقط على مقاربة النص الروائي وإنما أيضا نصوص أخرى قوامها الكلام .( على نحو موضوعاتية الكلام، الوحدات الكلامية، الجهة، البعد الاستيثاقي، الأدوار التحدثية، الخطاطة التحدثية المقننة).

ارتكز محمد الداهي على عينات من الروايات العربية التي ظهرت في مطلع التسعينات من الألفية الثانية . وهي تتنوع جغرافيا بين المغرب ( برج السعود لمبارك ربيع، الضوء الهارب لمحمد برادة) ومصر( ذات لصنع الله إبراهيم وشطح المدينة لجمال الغيطاني). ومن الفينة إلى الأخرى كان يضطر لتوسيع المتن ليشمل خطابات أخرى ( القرآن الكريم، الأحاديث النبوية، الشعر، قصاصات الأخبار..)؛ وذلك لبيان مدى قدرة مشروعه على اقتحام فضاءات خطابية متباينة في طبيعتها ووظيفتها، والتدليل على ما يتمتع به بعض الكتاب من ملكات لغوية تسعفهم على إغناء الخطاطات التحدثية المقننة.

وتجنبا للخوض في تفاصيل الكتاب وجزئياته، سنركز على الغاية من توظيف هذه المجموعة الدالة أو تلك.

ا-خصص محمد الداهي جانبا لاستجلاء التمظهرات المعجمية-الدلالية المتواترة في المتن الروائي. أبرز معانيها المعجمية وما تستتبعه من جهات و ِِوجهات وبرامج ومسارات تلفظية وعلائق تركيبية، وبين مدى امتثالها أو عدم امتثالها للخطاطة التحدثية المقننة. وفي هذا الجانب بالذات تنحرف المقاصد عن وجهتها فتنحو مناحي أخرى مما يؤدي إلى التأثير السلبي أو الإيجابي على طبيعة العلاقات البشرية والتواصلات الاجتماعية.

ب- أفرد محمد الداهي حيزا للتطويع لما له من أهمية في تغيير معتقدات المتلقي، وسلب إراداته على المقاومة أو إبداء رأي مخالف ( أي القيام بالتطويع المضاد). لقد أشار كريماص وكورتيص في ” المعجم المعقلن” إلى أهمية بناء صرح سيمائية التطويع، وذلك لوعيهما بدورها في النظرية السيمائية العامة. ومنذ تلك الفترة صار التطويع التلفظي من المفاهيم السيميائية الأساسية لفهم آليات المراقبة الاجتماعية، وتجهيل الشعوب، وحروب الإقصاء، وصناعة الخبر. فمن الأمور التي تراهن عليها الليبرالية الجديدة ليس الدخول مع الأخر في محاورة أو تعاقد استيثاقيContrat fiduciaire من أجل كسب ثقته ومودته، بل إجباره بواسطة ألاعيب (Games)([3]) على تبني الموقف المبثوث له وقبوله كحقيقة لا تقبل التقويم أو الدحض. وفي هذا الصدد يمكن أن نتوقف أمام التحليل الذي أنجزه محمد الداهي على الرسالة الإشهارية التي وظفها النظام المصري قصد تهيئ الجماهير لسوغ سياسة الانفتاح الاقتصادي والسياسي والانخراط في مسلسل الخصخصة. لقد اضطلعت الوصلة الإشهارية في رواية” ذات” لصنع الله إبراهيم بوظيفة تطويعية لحمل الشخوص على تغيير سلوكهم، واتباع برامج الهدم والبناء لمواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية الجديدة .” وبما أن الدولة تراهن على إحداث قطيعة مع العقود السالفة، فقد وظفت كل أشكال الإقناع ( الصورة الإشهارية، الخطب، قصاصات الأخبار) لحفز المواطنين على الانخراط في مسيرة الهدم والبناء. وما يدل على اقتناع سكان العمارة بها ، حرصهم ،ما أمكن ،على احترام برمجتها الزمنية. وإن تأخرت ذات عن ركب أغلب سكان العمارة، فهي قد تداركته نسبيا لما بدأت تعتمد على نفسها، وعندما اقتنع زوجها بمتطلبات المرحلة الجديدة”ص123.أغلب


د-ظلت خانة فارغة تتخلل الصوغ الفاعلي، وتنتظر أن يشغلها مالكها الحقيقي. وهي تتعلق بالمقاطع التحدثية التي تسعف على تفريد الفاعل اجتماعيا ونفسيا وفزيولوجيا، والكشف عن هويته وموقفه من الوجود. وهذا ما استدعى من الباحث محمد الداهي التعريف بهذه المقاطع ( الكلام النمطي، اللغة الفردية، اللغة الاجتماعية)، وإبراز تجلياتها وتضاريسها في المتن الروائي، وبيان ما يميز الدور التحدثي ( يندرج في إطار مشروع سيميائية الكلام) عن الدور الموضوعاتي ( يتعلق بسييمائية العمل) والدور الانفعالي ( يهم سييمائية الأهواء). كما حرص محمد الداهي ، عند مقاربته للمقاطع التلفظية، على إبراز مكانتها السيميائية، وبيان دورها في إغناء الفضاء الروائي بالعينات الإيديولوجية، واستحضار النزوع الديمقراطي الذي فرضته التقلبات العالمية بعد انهيار جدار برلين، والتدليل على الأهمية التي يحظى بها الدور التحدثي لتغيير معتقدات المتلقي، وتحريك البرامج الحكائية.

هـ لقد حظيت الصورية-إلى جانب الأهواء والتلفظ- باهتمام السيميائيين في السنوات الأخيرة. ومنح لها محمد الداهي منزلة خاصة في مشروع سيميائية الكلام. في البداية أبرز مكانتها في بعض المصادر السيميائية، ثم بين ما يميز الصوري من الموضوعاتي، ثم استشف تجليات الصورية في المتن الروائي من خلال قطبي الأيقوني والمجرد، والبعد الأكسيولوجي. وتتمثل المنزلة التي أعطيت لها في تبيان آثار التلفظ والإيحاءات القيمية، ,وإظهار الدلالة التي تستمدها الصور من طبيعة الطقوس الاجتماعية والإبدالات السياسية وجدلية الجنس الروائي.

فيما يلي أجمل القضايا التي أثارها هذا الكتاب، وأشرعها على أبواب مختلفة لتأملها واستخلاص العبر منها.

ا-وإن كان الأمر يتعلق بمشروع للدراسة والبحث فإن راهنيته لا تخفى على أحد؛ وذلك بالنظر إلى احتدام الحرب التلفظية بين مختلف وسائل الإعلام والتنافس فيما بينها بهدف امتلاك أساليب التحكم وبناء صورة الواقع كما لو كانت هي الواقع ( الواقع المتعالي Hyper-réel)، والتسابق ليس لنقل الحقيقة وإنما لصناعتها وتسخيرها لخدمة أغراض إستراتجية. ويعد الكلام من بين العناصر التطويعية الأساسية التي يعتمد عليها في شن هذه الحرب الإعلامية على الجماهير العريضة في مختلف بقاع المعمور. ويعزز الكلام بالتطويع الانفعالي أو العاطفي ليكون وقعه في أنفسهم قويا، ويحثهم على التعاطف مع المواضيع المطروحة عليهم والتسليم بها كما لو كانت حقائق يقينية.

ب-لقد أوحى لي هذا المشروع بإمكانية الاشتغال على الخطابات المتداولة بكثرة في حضن المجتمع؛ وذلك للكشف عن مختلف” ألاعيبها” في تطويع المواطنين أو” تضبيعهم” ( بلغة الأستاذ محمد جسوس) أو غسل أدمغتهم (التطويع الذهنيManipulation mentale) أو الضرب على الوتر الحساس كما يقال عادة. كما أثار انتباهي إلى ضرورة الدفاع عن حرية التلقي حتى لا تستغل الديمقراطية لتدنيس كرامة المواطن في الفضاءات العمومية. فإلى جانب حق التعبير بحرية عن الآراء والأفكار، نجد حق حرية تلقي الرسائل المبثوثة في ذلك الفضاء الذي يتقاسمه الناس سواسية. إن الديمقراطية التي منحت للكلام مكانة لائقة في الحياة العمومية أضحت مهددة من طرف التقنيات التطويعية التي تسعى إلى إخضاع الفرد وتدجينه. لذا ينبغي أن نفسح له هامشا من حرية الاختيار والتلقي حتى يشعر بكرامته ومواطنته، ويستطيع أن يواجه أساليب الدعاية التي تؤثر سلبا في اختياراته ومواقفه من الوجود.ومن ثمة تكمن ملاءمة سيميائية الكلام في تمكينه من الأدوات التي تساعده على إبطال مفعول التقنيات التطويعية والوعي بخطورتها على حياته وحياة الجماعة التي يعيش بين ظهرانيها.









[1] - نظمت نيابة وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي بتنسيق مع الفعاليات الثقافية بسيدي قاسم ندوة عن كتاب سيميائية الكلام الروائي لمحمد الداهي (السبت 13 ماي 2006). وخلالها ألقيت هذه المداخلة. كما ألقيت في اليوم التكريمي الذي نظمته حلقة الفكر بفاس 2007. ونشرت في مجلة سيميائيات التي يصدرها مختبر السيميائيات بجامعة وهران.

[2] -كان الكتاب في الأصل عبارة عن أطروحة أنجزها الباحث تحت إشراف الدكتور محمد مفتاح والدكتور المصطفى شادلي. لكن الباحث حذف الفصول النظرية، وخفف من الحمولة الأكاديمية حتى تصبح قراءة الكتاب متيسرة لدى شريحة واسعة من القراء.

[3] - هي ألاعيب متحكم فيها ومدروسة، وتسمى كذلك بالسلوكات التطويعية (Comportements manipulatoires). قد يستخدمها إنسان عادي لاستجلاب عطف الآخرين أو التحايل عليهم. وقد توظفها الدولة لصرف انتباه الشعب عن قصية مصيرية وإجباره على تبني مواقف مفتعلة كما لو كانت متسمة بطابع إنساني. يمكن أن نشير في هذا الصدد إلى التوظيف الإعلامي الغربي لجنازة ديانا أو لتلميع ” الديمقراطية” في العراق، أو للتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان في البلدان الأسيوية..الخ.



Pas encore de comme

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 07:18 PM
http://dahimohamed.unblog.fr/files/2008/06/yaktine1001.jpg

تسخير الكلام من المنظور السيميائي

أنور المرتجي - جامعة محمد الخامس، الرباط


تتمحور مقارتبي([1]) لكتاب سيميائية الكلام الروائي ( المدارس2006) لمحمد الداهي([2]) حول ثلاثة محاور. أولها يتعلق بإبداء ملاحظات أولية، وثانيها يهم التمفصلات الكبرى للكتاب، وثالثها يخص ما يفتحه من آفاق للبحث والاستقصاء.

ا- يوحي كتاب محمد الداهي بكتاب آخر يحمل العنوان نفسه تقريبا، وهو كتاب ” الكلام الروائي” لجوليان لان مرسيي(1989). لكن لما نتصفح كتاب “سيميائية الكلام الروائي” نجد أن صاحبه يشق طريقا جديدا ويدافع عن طرح مغاير في مقاربة النص الروائي. لقد ركزت جوليان لان مرسيي في كتابها على الحوار الروائي مستندة إلى نظريات سوسيو-لغوية وتداولية ونفسية- اجتماعية وسردية. فبعد أن بينت ما تتسم به هذه الطبقة النصية من خصائص بنيوية وتلفظية وتداولية، وما تمده من جسور مع الواقع ( آثر الواقع) خرجت بتصور حول كلام الشخوص قابل للتعميم والتطبيق على أجناس أخرى. ويسعى محمد الداهي في كتابه أن يتخذ موقعا متميزا داخل النظرية السيميائية مبرهنا على استقلالية البعد الكلامي أو التلفظي ومبينا ما يميزه عن البعد المعرفي والبعد التداولي ( سيميائية العمل) والبعد الاستهوائي ( سيميائية الأهواء). ولم يكن غرض محمد الداهي بيان سمات كلام الشخوص ومميزاته وإنما إعادة بناء الكلام ، في مختلف تجلياته سواء أكان سردا أم حوارا، من الزاوية السيميائية. وهكذا، فهو يتعامل مع الكلام بوصفه أثرا تلفظيا وعملا تداوليا يحدد طبيعة العلاقة التي تجمع بين طرفين، ويلعب دورا في تغيير المعتقدات وصنع الحقائق وتلوينها بأصباغ ذاتية. إن الكلام، بمقتضى ذلك، هو فعل سيميائي يكشف عن هوية المتكلم ومقاصده وتطلعاته وأهوائه، ويراهن على إحداث تغييرات جوهرية في التواصلات البشرية وتوجيه الناس وتسخيرهم لتحقيق أهداف محددة سلفا وصرف انتباههم عن القضايا الحيوية.

ب- استند محمد الداهي في كتابه “سيميائية الكلام الروائي” إلى التصور الجديد للخطاب السيميائي الذي بلوه وطوره السيميائيون لمعاودة النظر في ما سبق أن أثبته كريماص وكورتيص في “المعجم المعلقن لنظرية اللغة”(1979)، ونقله من التصور الماقبل خطابيPrédiscursif إلى التصور الخطابي، وتوسيعه ليستوعب جوانب جديدة أملتها المستحدثات المعرفية والمنهجية. وعليه، تخلت السيميائية عن التحليل المقومي ( الإغراق في الجزئيات) واهتمت بالمجموعات الدالةEnsembles signifiants ، وأصبحت تعطي أهمية للعمليات والممارسات التلفظية.

عندما نقرأ كتاب محمد الداهي يتضح أنه استوعب هذا التحول الجوهري الذي مس مفهوم الخطاب السيميائي وأثر في طريقة تحليله وتداوله. لم يصرف محمد الداهي اهتمامه في رصد جزئيات الخطاب ومقوماته، وإنما انكب على مجموعاته الدالة التي تقاربه في شموليته وتماسكه. ومن المجموعات الدالة التي ركز عليها نذكر أساسا: الوحدات الكلامية، التطويع التلفظي، المقاطع التحدثية، الصُّورية. كما دعم محمد الداهي مشروعه حول سيميائية الكلام بتصورات تلفظية وتداولية لحصر حدود ما اصطلح عليه هرمان باريت بالسيميائية الذاتية، التي كان لها دور في مساءلة المسار التوليدي ،ومعاودة النظر في بعض مستوياته، والتعامل مع الخطاب بوصفه كينونة ملموسة وليس حالة افتراضية.

ج-لقد أُهمل الكلام من الدرس اللساني رغم أهميته. ولم يقع إنصافه إلا مع أبحاث إميل بنفنيست التي أحدثت ثورة في لسانيات التلفظ ( وخاصة في دراستيه القيمتين: الجهاز الشكلي للتلفظ والإنسان في اللغة)، ومع صدور ترجمات لميخائيل باختين باللغة الفرنسية. فإليه يعود الفضل في إثارة قضايا تلفظية وتداولية كان لها تأثير ملموس في المجال اللساني والنقدي على حد سواء. ومن بين القضايا التي طرحها نذكر أساساً: الحوارية والتوجيه الاجتماعي للغة والتشخيص الأدبي للغة وتعدد الأصوات..الخ. وتكمن أهمية كتاب محمد الداهي في كونه أعاد الاعتبار لهذا المكون الحيوي من اللسانيات مستفيدا من مختلف المقاربات التلفظية والتداولية، ومراهنا على إعادة بناء الكلام سيميائيا. ونلاحظ في الآونة الأخيرة أن السيميائيين -إلى جانب اهتمامهم بالعمل والهوى- أصبحوا يعتنون بسيميائية التطويع(Sémiotique de la manipulation) التي انتبه إليها كريماص وكورتيص في المعجم المعقلن، وأصبحت الحاجة إليها ملحة أكثر من أي وقت مضى بالنظر إلى صعود ثقافة الصورة التي تراهن على تطويع الإنسان( أي جعله أداة طيعة) ليستسيغ محتوياتها المبثوثة دون أي رد فعل أو مقاومة. ويعتبر الكلام من بين التقنيات التطويعية التي يعتمد عليها لتجريد المواطن من إنسانيته وتحويله إلى “ألعوبة” بين أيدي الآخرين. كما يعد من بين عناصر الضغط الاجتماعي الذي يُنمذج الإنسان الحداثي على الامتثالية والنمطية. وهذا ما عزز لديه الإحساس بالفردانية والعزلة. وهذا ما حتم على النظرية السيميائية العدول عن النزعة المحايثة، والاهتمام بإنتاج الخطاب وتلقيه، والكشف عن إيحاءاته الثقافية والاجتماعية، وتوسيع مفهوم الخطاب ليشمل مختلف الظواهر المكتوبة أو الشفاهية ( وهذا ما نجد مجلاه في كتاب محمد الداهي فهو إن حصر دراسته على المتن الروائي فقد تجاوز ذلك إلى خطابات أخرى ( القرآن، المقامة، قصاصات الأخبار، الإشهار) للبرهنة على سداد منطلقاته النظرية).

3-يضع محمد الداهي في كتاب ” سيميائية الكلام الروائي” معالم مشروع سيميائي متميز عن سيميائية العمل وسيميائية الهوى رغم تكامل السيمائيات الثلاث وتعضادها في إطار ما اصطلح عليه كريماص وفونتاني ( سيمائية الأهواء1991) بالبعد السيميائي للوجود المتجانس. وما أثارني أنه يشدد على كلمة مشروع لتأكيد بأنه لا يقدم معطيات يقينية أو نظرية جامعة مانعة. ويعلل مسعاه في مقدمة الكتاب قائلا.” نعرف مسبقا أن أي مشروع-من هذا القبيل- يحتاج إلى مجهودات جماعية، وتحقق التراكمات الكافية، والاستفادة من ردود فعل الباحثين وانتقاداتهم ونصائحهم. وفي هذا الصدد بعثت تقريرا عن المشروع لجاك فونتاني، وطلبت منه إبداء بعض ملاحظاته، فتوصلت منه بجواب بتاريخ 17-04-2001… ثم أرشدني إلى بعض المصادر للاعتماد عليها في إرساء دعامات الباحثين النيرة لتبيان مواطن قصوره، والحفز على تعميق نتائجه حتى تكتمل حلقات مدرسة باريس ( العمل، الهوى، الكلام)” ص5.إن أي مشروع طموح ،من النوع الذي انخرط فيه محمد الداهي، إلا ويتطلب مجهودا جماعيا لإرساء بنيانه وتوطيد أركانه. وما قدمه محمد الداهي هو نهر زاخر يصب في يم مترامي الأطراف. وإن حرص على تسميته بمشروع فهو قد بذل قصارى جهوده لتحديد أهدافه، والكشف عن خلفياته ومراميه، وتمييزه بعدة مفاهيمية أو لغة واصفة تسعف ليس فقط على مقاربة النص الروائي وإنما أيضا نصوص أخرى قوامها الكلام .( على نحو موضوعاتية الكلام، الوحدات الكلامية، الجهة، البعد الاستيثاقي، الأدوار التحدثية، الخطاطة التحدثية المقننة).

ارتكز محمد الداهي على عينات من الروايات العربية التي ظهرت في مطلع التسعينات من الألفية الثانية . وهي تتنوع جغرافيا بين المغرب ( برج السعود لمبارك ربيع، الضوء الهارب لمحمد برادة) ومصر( ذات لصنع الله إبراهيم وشطح المدينة لجمال الغيطاني). ومن الفينة إلى الأخرى كان يضطر لتوسيع المتن ليشمل خطابات أخرى ( القرآن الكريم، الأحاديث النبوية، الشعر، قصاصات الأخبار..)؛ وذلك لبيان مدى قدرة مشروعه على اقتحام فضاءات خطابية متباينة في طبيعتها ووظيفتها، والتدليل على ما يتمتع به بعض الكتاب من ملكات لغوية تسعفهم على إغناء الخطاطات التحدثية المقننة.

وتجنبا للخوض في تفاصيل الكتاب وجزئياته، سنركز على الغاية من توظيف هذه المجموعة الدالة أو تلك.

ا-خصص محمد الداهي جانبا لاستجلاء التمظهرات المعجمية-الدلالية المتواترة في المتن الروائي. أبرز معانيها المعجمية وما تستتبعه من جهات و ِِوجهات وبرامج ومسارات تلفظية وعلائق تركيبية، وبين مدى امتثالها أو عدم امتثالها للخطاطة التحدثية المقننة. وفي هذا الجانب بالذات تنحرف المقاصد عن وجهتها فتنحو مناحي أخرى مما يؤدي إلى التأثير السلبي أو الإيجابي على طبيعة العلاقات البشرية والتواصلات الاجتماعية.

ب- أفرد محمد الداهي حيزا للتطويع لما له من أهمية في تغيير معتقدات المتلقي، وسلب إراداته على المقاومة أو إبداء رأي مخالف ( أي القيام بالتطويع المضاد). لقد أشار كريماص وكورتيص في ” المعجم المعقلن” إلى أهمية بناء صرح سيمائية التطويع، وذلك لوعيهما بدورها في النظرية السيمائية العامة. ومنذ تلك الفترة صار التطويع التلفظي من المفاهيم السيميائية الأساسية لفهم آليات المراقبة الاجتماعية، وتجهيل الشعوب، وحروب الإقصاء، وصناعة الخبر. فمن الأمور التي تراهن عليها الليبرالية الجديدة ليس الدخول مع الأخر في محاورة أو تعاقد استيثاقيContrat fiduciaire من أجل كسب ثقته ومودته، بل إجباره بواسطة ألاعيب (Games)([3]) على تبني الموقف المبثوث له وقبوله كحقيقة لا تقبل التقويم أو الدحض. وفي هذا الصدد يمكن أن نتوقف أمام التحليل الذي أنجزه محمد الداهي على الرسالة الإشهارية التي وظفها النظام المصري قصد تهيئ الجماهير لسوغ سياسة الانفتاح الاقتصادي والسياسي والانخراط في مسلسل الخصخصة. لقد اضطلعت الوصلة الإشهارية في رواية” ذات” لصنع الله إبراهيم بوظيفة تطويعية لحمل الشخوص على تغيير سلوكهم، واتباع برامج الهدم والبناء لمواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية الجديدة .” وبما أن الدولة تراهن على إحداث قطيعة مع العقود السالفة، فقد وظفت كل أشكال الإقناع ( الصورة الإشهارية، الخطب، قصاصات الأخبار) لحفز المواطنين على الانخراط في مسيرة الهدم والبناء. وما يدل على اقتناع سكان العمارة بها ، حرصهم ،ما أمكن ،على احترام برمجتها الزمنية. وإن تأخرت ذات عن ركب أغلب سكان العمارة، فهي قد تداركته نسبيا لما بدأت تعتمد على نفسها، وعندما اقتنع زوجها بمتطلبات المرحلة الجديدة”ص123.أغلب


د-ظلت خانة فارغة تتخلل الصوغ الفاعلي، وتنتظر أن يشغلها مالكها الحقيقي. وهي تتعلق بالمقاطع التحدثية التي تسعف على تفريد الفاعل اجتماعيا ونفسيا وفزيولوجيا، والكشف عن هويته وموقفه من الوجود. وهذا ما استدعى من الباحث محمد الداهي التعريف بهذه المقاطع ( الكلام النمطي، اللغة الفردية، اللغة الاجتماعية)، وإبراز تجلياتها وتضاريسها في المتن الروائي، وبيان ما يميز الدور التحدثي ( يندرج في إطار مشروع سيميائية الكلام) عن الدور الموضوعاتي ( يتعلق بسييمائية العمل) والدور الانفعالي ( يهم سييمائية الأهواء). كما حرص محمد الداهي ، عند مقاربته للمقاطع التلفظية، على إبراز مكانتها السيميائية، وبيان دورها في إغناء الفضاء الروائي بالعينات الإيديولوجية، واستحضار النزوع الديمقراطي الذي فرضته التقلبات العالمية بعد انهيار جدار برلين، والتدليل على الأهمية التي يحظى بها الدور التحدثي لتغيير معتقدات المتلقي، وتحريك البرامج الحكائية.

هـ لقد حظيت الصورية-إلى جانب الأهواء والتلفظ- باهتمام السيميائيين في السنوات الأخيرة. ومنح لها محمد الداهي منزلة خاصة في مشروع سيميائية الكلام. في البداية أبرز مكانتها في بعض المصادر السيميائية، ثم بين ما يميز الصوري من الموضوعاتي، ثم استشف تجليات الصورية في المتن الروائي من خلال قطبي الأيقوني والمجرد، والبعد الأكسيولوجي. وتتمثل المنزلة التي أعطيت لها في تبيان آثار التلفظ والإيحاءات القيمية، ,وإظهار الدلالة التي تستمدها الصور من طبيعة الطقوس الاجتماعية والإبدالات السياسية وجدلية الجنس الروائي.

فيما يلي أجمل القضايا التي أثارها هذا الكتاب، وأشرعها على أبواب مختلفة لتأملها واستخلاص العبر منها.

ا-وإن كان الأمر يتعلق بمشروع للدراسة والبحث فإن راهنيته لا تخفى على أحد؛ وذلك بالنظر إلى احتدام الحرب التلفظية بين مختلف وسائل الإعلام والتنافس فيما بينها بهدف امتلاك أساليب التحكم وبناء صورة الواقع كما لو كانت هي الواقع ( الواقع المتعالي Hyper-réel)، والتسابق ليس لنقل الحقيقة وإنما لصناعتها وتسخيرها لخدمة أغراض إستراتجية. ويعد الكلام من بين العناصر التطويعية الأساسية التي يعتمد عليها في شن هذه الحرب الإعلامية على الجماهير العريضة في مختلف بقاع المعمور. ويعزز الكلام بالتطويع الانفعالي أو العاطفي ليكون وقعه في أنفسهم قويا، ويحثهم على التعاطف مع المواضيع المطروحة عليهم والتسليم بها كما لو كانت حقائق يقينية.

ب-لقد أوحى لي هذا المشروع بإمكانية الاشتغال على الخطابات المتداولة بكثرة في حضن المجتمع؛ وذلك للكشف عن مختلف” ألاعيبها” في تطويع المواطنين أو” تضبيعهم” ( بلغة الأستاذ محمد جسوس) أو غسل أدمغتهم (التطويع الذهنيManipulation mentale) أو الضرب على الوتر الحساس كما يقال عادة. كما أثار انتباهي إلى ضرورة الدفاع عن حرية التلقي حتى لا تستغل الديمقراطية لتدنيس كرامة المواطن في الفضاءات العمومية. فإلى جانب حق التعبير بحرية عن الآراء والأفكار، نجد حق حرية تلقي الرسائل المبثوثة في ذلك الفضاء الذي يتقاسمه الناس سواسية. إن الديمقراطية التي منحت للكلام مكانة لائقة في الحياة العمومية أضحت مهددة من طرف التقنيات التطويعية التي تسعى إلى إخضاع الفرد وتدجينه. لذا ينبغي أن نفسح له هامشا من حرية الاختيار والتلقي حتى يشعر بكرامته ومواطنته، ويستطيع أن يواجه أساليب الدعاية التي تؤثر سلبا في اختياراته ومواقفه من الوجود.ومن ثمة تكمن ملاءمة سيميائية الكلام في تمكينه من الأدوات التي تساعده على إبطال مفعول التقنيات التطويعية والوعي بخطورتها على حياته وحياة الجماعة التي يعيش بين ظهرانيها.









[1] - نظمت نيابة وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي بتنسيق مع الفعاليات الثقافية بسيدي قاسم ندوة عن كتاب سيميائية الكلام الروائي لمحمد الداهي (السبت 13 ماي 2006). وخلالها ألقيت هذه المداخلة. كما ألقيت في اليوم التكريمي الذي نظمته حلقة الفكر بفاس 2007. ونشرت في مجلة سيميائيات التي يصدرها مختبر السيميائيات بجامعة وهران.

[2] -كان الكتاب في الأصل عبارة عن أطروحة أنجزها الباحث تحت إشراف الدكتور محمد مفتاح والدكتور المصطفى شادلي. لكن الباحث حذف الفصول النظرية، وخفف من الحمولة الأكاديمية حتى تصبح قراءة الكتاب متيسرة لدى شريحة واسعة من القراء.

[3] - هي ألاعيب متحكم فيها ومدروسة، وتسمى كذلك بالسلوكات التطويعية (Comportements manipulatoires). قد يستخدمها إنسان عادي لاستجلاب عطف الآخرين أو التحايل عليهم. وقد توظفها الدولة لصرف انتباه الشعب عن قصية مصيرية وإجباره على تبني مواقف مفتعلة كما لو كانت متسمة بطابع إنساني. يمكن أن نشير في هذا الصدد إلى التوظيف الإعلامي الغربي لجنازة ديانا أو لتلميع ” الديمقراطية” في العراق، أو للتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان في البلدان الأسيوية..الخ.

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 07:21 PM
أصناف العلامات ׃ العلامة والأيقونة والدليل

إن اقتراحات دوسوسير المتعلقة بعلم العلامات لم يتم احترافها مباشرة، حيث إن العلماء لم يتحققوا من أهميتها إلا في منتصف القرن العشرين، أي بعد سنوات طويلة من نشر كتابه "محاضرات في علم اللغة العام" .إن البنيوية في الحقيقة لم تظهر إلى حيز الوجود إلا حين أدرك علماء الأنتروبولوجيا ونقاد الأدب وغيرهم أن الاقتداء بعلم اللغة يمكن أن يساعدهم في توسيع ما كانوا يرغبون في إنجازه داخل فروع معارفهم الخاصة. ولذلك بمجرد أن بدأ هؤلاء في التسليم بعلم اللغة بوصفه نموذجا لفروع معارفهم الخاصة ،تيقنوا من أنهم لم يكونوا يقومون في الواقع سوى بتطوير علم العلامات الذي اقترحه دوسوسير منذ زمن بعيد .
يعرِّف العالم الأنتروبولوجي كلود لفي ستروس الأنتروبولوجيا في الخطاب الافتتاحي لمقرر الأنتروبولوجيا الاجتماعية في Collège de France عام 1961 ،بأنها فرع من علم العلامات ويعلن البيعة الكاملة لدوسوسير بوصفه الرجل الذي قدم –أثناء مناقشته لعلم العلامات – أسس التصور الحقيقي للأنثروبولوجيا، وهذا مع أنه قبل هذا التاريخ بخمسة عشر عاما أي في الفترة التي ظهر فيها مقاله " التحليل البنائي في علم اللغة و الأنتروبولوجيا Stuctural analysis in Linguistics and "Anthropology ،كان قد اتجه ليفي ستروس بالفعل إلى مفهومات علم اللغة ومناهجها بغاية إنشاء فرع البنيوية الخاصة به .كما تحدث عن الانتصارات التي أحرزها علم اللغة خاصة في مجال علم الفنولوجيا والتي جعلت منه أحد فروع المعارف العلمية البارزة، إذ بمقدور علم الفنولوجيا – في رأيه- أن يقوم في مجال العلوم الاجتماعية بالدور الإصلاحي نفسه الذي قامت به الفيزياء النووية في مجال العلوم الدقيقة . أما نيكولا تروبتسكوي فقد لخص في كتابه "مبادئ علم الفنولوجيا "Principles of Phonology (1939) ،مضامين النظرية الفونولوجية بالنسبة للعلوم الاجتماعية ،وقد كان هذا التلخيص انتصارا لعلم العلامات كما اقترحه دوسوسير، ففي حين يهتم عالم الصوتيات Phonéticien بخواص الأصوات الكلامية الفعلية ; أي بوصفها ظاهرة لغوية ، يهتم عالم الفنولوجيا Phonologiste بتصوير الملامح الإختلافية الوظيفية للأصوات الكلامية في إحدى اللغات; أي بوصفها ظاهرة ثقافية، والبحث على خلاف عالم الصوتيات عن الاختلافات الصوتية التي ارتبطت باختلافات المعاني وعن كيفة ارتباط العناصر الإختلافية فيما بينها وعن كيفية توافقها معا لتشكيل الكلمات والعبارات .ويستشهد تروبتسكوي بدراسة الأزياء كما يجريها عالم الأنثروبولوجيا أو عالم الإجتماع بوصفها مثالا لهذا التماثل׃ فقد يكون لكثير من المعالم الفيزيائية الخام للأثواب عند مرتديها أهمية كبيرة لكنها لا تشكل أية أهمية بالنسبة لعالم الأنثروبولوجيا الذي لا يهتم إلا بالمعالم التي تنطوي على إحدى الدلالات الإجتماعية. مثلا׃ قد ينطوي طول الجزء السفلي للأثواب في النسق الإجتماعي الخاص بإحدى الثقافات على قدر كبير من الدلالة في حين لا تنطوي المادة التي صنعت تلك الأثواب منها في النسق الإجتماعي ذاته على أية دلالة تذكر، نقول بأن عالم الأنتروبولوجيا أو عالم الإجتماع يهتم بالمقومات التي تحولت بناء عليها الأزياء إلى علامات. لكن الملاحظ هنا هو أن المرء إذا اعتبر أي شيء له معنى داخل ثقافة بمثابة علامة وبالتالي اعتبره موضوعا للبحث السيميولوجي فسوف ينتهي الأمر بعلم العلامات إلى احتواء معظم فروع المعارف في مجال الإنسانيات والعلوم الإجتماعية حيث يمكننا فهم أي ميدان من ميادين النشاطات الإنسانية سواء أكان آداب سلوك أو فن معمار أو الموسيقى أو الدعاية ... في ضوء المصطلحات السيميولوجية، لأجل ذلك تم اقتراح عدد من نماذج العلامات التي لم يصمد منها سوى ثلاثة نماذج أساسية׃ الأيقونة Icône ، الدليل Index ،والعلامةsigne بالمعنى الضيق للكلمة، وقد يطلق عليها كلمة رمز Symbole. فما الفرق بينها وأيها يمكننا اعتبارها موضوعا لعلم العلامات بامتياز ?.
تتكون كل العلامات من دال Signifier ومدلول Signified أي تتكون من أحد الأشكال المحدِّدة وأحد المعاني المحدَّدة التي ارتبطت به، لكن العلاقة بين الدال والمدلول لا تتماثل في كل نموذج منها .
1 ) - الأيقونة تستخدم شبها حقيقيا بين الدال والمدلول ،فتشير صورة الوجه (رسما أو نحتا) إلى الشخص الذي تمثل تلك الصورة صورة وجهه ليس بأحد الأعراف العشوائية وإنما بالشبه .
2 )- الدليل يستخدم علاقة علية أو سببية بين الدال والمدلول ،فوجود الدخان يدل على وجود النار، لأن النار عموما هي سبب الدخان كما أن ظهور الغيوم يعني سقوط المطر إذا كانت هذه الغيوم من نوعية الغيوم الممطرة .
3 )– العلامة بالمعنى الضيق للكلمة تستخدم علاقة اصطلاحية كلية بين الدال والمدلول فمصافحة اليد تدل على التحية ....وهكذا.
عن الهدف من هذا التقسيم الثلاثي لعلم العلامات هو جعل العلامة Signe بالمعنى الضيق للكلمة هي الموضوع الرئيس لعلم العلامات، واعتبار دراسة العلامات الأخرى بمثابة أحد النشاطات الثانوية المساعدة لهذا العلم ، فقد يقوم علم العلامات بتعيين هوية العلامات الأيقونية والتمييز بينها ومع ذلك فإن درس الأيقونات ذاتها لا يدرج ضمن النشاطات الرئيسة لهذا العلم، فمثلا درس الأسلوب الذي تمثل به إحدى رسومات الحصان أو الذي تمثل به إحدى الصور الفوتوغرافية التي التقطت للحصان ذاته قد يبدو وكأنه جزء من نشاط علم العلامات، ومع ذلك فهو لا يدرج ضمن اختصاص النظرية الفلسفية للتصوير. أما الأدلة فهي من أكثر العلامات مراوغة وأقلها ثباتا، ومن وجهة نظر دارس العلامات ونظرا لأنه لو أدرج الأدلة في مجال دراسة علم العلامات فسوف يخاطر في الوقت نفسه بإدراج المعرفة الإنسانية كلها في دائرة تخصصه، إذ بإمكاننا النظر لأي علم يسعى لإقامة العلاقات العلية بين الظواهر على أنه علم يدرس الأدلة ،وبالتالي سيتم إدراجه داخل نطاق علم العلامات׃ كالطب الذي يسعى إلى الربط بين الأمراض والأعراض ،وكعلم الأرصاد الجوية الذي يسعى لتأسيس النسق الرابط بين أسباب الظروف الجوية ونتائجها ومن ثم تتم قراءة الظروف الجوية بوصفها علامات لأحوال الطقس ...لكن مع ذلك ليس لنا إقصاء الأدلة كلية عن مجال علم العلامات ،ففي الحقيقة يمكننا استخدام أي دليل من الأدلة بوصفها علامة من العلامات الإصطلاحية لأنه متى تم الاعتراف بإحدى العلاقات السببية أو التدليلية بين دال معين ومدلول بعينه في إحدى الثقافات أصبح هذا الدال مرتبطا بمدلوله حتى ولو غابت علاقة السببية تماما، مثلا׃ صحيح أن الدخان يدل على وجود النار لكن بإمكاني استخدامه للتدليل عليها حتى وإن لم يكن هذا الدخان نتيجة لنار حقيقية (المسرح) فهنا استعملنا الدليل بوصفه إحدى العلامات الاصطلاحية. أما العلامة بالمعنى الضيق للكلمة – أي حين تكون العلاقة بين الدال والمدلول علاقة اصطلاحية – فهي المجال الرئيس لعلم العلامات ،من هنا لا بد من دراستها سيميولوجيا، أي لا بد من إعادة تركيب النسق السيميولوجي أو نسق الأعراف التي تشتق منه العلامات هويتها ،من هنا فليس لعلم العلامات حدودا ثابتة حيث يمكن دراسة كثير من الموضوعات دراسة سيميولوجية إلا أنها في الحقيقة لا تستلزم ذلك .نتيجة لذلك فعلى كل من أراد تحديد مجال علم العلامات أن يحدد الضروب المختلفة للحالات الدالة التي قد يصادفها ׃
1- أنساق العلامات الاصطلاحية التي استخدمت بغاية الاتصال المباشر وتشتمل ׃
* - النظم الشفرية المختلفة التي استخدمت في نقل الرسائل Braille) للمكفوفين ).
* - النظم الشفرية التي اخترعت بهدف التكتم والسرية أو التي يمكن استخدامها لنقل إحدى الرسائل من أجل نقل نمط خاص من المعلومات لجماعات قد لا تشترك في اللغة الطبيعية ذاتها׃ كعلامات الطرق وإشارات المرور ورموز الرياضيات ....
2 – النظم الشفرية الأكثر تعقيدا والأقل وضوحا ،وهي أنساق يتم الاتصال بها يقينا لكن يشترط فيها صعوبة تثبيتها وتميزها بالإبهام أو القابلية للتعديل ، من ذلك النصوص الأدبية التي تتطلب من دارسها أن يلم بأكثر من معرفة اللغة التي كتبت بها مع التأكيد على أنه مهما حاول فمن الصعب جدا إثبات المعرفة الإضافية اللازمة للتأويل المُرْضي للأعمال الأدبية بشكل دقيق .
3 – النظم الشفرية التي تتضمن الممارسات الاجتماعية التي قد تظهر وكأنها لا ترتبط بالاتصال مع أنها في الواقع ترتبت تماما وفقا لسلسلة كاملة من التمييزات لأجل خلق المعنى واستخدامه، فالشعائر والطقوس وآداب السلوك وأنساق الأعراف التي تقرر صنوف الطعام أو الملابس هي أنساق سيميولوجية، فارتداء مجموعة من الملابس وعدم ارتداء مجموعة أخرى يقوم بإيصال شيء ما بالتأكيد وإن تم بأسلوب غير مباشر.
4 – النظم الشفرية المتعلقة بالعلوم الطبيعية والاجتماعية التي تحاول تأسيس علاقات السبب والنتيجة بين الظواهر التي تدرسها .وكما وضح سابقا أنه على الرغم من أن فروع المعارف هذه لا تعد بذاتها فروع معارف سيميولوجية فإن ذلك لا يعني أنها لا تندرج ضمن اهتمام دارس العلامات، ينطبق الأمر هنا على (علم التنجيم )فنحن ندرس علم التنجيم بوصف نسقا من الأعراف لأننا لا نعتقد في العلاقات السببية التي يقيمها المنجمون بين حركات الكواكب والأحداث الواقعة في حياة الأشخاص ،أي أننا أثناء دراستنا لعلم التنجيم لا نتساءل إلا عن القواعد أو الأعراف التي يستخدمها المنجمون لنسبة معنى معين لوضع معين للأجرام السماوية أو عن الأعراف التي يقرها علم التنجيم كي يصبح المرء أحد المنجمين .
إن اللغة بوصفها نسقا من العلامات لم تكن تمثل بالنسبة للعلم الذي تصوره دوسوسير للعلامات غير اللغوية مجرد مصدر للإلهام والتنوير فقط، وإنما كانت نموذجا منهجيا متحققا لدراسة جميع الظواهر الثقافية غير اللغوية بوصفها لغات .إن دراسة اللغة باعتبارها موضوعا من مواضيع علم العلامات لم يكن يمثل سوى أحد الأمثلة الإيضاحية، لكنها في الحقيقية كانت تمثل – في رأي دوسوسير- النسق السيميولوجي الأمثل لعمليات الانتخاب الاصطلاحي التي يمكن أن يقوم العقل البشري بها على الإطلاق. فنموذج التحليل السيميولوجي للغة لم يرغم المتخصصين على دراسة الظواهر الثقافية غير اللغوية بوصفها لغات فقط ،وإنما دفعهم إلى الإصغاء إلى عمليات الانتخاب الاصطلاحي للأنساق الرمزية الجمعية التي يدرسونها، والتي لم يكن بمقدورهم الإصغاء إليها بمعزل عن دراسة الظواهر الثقافية والاجتماعية بوصفها أنساقا من العلامات .

( بتصرف )


من كتاب "فردينان دوسوسير، تأصيل علم اللغة الحديث وعلم العلامات" تأليف ﭼوناثان كللر Jonathan culler .مراجعة د. محمود فهمي حجازي / ترجمة وتقديم د.محمود حمدي عبد الغني . عن المجلس الأعلى للثقافة .طبعة 2000

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 08:00 PM
اتِّجاهاتٌ صِواتِيّةٌ حَديثة



لم تقف الأبحاث الصّواتيةُ عند حدودِ القِطْعةِ (سبق تعريفُ القِطعةِ الصّوتية في الحلقة 2 من هذِه الدّروس) بل تعدّتها إلى البحث في وحداتٍ أخرى هي المقطع و الكلمة، وما يتّصل بهما من ظوهِرِ النّبر والتّنغيم والتّفخيم ، وهذه الوحداتُ الفوق- قطعيّة (Suprasegmentales) تشمل أكثر من قطعة
وهكذا فإنّ بعض المعطيات الصِّواتيّة يمكن أن تحلَّلَ صواتيا اعتمادا على "القطعة" ، وبعضُها يخضع لتحليل فوق- قطعيّ (حسب فيرث1948) .
اتّجاهات في تحليل المقطع :
يعدّ المقطع من الوحدات الفَوق–القِطْعِيّة التي تناولتها كثير من الدّراسات اللّسانيّة. وكلّ ناشئ في لغة يقوم بتقطيع الكلمة إلى مقاطعَ فيصيبُ و يُخطئ، ويعتمد في ذلك على حدسِه فلا يُقسّم الأصوات إلى مَقاطعَ لا على أساس حدٍّ ولا استدلالٍ نظريّ مُعتَمَد في المجالِ العلميّ .
من الباحثين اللّسانيّين من يربط المقطع الصّوتي بوتيرة التّنفّس (ستيتسن1928Stetson)، ولكنّ الدّراسات التي أقيمت على المقطع بيَّنَت أنّه لا يمكن أن يُعدَّ مُطلقَ وحدةٍ حركيّةٍ مهما تكن علاقتُه بالتّنفّس، ويرى باحثونَ آخَرون (Catford1977a) أنّ الكلام ناتج عن تلفُّظاتٍ إيقاعيّة، وتكوِّن هذه التّلفّظات الوحدةَ الإيقاعيّةَ في كلّ لغةٍ ، وكُلّ تلفّظ يُعادلُ مقطَعاً، ويكون هذا المقطع وحدةً صِواتيّةً.
وهناك تصوّر آخر للمقطع وهو التّصوّر الصِّواتي؛ وهو تصوّر يساعدُ على الوقوف على ما يقوم بين المقطع و المقطع الذي يتلوه ، و يتركّب المقطعُ الصّواتي من ثلاثة أجزاء أصواتيّة هي: *الاستئناف، *القمّة أو النّواة، *الذّيل .
وقد قام أصواتيّون بالتّعريف بالمقطع انطلاقاً من خصائصَ فزيولوجيّة أو سمعيّة أو بناء على الجهريّة أو التّلفّظ، وتوصّل بعض هؤلاء إلى تحديد المقطع في إطار نظريّة الحَرَكة (Théorie moteur) حيث يرتبط كلّ مقطع بحركةِ تنفُّس ، ولا يتطابقُ المقطعُ الأصواتيّ مع المقطع الصِّواتيّ، وتذهب (Hooper 1972) إلى أن قواعدَ التّقطيع تُطبَّق بشكل تَكراري في كلّ مرحلة من مراحل الاشتقاق، و لا تتطابق أطراف المقاطع الصِّواتيّة مع أطراف المقاطعِ الأصواتيّة .
تعرّض كثير من اللّسانيّين للمقطع الصِّواتي، واختلفوا في اعتباراتهم؛ فمنخم من يراه مرتبطا بالقدرة (Compétence) ومنهم مَن يره مرتبطا بالإنجاز (Performance)، ولقد صيغت كثير من القواعد الصِّواتيّة في مسألة المقطع والكلِمة منها قضية الحُدود في الصِّواتَة؛ فالصّواتيّون التّوليديّون يُعيّنون حدود الكلمة بعلامة [ # # ] ، و يُعيّنون حدود الكلمة المُدرَجَة داخل الجملة ، أو حدود جذعِ الكلمة، بعلامة [ # ] ، ويُعيّنون حُدودَ الصّرْفَة (Morphème) بعلامة [+] . أمّا اللّغات فإنها تتميّز بمقاطعها؛ فاللّغة ذات المقاطع المتعدّدة التّفريعات هي في الوقت ذاتِه ذات مقاطعَ أقلّ تفريعاً. فكلّ المقاطع الصّوتيّة تتفرّع (وهو قول كلّ من لفنشتام و كي: Lowenstamm and Key 1984)

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 08:02 PM
النّظام الصّوتي عند شومسكي وهالي



تبَنّى كلّ من نوام شومسكي و موريس هالي أعمال ياكبسون الصوتية، الذي يُعدّ أوّل باحث لساني يضع الصوتيّات في إطرِها الكلّيّ، و قد تبنّى شومسكي وهالي أعماله في كتابيْهِما عن المبادئ الفونولوجية للغة الإنجليزية (Sound Pattern Of English, Harper and Row, Publishers, New York, 1968)، حيث جعلا للسّماتِ الصّوتية وظيفتيْنِ:
- تجميع التغايرات الصوتية داخل اللغات
- وصف المحتوى الصوتي للقطع الصوتية، المشتقة بواسطة القواعد الصواتية
و قد جاء البحث في السّمات الصوتية مُعمَّقاً .
هذا وإنّ الصّواتةَ التّوليدية (phonologie générative) تُعدّ مجالاً من مجالات النّحو التّوليدي الذي :
- يهتمّ بالمعرفة الفطرية للمتكلّم بلُغَتِه ، وكيف أنّ هذا المتكلِّمَ يتوصّل –انطلاقا من من معلومات متناهية- إلى بناء ما لا حصر له من الجمل
- و يفترِض وجودَ معجم في ذاكرة المتكلِّم ، يضمّ مكوِّنات الجمل و المعلومات الخاصّة التي تحصل بالتعلّم ، أمّا كيفية تنظيم النحو فإن المكوِّن الصواتي يعالج البنية السطحية للجملة لكي ينتج صورتَها النّطقيّة (حسب نموذج 1965) .

* مستويات التمثيل :
أما التمثيلات الصّواتية فتتكوّن من تعاقب صوتياتٍ ، و يؤثّر السّياق في الوحدة الصواتية (المسمّاة في العربية بالحروف) ، فالوحدة الصّواتية الواحدة قد تكون لها أكثر من صورة أو إنجاز (اللام قد تكون لها صورة مفخَّمَة وصورة مُرقَّقَة) ، ينتج عن هذا أن جردَ الوحدات الأصواتيّة وجردَ الوحداتِ الصواتيّة لا يشتملان على الأصوات نفسِها ؛ فاللاّم على المستوى الأصواتي وحدتانِ اثنتان (لام مفخّمة ولام مرقّقة) ، وهي على المستوى الصِّواتي عنصر واحد.

* قيود على جرد الأصوات :
هناك قيود في جرد صوتيات كل لغة ، ففي العربية قيود على جرد صوتياتها وقيود أصواتية تمنع من صيغٍ تلفُّظيّةٍ غير مقبولة ، و هناك قيود تأليفية تتحكّم في الصوت عندما يدخل في علاقة من أصوات أخرى ، والمثال على ذلك أنّ الافتعالَ من "صبر" يقلب التاء طاء (اصطبار) والافتعال من "زهر" يقلب التاء دالا (ازدهر) .

* الأصوات المشتركة :
تشترك اللغات الطبيعية في بعض الخصائص الصواتية، من ذلك مثلا أنّها تشتمل على الفتحة وهذا يفضي إلى القول بوجود عناصر مشتركة أخرى بينها, وتُظهر التقابلات بين اللغات أن هناك تلازما بين السين والثاء؛ فكلّ لغة فيها الثّاء يكون فيها السّين ، والعكس غير صحيح . و تشترك بعض اللغات في امتلاك نسَق صائتي يتضمّن الحركة والحركة الأنفية كالفرنسية، و تشترك أخرى في امتلاك نسق يتضمن الحركة فقط كالعربية والإيطالية، وأخرى لا تتضمن إلا الحركة الأنفية ، وأخرى لا تتضمن أيةَ حركةٍ .

* التّغييرات الصوتية :
لاحظَ ياكبسون أنّ الطفل يتعلّم الأصواتَ الأمامية قبل الخلفية ، و المهموسة قبل المجهورة، ويتحكم هذا الترتيب في التغييرات الصوتية عبر الزمن .

* الوصف الصواتي و الواقع النفسي :
يقوم الوصف الصِّواتي على واقع نفساني . نُميّز بين المستوى الصِّواتي والمستوى الأصواتي والقواعد الصِّواتيّة التي تحوّل التمثيلات الصّواتيّة إلى تمثيلات صوتيّة
يبدأ الطفلُ بتعلُّم التقابلات المميِّزة على المستوى الصواتي وتعلّم القواعد التي تحوّل هذه التقابلات إلى أصوات منطوقة ، فما يصفه الباحث اللّساني هو ما يتعلّمه الطفل الناشئ، وهذا هو معنى القول بأنّ الوصف الصِّواتي يقوم على أساسِ واقعٍ نفسانيّ . يلمس الطّفل بحدسِه القيودَ السّياقيّةَ فيعرف أصواتَ لغته ويُميِّزُها عن الأصواتِ الدّخيلة ، و يعرفُ المستحيلَ منها والممكن والمستعمَلَ والمُهمَلَ والحسَنَ التّركيب و المُعقّدَ التّركيب ؛ والمثالُ على ذلك أن كلمة [نرجس] دخيلةٌ على العربية عند النّاشئ العربي ، و [عسجد] معقّدة التكوين ، و [سراط] مُعرَّبَة من أصل غير عربي ، و[مستشزر] ركيكة...
ومِن مظاهرِ الربط بين الوصف الصِّواتي والواقع النفسي أنّ المتكلّم يسحب إيقاع لغتِه الأولى ونبرَها على اللّغة الثّانية التي يتعلّمها ، والمثال على ذلك أنّ الطفلَ العربي الذي يتعلّمُ الفرنسيةَ أو الإنجليزيّةَ أو غيرَهما من اللغات الأجنبيّة التي لها نبرٌ ثابت ، يُسيء أداء هذا النّبر ولا يكاد يحترم انفراجَ الأصوات .

* مستويات التّحليل :
رأينا أنّ التّمثيلات الصِّواتيّة تختلف عن النّقل الأصواتي ، و أنّ الأصواتَ نفسَها يمكن أن تُنَظَّمَ بطرقٍ مختلفةٍ ، ويتعيّن على المحلّل الصوتي أن يعرفَ الوحدات الأصواتيّة و الوحدات الصواتية؛ فالوحداتُ الأصواتيّة للغة العربية يفوق عددها ما تشير إليه كتب النحاة والصرفيين؛ إذ تحصر هذه الكتبُ الأصواتَ في ما يُصوّره الخطّ العربي ؛ بينما الخطُّ لا يرسم كلَّ المنطوق .
أمّا الوحداتُ الصّواتيّة فعددها دون ما يقدّمه حروف الهجاء العربي . و الوحدة في الصّواتة هي "الصّوتيّة" ، وتحدّد الصّوتيّة بتقابُلات داخل النّسق الصِّواتي، و أهمّ ملاحظةٍ في صوتيّة مدرسة براغ هي الوظيفة؛ فالصوتية لا يمكن أن تُحدَّدَ على أساس طبيعتها النّفسانيّة ولا على أساس علاقتها بالبدائل الصّوتية ، ولكن على أساس وظيفتها في نسق اللغة ، "فالصوتية" ليست بصوت و لا مجموعة من الأصوات ، ولكنها وحدة دنيا يمكن أن تعمل على تمييز المدلولات ، إنها تجريد أي بنية نظرية على المستوى الصِّواتي تتحدد بتقابلاتها داخل النسق .

* التّغييرات الصِّواتيّة (Changements phonologiques) :
تدلّ التّغييرات الصواتية على حصول تحوّلات تاريخية أو حصول تحولات في كلام المتكلّم عندما يسرع أو يتباطأ ، أو حصول مماثلة أو مخالفة ، فالمُخالفة أن تُبْدَلَ [ك] إلى [خ] من دون أن يكون ذلك ناتجا عن سياق فيبدل الشّديد رِخْواً ، أما إذا حصل هذا الإبدال ، أمّا المماثلةُ فهيَ أن يحصل هذا الإبدال بين الصوتين و يكون ناتجا عن سياق صائتي .
إنّ المماثلةَ تختزل الأصوات، ولو لم تُقاوِم اللّغاتُ هذه المماثلة بما تملكُه من قوة مُخالَفَةٍ لانتهى الأمر إلى انتفاء الفوارق بين الأصواتِ ، هذه الفوارق الناتجة عن القيم الخلافية أو التقابلات، (تحويل إحدى الرّاءين ياءً في "قِرّاط" فتصبح "قيراط") . أما المخالفة فكتحويل أحد المُتماثلين إلى صوت مُخالف، نحو (وَجَدْتُ = وَجَتُّ ، اصتبر = اصطبَرَ ...

* التَّجْريد :
يُستعمَل التّقدير في الوصف اللغوي لِما لا يُدرك إلاّ بما يَتْرُكُه من أثرٍ أو يَثبُت بالاستدلال، ولا ينفصل التقدير عن التّجريد ؛ حيثُ يُستعمل التّجريد في اللسانيات الصواتية والأصواتية التوليدية .
ولقد انبنت الصواتة التّوليديّة على أساسين: نظرية السّمات الثّنائيّة التي ترجعُ إلى ياكوبسون، والعمليات الصرفية-الصواتية (Opérations morphophonologiques) التي ترجعُ إلى أتباع بلومفيلد. أمّا الصواتة التّوليدية فهي جزء من النظرية اللسانية التوليدية العامّة ، و تدخل في إطارِ النظرية الصرفية-الصواتية التي تكوّن الأصواتيةَ في مرحلتها الأخيرة ، والأساسُ في هذِه المرحلةِ الأصواتيّة الأخيرة هو مبدأ الرّبط بين البنية التحتيّة والصّورة اللّفظية المنطوقة، و دور اللّساني هو اكتشاف هذا المبدإ و إقامة القواعدِ التي ترجع البنيةَ التّحتيةَ إلى المستوى اللّفظي المنطوق .
يقوم العمل في الصّواتة التوليدية على مبدإ التّعميم (Principe de généralisation) وهيمنة القواعد ، فأفضل القواعدِ هي أعمُّها ، أي أفضلُها التي تنطبق على أكبر عدد من الصيغ ، و عندما تسود القواعد ينتشر القياس ويقلّ الشّذوذ (وقد سبق للنحو العربي أن اعتمَدَ هذِه المبادئ واتّخذَ التّجريدَ منهجاً) .
ذهب بريم (1970Brame) إلى وجود حركةٍ طويلةٍ (مثلما سبق للخليل وسيبويه و ابن جنّيّ أن ذكروا أنها تتكوّن من حركة قصيرة وساكنٍ، أي مدّ بالياء أو الواوَ، وذكروا أنّ الحركات أبعاض حروف المدّ)، ووافقَ بريم في مَذهبِه دفيد أودّن (D.Odden :1979) خلافاً لبعض اللّسانيّين الذين يقترحون قواعِدَ أقلَّ شموليّةً وأكثر محلّيّة(ad hoc)

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 08:03 PM
تحديد مفاهيم أولية ::الصرف و موضوعه في المنظور الغربي


التصريف في علم اللغة الغربي الحديث هو ثان أربعة مستويات تندرج تحت مصطلح (علم اللغة) الذي تُعنى بدراسة المستويات الأربعة، وهذه المستويات هي :
1. مستوى الأصوات.
2. مستوى الصّرف.
3. مستوى النحو.
4. مستوى المفردات.
فالتصريف في علم اللغة الحديث يبحث في الوحدات الصرفية (المورفيمات) أو (الصرفيات) التي تؤدِّي وظائف محدّدة في الصيغ. فهو يختلف عن التصريف عند المتقدمين من الصرفيين العرب الذي كانوا يرون أنه يختصّ بالبحث في ضربين من التغييرات التي تعتري أبنية الكَلِم. الأول يحدث في الأبنية ويترتب عليه تغيير في المعنى، وهو التغيير الذي يكون لغرض معنوي. و الثاني هو التغيير اللفظي الذي لا يؤدّي إلى تغيير في المعنى، وذلك نحو ( قَوَلَ، وبَيَعَ ) من الأجوف و( غَزَوَ، ورَمَيَ ) من الناقص إلــى قال، وباع، وغزا، ورمى بقلب حرف العلة ألفاً لتحركه وانفتاح ما قبله. و«هذا التغيير لا يترتب عليه أي تغيير في المعنى، وإنما هو قائم على قضية الأصل الافتراضي الذي كان سمة بارزة في منهج الصرفيين، فقد آمنوا بفكرة الأصل المتخيّل لأبنية الكلام، و طبقوها في مباحث التصريف...» .
غير أن ما ينبغي أن نشير إليه هنا في هذه القضية، هو أن المحدثين من علماء اللغة يُدْرِجون هذا التغيير اللفظي في علم الأصوات، ويخرجونه من التصريف، لأنه تغيير لا يؤدّي إلى وظيفة جديدة غير الدلالة التي كانت للصيغة قبل أن يحدث التغيير فيها.
فهم يرون أن التصريف لا يقوم إلا على ما يقرره علم الأصوات من حقائق وما يرسمه من حدود، فهو يعتمد عليه اعتماداً كلياً. فهو إذن يتعامل مع البنية الداخلية للكلمات من حيث تكوين عناصرها الأولية، والتفاعل بين هذه العناصر حيث التداخل الشديد بين منظومتي الصرف والصوتيات ، لأن الظاهرة الاشتقاقية في جوهرها مزج للجذور مع الأنماط الصوتية لسلاسل حركات الصيغة الصرفية، فالتغييرات التي تحدث في الكلمات وتؤدي إلى تغيير في المعنى هي من صميم الصرف. فموضوع الدراسة في علم الصرف هو دور السوابق واللواحق والتغييرات الداخلية التي تؤدي إلى تغيير المعنى الأساسي للكلمة مثل (dog) و (dog s) و (doges)… .
ومن اللغويين المحدثين الأوائل المهتمين بالصرف العالم اللغوي فردينارد دي سوسير (Ferdinard de Saussure) الذي يرى أن علم "المورفولوجيا" يعالج "طوائف الكلمات (الأفعال، الأسماء، الصفات، الضمائر..الخ)، وأشكال التحول (La fléxion) فيها، هي:
تصريف الفعل (La cojugaison ) وصرف الاسم (La déclinaison) . ولا تتناول المورفولوجيا سوى الأشكال ( formes).
ومن المهتمين أيضاً بالصرف في الغرب، ماتيوس (P.H. Matthews ) الذي وجد نفسه مجبراً في بداية كتابه (المورفولوجيا Morphology ) طرح السؤال الهام: لماذا دراسة المورفولوجيا ؟ .
فكانت لبداية هذا الكتاب طابع تاريخي ذهب فيه إلى أن الثلاثينيات كانت عقد الفونولوجيا في حين كان عقد الأربعينيات وبداية الخمسينيات العقد الذهبي للمورفولوجيا.. ويرى جون مولينو (Jean-Molino) أن كتاب ماتيوس قد ساهم بشكل مهم في تسليط الأضواء على دراسة المورفولوجيا (تحليل اللغة من ناحية الشكل والبنية). فاهتمام أصحاب النحو التوليدي الأوائل كان منصباً على دراسة التركيب، ومع ظهور كتاب ماتيوس سنة 1974 عرف البحث الصُّرفي تقدماً ملحوظاً في أعمال نعام شومسكي(1970)، وورسل(1970)، وأوُرنوف(1976)، و ديل(1979)..
ورأي ماتيوس في الصرف هو أن هذا العلم هو بمثابة دراسة لـ "أبنية الكلمات". وترتكز النظرية الوصفية لماتيوس على أربعة مستويات:
مستوى صوتي.
مستوى تركيبي.
مستوى دلالي.
مستوى صرفي: ويهتم ببنية الكلمة وتكوينها والتغييرات التي تطرأ عليها.
ومع ظهور اللسانيات البنيوية ، برز نموذج جديد في التحليل المورفولوجي يرتكز على المطابقة. وهو تحليل لا يعير أي اهتمام لتاريخ اللغة وتطورها. بل ينطلق من نظرية الاكتشاف، فالعالم اللساني المختص يعتبر نفسه أمام لغة يجهلها تماماً، والتي يجب عليه أن يدرسها بكل جدية، لذا أصبحت المورفولوجيا مرتبطة بالفونولوجيا على حدّ قول أندري مارتيني (A. Martinet). إن العملية التي تسمح بتحليل مكونات الشكل الخطابي (L'énoncé‏)، واستخراج الوحدات التعبيرية ذات معنى (Monèmes) لا تختلف عن العملية العكسية أي التي تجزئ الدال إلى أجزاء صوتية. وتنطلق المناهج البنيوية من فكرة وجود تطابق بين الدال والمدلول.
ويرى مارتيني أن هذا المنهج غير كاف بحكم تواجد بعض الإشكالات مثل الصوتيات المتداخلة والكلمات ذات الدلالة الواحدة، ولكنه يبقي على فكرة تكوين الكلمة من دال ومدلول.
ويقترح "هوكيت" (Hocket) في مقال له سنة 1959، منهجاً آخر يرتكز على مفهوم تطور اللغة يقضي بأن تغير الكلمة يتم بفعل فونيمات تضاف على أصلها، فيتغير معناها، لكن تغير الكلمة يمكن أن يفهم بطريقة أخرى وهي أن الكلمة تخضع لعمليات تغير على مستوى شكلها، وأن كل الإضافات التي عرفتها هي نتيجة لهذه العمليات، وهذا ما يدفع إلى القول بأن ظاهرة الجمع في لغة ما هي نتيجة لعمليات تغييرية. إن هذا المنهج الذي وصفه "هوكيت" هو تقريباً نفس النسق التحليلي الذي استعمله "شومسكي" (Chomsky)
وهذا وجه التشابه بين البنيوية الأمريكية والنحو العام الذي يمثله "شومسكي"…وواضح أن المدرستين لا تضعان حاجزاً بين الفونولوجيا والمورفولوجيا والنحو.

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 08:07 PM
قَضايا صوتيّةٌ في العربيّة




1- توالي الحَرَكات :من خصائص المتَوالِياتِ الصَّوتيّة في اللّغة العربية تعاقُبُ حركتين ، فالعربيّة لا تبدأ بمدّ، ولا تبدأ بساكن و لا بمجموع ساكنين و لا تقف على متحرِّك ، و لكنّه يجوز فيها تعاقُب حركتين في بعض المَساقاتِ: حركة أولى في نِهايةِ "صرْفَةٍ" و حركة ثانية في بدايةِ "صرْفَةٍ" أخرى، وهو ما عُرِف عند علماءِ النحو و الصّرف بهمزة الوصل .
أ- همزة الوصل :
تؤدّي همزة الوصل وظيفةً غير التي نشأت من أجلِها وهي المنع من الابتداء بِساكن (مثلا: اِسْمٌ) وهي الوظيفة الجديدة هي التّوصّل إلى النّطق بالسّاكن أو تسهيل النّطق بالسّاكن ، و هو ما سمّاه الخليل بسُلّم الحروف أي سُلّم حروف البِناء ، وذهب أبو عليّ الفارسيّ إلى أنّ همزة الوصل اجتُلِبت ساكنةً لأن أصل المبني السّكون و كُسرت لالتقاء السّاكِنيْن (حاشية الصّبّان على شرح الأشموني: 4/309) ومن اللّغويّين مَن ذهَب إلى أنّ همزة الوصل بدون حركة ، أي هي ساكنة ، فالتقت بساكن، فتحرّكَت بكسرة.
ويرى الأشموني أنّ لهمزة الوصل سبعَ حالاتٍ : فهي تُفتح مع "ال" ، و تُضمّ في "اُنْتُدِبَ" و"اُخْرُج" ، و يترجّح ضمّها على كسرِها كما في "اُغْزي" للمخاطَبةِ في الأمر ، و يترجّح فتحُها على كسرِها كما في "أيْمُن" و "أيْمُ" ، ويترجّح كسرُها على ضمِّها كما في "اِسْم" ، ويجوز فيها الضّمّ والكسر والإشمام كما في "اُِخْتير" و "اُِنقيد" وإن كان الكسر فيها هو الأصل .
و قد ذهب تروبيتزكوي (Principe de Phonologie) إلى أنّ لهمزة الوصلِ وظيفةً حدّيّةً (Fonction délimitative) في بعض اللّغات؛ فهي لا تمثّل وحدةً صوتيّةً (Phonème) مميّزَة بل تأتي في بداية الصّرْفاتِ (Morphèmes) التي تبدأ بحركة، فهمزة الوصل في الواقع هي حركة، والذي يحصل هو تعاقب حركتين، انظر مثلا : "اِجْلِسْ حيثُ انتهى بك المجلسُ" و "أمْسِ الدّابِرُ لا يَعودُ" نلاحظ تعاقبَ حركتينِ ثانيتُهُما تتعرَّض للحذف، و لا يتعلّق الأمر بهمزة، و ما يُسمَع يكون همزةً حدّيّة استئنافيّة تذهب بذهاب هذا الوضع . و هكذا فالحركة الثانية التي تأتي في أول الصّرفة هي التي تُحذَف وهي حركة وصل .
ب- تعاقب حركة الوصل وهمزة الاستفهام :
ذهب النّحاة إلى أنّ همزة الاستفهام إذا سَبَقَت همزة الوصل "الـ" انقلبت هذه الهمزة مَدّةً، في مثل قوله تعالى: (قُلْ آلله أذِنَ لَكُمْ أم عَلى الله تَفْتَرونَ؟) (يونس:59) ، وقد يجوز حذف همزة الاستفهام رسما ونطقا مثل : (الأملُ أفضل أم اليأس؟) حيث إنّ حرف "أم" يشير إلى معنى الاستفهام .

2- الإبْدال :
تعرف اللّغات ظاهرة التّغيير ، ومن التّغيير ما هو سياقي تزامنيّ كالمماثلة والمخالفة والانسجام الصّائتي، ومنها ما هو نَسَقي تزامنيّ . فمن التغييرات تغيير البدل الذي هو إقامة حرف مقام حرف، وليس الإبدال تعمُّدَ تعويضِ حرف مقام حرف ، وإنّما هو " لُغاتٌ مختلفة لِمعانٍ متّفقة " (الإبدال اللّغوي لأبي الطّيّب اللّغوي) ، ويشمل الإبدالُ ظواهرَ صوتيّةً – صَرفيّةً كالإعلالِ بالقلب و بعضَ أشكالِ الوقف، و لا يخصُّ تبدّل الأصواتَ الصّحيحة فقط . و الإبدالُ في أصواتِ العربيّة إمّا قياسي مطّرِد وإمّا سماعي؛ فأمّا القياسي فما كان خاضعا للضوابط ولقواعد العامّة ، و أمّا السّماعيّ فما سُمِع ولم يكن مطَّرِدا .
وحروف الإبدالِ عند علماءِ الصّرفِ العرب تجمعها كلمة (استنجده يوم طال)، وأول من استعمل المصطلحَ الأصمعيُّ، ثُمّ سُمّي فيما بعد بالقلب، و"الإبدال والمُعاقبَة والنّظائر" (كتابُ للزّجّاجي)، والمُضارَعة والتّعاقُب والاشتِقاق الكبير أو الأكبر، وألّف ابنُ جنّي "تَعاقُب العربيّة" في موضوع الإبدال . وقد درسَ علماء النّحو والصّرف الإبدالَ متّصلاً بالقلبِ النّحويّ ويشمل الإعلالَ ونقلَ الحركاتِ وما يقع في صيغة "افْتَعَلَ" ، ثمّ بعض ظواهر الإدغام .
و تكثُر أمثلة الإبدالِ في المُضعَّف ، وتكوِّن سلاسلَ دلاليّةً مثل: قَتَّ و قدَّ و قضَّ و قَظَّ، وجدَّ وجَثَّ وجَذَّ وجَزَّ ، و أذّ وهَذّ وقَذَّ وقَصَّ وحَذَّ وحَسَّ ... وينبغي في هذا السياق أن نميز بين ما هو إبدال صوتي محض له مُسوِّغاتُه ، وبين التّصحيف ، وبين ما هو إبدالٌ ناتج عن تداخُل لُغاتِ القبائل العربية، وهو تداخل تمّ على أساسه انتقاء اللغة العربية الفصيحة (منها قيس وأسد وتميم وهذيل وبعض كِنانةَ وبعض الطّائيّين) انتقاءً حملَ لها أحسن ما في تلك اللّهجاتِ القبَلِيّة .
أمّا قولُهم عن الإبدالِ إنّه إقامة حرف مقام حرف ضرورةً أو صنعةً استحساناً ، فإنّه من ترخيصات النَّسَق عند العرب و مِن سُنَنِها وملكاتِها ، و من الدّارسين مَن اقترح قوانينَ أصواتيّةً لتفسير ظواهر الإبدال تُبيّن أنّ الأقوى من الحروف يُؤثّر في الأضعف و أنّ المجهورَ يؤثّر في المهموس إذا كان المهموس ساكناً .
وقد بيّن بعض الباحثين أنّ اللّغة العربيةَ تخضع كباقي اللّغات السّاميّة إلى تقييد الحروف المتجانسة في الجذور :
(Web Charlotte 1982, A historical source for the germinate roots in arabic, College of arts letters – San diego State University) ، و ما يسترعي الأنظار في هذه الأنسقة هو أنّها لا تستسيغ المُتجانسَ في التأليف والتّركيب بين الأصوات ولكنّها تستغلّه في التّناوُب، وهذا التّناوُب هو السّبب في انتشار ظاهرة الإبدال فيها .
ويَستنتِج بعضُ الباحثين (د. إدريس السّغروشني، مدخل للصِّواتَة التّوليديّة، سلسلة المعرفة اللسانية، أبحاث ونماذج، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط.1 / 1987، ص:102) أنّ ظاهرة الإبدالِ لا ترجع إلى تداخُل اللّغاتِ ، كما ورد عند اللّغويّين العرب، بل إلى إمكاناتِ النّسَق الي يستعملُ الإبدالَ ترخيصاً من ترخيصاتِه، و تُشارِكه في ذلك كثير من اللّغات .
و ظلّ الدّارسون يرون في الإبدال إمّا تداخلاً لغويا أو تعاقبا أصواتيا يُشترَط فيه قرب المخرج والصّفة، ومنهم مَن أثارَ القضيّة على مستوى نسَقيّ ؛ فالنسق العربيّ الذي يستثقل المُتجانسَ والمُتقارِبَ في التّأليف الصوتي يستسيغُه في التّعاقُب عُموما ، أمّا ما يخرج عن التّعاقب والتّجانُس و يرِد في باب الإبدال فيرجِع إلى التّصحيف وعُيوب النّطق، مثلما يحدث لحرف الجيم التي يُمكن في النّسَق العربي أن تتّخذ صورا كثيرةً : دج ، د ، ج ، شـ، ي ، كـ، ء ، ق ، ع ، هـ، ن ، ل ، ر ، م . وقد ينقلب إلى تصحيف لغويّ كما في الصّور التّالية : سـ، ص ، ض ، ط ، ظ ، ح ، خ ، غ .
و لا تخرج الحروف الأخرى في اللّغة العربية عن هذِه الإمكانات الثلاثة التي هي : إمّا النّسَق أو التّصحيف أو العيب النّطقي، و الظّاهر أنّ أصحابَ المعاجم دوّنوا في معاجِمِهم ما كان سليمَ النَّسَق و ما كان راجعاً إلى تصحيف و ما كان راجعا إلى عيبٍ نطقيّ ، فحشروا في معاجِمهم كلّ ما جمعوه ولم يُخضعوه لضوابطَ صوتيّةٍ ، و كان عليهم ألاّ يُثبتوا إلاّ ما كان يَفي بشروط الفصاحةِ في تأليف الأصواتِ ، وأنّه شائع معروف ( د. إدريس السغروشني، مدخل للصواتة التوليدية، ص:103-104)

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 08:09 PM
مسائل صرف / صوتية. السلك الثالث




المماثلة: (كلما اقترب صوت من صوت آخر ، اقتراب كيفية أو مخرج ، حدثت مماثلة ، سواء ماثل أحدهما الآخر أو لم يماثله ).
المماثلة أبرزها :
1 ـ المماثلة الرجعية ، ومعناها : أن يماثل صوت صوتاً آخر يسبقه .

2 ـ المماثلة التقدمية ، ومعناها : أن يماثل الصوت الأول الصوت الثاني .
3 ـ المماثلة المزدوجة ، ومعناها : أن يماثل صوت الصوتين اللذين يحوطانه(1) .
والمماثلة في أنواعها متناسقة الدلالة في اللغة العربية في حالات الجهر والهمس ، والشدة والرخاوة ، والانطباق والانفتاح ، مما يتوافر أمثاله في مجال الصوت ، وتنقل مجراه .
إن انتقال حالة الجهر في الصوت العربي إلى الهمس في المماثلة الرجعية شائع الاستعمال في أزمان موقوتة لا تتعداها أحياناً إلى صنعة الملازمة والدوام ، وإنما تتبع حالة المتكلم عند الممازجة بين الأصوات أو في حالة الإسراع ، وهناك العديد من الكلمات العربية قد أخضعت لقانون المماثلة الرجعية ، وهي أوضح فيما اختاره عبدالصبور شاهين ، فالكلمة ( أخذت ) مثلاً مما نظّر له عنها ، ( أخذت ) حينما تنطق آنياً ( أخَتُ ) فقد آثرت التاء في ( أخذت ) وهي مهموسة ، في الذال قبلها وهي مجهورة ، فأفقدتها جهرها ، وصارت مهموسة مثلها ، وتحولت إلى تاء ، ثم أدغم الصوتان .
أما عن المماثلة التقدمية ، فإن في العربية باباً تقع فيه هذه المماثلة بصورة قياسية ، في صيغة « افتعل ـ افتعالاً » حيث يؤثر الصامت الأول في الثاني ، قال تعالى : ( واًدّكَرَ بَعدَ أمَّة أنَا أنَبّئُكُم بتَأويله فَأَرسلُون ) (2) . الفعل : هو ذكر ، وصيغة ( افتعل ـ افتعالاً ) منه ( إذتكر ـ إذتكاراً ) إذ تزاد الألف في الأول ، والتاء تتوسط بين فاء الفعل وعينه ، فيكون الفعل ( إذتكر ) والذال مجهورة ، والتاء مهموسة ، فتأثرت التاء بجهر الذال ، فعادت مجهورة ، والتاء إذا جهر بها عادت دالاً ، فتكون : ( إذ دكر ) والدال تؤثر في الذال بشدتها ، فتتحول الذال من صامت رخو إلى صامت شديد ( دال ) ثم تدغم الدالان ، فتكون « إدَّكَرَ »(3) .
____________

ب ـ وأما المخالفة : Dissimilation فتطلق عادة على أي تغيير أصواتي يهدف إلى تأكيد الاختلاف بين وحدتين أصواتيتين ، إذا كانت الوحدات الأصواتية موضوع الخلاف متباعدة (4) أو تؤدي إلى زيادة مدى الخلاف بين الصوتين (5) .
وقد وهم الدكتور إبراهيم أنيس رحمه الله بعدّه علماء العربية القدامى لم يفطنوا لظاهرة المخالفة في الأصوات ولم يعنوا بها عناية بالغة (6) .
بينما يدل الاستقراء المنهجي لعلم الأصوات عند العرب أن قوانين علم الصوت العربي لم تفتها ظاهرة المخالفة بل تابعتها بحدود متناثرة في كتب اللغة والنحو والتصريف ، وهو ما فعله علماء العربية في التنظير للمخالفة تارة ، وبدراستها تارة اخرى ، منذ عهد الخليل بن أحمد ( ت : 175 هـ ) حتى ابن هشام الأنصاري ( ت : 761 هـ ) .
يقول الدكتور عبد الصبور شاهين « عرفت العربية ظاهرة المخالفة في كلمات مثل : تظنّن ، حيث توالت ثلاث نونات ، فلما استثقل الناطق ذلك تخلص من أحدها بقلبها صوت علة فصارت : تظنى .. ولها أمثلة في الفصحى مثل : نفث المخ : أنفثته نفثاً ، لغة في نقوته ، إذا استخرجته ، كأنهم أبدلوا الواو تاءّ » (7) .
وهذا ما ذهب إليه الأستاذ فندريس في ظاهرة المخالفة صوتياً ، وكأنه يترجم تطبيق العرب بأن « يعمل المتكلم حركة نطقية مرة واحدة ، وكان من حقها أن تعمل مرتين » (8) . فإذا تركنا هاتين الظاهرتين إلى مصطلحين صوتيين آخرين يعنيان بمسايرة تطور الصوت في المقطع أو عند المتكلم ، وهما : النبر والتنغيم ، لم نجد العرب في معزل عن تصورهما تصوراً أولياً إن لم يكن تكاملياً ، وإن لم نجد التسمية الاصطلاحية ، ولكننا قد نجد مادتها التطبيقية في شذرات ثمينة .


للمزيد من التفاصيل في الموضوع: ينظر:
-منهاج الصرفيين و مذاهبهم/ حسن هنداوي
- دروس في علم الصرف/ علي بن مهدي القرني

_____
الهوامش:
(1) ظ : مالمبرج ، علم الأصوات : 141بتصرف وأختصار .
(2) يوسف : 45 .
(3) ظ : عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات الدراسة : 145 بإضافة وتصرف .
(4) ظ : مالمبرج ، علم الأصوات : 148 .
(5) ظ : تمام حسان ، مناهج البحث في اللغة : 134 .
(6) ظ : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : 211 .
(7) عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات الدراسة : 150 .
(8) فندريس ، اللغة : 94 .

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 08:12 PM
الصِّواتَةُ التّقليدِيّة والصِّواتَةُ التَّوْليديّة :
Phonologie traditionnelle et phonologie générative
***


تسعى الصِّواتَةُ التّقليديّة إلى استقصاء صوتيّاتِ كلّ لغةٍ طبيعيّةٍ بواسطةِ جدولِ المُقابلاتِ بين الأصواتِ، أما الصّواتةُ التّوليديّة فإنّما تصرفُ اهتمامَها إلى جعلِ صورةٍ صوتيّةٍ تلفُّظيّة لبنيةِ التّركيبِ السّطحيةِ (S-structure) التي تنتج عن التّحويلات التركيبيّة (كان هذا التصور سائدا في النموذج المعيار للنحو التوليدي) وتعمل الصّواتةُ التّوليديّة –كالتركيب- على مستويات انطلاقا من التّمثيل الأوّلي أو التّحتي و وصولاً إلى مستوى النطق والتّلفّظ . وقد تنتهي التحويلات إلى بنية سطحية لا تتناسب ومتطلّباتِ المستوى الصِّواتي الأوّلي فيتعذّر التّمثيل الصواتي الأولي ، فيُحتاجُ حينئذ إلى قواعد التّعديل (Règles de réajustement) تتحوّلُ بموجبِها البنية السّطحيّة في التّركيب إلى بنية أوليّة أو تحتية في الصّواتة، فتُجرى عليها القواعد الصِّواتيّة لتَصِلَ بِها إلى مستوى النّطق والتّلفّظ .
ولا تقف الصواتةُ التّوليدية عند حدود البحث في النّسق الصِّواتي للغةٍ ما ، بل تتعدّى ذلك إلى استكشافِ بنية صرفيّة لهذه اللّغة وإقامة قواعدَ تُطبَّق على هذه البنية الصرفية . وهذا الإجراء يُبيّن أن الصواتةَ التّوليدية لها جوانب صرفية وأصواتية ، وخاصة في الأعمال الصِّواتيّة التي اشترك فيها كل من ن.شومسكي و م.هالي (1968) في إطار النّظريّة المعيار (Théorie standard) .

***


* القِطعُ الصّوتيّة :
تتجزّأ المتوالية الصوتية إلى قطعٍ صوتيّةٍ (انظر:Goldsmith,1976)، خاضعة لترتيب خطّيّ زمني، وتتكوّن هذا القطع الصّوتية من سماتٍ (traits = features) هي عبارة عن صفاتٍ صوتيّة خارجية هي المخارج كالحلقيّة والشفوية واللّهوية... و صفات صوتية ذاتية مثل الجهر والهمس والشدة والرّخاوة والتفخيم والترقيق... وفي القِطع الصّوتيّة ما هو مفرد زما هو مركَّب ، فالمُركّب كالجيمِ الفصيحة في العربيّة لأنها تبدأ بشدّة وتنتهي برخاوة، ويكون تقطيع هذه القطعة المركّبة بحسب بنية تحتية (تحت-القطعيةstructure sous-segmentale ) ، وهناك ظواهر تنغيميّة في بعض اللغات تقتضي التعرّف على بنية فوقيّة (فوق-القطعية str. Supra-segmentale)، وهذا التّجاوز القطعي يتنافى والنظرية المعيار التي تقف عند حدود القطعة الصوتية .

* الكِتابة الأصواتيّة والصّواتيّة :
ينطلق البحث الصواتي لِلُغةٍ من اللغات من المعطيات الأصواتيّة ، وذلك لإقامة النّسق الصّواتي لهذه اللغة ، فهو يتنقّل بين الكتابة الأصواتيّة والكتابة الصِّواتيّة ويكتشف القواعد الصّواتيّة الخاصّة بلغةٍ من اللغات ثمّ يصوغها ، و تتيسّر بعد ذلك الكتابة الصواتية . والكتابة العربيّة ليست أصواتيّةً تجسّد التفخيم والترقيق والمدّوالقصر والإمالة والتّسهيل ، كما تفعلُ ذلك قواعد التّجويد التي لها كتابتُها الأصواتيّة وتعتمد العناصر الصوتية المعبرة عن القياسات التلفّظيّة ، الكتابة العربية صِواتيّة، وهي بذلك أقلّ كُلفةً من الكتابة الأصواتية لأنّها هذه لا ترسم العناصر الصوتية .
أما الصواتة التوليدية فإنها لا تهتم بالوحدات الصوتية با تقتصر قواعدها على تحويل البنية السطحية في التركيب إلى تمثيل أصواتي .

* مصطلحات صواتيّة :
هناك مصطلحات مستعملة في المجال الصواتي مثل الفونيماتيكا الفونيميكا والفونيتيكا والفونولوجيا :
- يطلق هرينغتون Harrington مصطلح الفونيماتيكا (Phonématique) على أسس الكلام الفيزيائية والفونولوجية والنفسية (انظر: Hamp : 1966) و تستوي عنده الفونيتيكا أو الأصواتية والفونيماتيكا حيث يقصد بهما وحدات التّلفّظ الدّنيا .
- ويقترب كريسطال (Crystal : 1971) في معجمه الصوتي من اصطلاح هرينغتون؛ إذ يحدد الوحدات الصوتية (Unités phonématiques) في إطار الصّواتة التّطريزيّة (Phonologie prosodique) التي اقترحها فيرث (Firth) ؛ فهو يعني بهذا المصطلح الصوامت والصوائت والتطريزات ، و يرى أن تحليل لغة ما إلى وحدات صوتية (فونيمات) يظهر بنيتها الفونيميكية (Structure phonémique) أي بنيتها الصِّواتيّةَ الفونولوجية

* الصامت والصائت:
الصوامت والصوائت أو السواكن والحركات مصطلحات صوتية عند علمائنا اللغويين، يذهب الخليل بن أحمد إلى أن البناء هو الساكن أما الحركات فهي زوائد (قال سيبوبه: « وزعم الخليلُ أنّ الفتحةَ والضّمّةَ والكسرَةَ زوائدُ، وهُنّ يَلْحَقْنَ الحرفَ لِيوصَلَ إلى التّكلُّمِ به. و البِناءُ هو السّاكنُ الذي لا كتاب سيبويه:4/241-242) . والظّاهرُ أنّ كلمةَ "ساكن" تُطلَق عند لُغوِيّينا القُدماءِ على ما ليس بمُتحرّكٍ أي على ما لا تعقُبُه حركةٌ ، فالسّكون عندهم صفةٌ للصوتِ بحسبِ ما بعدَه وليس باعتبارِ ذاتِه
و قد اختلف اللغويون العرب المعاصرون في إطلاق اللفظ المقابل لـ (Consonne) بين الصّحيح والسّاكن والصّامت ، كما اختلفوا في ترجمة (Voyelle) بين العلّة وصوت اللّين والصّائت.

* نظام السِّمات:
السِّمةُ (Feature/trait) وحدةٌ أو صفةٌ صوتيّةٌ مميَّزَةٌ دنيا غير متعاقبة ، وكلّ قطعة صوتيّة تتركّب من سِماتٍ ، أي كلّ حُزمةٍ من السِّماتِ تُؤلِّفُ قطعةً صوتيّةً ، ويستعملُ علم الصِّواتة (الفونولوجيا) هذه السّماتِ لصياغة قواعده .
و أمّا تصنيف السِّمات فقد تُصنّف بحسبِ علاقاتِها بتقابُلاتِ النّسق كلِّه (Oppositions)، أو بحسب علاقة بعضِها ببعض، أو بحسب مدى قوتها التّمييزيّة ، كما فعل تروبيتسكوي (1939) .
أمّا رومان ياكبسون و فانت وهالي (Jakobson, Fant et Halle : 1952) فإنّهم يبيِّنون أنّ أساس الصِّواتة مجموعةٌ من السّماتِ المميِّزةِ التي تستخدمها كلُّ اللغاتِ لإقامة التقابلات التي هي عبارة عن ثنائيّاتٍ ضدّيّة مثل [+صائت] و [+صامت]، وتتراوح بين اثنتي عشرةَ سمةً وخمسَ عشرَةَ سمةً تقوم على أساسها التقابُلاتُ في لغات العالم، ومن خصائص هذه السّماتِ أنّها ثنائية (Binaire) أي إنّ كلّ سمة تحمل قيمتين يُرمز إلى الأولى بعلامة زائد [+] وإلى الثّانية بعلامة ناقص [-]. ومن البدهي أن السّماتِ الصوتية التي تحتاج إليها اللغات للتمييز بين أصواتِها يفوق الاثنتي عشرةَ أو الخمسَ عشرةَ، فالسّمات الصوتيّة هي إنجازات لمجموع السمات الصواتية أو المميزة .
أمّا لغويّونا العرب القدماء فقد درسوا الأصواتَ صفاتٍ ومخارجَ وميزوا بين المخارجِ المحقّقة والمخارجِ المقدّرةِ، وميّزوا بين الصفاتِ المستحسنَة والصفاتِ المستهجَنَة، أمّا اليوم فإن الأصواتَ تُدرس من جهة حدوثِها في جهاز النطق ومن جهة حاسّة السّمع

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 08:14 PM
لسانيات حديثة، نظرية وتطبيقية

اهتمّ علماء النحو والتجويد بأصوات اللغة العربية من أجل تقويم ألسنة القراء حتى يُعطوا حروف القرآن حقَّها ، أمّا النّحاة فلم يدرسوا الأصوات إلا تمهيدا لباب الإدغام - مثلَما فعل سيبويه في الجزء الرابع من الكِتابِ، (باب الإدغام) – من أجل بيان التّفاعُل بين الأصوات .
و درجت الدّراسات الصوتية والصرفية على ما بناه النّحاة ، ومنهم الخليل وسيبويه، وعُلَماءُ التّجويد قرونا طويلةً ، حيث استمرّ الاهتمام بالحركات و السّواكن (أو الصوائت والصوامت) إلى أن ظهرت الدّراسات الصوتية الحديثة فأخذت تدخُل مفاهيمُ لسانيّةٌ صوتيّةٌ جديديةٌ إلى مجال الدّراسات الصوتية العربية .
و لا نُنكرُ فضلَ الدّراسات اللغوية العربية القديمة في مجالِ الأصوات، فقد بحثَ النّحاةُ في الأصوات في إطار النّحو أي علم التّركيب العربي، وجعلوا مبحثَ الأصواتِ فرعاً من المباحث الصّرفية، فربطوا بذلك بين الصرف والأصوات مثلَما فعلت الصّواتَةُ التّوليدية حديثا
(Phonologie générative)


مَفاهيمُ صَوتيّةٌ :


الأصواتيّة والصِّواتَة :

* المَقْصودُ بالأصواتِيّة أو عِلم الأصواتِ (Phonétique) :
الأصواتِيّةُ تهتمُّ بالمادّةِ العِلْميّةِ التي تتكوّنُ من أصواتِ لُغةٍ من اللّغاتِ ، و تخضعُ للدّرسِ والمُلاحظةِ وحصرِ طُرقِ النّطقِ بها ، و لها فروع ، منها
- الأصواتيّةُ السّمعيّةُ أو عِلم الأصواتِ السّمعيّ Phonétique auditive
- الأصواتيّةُ النّطقيّةُ أو علم الأصواتِ النّطقِيّ Phonétique articulatoire
- الأصواتيّةُ الإصغائيّةُ أو علم الأصواتِ الإصغائيّ Phonétique accopustique
- الأصواتيّةُ التأليفيّة أو علم الأصواتِ التّأليفيّ Phonétique combinatoire
- الأصواتيّةُ الآليّة أو علم أصواتِ الآلة Phonétique instrumentale
- الأصواتيّةُ التّقويميّةُ أو علمُ الأصواتِ التّقويميّ Phonétique corrective
- الأصواتيّة التّزامنيّة أو علمُ الأصواتِ التّزامُنيّ Phonétique synchronique

* و المقصودُ بالصّواتَةِ علمُ وظائفِ الأصواتِ (Phonologie) :
تنْبَني الصِّواتَةُ على عِلم الأصوات، ومن رُوّادِه دوسوسير (De Saussure) وتروبيتسكوي (Troubetzkoy) و أندري مارتيني (A. Martinet)و غيرهم ، و كلّ متكلِّمٍ يستعملُ أصوات لغتِه استعمالاً صِواتيّاً أي فونولوجيّاً، وهو يجهلُ ماهيّةَ الصفات الصوتيّة ولكنّه يُجيد استعمالَها، أي إنّه يمتلك معرفةً حدسيةً لوظيفة أصوات لغته .

* الوَحْدَةُ الصّوتيّةُ أو الفونيم (Phonème) :
واكَبَت نشأةُ هذا المفهومِ نشأةَ الصِّواتةِ، والمقصود بمفهوم الوحدة الصّوتيّة (الفونيم) العُنصر الصّوتي الذي لا يتجزّأ ، و قد ذهب بودوان دوكورتناي (B.de.Courtenay) إلى أن الوحدة الصوتية (الفونيم) وحدة أصليّة ترتبط بها فروع تظهر في الصور الصرفية . أمّا دوسوسير فقد عرّفَ الوحدة الصّوتيّةَ بأنها الكيان المتقابل النّسبي والسّلبي، وهذا تعريف لها داخلَ النّسق وليس في متعاقبةٍ من الأصوات ، تعريف دوسوسير تبنّته مدرسة براغ .

* علاقات التّقابُل (Opposition) و التّغايُر (Contraste) :
تقوم في الصِّواتَةِ أو علم وظائف الأصواتِ علاقاتٌ توارديّةٌ (relations associatives ) بين الأصواتِ، وتقوم بينها في الأصواتِيّةِ أو علم الأصواتِ علاقاتٌ تعاقُبيّةٌ (relations successives) وعلاقاتُ التّوارُد بين الأصواتِ جعلت دوسوسير يذهب إلى أن اللغة تقوم على علاقات خلافيّة (relations différentiels) ويقترح إقامةَ وصفٍ لساني تزامُنيّ (synchronique) تتحدّد فيه الوحداتُ مُتقابِلَةً داخلَ النّسقِ لا مُتبايِنَةً في التّعاقُبِ .
وتبدو قيمةُ دراسةِ الأصواتِ على أساس علاقاتِ التّقابُلِ بينها أي الوظيفة التّمييزيّة بين الأصوات، في كون اللّغة لا توجد داخلها إلا التّقابُلاتُ ، ويُصبح الواقعُ اللّغويّ بناء على هذا يُدرسُ على أساس وظيفة الأصوات لا على أساس الأصل التّاريخيّ للأصوات ، و تتختلف علاقات التّقابُل بين الأصوات باختلاف اللّغات ، فلكلِّ لغة شبكةُ علاقاتِها التّقابُلِيّةِ و نَسَقُ قِيَمِها الخاصّة

إبراهيم براهيمي
24-02-2010, 08:17 PM
مسائل صرفية: تعريفات مختصرة




الإعلال
إن التغييرات الصرفية التي تعتري حرف العلة اجتناباً للثقل أَو التعذر تسمى(إعلالا)
وتكون إِما بالقلب وإما بالحذف وإما بالإسكان :
النوع الأول:

أ‌- الإِعلال بالقلب
1- قلب الألف :
الألف الثالثة مثل (دعا) (ورمى) ترد إلى أصلها مع ضمائر الرفع المتحركة فتقول (دعوْت ورميْت ونحن دعونا ورميْنا وهنَّ دعوْن ورميْن).وإِن كانت رابعة فصاعداً مثل (أبقى ويُستدعى) قلبت ياء مثل (أبقيت وهنَّ يستدعيْن) .
وفي الأسماء تنقلب الأَلف الثالثة واواً حين التثنية والجمع إن كان أصلها واواً فتقول في (عصا) (هاتان عصوان، وضربت بعصوين) .
وتقول في نداءِ اثنين اسم كل منهم (رضا) يا (رضوان) وفي نداءِ جماعة إناث (يا رِضواتُ) .
وفي غير هذه الحالة تقلب الأَلف ياء سواءٌ أَكانت ثالثة أم رابعة أم خامسة أم سادسة فتقول في تثنية (هُدى ومصطفى): هُديان ومصطفيان .
وتقلب الأَلف ياء إذا وقعت بعد ياء التصغير فتقول في تصغير خطاب وغزال: خُطَيِّب وغُزيِّل.
وإذا وقعت الألف بعد حرف مضموم قلبت واواً كالمجهول من ((بايع)) فتقول فيه ((بويع)).
وإذا وقعت الألف بعد حرف مكسور قلبت ياء كجمع ((مفتاح)): مفاتيح.
وذلك لعدم إمكان تحريك الأَلف بالضم أو بالكسر.
.................................................. .......
2- قلب الواو ياء :
إذا سبقت الواو بكسرة قلبت ياء في أربعة مواضع:
الأول إذا سكنت كصيغة ((مفعال)) في مثل ((وزَن ووقتَ)) فتقول: ميزان وميقات بدلاً من ((مِوْزان ومِوقات)).
والثاني
: إذا تطرفت بعد كسر، فمن الرضوان نقول ((رضي ويسترضي)) بدلاً من ((رضِوَ ويسترضِوُ)) واسم الفاعل من ((دعاء)): الداعي بدلاً من ((الداعِوُ)).
والثالث
إذا وقعت الواو حشواً بين كسرة وألف في الأجوف المعتل العين مثل الصيام والقيام والعيادة ((بدلاً من الصِوام والقِوام والعِوادة)) لأَن ألف الأجوف فيهنَّ أَصلها الواو.
والرابع
إذا اجتمعت الواو والياءُ الأصليتان وسكنت السابقة منهما سكوناً أصلياً قلبت الواو ياء، فاسم المفعول من رمى كان ينبغي أن يكون ((مرمويٌ)) لكن اجتماع الواو والياء وكون السابقة منهما ساكنة قلب الواوَ ياءَ. فانقلبت الصيغة إلى ((مرميّ)). وكذلك تصغير ((جَرْو)) كان أصله ((جُرَيْوٌ)) فقلب إلى ((جُرَيّ)) وكذلك ((هؤلاء مشاركوي)) أصبحت ((هؤلاء مشاركيَّ)) و((سيْوِد)) أصبحت ((سيّد)) وهكذا

3- قلب الياء واوا :
إذا سكنت الياءُ بعد ضمة قلبت واواً كاسم الفاعل من ((أيقن)) فهو ((موقِن)) بدلاً من ((مُيْقِن.))
4- قلب الواو والياء ألفاً :
إذا تحركت الواو أو الياءُ بحركة أَصلية في الكلمة بعد حرف مفتوح قلب كل منهما ألفاً مثل ((رمى وغزا وقال وباع)) وأَصلها ((رميَ وغزَو وقوَل وبيَع)) .
ويستثنى من ذلك :
- معتل العين، إذا وليه ساكن مثل ((طويل وخورْنق وبيان وغيور((
أو إذا كان على وزن ((فِعَل)) وصفته المشبهة على ((أَفْعل)) مثل ((عِور عوَراً)) وهِيف هيَفاً،
أَو كان واوياً على وزن ((افتعل)) ودل على المشاركة مثل: ((اجْتور خالد وسليم أما فريد وسعاد فازدوجا))، وكذلك مصدراهما
. أَو إذا انتهى بزيادة خاصة بالأسماء مثل ((جوَلان وهيَمان
، أو إذا انتهى بحرف أُعلَّ هذا الإعلال مثل ((الهوى والجوى)) أَو إذا أَتى بعده ألف ساكنة أو ياءٌ مشددة مثل: بيان، وفتَيان رميا، وعلويّ.
................................................
ب- الإعلال بالحذف:
-إذا التقى ساكنان أحدهما علة حذف حرف العلة في مثل هذه الكلمات: قمت وبعتم، وهن يخفْن
وهذا محامٍ بارع وذاك فتىً شهم. ..
فإذا كان ما بعد العلة حرفاً مشدداً فلا حذف مثل: هذا جادٌّ في عمله .
ومعتل الآخر إذا جزم مضارعه أو بني منه فعل الأمر حذفت علته مثل: لم يقضِ، وارْمِ يا فتى.
والمثال الواوي مكسور عين المضارع تحذف واوه في المضارع والأمر مثل: ((وعد يعد عِدْ)).

جـ - الإعلال بالإسكان
يستثقلون تحريك الواو والياءِ المتطرفتين بعد حرف متحرك بالضم أو الكسر لثقل ذلك على ألسنتهم فيسكنونهم مثل: ((يدعو القاضي إلى الصلح في النادي)) الأصل: ((يدعوُ القاضي إلى الصلح في النادي)). وفي قولنا ((القضاة يدعون)) الأَصل ((يدعون)) وعند تطبيق القاعدة تجتمع واوان ساكنتان فتحذف لام الكلمة التي استثقل عليها الضم وتبقى واو الجماعة.
أما مثل ((مقول)) فأَصلها ((مُقوُول)) نقلنا حركة الواو إلى الساكن قبلها لأنه أحق من العلة بالحركة، فاجتمع علتان ساكنتان فحذفنا الأولى وأبقينا واو صيغة((مفعول)

إبراهيم براهيمي
02-03-2010, 12:45 AM
Abstract (Title and topic of the research)

1.Title of the research: “ The phenomena of similarities between Arabic linguistics and the contemporary linguistic study”

2.Topic of the research: Approximations between some linguistic similarities, from both ancient and modern times... in the cognitive underpinnings, the theoretical issues, the problematic trends in the issue of similarity, as well as the practical procedures...

The research is divided into four parts each of which consists of themes arranged in areas of similarities and relationships among the ancient Arab linguists and the modern Western ones putting into it all the efforts I could afford.

3. The purpose of the research: It is an attempt to find out what relationships and connections there are among the linguistic similarities both in ancient and modern times which were imposed by the nature of contemplating the linguistic phenomena and which were dictated by the adherence to this linguistic field, which is a human field that does not alter with the change of circumstances and situations and of which no interlocutors can do without whatever the means of communication and the innovative alternatives there are in the domains of understanding and addressing...

In fact, the reason behind taking this type of issues is a determined subject matter and a legitimate methodology, whose bottom we can get to and search for the evidences that prove the possibility of its establishment and its occurrence. As a matter of fact, many aspects of the modern linguist’s perception as well as the ancient Arab grammarians’ perceptions overlap in many points and at limited places and determined rules, which may lead to the belief in the possible existence of deep proofs governing the linguistic phenomena – their origins, their syntax, their lexicons, their morphology, their semantics- and the linguistic rules to which the parts and the units refer. However, the overlapping of phenomena, the gathering of things and similarities have an obvious effect on the descriptive interpreted similarities, for they are -themselves- governed by common generalities and comprehensive (universal) principles that can be described as approximation between the -ancient and modern- linguistic theories with the rejection of the factors of difference and variety which are local elements that do not relate to the general principles and rules, but they are governed by other rules that interpret the differences and explain them with the variables of the one general rule and the variety of their aspects.

Actually, my insistence on the approximation of the linguistic phenomena is the prerequisite of this research because this very issue is a sign of the existence of complete permanent rules in the language reserve of all speakers who resort to these rules only to select what may suit their languages and they choose as a mediator in their selection the appropriate media in order to confirm the proper values which lead the language user to the implementation of the principles of the general grammar with its measures on his or her particular language and hence there is a shift from the generalities to the parts and the categories.
عُنْوانُ الْبَحْثِ وَ مَوْضوعُهُ
عُنْوانُ االْبَحْثِ : « ظَواهِرُ مِنَ الأَشْباهِ وَ النَّظائِرِ بَيْنَ اللُّغَوِيّاتِ الْعَرَبِيَّةِ وَ الدَّرْسِ اللِّسانِيِّ الْمُعاصِرِ » .
وَ مَوْضوعُهُ التَّرادُفُ بَيْنَ بَعْضِ الأَنْظارِ اللُّغَوِيَّةِ، مِنَ الْقَديمِ وَ الْحَديثِ... في الأُسُسِ الْمَعْرِفِيَّةِ وَ الْقَضايا النَّظَرِيَّةِ ، وَ بَعْضِ الإِشْكالاتٍ في مَوْضوعِ "الشَّبَهِ وَ النَّظيرِ" ، وَ الإِجْراءاتِ التَّطْبيقِيَّةِ ... قَسَّمْتُهُ إِلى أَرْبَعَةِ أَقْسامٍ، وَ يَشْتَمِلُ كُلُّ قِسْمٍ عَلى مَباحِثَ، تَنْتَظِمُ مَواقِعَ مِنَ الأَشْباهِ وَ النَّظائِرِ وَ الْقَراباتِ بَيْنَ اللُّغَوِيّينَ الْعَرَبِ الْقُدَماءِ ، وَ الْمُحْدَثينَ الْغَرْبِيّينَ ، مِمّا وَسِعَهُ الْجُهْدُ ...
و الْغَرَضُ مِنْهُ : مُحاوَلَةُ تَلَمُّسِ ما بَيْنَ الأَنْظارِ اللُّغَوِيَّةِ قَديمِها وَ حَديثِها مِنْ صِهْرٍ وَ نَسَبٍ وَ وَشائِجِ قُرْبى ، فَرَضَتْها طَبيعَةُ التَّأَمُّلِ في الظَّواهِرِ اللُّغّوِيَّةِ، وَ أَمْلاها الانْتِسابُ إِلى هذا الْحَقْلِ اللُّغَوِيِّ ، الذي هُوَ حَقْلٌ بَشَرِيٌّ لا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الظُّروفِ وَ الأَحْوالِ ، و لا يَسْتَغْني عَنْهُ الْمُتَكَلِّمونَ مَهْما تَكُنْ وَسائِلُ الاتِّصالِ وَ الْبَدائِلُ الْمُسْتَجَدَّةُ في مَيْدانِ التَّفَاهُمِ وَ التَّخاطُب ... وَ السَّبَبُ في اتِّخاذِ هذا الضَّرْبِ مِنَ الْمَباحِثِ أَمْرًا مُقَرَّرًا وَ مَنْهَجًا مُشَرَّعًا ، وَ مِمّا يَجوزُ سَبْرُ أَغْوارِهِ وَ الْبَحْثُ عَنِ الأَدِلَّةِ التي تُثْبِتُ إِمْكانَ قِيامِهِ وَ وُرودِهِ ، أَنَّ كَثيرًا مِنْ مَظاهِرِ النَّظَرِ اللُّغَوِيِّ الْحَديثِ ، وَ نَظَرَاتِ النَّحْوِيّينَ الْعَرَبِ الْقُدَماءِ ، تَلْتَقي في نقاطٍ كَثيرَةٍ وَ عِنْدَ مَواطِنَ مُحَدَّدَةٍ وَ قَواعِدَ مُقَرَّرَةٍ ، مِمّا يَبْعَثُ عَلى الظَّنِّ بِإِمْكانِ وُجودِ ثَوابِتَ عَميقَةٍ تَحْكُمَ الظَّواهِرَ اللُّغَوِيَّةَ -أَصْواتَها ، وَ تَراكيبَها ، وَ مُعْجَمَها ، وَ صَرْفَها، وَ دَلالاتِها- وَ قَواعِدَ لُغَوِيَّةٍ تَرْتَدُّ إِلَيْها الأَجْزاءُ وَ الآحادُ . و لِلِقاءِ الظَّواهِرِ وَ اجْتِماعِ الأَشْباهِ وَ النَّظائِرِ انْعِكاسٌ واضِحٌ عَلى الأَنْظارِ الْواصِفَةِ وَ الْمُفَسِّرَةِ ، فَهِيَ - نَفْسُهَا - مَحْكومَةٌ بِكُلِّيّاتٍ مُشْتَرَكَةٍ وَ مَبادِئَ جامِعَةٍ ، يُمْكِنُ وَصْفُها بِصِفَةِ " التَّرادُفِ " بَيْنَ النَّظَرِيّاتِ اللُّغَوِيَّةِ - قَديمِها وَ حَديثِها - مَعَ اطِّراحِ عَوامِلِ الاخْتِلافِ و التَّنَوُّعِ التي هِيَ عَناصِرُ مَحَلِّيَّةٌ لا انْتِسابَ لَها إلى الْمَبادِئِ وَ الْقَواعِدِ الْكُلِّيَّةِ ، وَ إِنَّما هِيَ مَحْكومَةٌ بِقَواعِدَ أُخْرى تُؤَوِّلُ الْمُخْتَلِفاتِ وَ تُفَسِّرُها بِمُتَغَيِّراتِ الْقاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الْواحِدَةِ وَ تَنَوُّعِ أَوْجُهِها .
و أمّا الإِلْحاحُ عَلى ما تَرادَفَ مِنَ الأَنْظارِ اللُّغَوِيَّةِ فَهُوَ الْمَطْلوبُ في هذا الْبَحْثِ؛ لأنّ التَّرادُفَ أَمارَةٌ عَلى وُجودِ قَواعِدَ كُلِّيَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ في مَخْزونِ الْمُتَكَلِّمينَ قاطِبَةً ، الذينَ لا يَفْزعونَ إِلى هذِهِ الْقَواعِدِ إِلاّ لانْتِقاءِ ما يُناسِبُ لُغاتِهِمْ ، و يُوَسِّطونَ في الانْتِقاءِ وَسائِطَ لِتَثْبيتِ الْقِيَمِ الْمُناسِبَةِ ، تَنْتَهي بِالْمُسْتَعْمِلِ اللُّغَوِيِّ إِلى تَنْزيلِ مَبادِئِ النَّحْوِ الْكُلِّيِّ وَ مَقاييسِهِ عَلى لُغَتِهِ الْخاصَّةِ ، فَيَتِمُّ الانْتِقالُ مِنَ الْكُلِّيّاتِ إِلى الْجُزْئِيّاتِ وَ الأَنْواعِ .

إبراهيم براهيمي
02-03-2010, 12:49 AM
العلامة في اللسانيات

يشكل مقال الأستاذة نورية شيخي محاولة لتحديد مفهوم العلامة، هذا الأخير الذي هو محور المعرفة الإنسانية والذي لا يزال محل نقاش لدى أكبر الفلاسفة والنقاد واللسانيين، سواء أكان ذلك في التراث العربي الإسلامي أم عند اللسانيين والفلاسفة المحدثين. فقد تناولت ماهية العلامة عند ابن سينا والغزالي ودو سوسير ورولان بارط.

المــــدخل



إن الاهتمام بالدراسة الدلالية أمسى تحولا علميا في ظل النشاط الفكري الإنساني الخصب في رحاب التدارس اللساني بكل أبعاده فانصرفت الهمم لدى الأولين منذ أن أدركوا أهميـة اللغة في حـياتهم اليومية إلى استـجلاء حقيقتها بسبر أغوارها وضبط رموزها فانتهوا إلى أن أصبحت صورة لبنية اللغة الإنسانية تتجلى في الثنائية دال/ مدلول وهي الثنائية التي أثير حولها جدال عنيف ومستمر في ظل التطور العلمي لمسار النشاط الفكري في ميادين العلوم الإنسانية المختلفة.

ونظرا لما تشغله العلاقة من أهمية في مجال البحث اللساني فقد رأينا عنونة بحثنا هذا "العلاقة في اللسانيات"متعرضين بذلك لأهم جوانب الموضوع الذي قسم إلى:

1- تعريف العلامة

أ - في التراث

ب - عند الأقدمين

2- القيمة الدلالية للعلامة في النظام التواصلي

3- طبيعة العلامة

أ - عند أبن سينا.

ب - عند دي سوسير.

ج – عند بارت



(*) أستاذة بالمركز الجامعي ببشار.



د – عند الغزالي.

هـ - النظرية الاحالية.

4 - المجال الدلالي للعلامة.

5 - أنواع العلامات.

6-الخــاتمة

تطـمح هذه الدراسة إلى أن تبـلور النقاش حـول العـلامة اللسـانية بين القدامى والحدثين أو بالأحرى بين العرب والغرب وابتغاء ربط الحاضر بالماضي والحداثة بالتراث وقد كان صلب اهتمامي موجها لدي سوسير على حساب غيره لأنه حقا كان أبا للسانيات الحديثة.

وأخيرا نأمل أن يكون بحثنا هذا قد ألم ببعض جوانب الموضوع مبرزا أهميته ومكانته في المجال اللساني وأن يفيد هذا البحث المتطلع عليه ولو بالشيء القليل.
مقدمة

إن اللغة الطبيعية في جوهرها هي ربط الأصوات بالمعاني ويتحقق ذلك في ظل الحافز التواصلي بين أفراد المجتمع اللغوي، مما يجعل اللغة نظاما من العلامات الدالة التي تغطي مجالا أرحب من المفاهيم، إذن فهي حـقل السني يشمل جميع التصورات المستوحاة من الواقع وتحقيق التلازم بين الصورة السمعية ﴿الدال﴾ المرتبط بتلك الصورة ( المدلول ).

ومن هنا فإن الحديث عن الدلالة يقتضي الحديث عن العلامة، فمنذ كان الوجود وجدت العلامـة نظرا لاتصال الإنسان بالطبيـعة وتفـاعله معـها من أجل تفسير الظواهر وإخضاعها بتأويل دلالتها لتحقيق ظروف الاجتماع بـوصفه ميزة إنسانية، ولا تتحقق هذه النزعة إلا في وجود نظام اصطلاحي من العلامات الدالة.

فما طبيعة العلامة وما قيمتها الدلالية في البحث اللساني ؟

I) تعريف العلامة :

إن حـاجة الإنـسان منذ البدايـة إلى تفسـير الظواهر المحيـطة بـه وتمييـزها وتحديـدها استوجب وجـود العـلامة التي هـي معطى نفسي وثقافي واجتماعي وحضـاري بشكل عـام، ولذا كـانت العلامـة موضوعا للدراسة لدى الفلاسفة والمفكرين الأقدمين منذ أرسطوا وأفلاطون مرورا بالرواقيين إلى أن استقلت بموضوعها في الفكر السيميائي المعاصر.

أ - تعريف العلامة في التراث:

إن التراث الفكري العربي بشموليته الحضارية عبارة عن نظام من العلامات الدالة والتي إذا ما أوغلنا التأمل فيها وجدنا أن هذا التراث الواسع يتجلى فيما يلي.

1 - الموروث اللساني: ويتمثل في

× الموروث النحوي

× الموروث اللغوي

× الموروت المعجمي

2- الموروث البلاغي: ويتجلى في:

× الجانب التقني للبلاغة بمعاييرها المألوفة

× الجانب النقدي

× الجانب الاعجازي

× الجانب الأدبي (المدونات الأدبية الكبرى)

3- الموروث الديني: وينقسم إلى:

× التفسير

× علم الأصول

4- الموروث الفلسفي

5- الموروث الاجتماعي

ومن هذا كله تتضح مميزات تراثنا العربي أنه يتمركز حول الوحي ( القرآن الكريم ) بأبعاده الروحية والعقائدية والاجتماعية والعلمية واللسانية. إذ منذ نزول القرآن الكريم كان التأمل في العلامة واعتبار دلالتها بالنظر والتأمل والتدبر، وقد ورد ذلك في غير موضوع من القرآن الكريم ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى

) إن في ذلك لآيات للمتوسمين((1)

) إن في ذلك لآيات لقوم يعلمون ((2)

) وعلامات وبالنجم هم يهتدون((3)

في رحاب هذا التوجيه القرآني كان التعامل مع العلامة من أجل تفسير دلالتها الكونية والروحية، والاستدلال بحاضرها على غائبها.

يقول "القاضي عبد الجبار" (415هـ): " إن من حق الأسماء أن يعلم معناها في الشاهد، ثم يبنى عليه الغائب" وقد أشار إلى ذلك " الراغب الاصبهاني"(5651) في حديثه عن الفقه حيث قال " أن الفقه هو معرفة علم غائب بعلم شاهد".

ومن هذا المنطلق تعامل الفكر العربي مع العلاقة من حيث هي حقيقة حسية حاضرة تحيل إلي حقيقة مجردة غائبة.

ب - مفهوم العلامة عند الأقدمين:

إن مفهوم العلامة عنـد الدارسين الأقـدمين يتجـاوز مفهوم السمة والأمارة والدليل وكل ذلك يتعلق بالدلالة. وهي في تصورهم " كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر "(4).

ويقول "ابن فارس " (395) " الدال واللام أصل يدل على إبانة الشيء بأمارة تتعلمها، والدليل الإمارة في الشيء " وفي حديثه عن مادة /دل/ .

وفي حديث " أبي هلال العسكري" (400هـ) عن العلامة والدلالة يقول " … يمكن أن يستدل بها أقصد فاعلها ذلك أو لم يقصد والشاهد أن أفعال البهائم تدل على حدثها. وليس لها قصد إلى ذلك … وآثار اللص تدل عليه وهو لم يقصد ذلك وما هو معروف في عرف اللغويين يقولون استدللنا عليه بأثره وليس هو فاعل لأثره قصد"(5).

وهذه إشارة واعية من أبي هلال إلى إشكالية القصدية في العلامة وهي الإشكالية التي تثير موضوع الجدل بين فريقين: فريق يؤكد الطبيعة التواصلية للعلامة ويمثل هذا الفريق كل من بريلو ومونان ومارتيني في الثقافة اللسانية والسيميائية المعاصرة الفرنسية وهم يرون أن العلامة تتكون أساسا من دال ومدلول والقصد.

وفريق آخر يركز على الجانب التأويلي للعلامة: أي من حيث قابليتها للتأويل الدلالي بالنسبة للمتلقي، ويمثل هذا الاتجاه رولان بارت وهو ما يسمى بـ السيمائية الدلالية.

وهو نفس التصور لدى الراغب الاصبهاني حيث يقول " الدلالة ما يتوصل به إلى معرفة الشيء، كدلالة الألفـــاظ على المعنى، ودلالات الإشـارات والرموز والكتابة. وسواء أكان ذلك بقصد من يجعله دلالة أم لم يكن بقصد، كمن يرى حركة إنسان فيعلم أنه حي ، قال تعالى :

) ما دلّهم على موته إلا دابة الأرض((6)

فالراغب بهذا التصور للدلالة يوسع المجال الإجرائي للعلامة لتشمل أنماطا لسانية وسيميائية (الألفاظ - الإشارات - الرموز - الكتابة) ثم يؤكد قضية القصدية عدمها في العلامة، وإذ تتحقق دلالة العلاقة في محيطها الطبيعي والاجتماعي والثقافي سواء أكان هناك قصد أم لم يكن، إذ جسد ذلك بصورة سليمان عليه السلام كما ورد في الآية الكريمة إذ بعد وفاته ظل حولا كاملا منتصبا ومتكئا على عصاه وهذه الهيئة هي علامة دالة أولتها الجن بدلالة الحياة، لذلك ظلت تسعى وتعمل كأنها مأمورة غير أن الأمر هنا ليس بالنطق أو الإشارة وإنما كان بالهيئة فهي إذن علامة دالة على الحياة لدى الكائن الحي، وبالتقادم بدأت الأرضة تأكل عصاه فخر ساقطا، وهذه العلامة هي علامة فناء وانتهاء.







II) القيمة الدلالية للعلامة في النظام التواصلي :

لقد حظي النظام التواصلي منذ البداية الأولي باهتمام ملحوظ نظرا لأهميته في الإنسانية وهذا ما أشار إليه " ابن سينا " 428 هـ في قوله " لما كانت الطبيعة الإنسانية محتاجة إلى المحاورة لاضطرارها إلى المشاركة والمجاورة، وانبعثت إلى اختراع شيء يتواصل به ذلك … فمالت الطبيعة إلى استعمال الصوت، ووفقت من عند الخالق بالات تقطيع الحروف وتركيبها معا لبدل بها على ما في النفس من أثر، ثم وقع اضطرار ثان إلى إعلام الغائبين من الموجودين في الزمان أو المستقبلين إعلاما بتدوين ما علم، فاحتيج إلى ضرب آخر من الإعلام غير النطق فاخترعت أشكال الكتابة "(7) .

ومن هنا فإن لنظام التواصلي يحقق النزعة الاجتماعية للإنسان وهو الوسيلة الجوهرية التي يستخدمها البشر بوصفهم مكلفين ومتكلمين والعنصر الجوهري الذي يكون هذا النظام هو العلامة نظرا لطبيعتها الدلالية والإبلاغية.

يقول الغزالي: لا متكلم إلا وهو محتاج إلى نصب علامة لتعريف ما في ضميره(8) ونفس الشيء نجده عند الجرجاني في قوله " اللغة تجرى العلامات والسمات ولا معنى للعلامة أو السمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلا عليه(9).

وهي إشارة إلى أهمية العلامة في النظام التواصلي ( الكلام ) ومكانتها في الحياة الإنسانية عامة.

III)طبيعة العلامة

لقد اهتم الدارسون القدامى على اختلاف اتجاهاتهم العلمية من فلاسفة ولغويين وفقهاء، بطبيعة العلامة من حيث هي شيء محسوس بديل في الواقع المدرك من شيء غائب عن الأعيان ولذا كان عالم يرى تفسير ا محددا لطبيعة هذه العلامة، آخذا بعين الاعتبار زاوية من الزوايا مبرر ا خصائصها ومميزاتها.

أ - عند ابن سينا:

يقول في هذا المضمار:

" إن الإنسان قد أوتي قوة حسية ترتسم فيها صور الأمور الخارجية، وتتأدى عنها إلى النفس، فترتسم فيها ارتساما ثانيا ثابتا وإن غابت عن الحس... ومعنى دلالة اللفظ أن يكون إذا ارتسم في الخيال مسموع اسم، ارتسم في النفس معنى، فتعرف النفس أن هذا المسموع لهذا المفهوم، فكلما أورده الحس على النفس التفتت إلى معناه"(10)

ومن هنا يلاحظ المتأمل ويدرك أن تصور ابن سينا لدلالة اللفظ يتوافق تماما مع ما ذهب إليه دي سوسير في تفسير العلامة.

فالعلامة في نظر ابن سينا هي ثنائية المبنى تتكون مسموع اسم / معنى. ملغيا بذلك من مفهوم العلامة الواقع الخارجي أو المرجع الذي تميل إليه العلامة وذلك ما فعله دي سوسير أيضا.

على عكس ما نجده عند فئة أخرى من الدارسين الأقدمين حيث ترى أن المرجع طرفا أساسيا في العلامة.

ب - عند " دي سوسير ":

إن طبيعة المنهج العلمي الذي تبناه دي سوسير في مجال البحث اللساني أفرز رؤية تعاملية تميل إلى الشيء المحدد والمتجانس في ذاته فكانت فكرة النظام اللساني الذي يتكون من وحدات أساسية متوافقة فيما بينها تسمى هذه الوحدات بالعلامات اللسانية.

ومن هنا فإن العلامة اللسانية في نظر دي سوسير هي وحدة النظام وهي العنصر اللساني الذي يتكون من صورة سمعية ومفهوم أي الفكرة التي تقترن بالصورة السمعية فعلى سبيل المثال كلمة / رجل / هي علامة لسـانية مكوّنة من صورة سمعية وهو الإدراك النفسي لتتابع الأصوات (ر-ج-ل)، ومفهوم وهو مجموع السمات الدلالية - ( حي-ناطق-عاقل-إنسان-ذكر-راشد ...).

إذن فالعلامة عند- دي سوسير- توجد بين مفهوم وصورة سمعية وليس بين شيء واسم، وللإشارة فإن الصورة السمعية ليست الأصوات المادية بخصائصها الفيزيائية؛ وإنما هي البصمة النفسية للصوت، لأن التتابع الصوتي إذا أخذ على حدة، فإنه سوف لا يكون علامة لسانية مستقلة، إنما هو ترتيب لأصوات مجردة ليس إلا. كما أن السمات الدلالية التي تكون مفهوم الرجل لا تشكل علامة لسانية بمفردها، بل تقتضي الاتحاد التام بين الصورة السمعية والمفهوم.

يصرّح دي سوسير بالإبقاء على مصالح العلامة للدلالة على الكل وتعويض المفهوم والصورة السمعية بلفظيين دال ومدلول، ويعلل هذا بقوله: " أفضلية هذين اللفظيين أنهما يدلان على المواجهة التي تفصلهما سواء فيما بينهما أو من الكل الذي يجمعهما "(11).

أن العلامة اللسانية هي مركب يتكون من وجهين: دال ومدلول يستحيل الفصل بينهما لأنهما يرتبطان بعلاقة تواضعية التي يرى دي سوسير أنها علاقة اعتباطية أي علاقة غير معللة." أي أن العلامة هي تقسيم للواقع عن طريق التواضع بمعنى الاتفاق والاصطلاح عكس المفهوم العفوي لدى المتكلم الذي يرى العلامة اللسانية كأنها إسم للواقع "(12).

إذا كانت العلاقة التي تربط بين الدال والمدلول هي علاقة اعتباطية فإن الرابط الأساسي الذي يربط بينهما هو اللسان بوصفه نظاما من العلامات، هذا النظام هو الذي يضبط هذه الاعتباطية ويقوي مكانه الرابط الذي يجمع بينهما.

لقد أقصى دي سوسير الواقع الخارجي الذي تشير إليه العلامة ( المرجع) فهو يقول في هذا الشأن " إن العلامة لا تربط بين الشيء والاسم، بل بين المفهوم والصورة السمعية ".

يضع سوسير اللغوي السويسري العلامة اللغوي في إطارين: الأول مادي، وهو الدال والثاني مثالي، وهو المدلول فإذا أخذنا على سبيل المثال كلمة "غزال" فإن الدال هو الصورة الصوتية (يعني وجود أصوات غ -ز -ا-ل)، أما المدلول فهو -مفهوم الغزال. والعملية التي يجري إخضاع الدال لها وتتماشى والمدلول تسمى الدلالة. إذ أن الرابطة ما بين هذا الدال وما يقابله من مدلول، من حيث الجوهر -هي رابطة تواضعية وغير معللة (لأننا لا نستطيع أن نثبت، على سبيل المثال، أن الصورة الصوتية لكلمة "غزال" يحددها جوهر مفهوم "الغزال"). ولكن، مع ذلك فإن المواضعة الساكنة في أساس الدلالة وطيدة وثابتة (لا يوجد أحد من بين أعضاء المجتمع يستطيع أن يغيرها انطلاقاً من رغبته الفردية)، لقد تم "تحييد" هذه المواضعة.

عندما ينظر سوسير إلى اللغة، كمنظومة لغوية مطلقة، فإنه يسمح بالقول بأن اللغة ليست المنظومة الإشارية الوحيدة، وأن ثمة منظومات أولية كثيرة من هذا النوع (أو "اللغات")، على سبيل المثال، فإن علامات الطرق والإشارات الضوئية تعتبر منظومات إشارية أيضاً: إنها تمثل شكلاً من أشكال "اللغة". فالدال هنا هو "اللون الأخضر"، وهو يتطابق والمدلول، الذي يعني "الطريق خال"، والعلاقة القائمة. بينهما هي علاقة مواضعة غير معلّلة، مثلها مثل العلاقة اللغوية. ومن هنا يستخلص دي سوسير ضرورة وجود منهج نظري عام لدراسة المنظومات الإشارية بشكل عـام؛ وهذا العلم يسميه السيمياء (السميولوجيا). وبناء على رأيه، فإن علم اللغة هو جزء من هذا العلم المفترض فقط…

وقد وافق دي سوسير مجموعة أخرى من اللسانين في إبعاد المرجع من مفهوم العلامة - من بينهم " ستفن أولمان " في مجال علم الدلالة و" إمبراطو ايكو" في مجال السيميائية.





وفيما يلي نوجز الفرق بين ابن سينا ودي سوسير في تعريف العلامة في المخطط التالي:



















ج-عند بارت

ينطلق بارت من فكرة دي سوسير ليصنف المنظومات الإشارية الأخرى. يرى بارت في الملابس مثلاً، إضافة إلى الجانب النفعي، منظومة إشارية أيضاً "لغة" (الملابس تعني شيئاً ما، مثلاً اللون المعتم وما يطابقه من غطاء تمثل الدال، الذي يضفي على المدلول، كما هو متداول، هيئة "الوقار" و"الرسمية")، ويدرج بارت الطعام والسيارات الخفيفة فيّ نطاق المنظومات الإشارية ("أسس السميولوجيا"). ونذكر هنا أن بارت يعتبر عدداً كبيراً من الحقائق الحياتية التي تكتسي دلالة إنسانية ما مثل: ("رحلة على دراجة في فرنسا"، "النبيذ المعتق"، وما شابه ذلك)، يعتبرها ("مؤسطرة"). ويكشف بارت في جميع هذه الحقائق الدالة والمدلول المرتبطين بعلاقة مواضعة غير معلّلة.

يمكن ترجمة هذه المنظومات الثانوية "المادية" إلى اللغة الطبيعية: مثال ذلك، الموضة التي يمكن وصفها بالكلمات. إن جميع هذه الأشياء (الملابس، الطعام، وغيرها)، توجد فعلياً، وهي جزء من الحياة اليومية للإنسان. لكن، أليست تصرفات الأبطال في رواية ما تشكل منظومة إشارية مادية فعلية منسوجة بالكلمات، ولها قوانينها الخاصة.

يعتبر بارت أن الأمر هو كذلك فعلاً، يعني أن العالم الفعلي في أعمال هذا الكاتب "مؤسطر" (العالم -حسب رأي بارت- هو "لغة"، يعني منظومة إشارية ثانوية).

وهكذا، فإن السلوك الموصوف في العمل الفني، إذا كان حقيقة، وليس وهماً، فإنه يكوِّن ما يشبه اللغة المادية، كما هو الشأن في حالة لغة الموضة. ويتوصل بارت، وهو يعالج إبداع ساد، إلى نتيجة مفادها أن هذا المؤلف أشاد "لغة" نمطية للمتعة الايروسية، وهذه اللغة تتشكل من شعائر ايروسية مغالية، يتَّبعها أبطال ساد في سلوكهم. ويكشف بارت في الشعائر المذكورة أعلاه نسقية ما، يعني "دلالة" (اختيار حركات وأوضاع وإيماءات ذات دلالة)، و"قواعد نحوية" (اختيار أسس لتركيب عناصر "سيميائية"). وبهذه الوسيلة يشيد فورييه "لغة" السعادة المجتمعية: ويخضع كل شيء عند الكتائب المتطرفة لنظام داخلي معين ونسقية محددة. وينشئ لويولا أيضاً "لغة" للعقيدة: فعنده لا يتم الترقب من الذات الإلهية بشكل تلقائي، وإنما بفضل المحافظة على احتفالية محددة. وهذه النسقية الداخلية بالذات (وجود روابط وظيفية بين العناصر)، التي تصف العالم المتخيَّل (الشبقية الايروسية، اليوطربيا الاجتماعية، وقوة الجذب الغيبية) تشكل جميعها لغة لويولا.

هل يمكن أن تتواجد منظومة العلامات الثانوية ("اللغات المتولِّدة")، على أساس اللغة الطبيعية نفسها؟ يقدم بارت جريا وراء هيلمسليف عالم اللغة الدانمركي جواباً إيجابياً على هذا التساؤل ("أسطوريات"، "أسس السيميولوجيا"). لنأخذ حالتين:

أ‌) علامات اللغة الطبيعية تشكل مدلول "اللغة" المتولِّدة.

ب)علامات "اللغة" الطبيعية تشكل دال "اللغة" المتولدة...

الظواهر التي تتفق والحالة الأولى يسميها هيلمسليف "دلالة" أو مؤشر؛ اللغة الثانوية التي تنشأ نتيجة هذه الدلالة تشكل في ذاتها لغة اصطناعية شارحة (ميتالغة). وما يهم دارس الأدب هو الحالة الثانية أكثر من غيرها، وهذه الحالة يسميها هيلمسليف"تضمين" (connotation) في هذه الحالة يكتسي النص كله، الذي يتكون من عدد من علامات اللغة الطبيعية، معنى ثانوياً جديداً، وهذا المعنى الجديد بدوره لا يلتقي مع أي معنى من معاني الكلمات المفردة الموجودة في النص. وبكلمات أخرى، فإن النص كشيء متكامل يصبح علامة جديدة، تكون فيه علامات اللغة الطبيعية (يعني الكلمات) هي الدال، أما المدلول فهو شيء ما جديد (يعني عدم إمكانية تصوره كمجمل لمعاني الكلمات المفردة في النص). لنأخذ على سبيل الإيضاح المثال التالي، الذي يورده بارت في مقدمة كتابه "مقالات نقدية". إن عبارة "عزاء حار" في علاقتها بالمتوفى القريب تتضمن المعنى الثاني ("التقدير المراسمي")، الذي لا يمكن العثور عليه في أية كلمة من الكلمتين الموجودتين في العبارة السابقة ككل:

العزاء الحار = الدال الضمني.

التقدير المراسمي = المدلول الضمني.

فإذا كان هذا التعبير العادي المكون من كلمتين يمكن أن يكتسي معنى ثانوياً، فلماذا لا يمكن أن ينظر إلى النص كله كدال متكامل، يراعي أي مدلول ضمني آخر؟ مثال ذلك، أن هذا النص يمكن أن يتضمن جواً انفعالياً ما. نقول إذا أردنا أن نبلغ أهل المتوفى عزاءنا الحقيقي الحار، علينا أن ننشئ نصاً، مشحوناً ككل متكامل، بالحزن والأسى والمشاركة(مع احتمال أن لا تكون هذه الكلمات من ضمن فقراته). بينما لا يمكن أن يكون مثل هذا النص شيئاً آخر سوى كونه نصاً أدبياً. إن جوهر الأدب -حسب رأي بارت- يتلخص في التضمين: "الأدبية" في الأدب ليست سوى نسق إشاري ثانوي، ينمو على قاعدة اللغة الطبيعية ويخضع لإمرتها". وبإجراء مماثلة مع الموضة وإشارات الطرق واللغة الطبيعية يتوصل بارت إلى توكيد يقول بأن المعنى الضمني في الأدب غير معلل، يعني أنه يأتي نتيجة لمواضعة "حيادية". وعلى علم الأدب أن يكون -حسب رأي بارت- في مثل هذه الحالات جزءاً من علم عام لأنساق العلامات الثانوية -السميولوجيا (السيميائية). ‏

د - عند الغزالي:

يعد المرجع عند الغزالي طرفا أساسيا في العلامة، فهو يرى أن الأشياء في الوجود لها أربع مراتب حيث يقول "إن للشيء وجودا في الأعيان ثم في الأذهان ثم في الألفاظ ثم في الكتابة، فالكتابة به دالة على اللفظ واللفظ دال على المعنى الذي في النفس والذي هو مثال الموجود في الأعيان"(13).

إذن العلامة في نظرا الغـزالي كيان متكامل يتكون من أربعة أطراف أساسية

× الموجود في الأعيان.

× الموجود في الأذهان.

× الموجود في الألفاظ.

× الموجود في الكتابة.

إن اللغة الإنسانية تعكس قدرة الإنسان العقلية في إبداع نظامه التواصلي لتحقيق إنسانيته في الوجود. هذا النظام الذي يمكنه من التكيف مع الواقع الخارجي.



هـ - في نظر النظرية الإحالية :

من الدين اعترضوا على دي سوسير اعتراضا شديدا " أحد ورتشاردن" في كتابهما معنى حيث أشار إلى أهمية التحليل المزدوج الذي يتناول العلاقة بين الأفكار والكلمات من جهة والأشياء المشار إليها من جهة أخرى وقد اختصرا فكرتهما في شكل مثلث أشتهر في الدراسات الدلالية.

















أصبحت هذه النظرية تعرف بالنظرية المنطقية أو الإحالة وهي ترى أن الدراسات التي تناولت العلامات عندما أغفلت تماما الأشياء التي تشير إليها العلامات في الواقع الخارجي، ابتعدت عن الدقة والإثبات العلمي.

كما ترى هذه النظرية أننا في حاجة إلى منوال علمي يهتم بالعلاقة القائمة بين الكلمات والأشياء التي ترمز إليها هذه الكلمات بواسطة الأفكار وأن تحليل العلاقة في الواقع يتم بتناول العلاقة بين الكلمات والأفكار من جهة والعلاقة بين الأفكار والأشياء من جهة أخرى.

إن العلاقة بين الموجود في الألفاظ (الرمز) والموجود في الأذهان (الفكرة) علاقة سببية، أي أن الدال يستدعي في ذهن المتلقي المدلول، كما أن المدلول يستدعي في ذهن المتكلم الدال الملازم له.

إن التصورات والمفاهيم المستوحاة من المرجع الخارجي للوسط اللغوي قابله لأن تكون مشتركة بين جميع أفراد المجتمع، بينما هذه الخاصية تفتقر إليها الموجــودات في الألفاظ (الدوال) وارتباطها (الموجودات) بالمدلولات لأنها تواضعية واصطلاحية، وقد أشار إلى ذلك الغـزالي بقـوله " الـموجود في الأعيان والأذهان لا يختلف باختلاف البلاد والأمم، بخلاف الألفاظ والكتابة، فإنهما دالتان بالوضع والاصطلاح"(14).

ويقول " حازم القرطاجني " .... قد تبين أن المعاني لها حقائق موجودة في الأعيان ولها صور موجودة في الأذهان ولها من جهة ما يدل على تلك الصور من الألفاظ وجود في الأفهام والأذهان"(15).

IV) المجال الدلالي للعلامة:

إن المجال الإجرائي للعلامة أوسع وأرحب مما نتصوره إذ أن العلامة ذات فضاء دلالي أوسع من أن يحصر في الاقتران بين دال ومدلول معين يصاحب بعضهما بعضا. إن العلامة في حقيقة أمرها لها صفة التجدد التي يمنحها لها الوسط الثقافي للمجتمع.

يرى " الغزالي " أن دلالة العلامة تتمثل في ثلاثة أوجه هي:

" المطابقة والتضمن والالتزام، فإن لفظ البيت يدل على معنى البيت بطريق المطابقة ويدل على السقف بطريق التضمن لأن البيت يتضمن السقف، وأما دلالة الالتزام فهي كدلالة لفظ السقف على الحائط فهو كالرفيق الملازم الخارج عن ذات السقف الذي لا ينفصل عنه "(16).

ونجد توضيحا آخر عند "الجرجاني" في قوله " الكلام على ضربين ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده وضرب آخر أنت تصل منه إلى اللفظ ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض "(17).

إن قول الجرجاني يقترب من مفهوم بيبرس من حيث قابلية المفسرة للتحول إلى متوالية من العلامات ذات فضاء دلالي واسع غير محدود وقد وضح ذلك المرجاني " قائلا: " المعنى ومعني المعنى، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ الذي تصل إليه بغير واسطة، ومعنى المعنى هو أن تعقل من اللفظ معنى ثم يقضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر "(18).

V) أنواع العلامات :

إن العلامات في الفكر العربي تنقسم إلى أنواع هي كالآتي:

1- من حيث طبيعة الدال فهي لفظية وغير لفظية.

العلامة←الدال: -لفظية

-غير لفظية

2- من حيث العلاقة بين الدال والمدلول فهي إما وضعية أو عقلية أو طبيعية

العلامة← الدال والمدلول: - وضعية

- عقلية

- طبيعية

3-العلامة اللفظية الوضعية تتفرع إلى مطابقة وتضمن والتزام.

العلامة← اللفظية-الوضعية: - مطابقة.

- تضمن.

- التزام.

أولا: العلامة الوضعية:

هي العلامة الاصطلاحية المتفق عليها بين أفراد المجتمع اللغوي ويشمل هذا النوع كل العلامات اللفظية ولابد من وجود شروط معينة لتحقيق الدلالة في العلامة هي:

1- اللفظ: نوع من الكيفيات المسموعة.

2- المعنى: الدلالة التي وضع لها اللفظ.

3- إضافة عارض بينهما : الوضع الذي جعل اللفظ بإزاء المعنى.

ثانيا: العلامة العقلية:

يقصد بها دلالة الأثر على المؤثر، كدلالة الدخان على النار والسحاب على المطر، وهي تنحصر في التراث العربي في علاقة العلية أو السببية أي وجود علاقة ذاتية بين الدال والمدلول.

ثالثا: العلاقة الطبيعية:

يقصد بها الطبع أي أن العلامة الناتجة عن إحداث طبيعة من الطبائع كطبيعة اللفظ أو الحامل المادي للعلامة، فكل العلامة التي تعكس أصوات الطبيعية تندرج ضـــمن هذا النوع، وكذلك صيحات المصاحبة للانفعالات والتبدلات الفيزيولوجية، ملامح الوجه، تغير لونه من حالة إلى أخرى "(19).

VI ) خـــاتمة

من خلال هذا العرض المتواضع لمفهوم العلاقة في التراث العربي القديم، نرى أن أسلافنا كانوا قد أدركوا أهمية العلامة من حيث هي حقيقة مادية حسية تحليل إلى حقيقة مجردة غائبة.

فتعد هذه المفاهيم الأولية أرضية متينة لإمكانية وجود تفكير دلالي وسيميائي عربي أصيل.

من الملاحظ أن هذا الموضوع في تعاريفه الأولية بالنسبة لمصطلحاته يبدو سهلا لكن بالتوغل قليلا في طياته، وكيف تعامل العلماء اللغويون واللسانيون مع مفهوم العلامة فهناك صعوبة جمة في حصر أو إيجاد تعريف أو نظرية واحدة تشملها نظرا لجوانبها الخفية أو بالأحرى حسب الرؤية الإبداعية أو العلمية بالنسبة لكل من عالج هذا الموضوع مثل ابن سينا قديما ودي سوسير وغيرهما حديثا، ولا شك أنه هناك تعاريف واستعمالات جديدة لهذا المصطلح في المستقبل؛ وهذا راجع في الحقيقة ليس لماهية هذا المصطلح في حد ذاته بل لاشتمالها على قاعدة الدال والمدلول ونجد لهذه القاعدة وجود كذلك بالنسبة للغة وهذه الأخيرة كما هو معلوم لا تقف على تعريف واضح ودقيق ومن هنا دعت دراسة هذا المصطلح ومحاولة بعض اللسانيين بلورة هذا المفهوم في نطاق العلامة من خلال تلك القاعدة وعلاقة الدال والمدلول إلى انتظار تعاريف جديدة للغة ومن هنا نقول أن اللغـة فعلا هي منطلق العلوم اللسانية واللغوية بكل حذافيرها وكذلك تبقى العلامة خادم للغة.

لقد ثم بحثنا هذا بحول الله تعالى ومعونته.ونتمنى أننا قد أوفينا ولو جزءا متواضعا مما يستحقه الموضوع وأحاط ببعض فروعه.

مصادر ومراجع:

وقد اعتمدنا في إنجازه على:

- القرآن الكريم.

- أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة.

- الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات.

- الراغب الاصبهاني مادة ( دل).

- ابن سينا: الشفاء.

- الغزالي المستصفى في علم الأصول - معيار العلم.

- الجرجاني: أسرار البلاغة.

- عادل فاخوري: علم الدلالة عند العرب.

- حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء.

- الجرجاني : دلائل الإعجاز - أسرار البلاغة.

- كاترين فوك: مبادئ في قضايا اللسانيات المعاصرة.

- دي سوسير: دروس في اللسانيات العامة.









الهوامش:

1- الحجر آية 75.

2- الرعد آية 4.

3- النحل آية 16.

4- الشريف الجرجاني كتاب التعريفات ص 46.

5- أبو هلال العسكري الفروق في اللغة ص 13

6- الراغب الاصبهاني . مادة ( دل )

7- أبن سينا . العبارة ( الشفاء ).

8- الغزالي المستصفى في علم الاصول.

9- الجرجاني أسرار البلاغة.

10- ابن سينا العبارة ( الشفاء) .

11- دروس في اللسانيات العامة دي سوسير.

12- كاترين فوك : مبادئ في قضايا اللسانيات المعاصرة.

13- الغزالي ، معيار العلم

14- الغزالي : معيار العلم

15- حازم القرطاجي منهاج البلغاء وسراج الأدباء.

16- الغزالي ، معيار العلم

17- الجرجاني ، دلائل الإعجاز

18- الجرجاني دلائل الإعجاز

19- عادل فاخوري : علم الدلالة عند العرب

إبراهيم براهيمي
02-03-2010, 01:00 AM
اللغة العربية في العصر الحديث قيم الثبوت وقوى التحول

* تأليف :نهاد الموسى

*الناشر:دار الشروق ـ عمان 2007

*الصفحات:204 صفحات من القطع المتوسط

00000000000000000000000000000000

مؤلف هذا الكتاب هو أستاذ النحو واللسانيات العربية في الجامعة الأردنية الدكتور نهاد الموسى الذي قدَّم للمكتبة والباحثين بحوثا وكتبا عديدة في الدروس اللسانية علاوة على جهوده في تحقيق المخطوطات وتأليف المقررات النحوية والخطط الدراسية في غير دولة عربية إضافة إلى إشرافه على الرسائل والاطروحات الأكاديمية.


وتمتاز تجربة نهاد الموسى بخصوصيتها المنهجية وتميزها الواضح وخطاها الفارقة حيث دأب منذ أربعة عقود على استقراء المدونة اللسانية العربية في سياقاتها المتشابكة واستخلاص صورتها التاريخية وسيرورتها في الزمن والاستعمال والبحث عن موقعها في خارطة اللسانيات الكونية.


يتضمَّن كتاب الدكتور نهاد الموسى الموسوم بـ «اللغة العربية في العصر الحديث: قيم الثبوت وقوى التحول»، مراجعة جذرية لظواهر اللغة العربية في سياق التحوّلات المتسارعة التي بدأت تخلِّف آثارها في نظام اللغة العربية وبرامجها المختلفة.


ويمثل هذا العملُ مشروعا يهدفُ إلى فحص التغيُّرات التي طرأت على اللغة في جدلها الحاد مع العوامل والمستجدات اللغوية. وسوف تكون «قيم الثبوت وقوى التحول» لحظتين معرفيتين تشتبكان عبر جدل لا مُتناهٍ يحدد هوية اللغة العربية ويعمل على تجلية أبعادها ووجوه تأثيرها المتنوعة.


وانطلاقا من هذه المُواشجة يتشكل عنوان الأطروحة التي يسعى الدكتور نهاد الموسى إلى صوغها ومُفادها؛ أنَّ اللغة العربية تقيم بين نظامين متعارضين من حيث انتمائهما: إذ يستند نظام قيم الثبوت إلى مرجع تاريخي وتراثي يرى في الصفاء اللغوي عاملا حاسما في تأصيل اللغة ووصف أبنيتها في حين يحتكم نظامُ قوى التحول إلى نواميس اللغة القادرة على الاستجابة لحاجات الإنسان ورغباته المستجدة.


دوافع البحث


يرى الدكتور نهاد الموسى أنَّ اللغة العربية تحتاج إلى مراجعة مستمرة تهدف إلى اكتشاف التحوّلات التي تطرأ على برامجها وأنظمتها المختلفة بهدف رصد استجاباتها، واتخاذ التدابير اللسانية الكفيلة بمواجهة المخاطر التي تجابهها. بيد أنَّ الدافعَ المركزي الذي تصدرُ عنه أطروحة هذا الكتاب هو: التنبؤ بما يمكن أنْ يحدثَ للغة العربية إذا ما تعرضت لمواجهة شاملة مُحتملة من قبل العولمة.


كما تتضمَّنُ أطروحة الكتاب تساؤلاتٍ وإحالاتٍ ضمنية مُفادها: ما الدفاعات التي تملكها العربية في المواجهة المرتقبة؟ وما الحلول والاستراتيجيات التي ينبغي على اللسانيين العرب تقديمها؟ وما مكامن الضعف في برامج اللغة العربية؟ وما علاقة اللغة العربية بالإصلاح والديمقراطية والمجتمع المدني؟


وحسب نهاد الموسى فإنَّ اللغة العربية تواجه مصيرا غامضا نتيجة توقّعات بعض اللسانيين بانقراض عدد كبير من اللغات في نهاية القرن الحادي والعشرين نتيجة الثورة الاتصالية ذات الطبيعة الرقمية، ونتيجة تقدم الصورة وحلولها محل اللغة إضافة إلى زوال الحواجز أمام قنوات الاتصال حيث ألغيت حدود المكان واختُزِلت أبعاد الزمان.


ويرى نهاد الموسى أنّ الركون إلى مسألة خلود اللغة العربية نتيجة ارتباطها بالنص القرآني، وأنَّ رصيد دورانها وسيرورتها الممتدة ستة عشر قرنا، وأنّ الناطقين بها وعددهم مئتان وسبعون مليونا من البشر، وأنّ المليار مُسلم الذين يتطلعون لتعلمها مُعطيات لا تُشكِّلُ ضمانات كافية لحماية اللغة ووقايتها من الاندثار.


لذلك لا بد من نهوض مشروع عربي يستنفر فيه اللسانيون والباحثون في الحقول المجاورة أدواتهم لتشخيص الواقع اللغوي العربي وإقامة الفرضيات الكفيلة بإنتاج الحلول، والبرامج، والاستراتيجيات القادرة على ايجاد آفاق علمية تستند إلى محددات دقيقة تضمن الوصول لنتائج موضوعية تمكّن من إيجاد خطط عملية وممكنة قادرة على الحفاظ على العربية والتصدي لما تواجهه من مخاطر محدقة.


أما مفاهيم الأطروحة المركزية فهي: اللغة العربية، والثبوت، والتحول، والعصر الحديث. وإذا كانت اللغة العربية، في قيم ثبوتها، هي النظام اللغويّ المُستمدُ شرعيتَه من لغة القرآن، والحديث النبوي، والشعر العربي، والخطب، وكلام العرب وأمثالهم، ولغة المتكلمين، والمفسرين، والفلاسفة،


وعلماء الاجتماع، والتاريخ، ونصوص القصة والرواية والمسرح والمقالة، والأفلام، والدراما، ولغة الرسائل الإلكترونية فإنَّها، في قوى تحوّلها، ترتبط بمشروع تظهر ملامحه في ظاهرتين ماثلتين هما: الازدواجية اللغوية، والثنائية اللغوية، وعوامل متفاعلة تتجسدُ في قضايا التعليم، والترجمة، والإعلام، والإعلان، والاقتصاد، والعولمة.


وأما العصر الحديث فهو عصر العولمة بكل ما يحمله من وعود وتهديد لصورة العربية النقية القادرة على منح القارئ شعورا بانتماء للنصوص العربية، على اختلاف أنواعها وعصورها، إلى بنية لغوية واحدة تحتكم إلى نواظم مشتركة من القواعد؛ إنه الثبوت الذي يُفسحُ لبنية اللغة تطوّر المعجم وتجدد الأساليب مع الحفاظ على المنظومة الصوتية والصرفية والنحوية.


ويستعين نهاد الموسى بأفكار ابن خلدون التي تُقدِّمُ تفسيرا ماديّا وموضوعيا لتهافت الأمم وخراب عمرانها ولسانها، إذ يرى أنَّ فساد العربية قد تحقق بعد أنْ سيطر على الدولة الإسلامية العجمُ والبربر والتتر والمغول. لذلك، وحسب نهاد الموسى، لا يمكن إنجاز الإصلاحات اللغوية دون وضع العلاقة الاقترانية بين العربية والنص القرآني في سلّم الأولويات، لأنَّ هذا الاقتران سيكونُ دافعا قويا ووحيدا لإعادة هيكلة البرامج اللغوية.


بيد أنَّ حفظَ اللغة العربية باقترانها بالنص القرآني لا يمثِّلُ عائقا أمام تطوّر اللغة العربية القادرة على الإفادة من المنجزات المعاصرة وتبيئتها لسانيا. فالعربية قادرة على ولوج فضاءات تعبيرية وآفاق جمالية وعوالم جديدة تتباين فيما بينها تشكيلا ورؤية.


إنَّ المعاينة الإحصائية لواقع الترجمة في العالم العربي تبعث على الاستياء نظرا لفقرها وتواضعها، وفي المقابل يقع الناظر في ترجمة المسلسلات المدبلجة والبرامج المتلفزة على كمٍّ هائلٍ من التجاوزات والمحظورات المتناقضة مع قيم العرب الثقافية وبرامجهم اللغوية الأمر الذي يجعلها تتضمَّن تهديدا حقيقيا للخصوصيات الثقافية وانتهاكا صارخا لمبادئ التربية والاجتماع.


وأما فضاء الإعلام فقد باتت الفضائيات مكونا من مكوِّنات قوى التحوّل اللغوية التي تملك القدرة على فرض استجابات وتوجّهات في عقول المشاهدين وسلوكهم ومواقفهم. كما أنّ لها دورا تخريبيا يكمن في ما تفرضه على برامج المشاهدين اللغوية والفكرية من أنماط لغوية. ويتجلى ذلك في جانبين كبيرين:


الأول: ترسيخ المحكيات المحلية واللهجات الجهوية الأمر الذي يعني أنها تستهدف قطاعا بشريا محددا وفئة محددة متوافقة اجتماعيا وعقائديا وثقافيا.


الثاني: المواد المعروضة، وهي تُشددُ، في أغلبها، على مُنتجات الغرائز المدمِّرة لقواعد العقل والعلم والمعرفة.


إنَّ الرأي الاقتصادي الذي يذهبُ إلى عجز العربية عن إبرام العقود والصفقات والإشهارات الترويجية لينطوي على مغالطات فادحة؛ ذلك أنّ انحياز الاقتصاد المطلق للإنجليزية بوصفها لغة تداولية وإقصاء العربية موقف يتضمن تبعية شاملة تؤذن بالاستلاب وتبشِّرُ بالاغتراب.


فعندما تتقدم الإنجليزية، للوعود التي تحملها، فإنّ ذلك يشكل تهديدا للعربية وهو ما بدا واضحا حيث تشهدُ الجامعات العربية إعراضا عن التخصص في العربية بفعل تراجع التخصص وظيفيا وعدم وجود حوافز ومُغرياتٍ لدارسيها.


ويقترح نهاد الموسى حلولا لمعالجة واقع اللغة الاقتصادي منها «اتخاذ العربية الفصيحة لسانا لترويج المنتجات وتخصيص قنواتٍ فضائية لهذه الغاية». إضافة إلى تشديده على ضرورة اقتحام العربية المناشط الإنسانية كلها؛ لأنّ اقتصار العربية على الجوانب التعليمية والثقافية يُعطِّلُ قوى الإبداع الكامنة فيها ويحجِّمُ حضورها وفاعليتها.


لذلك لا بدَّ من نهوض العربية بمناحي الحياة المختلفة الأمر الذي يمنحها القدرة على التنمية والتغيير ذلك «أنَّ انغلاق الخطاب اللغوي على المرجع الثقافي وحده، وإغفاله لسائر العوامل في هذا الشأن واضرابه قد آل به إلى أنْ يكون خطابا محدودا في دائرته الخاصة».


وأما الازدواجية اللسانية فعُقدة تعترض سبيل اللغة العربية حيث يُستعمل مستويان أحدهما: الفصحى، والآخر: اللهجة العامية المحكية. وهكذا تعيش العربية تنازعا بين نموذجين مختلفين في الوظائف والمواقف والقواعد، ويظهر مدى التنازع في حجم التباينات اللهجية التي لا ينظمها ببعضها ناظم ولا ترتبط بالفصحى بأي روابط مُشتركة.


وهنا يشير نهاد الموسى إلى أنّ التباين اللهجي في العربية حاليا يختلف عنه في عصر الجأهلية حيث كانت هناك قواسم مشتركة بين اللهجات إضافة إلى جوانب فصاحتها وصحتها مما بوأها صفة الصواب حيث التقت اللهجات لتشكل «العربية الفصحى التاريخية».


وأمَّا الثنائية اللسانية فعلَّة فاشية تمنحُ العربية دور الخاسر والإنجليزية (أو الفرنسية) دور الظافر، وهكذا تصبحُ الثنائياتُ اللسانية معطلا يحول دون نهوض برامج تهدف للارتقاء بالعربية تداولا وتنظيرا؛ لأنَّ اللغة الثانية لا تُدرسُ لخدمة المفاهيم العربية بقدر ما تكون وسيلة للطعن في العربية والتعالي عليها.


لقد تمَّ فرض الثنائية في مرحلة تاريخية تعصف بالانكسار والهزيمة، فقد زحفت إبَّان الحكم العثماني حيث برامج التتريك ومحو الهوية العربية وسحق الثقافة العربية، وإبَّان مرحلة الاستعمار الحديث حيث اقترنت العربية بالديني والتراثي


في حين اقترنت الإنجليزية والفرنسية بالتطور والصنائع والعلوم والتقدم المادي والنهوض الحضاري. وحسب نهاد الموسى فإنه لا بدَّ من مراجعة تجربة الثنائية اللسانية القسرية الاستلابية التي أصبحت تتعارض مع أهداف تعلم اللغات الثانية التي تدرُّ على العربية أسباب القوة والمعرفة.


وأمَّا العولمةُ فغدت خطرا داهما يستهدف العربية كما يستهدف اللغات الأخرى، ولعلَّ اقترانَ الإنجليزية بالعولمة بوصفها لغة المشروع الأميركي الإمبراطوري الساعي إلى فرض الهيمنة والتمركز يرشِّحها لتصبحَ لغة عالمية تهدد الثقافات الوطنية حيث الاستلاب والنفي.


والحقَّ أنّ الإعلام العربي يكرِّسُ حالة من الهيام بالإنجليزية إذْ تتطلَّعُ الشبابُ لإجادتها وتعلمها؛ بحثا عما تتوسَّلُ به من برامج تخاطبُ الغرائز وتناغي المخيلة. وهكذا يسقط قطاع واسع من الشباب في فخّ الإنجليزية حيث الانبهار بالإنجليزية الذي يخفي حنينا إلى الرغائب والعوالم المُتخيَّلة. ولعلَّ ثورة الاتصالات التي بلغت أوجها في شبكة الإنترنت تمثل دافعا وعاملا مركزيا لتبني اللغة الإنجليزية في التواصل وبناء المعارف.

د. هيثم سرحان

إبراهيم براهيمي
02-03-2010, 01:05 AM
السميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها

للكاتب : سعيد بوعيطة

حين بلور العالم اللغوي فردينان دو سوسير نظريته اللسانية، أشار بأنها ستندرج ضمن نظرية شاملة، تتجلى في السميولوجيا، لكن إلى مرحلة متأخرة، (في فرنسا على الأقل) شكل الفيلسوف الأمريكي سارل ساندرس بيرس أهم مصدر للسميولوجيا على الرغم من كون أغلب تصوراته المعرفية، يلفها نوع من الغموض لتشعب اهتماماته، وعدم وضوح الرؤيا الفكرية لديه. وفي المنحى الفلسفي نفسه، شكل كتاب –فلسفة الأشكال الرمزية- لصاحبه إرنست كاسيرر مصدرا هاما من المصادر ذات البعد المنطقي، فتجلت في أعمال كل من فريج مرورا ب : روسل وكارناب وصولا إلى الفيلسوف الأمريكي سارل موريس في أسس نظرية العلامة –في حين استند آخرون إلى الار السوسيري والبحث عن قيمه اللفظية داخل المنظومات الأخرى، وعلى رأسهم إريك بوسين وفي الحقبة نفسها، برزت اللسانيات البنيوية تجلت في أعمال كل من "رومان جاكيسون، بالمسلف، وبنفست تنطلق من تصورات سيمولوجية لتحدد أهمية اللغة داخل المنظومات الأخرى (غير اللغوية) أما داخل المنظومة الفنية فنجد أحد أقطاب حلقة براغ وهو جان موكارفسكي واقتفت أثره الباحثة الأمريكية سوزان لنيجر التي ميزت بين المنظومة الفنية والمنظومة اللسانية.


بعد الحرب العالمية الثانية، تم جمع هذا الموروث السميائي خاصة في كل من :أمريكا، فرنسا والإتحاد السوفياتي، وبرزت أعمال هامة مع كل من كلودليفي ستراوس في مجال الانثروبولوجي رولاند في مجال النقد الأدبي، وغريماس في مجال السرديات، فتشعبت بذلك حقول اهتماماتها. لكن على الرغم من ذلك، فإن السميولوجيا لا تزال غامضة الملامح نظرا لتشعب حقول اهتماماتها، وتعدد مرجعياتها وتباين مصطلحاتها ومفاهيمها من باحث لآخر، ومن حقل مغربي لآخر. هذا الغموض والتباين، هو ما حاول الدكتور سعيد بنكراد، تفكيكه وتبيانه في كتابه الأخير -السميائيات/ مفاهيمها وتطبيقاتها- الصادر عن مطبعة النجاح (الدار البيضاء-المغرب) دجنبر 2003، في 183 صفحة (منشورات الزمن).


يقوم الكتاب على ثمانية فصول، تناول في كل فصل قضية معينة، في مقدمة الكتاب حاول الباحث سعيد بنكراد، الوقوف عند أهم المحطات التاريخية(بنوع من الايجاز) للسميائيات مشيرا إلى أن "حالة النضج التي وصت إليها السميائيات استدعت التفكير في كتابة تاريخ يرسم الخط التصاعدي لهذا العلم الجديد. ص 7 .


إن أي تاريخ محتمل لهذا النشاط المعرفي، يفترض (بشكل قبلي) تحديد متابعة الأولى استنادا إلى هذا التمييز، يمكن تناول تاريخ السميائيات من زاويتين : تتعلق الأولى بتقديم عرض واف من التصورات الأولى المؤسسة للسميائيات وتتعلق الثانية بتحديد موضوعاتها المتنوعة فاستحضار النماذج المؤسسة، يمكن من تجنب الإغراق في التفاصيل الدقيقة الخاصة بكل تيار على حدة، وسيمكن الحديث عن الإمتدادات من حصر الموضوع في التصور الذي تقده السميائيات عن السميوز (السيرورة الدلالية) باعتبارها الحجر الأساس في كل فعل سميائي.


استنادا إلى مرحلتي التأسيس هاتين، يمكن صياغة تواريخ لسميائيات متعددة، يمكن الحديثة عن تاريخ للسميائيات السردية، كما يمكن أن نكتب تاريخ سميائيات الصورة، وآخر لسميات المسرح والسينما. وهكذا دواليك. لقد تطورت استنادا إلى مقترحات سوسير وبورس في مجال دراسة العلامة، توجهات سميائية متعددة لذا فإننا نجد –في انتقالنا من واقعة إلى أخرى –أنفسنا أمام سلسلة من المفاهيم. لقد تناول الباحث وجهة نظر المؤسسين: بورس وسوسير وحدد موقعيهما من التطورات التي عرفتها السميائيات في الثلث الأخير من القرن العشرين.


أما في الفصل المعنون ب –السميائيات وموضوعها- فقد تناول الدكتور بنكراد السميائيات من حيث الموضوع والأصول الفلسفية العامة والإمتداد في التاريخ القديم والحديث لكونها نشاطا معرفيا، بالغ الخصوصية من حيث أصوله وامتداداته ومن حيث مردوديته وأساليبه التحليلية بعد أن أبرز الباحث بنكراد مكانة هذا النشاط المعرفي (السميائيات) وقد ارتبط هذا النشاط المعرفي بالأعمال الفلسفية الكبرى. إذ يمكن القول بأن فلسفة اللغة من الرواقيين إلى كاسيرير ومن الفروسطين إلى فيكو. ومن القديس أوغستين إلى فتغنشتاين، لم تكف عن مساءلة أنساق العلامات، وبهذا تكون هذه الفلسفات قد طرحت بشكل جدري قضية السميائيات. لهذا يتعذر (أحيانا) فهم بعض التصورات السميائية (مدرسة باريس مثل)، دون التعرف على المبادئ الفلسفية التي تحكم تصورها للمعنى. والشيء نفسه عند الفيلسوف والسميائي الأمريكي شارل سندرس بيرس.



لم يقف الباحث عند هذه الأصول المعرفية (الفلسفية للسميائيات)، بل عمل على البحث في موضوعها وحدودها النظرية ومبادئها التحليلية، إن السميائيات لا تنفرد بموضوع خاص بها، بل تهتم بكل ما ينتمي إلى التجربة الإنسانية العادية شريطة أن تكون هذه الموضوعات جزءا من سيرورة دلالية. فكل مظاهر الوجود اليومي للإنسان، تشكل موضوعا للسميائيات. وبشكل عام فالموضوع الرئيسي للسميائيات هو السيرورة المؤدية إلى إنتاج الدلالة أي ما يطلق عليه في الاصطلاح السميائي : السميوز إن هذا الأخير (في التصور الدلالي الغربي) هو الفعل المؤدي إلى إنتاج الدلالات وتداولها. أو وظيفة السميائية في اصطلاح لويس هالمسيف، بعد ذلك ناقش مفاهيم عدة : اللفظ الدلالة، العلامة، الخ.ويخلص الباحث في هذا الفصل إلى كون السميائيات عبارة عن نظرية خاصة بالمعنى، وليس مجرد رصد لعلامة معزولة. لهذا فإن السميائيات يجب أن تقودنا في كل عملية تحليلية إلى إنتاج معرفة لا مجرد الوقوف عند تحديد مكونات الواقعة المدروسة ورصد تنويعاتها الممكنة.


في الفصل الثاني –سوسير، السيميولوجيا : علم للعلامات- ناقش الباحث في هذا الفصل، أهم المفاهيم والطروحات الفكرية عند سوسير كما جاءت في كتابه –دروس في اللسانيات العامة أهمها اللسان،الكلام،اللغة والأنساق المكونة للغات الإنسانية في ترابطاتها وعلاقاتها البالغة التنوع. هذه العلاقات التي حددها –كذلك- بنفست في ثلاثة :

أ-علاقة قائمة على وجود تناظر بين نسقين أو أكثر.

ب-العلاقة الثانية : هي من طبيعة توليدية.

ج-العلاقة الثالثة : وهي أهم هذه العلاقات، هي العلاقة التأويلية، بمعنى أن نسقا ما يصبح أداة لتأويل الأنساق الأخرى، وقد ركز على مفهوم اللسان، باعتباره أداة للتعيين وأداة للتصنيف وأداة للتقطيع المفهومي. إن موقع اللسان هذا هو الذي يجعل منه بوابة رئيسية نحو فهم مناطق جديدة من الإنساني والإجتماعي وتحديد أنماط التدليل والتواصل داخلها.


عكس ما ذهب إليه ش،س، بيرس الذي جعل من السميائيات مادة أصيلة لمقاربة مجمل الأنساق المكونة للتجربة الإنسانية. مستعينا في ذلك بالفينومينولوجيا والمنطق والتأويل. بعد ذلك فصل الباحث بنكراد القول في مفاهيم عدة: اللسان،الكلام،وحدد خصائص كل منهما كما جاءا في التراث السوسيري. إن آلية تحديد الفكر اللغوي عند سوسير، بدأت مع التعريف الذي يخص به العلامة ووظيفتها وموقعها ومكوناتها، تماما كما فعل من قبل مع اللسان. الذي اعتبره مهدا لهذه العلامات. ناقش الباحث الطابع المزدوج للعلامة Signe فهي صوت ومعنى في الوقت نفسه. حامل ومحمول إنه دال ومدلول. والعلاقة الرابطة بينهما، علاقة اعتباطية. بمعنى غياب منطق عقلي يبرر العلاقة بين الدال والمدلول على الرغم من الانتقادات التي وجهت إلى التصور السوسيري. لمفهوم الإعتباطية. فإن قيمته المعرفية ومردوديته التحليلية، لا يمكن إنكارها. تلك بعض المبادئ الأساسية التي اعتمدها سوسير في بناء صرحه النظري. إن هذا البناء، سيشكل الملاذ النظري للسميولوجيا. ولئن كان سوسير لم يتناول هذا العلم إلا بشكل عرضي وبصيغة مستقبلية. فقد نظر إليه مع ذلك باعتباره الأب المؤسس لهذا العلم. فالمعرفة السميولوجية مستمدة في جانب كبير منها من المعرفة اللسانية. وإذا كانت مجهودات سوسير السميولوجية قد وفقت عند هذا الحد. فإن الهزة العنيفة التي أحدثها نموذجه المعرفي في تناول الوقائع اللسانية، سيمتد صداها إلى علوم مجاورة وجدت في هذا النموذج ضالتها المنشودة. كما هو الشأن عند ليفي شتراوس وجاك لاكان، إن هذا ما سيحاول الباحث بنكراد تبيانه من خلال حديثه عن الأنساق غير اللسانية. كالصورة واللغة الإيمائية في الفصل الرابع والفصل الخامس والفصل السادس.


في الفصل الثالث –بورس : السميائيات نظرية تأويلية: في هذا الفصل، حاول الباحث بنكراد إيضاح الأسس المعرفية عند الفيلسوف والسميائي الأمريكي شارل سندرس بيرس (1839-1914). إن هذه الأسس لا تنفصل من جهة عن المنطق باعتباره القواعد الأساسية للتفكير والحصول على الدلالات المتنوعة. ولا تنفصل كذلك من جهة ثانية عن الفينومينولوجيا باعتبارها منطقا صلبا لتحديد الإدراك وسيروراته ولحظاته، فهي باعتبارها تبحث في الأصول الأولية لانبثاق المعنى من الفعل الإنساني، تقتضي في تصوره، النظر إليها باعتبارها طرقا استدلالية يتم بموجبها الحصول على الدلالات وتداولها. إن هذا ما دفع بورس إلى تعريف السميائيات باعتبارها منطقا. إن هذا الأخير في معناه العام –حسب بورس- ليس سوى تسمية أخرى للسميائيات. تلك النظرية شبه الضرورة والشكلية للعلامات C.S Piirce Ecrit sur le signe, seuil, 1987 . إن تصنيف الدلالات تشكل غاية من غايات التأويل-إما باعتباره حصيلة سيرورة قياسية أو حصيلة لسيرورة استدلالية أو هي نتائج سيرورة اقتراضية. لهذا لا يمكن فهم التصور البورسي للعلامة، إلا من خلال استيعاب الميكانيزمات الادراكية كما تصنفها هذه السيرورة، إذ لا يشكل التعريف الذي يقدمه بورس للعلامة سوى الوجه المرئي الاجرائي لرؤية فلسفية ترى في التجربة الانسانية كلها كيانا منظما من خلال مقولات، تشير إلى سيرورة إدراكية غير مرئية. تلك كانت التربة التي سينبت فيها بورس تصوره الفينومينولوجي. فالسميائيات حقل شاسع وثري. إنه بذلك قادر على استيعاب كل معطيات التجربة الإنسانية وتحليلها وتصنيفها وتحديد مناطق التدليل داخلها.


تناول الباحث –في الفصل نفسه- مفهوم العلامة. إنها الوجه الآخر لإواليات الإدراك. لذا لا يمكن تصور سميائيات مفصولة عن عملية إدراك الذات وإدراك الآخر. وإدراك –الأنا- وإدراك العالم الذي تتحرك داخله هذه –الأنا- فالعلامة هي مأثول يحيل إلى موضوع عبر مؤول هذه الحركة (سلسلة الإحالات)، هي ما يشكل في نظرية بورس ما يطلق عليه السيميوز أي النشاط الترميزي الذي يقود إلى إنتاج الدلالة وتداولها. يمكن تفسير هذا التصور من خلال خاصيتين تعتبران أساسيتين في التصور البورسي لاشتغال ووجود العلامة.

أ-الخاصية الأولى : تعود إلى كون السميائيات عند بورس ليست مرتبطة باللسانيات فموضوع دراستها لا يختصر في اللسان ذلك أن التجربة الإنسانية (واللسان جزء منها. (هي موضوع السميائيات البورسية.

ب- الخاصية الثانية : تعود إلى نمط التصور الذي يحكم العلاقة الرابطة بين الانسان ومحيطه. علاقة غير مباشرة يحكمها مبدأ التوسط (ما يطلق عليه كاسيرير أشكال الرمزية) هذا هو البناء العام للعلامة. وذلك هو موقعها داخل التجربة الإنسانية. وتلك هي وظيفتها في الإبداع والإدراك وإنتاج الدلالات.

بعد ذلك، ناقش الباحث بنكراد مفاهيم عدة الماثول والموضوع، المؤول، هذا الأخير بمثابة ثالث عنصر داخل نسيج السميوز،لكنه عمادها وبؤرتها الرئيسية.

في هذا الفصل، قدم الباحث عرضا عاما للأسس المركزية للسميائيات كما تتجلى من خلال بناء العلامة واشتغالها. والعلامة في هذه الحالة مبنية على العرف والتواضع. ولقد وفر هذا التوزيع إطارا عاما لدراسة الانساق البصرية، خاصة ما يتعلق بالصورة وإواليات إنتاجها للدلالات.

أما الفصل الرابع- سيمولوجيا الأنساق البصرية- (الصورة نموذجا) فقد أكد الباحث –من خلاله- بأن المعطيات الموصوفة في النموذج اللساني، يمكن أن يتحول إلى كوة نطل من خلالها على الأنساق غير اللسانية. فالقوانين التي تتحكم في اشتغال الأنساق الأخرى مبنية وفق قوانين اللسان. هكذا تصور سوير السميولوجيا. وفق هذا المنطق، حدد موضوعها وتخومها. هذه المعطيات تقدم معرفة أولية ستقود السميولوجيا إلى الاستقلال بنفسها والبحث عن هويتها من خلال تبني ما يوفره النموذج اللساني من أدوات ومفاهيم وأساليب في التحليل والرؤية وبناء عليه، يمكن القول أن كل الصيغ التعبيرية التي تشتم منها رائحة التعليل يجب أن تقصى من ميدان السميولوجيا فدلالاتها ليست حصيلة تسنين، بل هي معطاة من خلال التشابه أو التجاوز. وقد ناقش الباحث مفهوم الاعتباطية من خلال ما تناوله أ.إيكو إن هذا ما مكن الباحث من الفصل، داخل تحليل الصورة. بين مستويين. ما يعود إلى الإدراك (كيف ندرك الصورة) وما يعود إلى إنتاج الدلالة (كيف يأتي المعنى إلى الصورة) وهما عمليتان مختلفتان ولا ترتبطان بنفس الإشكالية في هذا الإطار. نقاش الباحث : الصورة والسنن الإدراكي، الصورة وإنتاج المعنى ليخلص-في هذا الفصل- إلى الإدراكي، الصورة وإنتاج المعنى ليخلص-في هذا الفصل- إلى كون مجمل الدلالات التي تثيرها الصورة من خلال بعديها الأيقوني والتشكيلي، ليست وليدة مادة مضمونية دالة من تلقاء ذاتها وليست وليدة معاني قادة ومثبتة في أشكال لا تتغير. إنها أبعاد انتروبولوجية مشتقة من الوجود الإنساني ذاته.

في الفصل الخامس –جمع بصيغة المفرد- (قراءة سميائية في ألبوم فوتوغرافي) قدم الباحث سعيد بنكراد، قراءة سميولوجية لمجموعة من الصور التي يشتمل عليها ألبوم فوتوغرافي من إنجاز مصور فوتوغرافي مغربي معروف هو داود اولاد السيد وقد تعامل الباحث مع هذا الألبوم باعتباره يشكل وحدة منسجمة لها امتدادات في ذاتها من خلال عناصرها المكونة. وهو بذلك يشتغل كنص يحيل، كما تحيل كل النصوص على كون أو أكوان دلالية محدودة في الزمان وفي المكان ناقش مجموعة قضايا:

1- مقاربة جمع بصيغة المفرد

2- ذات التصوير وأخرى للتجريد

3-المشهد السردي وانسياب النظرة

4- عودة إلى المفرد .

صور تنتج الإنسان الغريب وفي ذات الوقت السجل الأيفونوغرافي القادر على استيعابه.

في الفصل السادس –سميائيات النسق الإيماني (الجسد ولغاته)

حاول تقديم قراءة لنسق إيماني يتسم بالتعميد والتركيب إذ اعتمد الباحث المعرفة السميولوجية التي تبيح التعامل مع الجسد باعتباره نسقا تواصليا. له امتدادات في كل مناحي الحياة العاطفية والعقلية والمناخية. إن هذه القراءة، تسعى إلى الكشف عن الطريقة التي ينتج بها الجسد دلالاته والدلالات هنا هي مجمل الطاقات التعبيرية الكامنة في الجسد (مع تجاوز البعد النفعي المباشر للجسد) وتوجيه الاهتمام إلى استعمالاته الاستعارية المتنوعة وكما هو الحال في التعامل مع اللسان من خلال هذا التصور. ناقش الباحث :

1-الجسد الشيء والحجم الإنساني 2- الدال الجسدي : تداخل العملي والثقافي

3- العضو بين الحجم الثقافي والبعد العملي.

4-امتدادات الجسد خارج نفسه.

5- الجسد :السكون والرغبة وسلطة الأشكال.


ليصل إلى كون الجسد واقعة اجتماعية، ومن ثم فهو واقعة دالة. فهو يدل باعتباره موضوعا. ويدل باعتباره حجما إنسانيا ويدل باعتباره شكلا إنه علامة.

وككل العلامات لا يدرك إلا من خلال استعماله فكل استعمال يحيل على نسق وكل نسق يحيل على دلالة مثبتة في سجل الذات وسجل الجسد وسجل الأشياء.

في الفصل السابع –بين التعدد التأويلي والمعنى الأحادي – حاول الباحث تقديم بعض الملاحظات الخاصة بالمعنى استنادا إلى التصورات النظرية التي تناولها في الفصول الثلاثة الأولى، غايته في ذلك رفع بعض الالتباس الذي علق بالدراسات الأدبية الحديثة.


حاول من خلال ذلك الإجابة عن أسئلة محددة. تقترب من المعنى.

أ-كيف تتشكل الواقعة. وتتحول إلى كيان مستقل بحدود وقواعد خاصة للإشتغال؟

ب-كيف يأتي المعنى إلى الواقعة؟

ج- كيف يمكن الفصل بين الواقعة لتحققه والنسق المولد بها؟

وهل الواقعة مجرد تحقق شبيه بكل التحققات الأخرى أم أن كل تحقق يقوم بإغناء المادة المضمونية وينوع من أشكال حضورها؟

تناول الباحث هذه الأسئلة وعالج من خلالها قضايا عدة :

1-المعنى بين المحايثة والتحقق.

2- المعنى بين الذاتية.

3-الأديولوجيا وإنتاج المعنى.

أما في الفصل الأخير/الثامن –مفاهيم سميائية-فقد قام الباحث بتقديم مجموعة من المفاهيم التي تشكل الحجر الأساس التي أنبنت عليه السيميائيات وتشكلت كنشاط معرفي مستقل. مفاهيم عرفت انتشارا داخل البنيوية في بداية الستينات لتصبح بعد ذلك مفاهيم مركزية يتم من خلالها فهم النص وإنجاز قراءاته من أهمها مفهوم المحايثة. إن لهذا الأخير أصولا غير التي اثبتتها البنيوية في تفاصيل تحاليلها. فالمحايثة هي ما هو معطى بشكل سابق على الفعل الانساني وتمفصلاته. فهي كما يشير لالاند مرتبطة بنشاطين: نشاط يحيل على كل ماهو موجود بشكل ثابت وقار عند كائن ما. وآخر يحيل على ما يصدر عن كائن ما. معبرا عن طبيعته الأصيلة المفهوم الثاني الذي تناوله الباحث، هو مفهوم السيميوز (السيرورة المنتجة للدلالة). فالدلالة-من خلال هذا المفهوم- هي سيرورة وليست معطى جاهزا وسابقا على الفعل. إن هذه السيرورة هي ما يطلق عليه في السميائيات السميوز (بورس) أو الوظيفة السميائية (هالمليف).

المفهوم الثالث – المعنى استنادا إلى مفهوم المحايثة ومفهوم السيميوز يمكن تناول المعنى تحديد مداراته وأشكال تجليه. فالمعنى من المفاهيم التي تستعصي على التحديد والضبط. وعلى الرغم من أن الإستعمال العادي لا يميز إلا نادرا بين المعنى والدلالة، فإن الفرق بينهما شاسع وكبير في المسليف نفسه. يجعل من المعنى المادة التي تشتق منها الدلالات. أما غريماس فتناوله من زاويتين: تسمح الأولى بالقيام بعمليات الشرح والسنينات التي تنقلها من سنن إلى أخرى والثانية باعتباره ما يؤسس النشاط الانساني منظورا إليه كقصدية.المفاهيم الأخرى التي تناولها الباحث هي: الدلالة، التأويل، مستويات الدلالة، الرمز، الخ.


تأتي أهمية الكتاب من كونه يعمل على تبسيط مفاهيم وأسس هذا الحقل المعرفي/السميائيات كما أن اشتغال الكتاب على فصول نظرية وأخرى تطبيقية، أبعد عن كل تعقيد وغموض. إن هذا لمسناه عند قراءتنا لكتاب آخر للباحث بنكراد.

-السميائيات السردية-(الصادر عن السلسلة نفسها2001). هذه الخصائص والمميزات قد تحدد الرؤيا النقدية عند الباحث سعيد بنكراد.

قراءة لكتاب: بنكراد(سعيد) السميائيات، مفاهيمها وتطبيقاتها،ط1 مطبعة النجاح الجديدة (منشورات الزمن) الدار البيضاء،2003 ص،138

إبراهيم براهيمي
02-03-2010, 01:11 AM
ما هو علم اللغة؟


علم اللغة و من اللفظة نفسها توحي بأنها الدراسة العلمية للغة ، و لكن ما معنى هذا؟ علم اللغة هو العلم الذي يختص بدراسة اللغة كظاهرة انسانية اينما وجدت بغض النظر عن صوتها او طبيعتها او عمرها التاريخي ... هو يدرسها كظاهرة انسانية و يقوم بوصف الظواهر الموجودة بها من الداخل دون ابداء اي رأي .. اي يقوم بالوصف و محاولة فهم كيفية عمل هذه اللغات من الداخل ... على اساس ان اللغة ظاهرة انسانية يحاول العلماء الوصف لكي يصلو الى المبادئ العامة General Principles التي تفسر لغات بني البشر كلهم ... على فكرة هنالك معنيين لكلمة اللغة: المعنى الاول هو "تلك الظاهرة البشرية التي يمتلكها البشر على اختلاف مللهم و ثقافاتهم و جنسياتهم و و و " اما المعنى الثاني فهو التخصيص كأن نقول "اللغة اليابانية" او "اللغة الفارسية" الخ الخ ... اذا عندما نقول "توجد في اللغة اصوات" = هنا نقصد اللغة بالمعنى العام اي كظاهرة انسانية ، اما حينما نقول "تنقسم اصوات اللغة العربية الى كذا و كذا " فهو المعنى التخصيصي ...



لو سألت اغلبية الناس عن اللغة سيقولون ان اللغة هي "حروف" او اللغة هي "كلمات" او اللغة هي "كلام الناس" او اللغة هي كذا و كذا دون اي معنى لهذا الكلام ... اللغة في حقيقتها "اصــــــــــــــوات" و هذه الاصوات تتساوق مع بعضها لتشكل كلمات و من ثم تراكيب و من ثم تعقيدات لا اخر لها ... طيب ما الذي يتحكم في ربط الكلمات و دراسة العلاقة بينها و كيفية اتحادها مع بعضها لتشكل الكلام المستساغ و "الصحيح" الذي نسمعه ... يسمى بالـــSyntax .. و هو فرع يدرس هذا الجانب ... و السينتاكس يدرس العلاقات المعقدة التي تربط الكلمات ببعضها لتأتي بجمل معقدة ... و لكل لغة سينتاكسها الخاص بها و لكن حسب نظرية النحو الانساني Universal Grammar التي جاء بها نعوم تشومسكي توجد مبادئ عامة تحكم اللغات البشرية كلها و يمكن وضع اطار عام لتفسيرها جميعا و المؤلفات حول هذا الموضوع تعد بالالوف ...



عودة الى علم اللغة و سوف نتوسع في تشومسكي و غيره فيما بعد ... المهم كيف بدأ علم اللغة؟ بدأ علم اللغة او اللسانيات بصورته اليوم في محاضرات القاها العالم السويسري "فردينيند دي سوسير" و سماها Course de linguistique generale ، اي دروس عامة في الالسنية او علم اللغة و هذا الكتاب ترجم الى العربية في ثلاث نسخ الى العربية كل نسخة من بلد و احدة في تونس و الاخرى في لبنان و الثالثة في مصر ... هذا و قد بدأ العالم السويسري هذا محاضراته في جامعة جنيف منذ سنة 1906 حتى سنة 1911 و لكن محاضراته لم تنشر الا سنة 1916 بعد وفاته و كانت هذه المحاضرات او الدروس هي نقطة البداية للمدرسة البنائية ، و تعد نقطة البداية لعلم اللسانيات عموما كعلم و ما من مجال للتوضيح اكثلا لان الموضوع طويل ... ماهي الحقائق و المبادئ و الخصائص التي جاء بها علم اللغة؟ __ طبعا هنالك دراسات حتى قبل ذلك لعلماء مسلمين و عرب و غيرهم و هي ساهمت كثيرا و لكن بالصورة التي نعرف بها علم اللغة اليوم فهم فرديناند دي سوسير و نعوم تشومسكي و غيرهم ... ملاحظة: نحن لسنا في مؤتمر علمي لنذكر كافة الاسما فسأكتفي ببعضها و ابرزها ... طيب ما هي خصائص علم اللغة:



علم اللغة يعتمد الاتي:
الاولوية للغة المحكية و ليس للغة المكتوبة على اساس ان الانسان يتكلم اولا ثم يدون ذلك الكلام ... بالاضافة الى ذلك فان الانسان تكلم كثيرا و من ثم اخترع نظام الكتابة و نظام الكتابة يختلف من مكان الى اخر و هو قد مر عبر مراحل تطور و هو اختراع حديث مقارنة باللغة المحكية ... اذا بدلا من ان نقفز و نقول "اوه ما يقوله الناس خطأ و ما هو مكتوب صح" ... نرد و نقول ... " و من قال ذلك الكلام المكتوب اصلا؟" الم يقله الناس؟ هل جاء من الفضاء؟ الفرق ان ذلك مدون و تمت معيرته اي اصبح معياريا و ثابتا و لكن لا يعني ان ما يقوله الناس خطأ و طبعا كلامي موجه نحو لغاتنا الام لان عندنا حس لغوي intuition يمكننا من تحديد ما اذا كان الشيء مقبول ام لا ... و سوف نرى بالامثلة فيما بعد ...
اللغة ظاهرة بشرية و اجتماعية موجودة بوجود البشر في اي مكان و لا يهم كم عددهم او لونهم او او او ...
لا توجد لغة افضل من لغة و ان اللغات متساوية في درجات تعقيدها و ايصالها للفكرة المرجوة ... الفرق هو في تطور الحضارات و استعمالها لاداة اللغة للتعبير عن الرقي الحضاري الذي وصلت له ...
يتبع علم اللغة المنهج الوصفي Descriptive و لا يعترف بالمنهج التقريري Prescritive لان التقريري يقوم الانسان فيه بابداء رأيه بصح او خطأ او مزبوط او مش مزبوط الخ الخ ، اما الوصفي فيدرس الظواهر على حالها ...
اللغات مختلفة عن بعضها من ناحية عملها من الداخل و بالتالي يجب دراسة كل لغة على حدة و وصفها من الداخل و كيفية عملها دون فرض مقاييس لغة ثانية عليها ... لكل لغة مقاييسها التي تعمل بها و لا توجد مقاييس مقدسة يجب اتباعها من كافة اللغات ... لا توجد لغة ماسية او ذهبية او جوهرية او مقدسة ما تعده انت ثراءا يعده غيرط مضيعة و قت و و و و ...
اللغة ظاهرة انسانية اما الحيوانات فلها انظمة اتصال و الفرق كبير ... اللغة لا يمكن لن تفصل عن العقل و خصائص اللغة البشرين هي الاقتصاد و الازاحة و و ... لا مجال للاسف للشرح و التعمق ... يقول الكاتب البريطاني ديفيد كريستال في كتابه: ما هو علم اللغة؟ المنشور سنة 1968 ان "اللغة جزء لا يتجزأ من كونك انسان" Language is an integral part of being human. ....
لا اريد الخوض في موضوع اللغة بقدر ما اريد ان ابين طبيعة علم اللغة ... يمكن ان نتحدث في اللغة بالتفصيل في وقت لاحق ... اما الان سنذكر اللغة بشكل عرضي و موجز ... اذن علم اللغة يدرس اللغة بشكل علمي و متجرد من التحيز و العاطفة و بشكل وصفي و ليس تقريري ... الفرق بين الوصفي و التقريري هو ان الوصفي يصف الامور على حالها و يحاول وضع التساؤلات ثم محاولة ايجاد تفسير لها ضمن اطار مبادئ عامة ... اما المنطق التقريري فهو ما تعتمده مدرسة النحو التقليدي التي تقول لنا "ان نقول كذا" و "لا نقول كذا" ...


و ينقسم علم اللغة الى تخصصات عدة منها علم اللغة الاجتماعي و علم اللغة التاريخي و علم المقاميات و علم اللغة العصبي و الكثير الكثير و كلها علوم لا علاقة لها بما نعرفه عن اللغة من ثقافة الكتب المنهجية المدرسية او كلام الجرائد و المجلات و غير المتخصصين و الذي يكرره الناس دون دراية ... كما ان اللسانيات قسمين: فمنها التطبيقي و النظري ... اما النظري فهو يبحث في دراسة اللغة من الداخل و وضع الفرضيات و محاولة تفسيرها ضمن المبادئ العامة للنحو الانساني ، علم اللغة التطبيقي يدرس اخر تطبيقات تدريس اللغات البشرية و تصميم اخر المناهج و طرق البحث الخ الخ الخ ... و طبعا التعاون جاري بين علم اللغة التطبيقي و النظري لانه واحد يحاول التفسير و الثاني يحاول الاستفادة من هذه التفاسير في تسهيل تعلم لغات بعضنا البعض ... و طبعا علم اللغة يختلف ايضا عن فقه اللغة و الدراسة اللغوية للغات القديمة : يجب علينا تذكر ان علم اللغة النظري بالذات يدرس اللغة من الداخل بغض النظر عن عمرها ، يعني يمكن ان نرى كيفية عمل لغة قوم المايا و نفسرها و نفهمها من وجهة اللسانيات النظرية الحديثة و ما من مشكلة في ذلك ... اما لو اردت ان ادرس اللغة تاريخيا فهذا من شأن فقه اللغة او علم اللغة التاريخي الذي يدرس تطور اللغة ... اما سيميائيا Semiotically فتتم دراسة رموز اللغات القديمة و محاولة فك شفرتها الخ الخ ... و لكن بمجرد فك الشفرة يمكن ان نقفز الى الداخل و نرى كيف تعمل هذه اللغات فاللغة كما تعرفون انها ظاهرة انسانية و يمكن وصفها و تحليلها بغض النظر عن مكان وجودها ... هل تساءل احدكم كيف عرف العلماء نطق اللغات الميتة؟ يعني كيف وصلو الى ان الصوت الفلاني هو كذا في ظل غياب و اندثار اهل تلك اللغة؟ يعني ما اعتقدت انه "ح" يمكن ان يكون "ق" او يمكن ان يكون صوت لا نعرفه اصلا؟ هل لو رجع فرعون اليوم و استمع الى لغته كما يتكلنها خبراء اللغة المصرية القديمة هل سيتعرف عليها و يفهمنا و نفهمه الخ الخ الخ من الاسئلة المحيرة و طبعا لها اجابات و لكن اين نجدها؟ بالدراسة و العلم و البحث مش بتكرار ما نسمع ...

ماهي اللغة؟
تم تعريف اللغة من قبل العديد من العلماء و لن اتطرق اليهم هنا لانه لا مجال لذلك على الاطلاق و لو فعلت سنحتاج الى مجلدات و لكن من اراد ان يعرف سأوضح و بكل سرور ... ما يهمني هو علم اللغة التشومسكي اي المتعلق بالعالم الامريكي :نعوم تشومسكي. نعوم تشومسكي كان العالم الاول الذي قفز الى الداخل ليوضح كيف تعمل اللغة من الداخل ، فالعلماء من قبله كانوا يصفون اللغة من الخارج و يصفونها انها "مجموعة اصوات يستعملها الانسان للتعبير عن احاسيسه و و و و " لكن هو عرفها كما يلي:
“Language is an infinite set ofstrings (sequence of word forms) and a grammar as a filter which picks thegrammatically correct strings from the free monoid over the finite lexicon ofthe language”
"اللغة هي مجموعة غير محدودة من الروابط او سياقات الكلمات و يقوم النحو بتصفية هذه السياقات و اختيار الصحيح منها نحويا ليتماشى مع اللغة المستهدفة" __ ترجمة بتصرف __
لتوضيح هذا التعريف ، اطلب من اخي القارئ العودة الى الاطفال ... لو وضعنا اي طفل في اي مكان من اماكن العالم سيكتسب اللغة التي يولد فيها اليس كذلك؟ ... يعني لو خدينا واحد من زوارة عمره 4 سنوات و وضعناه في الصين و عدنا له بعد فترة 7 سنوات سنجده يتكلم بالصيني لانه اصبح صينيا بغض النظر عن ابويه و ماذا يتحدثان ... عودة الى التعريف و توضيح مفهومه: في اطار المثال المتعلق بالطفل اود ان اقول انه حسب تشومسكي الانسان يوجد لديه ما يسمى بــ... LAD = Language Acquisition Device او جهاز اكتساب اللغة و هذا الجهاز هو مجرد اي غير مرئي و افتراضي ) مثل العقل ( لكن امكانيات هذا الجهاز موجودة و يحتوي هذا الجهاز على مبادئ النحو الانساني ... طيب كيف يكتسب الطفل اللغة هنا و ما معنى كلمة النحو في التعريف؟
كما يقول التعريف ان اللغة مجموعة لا تنتهي من السياقات و و و ... فالنحو هنا يعني فلتر او مصفاة تختار ما يتماشي مع منظومة اللغة المختارة ... باختصار المبادئ العامة للنحو الانساني موجودة و عندما يوضع الطفل في اي مكان من العالم يبدأ في الاستماع الى اللغة الموجودة حوله و من ثم يقوم دماغه بتصفية تلك المبادئ و اختيار ما يتماشى مع الكلام الموجود حوله ... لماذا نقول يتماشي؟ لان الطفل عنده المبادئ كلها التي تحكم كافة لغات البشر و بالتالي لو اخذنا من الصين الى فرنسا سينسى الصيني و يختار دماغه مع ما يتماشى مع المنظومة الفرنسية و يكتسب الفرنسية الخ الخ ... من الاخير مثل جهاز كمبيوتر يحتوي على مجموعة ملفات و كلها موجودة على نفس الجهاز و لكن لكل ماف سوفت وير معين يشغله ... من اين نأخذ السوفت وير؟ من البيئة المحيطة بنا فبمجرد دخول تلك المبادئ يقوم الدماغ يتحريكها و فلترتها اي تصفيتها و تحديد اتجاهه و من ثم الاستمرار الى درجة الكمال ... لكن عند سن الثالثة عشر او الثانية عشر يبدأ الطفل في فقدان القدرة على العودة الى هذه المبادئ العامة و استعمالها لان خلايا دماغه تفقد مرونتها الخ الخ ... نحن مثلا قد فقدنا القدرة على العودة الى استعمال هذه المبادئ ... ارجو ان تكون ماهية و فكرة اللغة واضحة نوعا ما من ناحية انها شيء يكتسب و انها ذلك الشيء الموجود عندنا قبل ان نكتبه على الورق و ان نقول صح و خطأ بمجرد ان ما نقوله لا يطابق كتاب نحو تم تأليفه منذ سنوات و سنوات ... هذه هي اللغة في نظر علم اللغة ... و هذا الامر منطبق على كافة لغات البشر و لو قلنا ان لغتنا لا تخضع لهذا المقياس معناها لغتنا معيوبة و لا تصلح و حاشا ان تكون كذلك ... و النحو اي القواعد ما هو الا تدوين لما يدور في عقول البشر او تجسيد لملامح تلك اللغة الموجودة في ادمغتنا و قد وضع للمعيرة فقط .. المعيرة تعني جعل الشيء Standard ...
توجد ابجدية عامة للاصوات البشرية تسمى IPA و في هذه الابجدية توجد اصوات لغات البشر كلهم ... مرة اخرى اقول كلهم ... المهم في هذه الابجدية الصوتية صوت "الضاد" موجود لوحده في خانة ، و طبعا في الوقت الذي يرى الناس هذا ميزة غير عادية و قصائد شعر حول افضلية اللغة العربية الخ الخ ، البعض الاخر يقول انه لو ان هذا الصوت غير موجود في باقي اللغات البشرية يعني انه لا ينتمي الى الاصوات البشرية اصلا ... يعني اقصد المسألة حسبما تريد ان تنظر اليها ... لو اعطيتك كأس ماء نصفة ممتلئ و نصفه فارغ يمكن ان تقول لي ان هذا الكأس "نصفه ممتلئ" و يمكن لاحد اخر ان يقول ان "لا ... نصفه فارغ" : في الحقيقة الاجابتين صحيحتين و لكن يتوقف على منظورك انت للموضوع ...
طبعا لكي اقفز الى كيفية عمل اللغة من الداخل لا استطيع الان لانه ما من مجال لذلك .. و لكن في الجزء القادم من المقالة سأقوم بذلك و واحدة واحدة ساعرج على لهجتنا و اوضح كيفية تطبيق مبادئ اللسانيات في دراستي للظواهر الموجودة في لهجتنا بطريقة وصفية و علمية متجردة من العاطفة ... العاطفة شيء جميل و لكن مش في الدراسة العلمية ... عندما ندرس شيئا بطريقة علمية نترك العاطفة بعيدا وندرس الشيء بمعزل عن العاطفة ... يممن ان تغنى بالعاطفة في اغنية جميلة و ان نستمتع بها في وقتها و لكن العلم علم ...
الى الجزء القادم من هذه المقالة الطويلة ...

بدر حلب
04-06-2010, 01:38 AM
عمل رائع بارك الله فيك ووفقك لما يحبه و يرضاه

إبراهيم براهيمي
04-06-2010, 07:48 PM
الأفعال اللغوية أو الكلامية

كما تسمى كذلك تتحدد بإنجازيتها، فلا يسمى لغويا إلا إذا كان إنجازيا يوحي بالفعل، وبل لا تتم دلالته ولا يكتمل إلا بتحققه إنجازيا؛ لأن الفعل الكلامي الإنجازي ينقسم إلى ثلاث:
1- فعل القول: وهو الجملة القولية السليمة الدالة.
2- الفعل المتضمن في القول: ويشتمل على أمر زائد هو قوة الفعل، أو القوة الإنجازية للفعل، فنقول عن جملة أو قول ما أنه يحتوي قوة الخبر، أو قوة التحذير ، أو قوة الأمر، وغير ذلك.
3- الفعل الناتج عن القول: وهو أثر فعل القول على المشاعر والأفكار والسلوكات أيضا.
فلفعل الكلام الإنجازي كما ذهب أوستن ثلاث خصائص:
* أنه فعل دال.
* أنه فعل إنجازي ( أي ينجز الأشياء والأفعال الاجتماعية بالكلمات ).
* أنه فعل تأثيري ( أي يترك آثارا معينة في الواقع، خصوصا إذا كان فعلا ناجحا ).

والأفعال الكلامية الإنجازية نوعان:
1- مباشرة: وتسمى الصريحة ، ويكون الفعل مباشرا إذا تطابق القول مع الإنشاء ، مثل :
اذهب الآن ، أنجز أعمالك، متى تنوي الرحيل ؟ وهي أفعال متواضع عليها ، تتداول غالبا بمعانيها الأصلية.
2- غير مباشرة: وتسمى غير الصريحة، ويتوقف تحقيقها على عوامل من السياق ؛ بإجبار المتلقي على الانتقال من المعنى الحقيقي إلى المعنى الذي يسنده المتكلم إلى قوله ، كقولنا : وجهها بدر. إن المستمع لهذه العبارة يلغي وجوبا المعنى الحقيقي، ولا يحتفظ إلا بالمعنى المجازي المُراد؛ وهو الحسن والجمال.

نموذج للفعل الكلامي :

< قال رجل من اليهود لعلي بن أبي طالب : ما دفنتم نبيكم حتى قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير . فقال علي كرَّم الله وجهه : وأنتم ما جفَّت أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم : " إجعلْ لنا إلهًا كما لهم آلهة " ( 138 ، سورة الأعراف ) > .

لقد أنجز اليهودي فعل التحقير من خلال قوله ، وأنجز علي فعلا حجاجيا من خلال قوله أيضا ، ركَّز عليٌّ كرم الله وجهه في إنجاز فعله الحجاجي على تحليل قول اليهودي الذي أطلق الكلام نقلا عن المسلمين : " قالت الأنصار " . وحدد الزمن بموت الرسول صلَّى الله عليه وسلم ، فكان كلام عليٍّ منقولا أيضا، ولكن مع توثيق المصدر : القرآن الكريم ، وتحديد الزمن بعد أن نجَّى الله اليهود من فرعون ؛ إذن لجأ عليٌّ في محاجة اليهودي إلى الاعتماد على قوله ، فقد حدَّد اليهودي موضوع خلاف المسلمين بأمر دنيوي ، وبعد مصيبة وهي موت الرسول عليه الصلاة والسلام . وحدَّد عليٌّ موضوع خلاف اليهود بأمر إلهي وبعد نعمة أنعمها الله عليهم ، وشتَّان بين الموقفين . إذن نجد الفعل الكلامي يتجسد بمستويين :
-المستوى الأول : قول اليهودي : ( ما دفنتم نبيكم حتى قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير ) ، يمكن رصد الأفعال التي تشكل الفعل الكلامي وفق النحو التالي :
1-فعل القول : الذي يجسده المستوى الصوتي والتركيبي والدلالي للجملة .
2-الفعل المتضمن في القول : إن الجملة السابقة الذكر تتجاوز تقرير الحقيقة إلى فعل التحقير والإقلال من شأن المسلمين بتحديد اهتمامهم الذي انصبَّ على الخلافة .
3-الفعل الناتج عن القول : يتجسد في المثال عن طريق توليد فعل كلامي آخر بعناصر مماثلة للفعل الكلامي الأول وهذا ما يشكل المستوى الثاني من الفعل الكلامي ؛ يتجلى الفعل الكلامي الثاني في قول عليٍّ كرَّم الله وجهه : ( وأنتم ما جفَّت أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم " إجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة " ) .
وعناصره هي :
1-فعل القول : ( الجملة بمستوياتها : الصوتي والتركيبي والدلالي ) .
2-الفعل المتضمن في القول : وهو فعل الرد على اليهودي ، فعليٌّ كرم الله وجهه لا يقرر من خلال كلامه حقيقة وإنما ينجز فعلا هو محاجة اليهودي .
3-والفعل الناتج عن القول : والذي تجسد في سكوت اليهودي لإفحامه من طرف علي .
وجدير بالذكر أن الفعل الكلامي الذي أنتجه " عليّ " هو رد فعل للفعل الكلامي الذي أنتجه اليهودي .

شكرا مرة أخرى على هذا العرض المفيد، وهذه الإضافة ما كانت إلا تداركا لبعض التفاصيل البسيطة التي من شأنها أن توضح الأمر بشكل مبدئي، لاسيما جزئية الإنجازية؛ والتي تعد قوام الفعل الكلامي في تصنيفه التداولي.

نزيف القلب
09-06-2010, 09:11 AM
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

علاء الزبيدي
09-06-2010, 10:46 AM
جزاك الله خيراً

محمد أحمد المصري
22-08-2010, 07:05 PM
جزاك الله خيرا، جهد محمود

إبراهيم براهيمي
06-09-2010, 02:18 AM
اشكر كل الذين اثنوا على هذه النافذة اللسانية جعل الله جهدنا في جمع مادتها في ميزان حسناتنا يوم الدين ..... ولا امانع لكل متصفح نقلها الى موقعه المفضل .... بشرط الدعاء في ظهر الغيب بالستر والعافية لجامعها ......

الألسني الجبوري
06-09-2010, 11:29 AM
بااااااااااااااااااااااارك الله فيك

النجدية
25-07-2011, 03:49 PM
بارك الله فيكم، وزادكم من فضله

أبو ذر الفاضلي
17-09-2011, 03:25 AM
بارك الله تعالى فيكم

خالد عادل
07-09-2012, 05:49 AM
جزاكم الله خيرا ، وهذا رابط البحث:http://media.kenanaonline.com/files/0008/8474/%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%B3%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D 9%84%D9%84%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%AA%20% D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB%D8%A9.doc

إبراهيم براهيمي
24-09-2012, 07:11 PM
بارك الله فيكم الدعاء الدعاء بالستر والعافية