المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معضلة الفقر: آثارها ومظاهرها


إبراهيم براهيمي
09-02-2010, 02:16 PM
معضلة الفقر: آثارها ومظاهرها
أ.قطوش سامية
جامعة الجزائر
مدخل:
تعتبر ظاهرة الفقر واحدة من أهم وأقدم المعضلات التي شهدتها المجتمعات وقرأتها النظريات الاقتصادية والاجتماعية ، ويرتبط التراث التاريخي لهذه الظاهرة بالفوارق الكبيرة في الثروة وبوجود أفراد أثرياء أو أمم غنية تجد من مصلحتها إبقاء الأمم الأخرى في حالة فقر مستمر.
و الحقيقة أن الفقر هو من أخطر القضايا وأكثرها تعقيدا وقياسا وقراءة ، فهو ينطق عن مفارقة واقعية تجمع مابين السبب والنتيجة، ، فالعديد من الثورات الاجتماعية والسياسية الكبرى في التاريخ الإنساني كان الفقر أحد أسبابها الرئيسية، وتحضرنا هنا مقولة أرسطو" الفقر هو مولد الثورات والجريمة"، كما أن تراثنا الإسلامي هو حافل بالطروحات والتصورات حول هذه الظاهرة وما تخلفه من تبعيات ، حيث نجد المقولة الشهيرة لعلي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه :"لو كان الفقر رجلا لقتلته" .
و تجدر الإشارة في هذا الصدد ، إلى أن الأدبيات الاقتصادية المتعلقة بالتنمية قد ركزت في مراحلها الأولى على محاولة إيجاد تفسيرات لظاهرة التخلف، والبحث عن سبل التخلص منها ، من خلال الاتجاه إلى التصنيع وإعادة الهيكلة، وأغفلت بالمقابل ظاهرة الفقر وتوزيع الدخل على وجه التحديد. وهذا ما يعزى إليه إخفاق كثير من هذه الدول في القضاء على ظاهرة الفقر من مدخل النمو الاقتصادي.مما يتطلب إعادة توجيه الجهود إلى معالجة الفقر من خلال قراءة خصوصياته وفهم ميكانيزماته وفق المرجعية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يعيش فيها الفقراء . فما هو الفقر ؟ وماهي مقاييسه وأبعاده ومظاهره وآثاره على المجتمع ؟ وهل يمكن لنا الحديث فعلا عن وجود تجارب حقيقية لمكافحة الفقر في ضوء اشكالية العلاج بين النظرية والتطبيق . وهذا هو المفهوم الضمني للفقر والفقراء في المجتمع والذي نأخذ به ونناقش قضاياه في هذه المداخلة.
1- مفهوم الفقر:
إن أول الأمور التي تعترضنا عند الحديث عن الأدبيات المتعلقة بالفقر هو غياب تعريف محدد ودقيق لمفهوم الفقر ، فإلقاء نظرة على الأدبيات الواسعة التي نشرت أو تنشر حول هذه الظاهرة الاجتماعية الاقتصادية يفيد أن لا علماء الاجتماع ولا الاقتصاديون أنجزوا تعريف محدد ودقيق لهذه الظاهرة، وقد يرجع ذلك إلى أن الفقر هو مفهوم نسبي يشتق هذه الصفة من اختلاف وتباين الأطر الاجتماعية والزمنية ، وأدوات القياس والخلفية السياسية لهذه الظاهرة .
و قد حاول البنك الدولي وضع تعريف شامل لهذه الظاهرة مفاده أن "الفقر هو عدم القدرة على تحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة"إلا أنه ، أي هذا التعريف يعتمد بدرجة كبيرة على مفهوم الحد الأدنى ومفهوم مستوى المعيشة ، كما يعتمد بدرجة كبيرة على المجتمع الذي تتم فيه حالة التوصيف."1
فالفقر الذي يؤدي إلى الموت يختلف بطبيعة الحال عن الفقر الذي يشير ويعبر فقط عن تباين في توزيع الدخل أكثر مما يشير عن الحرمان المطلق. وهنا تتضح مرة أخرى نسبية هذا المفهوم وشدة تشابكه.
و يعرف الدكتور "عبد الرزاق الفارس" الفقر قائلا:"هناك مكونان مهمان لابد من أن يبرزا في أي تعريف لمفهوم الفقر، وهذان المكونان هما مستوى المعيشة ، والحق في الحصول على حد أدنى من الموارد. ومستوى المعيشة يمكن التعبير عنه بالاستهلاك لسلع محددة ، مثل الغذاء والملابس أو السكن، التي تمثل الحاجات الأساسية للإنسان التي تسمح بتصنيف أي فرد لا يحققها ضمن دائرة الفقر. أما الحق في الحصول على الحد الأدنى من الموارد ، فهو لا يركز على الاستهلاك بقدر تركيزه على الدخل، أي الحق في الحصول على هذه الحاجات أو القدرة على الحصول عليها"2
"كما يقترح المجلس الأوروبي أحد التعريفات التي تري أن الفقر يخص " الأشخاص الذين تكون مصادرهم المادية، الثقافية أو الاجتماعية ضيفة إلى حد الإقصاء من أنماط الحياة المقبولة في الدولة الواحدة التي يعيشون فيها."
و يعلق "دانيال فارجي" عن هذا بقوله أنه على الرغم من هذا الاجتهاد ،فإن هذا التعريف يبقى عملي خاصة عندما يتلق الأمر بالتعارض مع تطبيقات الإحصائيين الأوربيين"3
و تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من هذا التباين الواضح في إيجاد تعريف واحد لمفهوم الفقر ، فإن معظم التعاريف تجمع – على الأقل- على مفهوم " الحرمان النسبي" لفئة معينة من فئات المجتمع.فالفقير إلى الشيء لا يكون فقيرا إليه إلا إذا كان في حاجة إليه ، وهنا تظهر أهمية البعد المادي في تحقيق الحاجات من مأكل وملبس ومسكن ...الخ.
2- قياس الفقر:
إن الحاجات الأساسية تتميز بطابع العالمية ، فهي مشترة عند البشر مهما اختلفت ثقافاتهم وتحضرهم، " وهذا الأمر يتجاوز الطرح الاقتصادي إلى الطرح المعنوي الذي يركز على تطوير الانسان بكل أبعاده ، وهذا يتوافق مع ما يسميه فرانسوا بيرو Françoi perroux سنة 1955 "أثمان البشر: التغذية، الصحة والتربية".4
و لما كان الحد الأدنى من مستوى المعيشة هو القاسم المشترك بين جميع تعريفات الفقر، فإنه من الطبيعي أن تتجه الجهود لقياس مستوى المعيشة بدرجة أولى في معظم المحاولات التي تسير في اتجاه قياس ظاهرة الفقر، "و هناك وفقا لذلك ثلاث مناهج لقياس ظاهرة الفقر: الأول يعتمد على تحديد حجم الاستهلاك من سلع محددة ، والثاني هو الدخل الكلي لوحدة القياس – الفرد أو الأسرة-، والثالث هو مستوى الرفاه الكلي ، أو حجم الانفاق الكلي ليس على الاستهلاك فقط ، وإنما على الحاجات الأساسية الأخرى . والمنهجان الأولان هما الشائعان في الدراسات التطبيقية المقارنة"5. وتجدر الإشارة عند الوصول إلى هذا المستوى من التقسيم المنهجي في قياس ظاهرة الفقر أن هناك مفاضلة بين المنهجين تعتمد على مبررات أصحابها في اعتماد أحد المنهجين دون الآخر، فالمدافعين مثلا عن الطريقة المباشرة) الاستهلاك يعتبرون أن حدود الاستهلاك هي محور التمفصل الذي يحدد خط الفقر على اعتبارهم أن الموت وقلة التغذية بسبب الحرمان المادي هما أشد أنواع الفقر وضوحا، وأنه ليس هناك في مثل هذا الموقف أحسن من التساؤل والنظر إلى الاستهلاك لمعرفة أن هؤلاء لا يأكلون بدرجة كافية أو غير قادرين على الالتحاق بالتعليم أو مراكز الاستشفاء. في حين أن الاعتماد على طريقة الدخل تطرح تساؤلات كثيرة حول ما إذا كان هذا الدخل الذي نقرأ من خلاله الفقر هو ينفق فعلا على هذه السلع ؟ وهنا تكمن الإشكالية وتكمن كذلك صور المفاضلة بين المنهجين.
3- مؤشرات الفقر الانساني:
إنه من غير الموضوعي لأن نجعل للفقر الإنساني مؤشرات عامة تنطبق عمليا على كامل الأقطار في العالم ، ويرجع ذلك إلى خصوصية قراءة هذه الظاهرة التي تكون مرهونة دائما بخصوصية الفقر في البلدان المتطورة والتي يصعب مقارنتها بما هي عليه في البلدان النامية . وعلى كل ندرج هنا مجموعة من المؤشرات المعتمدة في قياس ظاهرة الفقر بناء على" مجموعة من المتغيرات التي ترتبط بها عملية القياس هذه:
- نسبة الأفراد الذين تحتمل وفاتهم قبل سن الأربعين.
- العجز في ميدان التكوين ، مقاس بنسبة السكان الذين يعانون من الأمية ، وهذا يعني عدم القدرة على القراءة والكتابة للتجاوب مع الشروط الأساسية للمجتمع المتحضر
- العجز في الوصول إلى الخدمات الخاصة بالجانب الاقتصادي بصفة عامة، وهذا المتغير يتحدد بدوره من خلال نسبة الأفراد الذين لا يصلون إلى خدمات الصحة والماء الصالح للشرب ، ونسبة الأطفال أقل من خمس سنوات ضحية لسوء التغذية.
- الإقصاء، مقاس بأحد أهم مظاهره: نسبة البطالة طويلة المدى – يعني بدون عمل منذ 12 شهر أو أكثر- "6
و الواقع أن هذه المؤشرات هي تعبير عن ظاهرة الفقر الإنساني في حد ذاتها حيث يكون الحديث عنها هو حديث عن الراهن الاجتماعي ة الاقتصادي للمجتمع من جهة ، كما أنه من جهة أخرى قراءة لطبيعة وحدود التطور الإنساني في مفهومه العام .
4- الفقر والفقراء في الوطن العربي:
الفقر من الظواهر الاجتماعية شديدة التعقيد كنتيجة لتداخل وتفاعل عوامل مختلفة ، وهي لا تقتصر على جزء جغرافي محدد ، بل هي جزء من الريف والمدينة معا بتفاوت ملحوظ ينساق إلى حدود التفاوت بين الفقر في المجتمعات النامية والدول المتقدمة ، ففي المجتمع الواحد عادة ما تكون حالة الفقر أكثر انتشارا في الريف عما هي عليه في المدينة .
" وفي المنطقة العربية ، وعلى الرغم من وجود قواسم عامة يمكن الإشارة إليها ، إلا أنه يوجد أيضا العديد من الاستثناءات ، فظاهرة الفقر مثلا تقل في الأقطار النفطية التي تتسم بصغر حجم السكان مقارنة مع الأقطار العربية غير النفطية والتي تعتمد على القطاع الزراعي بشكل أساسي. وفي القطر الواحد تكون ظاهرة الفقر في المدن أقل منها في الريف، وبين المتعلمين أقل منها بين الأميين."7
و تجدر الإشارة إلى أن ظاهرة الفقر في الوطن العربي ارتبطت بعوامل أخرى بعيدة عن مشكلة الخل وتوزيعه في المجتمع ، فالحروب والصراعات الداخلية والإقليمة كان لها كبير الأثر في تفاقم ظاهرة الفقر في هذه المجتمعات ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، حيث ينطبق هذا الوضع على لبنان والعراق والسودان والصومال وفلسطين ، وكذلك المغرب بسبب نزاع الصحراء ، والجزائر بسبب الصراع الداخلي ...الخ.
و الحقيقة أن الحديث عن الفقر في الوطن العربي هو كذلك حديث عن مجموعة من الأبعاد التي نقرأ من خلالها ظاهرة الفقر في المجتمعات العربية .
ا- الفقر بين الريف والمدينة:
البعد الإقليمي لظاهرة الفقر هو واحد من أهم الجوانب التي تشترك فيها المجتمعات العربية ، ولعل المظهر الأساسي لذلك يتعلق بموضوع الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة ، حيث تشير كثير من الدراسات إلى أن الوضع المعيشي للعديد من هؤلاء المهاجرين قد تدهور مقارنة بما كان عليه سابقا ، حيث" تشير دراسة صدرت عن منظمة "الاسكوا "عن واقع الحياة في المدن العربية الكبرى إلى أن العديد من هذه المدن يشهد تدهورا لأحوال المعيشة عموما، وانتشار الفقر الحاد وانخفاض نصيب الفرد من الدخل وارتفاع معدلات البطالة إلى جانب افتقار الحيز العمراني للمعيشة إلى الخدمات الأساسي كالمياه والمرافق الصحية والكهرباء والطرق، مما يؤدي إلى تدهور البيئة الحضرية. "5 ومع ذلك فإن هذا لا ينفي بأن الفقر كظاهرة هو أكثر انتشارا في الريف، وهذا ما أثبتته كثير من الدراسات المسحية التي أجريت على بعض الأقطار العربية ، حيث " تشير د. كريمة كريم في حالة مصر إلى أن الفقر أكثر انتشارا بين الأسر الريفية منه في الأسر الحضرية، كما يتبين في نسبة الأسر الفقيرة في كلا القطاعين"8، وكذلك الحال في كثير من الدراسات التي أجريت حول الأردن والعراق وغيرها من الدول العربية الأخرى.
ب- حجم الأسرة والفقر:
الحقيقة أن هناك خلاف واضح في الأدبيات الخاصة بدراسة الفقر حول العلاقة بين حجم الأسرة والفقر، فهناك من يرى أن احتمالات الفقر في العائلات الكبيرة تكون أقوى منها بين العائلات الصغيرة . وتلخص إحدى الدراسات المسحية هذا الرأي بالقول:" إن حجم الأسرة التي تعيش تحت سقف واحد يتناسب تناسبا عكسيا مع معدل استهلاك الفرد ودخله في الدول النامية ، ورغم أن صحة هذا الرأي لم تثبت بعد بصورة قاطعة ، فالمفترض عادة أن أفراد الأسرة المعيشية الكبيرة وأعمارهم صغيرة في الغالب هم من أفقر الناس. وفي حال الأسر الفقيرة ، فإن حجم الأسرة الكبيرة وبالتالي وجود أسرة معيشية كبيرة الحجم، يؤدي إلى الاكتظاظ والأحوال المعيشية غير الصحية وتردي نوعية الحياة."9 ولكن هذا الطرح يثير الجدل والتساؤل حول حقيقة تأثير حجم الأسرة على انتشار الفقر، فهل هذه الظاهرة هي مرتبطة بحجم الأسرة أم أنها مرتبطة بما وراء هذا الحجم والذي قد يشمل الخصائص الأخرى للأسرة في حد ذاتها من حيث الفئة العمرية لأفرادها، وعدد العاملين والمعالين فيها. ولذلك فإنه لابد من التريث في التسليم بأن الأسرة الأكبر حجما هي الأكثر فقرا حتى لا نقع في التعميم المطلق الذي قد يجعلنا على هامش الحقيقة والواقع. وإلا فكيف نرد على أولئك الذين يرون أن الأسرة الكبيرة على العكس من ذلك تستطيع أن تقتصد في الاستهلاك المنزلي مع توسيع فرص المشاركة في عملية الإنتاج والاستهلاك معا بشكل يقلل من تكاليف حياة الفرد داخل الأسرة عن تكاليفها وهو بمفرده. وتأسيسا على هذا، " فإن كثير من الدراسات المقارنة لم تعد تركز على حجم الأسرة فقط،و إنما على تكوينها أيضا ، فمن الملاحظ أن ظاهرة الفقر ترتبط بالأسر التي ترتفع فيها معدلات الإعالة ، أي يزداد فيها عدد كل من الأطفال وكبار السن الذين هم خارج سوق العمل."10


ج- الأمية والفقر:
الواضح أن لا جدال في الحديث عن العلاقة بين الأمية والفقر ، فهذه الفرضية قد أخذت طابعا عالميا، حيث لا تختلف المجتمعات كثيرا في هذا الاعتبار. " فنلاحظ أن ظاهرة "الفقر المزمن" بين العديد من العائلات ترجع بشكل أساسي إلى الأمية ، ونظرا لضعف تعليم الوالدين وقلة إدراكهم لأهمية التعليم ، أو عدم امتلاكهم الموارد التي تسمح بتوفيره لذريتهم ، أو عدم قدرتهم على التضحية بالحاضر-العمل المنزلي أو في المزرعة- من أجل مستقبل أفضل ، فإن الأولاد يكونون أيضا غير متعلمين ، ما يعزز استمرار ظاهرة الفقر من جيل لآخر ضمن العائلة الواحدة."11
و يتضح من هذا، البعد الاجتماعي لهذه المتتالية الاقتصادية على اعتبار أن العمل ضمن نطاق الأسرة هو من خصائص المنطقة الريفية خاصة تلك التي تعتمد على النشاط الزراعي. ولذلك فإن هذه المناطق تتميز أكثر بانتشار ظاهرة الأمية بالمقارنة مع ما هي عليه في المدينة . وتجدر الإشارة في هذه النقطة بالذات إلى أنه " ضمن العائلات الفقيرة ذاتها ، سواء في الحضر أو الريف، فإن عبئ التضحية غالبا ما يقع على الإناث وبخاصة في حالة وجود خيارات، ولذا فإن الذكور تكون فرص أفضل للتعليم."12 ولعل القراءة السوسيولوجية لهذه المفاضلة ما بين تعليم الذكور والإناث ، تدفعنا إلى التساؤل حول خلفياتها، لنتصور بعدها أن هذا الاتجاه نحو ترجيح الكفة إلى تعليم الذكور هو راجع إلى اعتبار الأبناء من الذكور المتعلمين بمثابة ضمان اجتماعي للوالدين متمثلا في حظوظ المشاركة الاقتصادية التي يمكن أن يوفرها هؤلاء الأبناء للأسرة مستقبلا، ولذلك فقد يكون هذا الاختيار أفضل استثمار للوالدين في ضوء محدودية الموارد وقيود الميزانية.و كما يعلق "غرتلر وغلوي"عن هذه المفاضلة :"في واقع الأمر فإن العديد من الأبناء الفقراء يتعاملون مع تعليم الإناث على أنه "سلعة كمالية" يمكن اقتناؤها بعد تحقيق كل الحاجات الضرورية"13 . وتتضح من هنا شدة التفاعل بين التعليم وظاهرة الفقر،باعتبار أن الأمية والفقر هما في الأخير وجهان لعملة واحدة .


5-الأسرة والفقر:
لقد أثبتت كثير من الدراسات أهمية العوامل الإقتصادية في الحياة الإجتماعية للأفراد، حيث أنّ انخفاض المستوى الإقتصادي للأسرة يمكن أن تنعكس آثاره على كثير من الجوانب المعيشية الأخرى كالتعليم، الصحة، ...الخ، ويمكن أن يمتد هذا التأثير إلى مستوى عمليات التفاعل الإجتماعي بين أفراد الأسرة . فالإنتماء إلى فئة اقتصادية معينة ينعكس بدوره على طبيعة العلاقات المتبادلة في الأسرة وكذلك على نظام قيمها، فهو يحدد في الوقت نفسه إنتماء اجتماعيا "14. فقد يكون فقدان القدرة على المكسب مثلا من العوامل التي تخلق التوترات في العلاقات الأسرية وأيضا في المكانة الإجتماعية التي تحتلها الأسرة ككل والمكانة الإجتماعية التي يحتلها المسؤول الأول في الأسرة على توفير الدخل، " فغالبا ما يكون الدخل الذي يحصل عليه الزوج جزءا من الصورة التي تحملها الزوجة عن زوجها، وانعدام القدرة على التكسب نتيجة المرض أو البطالة يحجب جزءا من هذه الصورة ويهزّ ملامحها ويضعف الحب بين الزوجين، وقد أظهرت كثيرا من الدراسات أنّ الأزمات الإقتصادية العنيفة وبطالة الزوج تؤدّي في كثير من الحالات إلى زيادة في مشكلات الأسرة "15.و ليس أدلّ على ذلك أكثر ما نلاحظه من معاناة كثير من الأسر الجزائرية من مشكلات اجتماعية وعلائقية منبثقة أساسا من الأزمة الإقتصادية التي تعيشها هذه الأسر والتي أدّت شيئا فشيئا إلى انخفاض المستوى المعيشي للأسر وذلك من جراء عمليات التسريح التي مست كثير من العمال الذين هم أرباب أسر قبل كلّ شيء . وقد أدّى تعطل هؤلاء إلى اختلال قوي زعزع استقرار الأسرة ككل وانعكس سلبا على المكانة الإجتماعية التي أصبح يحتلها هذا المسؤول البطال في محيط أسرته سواءا كان أبا أو زوجا أو إبنا ،الاّ أنّ الزوج أو الأب أكثر تضررا في كل الأحوال لأنّه المسؤول المباشر في الأسرة عن توفير الدخل لأفرادها. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ أثر هذه الوضعية الأسرية يمكن أن يمتد إلى إحداث مشاكل اجتماعية أخرى حيث أنّ " أزمة الشغل تؤدّي إلى عدم استقرار الحياة الأسرية بين أفراد الأسرة، والواقع أنّ فقدان الزوج لمنصب شغل يمكن أن يحدث انعكاسات على مستوى العلاقة بين الزوجين يمكن أن تصل إلى حدّ الطلاق"16
و يعتبر " لوبلاي" من أبرز العلماء الإجتماعيين الذين اهتموا بموضوع الأسرة ،و خصوصا بالجانب الإقتصادي منها، ويبدو هذا من منهجه في الدراسة الذي جعل مستوى المعيشة المقياس الموضوعي الذي عن طريقه يمكن بناء الأسرة ووظائفها "17، وذلك أنّ المستوى المعيشي الذي تعيشه الأسرة هو في الواقع ترجمة لمستوى اقتصادي معين يوحي بنوعية أو طبيعة الحاجات المادية الموفّرة من طرف الأسرة والتي توحي في حدّ ذاتها بمحدودية أو اتّساع فرص الإشباع المادي أمام الأفراد وفقا للمعطيات الإقتصادية التي تحملها كلّ بيئة أسرية والتي تعبر إمّا عن راحة مادّية أو ضغوط اقتصادية تعيشها الأسر. وقد تنتج هذه الضغوطات أحيانا عن عدم ملائمة الوضع الإقتصادي للأسرة، كما يمكن أن تنتج أيضا عن تغيرات طارئة ومفاجئة كالتعطل أو المرض، الشيء الذي يغير بطبيعة الحال مجرى الحياة في الأسرة خاصة من الناحية الإقتصادية ،و لذلك نجد أنّ " الأفراد في الأسرة الفقيرة يعيشون ظروفهم الخاصة وهم واعون بها، فهم يعلمون أنّ أسرهم منظمة على أساس ضروريات مفروضة بفعل شروط أو ظروف مادية صعبة في الوجود"18، ولذلك تلجأ كثير من هذه الأسرة في هذه الحالة إلى محاولة التقليص من نفقاتها وذلك باستبعاد العناصر الثانوية والإكتفاء بالضروريات دون الكماليات ،كما تلجأ في بعض الأحيان أيضا إلى محاولة إيجاد مصدر دخل إضافي من خلال البحث عن عمل آخر، تقوم به الزوجة أو الأبناء، وقد يرشح الأبناء دون الأم خاصة في مرحلة تقدم الأسرة أين تكون متكونة من أبناء وصلوا سنّ الشباب ويمكن الإعتماد على مساعداتهم. وهذا يدفعنا إلى القول أنّ الحاجة الإقتصادية هي التي تحدّد قيمة أو وزن الأبناء الشباب كحل للأزمة الإقتصادية التي تعيشها الأسرة. والحقيقة أنّ انتهاج الأسرة لأحد الأسلوبين أو لكلاهما في حل مشكلاتها الاقتصادية قد يؤدّي إلى انكماش مجال حياة الأسرة، ونحن نعلم أن كل انكماش من هذا النوع تنعكس آثاره على حياة أفراد الأسرة وبالأخص الأبناء، حيث " تؤثّر المكانة الإقتصادية للأسرة تأثيرا بالغا في تكوين الإيديولوجية الخاصة لأعضائها، فالطفل الذي يعيش في أسرة ذات دخل منخفض ينظر إلى نفسه كذلك بالمقارنة إلى غيره من الأطفال والأسر الأخرى، ويعبر العجز الاقتصادي عن نفسه في شكل صعوبات عملية ترتبط بالقيم الإجتماعية إلى حد بعيد بمعنى أنّها تأخذ صورة المقارنة وعن طريق هذه المقارنات تتكون مفاهيم للإبن عن ذاته واتجاهاته نحو الآخرين بما فيهم أسرته"19، ولعل هذا ما يفسر كثير من مشاعر النقص والدونية التي توحي لها وجوه بعض الأطفال من الأسر ذات المستوى المعيشي الضعيف، وفي هذا "يرى" بلانت " أنّ الضنك المالي المستمر ينتج صلابة الشخصية، ويرى أيضا أنّ الناتج الثاني للضنك المالي المستمر هو الشعور بعدم الأمن … ويرى كذلك انّ هناك ناتجا ثالثا وهو الشعور بالنّقص ….و يرجع أن يشتد هذا الشعور في فترة البلوغ حيث تصبح المشكلات المادية والإجتماعية أقرب إلى بؤرة اهتمام الطفل20.
فلا جدال أنّ للفقر باعتباره الحالة التي لا يكفي فيها دخل الأسرة عن إشباع حاجاتها الأساسية المتغيرة للمحافظة على بنائها المادي والنفسي والاجتماعي، نتائج خطيرة على الصحّة ونوع الثقافة السائدة في حياة الأسرة ومدى ما يتوفر لها من فرص التعليم ، والفقر قبل أي شيء آخر هو الذي يحرم الأسرة من المشاركة الإجتماعية وبصفة خاصة في المجالات السياسية والإجتماعية والإقتصادية21.
وعلى الرغم من تأثير مشكلة الفقر على باقي المشاكل الأخرى فإن هناك الكثير من الدراسات المعبرة عن الإعتراض في وجه بعض التفسيرات التي تجعل من الفقر سبب جل المشاكل المتعلقة بقضية الإنحراف على وجه الخصوص، ذلك أن مفهوم الفقر يحمل معنا نسبيا، فليس لدخل الأسرة بعدا كميا فحسب بل أنه يحمل معنا معنويا أيضا، ذلك أن الدخل يمكن أن يحقق الغايات والحاجات المادية للأسرة وبتعبير آخر الإستقرار المادي ولكنه يمكن أن يكون في الوقت ذاته عاجز عن تحقيق الغايات المعنوية لأفراد الأسرة ،و لذلك فهو يحمل معنا ضمنيا للسعادة بوجهيها المادي والمعنوي .
و على هذا الأساس تظهر آثار العوامل الإقتصادية على مسار الحياة الأسرية، وتظهر كذلك أهمية الراحة المادية أو الإقتصادية للأسرة في توجيه السلوكات الوالدية وأساليب التربية المنتهجة وفرص التفاعل الإيجابي الممكنة والمتوفرة في البيئة الأسرية.



6- أبناء الفقراء والحراك الاجتماعي:
لماذا الفقر والحراك الاجتماعي؟ لأننا نتصور أن الحراك الاجتماعي هو نفسه مرهون بالمشهد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي داخل المجتمع ، " فالحراك الاجتماعي هو تحرك الأفراد والجماعات من مراكز اجتماعية إلى مركز اجتماعي آخر في المجتمع نفسه، أو في مجتمع آخر، وهو وثيق الصلة بالتغير الاجتماعي ، لأن الحراك الاجتماعي هو نفسه تغير اجتماعي، وسبيل تغيرات اجتماعية كثيرة جدا."22
إن مسيرة حياة أبناء الفقراء تتميز بحركية اجتماعية ضعيفة جدا خاصة في بعض البلدان التي يكون فيها توزيع الدخل غير عادل كثيرا، "فأبناء الأسر المعوزة –فقر مطلق- لديهم فرص قليلة لمغادرة هذه الحالة مقارنة بهؤلاء الأبناء الذين نشئوا في أسر فقيرة ولكن ليست معوزة والذين لديهم بعض الفرص لتحسين وضعيتهم، فالبعض منهم يسمح له بتجاوز حد خط الفقر دون أن يبتعد كثيرا في ذلك.
و في بلدان العالم الثالث بصفة خاصة ، فإن الحركية الاجتماعية تكون متحددة إما بالسياسة التي تسمح بفضل الفساد الذي يتبعها أحيانا ، بالثراء الشخصي، أو في كثير من الأحيان بالإجرام ، السرقة، المتاجرة بالمخدرات...الخ. وبطبيعة الحال إذا أخذت المقاييس الراديكالية وفقا لإعادة توزيع المداخيل عوض البرامج التربوية والصحية ، فإن الحركية الاجتماعية يمكن أن ترتفع ، ومسيرات الحياة تصبح تتعلق بصورة أكبر بالقرارات الفردية عوض المعطيات المفروضة من خلال حالة الفقر في هذه البلدان.فعندما يرتفع الفقر في سعته وعمقه ولا عدالته تكون الحتمية الاجتماعية تقريبا مطلقة."23 فالطفل يكون مجبر على العمل ليساعد الأسرة على العيش ، وهذا العمل سيكون حتما مرهون بتخليه عن المدرسة من مدخل الأولويات. وهنا تظهر عالمية الفقر بمستوى عالمية هذه الظاهرة –عمل الأطفال-التي لا يمكن أن تختلف أسبابها ومظاهرها في كثير من الأقطار ، وتظهر بالموازاة مع ذلك ضرورة إيجاد مخارج اقتصادية عملية لظاهرة الفقر، لأن آثارها لا تتوقف عند حدود الجوع والمرض، وإنما تتعدى ذلك إلى جدل فلسفي قائم هو"أكون أو لا أكون" ، وهنا تقع فعلا المشكلة في طبيعة هذه الكينونة في ضوء إقصاءات العوز اللامتناهية. فالفقر هو إذن صورة للراهن والمستقبل الاجتماعي بغض النظر عن أدبياته وفلسفاته الاقتصادية البحتة.
7- الفقر واستغلال الطفولة:
بصفة عامة، فإن عمل الأطفال هو حاضر بصفة أكثر عند البلدان النامية ، وبصفة خاصة عند الطبقات الفقيرة في المجتمع. والأمثلة كثيرة وثرية جدا حول أطفال ذكور وإناث دخلوا ميدان العمل ، فكم من الأطفال العمال الذين نلقاهم في حياتنا اليومية ، أحدهم يسرع بمنديله لينظف زجاج سيارتك، والآخر يتخذ من طاولة "علب التدخين" محلا لتجارته، وفريق آخر ما بين الذكور والإناث من يقف على حافة الطرق الرئيسية ليبيعك تارة خبزا وتارة أخرى جروا صغيرا...بأجساد ضعيفة نحيلة، وهذا ما تراه أعيننا ولعل ما خفي هو أعظم ! فالحديث عن عمل الأطفال أصبح يتجاوز الجدل القائم حول حقوق الإنسان إلى حقائق واقعية تنطق عن ممارسات فعلية لا يمكننا تجاهلها لأنها ستأتينا لنلاحظها حتى وإن لم نقرر نحن أنفسنا ذلك! وتختلف الصور التي يظهر عليها عمل الأطفال ، فمنهم من يعمل داخل البيت مع الأسرة ، أو في مؤسسات صغيرة عموما أو أخيرا في الشارع ، وتجدر الإشارة هنا إلى أن النتائج الخطيرة حول الصحة ومستقبل الأطفال الفقراء هي مسجلة أكثر عندما يعمل الأطفال في الشارع .| "إن أطفال الشوارع هم في كثير من الأحيان قد تخلت عليهم أسرهم كما أن ظروف حياتهم أكثر قساوة ...و بعيدا عن الدفئ الوالدي فإن هؤلاء الأطفال يتعرضون في كثير من الأحيان إلى أحداث تخرب شخصيتهم بسبب تسلط الكبار ، ولعل وضعهم يتسجل في إطار العبودية أكثر عوض العمل الأجير، فالعائد الذي يتحصل عليه غير كافي للعيش ويأخذ غالبا شكل أجر تقريبي: المبيت أحيانا، التغذية غالبا، وهدايا...و يعلق "بوني" عن هذا الموضوع:"الطفل يكون أعزل أمام هذا النوع من الأعداء، فهو لا يشعر بهذا العمل الذي يلغم عاداته، يغير حركاته وطريقة تفكيره. وكلما تقدم في العمل ، كلما قلت إمكاناته الفيزيائية والنفسية...قوة تحمله تقل في غضون الشهور ، ليصل الأمر إلى المساس بحيويته، هذه الطاقة العميقة التي تدفع بكل طفل إلى الأمام اتجاه وضد كل شيء."24
إن وضعية أطفال الشوارع هي من أعقد مظاهر الفقر جميعها، فالطفل يغادر تماما المدرسة في سن مبكرة ، حيث يجد نفسه يوميا مضطرا لتدبر قوت يومه من أجل العيش ، وهو بهذا الوضع سيدخل في حلقة العمل أين تفرض عليه منافسة الكبار بقوة ، ليجد نفسه مرة أخرى مضطرا للاندماج في لعبة العمل داخل محيط الشارع مع كل ما تحمله من مخاطر ، ومن أجل أن يعيش دائما يجد نفسه يبحث عن إقٌامة توازنات تسمح له بتخفيف الضغط عليه من خلال اللجوء إلى المخدرات، وإن اقتضى الأمر أيضا الدخول عالم العنف والإجرام!
8- الفقر والعنف:
تؤثر عوامل البيئة والوسط الاجتماعي الذي يتحرك فيه الفرد في تشكيل اتجاهاته عن طريق نوع التربية والضغوط والمطالب التي تسود في البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها. وربطا مع هذا الموضوع، " يحدث أن يعمل المجتمع على تطبيق " الأبرتيد الاجتماعي " ويرفض الفقير، ، فالتطور المعتبر للفقر في الدول المتخلفة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ، هو غالبا مرتبط بارتفاع الفقر...إن نمو الفقر يمكن أن يولد انفجارات لعنف جماعي: لا أمن متناهي في الشارع، تطور للإجرام مرتبط باستهلاك مختلف أنواع المخدرات، وهناك علاقات حقيقية ما بين ارتفاع العنف وارتفاع نسبة الفقر."25 والواقع أنه تتداخل العوامل النفسية والاجتماعية في توليد السلوكات اللااجتماعية باعتبار أن الفقر بالإضافة إلى أبعاده الاقتصادية ، هو كذلك جملة من الضغوطات النفسية ، ومظهر من مظاهر الإقصاء الاجتماعي بمختلف صوره التي يكون لها أثرا خطيرا في حياة الفقير نفسه وحياة الجماعة على السواء ، لأن هذه الحالة قد تكون تربة صالحة للتطور باتجاه مزيد من التطرف والانحراف والعدوانية .و لذلك لابد من حل الأزمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من أجل تقليص فرص واحتمالات الخصوبة في مجال العنف والاجرام ،فالحاجة تولد الاختراع ، ولكنها تولد أيضا الانفجار عندما توصد الأبواب أمام تلبيتها.
9- مكافحة الفقر:
في إطار مكافحة الفقر ظهرت في الميدان نماذج وتجارب مختلفة في العالم، والواقع أن التسليم بحتمية نجاح هذه الجهود هو ضرب من ضروب الخيال ، ومثال على ذلك فشل برامج التسوية التي يضعها صندوق النقد الدولي ، "فالعلاج المقترح من طرف الصندوق يخرب الاقتصاد ، يخلع المجتمع المدني للدول المدانة ويسير بالعالم في اتجاه الهلاك، فهذه البرامج هي مطبقة في أكثر من 100بلد من العالم الثالث، وأوربا الشرقية، ويذكر أنه لا يمكننا ذكر أي حالة للنجاح البارز ، حيث تشير إحدى الدراسات الحديثة التي قام بها الصندوق بهدف تعديل التوجهات التنظيمية إلى "أنه لا يمكننا القول بصفة مؤكدة إن كانت هذه البرامج ذات فعالية أو لا ...فعلى قاعدة الدراسات المتوفرة ، لا يمكننا القول بصفة مؤكدة ما إذا كانت البرامج المطبقة قد وصلت إلى تحسين النتائج في صور تضخم أو نمو اقتصادي." وأمام هذا الفشل الفاضح ، فإن صندوق النقد الدولي يحاول أن يؤكد مع ذلك أن التسوية قد نجحت في إقصاء اللاتوازنات الماكرواقتصادية الكبيرة ، فعلى لسان مديرها العام السيد : "ميشال كامديسي"، فإن برامج التسوية مازالت هي وسيلة تحسين العيش"26
و الواقع أن كثير من النتائج الاجتماعية التي تبرز في الواقع كانت نتيجة لمثل هذه البرامج ، نذكر منها:
- تراجع المدارس العمومية ، حيث تسير كثير من وزارات التربية في اتجاه التخلي عن مسؤولية مراقبة نوعية التعليم، مما شجع بالمقابل انتشار المدارس الخاصة.
- إعادة هيكلة قطاع الصحة ظن ففي إطار تفعيل برامجه ، يطرح البنك فكرة المصاريف الخاصة بالعلاجات الأولية، والنتيجة أن بعض مراكز الصحة في البلدان الإفريقية أصبحت مصدرا للأمراض المعدية، حيث تظهر بالموازاة مع ذلك سوء تسيير المراكز الطبية نتيجة النقص الفادح في اقتناء الحاجات الأساسية.
- عودة ظهور الأمراض المعدية ،و يرجع ذلك إلى أن نشاطات الرقابة والحماية قد قلت بشكل كارثي مما أدى إلى عودة ظهور كثير من الأمراض المعديية كالكوليرا والحمى الصفراء.
ومن النماذج البارزة أيضا في مجال مكافحة الفقر ، نجد التجربة التي طورتها مجموعة "جرامين" تحت إشراف البروفيسور "محمد يونس"، والذي يقول" بأن أول ولادة لبنك :جرامين" كانت بتاريخ سبتمبر 1983يوم توقيع اارئيس على الإعلان المتعلق بولادة بنك"جرامين"... وهو بنكمكرس لتقديم قروض بالغة الصغر لأفقر الناس ، ليس لمجرد مساعدتهم على العيش، ولكن لإشعال شرارة الابداع والمبادرة الشخصية لديهم بما يخرجهم من دائرة الفقر...حتى بلغ ما قدمه البنك للفقراء أكثر من 2.5مليار دولار من القروض البالغة الصغر لأكثر من مليوني أسرة في ريف بنغلاداش، بنسبة سداد تبلغ100في المائة. مما دفع إلى إنشاء مؤسسة مماثلة لها في الولايات المتحدة وتدرس بلدان أخرى كثيرة الأخذ بهذه التجربة كخطوة للوصول إلى عالم بلا فقر."27 ومع ذلك فإن نظرة نقدية في الممارسات العملية لتطبيقات هذه التجربة تثير جدل حقيقي وعويص يتعلق هذه المرة بإشكالية التعامل مع حجم وثقل الفوائد الربوية التي تغرق كاهل الفقير ، وتفتح له مجالات أخرى لحياة الضغط والقلق ولكن في شكل وطرح ونمط جديد.

خاتمة:

على الرغم من الجهود الموجهة لتسوية موضوعية لمشكلة الفقر، ومع اختلاف الطروحات المتبناة في مسيرة مكافحة الفقر،فإن الأمر الذي لا يختلف عليه العلماء هو أنه على الرغم من التطور الاقتصادي و الاجتماعي الهائل الذي شهده العالم ، وعلى الرغم من التحسن الذي عرفته حياة كثير من الناس في معظم الدول،فإن الفقر لا يزال يشكل معضلة إنسانية ، وعلى الرغم من عالميتها إلا أنها تبرز بصفة خاصة عند شعوب العالم الثالث، ومع بقاء صورة الفقر بصورتها القاتمة تلك ، فإن الفجوة بين الأغنياء والفقراء ازدادت اتساعا هي الأخرى خلال العقود الثلاثة الأخيرة بشكل يثير التساؤل حول الراهن والمستقبل الاجتماعي في هذه المجتمعات.















الإحالات والمراجع:
1- البنك الدولي ، تقرير عن التنمية في العالم ، ،مؤسسة الأهرام،القاهرة،1990 ص41.
2 - عبد الرزاق الفارس: الفقر وتوزيع الدخل في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت،ط1،2001، ص22
3- jeam pierre cling,mireille mazafindrakoto,fronçois Roubaud:Les nouvelles strategies internationales de lutte contre la pouvretè,ed:Economica, Paris,2002,P340
4-blandine destremau et pierre salama: mesure et demesure de la pauvrete,ed:puf,1ere ed,paris,2002,p71
5- عبد الرزاق الفارس، مرجع سابق،ص22
blandine destremau et pierre salama,opcit,pp90-95 -6

7- عبد الرزاق الفارس، مرجع سابق ، ص76
8- اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا – الاسكوا- الفقر في غربي آسيا: منظور اجتماعي، سلسلة دراسات مكافحة الفقر، نيويورك،1997،ص27
9- كريمة كريم : الفقر وتوزيع الدخل في مصر ، القاهرة،منتدى العالم الثالث،1994،ص24
10- الاسكوا،الفقر في غربي آسيا، منظور اجتماعي،ص53
11- عبد الرزاق الفارس، مرجع سابق، ص82
12- عبد الرزاق الفارس، مرجع سابق، ص ص84،85
13- p gertler and p gleww: the willingness to pay for education for daughters icontrast to sons: evidence from rural peru,word bank economic review,vol 6,1992,p188
14- عباس مكّي، زهير حطاب: مرجع سابق، ص 31
15- محمود حسن، الأسرة ومشكلاتها، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1967، ص 225
16- Bernadette Bawin,Legros et autres , Sociologie de la famille – le lien familial sous question -, ed, DE BOECK Université, Paris,1996;p147
17- محمد عاطف غيث ،مرجع سابق، ص 185

18- Riccardo Lucchini, Sociologie de la survie : l’enfant dans la rue, ed.PUF, 1er ed., Paris, 1996, p 54.
19- محمود حسن، مرجع سابق، ص 323
20- أرثر حيتس وآخرون، تر إبراهيم حافظ وآخرون،مكتبة النهضة المصرية ن القاهرة ، ط4،1965 ، ص 98
21- محمود حسن ، مرجع سابق ، ص262
22- صلاح الدين شروخ:علم الاجتماع التربوي، دار العلوم ، الجزائر، 2004,ص146
blandine destremau et pierre salama,opcit,pp122,123-23
24- blandine destremau et pierre salama,opcit,p126
27- blandine destremau et pierre salama,opcit,pp127,12825
26- Michel Chossudovsky:la mandialisation de la pauvretè,ed elhikma,alger,2000,p62
27- محمد يونس: عالم بلا فقر،تر: محمد محمود شهاب ،مؤسسة الأهرام، القاهرة، ط1، 2001