عرض مشاركة واحدة
قديم 24-07-2009, 02:35 PM   #12
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,771
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

النظرية الثنائية في اللغة


اذا كانت نظرية الأصل الثلاثي في العربية والسامية هي السائدة ،فان هناك من الباحثين اللغويين من يرى أن الأصل في العربية يعود الى الثنائية متأثرين بالنظرية التي تفسر نشأة اللغة الانسانية بمحاكاة أصوات الطبيعة .

حيث نشأت الألفاظ الأولى من صوتين متحرك وآخر ساكن أو ما يسمى بالمقطع الصوتي القصير المغلق ، ثم زيد فيها حرف أو أكثر في صدر الكلمة أو وسطها أو في آخرها.

وقد اهتم علماء اللغة العربية قديما وحديثا بهذه النظرية و تباينت آراؤهم بين مؤيد لها ومعارض ، نذكر منهم الأستاذ محمد المبارك الذي يعتقد بوجود الكثير من الألفاظ التي تشترك في حرفين دون الثالث ، وفي معنى عام يجمعها وينظم مفرداتها . وبذا يتم اكتشاف صلة جديدة بين المجموعات الثلاثية التي تشترك في حرفين من أصولها وفي فكرة كلية تجمعها ، وتتكون بذلك مجموعات ثنائية كبرى . ولتعليل هذه الصلة وضع محمد المبارك عدة احتمالات هي :

أ - يمكن القول أن الأصل في اللغة هو المجموعات الثلاثية فالمادة الأصلية في الحروف العربية تتكون من حروف ثلاث ، ولكن قد يعتري أحد هذه الحروف تبدل صوتي بتوالي الأزمان أو باختلاف القبائل والبيئات ، وبذلك تتكون هذه المجموعات الثنائية ويكون هذا الاشتراك بين المجموعات الثلاثية في حرفين دون ثالث ولكن هذا القول لا يمكن تعميمه.

ب - يرى عدد من الفقهاء قديما وحديثا أن الألفاظ العربية ترجع في منشئها التاريخي القديم إلى أصول ثنائية زيدت حرفا ثالثا في مراحل تطورها التاريخي، وقد جاء هذا الحرف الثالث منوعا للمعنى العام الذي تدل عليه الأصول الثنائية. ويتساءل الأستاذ المبارك عن موقع الحرف الثالث مضافا للحرفين ،والذي يأتي لتنويع المعنى العام وتخصيصه ثم يرد آخذا برأي أكثر الباحثين الذين يعتبرون أن الحرف الأخير هو الحرف المضاف . لكنه يعمد الى الأخذ بالأصل الثلاثي للغة ويعتبر الأصل الثنائي مرحلة تاريخية لم يعد البحث فيها مجديا الا ضمن هذا الاعتبار التاريخي.

أما الأمير مصطفى الشهابي فنجده يؤيد النظرية الثنائية قائلا:" المرجح أن العربية الأولى تكونت مثل غيرها من اللغات، من أصول قليلة ثنائية البناء أي مركبة من حرفين تحاكي الأصوات التي ينطق بها الإنسان البدائي على مقتضى غريزته ثم تعددت الكلم بإضافة حرف أو أكثر الى الأصل الثنائي ..."

أما الدكتور صبحي الصالح فقد تطرق الى الثنائية وعلاقتها بالمناسبة الطبيعية ، بين الثنائية التاريخية والثنائية المعجمية ، مشيرا الى أن الثنائية قد اتخذت في أذهان القائلين بها صورا مختلفة وأشكالا متنوعة فكانت الثنائية التاريخية ذات المقطع الواحد، والثنائية المعجمية ذات المقطع الواحد التي كرر مقطعها بكلا حرفيه فأصبحت رباعية بطريقة المضاعفة والتكرار.

1 ـ الثنائية التاريخية : تعود لدى أكثر القائلين بها الى تفسير نشأة اللغة الانسانية بمحاكاة أصوات الطبيعة ، كتقليد الإنسان أصوات الحيوان ، وأصوات مظاهر الطبيعة ، أو تعبيره عن انفعالاته الخاصة ،أو عن الأفعال التي تحدث عند وقوعها أصواتا معينة . فالكلم وضعت في أول أمرها على هجاء واحد، متحرك فساكن، محاكاة لأصوات الطبيعة ، ثم زيد فيها حرف أو أكثر في الصدر أو القلب ، أو الطرف - فتصرف المتكلمون بها تصرفا يختلف باختلاف البلاد و القبائل و البيئات ، فكان لكل زيادة أو حذف ، أو قلب أو ابدال أو صيغة أو غاية ، أو فكرة دون أختها ثم جاء الاستعمال فأقرها مع الزمن .

ومن علماء العرب من مال الى تقرير هذه الظاهرة اللغوية في نصوص واضحة، كابن جني الذي ينسب هذا الرأي الى بعض العلماء ، ثم يبدي إعجابه به وتقبله له فيقول : " وذهب بعضهم الى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات ، كدوي الريح وحنين الرعد ، وخرير الماء وشحيح الحمار ، ونعيق الغراب ،و صهيل الفرس ونزيب الظبي ، ونحو ذلك ، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد . وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل " ولتوضيح هذا الرأي وتقريره ، عمد ابن جني الى تخصيص باب آخر في كتابه الخصائص عنونه ب: (باب في امساس الألفاظ أشباه المعاني) بين فيه أن المناسبة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله قد تنبه اليها علماء اللغة الأقدمين كالخليل وسيبويه فقال: " اعلم أن هذا موضع شريف لطيف ، وقد نبه عليه الخليل وسيبويه ، وتلقته الجماعة بالقبول له والاعتراف بصحته . قال الخليل : كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدا فقالوا:
صر( بتشديد الراء) .
وتوهموا في صوت البازي قطعا فقالوا صرصر . وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان : أنها تأتي للاضطراب والحركة ، نحو النقزان والغليان ..."


2 ـ الثنائية المعجمية :
لكي يصح القول بالثنائية التاريخية في نشأة اللغة ، كان ينبغي لهذه الثنائية أن تلازم وحدة المقطع المؤلف من صوتين بسيطين فقط .
ويجب علينا عند الاستشهاد بهذه الظاهرة ذكر الكثير من المواد الثلاثية وبعض المواد الرباعية . لكننا نتساءل هنا عن ماهية الرابط المنطقي الذي يلمح بين تلك الصيغ المزيدة وبين أصولها الثنائية في نشأتها الأولى .

إن أصحاب هذا الرأي لا يعجزهم إيجاد ذلك الرابط ، مهما يكن بعيدا موغلا في التكلف ، فقد بدا لهم أن يتقصوا تلك الثنائية وهي تنقل من نطاق التاريخ الى بطون المعاجم ، فرأوها أجدر أن تسمى " ثنائية معجمية " وألفوا في كثير من المواد الثلاثية والرباعية أصولا ثنائية زيد عليها صوت أو أكثر
والتمسوا بين صورتها الأصلية المجردة وصورتها المتطورة المزيدة جامعا معنويا مشتركا، حتى اذا وجدوه اقتنعوا بأن زيادة المادة الصوتية ربما أوحت بفارق معنوي جديد ولكنها غالبا تحتفظ بجوهر المعنى الأصلي القديم .

وقد نبه الأب أنستاس ماري الكرملي الى معرفة حذاق اللغويين العرب المتقدمين لهذه الثنائية المعجمية مستشهدا بعمل الراغب الاصبهاني، حين بنى معجمه على اعتبار المضاعف هجاء واحدا، ولم يبال تكرار حرفه الأخير، فهو عنده من وضع الخيال ، أي اذا ذكر مادة (مد، يمد، مدا) ذكر بأنها مركبة من مادة (مد) أي ميم ودال ساكنة، ولا يعتبرها من الأصل الثلاثي (مدد) ، لهذا يورد (مد) قبل (مدح) .

ولم يكن الأب مرمرجي الدومينيكي أقل حماسة من الكرملي في الدفاع عن هذا المذهب إذ أورد بعض البراهين على سلامة هذه النظرية انطلاقا مما صاغه العلماء من الأفعال المضاعفة والمكررة مستخرجين عناصره الأولية من أسماء الأصوات، ودعاء الحيوانات وزجرها ، وبعض أسماء الأفعال، فهي جميعا ثنائية .

مثال ذلك :
أْف : بمعنى التكره
بخ: بمعنى استعظام الشيء
صه : للسكوت

من هذه الثنائيات صيغت أفعال : إما بتحريك الساكن وتشديده ، واما بتكرير الثنائي ذاته وتحريك الآخر ، فيقال صهصه من صه.

وكل حرف يزاد على الأصل الثنائي ، يجري على قانون التطور اللغوي تتويجا (في أول الكلمة)، أو إقحاما (في وسط الكلمة)، أو تذييلا (في آخر الكلمة ) ، مع بقاء الرابط المفهومي بين الثنائي والثلاثي و تستمر حتى مع الرباعي . إن الحرف الذي يزاد أي الثالث مثلا يكون ذا قيمة تعبيرية ذاتية ، موجه للمعنى الأصلي العام .

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس