المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اكتساب اللغة:مقاربة معرفية للدكتور بوفولة بوخميس


انتصار القدس
14-09-2009, 02:13 PM
إن اكتساب اللغة من المواضع التي اهتم بها كثيرا علماء النفس اللغويين وعلماء النفس المعرفيين وعلماء الأعصاب النفسيين.و سنحاول في هذا المقال تناول اللغة و اكتسابها تناولا معرفيا.
1-1-الفهم اللفظي (compréhension verbale):
يعتقد أن تضخيم إمالات التقاطيع النغمية مع تبسيط الملفوظات يشكلان عاملا هاما يساعد الطفل على تجزئة السلسلة الصوتية تجزئة ملائمة.كما أن الإلحاح والتنبير شبه الموسيقي الذي يتم على بعض الكلمات يسمح بتشطير(تجزئة) الخطاب إلى وحدات منفصلة وتركز الانتباه السمعي على هذه العناصر التي تم عزلها ويتضح طابعها المركزي على مستوى المعنى.
ومثلما أن أولى مراحل التفكيك البصري لشفرة صورة ما هو استخراج الشكل عن الخلفية، كذلك فإن أولى عمليات فك شفرة دلالة الخطاب تبدأ بتعيين التقاطيع (الحدود)، واستخراج الأجزاء الملائمة متمثلة في الكلمات أو مجموعة كلمات.أما المعالجة التي تهدف إلى التعرف على معنى الكلمات فلا تتم إلى ثانويا.
وهكذا فعندما تكون معارفنا قليلة عن لغة أجنبية مثلا فإن نطلب من محدثنا التكلم "أكثر بطئا" فتكون هناك إطالة في الفسحة ما بين الكلمات وبالتالي تسهل التجزئة إلى وحدات وف غياب هذه التجزئة لا ندرك إلا متتالية مستمرة من الأصوات ولا نستطيع استخراج الكلمات منها مع أننا قادرون على التعرف عليها إذا كانت معزولة.
يتوفر المولودون الجدد المعافين من الصمم على كفاءة عجيبة لتمييز كل الخصائص الصوتية في كل اللغات. لكن هذه الكفاءات تبدأ في التناقص بعد الشهور الأولى من الولادة فالرضع في شهرهم 4-6 يبدون أقل كفاءة في تمييز أصوات لا تنتمي إلى لغتهم الأصلية (Langue mère)، وهم يتخصصون في أصوات لغتهم بصورة متزامنة، هذه القدرات الابتدائية عند الرضع والتي يسميها العلماء "كفاءات المولود الجديد" هي محددة وراثيا وهي جزء من المخزون الذي يستغله الطفل منذ ولادته، لكن لا بد أن يحدث نضج فزيولوجي لهذه المدارات وأن تؤكد بواسطة التجربة(الاستماع إلى الكلام)، وحتى يمكن بروز هذه الكفاءة في الفهم، ليست هذه الكفاءات هي التي تساعد على فهم اللغة المنطوقة وإنما على الطفل أن " يفقد" هذه القدرات الممتدة(الواسعة) ويتخصص ف لغته المحيطة به حتى تبنى عنده سيرورات التعرف وفك رموز المعنى. وإمكانات تمييز أصوات لغته لا يكتسبها إلا إذا تعرض للغة وهذا ما يسميه المختصون "حمام اللغة" (Bain da ********************************)، إن هذا التعلم هو تعلما إدراكيا وهو هام جدا لأن عدم تمييز التقابل الصوتي، إذا أصاب عدة أصوات لغوية، قد يحدث اضطراب خطير في الفهم.
1-2-الحصيلة اللغوية (Le lexique):
تعرف الحصيلة اللغوية من خلال وجهة نظر لغوية ونفسية-لغوية وهما:
*من وجهة نظر لغوية (لسانية):الحصيلة اللغوية هي مجموع كلمات اللغة، وقد تكون هذه الكلمات أو الوحدات المفرداتية بسيطة أو معقدة نسبيا: المونيمات، تجمع المونيمات، أو عبارات أكثر تعقيدا.
ويرى بعض اللسانيين أن الوحدات المفرداتية مسجلة في الذاكرة وتستذكر مرة واحدة بدون تجزئة وهكذا ننتقل من المفهوم اللساني "حصيلة لغوية" إلى المفهوم النفسي-لغوي"حصيلة عقلية".
*من وجهة نظر نفسية-لغوية:
تتكون الحصيلة العقلية من تصورات لكل كلمات اللغة التي يعرفها الفرد ويضم هذا التصور خصائص هذه الكلمات الفونولوجية والرسمية والصرفية والنحوية والدلالية.
لقد تقبل معظم علماء النفس اللغويين هذا الرأي بالرغم من أن بعض النماذج الجديدة تشك في فكرة وجود "تصور للكلمات".
1-2-1-نمو الحصيلة اللغوية:
في البداية يفهم الطفل وينتج بعض الكلمات المعزولة ثم تزداد حصيلته من المفردات بصورة كبرة خاصة بين 18 شهرا-4 سنوات ويتم هذا التعلم بواسطة التشربimprégnation) والتكرار(الطفل يسأل، عين، ينشء الطفل ترابط للموضوع أو الكلمة التي ينطقها الآخرون).
وهذا يساعده على تكوين الحصيلة الأساسية والكلمات هنا متكونة من تتابع اعتباطي للأصوات، والطفل يعرف الكلمات التي سبق لها سماعها وفك رموزها، إن دور الذاكرة هنا هام جدا، فكل كلمة لابد أن ترسخ لذاتها وتربط بمجموع المعرفة التي تعطيها دلالات (معرفة دلالية).
ونفس الشيء نجده في اكتساب مفردات إيشارية عند الطفل الأصم المجبر على تعلم لغة الإشارات، الشيء الوحيد الذي يتغير هو المدخل البصري، أما طرف الاكتساب فهي نفسها حيث يستعمل الترسيخ الذاكري.
إن النماذج النابعة من النظريات الترابطية تسمح بتفسير كيف توضع المفردات في الذاكرة ويقوم على تصور شبكي، ويبين قابلية الشخص لتخزين عدد كبير من الكلمات في فترات زمنية قصيرة جدا. وهذا التصور يستعمل مفهومين:
-وصف الشبكة ونمط تنظيم المفردات في الذاكرة وأقواس هذه الشبكة و"عقدها".
-وصف طريقة عملها(بداية نشاطها، وانتشارها، واستقرارها).
إن تصور(مفهوم) الشبكة الدلالية يعتمد على 3 أفكار أساسية:
-كل"مفهوم" يشكل ما يعرف بـ"عقدة الشبكة".
- ترتبط "عقدة الشبكة" بعدد كبير من العقد الأخرى، والمسافة الفاصلة بين عقدتين تسمى قوسا (ARC) وهي ليست مسافة ثابتة بل تكون أضعف واقصر كلما كانت المفاهيم أكثر ترابطا.
-إن تنشيط إحدى عناصر الشبكة ينتشر آليا داخلها، ويكون هذا الانتشار مرتبط بالمسافة بين عقدتين فكلما زادت المسافة قل التنشيط.
وفق هذا التصور، لا يكون الأثر الذاكري عنصرا مجسدا(ملموسا)، فالمعلومة لا تحضر إلا إذا كانت الشبكة منشطة، إن الأثر الذاكري هو نفق الترابطات بين العناصر(الخلايا) لحظة انتشار التنشيط، فمثلا تفسر غياب الكلمة أو ما يعرف أيضا بـكلمة على رأس اللسان، وهي لما يحاول شخص النطق بكلمة ولكنه لا يجدها على لسانه بالرغم من انه يعلم أن يعرفها، كصعوبة حالية للوصول إلى عقدة معينة بسبب سوء التنشيط، فالكلمة في الواقع موجودة في حصيلة الشخص اللغوية لأن بعد بضع ثواني أو دقائق أو أيام يجد هذه الكلمة التي عجز لسانه عن ذكرها.
إن مفهوم الانتشار الآلي للتنشيط يشرح العديد من الظواهر الملاحظة في البحث والدراسات والممارسة الإكلينيكية والأمراض مثل:
-أثناء مهمات التداعي الحر(يشبه بتقنية السيولة الدلالية عند فحص اللغة) لا ترتبط الكلمات المستحضرة بالكلمة الأخيرة فقط وإنما أيضا بالكلمات التي سبقتها.
-أثناء مهمات القرار المفرداتي (يطلب منه اختيار كلمة ضمن سلسلة من الكلمات) تكون الاستجابة أسرع إذا قدمت للشخص، من قبل، كلمة محرضة مرتبطة بالكلمة المطلوبة وتسمى هذه العملية عملية الإجتذاب (Amorçage) أو (Priming). إن المسافة القصيرة بين المثيرات من جهة والنموذج النمطي للمجموعة المعنية تساعد على الوصول السريع للتنشيط وبكيفية شبه نظامية عند كل الأفراد.وتتشكل الأنماط وفق التجربة والتعلم، ويتمثل هذا الأخير (التعلم) في خلق أقواس جديد تسمح بربط علاقات جديدة بين المفاهيم، وتحتوي على معلومات متوافقة ومنسجمة أكثر فأكثر مع سابقتها، فعندما نطلب مثلا من شخص التعليق على رسم يحتوي على زهرة فإن الإجابة التي تتبادر إلى ذهنه هي أن يقول لك وردة أو فل أو زهرة ونادرا ما يقول لك نبات أو نبت لأن هاتين الكلمتين أقل جاهزية وهما تنتميان إلى مستويات عالية التنظيم. هناك بعض الأسماء تذكر كثيرا والبعض قد لا تذكر على الإطلاق، لأن الأولى قريبة في خصائصها من خصائص المجموعة المميزة للطيور(ريش، جناح، بيوضة، عش، ساقان...إلخ) بينما الثانية فهي أعقد من خصائص المجموعة التي تنتمي إليها(مثل دجاجة وإوزة ونعامة).
إن الحصيلة اللغوية منظمة على شكل مجموعات وحول نموذج أو نماذج، وتحدد عناصر المجموعة على أساس محكات التماثل، إن النماذج تزيد التشابه داخل المجموعة الواحدة وتنقصه بين المجموعات، إن عناصر المجموعة الواحدة ليست متشابهة كليا (متكافئة) بل هي توجد في شبكة وتتموقع على مسافات مختلفة بالنسبة للنموذج.فالانتماء إلى مجموعة حدد بالمسافة وليس بخصائص أو بمحكات احتواء منطقية.
في حالات الاضطرابات اللغوية يلاحظ تفوق مفردات المستوى القاعدي والمستوى المنظم جدا أثناء مهمات التسمية والاستحضار أما المستويات الأقل تنظيما فيصعب الوصول إليها.
كتبه الدكتور: بوفولة بوخميس