المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موليير يلتهم لسان المغاربة


إبراهيم براهيمي
05-01-2010, 09:42 PM
موليير يلتهم لسان المغاربة


حسن الأشرف

http://www.readingislam.com/servlet/Satellite?blobcol=urldata&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey=id&blobtable=MungoBlobs&blobwhere=1179915248022&ssbinary=true
تتعالى الأصوات المغربية ضد الفرنسة

استبشر الغيورون على اللغة العربية في المغرب بيوم 17 مارس 2007؛ وهو اليوم الذي أعلن فيه عن ميلاد ''الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية'' بغية المساهمة في استصدار قوانين تحمي اللغة العربية من التجاوزات المشينة والإهمال الذي يطالها من كل جانب في المجتمع المغربي.
ففي كل شارع من شوارع المدن المغربية تفاجئك اللافتات والإعلانات وكتابات على الجدران، وكذا أسماء المحلات وبعض المؤسسات والشركات، والتي تكون إما مدبجة باللغة الفرنسية، أو بلغة عربية ركيكة تتخللها أخطاء فادحة.

ولعل هذه الظاهرة التي عمت بها البلوى في المغرب تؤشر على وجود قضية هامة تزحف على المكون اللغوي والثقافي بهذا البلد؛ ألا وهي تقهقر استعمال اللغة العربية ونكوص مقامها، سواء في الخطاب الرسمي أو في التداول الإعلامي.

حامية "الفطيس"
وتمتلئ وسائل الإعلام المغربية -صحافة مكتوبة ومرئية وسمعية- بأخطاء كثيرة تخدش صفاء لغة الضاد، نطقا ومبنى ومعنى، وهو ما يجعل المتلقي في حيرة من أمره، هل هذه لغة عربية أم أنها لغة وليدة نشأت لتوِّها من رحم الزمن المغربي العجيب؟ ثم يجعله في مرحلة لاحقة يعتقد أن ما سمعه صواب، وأن الشاذ هو الصواب على قياس: "رب خطأ شائع خير من صواب مهجور"، رغم أن هذا المثل المشهور ما هو إلا ضرب للقواعد القياسية في النحو، وتغطية لفشل البعض في معرفة الصواب في اللغة العربية السليمة.

يقول أحد المهتمين بسلامة اللغة العربية: إن كثيرا ما نسمع من وسائل الإعلام -وحتى من المثقفين والكتاب- مصطلحات يتم تداولها بشكل كبير وهي خاطئة؛ كأن يقال: "مَضْيَق جبل طارق" على سبيل المثال، والصواب: "مَضِيق" لأنه اسم مكان، أو يقال "بَيْئة" بفتح الباء، والصحيح "بِيئة" بكسر الباء، أو يقال: "البُنْية التحتية" بضم الباء، والصواب هو "البِنْية" بكسرها، والحالة هذه أن "البُنْية" في العامية المغربية تعني اللكمة.

ويوضح عبد الله الراشدي -محب للغة الضاد- أنه صار من البديهي أن نقرأ في شوارع المدن المغربية مثل الرباط والدار البيضاء أسماء فرنسية تنوب عن الأسماء العربية في الطرقات والمحلات الكبرى والساحات الرئيسية، مثل: ساحة "بلاص بيتري" بالرباط (سوق الزهور)، أي تتم كتابتها بحروف عربية دون البحث عن اسمها العربي. وكثيرا ما تجد أخطاء نحوية في كتابة الاسم العربي في بعض المحلات التجارية، مثل: هناك تخفيض في أتمنة المعروضات (والصحيح: أثمنة)... كما أن بعض الأخطاء صارت طبيعية في النشرات الإخبارية في تركيزها على الصوت بدلا من سلامة النطق، وتسمع من بعض المذيعين: "بعض المحامون طالبوا"، وليس "بعض المحامين".

وتسللت هذه الأخطاء إلى الخدمات الهاتفية، فعندما تُدخل رقما للاتصال في الهاتف الثابت، ويطلب منك الرقم السري، وتخطئ في إدخاله، تقول لك رسالة صوتية: "إن رقمكم السري خاطئا".. والصحيح "خاطئ".

ويكتم أحد الصحفيين المغاربة غيظه وهو يعدّد "مناقب" بعض الصحفيين في الإذاعة والتلفزة المغربية في مجال الأخطاء اللغوية، حتى إن أحدهم يصف كل مباراة ساخنة في كرة القدم على أنها "حامية الفطيس"، ويقصد طبعا حامية الوطيس.

وآخر ما يفتأ يردد عبارته التي لا تفارقه كظله وهو يصف فشل حارس المرمى مثلا في صد كرة قذفها لاعب ما بالقول: "عجز حارس المرمى عن صد الكرة أيما إعجاز"، فجعل مصدر الفعل "عجز" هو "إعجاز" وليس "عجز"، فأي إعجاز في الأخطاء بعد هذا "الإعجاز اللغوي"؟!.

تستغيث في البرلمان

وسبق لأحد النواب المغاربة في مجلس البرلمان، منذ بضعة أشهر، أن طالب الحكومة برفع الحرج عن النواب من خلال مصادقتهم على مشاريع قوانين تحتوي على أخطاء لغوية وإملائية، واعتبر النائب الدكتور "عبد الحميد عواد" أن ظاهرة الأخطاء اللغوية صارت ظاهرة متكررة في كثير من النصوص المعروضة تحت قبة البرلمان.

وأكد هذا النائب المحسوب على الأغلبية الحكومية على أنه ينبغي على الحكومة المغربية أن تهتم بتقديم نصوص متقنة عربيا؛ حتى لا يلجأ النواب إلى التعامل مع النصوص بالفرنسية؛ لأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمغرب.

أكدت المعارضة البرلمانية على لسان "بسيمة حقاوي" -من فريق العدالة والتنمية في السياق نفسه- من جانبها على أن عدة مشاريع قوانين صدرت من قلب البرلمان تحمل في سطورها أخطاء لغوية فادحة، منها ما ورد في مشروع قانون ينص على أن "يُمْسَك في كل مؤسسة سجلا"، والصواب "سجل"؛ لأن نائب الفاعل يكون مرفوعا، غير أن نباهة الحكومة نصبته.

العامية وإشكالاتها اللغوية
ويعتبر أهل الاختصاص والغيورون على مستقبل لغة الضاد في المغرب أن السبب الأول في تراجع مكانة اللغة، ووجود أخطاء فظيعة تتخللها أسلوبا ونطقا وكتابة في شتى مناحي الحياة العامة بالمغرب يكمن في الاهتمام المتنامي باللغة العامية (الدارجة المغربية أو العامية) في وسائل الإعلام، بل تقديم البرامج والأخبار بهذه اللهجة في محاولة لإيجاد بديل عن اللغة العربية.

وقد شدد الدكتور "المهدي المنجرة" في حوار له مؤخرا مع جريدة المساء المغربية على أن العامية (الدارجة) هي للتواصل اليومي الخارج عن نطاق كل ما هو رسمي، وتفقد قيمتها كليا إذا خرجت من نطاق الاستعمال الشفوي وانتقلت لمرحلة الكتابة.

والتفسير الوحيد ـبالنسبة للمنجرةـ للاستعمال الرسمي المكثف للدارجة في وسائل الإعلام وغيرها من المناسبات الرسمية هو أن "المغرب أمام حركة استعمارية ثقافية، وأساس هذه الحملة يُعزى إلى محاولة تركيز الخلط بين اللغات حتى صار هناك من يمزج ما بين الفرنسية والعربية، حيث يبدأ الجملة بكلمة عربية ويتممها بالفرنسية".

ويطرح المنجرة مشكلة حقيقية قد تنشأ عن استعمال العامية أو الدارجة في الخطاب الرسمي، فالمراكشيون (سكان مراكش) قد يحتجون على استعمال لهجة الطنجاويين (نسبة إلى مدينة طنجة بشمال المغرب)، والمكناسيون (من مكناس) يعبرون عن استيائهم من استعمال لهجة الوجديين (مدينة وجدة في شرق البلاد) وهكذا... وهذا الواقع الذي لا يتمناه أحد قد يهدد الكيان اللغوي بالمغرب.

ويعتبر "محمد بولوز" -مفتش تربوي- إدخال العامية في البرامج الإعلامية حركة قديمة متجددة عُرفت في الفترة الاستعمارية، كما سبق أن عُرفت إبان العصر العباسي (النزعة الشعوبية). وفي المغرب ظهرت لإضعاف اللغة العربية من خلال الظهير البربري الذي أتى به الاستعمار الفرنسي مجتهدا في إحياء العامية، غير أن المقاومة حينها كانت له بالمرصاد لغويا وثقافيا كما كانت عسكريا.

ويضيف: "ها هي الدعوة إلى تشجيع العامية بكل الوسائل تظهر من جديد في المغرب تحت ذرائع مختلفة منها ضرورة إشراك اللغات الشعبية في الفسيفساء الثقافية المغربية، لكن الخلفية واضحة لمن له عقل يفكر".

تغليب التدافع السياسي
والتراجع عن استعمال العربية في الوقت الراهن، والحديث المتزايد عن استعمال العامية بتبرير توعية الشعب مرده -حسب "عبدلاوي لخلافة" باحث في اللسانيات- تغليب التدافع السياسي في موضوع ذي صلة بهوية كل مغربي.

ويضيف: "قبل الاستقلال عندما كان هذا المعطى باهتا، وتوحدت الجهود لدحر الخطر الخارجي، أسست الحركة الوطنية مدارس خاصة للتعليم بالعربية وتعريب القوانين الإدارية، وهو الأمر الذي عرفته الفترة الأولى من الاستقلال في الدعوة إلى التعريب ضمن رباعية إصلاح التعليم بالمغرب: التوحيد، والمغربة، والتعميم، والتعريب".

لكن -يردف هذا الباحث- تم التولي عن هذا الخيار؛ لأن الفئة التي تدير القرار الاقتصادي والسياسي والإداري تعلمت في المدارس الفرنسية، وهو ما جعل أمر الفرنسية يهجم على المساحة المخصصة للعربية، وكخطوة أولى تأتي الدعوة إلى العامية بتبرير أن الفصحى العربية صعبة التداول ونحوها معقد لنصل إلى مرحلة أخرى يحصل معها التطبيع النفسي بهذه الصعوبة، ومن ثم البحث عن البديل اللغوي، إما بتسويغ استعمال الفرنسية أو الدعوة إلى العامية.

موليير والمغاربة

أما العامل الثاني الذي يسهم بقدر كبير في تحجيم دور العربية ودفع مكانتها لتستقر في أسفل الأولويات في سلم الثقافة والإعلام المغربي فيتجلى في هيمنة الفرنكفونية على مختلف جنبات الحياة في المغرب، حتى إنه يخيل للزائر أن لغة البلاد الرسمية هي الفرنسية، ثم تليها العامية، فالأمازيغية، ولعل العربية تأتي بعد كل هذه الأطياف اللغوية.

وخير دليل أنه حين يلج المرء أي إدارة أو مؤسسة رسمية أو شركة مغربية فإنه يجد أن أغلب الحديث بين الموظفين أو رؤساء المصالح والأقسام تغلب عليه لغة "موليير"، وإن امتزجت ببعض الكلمات العامية المحلية.

إن اللغة حاملة لمفردات الحضارة، فهي ليست وعاء فارغا، إنما تحمل مفاهيم ومصطلحات ورسائل حضارية وثقافية واجتماعية وتربوية أيضا، وهكذا.. فإن اللوبيات الفرنكفونية في المغرب -يؤكد الأستاذ محمد بولوز- مرتبطة بمصالحها الاقتصادية بالغرب، وهو ما يجعلها تتشبث بلغتها وتجعلها أساسية في التخاطب والتسيير ولغة الإدارة، باعتبار أن اللغة الفرنسية هي التي تعلمتها هذه النخبة منذ الصغر، فيدخلون أبناءهم في غير مدارس الشعب بدءا من روضة لا تتعامل إلا باللغة الفرنسية ومرورا بثانويات "مفرنسة"، وانتهاء بمدارس عليا لا تستعمل إلا الفرنسية أيضا، وقد تنعدم رائحة العربية في برامجها وموادها.

ومما يزيد الطين بلة -يتابع المتحدث- أن السياسة اللغوية في المغرب تعرف كثيرا من الاضطراب وعدم الانسجام؛ فالتلميذ الذي يدرس مواد علمية بالعربية ما إن ينتقل إلى الجامعة حتى يجد تلك المواد بلغة أخرى هي اللغة الفرنسية.

ويفسر الدكتور رشيد بلحبيب -مدير مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية والاجتماعية في إحدى حواراته الصحفية- وقوع المغرب في شرك الفرنكفونية من زاوية أن فرنسا -كبلد مستعمِرـ تسعى لأن تظل لغتها الفرنسية مهيمنة في مستعمراتها السابقة.

ويعطي هذا الإخصائي اللغوي مثالا بأن الرئيس السابق "فرانسوا ميتران" ألغى ديون 35 دولة إفريقية (30 بليون فرنك فرنسي) مقابل أن تحافظ هذه الدول -ومن جملتها المغرب- على بقاء الفرنسية في الإدارة والتعليم.

وتظهر للمتابع -كنموذج لدولة حريصة على لغتها- شراسة فرنسا في الحفاظ على لغتها في بعض الوقائع مثل: تجريم الدولة الفرنسية كل من يتحدث باللغة الإنجليزية في الإدارات والمؤسسات الرسمية، بل إن الفرنسيين قاموا بحملة تغيير لجميع اللافتات المكتوبة بالإنجليزية إلى لغتهم الأم الفرنسية، فلا يكاد يجد الزائر لفرنسا لافتة مكتوبة بلغة غير لغة البلد

مكثار
08-01-2010, 08:30 PM
أشكر أخي الأستاذ إبراهيم براهيمي.
والاهتمام بهذا الموضوع يجب أن يكون في الذروة مكانةً، ذلك أنه ذو صلة وثقى، وإلى الجذور، بانتماء شعب ما، أو أمة ما.
تألمت واستمعتُ معا، بقراءتي للمقال؛ استمتعت لما وجدتُ فيه من فوائد، وتألمت أنه يكشف عن صفحة من التراجع المغربي عن الانتماء العروبي الحقيقي!
أين عروبة المغرب، ولا أقول: أين إسلامها؟ مع أن العربية شعار الإسلام، وتعلمها فرض على طالب العلم.
وأنا كنتُ سعيدا حينما تقرّر في بعض الدول كالعراق السابقة، وسوريا، من اعتماد العربية حتى في التعليم العلمي الجامعي؛ هذا يدل على العروبة حقيقةً.
ولعله مما ينبغي الالتفات إليه: ما نراه من بعض فضائيات الفن الغنائي الإسلامي، من كتابة لأسماء المنشدين والمنتجين باللغة الإنجليزية؛ أليس في هذا ترسيخ لتضييع الهوية، في الفضائيات التي نشأت لأجل الحياة ضمن الهوية؟!
وأيضا: ربما يحدث في بعض الفضائيات الدينية غير الفنية من كتابة باللغة الإنجليزية لأسماء منتجي بعض البرامج؛ أين الهوية التي من أجلها نشأت تلك الفضائيات؟
وأيضا نجد عند كثير من أهل الدين والعروبة والإسلام، من يجعل له رسما لماركته الإنتاجية بحروف لاتينية تختصر اسم شركته، خاصة في عالم الكمبيوتر والإنترنت؛ وهؤلاء من أهل الدين غالبا!
أين العروبة التي نشأوا من أجلها؟!
المسألة غاصت في نفوس حتى كثير من أهل الدين، وبعضهم لا يرى لنفسه رتبة علمية إذا لم يرطن أمام عرب مثله بكلمات إنجليزية، لا تُلجئ الضرورة إلى مثلها.
إننا أمام تحدٍّ حضاري هائل في باب اللغة، ينبغي أن يكون لنا دور هامّ، في هذا الموقع، وفي غيره من المواقع، لتعريف شبابنا وإداراتنا ودوائرنا، بأننا أهل لغة عملاقة، قادرة مرنة سباقة، لا تخفى عليها خافية، تقدر على توصيف الأشياء الجديدة، وعلى تسميتها، وعلى الصياغة الجامعة بين الجمال والأصالة.
أشكر أخي إبراهيم براهيم على نقل المقال أعلاه، وأرجو من الإخوة تناول أمره بالاهتمام.
ملحوظة أخيرة: قد يرى البعض أن من حق هذا الموضوع أن يقدّم ضمن المواضيع اللغوية، وأنا أراه أليق بالحوار الفكري، كما وضعه براهيمي، ذلك أن القضية رغم لغويتها، فهي موصولة بعالم الفكر، فالرأس هو صاحب الاختيار فيها!

إبراهيم براهيمي
09-01-2010, 06:38 PM
ملحوظة أخيرة: قد يرى البعض أن من حق هذا الموضوع أن يقدّم ضمن المواضيع اللغوية، وأنا أراه أليق بالحوار الفكري، كما وضعه براهيمي، ذلك أن القضية رغم لغويتها، فهي موصولة بعالم الفكر، فالرأس هو صاحب الاختيار فيها!

بارك الله فيك