روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > قسم الرسائل الجامعية وأخبارها > قسم الرسائل والبحوث الجامعية المنشورة > رسائل في الأدب العربي
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-04-2010, 12:46 AM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي مقومات نقد الشعر العربي أسلوبيا

مقومات نقد الشعر العربي أسلوبيا
عند المرزوقي الاصفهاني
رحمن غرکان عبادی / العراق
************************************************** **********
محتويات البحث:
توطئة .................................................. ...ص 2
*مقومات عمود الشعر الاسلوبية .........................ص3
*المبحث الاول : في المقوم الصوتي ..................... ص6
*المبحث الثاني :في المقوم اللغوي ........................ ص12
*المبحث الثالث :في المقوم التصويري ................... ص21
المصادر والمراجع ........................................ ص35
************************************************** ***********
توطئة :
تؤسس الامم والشعوب عناوينها الحضارية في شتى الحقول المعرفية من خلال تواصلها مع حضارات الامم الاخرى ،اذ ينهض ويتكامل أي حقل معرفي من خلال افادته مما صار اليه العلم عند علماء الامم الاخرى ، لان العلم لا قومية له ، هو ليس حكرا على امة دون اخرى ، هو وعي معرفي مشاع . يتجدد بتلاقح الافكار وتحاور النظريات وتأمل المعطيات والنتائج بين العلماء والمفكرين في الامم الحية ذات العطاء الحضاري المثمر في تغذية البشرية .
وتمثل الحضارة الاسلامية انموذجا في اتجاه تطور العلوم والفنون عبر شيوع تداولها بين علماء الانسانية ، وفي الادب العربي نقرأ حضورا مدهشا لعلماء ومفكرين وادباءمسلمين خدموا اللغة العربية واغنوا الادب العربي وأثروا مظاهره الفنية والموضوعية على نحو لافت للنظر ، على الرغم من انتسابهم لقوميات غير عربية . فلا نقرأ اليوم اللغة والادب العربيين بمعزل عن الجهود العلمية والادبية الهائلة التي قدمها غير العرب ،وربما لم يشهد تاريخ البشرية لغة ازدهرت على نطاق عالمي كبير على امتداد اكثر من الف وخمسمائة سنة بجهود ابنائها وبجهود علماء وادباء من قوميات اخرى على حد سواء كاللغة العربية ، بسبب من عالمية اللغة ، وتكامل الوعي البشري على تعدد اعراقه .
وفي هذا البحث أقرأ عطاء نقديا تجديديا في عصره ، لعالم لغوي ونحوي واديب ناقد هو : أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الاصفهاني ، الذي وصفه المؤرخون بأنه ك ( كان غاية في الذكاء والفطنة ،وحسن التصنيف ، واقامة الحجج ، وحسن الاختيار ،وتصانيفه لا مزيد على حسنها ) (1) وهو من أعلام اصفهان في اللغة والنحو والادب في القرنين الرابع والخامس الهجريين ،اذ توفي سنة (421)للهجرة .(2) ومن مصنفاته المشهورة شرح ديوان الحماسة (3) .
اذ كتب المرزوقي الاصفهاني لشرح الديوان مقدمة لافتة للنظر ، أوجز فيها خلاصة الوعي النقدي في عمود الشعر العربي واضاف اليه ، محددا ابعاده تحديدا أسلوبيا ،ويمثل تحديده الاسلوبي أضافة تجديدية نوعية في النقد الادبي في عصره .فقد نص على عمود الشعر بقوله : ان العرب في قولهم الشعر انما ( كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته ، وجزالة اللفظ واستقامته ،والاصابة في الوصف – ومن اجتماع هذه الاسباب الثلاثة كثرت سوائر الابيات وشوارد الامثال – والمقاربة في التشبيه ،والتحام اجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن ،ومناسبة المستعار منه للمستعار له ، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية ، حتى لا منافرة بينهما ، فهذه سبعة ابواب هي عمود الشعر و لكل باب منها معيار )(4)

فعيار المعنى : العقل الصحيح والفهم الثاقب ،وعيار اللفظ : الطبع والرواية والاستعمال . وعيار الاصابة في الوصف : الذكاء وحس التمييز . وعيار المقاربة في التشبيه : الفطنة وحسن التقدير . وعيار التحام اجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن : الطبع واللسان .وعيار الاستعارة :الذهن والفطنة .وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية : طول الدربة ودوام المدارسة . (5) .
والمرزوقي الاصفهاني قسم عمود الشعر هنا تقسيما اسلوبيا على ثلاثة مستويات هي : مستوى المقوم الصوتي ، ومستوى المقوم اللغوي ، ومستوى المقوم التصويري . ويعنى هذا البحث بدراسة هذا المنحى الاسلوبي التجديدي في نقد الاصفهاني ، من تحديد مقومات عمود الشعر العربي وقد توزع البحث على اربعة محاور هي : الاول بعد هذه التوطئة ، في عرض مفهوم مقومات عمود الشعر الاسلوبية عند الاصفهاني وفي صورتها الموجزة في العصر الحديث . أما الثاني فقد عرض لعناصر المقوم الصوتي / العروضي في نظرية الاصفهاني . فيما عرض الثالث لعناصر المقوم اللغوي / التركيبي . أما الرابع فعرض لعناصر المقوم التصويري / الدلالي . وهو ما سندرسه فيما يأتي :
هوامش التوطئة :
(1) ينظر ، بغية الوعاة ، 1/365 ؛الاعلام ،1/212 ،معجم المؤلفين ،2/ 91
(2) بغية الوعاة ،1/365 .
(3) شرح ديوان الحماسة للمرزوقي الاصفهاني بتحقيق احمد امين وعبد السلام محمد هارون
(4) نفسسسسسسسسسسه ، 1/9 .
(5) نفسسسسسسسسسسه ،1/9-11 .
************************************************** ************
مقومات عمود الشعر الأسلوبية : يبدو أن الانتماءات المرجعية المتنوعة للرؤية الأسلوبية للأدب، وما أفصحت عنه من مسارات مختلفة الطرائق في الفوز ببؤر الهيمنة والتوجيه، داخل الخطاب الإنساني، هي التي سوغت ما نلحظه من خلاف بين المقاربات المتعددة لوضع اليد على السمة الأسلوبية للنص، فإذا نظرت الألسنية إلى أن البنية الأسلوبية في نص ما، تكمن في مدى قدرة ذلك النص على تمثل القاعدة الجمالية المشاعة المشتركة، بما يحول تلك القاعدة إلى مرجعية إبداع وتقييم فنيين في آن معاً، فإن رؤى أخرى توخت وضع اليد على علاقة الأسلوب بعنصر من عناصر إنتاج الرسالة الأدبية، (المرسل + الرسالة + المرسل إليه) مما يشي بطابع الفردية الذي يميز نظرها إلى أسلوب ما، على أنه حصيلة فاعلية فردية توجه غيرها من فاعليات مشاركة في إنتاج نص أدبي ما.
ولعل المقاربة الأسلوبية، وهي تصطفي المرسل وكذا، تعنى بالنص الأدبي من خلاله، إنما كانت تصبو إلى الوقوع على أواصر الانتساب بين اللحظة الجمالية التي حفزت الفاعلية الشعرية على الإبداع، وبين بنية ما أنتج بتأثير من تلك اللحظة، ومدى قدرة الخطاب على التعبير عن أوفر قسط من محفزات تلك اللحظة، وانعكاس ذلك كله أسلوبياً.
أما عندما تنتقل دائرة اهتمامها إلى المرسل إليه، فإنها تضيء البنيات الأسلوبية على أنها محفزات أو منبهات تحمل الذات المتلقية على كشف مناحي الترابط بين الدال والمدلول أو اكتشاف مواطن ارتباط جديدة، يجود بها السياق الأدبي.
ولم تكن إشكاليات الدراسة الأسلوبية للأدب لتقف عند حدود التمييز بين ما هو جماعي وما هو فردي، بل تجاوزت ذلك إلى البحث في العلاقة التي تربط بين البنية الأسلوبية والبنية الفكرية للنص. فهل الأسلوب هو الفكر متلفعاً بعباءة الأدبية؟ وهل هو محتوى أو مدلولات سكبت في أوعية من الدلالات؟ أم هو الفكرة نفسها وقد تأسلبت متحولة إلى انبناء أدبي أكثر منه بناء أدبياً؟
ولعل هذه الأسئلة ونحوها كانت تواجه نظرية الشعرية العربية في عصرها. كما كانت تعبر عن خصوصية سياسة الكلام. تلك التي كانت أشد من الكلام نفسه ([1]).

وإذا صح القول: بأن مفهوم الأسلوب لم يكن غريباً ([2]) عن بيئة الثقافة العربية، لأن تتبع النصوص التي ترجع إلى القرنين، الثالث والرابع، يدل على أن مفهوم الأسلوب اقترب من الوضع الاصطلاحي أكثر من البلاغة نفسها" ([3]) فإن من الممكن الإشارة إلى أن الملامح الأسلوبية التي لهجت بها نظرية عمود الشعر، لم تكن لتلغي ذاتية التجربة الشعرية، وهي تتحدث عن ضرورة الانطلاق من القاعدة الفنية، ذلك أن عمود الشعر "لو لم يكن الصيغة التي اختارها شعراء العربية، لكان في أقل تقدير، هو الصورة التي اتفق عليها النقاد([4]) العرب الذي كانوا أقرب ذاتياً وموضوعياً، إلى قراءة النص الشعري القديم".
على أن المرزوقي في عمود الشعر، قد لاحظ أن أصحاب (نظرية الشكل) أو أنصار النظم يتوزعون في نظرهم النقدي إلى النص الشعري، على ثلاثة مستويات ([5]):
- مستوى يرى النظم، في صفاء التراكيب، والسلامة من الوقوع في الخطأ.
- مستوى يرى النظم في ا لحرص على تتميم المقاطع وتوخي الدقة في تلطيف المطالع، ومراعاة درجة التناسب، بين الفصل والوصل، ثم الإيقاع الحسن بتعادل الأقسام والأوزان.
- مستوى يرى النظم في استثمار أنواع الصور البديعية، من ترصيع وتجنيس، وسواهما أي أن هناك من يعنى بالمستوى الصوتي من خلال صور البديع، وآخر يرى العناية بالبناء التركيبي، في تتميم المقاطع وتلطيف المطالع وسواهما. وهناك من يعنى بالمستوى النحوي الدلالي من خلال صفاء التركيب والسلامة من اللحن.
ولكنه لم يشر إلى مسألتين، غاية في الأهمية، الأولى: "أن كل معنى يمكن التعبير عنه في ثلاثة أنواع من المبنى" ([6])، والمسألة الثانية هي ضرورة توفر المبنى الشعري على هذه المستويات الثلاثة، أو النظر فيه من خلال توفره عليها.
وقد توفرت عناصر عمود الشعر على هذه المستويات (الصوتي، التركيبي، الدلالي) وقصد المرزوقي أن تكشف تلك العناصر طريقة العرب في قول الشعر، من خلال معايير أراد لها أن تكون قواعد للشعر عند دراسة أدوات التعبير الشعري في اللغة، ولم يشأ لها أن يكون الشعر من خلالها شعر قواعد ينبني على دراسة آثار القواعد الشعرية كما تتمثل أثر عمل أدوات التعبير الشعري.
ويبدو أن دراسة أدوات التعبير الشعري التي يستعملها الشاعر ليفرض على المتلقي طريقة تفكيره هي موضوع الأسلوبية ([7]). من جهة أن الأسلوبية "علم يهدف إلى الكشف عن العناصر المميزة التي بها يستطيع المؤلف الباث، مراقبة الإدراك لدى القارئ، المتقبل والتي بها يستطيع أيضاً أن يفرض علينا وجهة نظره في الفهم والإدراك، فالأسلوبية بهذا الاعتبار علم لغوي يعنى بظاهرة حمل الذهن، على فهم معين وإدراك مخصوص" ([8]).
ومن هنا ينظر إلى الأسلوب الشعري على أنه: اختيار واع لأدوات التعبير الشعري ([9]).
وقد اتضح ما كان من تفريق بين الأسلوب والأسلوبية، في كون الأسلوبية "دراسة للتعبير اللساني، أما كلمة أسلوب فهي طريقة للتعبير عن الفكر بوساطة اللغة" ([10])، وبعض الباحثين يرى أن الأسلوب "ذو مدلول لساني ذاتي نسبي، واللاحقة تختص (بالبعد العلماني) العقلي، وبالتالي الموضوعي، ويمكن في كلتا الحالتين تفكيك الدال الاصطلاحي إلى مدلوله، بما يطابق عبارة (علم الأسلوب) لذلك تعرف الأسلوبية أحياناً، بأنها: البحث عن الأسس الموضوعية لإرساء علم الأسلوب" ([11]).
واشتمال عناصر عمود الشعر على مستويات الدرس الأسلوبي الحديث، أهّلها للقراءة الأسلوبية، من جهة أن "اللسانيات النظرية تعني بدراسة الأصوات اللغوية دراسة (فيزيولوجية) وفيزيائية وسمعية ودماغية. كذلك تعنى بدراسة التراكيب اللغوية من حيث، بناء الجملة وبناء الكلمة ورتبتها داخل الجملة، ومن حيث القواعد التي تصوغ الكلام و تضبطه في الوقت نفسه، وتعني اللسانيات النظرية بالدلالة التي تفرزها هذه الأصوات والتراكيب، سواء أكانت دلالة خاصة أم عامة، معروفة ومخزونة في الدماغ أم غير ذلك. وبكلمة دقيقة إنها تعنى ببنية المعنى وكيفية توليده، في اللغة وخارج اللغة وتعنى أيضاً بالقواعد التي تولد المعنى، والضوابط الموضوعة على تلك القواعد" ([12]).

وقد كان اهتمام الألسنيين كبيراً بدراسة الجمل في خلال ثلاثة مستويات:

الصوتي والتركيبي والدلالي، حيث نظروا في المستوى الصوتي من حيث مستوى الوظائف، وإلى المستوى التركيبي من حيث مستوى السرد، وإلى المستوى الدلالي، من حيث مستوى المعنى ([13]).

وتحاول هذه القراءة الأسلوبية لعناصر عمود الشعر، بوصفها مقومات للشعرية العربية، أن تكشف عن المستويات التي حاول عمود الشعر، أن يقرأ القصيدة العربية في ضوئها وأن يوجه المتلقي إلى الاستضاءة بها في إنتاج النص الشعري الحامل لخصوصية أسلوبية تمثل صاحبه.

إن عناصر عمود الشعر ومعاييره لا يمكن النظر إليها على أنها سلفية "تلزم متأخر الشعراء، بعدم الخروج على سنن المتقدمين" ([14]) بحجة أن النقد (الكلاسيكي) كانّ متشدداً في الدعوة إلى الالتزام بما أقره السلف من قواعد في الفنون ومنها الشعر لأن ما كان من حرص الشعراء –على صعيد النص الشعري –على عدم الشذوذ عن سنن السابقين، إنما كان إشارة إلى انطلاق الإبداع الحاضر مما أسسه الآخر السابق أولاً، ثم محاولة المنطلق في أن يؤسس لنفسه خصوصيتها. وهذا ما يشير إليه رأي القدماء في الراعي النميري، من أنه شق طريقاً في قول الشعر كان منفرداً فيه، وكان انفراده سبباً في تقديمه ([15])، لأن المحافظة على سنن السابقين، لا تعني استنساخ أساليبهم، أو عدم التفرد. وهذا ما نلحظه في أجيال الشعراء المتعاقبة، التي يضيف المتأخر فيها جديداً إلى ما قاله المتقدم.

أما على صعيد النقد فقد كان طبيعياً أن يتشدد النقاد في الدعوة إلى احترام سنن الأقدمين من الشعراء، وأن نقرأ نظرات نقدية تنحو هذا المنحى، ولهذا لم يكن دقيقاً ما ذهب إليه إحسان عباس، من أن النقد والشعر قد أصيبا بالجمود من خلال تأكيد النقاد على تلك النظرات النقدية أو عناصر قراءة الشعر عند السابقين، والحرص القائم على عدم التمرد على أساليب الشعر القديم، مشيراً إلى أن الشعر العربي قد أصيب "بالتقليد أولاً عندما خاف اللغويون من تحضر اللغة فاتخذوا من القديم نماذج يحتذيها المحدثون، وثانياً عندما تبلورت نظرية عمود الشعر تبلوراً شديداً، أصيلاً لم يسمح بالثورة عليها" ([16]).

والواقع أن هناك جملة مؤاخذات للنقاد على عمود الشعر منها، إنه يطلب إلى الشعراء أن يسلكوا سبيل من سبقوهم، ولا يشذوا عن سنن الأقدمين، وكذلك رأوا في عناصره قواعد الأنموذج الأرقى للشعر، ثم وجد أن على من أراد التفوق أن ينهج سبيل هذه العناصر ليكون تفوقه بقدر نصيبه منها ثم أنه لم يشر إلى التجربة الشعرية على نحو خاص وتمثيلها للذات الشاعرة.

بدءاً كانت مرحلة النقد التسجيلي، تأخذ باستنساخ الشعر الجاهلي، وتدعو إلى تقليده، بوصفه المحور المركزي للشعر العربي، فهي معنية بتوثيق الأصل، والدعوة له حتى بلغ الأمر حد القول": إن النقد الأدبي لا تنظر له، بالقدر الذي حاز عليه الجمع والترجمة للسابقين إلى الحد الذي استقر عليه العرف الثقافي العربي، على أسس معرفية لفهم الشعر السابق، وقد بلورت تلك الأسس النقد التنظيري الذي قام تأسيساً على مرحلة التسجيل، بادئاً من حيث انتهت، ولما كان نظره إلى مقومات الشعر العربي، أكثر من توثيقه أو تسجيله أو الترجمة للشعراء فقد كان ينظر لفن الشعر من خلال تلك المقومات وهو ما تعارض فيه مع مرحلة التسجيل التي اعتمدت الزمن مقوماً فنياً، كونها انطلقت من التوثيق والترجمة للنص القديم احتفاظاً به مع مرور الزمن، في حين كانت مرحلة التنظير ترى في مقومات عمود الشعر الفنية حضوراً للأنموذجات الفنية العالية الصادرة عن الشعر الجاهلي، ثم ما جاء بعده بدرجة أقل. ولما كانت تلك الأنموذجات التقويمية منطلقة من اللغة أولاً. ومن العرف الثقافي الذي يتأسس على عيار من التلقي الشعري ذي سمات جاهلية، فقد أخذ النص الشعري الجاهلي حظوة كبيرة، من جهة أن لغته أصل، وعلى أساس تلقيه تأسس العرف الثقافي الشعري عند العرب.

ولما كانت مقومات الشعر، كما قال بها التنظير النقدي، قد انطلقت من الشعر الجاهلي، أي من طبيعة تذوق الشعر العربي، فقد صار الشعر المحدث ينطلق مما ترضاه الذائقة المحدثة، أخذاً بنظر الاعتبار عناصر تقييم الشعر، كما استنبطت من قراءة الشعر الجاهلي، وفي هذه المرحلة التي صار فيها النقاد يقاربون بين النص القديم الجاهلي والمحدث لا من جهة قبول الذائقة المحدثة له، لأنها أنتجته، إنما من جهة خضوعه لقياسات المقومات الشعرية المستنبطة من قراءة القصيدة الجاهلية، فصار هناك تمييز بين شعراء قريبين من تمثل تلك المقومات وتمثيلها، وشعراء أحدثوا فيها جديداً. ومحاولات المقاربة النقدية هذه، أدخلت النقد العربي القديم، مرحلة ثالثة، هي مرحلة النقد التطبيقي. ذلك الذي تصدر عنه (القاعدة النقدية) بحكم القاعدة النقدية للشعر أكثر من سواه، تلك القواعد المحكومة بالسياق الحالي والنصي للشعر، ساهمت بقوة في تأسيس مقومات جديدة كانت قريبة من النص المحدث.

وقد بدا أن قراءة مقومات عمود الشعر بوصفها مقولات أسلوبية، من جهة محاولتها قراءة الشعر العربي القديم، أو طريقة العرب في قول الشعر، واضعة لتمييز الأسلوب العربي في الشعر، مقولات أسلوبية يتميز فيها من سواه، وتتضح طرائق القمم الشعرية فيه من سواها، تلك القراءة، تحاول أن تكشف عن مستويات نظر النقد العربي في الشعر خاصة، وإن تلك المستويات قد مثلت الشكل الفني الذي يتخلق فيه المضمون، لذا توزعت مقومات عمود الشعر، بوصفها مقولات أسلوبية، على وفق ثلاثة مقومات: مقوم صوتي، وآخر تركيبي، وثالث دلالي.



ـ المبحث الأول في المقوم الصوتي



عند استقراء مقومات عمود الشعر البنائية، سنقف عند مقولاته الأسلوبية في مستواها الصوتي، في خلال ما جاء في التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، وما كان من مظاهر صوتية في مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية، وهذا كله منطلق من الصلة العضوية بين الشعر والغناء، ومؤسس عليها، فقد كان العرب يزنون الشعر بالغناء ([17])، لأن "الأوزان عندهم قواعد الألحان، والأشعار معايير الأوتار" ([18]) وكتاب الأغاني دال في هذا الاتجاه، وقد قال ابن خلدون: "كان الغناء في الصدر الأول من أجزاء الفن، لأنه تابع للشعر، إذ الغناء إنما هو تلحينه، وكان الكتاب والفضلاء من الخواص يأخذون بأنفسهم به حرصاً على تحصيل أساليب الشعر وفنونه" ([19]) حتى حدد صناعة الشعر بقوله: تلحين الأشعار الموزونة، بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة" ([20]) وفي ضوء هذا الواقع القديم للشعر العربي نظر المحدثون إلى الشعر الجاهلي على أنه نشيد، أي "نشأ مسموعاً لا مقروءاً غناء لا كتابة، كان الصوت في هذا الشعر بمثابة النسم الحي، وكان موسيقى جسدية، كان الكلام وشيئاً آخر يتجاوز الكلام، فهو ينقل الكلام، وما يعجز عن نقله، وبخاصة المكتوب" ([21]).

والواقع أن طبيعة الشعر توكّّد ارتباطه بالغناء والموسيقى، بدليل أن كل نتاجات الأمم الشعرية لم تكن خالية من الموسيقى ([22])، ثم إن كل المحاولات التي دعت إلى التجديد الشعري لم تستطع الإفلات من سطوة الموسيقى وتأثيرها في بنية النص الشعري.

وبعد هذا يمكن القول: أن الشعر العربي نشأ مرتبطاً بالغناء ([23])، إذ أن صرامة العروض العربي تؤكد التصاقه بالموسيقى، والتأكيد على القافية الموحدة التي تعطي الكلام الشعري طابعاً غنائياً، تؤكد هذا، وقد قال ابن رشيق: "كان الكلام كله نثراً، فاحتاجت العرب إلى الغناء، بمكارم أخلاقها وطيب أعراقها، وذكر أيامها الصالحة وأوطانها النازحة.. لتهز أنفسها إلى الكرم، وتدل أبناءها على حسن الشيم فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تم لهم وزنه سموه شعراً، لأنهم شعروا به، أي فطنوا" ([24]).

ويمكن النظر إلى ملامح المستوى الصوتي عند الجاحظ على أنها إرهاصات طيبة في الاقتراب من الأسلوبية الصوتية للنسيج الشعري، في طرحه النقدي في البيان والتبيين إلا أن "الطرح النظري لوظيفة الجانب الصوتي في شموليته باعتباره عنصراً بنائياً في الشعر إنما نجده عند الفلاسفة المسلمين، ومن تأثر بهم في إطار نظرية المحاكاة" ([25])، أما على الصعيد التطبيقي، فيمكن النظر إلى قدامة بن جعفر في (نقد الشعر) على أنه متقدم على غيره، في الإحساس بما يتضمنه الصوت من عمق دلالي مؤثر شعرياً.

وقد أعطت كتب نقد الشعر تطبيقياً وكتب البديع، المقوم الصوتي الحر اهتماماً كبيراً وإن هي "لم تصل بينه وبين المقوم الصوتي المنتظم (الوزن والقافية) ويمكن ملاحظة هذا في أعمال البديعيين بدءاً من أسامة بن منقذ في كتابه (البديع).. لقد صارت أقسام المقوم الصوتي الواحد، وفروعه مثل الترصيع، تقوم باعتبارها مقومات قائمة الذات، فتعقد لها أبواب مستقلة، وانقطع ذلك الخيط بين عناصر المقوم الصوتي الإيقاعي" ([26]).

وفي ضوء ما سبق نفهم قول ابن وهب في البرهان، من أن "ما يسمى به الشعر فائقاً، والذي يكون إذا اجتمع فيه مستحسناً رائقاً، صحة المقابلة، وحسن النظم، وجزالة اللفظ واعتدال الوزن... وأضداد هذه كلها معيبة، تمجها الآذان، وتخرج عن وصف البيان" ([27]).

وهذا التأكيد في المستوى الصوتي في البلاغة العربية، صادر عن كونه مقوماً من مقوماتها الرئيسة، ومنطلقاً شعرياً، حتى كان الترجيع "الذي تقوم عليه كل الموسيقى.. أوضح مظهراً وأبلغ خطورة في موسيقى الألفاظ، ذلك أنه يتصل باللفظ، أي بالإطار الصوتي الذي يمثل الوحدة الدلالية الدنيا، وفي اللفظ تبدأ عملية التفاعل بين الدلالة اللغوية والدلالة السياقية" ([28]) على نحو يكون فيه الصوت المقطوع، وان انقطعت صلته بالدلالة، "بمقتضى عزلة في الإطار الدلالي الأدنى، فإنه بحكم انعقاد صلة جديدة له بأصوات معزولة مثله يكتسب صلة بالمدلولات، أثر ربط هذه الأصوات بعضها ببعض، وربط المعاني بعضها ببعض" ([29]).

وفي سياق دلالات الأصوات، ينبغي الانتباه إلى المحدد الآتي، وهو "أن ليس هناك معان جوهرية للأصوات، ولكن المرسل هو الذي يمنحها إياها بناء على التراكم، وعلى السياق العام والخاص" ([30]) ومن هنا انطلق الباحثون الأسلوبيون من أحد ثلاثة اختيارات "بعضهم يبدأ من المرسل، فيدرس اختياراته، حال ممارسته عملية الإبداع، وبذاك فإن الأسلوب عند هؤلاء هو الاختيار أو الانتقاء.. وبعضهم من المتلقي، لذلك يدرس ردود، الأفعال والاستجابات التي يبديها المتلقي حيال المنبهات الأسلوبية في النص، وينطلق بعضهم من مبدأ عزل المرسل والمتلقي من دراسة الأسلوب، لذلك تراهم ينطلقون من النص ذاته" ([31]). وهذا النظر النقدي في النص الشعري ذاته، يتركز في الإمكانات التعبيرية الكامنة في المادة الصوتية، لأنها تأثيرات صوتية "تظل كامنة في اللغة العادية، حيث تكون دلالة الكلمات التي تتألف منها والظلال الوجدانية لهذه الكلمات بمعزل عن قيم الأصوات نفسها ولكنها تنفجر حيثما يقع التوافق من هذه الناحية، وإذن فثمة مجال– بجانب علم الأصوات بمعناه الدقيق –لعلم أصوات تعبيري" ([32]).

وعلم الأصوات التعبيري، ينظر في أسلوبية الكلام الشعري، في مستواه الصوتي، كونه "أول المنطلقات الأسلوبية التي تلتقي منهجياً بالوصف البلاغي، لصوتية المفردات اللغوية، وأنساقها التعبيرية، وإقرار الأثر الصوتي في تكثيف العلاقة، بين الدال والمدلول وإحداث المتغيرات اللغوية لأداء المعنى... فالصوت يختلف باختلاف ذات الشيء المحدث له" ([33]) وأصوات الألفاظ "دالة على جهات الكلام، كحروف الشيء وجهاته" ([34])، وفي هذا الاتجاه كان اختيار الأسلوبية الصوتية للتكرار المنظم للوحدات الصوتية، نابعاً من نهجها في وصف "صوتية المفردة اللغوية، بوصفها رمزاً دالاً بالمحاكاة، وعلى مستوى التركيب المتسم بالتردد الصوتي المولد للإيقاع المشحون بطاقة السياق الدلالية ([35]) لأن الأسلوبية الصوتية تنطلق من "تصورات موضوعية للأنساق الصوتية التي يعمد الشعراء إلى إشاعتها في قصائدهم" ([36]).

وفي مجال صوتيات التعبير نلحظ الأسلوبية الصوتية تميز بين ثلاثة أشكال صوتية:

الأولى هي الصوتية التمثيلية التي هي الصوائت بوصفها عناصر لغوية موضوعية. الثانية هي الصوتية الندائية أو الانطباعية التي تعنى بدراسة المتغيرات الصوتية الهادفة إلى دراسة التأثير في السامع، والثالثة هي الصوتية التعبيرية التي تعنى بدراسة المتغيرات الصوتية الصادرة عن مزاج أو سلوك عفوي لمتكلم معين ([37])، وفي هذا الإطار فإن الأسلوبية الصوتية "تعتمد على مفهوم المتغيرات الصوتية الأسلوبية وبمقدار ما يكون للغة حرية التصرف ببعض العناصر الصوتية للسلسلة الكلامية، بمقدار ما تستطيع أن تستخدم تلك العناصر لغايات أسلوبية" ([38]) ذلك أن اللغة تمتلك "نسقاً كاملاً من المتغيرات الأسلوبية الصوتية، ويمكن أن نميز من بينها: الآثار الطبيعية للصوت، المحاكاة الطبيعية للصوت، المد، التكرار، الجناس، التناغم،..." ([39])، وفي هذا لا ينظر للصوت منفرداً، أي "ليس الصوت نفسه كشيء منعزل بالتفاصيل العضوية لنطقه ولفظه، وإنما هو الصوت من حيث تميزه عن مجموعة الأصوات الأخرى. ودخوله في تشكيل أنظمتها، ومن هنا، يمكن وضع خصائص لغة ما، لا على أساس الدور الذي تقوم به الحبال الصوتية وسقف الحلق، وإنما على أساس التقابلات الصوتية التي تميز بعض الكلمات عن بعضها الآخر، فكل صوت في لغة ما، يدرس على أنه مجموعة الملامح التي تميزه عن بقية أصوات اللغة نفسها، وتضعه في مكان من جداول القيم الخلاقة في علاقاته بها، وبهذا تصبح بنية الأصوات هي محور الدراسة لا طريقة إنتاجها" ([40]).

ويمكن أن نلحظ هذه المقولات الأسلوبية في مقومات عمود الشعر، ولا سيما تلك التي تخص أسلوبية النص الشعري. فعلى الصعيد الصوتي نجد في، جزالة اللفظ واستقامته حيثيات صوتية، من جهة أن العنصر الصوتي لم يحتل مكان الصدارة، في فصاحة اللفظ المفرد إلا من جهة ما يحققه من خصوصية أسلوبية ولهذا كان ابن سنان حريصاً على تقعيده، في خلال ما اشترطه لفصاحة الألفاظ من خفة اللفظ، وحسن وقعة في السمع، وتجنب الكلمات الكثيرة الحروف، وتجنب العامي الساقط أو السوقي المبتذل، وهو يحبذ التصغير الذي لا يخلو من مزية صوتية وإن كان دلالياً في أساسه ([41]).

أما الجرجاني فقد حاول الاجتهاد في إبراز "عنصر المعنى فيما اعتبره غيره لفظاً خالصاً، وفي هذا الصدد تناول التجنيس، وهو المقوم الصوتي الحر الوحيد الذي آثار انتباهه، مشيراً إلى أن لا مزية له في نفسه، أي باعتباره أصواتاً مسموعة، بل لما يدخله من اعتبارات ووظائف فنية" ([42]).

ويرى أحد الباحثين أن الجرجاني "لم يطرح قضية المعنى كمبدأ متحكم في كل مكونات الفصاحة، ومنها المكون الصوتي، بل إنه جعل الصوت عوضاً لغيره، وجعل حضوره في غيره كافياً لإبعاده، ولو نظر إلى تفاصيل العنصرين: الصوت والدلالة. من دون أن يغمط أحدهما حقه، لكان لنظريته قيمة كبيرة" ([43]). وهذا الملحظ عند الجرجاني سبقته إشارات في عمود الشعر، في باب التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، من جهة أن الوزن يسهم في الشعرية كونه من "الأمور التي تجعل القول مخيلاً" لاتصاله بزمن القول وعدد زمانه "أي أن التخلي عن الوزن الفاعل يجعل القصيدة تخسر مناطق في نفس المتلقي لا يمكن الوصول إليها إلا عبر الوزن" ([44]) ذلك أن القصيدة "بترابطها الشفوي بين التحول الدلالي والإيقاع ومنه الوزن، أقدر على تجسيد ذبذبات الروح" ([45]) فكلما كان الوزن عنصراً دلالياً في النص الشعري، كلما ساعد على تعميق البنية الدلالية، وتزداد قيمته الفنية حين "يلصق فوق خط الاختلاف الدلالي سلاسل من التمثلات الصوتية" ([46]) وفي ضوء هذا القول نفهم إشارة هيجل إلى "أن الشعر يحتاج إلى الوزن أو القافية اللذين يمثلان هالته الحسية الوحيدة، بل يمكن القول أنه يحتاج إليهما، أكثر من حاجته إلى القول المخيل" ([47])، وفي تركيب أجزاء النظم تشكيل موسيقي "يؤثر في النفس البشرية.. يلطف الخلق، ويسهل القياد" ([48]) من قبيل الفصل والوصل كونه "وزناً ما، للكلام، وإن لم يكن وزناً عددياً، فإن ذلك للشعر، وهذا هو الذي يتحدد بمصاريع الأسماع" ([49]) وهذا ما ألمح إليه (كروتشه) من أنه "كلما قمنا بتحليل قطاع من التعبير، وجدنا أنفسنا أمام ظاهرة جمالية، فاللغة نفسها في جميع مظاهرها، إنما هي تعبير خالص، ومن ثم فهي علم جمالي وهي أصوات منظمة مهيأة من أجل التعبير، هذا التصور للغة، إنما هو تصور أسلوبي" ([50]) لأن علم الأسلوب ملتقى لدراسة كل الوسائل التعبيرية والجمالية في آن معاً ([51]).

ونلحظ المقوم الصوتي في قول المرزوقي بـ "التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن "وقد جعل عياره" الطبع واللسان، فلما لم يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده، ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمرا فيه واستهلاه، بلا ملال ولا كلال، فذلك يوشك أن يكون القصيدة منه كالبيت، والبيت كالكلمة، تسالماً لأجزائه وتقارناً.. وإنما قلنا "على تخير من أللذيذ الوزن" لأن لذيذ يطرب الطبع لإيقاعه، ويمازجه بصفائه، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه، واعتدال نظومه" ([52]).

فصحة النظم تتأتى من التحام أجزاء النظم والتئامها، وهذا يولده الاختيار الأمثل للوزن، أي المناسبة، ومن هذا كله تتولد اللذة التي تطمح إليها النفس، فالوزن الجميل والحسن، هو المطلوب، والاختيار تتحكم به الطبيعة النفسية للشاعر والمتلقي معاً، أي أن الشاعر يريد أن يسمع ما يتفاعل مع حالته النفسية، وهذا يؤيده كلام المرزوقي، فالاختيار الذي يقوم على أساس ما يلائم الحالة النفسية، يولد اللذة، ومن هنا كان الخلل في مكونات الشعر، وزناً أم غير وزن، يكشفه الذوق والحس، لأن العروض قد يعرف بالهاجس ([53])، "والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط، إن زاد أو نقص أبانة الوزن" ([54]).

وقد يبدو أن حديثه عن لذيذ الوزن، دعوة على نحو غير مباشر إلى أن يكون الشاعر حراً في اختيار تجربته الإيقاعية، في خلال الألفاظ والصياغات التي تقدمها، ومثل هذا التصور نقرؤه عند الجاحظ في قوله: "أنشدني خلف الأحمر:

وبعضُ قريضِ القوم أولادُ علةٍ





تكد لسانَ الناطقِ المتحفظِ

.... أي إذا الشعر مستكرهاً، وكانت ألفاظ البيت من الشعر، لا يقع بعضها مماثلاً لبعض، كان بينها من التنافر ما بين أبناء العلات. وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضياً موافقاً، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤنة، قال:

وأجود الشعر، ما رأيته: متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغاً واحداً، وسبك سبكاً واحداً، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان" ([55]). وهذا الأمر على صعيد بناء البيت الشعري الواحد وما يصدر عن نظمه من تلوين صوتي يسهم في تكوين ملامح المكون الصوتي وتحديدها.

أي أن المكون الصوتي المتمثل في التئام أجزاء النظم، يعتمد على مشاكلة اللفظ للمعنى في خلق تناسب صوتي متوافق، لا يجعل الجملة هجيناً، بأسلوب تأتي القافية فيه مكونة القمة التي يتصاعد إليها الأداء الإيقاعي الصوتي.

وهنا نفهم مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما، على أنها فهم مستفاد من فهمه للمعنى الذي هو "الغرض المفاد بألفاظ التراكيب، لا المعنى الموضوع له اللفظ، لأن المعنى الموضوع له اللفظ، لا يتصور في اشتراكه، مشاكلة بينه وبين اللفظ الدال عليه، فالمراد أن الغرض تناسبه الألفاظ الموضوعة لمعان حميدة، والغرض الخسيس تناسبه الألفاظ الموضوعة للمعاني الخسيسة" ([56]) وهو ما ذهب إليه الجاحظ بقوله: "إلا إنني أزعم أن سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني، وقد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع وربما أمتع بأكثر من إمتاع الجزل الفخم من الألفاظ، والشريف الكريم من المعاني" ([57]) وهو ما ذهب إليه بشر بن المعتمر حين قال: أن "من أراد معنى كريماً، فليتمس له لفظاً كريماً، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما" ([58]).

وفي ختام البيت الشعري بقافية على نحو متناسب ما يشير إلى عناية العرب بالقافية، تلك العناية التي تكشف عن موقعها في تشكيل الأسلوب الصوتي بوصفها خصيصة أسلوبية.

والقافية بوصفها أصواتاً تتكرر على نحو متناسب في أواخر الأشطر، وتكرارها جزءاً من بنية الموسيقى الشعريّة، فهي فواصل صوتية يتوقع السامع ترديدها، والمتلقي يستمتع بهذا التردد الذي يطرق الآذن في مدد زمنية منتظمة، وبعدد معين من مقاطع ذات نظام خاص يسمى الوزن ([59]).

وعلى هذا النحو تعطي القافية للوزن "بعداً من التناسق والتمائل يضفي عليه طابع الانتظام النفسي والموسيقي والزمني" ([60]) وهذا ما انطلق منه حازم القرطاجني حين عرف القافية على أنها "حوافر الشعر، عليها جريانه واطراده، وهي مواقفه، فإن صمت استقامت حريته وحسنت مواقفه ونهاياته" ([61])، فالقافية أداة إيقاعية تبعث الإيقاع الأصلي للوزن، ذلك الإيقاع الذي يفترض ثباته جزءاً من الشكل الشعري. وقد أولاها النقاد والبلاغيون اهتماماً واشترطوا فيها شروطاً منها: التمكن وصحة الوضع والتمام. مما يجعل موقعها في النفس مؤثراً، بشروط: أن تكون حروف الروي في كل قافية من الشعر حرفاً واحداً بعينه، غير متسامح في إيراد ما يقاربه معه ([62]).

وبلغ أمر العناية بالقافية حد الحرص على التكرار الصوتي الذي لا يتناسب مع طبيعة الشعر كما في لزوميات المعرى، التي تؤكد أهمية الدور الموسيقي إحساساً منه بمدى فاعليتها في خلق الشعرية ([63]).

لأنها تؤدي إلى بنية التوازي التي "يحظى فيها الصوت حتماً بالأسبقية على الدلالة" ([64])، والوظيفة الدلالية التي يؤديها الوزن للقافية تكشف عن "أننا لا نفكر في القيم الصوتية منفصلة عن المعنى بل نفكر في المعنى، من خلال مستويات متعددة، تتجاوب تجاوباً لا يسمح بالتفكير فيها، منفصلة عن غيرها" ([65]).

وهذا كله يحدد شعرية الوزن والقافية في بنية الشعر العربي كونهما يعدان أحد مقومات هذه الشعرية، فهما ركنان في القصيدة "لا يمكن أن يقوم بناؤها إلا عليهما" ([66]) ولا نجد ناقداً عربياً قديماً، نفى أهمية الوزن والقافية عن الشعر، بل أن الوزن عند العرب "أعظم أركان حد الشعر، وأولاها به خصوصية وهو مشتمل على القافية، وجالب لها ضرورة" ([67]).

وقد أشار الفارابي إلى أن الجمهور وكثير من القراء يرون القول شعرياً متى كان موزوناً، مقسوماً بأجزاء، ينطلق بها في أزمنة متساوية، وإذا لم يكن موزوناً بإيقاع فليس يعد شعراً إنما هو قول شعري ([68]). والفارابي يفرق بين الشعر والقول الشعري، على أساس أن الشعر هو قول مخيل موزون، والقول الشعري قول مخيل غير موزون. أما ابن سينا فيرى القول الموزون غير المخيل لنا، إنما هو شعر ناقص، أما القول المخيل الموزون فهو الشعر الكامل، والقول المخيل غير الموزون هو النثر ([69]).

فالوزن بوصفه أحد مقومات الشعرية العربية إنما هو "إبراز أو إحداث لفجوة حادة في طبيعة اللغة، خلق لمسافة توتر عميقة بين المكونات اللغوية العائمة في وجودها العادي خارج الشعر ووجودها داخله، الوزن هو تناول للمادة اللغوية بأبعادها الصوتية" ([70]). أما النظم فهو، حتى في الدراسات الحديثة: خطاب يكرر كلياً أو جزئياً، الصورة الصوتية نفسها متجاوزاً في الواقع حدود الشعر، إلا أن الشعر يستلزم في الوقت نفسه الوظيفة الشعرية ([71]).

واقتضاء اللفظ الشعري للقافية، متصل بما لها من حضور في موسيقى الشعر وكاشف عنه، إذ أنها تطغى على البنية الموسيقية للشعر، لأنها الوقفة التي تبرز عندها النغمة الموسيقية، وأن التوازن الصوتي بين قافية البيت الشعري والبيت الذي يليه تجعل النفس في حضور دائم مع النص الشعري، والغنائية التي تحدثها القافية تولد التواصل الدائم بين المتلقي والنص الشعري.


هوامش المقومات والمبحث الأول

([1]) -الاتجاهات اللسانية المعاصرة ودورها في الدراسات الأسلوبية، مقال، مازن الوعر 138. عالم الفكر، ع3 –4، 1994م.

([2]) -ينظر: البلاغة والأسلوبية، د. محمد عبد المطلب، 117.

([3]) -مبادئ علم الأسلوب العربي، شكري عياد، 15.

([4]) -تاريخ النقد الأدبي عند العرب، إحسان عباس، 405.

([5]) -شرح ديوان الحماسة، 1 /8 –11، وينظر، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، 402 –404.

([6]) -تاريخ النقد الأدبي عند العرب، 404.

([7]) -الأسلوبية والنقد الأدبي، مقال عبد السلام المسدى، 39. الثقافة الأجنبية، ع1، 1982م.

([8]) - المصدر نفسه، 39 –40.

([9]) -الأسلوب والأسلوبية، بيير جيرو، 07.

([10]) -المصدر نفسه، 06 وينظر: البلاغة والأسلوبية، 125.

([11]) -الأسلوبية والأسلوب. المسدى، 30.

([12]) -الاتجاهات اللسانية المعاصرة ودورها في الدراسات الأسلوبية، مازن الوعر، 139.

([13]) -قراء النص، يوسف نوفل، 21.

([14]) -شكل القصيدة العربية في النقد العربي حتى القرن الثامن الهجري، جودت فخر الدين، 89."

([15]) -العمدة، 2 /217.

([16]) -فن الشعر، إحسان عباس، 48.

([17]) -الموشح، 39.

([18]) -العمدة، 1 /9.

([19]) -مقدمة ابن خلدون، 488.

([20]) -مقدمة ابن خلدون، 488.

([21]) -الشعرية العربية، أدونيس، 5.

([22]) -ينظر، مقدمة في النقد الأدبي، الطاهر، 64.

([23]) -عناصر الإبداع في شعر الأعشى، عباس بيومي عجلان، 298، وينظر في الأدب الجاهلي طه حسين، 340.

([24]) -العمدة، 1 /7 –8.

([25]) -الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية، محمد العمري، 38.

([26]) -المرجع نفسه، 36.

([27])-البرهان في وجوه البيان، 139. وينظر، منهاج البلغاء، القرطاجني، 44 –45.

([28])-خصائص الأسلوب في الشوقيات، الطرابلسي، 173.

([29])-خصائص الأسلوب في الشوقيات، الطرابلسي، 59، وينظر، بنية اللغة الشعرية كوهن، 78 –224.

([30])-دينامية النص، محمد مفتاح، 63.

([31])-الأسلوبية الإحصائية، مقال، 53.

([32]) -دليل الدراسات الأسلوبية، جوزيف شريم، 36.

([33]) -الأسلوبية الصوتية، مقال، ماهر مهدي هلال، 70. آفاق عربية، ع كانون الأول، 1992م.

([34]) -سر الفصاحة، 11.

([35]) -الأسلوبية الصوتية، ماهر مهدي، 71.

([36]) -الأسلوبية الصوتية، ماهر مهدي، 74.

([37]) -الأسلوب والأسلوبية، بيير جيرو، 139.

([38]) -المصدر نفسه، 39.

([39]) -المصدر نفسه، 40.

([40]) -نظرية البنائية، صلاح فضل، 115 –116. وينظر: البلاغة والأسلوبية، 145.

([41]) -سر الفصاحة، 109.

([42]) -الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية، 82.

([43]) -المرجع نفسه، 83.

([44]) -عضوية الموسيقى في النص الشعري، عبد الفتاح صالح، 51.

([45]) -المرجع نفسه، 52.

([46]) -الصورة والبناء الشعري، محمد حسن، 10.

([47]) -فن الشعر، هيجل، 75.

([48]) -نظرية الشعر عند العرب، مصطفى الجوزو، 237.

([49]) -الخطابة، أرسطو، 222.

([50]) -علم الأسلوب: مبادؤه وإجراءاته صلاح فضل، 35.

([51]) -المصدر نفسه، 37.

([52]) -شرح ديوان الحماسة، 1 /9 –10.

([53]) -ينظر، رسائل الجاحظ، 2، القيان، 161 –162.

([54]) -رسالة الغفران، 251.

([55]) -البيان والتبيين، 1 /66 –67.

([56]) -شرح المقدمة الأدبية، محمد الطاهر عاشور، 75.

([57]) -البيان والتبيين، 1 /145.

([58]) -المصدر نفسه، 1 /136.

([59]) -موسيقى الشعر، إبراهيم أنيس، 273.

([60]) -الشعرية العربية، أدونيس، 13.

([61]) -منهاج البلغاء، 271.

([62]) -المصدر نفسه، 271 –272.

([63]) -موسيقى الشعر، إبراهيم أنيس، 204.

([64]) -قضايا الشعرية، ياكوبسون، 108.

([65]) -مفهوم الشعرية، جابر عصفور، 267.

([66]) -مقدمة ديوان (نداء القمم)، يوسف خليف، 15.

([67]) -الفن ومذاهبه في الشعر العربي، شوقي ضيف، 78.

([68]) -جوامع الشعر. ملحق بكتاب تلخيص أرسطو طاليس في الشعر، ابن رشد، 172.

([69]) -فن الشعر، أرسطو، تح، عبد الرحمن بدوي، 168.

([70]) -في الشعرية، كمال أبو ديب، 89.

([71]) – بنية اللغة الشعرية ، جان كوهن ، 52





ـ المبحث الثاني: في المقوم التركيبي



يتحقق المستوى التركيبي أو المقوم اللغوي، في عنصرين من عناصر عمود الشعر، إذ يمكن عد حيثيات جزالة اللفظ واستقامته. من ضمن ما يقرأ أسلوبياً في مستوى التركيب، وكذلك شرف المعنى وصحته، ثم التحام أجزاء النظم عند اقترانها ببناء القصيدة عمودياً على مستوى الأبيات، وليس أفقياً فقط، على مستوى البيت الواحد، وما يصدر عنه من أثر إيقاعي أُشيرَ إليه في المستوى الصوتي، وكذلك مشاكلة اللفظ للمعنى واقتضائهما للقافية، من جهة تركيب البيت الشعري، أي الجملة الشعرية، لا من جهة ما يصدر عنها من تلوين صوتي سبقت الإشارة إليه في المقوم الصوتي أولاً.

أخذ المستوى التركيبي بوصفه مقوماً لغوياً أهمية في التراث النقدي، لأنه جعل جل اهتمامه منصباً على الجانب اللغوي للنص الشعري، فاللغة هي الأساس الأول الذي بني عليه النقد العربي. وهي الهاجس الأول لدى المهتمين بحقلي: اللغة والأدب، والشعر كان يمثل –لدى النقاد –وعاء يحفظ اللغة من الفوضى والضياع" فاللغة بهذا المعنى تكاد تؤلف جوهر الشعر، ولا عجب إذن. إن حظيت لدى القدماء بكل عناية واهتمام، حتى لكأن النقد اللغوي هو عمود النقد العربي برمته وكأن غرام العرب بالشعر، إنما كان منصرفاً قبل كل شيء إلى غرامهم بلغته" ([1]).

ومن هنا نقرأ مكونات الشعر وصفاته وقد تركزت في لغته ([2])، وقد نظر النقاد العرب في لغة الشعر من خلال اللفظ والتركيب كونهما مادته.

وقد لخص عمود الشعر الصفات التي يجب أن يتوفر عليها اللفظ في أمرين أو صفتين هما: الجزالة والاستقامة، "فاللفظ في عمود الشعر ينبغي أن يتوفر فيه أمران أو شرطان هما: الجزالة والاستقامة" ([3]).

وقد أطلقت هاتان الصفتان استناداً إلى قوتين سيطرتا على العقلية النقدية وهما:

البيئة والمثال (الأنموذج) فالبيئة لها قوة تأثير وسيطرة على صفة المصطلح النقدي، إذ استمد منها، قوته ووجوده. أما المثال (الأنموذج) فقد أخذت العملية النقدية بالنظر في الأنموذج الجاهلي (الشعر الجاهلي) على أنه القمة الأعلى في فن الشعر، وبسبب الظروف التي نشأ فيها، من صحراء وخشونة أصبح يمثل شعر القوة والبطولة، ألفاظه قوية جزلة "ومرجع هذه القوة والمتانة في اللفظ الجزل، إنه من كلام العرب الفصحاء الذين يرجع إليهم في أمور اللغة فيكون ما ينقل عنهم موضع ثقة وأمان من الزيف والانحراف" ([4]).

فالجزل: الحطب اليابس، وقيل الغليظ، وقيل ما عظم من الحطب ويبس ثم كثر استعماله حتى صار كل ما كثر جزلاً، واللفظ الجزل خلاف الركيك ([5]).

والملاحظ أن الجزالة تدل على القوة والمتانة، فهي تدل على الحطب اليابس الكثير والغليظ، وعلى ما عظم من الحطب ويبس، ثم تطورت الدلالة من خلال الاستعمال. أما الاستقامة فهي الاعتدال. يقال: استقام له الأمر. أي اعتدل، والمتانة والاعتدال صفتان ملازمتان للفظ، يحسن بوجودهما ([6]).

واللفظ بوصفه (النواة الأولى) التي يتشكل عليها البناء الشعري، أخذ حيّزاً من عناية النقاد فأكثروا من صفاته باحثين عن الجانب الجمالي وصولاً إلى تحديد ذروة الحسن، لكن الجمال ظل محكوماً بالتصور المحدود بأنماط المعيشة. ففعل (القول /الشعر) يمثل الجانب المادي الأول في فعلهم الإنتاجي. والشعر ممارسة مادية، أصبحت تشكل لديهم نسغ الحياة، لذا فهم حريصون على تجنب الغريب، والعمل على حفظ الصورة الناصعة للشعر الجاهلي، فهو يمثل اللغة النقدية الخالية من الدخيل، وهو السور الذي يحفظ اللغة من الاختلاط مع ما هو غير عربي، لذا نجد أن كل ما حدث من تليف وتدوين استهدف حفظ النظام المعرفي الأول، والثقافة التي تسورها الفطرة، وكل محاولة للخروج على هذا الذي صار قاعدة تعد خرقاً وتجاوزاً ([7]). على نحو ما كان من شعراء البديع.

واستعمال أبي تمام لنمط جديد في الكتابة الشعرية، يقوم على أساس إعطاء النص الشعري، بما يحمله من لفظ وتركيب، بُعْداً جديداً، لا يقوم على أساس القراءة الأفقية، وإنما على أساس القراءة العمودية (التوليدية) القراءة التي تولد معنى يصل بك لـ (معنى المعنى) ([8]) لكن سائر النقاد تأسس حكمهم على الوضوح، فالكلام الجيد هو ماتصل إلى معناه من دون كد أو أعمال فكر. يقول أبو هلال العسكري: "إن الكلام إذا كان لفظه حلواً عذباً وسلساً سهلا، وسطاً، دخل في جملة الجيد، وجرى مع الرائج النادر" ([9]).

وقد تحددت عيوب اللفظ لديهم في ضوء ما قالوه من شروط أو وضعوه من ضوابط أو معايير، فمن عيوب اللفظ: "أن يكون ملحوناً، وجارياً على غير سبيل الإعراب واللغة،...، وأن يركب الشاعر منه ما ليس يستعمل إلا في الفرط، ولا يتكلم به إلا شاذاً.." ([10]).

ولما كانت الكلمة الواحدة "لا تشجو، ولا تحزن، ولا تتملك قلب السامع، إنما ذلك فيما طال من الكلام، وأمتع سامعيه، بعذوبة مستمعه، ورقة حواشيه" ([11])أي عند التركيب، فقد نظر النقاد العرب إلى التركيب على أساس (التركيب اللغوي) و(التركيب البلاغي) ويقصد بالتركيب اللغوي ما قد يحمله الشعر من تقديم وتأخير، أو أخطاء نحوية وغيرهما. أما التركيب البلاغي فهو ما يحمله الشعر من أساليب بلاغية يعتمد عليها الشاعر، وقد أخذ هذا الجانب حيزاً كبيراً من اهتمام النقاد لأسباب منها:

- إن التمكن من اللغة أو الإحاطة (بتقنيات اللغة) لا يجعل الإنسان شاعراً، بدليل عدم صدور شعر كبير عن علماء اللغة والنحو.

- إن اعتماد الشعراء على الأساليب البلاغية جعل النقاد يبحثون في أصول هذه الأساليب ليضعوا القواعد لها، فقد صار الأسلوب البلاغي محط نظر النقاد، لأنه شكل نمطاً أسلوبياً جديداً في الكتابة الشعرية.

- إن المعنى قد يكون غامضاً ومعقداً، إذا دخل الشعر شيء من الأساليب البلاغية، وقد تقدم أن النقاد، كانوا يسعون إلى وضوح المعنى، لذلك جعلوا للأسلوب البلاغي حدوداً وقواعد، يجب على الشاعر الالتزام بها.

ومفهوم عمود الشعر للمستوى التركيبي بلاغي يتوفر على الوجهين: اللفظ والمعنى، فقد نعت اللفظ بالجزالة والاستقامة، والمعنى بالشرف والصحة، أما اللفظ فقد جعل عياره: الطبع والرواية والاستعمال، وما صدر عن كل هذا ووافقه فهو المستقيم، وخلاف هذا فإن وقوع اللفظة في نسق غير متوافق يجعل "الجملة هجيناً" ويعد الآمدي مثالاً لهذا قول أبي تمام ([12]).

خانَ الصفاء أخٌ، خانَ الزمان أخاً


عنه فلم يَتَخوّن جسمهُ الكمد

إذ عده البلاغيون من الكلام المتعاضل، وما هو بذاك، لأن الشاعر "على المستوى التركيبي صاغ نسقاً جعل فيه لفظة (أخ) فاعلاً في حال، ومفعولاً به في حالة أخرى وذلك ما اقتضى هذا التداخل البنائي في السياق، لقد كان هم أبي تمام أن يجعل البنية مترابطة دلالياً لتوليد المعنى، ولم يكن همه الوضوح، لذلك كان البيت خارج عمود الشعر، ولكنه في القياس المقابل، يعد متغيراً أسلوبياً، في مفهوم الاستقامة المجرد" ([13]).

على أن مؤاخذات القدماء على هذا البيت وما شاكله، إنما صدرت عن مفهوم لجزالة اللفظ واستقامته، ذلك المفهوم الذي يشترط في اللفظ أن يكون: "رشيقاً عذباً، وفخماً سهلاً" ([14])وقد دعا الجاحظ في هذا المفهوم إلى عدم تنافر الحروف بالشكل الذي تصعب فيه على المنشد عند الإنشاد ([15]) كما قال بضرورة الابتعاد عن العامي والساقط والسوقي والوحشي من الألفاظ، لأن هذه الصفات تتعارض مع جزالة اللفظ واستقامته ([16])، على أن بعض النقاد القدماء يجمع بين جزالة الألفاظ واستقامتها ([17]).

وقد بدا المرزوقي ومن أشار قبله لهذا الأمر، باحثاً عن اللفظ الذي يشكل بانضمامه إلى غيره سياقاً شعرياً يتسم بالتوازن والتوافق، في خلال تجانسه مع قرائنه من الألفاظ على نحو فني.

أما رأيه في شرف المعنى وصحته، فقد كان أخذاً بما تواضع عليه العرف بدءاً من بشر بن المعتمر، حين اشترط في المعنى أن يكون "طاهراً مكشوفاً، وقريباً معروفاً، أما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وأما عند العامة إن كنت للعامة أردت، والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضح بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال" ([18]).

فالمعنى عند بشر متصف بثلاث صفات هي: الصواب أو الصحة ثم النفع أو الفائدة ثم المطابقة لمقتضى الحال.

والمرزوقي لم يخرج على الآمدي أو الجرجاني اللذين قالا بضرورة تناسب اللفظ والمعنى في الخطاب الشعري، فقد قال الآمدي "ينبغي أن تعلم أن سوء التأليف، ورداءة اللفظ، يذهب بطلاوة المعنى الدقيق، ويفسده ويعميه، حتى يحوج مستمعه إلى طول تأمل، وهذا مذهب أبي تمام في معظم شعره.. وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاء وحسناً ورونقاً.. وهذا مذهب البحتري.. وإذا جاء لطيف المعاني في غير بلاغة ولا سبك جيد، ولا لفظ حسن، كان ذلك مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق أو نفث العبير على خد الجارية القبيحة الوجه" ([19]).

وينحو عبد العزيز الجرجاني هذا المنحى في ضرورة تناسب اللفظ والمعنى في الخطاب الشعري، إذ قال: "أقل الناس حظاً في هذه الصناعة (يعني صناعة الشعر) من إقتصر في اختياره ونفيه، وفي استجادته واستسقاطه على سلامة الوزن وإقامة الأعراب، وأداء اللغة ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها، ولا يستنير ما بينها من نسب، ولا يمتحن ما يجتمعان فيه من سبب، ولا يرى اللفظ إلا ما أدى إليه المعنى، ولا الكلام إلا ما صور له الغرض" ([20]).

ولعل أوضح فهم لعملية الربط بين اللفظ والمعنى، هو ما كان عند الجاحظ أولاً، ثم ما قال به عبد القاهر الجرجاني بعد ذلك في نظرية النظم.

أما الجاحظ في (نظرية المعاني المطروحة) فلم يذهب –حين قال "المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير" ([21]) -إلى الفصل بين اللفظ والمعنى أو تقديم إحداهما على الآخر، بدليل قوله أيضاً: "والاسم بلا معنى لغوي، كالظرف الخالي، والاسم في معنى الأبدان، والمعاني في معنى الأرواح: اللفظ للمعنى بدن، والمعنى للفظ روح" ([22]) وهذا يشير إلى عدم تصور أن من يرى صلة اللفظ بالمعنى هي صلة الجسد بالروح يمكن أن يتصور بينهما ممكناً، أو تفضيل أحدهما معقولاً، هذا يشير إلى أن براعة الشاعر، لا تتمثل في استخدامه الألفاظ دون المعاني، ولا يصح العكس. ثم إن اللفظ عند الجاحظ "لا يعني اللفظ المفرد، بل ما ينتظم بالألفاظ من العبارات، شعراً أو نثراً، الشيء الذي يجعل منه الملهم لـ (نظرية النظم) التي شهدها الجرجاني" ([23])، وهذا ما يكشف عن رأى الجاحظ بقوله في الشعر الجيد، إنه: "ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغاً واحداً، وسبك سبكاً واحداً، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان"([24]).

ومن هنا نفهم رأيه في لغة الشعر، كما تتمثل بقول الشاعر ([25]):

لا تحسبنَ الموتَ موتُ البلى





فإنما الموتُ سؤالُ الرجالْ

كلاهما موتٌ، ولكن ذا





أفظع من ذاك لذل السؤالْ

إذ قال: أنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعراً أبداً".

والواقع أن الجاحظ في رأيه هذا ليس اتباعياً، إنما كان أصيلاً، إذ ألغى مبدءاً مهما ترتكز عليه الثقافة النقدية، وهو الوضوح والسهولة، فهو لا يرضى من الشعر أن يكون سهلاً واضحاً لتحقيق (شعرية النص) وإنما يريد من الشعر أن يكون باعثاً إلى الإدهاش الذي يتحقق بالابتعاد عما هو مألوف، ومتعارف عليه، فبالغرابة تتحقق (شعرية النص) إذ أن "الناس موكلون بتعظيم الغريب واستطراف البعيد، وليس لهم في الموجود الراهن، وفيما تحت قدرتهم من الرؤى والهوى، مثل الذي لهم في الغريب القليل، وفي النادر الشاذ" ([26]).

ولا شك في أن البيتين (لا تحسبن الموت موت البلى..) هما من الشعر الجيد، إذا ما قيسا على أساس (عمود الشعر) إذ يتوفران على جزالة في الألفاظ، وصحة في المعنى وشرف ظاهر في البعد الأخلاقي الذي يهدفان إلى تعبيره شعرياً. لكن الجاحظ ينفي أن يكونا من الشعر في شيء، والسبب أنه نظر إليهما من جهة اللغة الشعرية، فلغة البيتين لم تكن شعرية، لأنها لا تحمل من مقومات الشعرية سوى الوزن والقافية.

ونظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني قد قامت أيضاً على التآزر التام بين اللفظ والمعنى، ذلك التآزر المتناسب الذي يحتم بتبعية إحدهما للآخر من دون ترجيح أيهما أولى لأن أياً منهما لا يقوم من دون الآخر. إذ أشار إلى أن "الألفاظ لا تنفك عن المعاني، وأنه من الخطأ تصور بلاغة أو فصاحة في اللفظ، من حيث هو لفظ أي صوت مسموع، ليربط بين اللفظ والمعنى في الشعر ربطاً محكماً، إذ جعلهما، بمنزلة المادة والصورة وبمنزلة الروح والجسد" ([27])، أي إنه قال بكون الجمال "ليس في اللفظ ولا في المعنى وإنما في نظم الكلام" ([28]).

وقد أوضح عبد القاهر هذا في أجلى صورة حين قال: "أن المزية التي من أجلها استحق اللفظ الوصف بأنه فصيح، عائد في الحقيقة إلى معناه، ولو قيل: أنها تكون فيه دون معناه، لكان ينبغي، إذا قلنا في اللفظة، أنها فصيحة، وأن الفصاحة واجبة لها بكل حال، ومعلوم أن الأمر بخلاف ذلك، فإنا نرى اللفظة في غاية الفصاحة في موضع، ونراها بعينها، فيما لا يحصى من المواضع، وليس فيها من الفصاحة قليل ولا كثير.. وجملة الأمر هنا إنّا لا نوجب الفصاحة للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكننا نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلقاً معناها بما يليها" ([29])، ثم يستشهد على هذا بقوله تعالى ([30]):

"واشتعل الرأس شيباً" فيذهب إلى أن "اشتعل" في أعلى مرتبة من الفصاحة التي لم توجب لها وحدها، لكن موصولاً بها "الرأس" معرفاً بالألف واللام، ومقروناً إليها الشيب منكراً منصوباً ([31]).

أما وحدة النص الشعري فلم ينظر إليها عمود الشعر، إلا في حدود الجملة الشعرية، أو البيت الشعري، ولعل أوضح مفهوم لهذا ما نلحظه عند الجرجاني، إذ نظر إلى الوحدة في حدود الجملة، أي ائتلاف النظم أو التركيب في حدود الجملة، والأمر هنا راجع إلى سببين رئيسين:

الأول: "أن الوحدة التي تنتقض إذا نقض جزء واحد أو غيره، هذه الوحدة، لم توجد قط في القصيدة العربية، فلم يكن أمام الجرجاني من نماذج تعينه على فهم الوحدة في نطاق أوسع من هذا المجال، والسبب الثاني: هو أن النحو –الذي أسهم في فكرة النظم بنصيب كبير –لم ينظر في القصيدة أو المقطوعة وإنما نظر في الجملة" ([32]).

والواقع أن الوحدة في القصيدة العربية ليست وحدة تكامل عضوي، إنما هي وحدة تسلسل موضوعي، إذ أن الشعراء العرب، كانوا أميل إلى أن تكون الوحدة في البيت، وليس في القصيدة مجتمعة، وقد تطورت القصيدة العربية في هذا الاتجاه مع الشعراء" المحدثين إلى نوع من ترابط الأجزاء" ([33]).

وقد أشار عبد العزيز الجرجاني إلى ترتيب القصيدة أو التئام أجزاء نظمها من خلال العناية بالاستهلال وحسن التخلص ثم براعة الخاتمة، أي إلى براعة الشاعر في إظهار القصيدة متلاحمة الأجزاء، إذ الشاعر الحاذق عنده هو من "يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص، وبعدهما الخاتمة، فإنها المواقف التي تستعطف أسماع الحضور وتستميلهم إلى الإصغاء ولم تكن الأوائل تخصها بفضل مراعاة، وقد احتذى البحتري على مثالهم إلا في الاستهلال، فإنه عني به فاتفقت عليه له فيه محاسن، أما أبو تمام والمتنبي فقد ذهبا في التخلص كل مذهب، واهتما به كل اهتمام، واتفق للمتنبي فيه خاصة، ما بلغ المراد، وأحسن وزاد" ([34]).

والجرجاني في هذا ناظر إلى إشارات التحام أجزاء النظم والتئامها على صعيد بناء القصيدة عند الجاحظ ولا سيما في روايته، أن عبيد الله بن سالم قال لرؤبة: "مت يا أبا الجحاف إذا شئت. قال: وكيف ذاك؟ قال رأيت عقبة بن رؤبة ينشد شعراً له أعجبني قال: إنه يقول ولكن ليس لقوله قران... يريد بقوله: قران، التشابه والموافقة.

وقال عمرو بن لجأ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك!! قال: وبم ذاك؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه" ([35]).

ويبدو أن مفهوم "القران" يتجاوز التئام أجزاء البيت الواحد ليشكل خطوة متقدمة في محاولة الوصول إلى وحدة القصيدة، ويمكن النظر في أقوال القدماء من قبيل: "صحة النسق والنظم" أو "اتساق النظم" على أنها تشكل لبنات في سياق التحام أجزاء النظم.

إذ يعرف ثعلب اتساق النظم: بأنه "ما طاب فريضة، وسلم من السناد، والإقواء، والإكفاء، والإجازة والإيطاء، وغير ذلك من عيوب الشعر" ([36]).

وتعني صحة النسق والنظم عند ابن سنان "أن يستمر الشاعر في المعنى الواحد وإذا أراد أن يستأنف معنى آخر، أحسن التخلص إليه حتى يكون متعلقاً بالأول وغير منقطع عنه. ومن هذا الباب خروج الشعراء من النسيب إلى المدح، فإن المحدثين أجادوا التخلص حتى صار كلامهم في النسيب متعلقاً بكلامهم في المدح، لا ينقطع. فأما العرب المتقدمون فلم يكونوا يسلكون هذه الطريقة وإنما كان أكثر خروجهم من النسيب، إما منقطعاً وإما مبنياً على وصف الإبل التي ساروا إلى الممدوح عليها" ([37]).

وهذه الأقوال في باب التئام أجزاء النظم في البيت الشعري، أي في السياق النصي للجملة الشعرية، أما رأيهم في وحدة القصيدة فلا يتجاوز التأكيد على التسلسل الموضوعي لموضوعات القصيدة، وذكاء الشاعر وفطنته في إبراز تناسبها بدءاً من المطلع وموضوعات المقدمة ثم حسن التخلص إلى الغرض الرئيس حتى الخاتمة. أما القصائد الخالية من المقدمة المبنية على غرض واحد فينظرون إلى تناسب موضوعات الغرض الواحد في خلال قدرة الشاعر على إظهار تناسبها فنياً.

على أن الآراء التي تكشف عن وجهة نطر النقاد العرب القدماء في وحدة القصيدة العربية، بشكل ينم عن فهم لطبيعة الشعرية العربية، يمكن أن نلحظها بوضوح عند: ابن طباطبا العلوي في عيار الشعر ثم الحاتمي في حلية المحاضرة ثم ابن رشيق في العمدة ثم عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز ثم حازم القرطاجني في منهاج البلغاء.

وسأوجز إشارات هؤلاء التي تكشف عن آرائهم في وحدة القصيدة العربية لملاحظة مدى صدور المرزوقي في عناصر العمود عن الآراء التي سبقته، ثم أثره في من جاء بعده، فيما يخص وحدة القصيدة.

أما ابن طباطبا العلوي فقد قال في عيار الشعر، أنه "ينبغي على الشاعر أن يتأمل تأليف شعره، وتنسيق أبياته، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه، فيلائم بينهما، لتنتظم له معانيها، ويتصل كلامه فيها، ولا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه أو بين تمامه فصلاً من حشو ليس من جنس ما هو فيه، فينسى السامع المعنى الذي يسوق القول إليه، كما أنه يحترز من ذلك في كل بيت.

فلا يباعد كلمة عن أختها، ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها وينتقد كل مصراع، هل يشاكل ما قبله؟ فربما اتفق للشاعر بيتان يضع مصراع كل واحد منهما في موضع الآخر، فلا يتنبه على ذاك إلا من دق نظره ولطف فهمه" ([38]).

أي أن مفهوم الوحدة عند ابن طباطبا قائم على الربط بين أجزاء القصيدة، ومراعاة دقة الملائمة الفنية بينها في خلال العناية بالصياغة ونسيج القصيدة.

أما الحاتمي في حلية المحاضرة فقد قال بضرورة تناسب أجزاء القصيدة في خلال اشتمالها على وحدة موضوعية، بالشكل الذي تكون فيه كأعضاء جسم الإنسان، إذا اعترى أحد خلل، اختل كالجسد كله، إذ قال: أن من حكم السبب الذي يفتتح الشاعر به كلامه أن يكون ممزوجاً بما بعده، من مدح أو ذم، متصلاً به غير منفصل منه "فإن القصيدة مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر أو بايَنَه في صحة التركيب، غادر بالجسم عاهة تتخون محاسنه، وتعفي معالم جماله، وقد وجدت حذاق الشعراء وأرباب الصناعة من المحدثين، محترسين من مثل هذا الحال احتراساً يجنبهم شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان حتى يقع الاتصال، ويؤمن الانفصال، وتأتي القصيدة في تناسب صدورها واعجازها، وانتظام نسيبها بمديحها، كالرسالة البليغة، والخطبة الموجزة، لا ينفصل جزء منها عن جزء" ([39]).

بدا الحاتمي حريصاً، في إشارته إلى حسن التخلص في خلال رسم الطريقة المثلى التي تحققه، وقد كان في تشبيهه و حدة القصيدة بالإنسان في تناسب اتصال أعضاء جسمه مع بعضها، مدلاً بوضوح على مفهوم الوحدة العضوية أكثر من صاحب العيار، إلا أنه خارج سياق هذا التشبيه، يبدو متحدثاً عن أهمية وصل أجزاء القصيدة بأسلوب متناسب، يؤدي إلى عدم تفككها.

أما ابن رشيق فقد نهج سبيل القدماء في النظر إلى الوحدة كما تتمثل في البيت الشعري، إلا أنه استثنى الشعر القائم على السرد القصصي، لأن الوحدة فيه جزء من بنيته الموضوعية، إذ قال: "ومن الناس من يستحسن الشعر مبنياً بعضه على بعض، وأنا استحسن كل بيت قائماً بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله، ولا إلى ما بعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير إلا في مواضع معروفة، مثل الحكايات، وما شاكلها فإن بناء اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة السرد"([40]).

يتضح مفهوم الوحدة عند عبد القاهر الجرجاني على نحو واضح، ولكن على صعيد البيت الشعري، وليس في القصيدة كاملة، انطلاقاً مما قال به ابن طبابا وابن سنان والحاتمي إذ قال: "أعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرته أنه لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض، سبيل من عمد إلى لاليء فخرطها في سلك لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرق، وكمن نضد أشياء بعضها على بعض لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه هيئة أو صورة بل ليس إلا أن تكون مجموعة في رأى العين، وذلك إذا كان معناك معنى لا يحتاج أن تضع فيه شيئاً غير أن تعطف لفظاً على مثله" ([41]).

ويذكر في (أسرار البلاغة) المفهوم نفسه إذ يقول: "وليس إذا كان الكلام في غاية البيان، وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح، أغناك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفاً، فإن المعاني الشريفة اللطيفة، لا بد فيها من بناء ثان على أول، ورد تال إلى سابق" ([42]).

أي أن مفهوم الوحدة عند عبد القاهر خاص بكيفية ترابط موضوعات القصيدة الواحدة على نحو متسلسل متناسب، وأن "أقصى ما يصل إليه إدراكه للوحدة لا يتعدى ما يربط بين مجموعات الأبيات التي تدور حول فكرة واحدة"([43]).

أما حازم القرطاجني فيمكن أن يعد "أول ناقد عربي قديم يتحدث عن الوحدة في القصيدة كاملة، لا في الجملة والعبارة أو البيت والبيتين، وأول ناقد يكون التحام الأجزاء والتئامها عنده في القصيدة كلها، وهذا خروج على قاعدة من قواعد الشعر العربي" ([44]) وقد كان لتأثره بمفهوم أرسطو طاليس للوحدة أثر واضح، حاول قراءة الشعر العربي من خلاله. على أنه في بعض أقواله يفترض في الشعر أن يكون مشتملاً على وحدة منطقية يتسلسل فيها بناء القصيدة، ليس على نحو متكامل، إنما على نحو منطقي إذ يقول: "إن الحذاق من الشعراء.. لما وجدوا النفوس تسأم التمادي على حال واحدة. وتؤثر الانتقال من حال إلى حال، ووجدوها تستريح إلى استئناف الأمر بعد الأمر، واستجادة الشيء بعد الشيء، ووجدوها تنفر من الشيء الذي لم يتناه في الكثرة، إذا أخذ مأخذاً واحداً ساذجاً، ولم يتحيل فيما يستجد نشاط النفس لقبوله بتنويعه والافتتان في أنحاء الاعتماد به، وتسكن إلى الشيء وإن كان متناهياً في الكثرة، إذا أخذه من شتى مآخذه التي من شأنها أن يخرج الكلام بها في معاريض مختلفة.. اعتمدوا في القصائد أن يقسموا الكلام فيها إلى فصول ينحو بكل فصل منها منحى من المقاصد، ليكون للنفس في فسحة الكلام إلى تلك الفصول، والميل بالأقاويل فيها على جهات شتى من المقاصد، وأنحاء شتى من المآخذ، استراحة واستجداد نشاط، بانتقالها من بعض الفصول إلى بعض، وترامي الكلام بها إلى أنحاء مختلفة من المقاصد، فالراحة حاصلة بها لافتتان الكلام في شتى مذاهبه المعنوية، وضروب مبانيه النظمية. واعتنوا باستفتاحات الفصول، وجهدوا أن يهيئوها بهيئات تحسن بها مواقعها من النفوس، وتوقظ نشاطها لتلقي ما يتبعها ويتصل بها، وصدورها بالأقاويل الدالة على الهيئات التي من شأن النفوس، أن تتهيأ بها عند الانفعال" ([45]).

إذ يكشف لنا هذا النص أن القرطاجني لا يرى القصيدة العربية مشتملة على وحدة عضوية ولا على وحدة عضوية تكاملية، إنما هي مبنية بناء فنياً متسلسلاً على نحو لا يبدو عليه التفكك في ترتيب موضوعات القصيدة، وهو ما يجعله قريباً من آراء النقاد العرب الذين سبقوه، على الرغم من تفوقه عليهم في التنظير لهذا الأمر، بتأثير المنهج الأرسطي في هذا الاتجاه.

ثم يبين ملامح رأيه في خلال تطبيق نقدي عن تماسك بناء القصيدة الفني، اتخذ فيه من قصيدة المتنبي "أغالب فيك الشوق" أنموذجاً تطبيقياً، ليتحدث عما يجب مراعاة اعتماده تطبيقياً في رؤوس الفصول، فيأخذ بذكر القصيدة بدءاً من طالعها ([46]):

أغالبُ فيكَ الشوقَ، والشوقُ أغلبُ





وأعجبُ من ذا الهجر والوصلُ أعجبُ

إذ يقول: "ضمن هذا البيت من الفصل الأول، تعجيب من الهجر الذي لا يعقبه وصل، ثم أكد التعجيب في البيت الثاني الذي هو تتمه الفصل الأول، ثم ذكر من لجاج الأيام في، بعد الأحباء، وقرب الأعداء، فكان مناسباً لما ذكر في الهجر" ([47]).

فجاء البيت الثاني:

أما تغلطُ الأيام فيَّ بأن أرى





بغيضاً تُنائي أو حبيباً تُقربُ

ثم أخذ في الفصل الثاني بالتعجب من قرب البعاد، وسرعة سيره قائلاً:

ولله سيري ما أقلَّ تإيةً





عشيَّة شرقيّ الحدالي وغرّبُ

إذا جاء الاستفتاح مناسباً للبيتين السابقين، كونه ذكر التعجب والرحيل ثم هو يقول: بأنه "استفتح الفصل الثالث بتذكير العهود الساردة، وتعديدها فقال:

وكم لظلامِ الليل عندكَ من يدٍ





تخبّرُ أنّ المانويةَ تكذبُ

وفيه مناسبة لمفتتح الفصل الثاني من جهة ذكر موطن الفراق أو النأي ثم أعقبه بالوصل والقرب، في أول الفصل الثالث، وعلى هذا النحو يستعرض حازم فهمه لوحدة قصيدة المتنبي، إلى أن يقول: "فعلى هذا النحو يجب أن تكون المآخذ في استفتاحات الفصول ووضع بعضها من بعض، وهذا الفن من الصناعة ركن عظيم، من أركان الصناعة النظمية، لا يسمو إليه من قويت مادته، وفاق طبعه" ([48]).

وقد كان هذا النقد التطبيقي عند حازم القرطاجني الذي قدم فيه النوع المتصل الغرض دون العبارة، هو ما بعث شكري عياد على القول: بأن حازماً كان "يحاول أن يوفق بين "الوحدة التسلسلية" التي يريد أن يجعلها قانوناً شعرياً، وبين الميل المأثور عند الشعراء والنقاد العرب إلى جعل البيت الواحد لا القصيدة مجتمعة وحدة الشعر، إنه يحاول التوفيق بين هذين الميلين حين يجعل، "اتصال الغرض دون العبارة" أجود أنواع الاتصال بين فصول القصيدة، ثم هو يستحسن مذهب المتنبي في المناسبة بين الفصول، والإبداع في الأبيات الأولى، إبداعاً ينبه إلى أنها تبدأ فصولاً جديدة" ([49]).

وقد ذهب جابر عصفور إلى هذا الفهم حين قال: إن مفهوم الوحدة عند حازم هو "وحدة التسلسل" تلك الوحدة " التقليدية التي يفضي فيها موضوع إلى آخر، أو يفضي فيها غرض إلى آخر، بعلاقة شكلية هي "التخلص والاستطراد" بحيث تتركب القصيدة –في النهاية –من أقسام أساسية، يصل ما بينها تلطف في الانتقال من قسم إلى قسم، وبحيث يتركب كل قسم من مجموعة من "الفصول" تطول أو تقصر، لكنها تتسلسل في تدرج حتى يكتمل الغرض فيكتمل القسم، ثم توصل وصل تخلص، بالغرض التالي، حتى نصل إلى الخاتمة" ([50]).

من خلال ما سبق ذكره، نخلص إلى أن، وحدة البيت الشعري هي ما كان محور الدرس والنظر النقدي، عند النقاد العرب القدماء، والتحام أجزاء النظم والتئامها خاص بالبيت الشعري لا القصيدة، وهو ما يكشف عن عنايتهم بنظام البيت، لغة ووزناً وموسيقى ونظرهم إلى بناء القصيدة، ومدى تماسك ذلك البناء لم يكن في خلال فهم مخصوص لوحدة عضوية أو موضوعية، إنما كان في تماسك موضوعات القصيدة، بدءاً من المطلع فالمقدمة فحسن التخلص ثم العرض فالخاتمة، ومراعاة ترتيب الفصول في ذلك، على نحو يوحي بتماسك بناء موضوعات القصيدة، بشكل متسلسل غير مفكك.




هوامش المبحث الثاني



([1]) -لغة الشعر الحديث في العراق، عدنان حسين، 9.

([2]) -اللغة الشعرية في الخطاب النقدي العربي، محمد رضا، 25.

([3])-عمود الشعر، وليد قصاب، 95.

([4])-عمود الشعر، و ليد قصاب، 198.

([5])-ينظر، لسان العرب، مادة (جزل).

([6])-ينظر، لسان العرب، مادة (قوم). وينظر، جرس الألفاظ و دلالتها في البحث البلاغي 126 –151.

([7])-ينظر، صفات الشعر في النقد الأدبي عند العرب في العصر العباسي، رسالة ماجستير، على حسين، 24 –25.

([8])-ينظر، دلائل الإعجاز، 263.

([9])-الصناعتين، 59.

([10])-نقد الشعر، 172.

([11])-الخصائص، ابن جني، 1 /28.

([12]) -الديوان، 1 /127، وينظر، الموازنة، 1 /259.

([13]) -مقومات عمود الشعر البنائية، ماهر مهدي هلال، بحث مخطوط، 10 –11.

([14]) -البيان والتبيين، 1 /136.

([15]) -المصدر نفسه، 1 /65.

([16]) -المصدر نفسه، 1/144، وينظر، صبح الأعشى، 2 /206.

([17]) -شرح المقدمة الأدبية، محمد الطاهر عاشور، 63.

([18]) -البيان والتبيين، 1 /136.

([19]) -الموازنة، 1 /381.

([20]) -الوساطة، 413.

([21]) -الحيوان، 1 /131 –132.

([22]) -المصدر نفسه، 1 /134.

([23]) -بنية العقل العربي، الجابري، 79.

([24]) -البيان والتبيين، 1 /67.

([25]) -الحيوان، 3 :130.

([26]) -البيان والتبيين، 1 /90.

([27]) -كتاب أرسطو طاليس في الشعر، شكري عياد، 252.

([28]) -البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر –مقدمة نقد النثر، طه حسين، 30.

([29]) -دلائل الإعجاز، 170 –171.

([30]) -سورة مريم، أية 4.

([31]) -دلائل الإعجاز، 261 –262.

([32]) -كتاب أرسطو طاليس في الشعر، شكري عياد، 274.

([33]) -كتاب أرسطو طاليس في الشعر، شكري عياد، 274.

([34]) -الوساطة، 48.

([35]) -البيان والتبيين، 1 /205 –206.

([36]) -قواعد الشعر، ثعلب، 59.

([37]) -سر الفصاحة، 315.

([38]) -عيار الشعر، 165.

([39]) -حلية المحاضرة، 1 /215، وينظر، زهر الآداب، 2 /597 –598، العمدة، 2 /117.

([40]) -العمدة، 2 /261 –362.

([41]) -دلائل الإعجاز، 66.

([42]) -أسرار البلاغة، 139 –140.

([43]) - دراسات في الشعر والمسرح، مصطفى بدوي، 21.

([44]) -بناء القصيدة في النقد العربي القديم، يوسف حسين بكار، 310.

([45]) -منهاج البلغاء وسراج الأدباء، 295 –296.

([46]) -الديوان، 509 –512.

([47]) -منهاج البلغاء، 297 –293.

([48]) -منهاج البلغاء، 300.

([49]) -كتاب أرسطو طاليس في الشعر، شكري عياد، 276.

([50]) -مفهوم الشعر، جابر عصفور، 457.





ـ المبحث الثالث : المقوم الدلالي / التصويري



يتشكل المقوم الدلالي للخطاب الشعري من فاعلية العلاقية بين عناصر عمود الشعر البنائية في مستوى الصوت والتركيب عناصر مولدة للمعنى في: الإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له. غير أن نظرة في هذه العناصر ومقوماتها عند المرزوقي تكشف عن أن فهمه لها مجتمعة ينصب في القدرة الفنية على أن يكون المعنى واضحاً مفهوماً للمتلقي.

فإذا استخدم الشاعر لغة مجازية، عليه أن يعمل جاهداً على أن تكون تلك اللغة خالية من الغرابة، وأن يعتمد أسلوباً مفهوماً بعيداً عن الغموض، كأن أية قراءة لا تؤدي إلى استخراج المعنى بصورته الحقيقية تؤدي إلى ضياعه، لذلك لم يميلوا إلى التأويل لأنه يوقع القارئ في شراك الالتباس، فالإفهام مطلوب من الشاعر، والاستعارة ينبغي أن تكون مناسبة والمناسبة تعني التقارب بين المستعار منه والمستعار له، أي وجود قرينة، تعمل على إدراج المعنى ضمن المألوف، ليكون واضحاً سهلاً، ولأن الدلالة تؤدي إلى التصور، فإن مقياس عمود الشعر أن تكون هناك مقاربة بين طرفي التشبيه تساعد على التصور، بأن يكون المشبه به أجلى صفة وأخص عرفاً حتى تستقيم الصورة في الإدراك، لأن الصفة الأخص تدل على شيء وتدفع عنه الغموض والالتباس. وفي هذا السياق كانت الاستعارة مبنية على التشبيه في السياق الدلالي. وقد كان عيارها عند المرزوقي الذهن والفطنة لأن العرب "إنما إستعارت المعنى لما ليس له إذا كان يقاربه أو يدانيه أو يشبهه في بعض أحواله أو كان سبباً من أسبابه، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه" ([1]) ولهذا كان أبو تمام خارجاً عن عمود الشعر في قوله ([2]):

تحمَّلتَ ما لو حُمِّلَ الدهرُ شَطرهُ





لفكَّرَ دهراً أيّ عبئيهِ أثقلُ

إذ جعل للدهر عقلاً مفكراً، وكان من المناسب على وفق العرف أن يقول: لانهد، أو ما شابهه مما يرضاه العرف.

ولبيان كيفية اشتمال عناصر عمود الشعر الثلاثة السابق ذكرها، على مستوى دلالي لا بد من إيضاح مفهوم الدلالة ذاتها، تمهيداً لقراءة هذه العناصر دلالياً، لإيضاح حدود المستويات الأسلوبية التي بني العمود عليها، وما نحن بصدده من المستوى الدلالي.

تتعدد وسائط التحول الدلالي إذ تشمل، الاستعارة، والتقديم والتأخير، والتمثيل والزيادة والنقصان والقلب والكناية والتعريض والمبالغة، والرمز والتلميح وسوى هذا. حتى الوزن يمكن عده عنصراً دلالياً في النص حيثما ساعد على تعميق البنية الدلالية. وتزداد قيمته الفنية حين يضفي على الاختلافات الدلالية مظاهر من تمثلات صوتية ([3]). لأن الترابط العضوي الذي يتوفر عليه النص الشعري بين التحولات الدلالية والبنى الإيقاعية يستوعب التعبير عن مكنون الذات بأسلوب فني مؤثر ([4]).

وفي علاقة اللفظ بالمقام من حيث الدلالة يقول الجاحظ "ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء، فالسخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل" ([5]) على أن لسان العربي الأول في القول والتلقي مبني على الارتجال في القول والاستقبال، لأن البداهة والطبع صفة الاعراب "وأحسن الكلام، ما كان معناه في ظاهر لفظه" ([6]).

وقد انطلق الشريف الجرجاني من هذا المبدأ في فهم الدلالة على أنها "كون الشيء بحالة يلزم من العلم به، العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول وكيفية دلالة اللفظ على المعنى باصطلاح علماء الأصول محصورة في عبارة النص.. فإن كان الحكم مفهوماًَ من اللفظ فهو الدلالة.. فدلالة النص عبارة عما ثبت بمعنى النص لغة، لا اجتهاداً، فقوله، لغة أي يعرفه كل من يعرف هذا اللسان بمجرد سماع اللفظ من غير تأمل" ([7]).

فالمعنى الدلالي عند الجرجاني هو المبين عما في النفس بالاعتماد على المعنى المقالي أي الوظيفي (الصوتي، الصرفي، النحوي) مع ملاحظة كون المعنى الاجتماعي أساساً في فهم المعنى الدلالي وفي اكتماله أيضاً ([8]) لأن الاستعمال هو ما يخلق المعنى ([9]).

والوظيفة لا تتشكل إلا في سياق مخصوص ([10]).

وفي ضوء هذا نفهم كيف أكد علماء العربية القدماء، على دور السياق في التحول الدلالي الصادر عن تغير السياق ([11]). وهنا كان بديهياً أن يأتي بحث دلالة اللفظ المعجمية سابقاً على مراحل دراسة المعنى، من خلال السياق بنوعيه اللفظي والحالي ([12])، لأن المرسل هو الذي يمنح الأصوات معانيها بناء على التراكم السياقي، العام والخاص ([13]).

وقد كان التفنن في الكلام عملية تبقى في كل الحالات رهينة إشباع الدوال بالمدلولات ([14]). وفي هذا السياق نجد الأسلوب صراعاً متواصلاً ضد اعتباطية الدال، "وهذا الصراع يتوقف أكثر على ما يتهيأ من إمكانيات تقليب الظاهرة اللغوية في الكلام، لتوفير أكثر ما يمكن من الدلالة فيها، وهذه نزعة إلى تجاوز الدلالة الأفقية الدنيا إلى دلالات قصوى مختلفة الاتجاهات ومتولدة عن تفاعل مختلف إمكانيات التقليب التي يخلقها الشاعر في الكلام" ([15]) على أن اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول تشير إلى أن بينهما علاقة غير محللة لعدم وجود علاقة طبيعية بينهما على صعيد الواقع ([16]). "فالدال هو الترجمة الصوتية لتصور ما، والمدلول هو المستشار الذهني لهذا الدال، ومن هنا تتضح الوحدة البنائية في الإشارة اللغوية بين الدال والمدلول" ([17])، وفي هذا السياق نظر الدرس الأسلوبي الحديث للغة على أنها: "مجموعة علامات، والعلامة هي ما يدرك بالحس، رؤية أو سماعاً أو لمساً، وبإدراك الحس له، يدرك به شيء غيره، والعلامة الألسنية مفهوم مركب من مظهر حسي فيزيائي، تدركه العين كتابة، ويدركه السماع ملفوظاً، ويسمى الدال ومظهر مجرد هو المتصور الذهني الذي "يدلنا" عليه ذلك الدال، والذي بحصوله نقول: إننا فهمنا الدال، ويسمى هذا المظهر المدلول، أما العملية التي يقترن بها الدال بالمدلول في أذهاننا، فهي التي تسمى الدلالة، وقد ألح سوسير على الالتحام القائم بين الدال والمدلول حتى شبههما بوجهي ورقة واحدة" ([18]).

ومما ميز الأسلوبية من البلاغة في البحث الدلالي "أن البلاغة اكتفت بالنظرة التبادلية للكلمات، "وضع واحدة مكان الأخرى" دون محاولة البحث في علاقاتها التتابعية "وضع الواحدة إلى جوار الأخرى" وبالنتيجة فقد استأثر محور الانتقاء بالأفضلية على محور التأليف، وواضح أن التركيز على محور الانتقاء يحصر البحث في نطاق علم الدلالة" ([19]).

وقد صار النظر إلى الدلالة كونها اتحاداً شاملاً بإطار متكامل بين الدال والمدلول غير قابل للتجزئة ([20]). مرتبطاً بكون دلالة الكلمة، لا تفتقر إلى مدلولها فقط "وإنما تحتوي على كل المعاني التي تتخذها ضمن السياق اللغوي، وذلك لأن الكلمات في الواقع لا تتضمن دلالة مغلقة، بل تتحقق دلالتها في السياق الذي ترد فيه، وترتبط دلالة الجملة بدلالة السياق الذي ترد فيه" ([21])، والدوال في هذا السياق تؤدي وظائف معقدة من خلال ما تحمله بوصفها صوراً سمعية، من طاقة نفسية مركبة مشحونة بالرغائب والمعطيات الحسية، فتحرك تلك الدوال كل مكونات نفسية المتلقي، خالقة وجوه دلالتها الذاتية، تلك الدلالة الصادرة أحياناً عن محاكاة صوتية وأحياناً عن صفة تعبيرية في العلامات اللغوية. وفي سياق المحاكاة الصوتية "فإن الصوت المعزول –وان انقطعت صلته بالدلالة –بمقتضى عزله عن الإطار الدلالي الأدنى، فإنه بحكم انعقاد صلة له جديدة بأصوات معزولة مثله، يكتسب صلة بالمدلول، إثر ربط هذه الأصوات بعضها ببعض، وربط المعاني بعضها ببعض، فيصبح ذا طاقة دلالية، في البيت، وبعبارة أخرى نقول: رغم إيماننا الراسخ باعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول عامة، فإننا نؤمن بعلاقة حقيقية بين مظاهر الدوال معزولة.. وبين إطار الدلالة"([22]).

وهذا الأمر يتميز من لغة لأخرى، وأحياناً من عصر لآخر في عرف اللغة الواحدة، وهنا يأتي علم الدلالات ليعنى "بدراسة انتظام الدوال الألسنية في الظاهرة اللغوية عموماً، رغم ما يميز اللغات بعضها مع بعض، من نواميس نوعية في توليد الدلالات، فعلم الدلالات يسعى إلى عقلنة الظاهرة الدلالية أو عقلنة ظاهرة الدلالة" ([23]).

ومن خلال هذا يمكن أن نميز نوعين من الدلالة، أولهما الدلالة الذاتية في لغة الخطاب، وثانيهما الدلالة الحافة، والأولى "تتكون من المضمون الإعلامي (الدلالي) المنطقي للإشارة اللغوية، ويمكن أن نحدده بالعلاقة بين الكلمة وما تدل عليه، من شخص أو شيء أو صفة أو حدث خارج النظام اللغوي، أي بمعنى الكلمة كما يفهمه جميع متكلمي اللغة الواحدة" ([24]) أما الدلالة الحافة فتتكون "من مجموع الأنظمة الدالة التي يمكن اكتشافها في نص ما، إضافة إلى الدلالة الذاتية وهي تحد إجمالاً بكونها: المعنى الإضافي الذي توحي به كلمة ما، زيادة على معناها الأصلي" ([25]) وهنا فإن الدلالة الحافة "توحي أكثر مما تعبر، ومنها الطاقة الإيحائية في اللغة، وتعد سمة أسلوبية ما لم تتأثر أو تتكاثف، فتصبح عائقاً في الفهم، ومفهوم الإيحاء التمازج بمفهوم الإيجاز في البلاغة العربية ويمكن تعريف سمة الإيحاء بأنها: حضور دلالة في الكلام، ليس في عناصره ما ترتبط بها مباشرة" ([26]).

وقد ميز بعض الدارسين بين نوعين من الدلالة الحافة "نوع اجتماعي، ونوع نفسي، ولكنها في جميع الحالات تكون، إما حرة أو إجبارية، وهي تكون حرة على الأخص في النص الشعري، ذلك أن القصيدة غالباً ما تتضمن "فجوات منطقية" يفسرها كل قارئ أو سامع وفقاً لخياله، أو لثقافته، أو لتجربته الخاصة، أو لمعرفته بالشاعر ذاته، ولكن حرية اكتشاف دلالات حافة في قصيدة لا تكون كاملة. فالدلالة الحافة ليست بيتاً واحداً ينتخب من القصيدة ويقرأ دون سائر الأبيات، وبمعزل عنها يتضمن من الدلالات الحافة مالا يتضمنه حكماً، البيت ذاته، إذا قرأ ضمن القصيدة، أو من خلال الديوان" ([27]).

وقد أشار (بارت) إلى ما أسفرت عنه نقاشات طويلة بين اللسنانيين دارت حول واقعية المدلول أجمعت تقريباً على كونه ليس شيئاً "إنما هو تمثّل نفسي للشيء" ([28]) وفي هذا رأى أن مادية الدال تفرض "التميز الواضح بين المادة والماهية، فالماهية يمكن أن تكون غير مادية (مثل ماهية المحتوى) إذ يمكن القول فقط بأن ماهية الدال مادية دائماً: أصوات، أشياء، صور" ([29]) وقد ذكر بارت بأن "الدلالة تنتمي لماهية المحتوى، والقيمة تنتمي إلى شكل المحتوى.. ويرتبطان بعلاقة جدلية باعتبارهما مدلولين وليس لأنهما دالان طبعاً" ([30]).

وفي سياق الدلالة الحافة السابق ذكرها، يمكن النظر إلى أن مقومات عمود الشعر لم تقصر أثرها الدلالي في الاتجاه العرفي أو الذاتي فقط، إنما كانت تقترب من الدلالة الحافة على الرغم من أن عمود الشعر، في إطار المقومات الدلالية (الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له) قد حرص على وضع معيار لكل واحد من تلك المقومات، وكأن ذلك المعيار يحدد الاستعمال والكلام كما قال (بارت) ([31]) إلا أن هذا التحديد إنما كان ليجعل من الدلالة الحافة، دالة على الطبع متصلة –من جهة بعدها المجازي –مع العرف اللغوي /الاجتماعي، بأكثر من سبب يجعلها ضمن سياق الخطاب الشعري، دالة على فطنة الشاعر ومقدرته الفنية على الإمتاع الجمالي بعيداً عن الغموض (السهل الممتنع) لأن سائر مقومات العمود الشعري تتوخى معنى أخلاقياً، لأن ما هو أخلاقي في عمود الشعر ينبغي أن يكون ممتعاً جمالياً حتى يكون شعرياً.

الإصابة في الوصف:

الإصابة في الوصف أول ثلاثة عناصر في عمود الشعر، تتصل بالمستوى الدلالي، إذ يكشف المفهوم عن نية مسبقة لأن يكون الواصف حاد الذكاء وحسن التمييز في أن يجعل كلامه من جهة دلالته على مقام القول، مثالاً صادقاً، في صدق ارتباطه بالواقع متصلاً بالذاكرة التي يرتضيها العرف، لأن هذا هو علامة الإصابة في الوصف، ودلالتها ما يفسره قول عمر بن الخطاب (رض) في زهير أنه "كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال" ([32])، وقول علي (رض) حين سأله عمر (رض): "من أشعر الناس؟ قال: الذي أحسن الوصف وأحكم الرصف، وقال الحق" ([33]).

والأمر هنا لا يعني اقتصار لغة الشعر على مستوى الدلالة الذاتية، إنما هي الدلالة الحافة مرتبطة بقرينة يعيها العرف ويدركها المتلقي، مع النظر إلى مفهوم الدلالة الأدبية على أنه "طريقة أداء العناصر لوظائفها في العمل الأدبي ضمن شبكة العلاقات المتبادلة بينها، والكيفية التي تنتظم فيها تحقيقاً لفاعلية خاصة" ([34]).

وإذا قام الأدب على محاولات كشف عن المخاض الجدلي الذي يعيشه العالم، أو لما يعيشه الإنسان أولاً، فإن الدلالة الأدبية تتمثل بالدرجة الأساس في أدوات فنه وطرائق تعبيره. ومحاولة إنتاج الدلالة الأدبية، إنما تكون في السعي لها في خلال إنتاج النص الأدبي عبر ما تمثله مرجعية الكاتب الثقافية من تناص قد يتجلى في إنتاجه الدلالي، ثم ما يتمثل لدى المتلقي بوصفه منتجاً آخر للدلالة.

وفي هذا الإطار كانت "السمة المشتركة التي تجمع كل المناهج النقدية الآن، أو بين معظمها على الأقل، في هذا العصر، هي أنها جميعاً تبحث عن أبنية العمل الأدبي، كي تعثر على دلالته، وتدرج كيفية قيامه بوظيفته" ([35]).

فالنقد الأدبي نظر منهجي حر ومنظم في آن معاً، يسعى دائباً لاكتشاف عالم النص الأدبي، والوقوف على القوانين التي انتظمته، وحكمتها حركة العمل الأدبي، مع ملاحظة أن نقد القدماء قد وقف في كثير من الدراسات على البنيات المكونة للأعمال الأدبية، في محاولة لدراسة العناصر الماثلة فيها، على أن ذلك النقد كان ملتزماً حداً معيارياً مستمداً من مقولاته الخاصة، والأحكام ذات القيم الخلقية، وهو ما يؤدي إلى شيوع نسب من التعميم في قراءة النص الأدبي نقدياً، ومن هنا نفهم كيف طالب العمود بأن يكون الأديب مصيباً في وصفه، مدلاً في إصابته على ذكاء يحدث حسن تميير في خلق الدلالة الأدبية.

ويجمع عنصر العمود في هذا السياق، بين ملاحظات الناقد ونتائجه ورغباته وأحكامه النقدية وهو أمر لا يخدم النقد الأدبي، لأن من مسلمات أحكامه النقدية، أو من مسلمات كل نظرية أدبية.. أن تقييم طبيعة الدراسة العلمية للأدب على ضرورة الفصل بين التقييم والتأويل، وأن تنمي مناهجها بحيث تضمن لملاحظات الناقد ونتائجه، أن لا تختلط برغباته وأحكامه... ([36]).

فقد صار بديهياً في النقد الحديث عدم التركيز فيما يقوله النص الأدبي بالقدر نفسه الذي يتم التركيز فيه، على الطريقة التي يقول بها النص ما يقوله أو يريد قوله، على أن في هذا تعسّفاً صادراً عن كون الشكل (شكل النص الأدبي) إنما هو معطى فني يؤدي إلى بنيته المضمونية أو محتواه، لأن طريقة القول جزء من القول نفسه. ومطالبة القدماء بالإصابة في الوصف من جهة المضمون أو المحتوى أو ما يتصل النص به على صعيد الواقع.

ويبدو أن السبب وراء بحث القدماء في الأدب عن مضمونه أو محتواه أولاً، أي عن المضمون أكثر من طريقة التعبير عنه، كان بسبب من توخيهم –في الخطاب الأدبي –حداً نفعياً معيناً مقيساً بمعيار سابق عليه، أثبت ذلك المعيار نفعه على صعيد السلوك بوصفه مضموناً، فضلاً عن نظرهم إلى اللغة من خلال القاعدة المعيارية، التي تضمن للغة في مرحلة الخطاب (الكلام) أداء محتواها بشكل دقيق، وهذا ما جعلهم ينظرون إلى قواعد اللغة بمنظار (القداسة) وإلى معايير الكلام، الأدبي بمنظار المرجعية الخاصة.

وفي ضوء هذا نفهم قول (رولان بارت) من أن اللغة الشعرية حين تضع الطبيعة موضع التساؤل، بكيفية جذرية عن طريق التأثير الوحيد لبنيتها، من دون اللجوء إلى محتوى القول، ومن دون التوقف عند محطة أيديولوجية ما، فإنه لا تعود هناك كتابة، بل توجد فقط أساليب من خلالها يقلب الإنسان نفسه كلية، ويواجه العالم الموضوعي، من غير أن يمر بأي وجه من وجوه التاريخ أو الألفة الاجتماعية" ([37]) وفي هذا السياق فإن الوضوح الذي دعا إليه (عمود الشعر) في الإصابة في الوصف إنما هو صفة بلاغية محض، وليس ميزة عامة للغة ممكنة التحقق، في جميع الأزمنة والأمكنة، بل هي مجرد ملحق مثالي لخطاب معين، هو ذات الخطاب المخضع لنية الإقناع الدائمة ([38]) وهو لا يتصل بالواقعية على نحو دقيق لأن الكتابة الواقعية لا تستطيع أن تقنع أنها محكوم عليها بأن تصور حسب.. ([39]).

ذلك أن أسلوب الخطاب الأدبي بما يشتمل عليه من مقومات للشكل الفني والموضوعي تجعل الناظر إليه أو فيه نقدياً يحتكم إلى مقياس الأسلوب بوصفه "المظهر الفني الذى به قوام الإبداع الأدبي" ([40]). وذلك المظهر الذي تتخلق فيه وظائف أسلوبية تشير إلى المنحى الفني للخطاب وتؤدي إلى تحليله، وتكشف عن خطأ النظر إليه من خلال حرية معايير المضمون وحده، والنظر إلى الوظيفة الشعرية أو الجمالية لأنها "علاقة قائمة بين الرسالة وذاتها، إنها الوظيفة الجمالية بامتياز، إذ أن المرجع في الفنون هو الرسالة التي تكف عن أن تكون أداة اتصال لتصير هدفه ([41]) وقد ذكر جاكوبسون أنموذجاً سداسياً للوظيفة الأسلوبية ([42]) فهناك: الوظيفة المرجعية المتمركزة حول السياق اللفظي أو القابل لأن يكون لفظياً، ذلك الذي تحيل إليه الإرسالية، ثم الوظيفة الانفعالية المتمركزة حول المرسل ثم الوظيفة الإفهامية المتمركزة حول المرسل إليه. ثم الوظيفة الانتباهية التي تعنى بالحفاظ على التواصل بين المرسل والمرسل إليه، ثم الوظيفة الميتالغوية أي (المعجمية) والتي تعنى بالسنن المشترك بين المرسل والمرسل إليه. ثم أخيراً، الوظيفة الشعرية التي يراها جاكوبسون متمركزة حول قصد الإرسالية، باعتبارها كذلك، وهذه الوظيفة هي التي توضح الجانب الملموس من الدلائل وتعمق من هذه الوجهة نفسها، الثنائية الأساسية للدلائل والموضوعات ([43]) ويذكر جاكوبسون أن هذه الوظيفة (الشعرية) تتصل بمظاهر اللغة الموصوفة من طرف الأسلوبية.

ويمكن قراءة الإصابة في الوصف في عمود، من خلال الوظيفتين: الإفهامية والانتباهية من جهة أن هذا العنصر قد أشار فيه النقاد إلى أهمية وضوح القصد، ومباشرة التوصيل وقرب التلقي في خلال الإفهام والبعد عن اللبس أو الغموض، والالتزام بوصف الأشياء بالأوصاف التي لها لإفهام المتلقي بما تواضع عليه العرف، والاستحواذ على انتباهه، بالالتقاء معه في وضوح الدلالة، من خلال إصابة الوصف المقصود، بعيداً عن الغموض.

وفي هذا السياق هنالك فارق بين الوصف من حيث هو بنية نثرية أحياناً ونثرية غالباً وبين المجاز كونه خصيصة شعرية وهو "أن الشعر يمكن أن يستخدم الوصف، والفرق بين الوصف والمجاز أساسي وكبير، الوصف هو ما يشتمل على التشبيه، يذكر الشيء بأحواله وهيئاته حتى يحكيه ويمثله للحسن([44]).. فغاية الوصف أن يكشف ويظهر أوان يوضح الغامض، أما المجاز فغايته تكثير الدلالة، فهو يخرج اللفظ من وضعه الأصلي إلى حالة ثانية، فكأنه يخرج به من اليقين إلى الظن أو الاحتمال، ومن الدلالة الواحدة إلى الدلالة المتعددة. فالوصف يبلور الشعرية والمجاز يخلق حالة احتمالية في اللغة تساوي حالة الاحتمال في الشعور الوصف يخلق اللغة، والمجاز يفتحها" ([45]).

ولست مع أدونيس حين ذهب إلى أن الوضوح المألوف هو مبدأ الكلام نثراً (النقد والخطابة) وشعر عمود الشعر، ويحدد الوضوح بأنه مبدأ الإصابة في الوصف وقرب المآخذ ([46]) لأن قصد القدماء هنا قائم على القرائن التي يكون الشاعر بارعاً في بعثها لحظة القول أو عند التلقي في وعي المتلقي، على نحو من الطبع السمح والعاطفة المتدفقة على نحو لا يجد المتلقي فيه إلا أن يأخذ عفو الخاطر ويتناول صفو الهاجس، فلا كد لفكر، ولا تعب لنفس، وهذا ما يدعو المتلقي إلى تلمسه أو تحسسه لحظة الاستقبال، ويدلل عبد العزيز الجرجاني على هذا بقول أبي تمام ([47])

لا يوحشنك ما استعجمتَ من سقمي





فإنني للذي حسيتهُ حاسي

من قطعِ ألفاظهِ توصيلُ مُهلكتي





ووصلُ الحاظهِ تقطيعُ أنفاسي

إذ لا يخلو بيت فيها من معنى بديع أو صنعة لطيفة ولكن لا يجد المتلقي معها من سورة الطرب وارتياح النفس كالذي يجده لقول بعض الأعراب:

أقولُ لصاحبي، والعيسُ تهوي





بنا بينَ المنيفةِ فالضمارِ

تمتَّعْ من شميمِ عرارِ نجدٍ





فما بعدَ العشيةِ من عرارِ

فمثل هذا الكلام، بعيد الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المآخذ، قريب المتناول([48]).

المقاربة في التشبيه:

يكشف التناسب بين المشبه والمشبه به عن مستوى دلالي في الخطاب الشعري مرتبط بتوجيه الشاعر إلى ضرورة أن يكون فطناً في تقديره لعملية التناسب بين طرفي التشبيه وذا تقدير حسن غير قابل للنقض في عملية تناسب جملة التشبيه، وهو ما يشير إلى عملية إنتاج الدلالة الشعرية بالصدور عن الطبع أكثر منه عن الصنعة.

ولكن نظرهم إلى التشبيه على أنه جانب من أشرف كلام العرب ودليل على الشاعرية ومقياس معرفة البلاغة([49]). لم يكن موظفاً لأداء عملية التشبيه عند خلق المعنى بهدف أن يكون المعنى واضحاً بعيداً عن الكلفة فقط، لأن الكلفة التي يعانيها المتلقي عند الاستقبال لأي نص أدبي ينبغي أن تكون ملحوظة فبعض مقومات أي عمل فني تصدر عن الغموض الشفاف، إذ نلحظ "أن من الأسس المنهجية في الدراسة الأسلوبية إعطاء الأولوية للعلاقات المختلفة التي تربط بين الأشياء، والتي تنتظم العناصر على تباعد الشقة بينها، فتكون منها أنظمة متماسكة الأجزاء، وإذا كانت مختلف مظاهر الارتباط بين أشتات المكونات خفية عادة، وخفياً دورها، فإنها بينة في الصور، واضحة، وهي المحور الرئيس الذي تدور عليه عملية التصوير"([50]).

وقد لاحظ العرب في التشبيه إشارة للأريحية الشعرية في خلال ما يحصل من تفاوت أحياناً بين المشبه والمشبه به، لأن "لتطوير الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محلته، واجتلابه إليه من النيق البعيد، باباً من الظرف واللطف ومذهباً من مذاهب الإحسان لا يخفي موضعه من العقل، وأحضر شاهد على هذا، أن تنظر إلى تشبيه المشاهدات بعضها ببعض، فإن التشبيهات، سواء أكانت عامية مشتركة أم خاصية مقصورة على قائل دون قائل، تراها لا يقع بها اعتداد ولا يكون لها موضع من السامعين، ولا تهز ولا تحرك، حتى يكون الشبه مقرراً بين شيئين مختلفين في الجنس، فتشبيه العين بالنرجس عامي مشترك معروف في أجيال الناس، جارٍ في جميع العادات، وأنت ترى بعد ما بين العينين وبينه، من حيث الجنس وتشبيه الثريا بما شبهت به من عنقود الكرم المنور، واللجام المفضض، والوشاح المفصل، وأشباه ذلك خاصي، والتباين بين المشبه والمشبه به في الجنس على ما لا يخفى، وهكذا كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب، وذلك أن موضع الاستحسان ومكان الاستظراف، والمثير للدفين من الارتياح، والمتآلف للنافر من المسرة، والمؤلف لأطراف البهجة، أنك ترى الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين"([51]).

وللتدليل على هذا تطبيقياً يستشهد بقول ابن المعتز([52]):

وكأن السحابَ مصحفُ قارِ





فانطباقاً مرةً وانفتاحا

إذ يرى شعرية هذا البيت في حصول اتفاق، حسن وجميل بين شيئين، إزاء اختلاف يميز كلاً منهما من الآخر "فمجموع الأمرين، شدة ائتلاف في شدة اختلاف، حلا وحسن وراق وفتن"([53]).

ورأى الجرجاني الذي يؤكد على شعرية التشبيه الصادرة عن "اجتماع المتنافرات والمؤتلفات في التشبيه من أسباب الشعرية"([54]) فيذهب إلى أن "كل شبه رجع إلى وصف أو صورة أو هيئة من شأنها أن ترى وتبصر، فالتشبيه المعقود عليه، نازل مبتذل، وما كان بالضد من هذا وفي الغاية القصوى من مخالفته، فالتشبيه المردود إليه غريب نادر بديع"([55]).

وهذا ما يقرأه تطبيقياً في قول عدي بن الرقاع العاملي:

تزجي أَغَنَّ، كأن أبرة ورقهِ





قلمٌ أصابَ من الدواةِ مدادَها

إذ يشير إلى أن جريراً كان قد رحم الشاعر حين ابتدأ بالتشبيه ظناً منه أنه قد وقع، فلما أكمله على هذا النحو، حسده جرير على براعته "فهل كانت الرحمة في الأولى والحسد في الثانية إلا أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر، وبديهة الخاطر وفي القريب من محل الفطن، وحين أتم التشبيه وأدّاه، صادفه قد ظفر بأقرب صفة، من أبعد موصوف وعثر على خبيء مكانه غير معروف"([56]) أي إدهاش المتلقي في إنتاج دلالة تصدر عن المألوف ولكنها غير متوقعة من المتلقي وهو ما يشير إلى ذكاء الشاعر وفطنته، وما كان هذا عند الجرجاني إلا لأن "مبنى الطباع، وموضوع الجبلة، مبني على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت النفوس به أكثر، وكان الشغف منها أجدر"([57]).

وقد أشار الجاحظ، من قبل، إلى حدود هذا التناسب وجماليته الكامنة في الغموض الشفاف، وليس التناسب العقلي المؤدي إلى الوضوح من دون طبع فني، إذ قال: "إن الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب، كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم، كان أطرف، وكلما كان أطرف، كان أعجب، وكلما كان أعجب، كان أبدع"([58]) وهذا الفهم قد يكشف عن عدم دقة جابر عصفور حين ذكر، أن إيثار التشبيه وتقديمه على الاستعارة إنما كان بسبب ميلهم إلى النظرة العقلية الصارمة التي تؤمن بالتمايز والانفصال، وتنفر من التداخل والاختلاف، وترفض بحزم كل خارج عن الأطر الثابتة المتعارف عليها في أي مستوى من المستويات([59]).

فوظيفة التشبيه في الشعر العربي "هي إنجاز قدر من الحقيقة، الشعرية عن طريق المحاكاة التصويرية، أي بمعدل فني من نوع متميز، لا يقاس بشكل كمي، مثل القياس المنطقي وإنما بمدى قدرته على التعبير عما لا يعبر عنه نثراً، أي بمعدل قدرته التخيلية".([60])

فإذا كان ميل العرب للتشبيه كثيراً "حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يبعد"([61]) صادراً عن نظرية عقلية صارمة ـ كما ذكر جابر عصفور ـ فإن هذه النظرة عند أبي تمام أخذت تغوص وراء المعاني، بنظر عقلي صارم!! متقصدة نظرها ذاك، مستخدمة أساليب مخصوصة، قد عدها أصحاب عمود الشعر خارجة على طريق العرب في قول الشعر!!

ولكن الأمر متصل بصدور الشعرية العربية أولاً عن المرحلة الشفاهية، ويظل لحاسة البصر دور المقوم الأول في المقاربة عند التشبيه الشعري، فضلاً عن أن الشفاهية تجنح نحو التمايز والانفصال بعيداً عن التداخل الذي يكسر كثيراً حاسة البصر، محركاً البصيرة، وهذا أمر نلحظه في تشبيهات القصيدة الحديثة بأسلوب لافت للنظر، وقد "تأكد اليوم عند العلماء أن العين أبرز نافذة لنا على العالم فـ 90% من الأخبار التي يتلقاها الإنسان وسيلتها العين"([62])، ومن هنا كان تطور الشعرية العربية من الشفاهية/ البصرية إلى الكتابية، تحولاً من التشبيه إلى الاستعارة.

والذين قالوا بمقومات الشعرية الشفاهية أنكروا على شعرية الكتابة ما كان من تحول التشبيه عند أبي تمام إلى استعارة، أعني من المباشرة إلى التأويل وعمق التخييل، صاروا ينظرون إليها على أنها مغرقة في الغموض، لأن التناسب صار يلمح لمحاً، ولم تعد القرينة ملحوظة بلا كلفة، إنما بطول تأمل، فصاروا ينظرون إلى الأمور بمنظار الصدق والكذب المباشرين، وهو ما لا يوقف عنده في الشعر، فإذا "كانت الاستعارة تقترب من الحقيقة الشعرية عن طريق الكذب اللغوي، فإن التشبيه يمارس هذا الاقتراب عبر الحقائق اللغوية مستثيراً قدراتها على استحضار الوقائع الحيوية في قران غير متوقع، وهذا القران يعتمد على بنيتين: إحداهما سطحية وهي العلاقة بين الطرفين، المتكئة على التشابه بمستوياته المتعددة، والأخرى عميقة، وهي التي تقوى على تقديم رؤية جديدة للموضوع على ضوء هذه العلاقة"([63]).

وهذا الرأي قد يشير إلى رأي بعض العلماء في اختزال العلاقات المجازية، وحصرها في علاقتين "إحداهما تعتمد على المشابهة، والأخرى ما يعتمد على المجاورة والكتابة والمجاز المرسل في معظم أشكاله، وقد أفضى هذا التقسيم الجديد إلى افتراض مؤداه: أن الآداب التي تقوم على المشابهة ذات طابع رومانسي مثالي، كما أن الآداب التي تقوم على المجاورة تتسم بالواقعية، والقرب من الحياة"([64]). (الشعر العربي رومانسي مثالي في بعض اتجاهاته. وواقعي ملتصق بالحياة في اتجاهاته الأخرى، على ما هو واضح لأي متلق للشعر العربي.

ومن خلال ما سبق ذكره، يمكن أن نلحظ أن "المقاربة في التشبيه" التي قال بها عمود الشعر العربي، إنما كانت ناظرة إلى تناسب ركني جملة التشبيه تناسباً.. ليس عقلياً فقط، وإنما عاطفي صادر عن الطبع والفطرة الشفاهية أيضاً.

والواقع أن تناسب مقومات أسلوب التشبيه في (المرحلة الشفاهية) تطور عند المحدثين فصار إلى أهمية تناسب مقومات أسلوب الاستعارة (تناسب المستعار منه والمستعار له) في (المرحلة الكتابية). والتناسب في كلا الحالتين مقوم من مقومات أي عمل فني، والنظر إليه في كلا الوجهين في خلال المنطلق الجمالي للتناسب لأنه، إذا كان التناسب ثمرة لتوازن نفس مبدع الفن فلا بد لهذا التناسب الفني "أن يحدث أثراً في المتلقي ويساعد على إحداث نوع آخر للتوازن بين القوى النفسية لذلك المتلقي"([65])، ومن هنا كان النظر إلى المقاربة في التشبيه من خلال قيمة التناسب الفنية، حتى يصل المتلقي الناقد إلى فهم صحيح لأسلوب المقاربة في لغة الشعر على المستوى الدلالي، ثم إن "إدراك الشبه بين الأشياء هو موضع التفاضل بين الشاعر والشاعر، إذ كلما ازداد الشبه خفاء ازدادت دلالة اكتشافه على تميز الشاعرية"([66]). وهذا الفهم أدى إلى تصور المشابهة بين المتباعدات على أنها أقوى على خلق (المفارقة الشعرية) من غيرها. وهو ما أصر عليه كولردج في العصر الحديث، من أن "المشابهة الأبهى هي تلك التي تكشف بين مختلفات وأن التشابه المطلق يعدم التشبيه أو الاستعارة أو الرمز، ويمنع تدفق الشعرية"([67]) وهو أمر بعث على النظر في الاستعارة لا من خلال قيامها على المشابهة بل على المغايرة أو الاختلاف، وقد طرح ريتشاردز بعد كولردج فرضيته المعروفة: "في أن الاستعارة لا تقوم في الواقع على المشابهة، بقدر ما تقوم على المغايرة والاختلاف"([68]).

مناسبة المستعار منه للمستعار له:

مفهوم مناسبة المستعار منه للمستعار له عند المرزوقي صادر عن مفهومها عند عبد العزيز الجرجاني إذ أنها عند المرزوقي "تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به، ثم يكتفي فيه بالاسم المستعار لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له"([69]) وهي عند الجرجاني "ما اكتفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها تقريب الشبه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، وامتزاج اللفظ بالمعنى، حتى لا يوجد بينهما منافرة"([70]) وهذا ما قال به عبد القاهر أيضاً، من أن الاستعارة "أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه، وتظهر، وتجيء إلى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه"([71]). وكل منهم منطلق من موضوعية الاستعارة عند العرب، تلك الموضوعية المتصفة، بالسببية والمقاربة والمشابهة، وكل منهم يدعو إلى عدم ترك أن يكون استعمال أسلوب الاستعارة واقعاً في دائرة الإطلاق، لئلا يضيع في الشعر استعمالها، في خلال اتصافها باللامعقول بعيداً عن التجريد أو التعقيد الذي يضعها في دائرة التحليل والتأويل، أي أنهم يقصدون الحفاظ على مرتكزاتها الرئيسة التي تسهم في الحفاظ على القيمة الشعرية، لأن الاستعارة بوصفها انزياحاً ينبغي أن لا تتجاوز حدود التواصل ومقوماته، لأن "اللغة الشعرية ستفقد كل مبرر لوجودها، كونها محكومة بقانون التواصل"([72]) وكل هذا يجب أن يتصف بالتناسب كونه ضرورة فنية جمالية.

ولما كانت الاستعارة علامة العبقرية المميزة، لأنها تقود إلى الانحراف في لغة الشعر([73])، فقد شغلت البلاغة العربية كثيراً، كونها "من مقتضيات النظم، وعنه تحدثت وبه تكون"([74]) وهي "أمد ميداناً، وأشد افتتاناً، وأكثر جرياناً، وأعجب حسناً وإحساناً،... وأذهب نجداً في الصناعة وغوراً، من أن تجمع شعبها وشعوبها، وتحصر فنونها وضروبها"([75])، فهي رأس البديع وأفضل المجاز([76])، لأن المعول عليها في التوسع والتصرف([77]).

فالمجاز حين يشحن اللغة بالطاقة الفنية الجديدة يجعلها قادرة على قول ما لا تقولـه إلا هي. أي أنها تتجاوز محدودية الدلالة اللغوية في أصلها الوضعي، وقد تكون أهمية المجاز في الخطاب الشعري ـ من جهة تأثيرها في المتلقي ـ نفسية أي راجعة إلى أن النفس الإنسانية عند وقوفها على كلام غير تام بالمقصود منه، كانت متشوقة إلى كماله، ومن هنا كان المجاز مولداً لتشوق النفس إلى ما هو غير معلوم، وكما كان الفن، ومنه الشعر، تشوقاً إلى كمال لا ينتهي، كان المجاز عنصراً مهماً في اللغة الشعرية([78]).

ومن خلال ما سبق نفهم أن دعوة عمود الشعر إلى التناسب بين المستعار منه والمستعار له، صادرة عن الطبع الشفاهي الارتجالي الذي يتطلب أن يكون ذلك التناسب حاضراً في وعي المتلقي، ولكن التناسب في الخطاب الشعري الذي يبعث على المفاجأة أو الإدهاش (كسر التوقع) يكون مولداً للشعرية، وباعثاً على أثر دلالي جديد.

والبعد القواعدي الصادر عن تناسب جملة الاستعارة في عمود الشعر، إنما هو نهج سار عليه النقد القديم، فضلاً عن أن البلاغة ذاتها تهدف إلى وضع المعايير التي تضمن خلق الإبداع الفني، كونها وسيلة خلق فني وتوجيه جمالي، فهي مقوم الأدب ووسيلته في آن([79]).

وإذا كانت البلاغة تهدف إلى وضع قواعد مخصوصة وتقنيات معينة لتحكم من خلالها لغة الشعر، فإنها لا تهدف إلى منع التطور أو الحد منه، كون اللغة الشعرية لا تخضع للتقنين والتقعيد الصارمين، لتميزها بالقدرة على التجدد والتوهج (المغايرة)، إلا أن البلاغة تسعى إلى معايير مخصوصة تحتكم إليها اللغة الشعرية للحد من الفوضى التي يمكن أن تكون حين لا تكون إشارات يهتدى بها في إنتاج الدلالة الشعرية، ومن هنا فإن "الأحكام النقدية التي ارتكزت على معايير البلاغة لتقرير حدّي: الجودة والرداءة. قد اكتسبت ماهية جديدة حولت ثبوت القياس، إلى قياس احتمال متغير، بمتغيرات الأسلوب وتنوعه"([80]).

وهذا المفهوم هو ما انطلق منه الجرجاني عند قراءته لما يسميه جان كوهين بها البلاغة الحية الفعالة التي لن يكون هناك شعر من دونها"([81]) وهو ذات المفهوم الذي أشار إليه حازم حين ذكر أنّ "معرفة طرق التناسب في المسموعات والمفهومات، لا يوصل إليها بشيء من علوم اللسان، إلا بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغة"([82])، كونها علم النص الكلي، ذلك النص الذي هو منتج البلاغة في منظور النقد([83]).

ومن خلال هذا ننظر للاستعارة على أنها بنية مجازية، في خلال أن "خاصية الوعي في المجاز، هي أن يعيش الواقع كدال، كعلاقة لواقع آخر يدل عليه، والواقع الآخر، ليس معطى هنا، والآن، إنما هو احتمالي وتخييلي"([84]).

فإذا كانت غاية الوصف الإظهار والوضوح فإن غاية الاستعارة تكثير الدلالة، أي أنها تبعث حالة من الخلق الاحتمالي بوساطة اللغة، أما الوصف فيطرح اللغة ذاتها. فكأن الوصف يقلب السمع بصراً([85]) والاستعارة تقلب البصر بصيرة.

فالاستعارة من وسائل الإدراك الخيالي لتعبيرها عن ملاحظات متنوعة بطرائق متميزة إذ تجلى قوتها الخيالية في خلال الجانب الفردي من التجربة في محاولة استكناه موضوعية الشيء بتأمل أبعاده لأن "ما تؤسسه الاستعارة من علاقات بين العناصر يسمح بأن تتمثل الصورة الاستعارية بوصفها غير قابلة للإدراك على نحو صحيح، ما لم نأخذ في اعتبارنا، النظرة الرمزية والإشارية للغة، والاستعارة الجيدة أو الناضجة، هي التي تحقق ضرباً من المعرفة الكشفية، وتثرى العالم وتجدد روابطنا به"([86]).

وفي قول زهير بن أبي سلمى الآتي ما يشير إلى هذا الأمر، على كثرة من ذكره من القدماء بدءاً من الآمدي([87]):

صحا القلبُ عن سلمى وأقْصر باطلهْ





وعُرّيَ أفراسُ الصبا ورواحلَهْ

فاستعارة الأفراس العارية عما يؤهلها للعنفوان للتدليل على العمر العاري مما كان فيه من شباب يؤهله للعنفوان أيضاً. إنما هي محاولة في رسم صورة خيالية ذات دلالة مقاربة فنياً بين: القلب الذي يغفو مع سلمى، فيطول باطله وتسرج أفراسه ورواحله كل شبابها عنفواناً قوامه الحب، وبين ذات القلب الذي يصحو عن سلمى فيقصر باطله ـ بعد أن كان طويلاً ـ وتتعرى أفراسه ورواحله، شيخوخة قوامها الاتعاظ.

على ما في البيت من تقابل دلالي جميل بين: صحوة القلب وعرى الأفراس، ثم بين سلمى والأفراس، ثم بين قصر الباطل وعري الأفراس والرواحل، وهكذا:

وهو ما يكشف عن وظائف الاستعارة المتعددة والتي منها ـ كما في قول زهير ـ أنها وسيلة يحاول الذهن من خلالها الجمع بين عناصر مختلفة، لأجل التأثير في المواقف وبعث الدوافع وتوجيهها. فكان صانع الاستعارة "ذا مقدرة لفظية يستخرج من قول يفتقر إلى الانسجام لأغراض التفسير الحرفي، قولاً دالاً، من أجل تفسير جديد يستحق أن يسمى استعارياً، لأنه يولد الاستعارة، لا من حيث هي منحرفة بل من حيث هي مقبولة أيضاً"([88]) وفي هذا فإن المعنى الاستعاري عند القدماء "لا يتكون من الاصطدام الدلالي، بل يتكون كذلك من المعنى الإخباري الجديد الذي يبزغ من انهيار المعنى الحرفي، أي من انهيار المعنى الذي ينتج إذ اعتمدنا على القيم الشائعة"([89]).

ومن قبل استعارة زهير يذكر الآمدي قول امرئ القيس المشهور([90]):

فقلتُ لـهُ لمّا تَمطى بصلبهِ





وأردفَ أعجازاً وناء بكلكلِ

إذ جعل الليل يتمطى وجعل له أردافاً، من خلال تشبيهه بالجمل، أي أنه استعار له ما يتصف به الجمل، معبراً عن معنى الإحساس بالثقل من خلال الشبه المقصود بين الليل الجاثم عليه أو على الأرض والجمل الجاثم على الأرض. قاصداً إثبات هذا الشبه، وهذا الفهم هو ما جعل الجرجاني لا يعد الاستعارة من باب التخييل "لأن المستعير ـ (من وجهة نظره) ـ لا يقصد إلى إثبات اللفظة المستعارة، وإنما يعمد إلى إثبات شبه هناك فلا يكون مخبره على خلاف خبره"([91]).

ومن هذا السياق في قراءة الاستعارة ما ذكره الآمدي عند استشهاده بقول لبيد المشهور([92]):

وغداة ريحٍ قد كشفَت وقرةٍ





إذ أصبحت بيدِ الشمالِ زمامُها

فجعل للشمال يداً، وغداة زماناً، إلا أن الأمر في الاستعارة أكثر من هذا إذ في قوله (يد الشمال) ولم يقل (يد اليمين أو اليسار) ما يشعر كما هو شائع عرفياً، بالمأساة أو صعوبة الأمر، إذ اليمين رمز للخير والشمال خلاف ذلك([93]). أي أن الشاعر "أراد أن يثبت للشمال في الغداة تصرفاً كتصرف الإنسان في الشيء، يقبله، فاستعار لها اليد حتى يبالغ في تحقيق الشبه، وحكم الزمان في استعارته للغداة حكم اليد في استعارتها للشمال، إذ ليس هناك مشار إليه يكون الزمام كناية عنه، ولكنه وفّى المبالغة شرطها من الطرفين فجعل على الغداة زماماً، ليكون أتم في إثباتها مصرفة، كما جعل للشمال يداً، ليكون أبلغ في تصييرها مصرفة"([94]).

إن لغة الاستعارة عند القدماء متصلة بقرائن تجعل قراءتها من المتلقين قريبة وقد عرفت البلاغة العربية مفهوم القرينة القائمة على المحور الاستبدالي بسبب من اعتماد البنية الغنائية التي يتصف بها الشعر العربي على الاستبدال في المجاز ومنه الاستعارة. وفي ضوء هذا نفهم كيف عد الجرجاني الاستعارة ضرباً من التشبيه ـ كما هي في الواقع ـ أو نمطاً من التمثيل ـ كما يمكن أن تكون ـ إلا أن عده التشبيه قياساً "والقياس فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتستقصي فيه الإفهام والإذهان، لا الإسماع والآذان"([95]) أمر فيه نظر، من جهة عدم وجود مشاكلة بين الشعر والقياس، إذا نظرنا إلى الشعر على أنه انقياد للانفعال أو ناتج عنه، أو انقياد للتعجب أو ناتج عنه، على حين أن القياس يوحي بنسبة من التطابق بين المادة والشيء أو يشير إليها مباشرة على نحو عقلي.

وقد أوضح الجرجاني "أن الاستعارة في الجملة، أن يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي معروف تدل عليه الشواهد، على أنه اختص به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر، أو غير الشاعر في ذلك الأصل، وينقله إليه نقلاً غير لازم فيكون هناك كالعارية"([96]).

فالاستعارة تكثير لدلالة الكلمة في أصلها الوضعي، إلا أن أي جزء من جزئيات هذا التكثير لا بد أن يكون مرتبطاً أو متصلاً بالأصل الوضعي بأكثر من رابط أو سبب يكون فيه قرينة تجعله غير بعيد عن فهم المتلقي أو قراءته. وهذا ما يفسر كيف أن المرزوقي رأى الاستعارة التي هي ضرب من التشبيه أو تطوير عنه، قد يكتفي فيها بالاسم المستعار، لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له. جاعلاً عيارها: الذهن والفطنة، وإنما جعل الذهن جزءاً أولاً من العيار لارتباط العملية الاستعارية بالخيال، والفطنة جزءاً ثانياً للتدليل على القرينة الاستعارية التي لا تجعل لغة الاستعارة مفتوحة من دون ضوابط تحدها، إذ تؤدي الضوابط الاستعارية وظيفة مهمة هي، التناسب بين المستعار منه والمستعار له.


هوامش المبحث الثالث :

([1]) -الموازنة، 1 /234.

([2]) -الديوان، 3/217. الموازنة، 1 /234.

([3]) -الصورة والبناء الشعري، محمد حسن، 10

([4]) -المرجع نفسه، 217.

([5]) -الحيوان، 3 /71.

([6]) -البيان والتبيين، 1 /79.

([7]) -التعريفات، الجرجاني/ 93.

([8]) -دلائل الإعجاز، 495، اللغة العربية، معناها ومبناها، تمام حسان، 342.

([9]) -علم الدلالة، مختار عمر، 72.

([10]) -العربية، معناها ومبناها، 337.

([11]) -المقتضب، 4 /175.

([12]) -دراسة المعنى عند الأصوليين، 232.

([13]) -دينامية النص، محمد مفتاح، 63.

([14]) -خصائص الأسلوب في الشوقيات، الطرابلسي، 518.

([15]) -المرجع نفسه، 518.

([16]) -علم اللغة العام، سوسير 85 –87.

([17]) -علم اللغة الاجتماعي عند العرب، هادي نهر، 81.

([18]) -الأسلوبية والأسلوب، المسدي، 149.

([19]) -العمى والبصيرة، بول دي مال، 6.

([20]) -تطور البحث الدلالي، الصغير، 17.

([21]) -المرجع نفسه، 18.

([22]) -خصائص الأسلوب في الشوقيات، 59.

([23]) -المرجع نفسه، 151.

([24]) -خصائص الأسلوب في الشوقيات، 176.

([25]) -المرجع نفسه، 218.

([26]) -الأسلوبية والأسلوب، المسدي، 170.

([27]) -المرجع نفسه، 176.

([28]) -مبادئ في علم الدلالة، بارت، 71.

([29]) -المرجع نفسه، 70 71.

([30]) -المرجع نفسه، 77.

([31]) -مبادئ في علم الأدلة، 89.

([32]) -شرح ديوان الحماسة، 1 /9.

([33]) -ديوان أبي محجن الثقفي برواية أبي هلال العسكري، 22.

([34]) -إنتاج الدلالة الأدبية، صلاح فضل، 5.

([35]) -المرجع نفسه، 306.

([36]) -إنتاج الدلالة الأدبية، 302.

([37]) -درجة الصفر للكتابة، بارت، 66.

([38]) -درجة الصفر للكتابة، بارت، 71.

([39]) -المرجع نفسه، 80.

([40]) -الأسلوبية والأسلوب، 106 –110.

([41]) -السيمياء، غيرو، 11.

([42]) -ينظر، معايير تحليل الأسلوب، ريفاتير، 18 –66.

([43]) -معايير تحليل الأسلوب، ريفاتير، 68 –69.

([44]) -ينظر، العمدة، 1/ 94 –95.

([45]) -الثابت والمتحول، 1 /107.

([46]) -المصدر نفسه، 3 /135.

([47]) -الديوان، 2 /197.

([48]) -الوساطة، 33.

([49]) الصورة الأدبية، 46.

([50]) خصائص الأسلوب في الشوقيات، 141.

([51]) أسرار البلاغة، 116.

([52]) الديوان، 122.

([53]) أسرار البلاغة، 14.

([54]) الشعرية، أحمد مطلوب، 71.

([55]) أسرار البلاغة، 151.

([56]) المصدر نفسه، 141.

([57]) أسرار البلاغة، 117-118.

([58]) البيان والتبيين، 1/89، وينظر، الحيوان، 4/2، رسائل الجاحظ، 1/103، 154-157.

([59]) لصورة الفنية، جابر عصفور، 218.

([60]) المصدر نفسه، 221.

([61]) الكامل في اللغة والأدب، 3/93.

([62]) خصائص الأسلوب في الشوقيات، 142.

([63]) الصورة الفنية، جابر عصفور، 223.

([64]) نظرية البنائية، صلاح فضل، 383.

([65]) مفهوم الشعر، جابر عصفور، 142.

([66]) في الشعرية، كمال أبو ديب، 46.

([67]) المرجع نفسه، 45.

([68]) المرجع نفسه، 46.

([69]) شرح ديوان الحماسة، 1/10.

([70]) الوساطة، 41.

([71]) دلائل الإعجاز، 105.

([72]) بنية اللغة الشعرية، كوهن، 173.

([73]) في الشعرية، 122، 31، 85.

([74]) دلائل الإعجاز، 393.

([75]) أسرار البلاغة، 32.

([76]) العمدة، 1/269.

([77]) الوساطة، 34.

([78]) الثابت والمتحول، 3/ 192-193.

([79]) النقد البلاغي، ماهر مهدي، 195.

([80]) المنظور البلاغي في نقد الشعر، د. ماهر مهدي، 164، مجلة كلية الآداب، ع39، 1990م.

([81]) بنية اللغة الشعرية، جان كوهين 46.

([82]) منهاج البلغاء، 126.

([83]) المنظور البلاغي في نقد الشعر، مقال، ماهر مهدي هلال، 195.

([84]) الثابت والمتحول، 2/120.

([85]) العمدة، 2/94-95.

([86]) الخيال، مفهوماته ووظائفه، عاطف جودت، 281.

([87]) الموازنة، 1/ 14.

([88]) في الشعرية، 140.

([89]) المصدر نفسه، 140.

([90]) الموازنة، 1/ 14.

([91]) أسرار البلاغة، 252.

([92]) الموازنة، 1/ 15، وينظر، أسرار البلاغة، 43-44.

([93]) الموازنة، 1/ 15.

([94]) أسرار البلاغة، 44.

([95]) المصدر نفسه، 20.

المصدر نفسه، 29.([96](



المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

- - أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق، هـ.ريتر، استانبول، مطبعة وزارة المعارف سنة 1954، أعادت طبعه بالأوفسيت، مكتبة المثنى ببغداد، 1979.‏

- الأسلوب والأسلوبية، بيير جيرو، ترجمة، د:منذر العياشي، مركز الإنماء القومي ط1، بيروت، 1994.‏

الاعلام ، قاموس تراجم لاشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين ،خيرالدين الزركلي ، دار العلم للملاين ط 4 ، 1979 .

- الأسلوبية والأسلوب، د:عبد السلام المسدي، الدار العربية للكتاب، ط2، ليبيا 1982.‏

- إنتاج الدلالة الأدبية، د:صلاح فضل، مؤسسة مختار للنشر والتوزيع /القاهرة، ط1، 1987.‏ ‏

- بغية الوعاة في طبقات اللغوين والنحاة ، جلال الدين بن عبد الرحمن السيوطي ، تحقيق ، محمد ابو الفضل ابراهيم ، المكتبة العصرية ، صيدا – بيروت 1964 .

-البرهان في وجوه البيان، ابن وهب- بغية الوعاة في طبقات اللغوين والنحاة ، جلال الدين بن عبد الرحمن السيوطي ، تحقيق ، محمد ابو الفضل ابراهيم ، المكتبة العصرية ، صيدا – بيروت 1964 الكاتب، تحقيق د.أحمد مطلوب، ود.خديجة الحديثي، بغداد، 1967م. د.ط.‏

- البلاغة والأسلوبية، د.محمد عبد المطلب، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة 1984م، د.ط.‏

- بناء القصيدة في النقد العربي القديم في ضوء النقد الحديث، د.يوسف حسين بكار دار الأندلس، بيروت، ط 2، 1982.‏

- بنية اللغة الشعرية، جان كوهن، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، الدار البيضاء‏

1986م.‏

- بنية العقل العربي، محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 1986م.‏

- البيان والتبيين، الجاحظ، تحقيق، عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي ط5، 1985م.‏ ‏

- تاريخ النقد الأدبي عند العرب، نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري، د:إحسان عباس، دار الشروق للنشر والتوزيع، ط2، عمان/ الأردن، 1986م.‏

- تطور البحث الدلالي عند العرب، دراسة في البحث البلاغي واللغوي، د.محمد حسين الصغير، منشورات دار الكتب العلمية، ط1، بغداد، 1988.‏

- التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، مكتبة لبنان، بيروت، 1985م.‏ ‏

- الثابت والمتحول، بحث في الاتباع والإبداع عند العرب، علي أحمد سعيد (أدونيس) دار العودة، ط3، بيروت، لبنان، 1983م.‏

- جرس الألفاظ ودلالتها في البحث البلاغي والنقدي عند العرب، د.ماهر مهدي هلال دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980م.‏ ‏

- جوامع الشعر، تحقيق محمد سليم سالم، ضمن كتاب "تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر، لابن رشد"، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1971م.‏

-- الحيوان، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق، عبد السلام محمد هارون، مطبعة الحلبي، ط2، مصر، 1965م.‏

- الخصائص، أبو الفتح عثمان بن جني، دار الهدى للطباعة والنشر، ط2، بيروت (د.ت).‏

- خصائص الأسلوب في الشوقيات، محمد الهادي الطرابلسي، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، ط1، تونس، 1981م.‏

- الخطابة، أرسطو، ترجمة، عبد الرحمن بدوي، دار الرشيد للنشر، ط1، بغداد، 1980م.‏

- الخطيئة والتكفير، عبد الله محمد الغذامي، كتاب النادي الأدبي الثقافي، السعودية ط1، 1985م.‏

- الخيال، مفهوماته ووظائفه، د.عاطف جودة نصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب ط1، القاهرة، 1984م.‏

- دراسات بلاغية ونقدية، د.أحمد مطلوب، دار الرشيد للنشر، ط1، 1980م.‏ ‏

- درجة الصفر للكتابة، رولان بارت، ترجمة محمد برادة، دار الطليعة للطباعة والنشر ط1، بيروت، 1981م.‏

- دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، قرأه وعلق عليه، محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي / القاهرة، مطبعة المدني، ط2، القاهرة، 1989م.‏

- دليل الدراسات الأسلوبية، جوزيف شريم، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ط1، بيروت، 1984م.‏

- ديوان أبي تمام، شرح الصولي، تحقيق، خلف رشيد نعمان، وزارة الاعلام، ط1، بغداد، 1977م.‏

-- دينامية النص الشعري، تنظير وإنجاز، د.محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي ط1،‏

1987م.‏

- رسائل الجاحظ، (1- 2) تحقيق:عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة 1964م (د.ط).‏

- رسالة الغفران، المعري، تحقيق، علي شلش، دار القلم، بيروت، 1975م.‏

- زهر الآداب، الحصري القيرواني، القاهرة، ط3، 1953م.‏



- سر الفصاحة، ابن سنان الخفاجي، شرح وتحقيق، عبد المتعال الصعيدي، مطبعة محمد علي صبيح، ط1، 1969م.‏

-- السيمياء، بيارغيرو، ترجمة، أنطون أبي زيد، منشورات دار عويدات، ط1، بيروت‏

1984م.‏

- شرح ديوان الحماسة، أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي، نشره: أحمد أمين وعبد السلام هارون، مطبعة لجنة التأليف للترجمة والنشر، ط1، القاهرة، 1951م.‏

- شرح المقدمة الأدبية لشرح الإمام المرزوقي على ديوان الحماسة لأبي تمام، تحرير الشيخ محمد الطاهر بن العاشور، دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع، بيروت، لبنان‏

1958م.‏

- الشعرية العربية، أدونيس، دار الآداب، ط1، بيروت، 1985م.‏

- شكل القصيدة العربية في النقد العربي حتى القرن الثامن الهجري، د.جودت فخر الدين، دار الآداب، ط1، بيروت، 1984م.‏

- صبح الأعش في صناعة الإنشا، أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي، دار الكتب العصرية، القاهرة، (د.ت).‏

- صفات الشعر في النقد الأدبي في العصر العباسي، علي حسين سلطان، رسالة ماجستير مطبوعة على الآلة الكاتبة، مقدمة إلى مجلس كلية التربية بجامعة الكوفة 1996م.‏

- الصناعتين، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري، تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ط1، القاهرة، 1952م.‏

- الصورة الأدبية، د.مصطفى ناصف، مكتبة مصر، ط1، 1958م.‏

- الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، د.جابر عصفور، دار الثقافة للطباعة والنشر، ط1، القاهرة، 1974م.‏

- عضوية الموسيقى في النص الشعري، د.عبد الفتاح صالح نافع، مكتبة المنار، ط1، الأردن- الزرقاء، 1985م.‏

- علم الأسلوب العربي مبادؤه وإجراءاته، د.صلاح فضل، الهيئة المصرية للكتاب ط2، 1985م.‏

- علم اللغة الاجتماعي عند العرب، د.هادي نهر، ساعدت الجامعة المستنصرية على طبعة، ط1، بغداد، 1988م.‏

- علم اللغة العام، فردينان دي سوسور، ترجمة: د.يوئيل يوسف عزيز، مراجعة د.مالك المطلبي، سلسلة تصدر عن دار آفاق عربية (3) بغداد، 1985م.‏ ‏

- عيار الشعر، محمد بن أحمد بن طباطبا العلوي، تحقيق وتعليق محمد زغلول سلام، منشأة المعارف /الإسكندرية، ط1، 1977م.‏ ‏

- فن الشعر، د.إحسان عباس، دار بيروت للطباعة والنشر، ط1، بيروت 1959م.‏

- فن الشعر، أرسطو، تحقيق د.عبد الرحمن بدوي، القاهرة، 1953م (د.ط).‏

- فن الشعر، هيجل، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، 1981م.‏

- الفن ومذاهبه في الشعر العربي، د.شوقي ضيف، القاهرة، ط6، (د.ت).‏

- في الأدب الجاهلي، طه حسين، دار المعارف، ط2، مصر، 1964م.‏

- في الشعرية، كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، بيروت، 1987م.‏

- قراءة النص، د.يوسف نوفل، مصر لخدمات الناشرين، ط1، القاهرة، 1995م.‏

- قضايا الشعرية، رومان ياكبسون، ترجمة: محمد الوالي ومبارك حنون، دار توبقال لنشر، ط1، الدار البيضاء المغرب، 1988م.‏

- قضية عمود الشعر في النقد العربي القديم، د.وليد قصاب، المكتبة العربية الحديثة، ط2، الإمارات العربية المتحدة، العين، 1985م.‏

- الكامل في اللغة والأدب، أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، تحقيق الدكتور زكي مبارك، مكتبة المعارف، القاهرة، 1936م.‏

- كتاب أرسطو طاليس في الشعر، نقل أبي بشر متي بن يونس القنابي من السرياني إلى العربي، حققه مع ترجمة حديثه ودراسة لتأثيره في البلاغة العربية، د.شكري عياد، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، ط1، 1967م.‏ ‏

- لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1965م.‏

- لغة الشعر الحديث في العراق بين مطلع القرن العشرين والحرب العالمية الثانية د.عدنان حسين العوادي، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، بغداد، 1985م.‏

- اللغة الشعرية في الخطاب النقدي، محمد رضا حسين، دار الشؤون الثقافية العامة ط1، بغداد، 1993م.‏

- اللغة العربية، معناها ومبناها، د.تمام حسان، الهيئة المصرية العامة للكتاب ط1، القاهرة، 1973م.‏

- مبادئ علم الأسلوب العربي، د.شكري عياد، مطبعة أنترناشيونال، ط1، المملكة العربية السعودية، 1988م.‏

- مبادئ في علم الأدلة، رولان بارت، ترجمة: محمد البكر، دار الشؤون الثقافية العامة، ط2، بغداد، 1986م.‏

- مفهوم الشعر، دراسة في التراث النقدي، د.جابر عصفور، المركز العربي للثقافة والفنون، ط1، 1982م.‏

- المقتضب، أبو الفتح عثمان بن جني، تحقيق، محمد عبد الخالق عظيمة، مطابع شركة الإعلانات الشرقية، لجنة إحياء التراث الإسلامي (د.ت) (د.ط).‏

- مقدمة ابن خلدون، ابن خلدون، مطبعة مصطفى محمد، القاهرة، 1928م. - شركة الإعلانات الشرقية- لجنة إحياء التراث الإسلامي، (د.ت). (د.ط).‏ ‏

- مقومات عمود الشعر البنائية، د.ماهر مهدي هلال (بحث مخطوط).‏

- الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية، نحو كتابة تاريخ جديد للبلاغة العربية، د.محمد العمري، منشورات دار سال، ط1، الدار البيضاء، 1991م.‏

- الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، تحقيق السيد أحمد الصقر، دار المعارف، ط2، القاهرة، مصر، 1973م.‏

- موسيقى الشعر، د.إبراهيم أنيس، دار القلم، ط1، بيروت، (د.ت).‏

- الموشح، محمد بن عمران المزرباني، تحقيق: علي محمد بجاوي، مطبعة لجنة التأليف العربي، ط1، بيروت، 1965م.‏

-- نظريات الشعر عند العرب، مصطفى الجوزو، دار الطليعة، ط1، بيروت، 1981م.‏

- نظرية البنائية في النقد الأدبي، د.صلاح فضل، دار الشؤون الثقافية، ط3، بغداد، 1987م.‏

- نظرية المعنى في النقد العربي، د.مصطفى ناصف، القاهرة، 1965م (د.ط).‏

- نقد الشعر، قدامة بن جعفر، تحقيق: كمال مصطفى، مكتبة الخانجي /مصر ومكتبة المثنى بغداد، 1963م، د.ط.‏

- الوساطة بين المتنبي وخصومه، القاضي: علي بن عبد العزيز الجرجاني، تحقيق وشرح محمد أبو الفضل إبراهيم، علي محمد البجاوي، طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه (د.ط)، (د.ت).‏

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2010, 07:01 AM   #2
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 70,730
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقومات نقد الشعر العربي أسلوبيا

بارك الله تعالى فيكم

__________________



أبو ذر الفاضلي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-01-2011, 11:09 PM   #3
الغزالة البريئة
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 3
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقومات نقد الشعر العربي أسلوبيا



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الغزالة البريئة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-01-2011, 08:25 AM   #4
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,973
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقومات نقد الشعر العربي أسلوبيا

ملأ الله صحائفك بما تعلم من الحسنات وما لا تعلم

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-04-2012, 02:23 PM   #5
نبهات
مشرفة ( وفقها الله )
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 11,008
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقومات نقد الشعر العربي أسلوبيا

بارك الله فيك ، شكرا

__________________


نبهات متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-04-2012, 01:04 AM   #6
زينب المحنه
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية زينب المحنه
 
تاريخ التسجيل: Mar 2012
المشاركات: 217
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقومات نقد الشعر العربي أسلوبيا

تعرفون اخواني ان هذا الدكتور يدرسنا الان وهو في قمة العلمية والاخلاق يحبه الطلاب لدرجة لاتصدق حتلى انهم كثيرا مايمزحوا في صنع تمثال له بارك الله فيه وكثرالله من امثاله

زينب المحنه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
نقد الشعر لقدامة بن جعفر أبو يوسف المكتبة الأدبية المصورة 12 05-10-2013 10:30 AM
البديع في نقد الشعر أبو يوسف المكتبة الأدبية المصورة 12 10-04-2012 02:31 PM
الأصالة وتطور مقومات الشعر أبو ذر الفاضلي الكتب اللغوية والأدبية الحصرية المصورة 6 04-06-2011 06:48 PM
في نقد الشعر للربيعي أبو يوسف المكتبة الأدبية المصورة 2 26-12-2010 02:08 PM


الساعة الآن »01:45 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd