عرض مشاركة واحدة
قديم 28-05-2019, 10:36 PM   #2
أبو الرؤى
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2012
المشاركات: 12
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: كيف ابتدع ابن خلدون علم العمران/رؤية جديدة

مقدمة
اعتبر ابن خلدون (-808هـ/1405م) نفسه مبتدعاً لعلم جديد هو علم العمران، حتى إنه بدا واعياً تماماً لانتقاله – ولو من دون قصد مسبق منه كما يقول - إلى مجال علم آخر غير التاريخ ، أثناء محاولة وضع قواعد معيارية لأخبار الماضي تمييزاً بين صحيحها وسقيمها . ويرتبط العلم الجديد بالتاريخ على نحوٍ وثيق، وكان يُفترض به من حيث الغاية المصرّح بها في المقدمة، أن يؤسس ما يمكن أن يكون قواعد لكتابة التاريخ أو تفسير وقائعه، فيما يتداخل نسبياً مع علمي السياسة والفقه السلطاني وكأنه يستمدّ منهما، ثم يعود إليهما، وهذان العلمان الأخيران على صلة ما بعلم التاريخ أيضاً، من حيث استحضار وقائعه واستنتاج العِبر منها أو الحكم عليها، تعميماً وتقعيداً.
وعليه، فلا يتوقف الإنجاز الخلدوني عند محاولة التجاوز المنهجي لعلم التأريخ التقليدي في زمانه، والمعروف بسرد الروايات، دون تحقيقها غالباً، بل بادر ابن خلدون إلى تسمية علم جديد، وتعريفه، وتحديد موضوعه ومسائله . ولو لم يفعل ذلك فلربما لم يختلف اثنان في تصنيفه داخل حقل التاريخ عامة. فبمجرّد الإعلان عن علم العمران، انتقل النظر إلى مستوى مختلف نوعياً، وهنا تحديداً تردّدت الآراء كثيراً في وضع هذا العلم بإزاء منظومة العلوم الإنسانية، لا سيما علاقته بعلم الاجتماع الحديث، تأسيساً ريادياً وتمهيداً منهجياً ، أم مجرد إنجاز معرفي معزول مكاناً وزماناً ومنقطع عن مسار تطوّر ذاك العلم ؟ لقد استقرأ ابن خلدون ما كُتب من قبله في الشأن نفسه، واستفرغ جهده تفتيشاً عن دراسات سابقة محتملة تنتمي إليه بشكل أو بآخر، فرأى أن بعض من سبقوه حوّموا حول الفكرة، لكنهم لم ينجحوا في اكتشافها ولا في تنظيمها معرفياً، بل ربما لم يكن هذا ببالهم إطلاقاً . وعليه، كان حريصاً على تأكيد أُبوّته للعلم الجديد، متجاوزاً قضية ضبط علم التاريخ إلى ترسيخ قواعد علم العمران وتسويغه معرفياً.
لكن هل يمكن الركون إلى مسار اكتشاف علم العمران كما أفصح عنه ابن خلدون بوصفه الرواية الرسمية؟ وهل كان هذا العلم وليد إلهام باطني وانكشاف ذاتي كما يدّعي عقب خلوة أشهر في قلعة بني سلامة النائية، بعيداً عن الأمصار، وخزائن الكتب أم هو استلهام من الفقه السياسي الأشعري المنطلق من قراءة وقائع التاريخ الإسلامي قبل تنزيل الأحكام عليها؟ وبالمقابل، هل كانت تجربته العملية في أروقة السلاطين ودسائس القصور وتقلّبات الأزمنة حافزاً للنظر السياسي، فألبس فكرته الجديدة لبوس التاريخ ونقده والاهتمام بتطوير قواعده، فيما كان هدفه الحقيقي ابتداع علم جديد يُحسب له، من خلال تعديل بعض قواعد الفقه السلطاني؟ وما علاقة قواعد السياسة، وأحكام الفقه السلطاني في تمحيص أخبار التاريخ، بل ما علاقتهما بعلم العمران، الذي يدرس أحوال الاجتماع الإنساني، إن لم يكن المقصود تأصيل مفهوم العصبية وربطه بالسياسة الشرعية وفقهها؟ وهل ثمة علاقة تبادلية أو تطوّرية بين مفهوم الشوكة عند الجويني (-478هـ/1058م)، ومفهوم العصبية عند ابن خلدون، وقد قرنهما معاً غالباً لدى إيراد مواصفات الإمام أو السلطان في المقدمة؟ ولماذا أغفل ابن خلدون ذكر كتاب الجويني غياث الأمم في التياث الظُّلم من بين المصادر الرئيسية التي أفاد منها، واكتفى بذكر الماوردي وكتابه الأحكام السلطانية رغم أن الجويني أقرب فكرياً إليه من الماوردي؟
تلك أسئلة منهجية مشروعة باعتبار أن سياق المقدمة لا يشير إلى تسلسل منطقي واضح في الانتقال من حقل بحثي إلى آخر، وثمة طفرة مفاجئة في الرحلة الشاقة والمتعرّجة من الممهدات إلى الاستنتاجات، إذ إنه بعدما قرّر أولاً أن تمييز الأخبار يكون بالاحتكام إلى قواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السِّير والأخلاق والعوائد والنِّحل والمذاهب وسائر الأحوال ، أورد فصولاً في علم الكلام والفقه السلطاني، أي في معنى الخلافة ومذاهب الفرق الإسلامية فيها، وانقلاب الخلافة إلى ملك، وشروط البيعة والخطط الدينية للخلافة .
ولذا، تقوم فرضية البحث على أن ابن خلدون قد استلهم من فقه الأحكام السلطانية عامة، ومن كتاب غياث الأمم لأبي المعالي الجويني خاصة، ليس فقط من أجل استنباط مفهوم العصبية القريب معنى وحكماً من مفهوم الشوكة. بل إنه استعمل الفقه السلطاني ومفهوم الشوكة تحديداً، من أجل تسويغ مفهوم العصبية المذموم إسلامياً، عبر إبدال مفهوم الشوكة بمفهوم العصبية، ثم إدماج الأخير في المنظومة الفقهية، وإسقاط شرط النسب القرشي ابتداء ومآلاً، كيما يصحّح قيام الإمامة أو السلطنة بناء على العصبية القبلية وما في معناها، انتقالاً منه إلى شرعنة علم العمران نفسه، المتمحور حول مفهوم العصبية.
لكن قبل الشروع في البحث، لا بدّ من الإشارة إلى أن الدراسات الخلدونية التي يصعب إحصاؤها من كثرتها وتنوّع مظانّها، والتي تناولت جوانب عدة من المقدمة لا سيما مفهوم العصبية وما تعنيه، قد أغفلت هذا الجانب وهو علاقة علم العمران بالفقه السلطاني، نظراً لاختلاف المجال والمنهج والغاية بين هذين العلمين، ولأن الدراسين لابن خلدون لم يطّلعوا على الأرجح على كتاب الجويني غياث الأمم، ولا طالعوا مفهوم الشوكة ودوره المركزي في نظرية الحكم بحسب المذهب السنّي الأشعري الذي ينتمي إليه صاحب المقدمة. والباحثون القلائل الذين لحظوا إمكانية التأثر بالفقه السلطاني عامة وبالجويني خاصة ، لم تكن استنتاجاتهم وافية بالمطلب الذي يطمح إليه هذا البحث الساعي إلى مزيد الفهم لمقاصد المقدمة وسبر محتواها المعرفي والتاريخي.
أما المنهج المتبع فهو استقراء السيرة الذاتية لابن خلدون كما خطّها هو، لاستنباط الدوافع النفسية التي تقف وراء سعيه لابتداع جديد في منظومة علوم عصره بما يضاهي به ويتفوق على معاصريه، بالتساوق مع رصد الأحداث الكبرى التي عاشها وكان لها تأثير عميق في نظرته السياسية والفقهية. ومن ثَمّ التنقيب عن مؤثرات محتملة في مقدمته، من أدبيات الفقه السلطاني، وتحديداً مما كتبه الجويني، لما تُظهره حركية ابن خلدون في المقدمة من سعي لتعديل صفات الإمام وشرعية السلطة، وما تشير إليه المقارنة بين مفهومي الشوكة والعصبية من تقارب شديد، لا يمكن تسويغه إلا باعتبار أنه إفادة مباشرة من فكر الجويني.
وينقسم هذا البحث إلى ثلاث أقسام، فيتناول الأول الدوافع الشخصية لابن خلدون في إعلان ابتداعه علماً جديداً. ويتطرّق الثاني إلى السيرورات التي اعتمدها لتبرير هذا العلم. فيما يركّز القسم الثالث على المصدر الأساسي الذي استلهم منه ابن خلدون واستعان به لإضفاء الشرعية على مفهوم العصبية خاصة وعلى علم العمران عامة.

أبو الرؤى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس