المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من مصنفات علاَّمة العراق، ورُحلة الآفاق محمود شكري الآلوسي


أبو الفداء أحمد بن طراد
01-05-2010, 01:44 AM
أبو المعالي الآلوسي([/URL]1) ، من أشهر علماء العراق في العصر الحديث ، ولد في اليوم التاسع عشر من شهر رمضان سنة 1273هـ في رصافة بغداد في بيت من بيوتات العلم والمجد طفل أغر استقبل الحياة بالبكاء والعويل ، كأنه أحس بغيرها وآلامها ، فتبرم بها وشعر بما تكن له الليالي من المصائب والأهوال ، فامتعض منها وتحقق أن قد وقع في الشرك فلا محيص له ولا مناص .
هذا الطفل هو : محمود شكري بن عبد الله بهاء الدين بن محمود شهاب الدين أبي الثناء الآلوسي ، وهو المعروف بجمال الدين أبي المعالي الآلوسي ، سماه أبوه بهذا الاسم ، وكذلك لقبه بهذا اللقب وكناه بهذه الكنية جرياً وراء العادة المألوفة في ذلك العصر وسائر العصور المتقدمة .

دراسته وشيوخه :
كانت العادة في المدارس الإسلامية – التي تدرس فيها علوم الدين واللسان – أن يبدأ الناشئ بعد أن يشدو القرآن الكريم ، ويتعلم الكتابة في الكتاتيب ، بدراسة النحو والصرف .. حتى إذا ما حصل على ملكة ما وميز بين المرفوع والمنصوب والمجرور كلف بقراءة شي من الفقه ، سواء كان حنفياً أو شافعياً .. وقد يبدأ بقراءة الفقه والنحو معاً قبل أن يقوّم لسانه ، ثم يقرأ فن الوضع فالمنطق فالبلاغة فالعقائد فأصول الفقه ، ويعني بهذا عنايته بالنحو والصرف .. ومن التفسير طرفاً من تفسير البيضاوي أو كشاف الزمخشري ، وإذا سمت بالطالب الهمة شدا متناً في العروض والقوافي ، ومتناً في الحساب وكتيباً في الهيئة القديمة وكتيباً في الحكمة ، وحفظ بضع مقامات من مقامات الحريري .
ولا شك أن أبا المعالي كان له من الحظ في دراسة هذه العلوم واستظهار ما يستظهر منها ، ما كان لكل طالب يختلف إلى المدارس الدينية في المساجد ، ومهما يكن من قلة جدوى هذه الكتب المشوشة المشوهة وفساد هذه الطريقة التدريسية العديمة الإنتاج - فقد كانت نافعة ( في الجملة ) في تكوين حياته العلمية لا سيما وقد كان الأستاذ الأول له هو أبوه ذلك الأستاذ الذي لم يكن في زمنه أمكن منه في أصول الإلقاء وتقريب عويص المسائل إلى الأذهان.
لقد أخذ أبو المعالي مبادئ العلوم اللسانية والدينية عن أبيه وجود عليه الخط بأنواعه المستعملة لذلك العهد في العراق ، وورث منه فقه النفس وحسن السمة وصفاء الطوية وحب الأدب والعلم ، ولم يكد يستنفد ما عنده حتى فجع بموته وهو أحوج ما يكون إلى أب مثله حدب عليه بار به متعهد لجسمه وعقله بالتربية والتعليم .
فكفله عمه السيد نعمان خير الدين وعني بتهذيبه وتعليمه عناية أبيه به فكان خير عزاء عنه ، فأبوه وعمه هما الأستاذان اللذان لهما الأثر الأكبر في تكوين حياته العلمية والعقلية على ما كان من الاختلاف بينهما في المذهب والمشرب ، ولكن الشاب المتأثر بالعقيدة الخلفية والمتشبع بالروح الصوفية الموروثة له من أبيه وأستاذه الأول لم يستطع ملازمة دروس عمه المستقل بعلمه وآرائه ، فصرف التعصب بصره عن عمه إلى ارتياد غيره ، ولكن الروح الذي غرسه عمه فيه لم يلبث أن نما فيه وأينع .
بعد أن توسع في العلم وأطلع وتفقه في الأدب وأضطلع ، فضرب بكل ما ورثه عن أبيه عرض الحائط ، أخذ يختلف بعد انصرافه عن دروس عمه إلى مشائخ بغداد وينتاب مجالس دروسهم على سبيل التجربة ن ولم يكن يروقه منهم إلا شيخ موصلي هاجر إلى بغداد ( وهو الشيخ إسماعيل بن مصطفى مدرس جامع صاغة ) فأخذ عنه أغلب العلوم التي ذكرناها وقد كان هذا الشيخ مقلداً محضاً كسائر شيوخ بغداد ، يدرس ( كتب الجادة ) ويأتي بعبارات الشراح والمحشين كما هي عن ظهر غيب ، ولا يكاد يخل بشيء ما منها بل كان شبه أمي إذا احتاج إلى إنشاء الوكالة عهد بها إلى تلميذه أبي المعالي وميزته التي حببته إليه إنما هي المشرب الصوفي ثم قوة حافظته نادرة المثال .

تصدره للتدريس :
لم يكتف أبو المعالي بعد أن قضى زمن الدراسة بما شدا من الكتب وتلقى على المشائخ شأن طلاب العلم عندنا ، بل جد به الحرص على مواصلة الدرس ومتابعة البحث وكلف بالتاريخ والسير واللغة وزوال الكتابة التي كاد يتقلص ظلها من ربوع العراق حتى جاء منه عالم نحرير ومؤلف ضليع الاطلاع الواسع والمادة الغزيرة والتحقيق النادر والرأي الصائب وإليه المرجع في المشكلات وعليه المعول في الفصل والقضاء ، وتصدر في أثناء الطلب للتدريس تارة في داره وأخرى في جامع عادلة خاتون ثم عين مدرساً في جامع الحيديرية ثم في جامع السيد سلطان علي ، فكان يدرس في الأول صباحاً وفي الثاني مساءً ن ولما توفي السيد علاء الدين الآلوسي مدرس مدرسة مرجان وُكِّل أمر مدرسته إليه لقرابته منه وجعل ( رئيس المدرسين ) فترك مدرسة السيد سلطان علي واكتفى بالحيدرية ومرجان ، وقد تخرج به خلق كثير .




نفيه :
وحينما عرف فضله وقوى ساعده التف حوله جماعة من أصدقائه ومحبيه في بغداد وسائر البلاد ، وصار له شأن يدفع به عنه عاديات الاضطهاد ، خلع عنهم ذلك الرداء رداء المجاملة والتقية وهتف مع شدة وطأة الاستبداد الحميدي بضرورة تطهير الدين من أوضار البدع التي طرأت عليه ونبذ التقليد الذي هو علة العلل في انحطاط المدارك والأفكار وشن الغارات الشعواء على الخرافات المتأصلة في النفوس والتقاليد السخيفة التي شبّ عليها القوم وشابوا بمؤلفات ورسائل زعزعت أسس الباطل وأحدثت انقلاباً عظيماً لا يزال تأثيره عاملاً في النفوس علمه المطلوب فغاظ ذلك ( أصحاب العمائم المكورة والأردان المكبرة والأذيال المجررة ) من كل حشوى غر وجاهل غمر ذي خداع ومكر وصاروا يشنعون عليه في مجالسهم .
ولم يزالوا يتربصون به الدوائر حتى عام 1320هـ فسعوا إليه إلى ( عبد الوهاب باشا ) والي بغداد وكان حشوياً عدواً لرجال الاصلاح ، فكتب عنه إلى عبد الحميد ما شاء وشاء له الهوى ، وأقل ما جاء في كتابه : (( إنه يبث فكرة الخروج على السلطان ويؤسس مذهباً يناصب كل الأديان ، وأخذ يوماً في الانتشار ويخشى سوء العاقبة ... )) ، فشالت نعامته وهو هو وأمر حالاً بنفيه ونفي كل من يمت معه إلى الدعوة بنسب إلى بلاد الاناضول ، فنفي هو وابن عمه السيد ثابت بن السيد نعمان الآلوسي والحاج حمد العسافي النجدي من التجار الاتقياء مخفورين وما كادوا يصلون الموصل ) حتى قام أعيانها لهذا الاجحاف وقصدوا وسعوا إلى عبد الحميد ، فأقنعوه ببراءته فأعيد هو وصاحباه إلى بغداد بعد أن قضوا في الموصل شهرين لاقوا فيهما من الحفاوة ما يعجز عن شرحه اللسان ويكل تحبيره البنان .

وفاته :
وابتلي الإمام سنة 1337هـ برمل في المثانة فلم يهتم به ، وظن أنه عرض لا يلبث أن يزول ، فزال كما كان يظن ألمه ولكن أثره لم يزل كامناً فيه والرمل يتراكم شيئاً فشيئاً حتى سد المجرى، فثارت ثائرته بعد مرور عامين عليه وأذاقته الأمرين ففزع إلى الأطباء عسى أن يخففوا بعض آلامه حتى إذا لم يجد منهم خيراً واحتمل هذا الداء الوبيل بالصبر الجميل إلى أن هان عليه وسكنت ثائرته إلا أنه كان يتعوذ من النكسة بعد البلة ويحذر منه أن يعود ، وما هي إلا بضع سنين استراح من لأوائه فهجم عليه في أواخر عام 1341هـ على حين غفلة منه ، فأصيب في أول الثلث الأخير من شهر رمضان سنة 1342هـ بذات الرئة ، فشعر بالموت وأخبر أنه ضيف عند الآل والأصحاب ولبث ثلاثة عشر يوما يقاسي الآلام والمرض يزداد يوماً فيوماً حتى دعاه داعي الموت فتوفاه الله عند أذان ظهر في اليوم الرابع من شوال ودفن في مقبرة الشيخ الجنيد البغدادي في الكرخ
__________________________
انظر؛الأثري ، أعلام العراق : ص 88 وما بعدها . وينظر ترجمته في : مقدمة الدر المنتثر : ص 38 ؛ مقدمة المسك الأذفر ؛ محمود شكري الآلوسي وآراؤه اللغوية ص 49 ؛ مقدمة صب العذاب : ص 37 .
من مؤلفاته على الشبكة:
صب العذاب على من سب الأصحاب
المؤلف: محمود شكري الألوسي أبو المعالي
المحقق: عبد الله البخاري
الناشر: أضواء السلف
سنة النشر: 1417 - 1997
رقم الطبعة: 1



http://www.archive.org/download/waq39916/39916.pdf (http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn9)


=============================
1- غاية الأماني في الرد على النبهاني

[URL]http://www.archive.org/download/sewsdsewsd/garn0.pdf
http://www.archive.org/download/sewsdsewsd/garn1.pdf
http://www.archive.org/download/sewsdsewsd/garn2.pdf

2- تاريخ نجد:
http://www.4shared.com/file/59483300...?cau2=403tNull (http://www.4shared.com/file/59483300/3790d1a2/_____.html?cau2=403tNull)
3- مزايا لغة العرب
http://majles.alukah.net/attachment....5&d=1267639952 (http://majles.alukah.net/attachment.php?attachmentid=4585&d=1267639952)
4- شرح أبيات الجنة للإمام ابن قيم الجوزية (عن نسخة خطية وحيدة)
شرح العلامة محمود شكري الألوسي، حققه وأضاف إليه، إياد بن عبد اللطيف القيسي، 384ص، 2005م
http://www.mediafire.com/?iz2nmkfmg3y
5- فهرست مؤلفات الآلوسي
http://dc63.4shared.com/download/502...121810-78947f5
6- مختصر التحفة الأثنى عشرية في الرد على الروافض

http://www.mediafire.com/?mn5nyzybwyy
7- السيد محمود شكري الألوسي وبلوغ الأرب http://www.megaupload.com/?d=QSLZP90E
8- الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر
http://khizana.blogspot.com/2010/01/blog-post_2678.html

أبو الفداء أحمد بن طراد
01-05-2010, 01:49 AM
للفائدة: صورة العلاَّمة شكري الآلوسي:
محمود شكري الآلوسي
( 1273 ـ 1342 =1857 ـ 1924م)


http://www.9ower.com/uploads/images/9ower_com-bce4bcd0db.jpg

عبد الكريم
01-05-2010, 02:43 AM
شكرا، بارك الله فيك .

النهار
01-05-2010, 03:28 AM
بارك الله فيك

ابن عدي
01-05-2010, 06:58 AM
http://www.eskindria.com/pic/eskindria.com_54.gif

الباحث المصري
04-05-2010, 09:05 AM
جزاكم الله خيراً أخي الفاضل , ورحم الله العلامة الألوسي
http://www.samygames.com/forumim/shokr/1/868686.gif

أبو ذر الفاضلي
04-05-2010, 09:18 AM
رائع كعادتك .....

أبو الفداء أحمد بن طراد
27-05-2010, 04:50 AM
مختصر التحفة الاثني عشرية/تقديم (http://ar.wikisource.org/wiki/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%AA% D8%AD%D9%81%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AB%D9%86%D 9%8A_%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%A9/%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%8A%D9%85)

أبو الفداء أحمد بن طراد
27-05-2010, 04:51 AM
المخطوطات و الرسائل الموقعة بقلم العلامة محمود شكري الالوسي
http://wadod.net/library/21/2100.rar

أبو الفداء أحمد بن طراد
27-05-2010, 04:52 AM
الماء و ما ورد في شربه من الآداب
http://wadod.net/library/21/2148.rar

أبو الفداء أحمد بن طراد
27-05-2010, 04:52 AM
مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل الجاهلية
http://wadod.net/library/12/1227.rar

أبو الفداء أحمد بن طراد
27-05-2010, 04:53 AM
بلوغ الأرب في معرفة العرب
http://www.archive.org/details/oul_oulourelirb

أبو الفداء أحمد بن طراد
27-05-2010, 04:59 AM
السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة
ملخص الكتاب
فإن الخيرية التي أنعم بها الله على هذه الأمة قد تأتت من الدعوة إلى الله تعالى سراً وعلانية ، أفراداً وجماعات ، وهي من أفضل الدعوات وأشرفها على هذه الأرض كما قال تعالى : ] وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [ [ فصلت : 33 ] ، وفي هذه الآية يتضح جلياً الأمانة التي وضعها الله تعالى في أعناق العلماء كافة للدعوة ، وذب البدع والخرافات عن هذا الدين ، وتحذير الناس من شر الشيطان وشركه ، قال القرطبي في تفسير هذه الآية : (( وأي كلام أحسن من القرآن ومن أحسن قولاً من داعى إلى الله وطاعته وهو محمد صلى الله عليه وسلم )) ([1] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn1)) ، من أجل ذلك فليتنافس المتنافسون في طاعة الله عز وجل ، حاملين أفئدتهم على المحابر والورق ، يدونون ما فتح الله عليهم من الحق ، داحضين الباطل الذي يتربص بالإنسان المسلم حيثما كان .
ولقد لحق بهذا الدين الافتراق ، حاله حال الأديان الأخرى ، كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال : (( إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) ([2] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn2)) ، وكان هذا الافتراق من ابرز العوامل التي جعلت جسد الأمة ضعيفاً ينتشر بين أطرافه الضعف والوهن ، وما كان الله ليذر المسلمين على هذا الافتراق دون أن يهيأ لهم من يبيّن لهم سواء السبيل ، ويرشدهم إلى الصراط المستقيم .
ومن هؤلاء العلماء المخلصين الصادقين ، علامة العراق السيد محمود شكري الآلوسي ، الذي قضى حياته في الذود عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وبيان سبيل الحق ، وقمع أهل البدع والزيغ الذين قعدوا في كل مرصد يظنون أن لحن قولهم وتنميق كلماتهم مانعتهم من الله ، ولكن لله تعالى جنوداً نذروا حياتهم وسخروا إمكانياتهم لاعلاء كلمة الله ، فكان الآلوسي واحداً منهم ، وإن ذكرناه فإنما نذكره بفخر واعتزاز ، نسأل الله تعالى أن يتقبل عمله ، ويحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .
والصراع الذي خاضه الآلوسي مع أهل الأهواء والبدع لم يكن صراعاً هيناً ، بل كان صراعاً مريراً تعرض فيه لأذى المشاغبين الذين لا يميزون بين الغث والسمين ، وكان السبب في ذلك أن العصر الذي عاش فيه الآلوسي كان عصر التغييرات في العالم الإسلامي ، خاصة مع بداية انهيار الدولة العثمانية ، ومجيء جماعة ( الاتحاد والترقي ) إلى سدة الحكم في استنبول ، والتي أدت بالتالي إلى إلغاء الخلافة العثمانية ، وبداية سقوط هذا البلد الإسلامي بيد العلمانيين بعد نهاية الحرب العالمية الأولى .
ولم تكن الدولة العثمانية ، رغم أنها كانت الدولة التي رعت الإسلام والمسلمين مدة تقارب الأربعة قرون ، لم تكن هذه الدولة بمستوى التطورات المتلاحقة في العالم ، وكان للاتجاه الصوفي الذي سلكته هذه الدولة - وحافظت عليه دون تغيير في هذه الحقبة الطويلة من الزمن - أثرٌ كبير في انهيارها ومحاربتها لكل دعوة إسلامية مخلصة من أجل إنقاذ الأمة مما هي فيه من خرافات وبدع وجهل ، بل وقفت الدولة العثمانية ضد حركات التجديد التي ظهرت في العالم الإسلامي ، خاصة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية ، مدعومةً من العلماء المقلدين المتعصبين الذين وجدوا في هذه الدولة ملاذاً آمناً لشهواتهم ، فحاربوا كل جديد بدعوة المحافظة على وحدة الدولة ، وهم كانوا أول من مزقها ، مدعين أن نصرة الأمة الإسلامية تكون في المحافظة على نهجهم والأخذ بمشورتهم ، ولم تكن هذه الطرق الصوفية إلا وبالاً على الدولة ، بل لم تكن تقل خطراً من الدول الاستعمارية الطامعة في ممتلكاتها بسبب قلة فهمهم وقصر نظرهم ، ويصف الآلوسي ذلك بقوله : (( وأعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين والدولة مبتدعة الرفاعية ، فلا تجد بدعة إلا ومنهم مصدرها وعنهم موردها ومأخذها ، فذكرهم عبارة عن رقص وغناء وإلتجاء إلى غير الله وعبادة مشايخهم وأعمالهم عبارة عن مسالك الحيات والعقارب ونحو ذلك )) ([3] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn3)) ، إن هذا الوصف الدقيق لما كان عليه مشائخ الطرق الصوفية في البلاد العثمانية من بدع وخرافات من قبل الآلوسي نفسه يبين ما كانت تتمتع به من رعاية من قبل الدولة العثمانية التي شجعت هذه الطرق عن طريق المال وتوفير الدعم المعنوي لهم ، كما أنها قامت ببناء عدد من التكايا والزوايا ، وجعلت كلمتهم هي العليا بين علماء البلاد كافة ، بل أصبحت هذه الطرق سلماً لنيل المكاسب المادية والوظيفية لأصحابها ، فلا تكاد ترى قاضياً أو مستشاراً أو مفتياً إلا وهو منهم([4] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn4)) .
وكانت الدولة العثمانية قد وصلت إلى درجة عظيمة من الوهن والضعف ، حتى أطلق عليها الأوربيون ( الرجل المريض ) ، وكانت النتيجة أن انتهى الأمر إلى تلك النهاية المحزنة للمسلمين كافة ، عندما انهارت الدولة العثمانية ، وفقد المسلمون معها قوة عسكرية وسياسية أعطتهم هيبة بين الأمم ، بل انقلبت هذه الدولة - على يد شرذمة من معتنقي الماسونية - من دولة تمثل الخلافة الإسلامية والمسلمين إلى دولة علمانية تحارب كل ما هو إسلامي ، عندما تأسست دولـة تركيا الحديثة على أنقاض الدولة العثمانية سنة 1924م .
كانت هذه الحالة قد انعكست انعكاساً سلبياً على ولاياتها ، أو ما تبقى منها ، خاصة في الشام والعراق ، وكان للعراق خصوصية أكبر من الشام نظراً لما يتمتع به من مقومات بشرية واقتصادية ، فاصبح محط نظر لأطماع الطامعين وكان على رأسها الدولة الصفوية في إيران التي كانت تتربص بالدولة العثمانية الدوائر ، على اعتبار أن الدولة العثمانية هي دولة سنيّة ، والدولة الصفوية هي دولة شيعية إمامية ، وقد حرصت الدولة الصفوية عبر تاريخها الطويل على مد نفوذها إلى العراق من أجل الوصول إلى مراقد الأئمة في النجف وكربلاء ، والتي تمثل مركزاً روحياً كبيراً عند الشيعة الإمامية ، فقامت ببث الدعاة في القرى والأرياف ، فانتشر فيها بسبب الجهل كانتشار النار في الهشيم ، فتحولت قرى كاملة لعقيدة الإمامية ، قال الآلوسي واصفاً ذلك : (( ولقد أصبح اليوم أعراق قطر العراق ، مملوّة من سم أذنابهم فلا ينجع فيه ترياق ولا ألف راق ، فقد ارتد غالب القبائل والعربان على أعقابهم ، ورجعوا - والأمر لله تعالى - على أدبارهم ، فرفضوا شعائر الإسلام وأهملوا سائر الأحكام ، واتخذوا بغض أئمة الدين عباده ، وصيّروا مقت أصحاب سيد المرسلين وسيلة لنيل السعادة ، وقعدوا عن نصرة إمام المسلمين في الجهاد ، بل عدوا ذلك من باطل الاعتقاد ... )) ([5] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn5)) ، وكان ذلك تحصيل حاصل للتخلف المقدع الذي رزخت حوله ولايات الدولة العثمانية ، خاصة انتشار الأمية والجهل ، وغياب الدعاة من أهل السنة والجماعة بعد أن أفرغت الساحة لمشائخ الطرق الصوفية ، الذين أهملوا أمر الدعوة ، ولم يكونوا يفكرون إلا بمصالحهم ومصالح مريديهم ، ومحاربة الدعوات السلفية ودعوات الإصلاح الأخرى التي طالبت بالعودة إلى الإسلام الصافي بعيداً عن البدع والخرافات ، ولم تقف الدولة العثمانية موقفاً حازماً تجاه دعاة الرفض ، لأنها لم تكن تعي خطرهم عليها ، خاصة وأن هذه الدولة بدأت تحتضر في القرن التاسع عشر الميلادي ، ومن ثم تحول عامة الناس في جنوب العراق من عقيدة أهل السنة والجماعة إلى عقيدة الشيعة الإمامية ، وكانت هذه الخسارة كبيرة لأهل العراق خاصة وللمسلمين عامة([6] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn6)) .
كان لا بد للعلماء المخلصين في مثل هذه الأخطار الجسام التي أصابت جسد الأمة أن يبينوا الحق للناس كافة ولا يكتمونه استناداً إلى قوله تعالى ] لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ [ آل عمران : 187 ] ، ولم يكن هؤلاء العلماء ، خاصة أصحاب العقيدة السليمة ، بمنأى عن التشويش والتنفير الذي مارسه المقلدين والمتصوفة المتعصبين تجاههم ، فكانوا يجاهدون بألسنتهم وبأقلامهم على أكثر من جبهة ، وفي أكثر من اتجاه ، ولكن إخلاصهم وتفانيهم في سبيل الحق ، ونصرهم لكلمة الله جعلهم في الطليعة دائماً ولو كره المبطلون ، فظهر عدد كبير من العلماء الذين قاموا بتصنيف الكتب الكبيرة والرسائل الصغيرة لنصرة مذهب أهل السنة والجماعة ، ورد شبهات أهل الرفض والبدعة ، وفضح مكائدهم ، وبيان عقيدتهم للناس كافة لكي لا يغتر بها الجهلة والسذج منهم .
وقد حاول علماء السنة في العراق الانتفاع بتجربة إخوانهم الذين سبقوهم في هذا الميدان ، وهم علماء الهند وباكستان الذين صنفوا المؤلفات الكثيرة في بيان عقيدة الإمامية وفسادها ، وبيان ما هم عليه من زيغ وضلال للمسلمين في تلك البلاد وغيرها ، قال الآلوسي : (( وقد ألف في إبطال مذاهب هذه الفرقة السالكة طريق الردى ، والفئة الزائغة عن منهج الهدى ، كتب تصدع بالحق ، وتنطق بالصدق وتقلع أساس الكفر من محله ، وتستأصل عرق الرفض من أصله ، غير أن البعض منها فيه إطناب ممل ، والبعض الآخر فيه إيجاز مخلّ )) ([7] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn7)) .
ثم نهض علماء العراق بمهمة التأليف والتصنيف والترجمة والاختصار لهذه المؤلفات التي كان بعضها قد كتب بالفارسية أو بالهندية أو بالعربية ، وقد شارك بهذه المهمة خيرة علماء العراق من عرب وأكراد بهذا النشاط العلمي العظيم ، الذي لازال الناس ليومنا هذا ينتفعون به ، ويطالعونه ويثنون على من أوصله إلينا بهذا الشكل الذي لا يمكن إلا أن نجل أصحابه ونترحم على من سعى لأجله ، فرحم الله هؤلاء العلماء ، وجعل علومهم نافعة للمسلمين عامة إلى يوم القيامة .
ولم يقتصر عمل هؤلاء العلماء على الاختصار والترجمة بل تعداه إلى التأليف والتصنيف ، ويمكن أن نستعرض أهم هؤلاء العلماء الذين ظهروا في هذه الحقبة :
1. علي بن أحمد الهيتي ( كان حياً سنة 1025هـ ) [8 (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn8) : وهو من علماء العراق ، ونسبته إلى هيت مدينة على الفرات ، صنف لنا ( السيف الباتر لرقاب الشيعة الروافض الكوافر ) ([9] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn9)) .
2. عبد الله بن محمد الكردي البيتوشي ( ت 1221هـ ) ([10] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn10)) : كان أديباً نحوياً ، ولد في بيتوش من قرى الكرد في العراق ، وقدم بغداد ونزل البصرة وتوفي بالأحساء ، ألف كتاباً في الرد على الإمامية سماه : ( طريقة البصائر إلى حديقة السرائر في نظم الكبائر ) ([11] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn11)) .
3. محمد أمين بن علي بن سعيد السويدي البغدادي ( ت 1236هـ ) ([12] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn12)) : كان فقيهاً ورعاً ذا عقيدة سليمة ، وقد ألف كتاباً ضخماً سماه ( الصارم الحديد في عنق صاحب السلاسل العنيد ) ، وهو كتاب ضخم الحجم بلغت عدد لوحاته ( 700 ) لوحة([13] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn13)) .
4. بدر الدين عثمان بن سند النجدي ( ت 1242هـ ) ([14] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn14)) : كان أديباً بارعاً في اللغة سلفي الاعتقاد ، نظم قصيدة في الرد على الشاعر دعبل الخزاعي الرافضي سماه ( الصارم القرضاب في الرد على من سب أكارم الأصحاب ) وهو أكثر من ألف وستمائة بيت .
5. محمود بن عبد الله شكري الآلوسي ، شهاب الدين الحسيني ( ت 1270هـ ) ([15] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn15)) : وهو من أشهر علماء العراق ، وقد أتت هذه الشهرة من تأليفه لتفسيره الشهير ( روح المعاني ) ، وله مؤلفات كثيرة غيره ، منها ما يخص الردود على الروافض أكثر من مؤلف وكتاب منها ( الأجوبة العراقية على الأسئلة اللأهورية ) وهي إجابات عن أسئلة وردتـه فـي الـرد على الإمامية([16] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn16)) ، ( الأجوبة العراقية على الإيرانية ) وهي إجابات أيضاً لأسئلة وردته من إيران([17] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn17)) ، ( النفحات القدسية في الرد على الإمامية )([18] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn18)) ، ( نهج السلامة إلى مباحث الإمامية ) ([19] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn19)) .
6. محمود شكري الآلوسي ، مؤلف هذا الكتاب ، وله أكثر من مؤلف ومختصر ، وسنتكلم عن مؤلفاته في فقرة مستقلة .
وبعد هذا الاستعراض لهذه الكوكبة من العلماء الذين بذلوا الجهد العظيم لنصرة هذا الدين وإزهاق الباطل ، يتبين أن هذا النتاج ما كان ليظهر لولا الخطر العظيم الذي أحدق بالأمة في تلك الأيام العصيبة من تاريخها ، وفي أرض عزيزة من بلاد المسلمين ، كانت عبر تاريخها منارة من منارات الإسلام الشامخة ، إلا أن كيد الأعداء كان يتربص بـها ، ] وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [ [ الأنفال : 30 ].
وقد عادت في هذا العصر دولة الرفض من جديد إلى مكانها ، وبدأت تبث سمومها عبر وسائل الإعلام الحديثة بكل أنواعها من جديد إلى الجهلة من اتباع عقيدة الإمامية في العراق ، بعد أن مر على هذه البلاد ما مر ، وتعاقبت على أهلها السنوات العجاف ، فبدأ الرفض يظهر مجدداً بصوت مسموع في تلك البلاد ، معلناً عقيدته ناشراً لها ومستقطباً للجهلة من العوام الذين يظنون أن الحق في ما قالت شيعة فارس ، لا ما قال أهل الحرم ، فيسر الله تعالى من جديد لهذا الدين دعاة حملوا أرواحهم على أكفهم وساروا في هذه الأرض المحرمة على أهل السنة والجماعة ، فعاد كثير من أهلها رجالاً ونساءً إلى الله عز وجل ، تائبين موحدين على نهج السلف المبارك ، وكاتب هذه الكلمات من بين هؤلاء الذين أنعم الله تعالى عليهم بالعودة إلى دينه الحق ، بعد أن رفض أجداده دين الإسلام ، وتقمصوا دين فارس ، فالحمد لله على نعمة الإيمان ، والحمد لله الذي فتح لبلادنا من جديد دعوة السلف القائمة على التوحيد الخاص ، والسائرة على نهج النبوة الذي لا عوجاج فيه ، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال على أهل الشرك : (( لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً )) ([20] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn20)) .
إن أصل الكتاب هو ( الصواقع([21] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn21)) المحرقة لإخوان الشياطين والزندقة ) ، وهي من تأليف الشيخ نصير الدين محمد المشهور بخواجة نصر الله الهندي المكي ، ورغم أني بذلت جهداً كبيراً في محاولة الحصول على ترجمة لهذا الرجل ، إلا أني فشلت في ذلك ، ولكن ترجح لدينا أنه من علماء الهند وعاش في القرن الثاني عشر الهجري ، وربما تكون هذه التسمية هي تسمية مستعارة لأحد العلماء المشهورين ، ويعتقد مؤرخو الشيعة أن هذا الكتاب هو من تأليف الشيخ نصر الله الكابلي ، وأبعدوا أكثر من ذلك فقال الطهراني إن التحفة الاثني عشرية ما هي إلا مختصر لهذا الكتاب ، ويعني به ( الصواقع المحرقة ) ([22] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn22)) .
إلا أننا لا يمكن أن نسلم بذلك ؛ لأن ليس هناك تطابق بين التسمية التي أوردها الآلوسي للمؤلف وتسمية الطهراني ، وعسى أن ييسر الله تعالى لأخواننا في الهند أو الباكستان الوقوف على صاحب الأصل ، لأنه قد ترجح لدينا أن مؤلف الأصل غير مذكور في كتب الترجمة المكتوبة بالعربية والمنتشرة في المكتبات العربية .
وعلى أية حال ، فإن هذا الكتاب كان قد أعجب علامة العراق محمود شكري الآلوسي ، فسعى إلى اختصاره وتشذيبه وإضافة بعض الفوائد إليه ، والأمر المهم في هذا التلخيص أنه حصل بعد أن لخص الآلوسي ( التحفة الاثني عشرية ) ، قال الآلوسي : (( ولقد لخصت فيما مضى ترجمة التحفة الاثني عشرية بألفاظ موجزة وعبارات مرضية ، وقد ظفرت في هذه الأيام بكتاب الصواقع المحرقة لإخوان الشياطين والزندقة ... فرأيته كتاباً تشد إليه الرواحل وتقطع دونه المنازل ، وهو أشبه شيء بالتحفة الاثني عشرية ، وأوفقها بجميع ما انطوت عليه من كلية وجزئية ...)) ([23] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn23)) ، إلا أن الكتاب مع ذلك كان بحاجة إلى تشذيب وعادة سبك أكثر عباراته ، لأن فيه عبارات صعبة الفهم ، وفيه مصطلحات لا يفهمها إلا العلماء ، فسعى الآلوسي إلى بسطه وشرحه للناس كافة حيث قال : (( غير أن فيه بعض الزيادات ، تعد من جمة الإفادات ، وكان مفتقراً إلى الإيجاز وتبديل بعض عبارات فيه كالإلغاز ، حيث إنّ المؤلف رحمه الله تعالى أدى غالب مقاصده بألفاظ غير مأنوسة الاستعمال ، وكلمات لا تكاد تعرف إلا بمراجعة كتب اللغة وكمّل الرجال ، وقد اشتملت مع ذلك على ذكر حكايات لا تفيد شيئاً لدى الخصام والمشاجرات ، وعلى عبارات لا دخل لها في المقصد ، ولا تعرض لها في دفع الخصم الألد . فأحببت أن ألخصها ليعم نفعها ، وأختصرها كي يسهل أخذها ، ونقلها وسميت ما كتبته واختصرته ولخصته ( السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة ) )) ([24] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn24)) .
من خلال ذلك يتبين أن هذا الكتاب له أهمية خاصة لاعتبارين ، الأول إن الآلوسي قام باختصاره بعد أن انتهى من اختصار ( التحفة الاثني عشرية ) ، وهذا له أهميته على اعتبار أن الآلوسي قوت شوكته وازدادت علميته ، ففي هذا الكتاب فوائد جمّة سوف يطلع عليها القارئ لأنها غير موجودة في مختصر التحفة ، والاعتبار الثاني إن هذا الكتاب هو أكبر حجماً سواء كان بالأصـل أم بالمختصر من ( التحفة الاثني عشرية ) ومختصرها ، ولذا حوى معلومات أكثر ، وفوائد أكبر ، فأتى كاملاً في مقاصده مستوعباً لما فات في مختصر التحفة ، ولا يمكن أن نحيط بفؤائد الكتاب إلا بعد المطالعة لسطوره ، ومتابعة عباراته .
وهناك مشكلة فنية تتعلق بمخطوط الكتاب ، إذ أن الآلوسي كتب مسودة الكتاب دون أن يبيضه ، فكان هذا من المخطوط فيه العديد من الأخطاء والتصحيفات وبعض السقط ، وهناك إضافات كثيرة أضافها الآلوسي من الهوامش ، وربما وجدت في بعض الصفحات أسطر عديدة تم حذفها أو استبدلت بغيرها ، وهذا أمر معهود في كتابات الآلوسي رحمه الله ، إذ كان نادراً ما يراجع مؤلفاته أو يعيد تبييضها من جديد ، قال تلميذه الأثري : (( وقد كان قليل العناية بمؤلفاته لا يتعهدها بالتهذيب والتشذيب ، ولا يكاد يلفت إليها نظره إلا بإلحاح من السائلين فلذلك بقي أكثرها من نفثة القلم الأولى لم يتطرقه أقل إصلاح )) ([25] (http://www.dr-majeed.net/books/ceuf.htm#_edn25)) ، وهذا الأمر قد وقع لكتابه هذا ، فلم يسلم من الأخطاء ، ولم يراجعه المؤلف مراجعة تامة أو يعطيه إلى من ينسخه عن الأصل .
والكتاب مع ذلك قد جاء منظماً سليم التسلسل ، واضح العبارة قوي الحجة ، ذو أسلوب أخاذ بليغ ، وهذا الأمر الأخير معهود في مؤلفات الآلوسي ، وقد قسم الآلوسي كتابه إلى ثمانية مقاصد ، كان المقصد الأول أوسعها وأكبرها ، حتى شكل حجمه ربع حجم الكتاب تقريباً ، وضمنه الآلوسي إحدى وعشرون فصلاً ، استعرض فيها الآلوسي اصل الشيعة وظهور فرقها ثم افتراق هذه الفرق واختلافهم في تعيين الأئمة ، كما لم ينس الآلوسي أن يبين مدة بقاء كل فرقة من هذه الفرق وأشهر دعاة كل فرقة منها ، وبعد أن انتهى من ذلك خصص فصلاً كاملاً لمكائد الرافضة ، التي أسهب في استعراضها وتفصيلها قاربت الثمانين مكيدة ، ويعني بالمكيدة هنا الشبهات التي أثارها الشيعة الإمامية لاتباعهم من أجل تشويه عقيدة أهل السنة والجماعة في أذهان هؤلاء الاتباع ، ويشكل هذا الفصل ثقلاً واضحاً في المقصد السادس ، ويمكن القول أن له حصة الأسد من عدد أوراقه .
أما المقصد الثاني من كتاب ( السيوف المشرقة ) فهو في الإلهيات ، وفيه ستة وعشرين مطلباً ، توزعت هذه المطالب على مباحث في عقيدة الشيعة الإمامية الخاصة بالإلهيات ، حيث أثبت الآلوسي فيه صفات الله تعالى التي أثبتها لنفسه وأنه الإله الذي لا شريك له فهو سميع بصير عالم قادر متكلم والكلام صفة من صفاته ، ثم نفى الآلوسي البداءة التي تدعيها الإمامية على الله تعالى وأنه جل وعلا لا يجب عليه شيء سواء كان هذا الواجب لطفاً أو عوضاً أو غيرهما مما أوجبوه على الله تعالى ، ثم تناول بعد ذلك بالبحث أفعال العباد وأنها مخلوقه لله تعالى ، وأنه جل وعز لم يفوّض خلق الدنيا لأحدٍ من الخلق ، وأن جميع الكائنات بقضاء الله تعالى وقدره ، مع الإشارة إلى أن قرب العبد إلى ربه ليس قرب مكان .
وفي المقصد الثالث الذي خصصه الآلوسي للنبوة ، وهذا المقصد مكمل للذي قبله ، فهو تعالى لا يجب عليه شيء كما تقدم ، وأن بعث الأنبياء لطف منه تعالى ، على عكس ما يقوله الإمامية وغيرهم الذين قالوا يجب على الله تعالى أن يبعث الأنبياء ، كما أوجبوا على الله تعالى أن يجعل في كل عصر وزمان نبياً أو وصياً يقوم مقام النبي ، فبين الآلوسي بطلان هذا المعتقد عند هؤلاء القوم ، وأما تجويزهم بأفضلية الوصي على النبي ، وهو مشهور عند أكثر فرق الشيعة ، فإن الآلوسي رد هذه العقيدة وبين أنه لا يجوز أن يكون وصيٌ خير من نبي ، فالنبي لا يحتاج إلى غير الله تعالى ، لأنهم كانوا عارفين بما يجب عليهم من الاعتقادات عصمهم الله تعالى من كل ذنب ومعصية ، ومنزهين عن الخصال الذميمية لا كما تدعيه الإمامية التي تعتقد عكس ما ذُكر ، والتفاصيل في محلها من هذا الكتاب .
أما المقصد الرابع فدار موضوعه حول الإمامة ، فالإمامية تدعي أنه تعالى يجب عليه نصب الإمام ، كما أوجبت على الله تعالى غيرها من الأمور ، وهذه عقيدة ظاهرة البطلان ، لأن الشرع والعقل يقتضي عدم وجوب شيء عليه تعالى ، ثم تناول بالتفصيل صحة خلافة الصديق t بعد رسول الله e وبيعة الصحابة ، بما فيهم علي t له ، أما ما تدعيه الإمامية من كون الخلافة لعلي t فهذا ما لم يقم عليه دليل ؛ لأن هؤلاء القوم يجعلون فضائل علي t أدلةً لخلافته ، وهذا الأمر يستغرق فيه صفحات كثيرة يستعرض فيها الآلوسي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي يستند عليها الشيعة في تعضيد حجتهم وتقرير عقيدتهم ، وبعد أن ينتهي من ذلك كله يخصص مطلباً للمهدي أو ( صاحب الزمـان ) علـى تسمية الشيعة له ، واختلاف فرق الشيعة في تعيينه واختفائه ، ثم بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة .
وفي المقصد الخامس يرد الآلوسي على مطاعن الشيعة الإمامية في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فيفصل في الشبهات التي أثارها القوم ضد الخلفاء الراشدين الثلاثة ، ويفندها واحدة واحدة مستنداً في وطريقته في ذلك طريقة علمية رصينة تعتمد على الأدلة العقلية والنقلية المروية في كتب أهل السنة والشيعة الإمامية ، خاصة أقوال الأمير في حق أخوته من الخلفاء الراشدين والتي رواها الشيعة في كتبهم ، وأوردوها في مؤلفاتهم ، وبعد أن ينتهي من ذلك يرد مطاعن الشيعة ضد بقية الصحابة خاصة أمهات المؤمنين والعشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وحشرنا في زمرتهم يوم الدين .
أما المقصد السادس فخصصه الآلوسي للمعاد ، وأنه واقع لا محالة ، وأن عذاب القبر حق وأن الجنة حق ، أما ما تدعيه الشيعة من رجوع بعض الموتى إلى الحياة الدنيا من جديد ليقتصوا من أعدائهم فهو غير ثابت نقلاً ، وغير مقبل عقلاً ؛ لأن هذا فيه استهانة بالأئمة الذين تدعيهم الشيعة ، قبل أن يكون ذلك بأعدائهم ، أما ما تدعيه الشيعة من خلود المخالفين لعقيدتهم في النار فهو ظاهر الفساد ، يضحك منه الصبايا والأولاد ، لأن الله تعالى يرحم من يشاء ويعذب من يشاء بيده الملك وإليه ترجع الأمور .
ودار موضوع المقصد السابع حول الأدلة التي تؤكد بطلان عقيدة الشيعة ، وكان ذلك ببيان هفواتهم واستعراض بعض عقائدهم وأخبارهم ، وبعد ذلك عدد الآلوسي ما لهم من غرائب في المسائل الفقهية ، مأخوذة عن فقهائهم وعلمائهم ، وهذا المقصد مهم ومشوق في الوقت نفسه لأن مضمونه غير موجود في ( مختصر التحفة ) ، ولقرب عباراته من فهم الناس عامة .
وفي المقصد الثامن والأخير ذكر الآلوسي شيئاً من هفواتهم وتعصباتهم ، والتي هي كثيرة لا يسعها كتاب ويتعجب منها أولو الألباب ، وختم بعد ذلك كتابه هذا بخاتمة ذكر فيها مشابهة الإمامية لليهود والنصارى والصابئة والمجوس .
وصف المخطوط :
لا توجد ( للسيوف المشرقة ) إلا نسخة خطية واحدة ، هي مسودة المؤلف ، ولا توجد غيرها ، كتبت سنة 1303هـ بخطه ( رحمه الله ) ، ونسختها موجودة في مكتبة الآثار العامـة وتحمـل الرقـم ( 8629 ) وخطها خط فارسي واضح ، مكتوبة على ورق كبير ، تم ترقيمه من قبل المؤلف على ما ترجح لنا ، وقد بلغت عدد صفحاتها حسب هذا الترقيم ( 303 ) صفحة ، وهو الترقيم نفسه الذي اتبعه المفهرس فأثبته في بطاقة فهرسة الكتاب ، ويوجد خطأ في هذا الترقيم ، إذ سها قلم واضعه عنـد الرقـم ( 116 ) فجاء بعده الرقم ( 153 ) بدلاً من ( 117 ) وبذلك تكون عدد صفحات المخطوط ( 267 ) صفحة ، وقد قمنا بترقيمها على أساس اللوحات فبلغ مجموع لوحاتها ( 133 ) لوحة ونصف اللوحة .
أما مقاس المخطوط فهي ( 25 × 12سم ) ، ويبلغ عدد أسطرها في الصفحة الواحدة ( 27 ) سطراً ، وقد كتب في صفحة المخطوط الأولى : (( السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة ، للفقير المحتاج إلى الله تعالى السيد محمود شكري الآلوسي الحسيني البغدادي غفر الله له ولوالديه ولكافة المسلمين .. آمين )) ، وخطها بشكل عام واضح مقروء ، إلا أن فيه بعض الإضافات وبعض الحذف وصل في بعض الأحيان إلى نصف صفحة ، وقد ختُم المخطوط بقول المؤلف : (( وأسأل الله تعالى أن يجعل بها النفع العميم ، وأن يستخلصها لوجهه الكريم ، وأن يعصمنا من الزيغ والزلل ، ويوفقنا الصالح العمل ، والحمد لله أولاً وآخراً ، وله الشكر باطناً وظاهراً ، وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على من اصطفاه حبيباً وخصه بالخلق العظيم ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وأتى الله بقلب سليم . وقد وقع الفراغ سنة 1303 من الهجرة )) .


([1]) الجامع لأحكام القرن : 15/360 .

([2]) أخرجه الترمذي ، السنن ، كتاب الإيمان ، باب افتراق الأمة : 5/26 ، رقم 2641 .

([3]) غاية الأماني : 1/370 .

([4]) محمود الآلوسي وآراؤه اللغوية : ص 18 .

([5]) مقدمة هذا الكتاب ص 3 .

([6]) محمود شكري الآلوسي وآراؤه اللغوية : ص 19 .

([7]) مقدمة هذا الكتاب ص 4 .

([8]) ترجمته في هدية العارفين : 1/754 ؛ معجم المؤلفين : 7/32 .

([9]) وتوجد منه أكثر من نسخة في مكتبة الآثار العامة ببغداد ، الأولى برقم ( 31440 / 1 ) وعـدد صفحـاتها ( 66 ) صفحة ، والثانية برقم ( 3322 ) وعدد صفحاتها ( 121 ) صفحة .

([10]) تاريخ آداب اللغة العربية : 1/88 ؛ معجم المؤلفين : 6/138 .

([11]) مقدمة مختصر التحفة : ص ( يو ) .

([12]) ترجمته في المسك الأذفر : ص 149 ؛ الأعلام : 6/42 .

([13]) وقد حقق هذا الكتاب الضخم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في ثلاث رسائل دكتوراه ، ونوقشت كلها . صب العذاب : ص 352 .

([14]) ترجمته في المسك الأذفر : ص 213 ؛ الأعلام : 4/206 .

([15]) ينظر ترجمته عند الأثري أعلام العراق : ص 21 وما بعدها ؛ مجلة لغة العرب : 3/69 ، ومقدمة الدر المنتثر : ص 15 ؛ الأعلام : 7/176 ؛ التفسير والمفسرون : 1/352 .

([16]) والكتاب مطبوع في المطبعة المحمدية ، بغداد سنة 1254هـ .

([17]) والكتاب أيضاً مطبوع في الاستانة سنة 1317هـ .

([18]) وتوجد نسخة منه في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد رقم ( 1/13710 ) .

([19]) كتبه ولم يتمه ، إذ توفي رحمه الله ، ثم أتمه بعد وفاته حفيده محمود شكري الآلوسي ، مختصر هذا الكتاب ، وقد يسر الله تعالى لنا تحقيقه ونشره في دار الصفوة بالقاهرة ، 1424هـ .

([20]) الحديث عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالـت للنبي صلى الله عليه وسلم : (( هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ قال : لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال : يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا )) . أخرجه البخاري ، الصحيح ، كتاب بدأ الخلق ، باب ذكر الملائكة : 3/1180 ، رقم 3059 ؛ مسلم الصحيح ، باب الجهاد والسير ، باب ما لقي النبي e من أذى المشركين : 3/1420 ، رقم 1795 .

([21]) الصقع : هو ضرب الشيء الصامت بمثله كالحجر بالحجر ونحوه ، وقيل هي ضرب السيوف على الرؤوس. لسان العرب ، مادة صقع : 8/201 .

([22]) الذريعة : 3/177 .

([23]) مقدمة هذا الكتاب : ص 4 .

([24]) مقدمة هذا الكتاب : ص 5 .

([25]) مقدمة تاريخ نجد : ص 4 .

أبو الفداء أحمد بن طراد
27-05-2010, 05:00 AM
- العنوان : السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة لابي المعالي محمود شكري الالوسي " دراسة وتحقيق " القسم الثاني من بداية ( الفصل السابع في بيان اسلاف الرافضة ) الى نهاية ( الفصل السادس عشر في ان النسخ من وظائف الشارع )
- المؤلف : هاني علي سعيد الغامدي
الرابط: http://www.4shared.com/get/112409710/62668fbc/______________________________.html;jsessionid=D9D 6DF6C9DBECFF5AEFC71F4DD3527EB.dc210