روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب *** لا يسمح بوضع الإعلانات في المكتبة، وسنضطر لحذف الموضوع وحظر صاحبه مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > مكتبة علوم اللغة العربية > مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-04-2010, 01:06 AM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,767
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

الخطاب الإشهاري البنية، البعد الخيالي، مشكلات الترجمة.


تقديم:
يهم هذا العرض دراسة الإشهار من خلال مستويين: يتعلق الأول بتحديد خصائص الخطاب والتواصل الإشهاري من خلال تبيان وكشف البناء العام لهذا الخطاب. أما الثاني فيتعلق برصد وتناول بعض مشكلات الترجمة الإشهارية مع محاولة لترجمة وصلات اشهارية "لاتصالات المغرب"، مرفقة بملاحظات وتعليق.

وفيما يلي تصميم للعرض:
1- الخطاب الإشهاري: البنية والوظيفة.
2- البعد الخيالي في الخطاب الإشهاري.
3- مشكلات ترجمة الوصلات الإشهارية:
- ملاحظات.
- قراءة وتطبيق على متن "اتصالات المغرب".








1- الخطاب الإشهاري: البنية والوظيفة.
لا تخلو حياتنا اليومية من الحضور القوي للإشهار فيها، داخل البيت، في الشارع، في الراديو، على التلفاز، في الانترنت ... وغيرها من وسائل الاتصال، بصفة عامة إن العلامة الإشهارية تغزو وتحتل فضاء حياتنا اليومية ومن تم تمارس تأثيرها وسلطتها علينا.
والمؤكد أن " الخطاب الإشهاري ارتبط نوعيا بالمجتمع الصناعي وما بعد الصناعي، إنه أحد أصناف التواصل الجماهيري الأكثر انتشارا ورسوخا في جميع وسائل الإعلام وكذا في الفضاءات العمومية "
و بوصف المجتمع الرأسمالي مجتمعا يطبعه الإنتاج القوي، فقد فطن العقل الرأسمالي (مالكي وسائل الإنتاج والثروة) إلى بناء إستراتيجية لتسويق أكبر عدد ممكن من السلع فمع " التطور المهول لوسائل الإنتاج فاضت الأسواق عن الطلب والحاجة. لقد أصبح الشغل الشاغل للرأسمالية هو كيفية ترويض الناس على الاستهلاك. بل أصبحت منشغلة بجعل الناس يقتنعون بضرورة الاستهلاك/التملك التي يخلقها الإشهار" .
و هذا يمثل المظهر الأول لظهور الإشهار وانتشاره، أما المظهر الثاني فتمثله الوسيلة أو الآلية التي عبرها ينتشر الإشهار ليصل إلى مجموع الناس. وهذه الوسيلة لن تكون إلا "ثروة وسائل الاتصال: الراديو، والتلفزيون، والسينما، والصحافة، والملصقات في الأماكن العمومية وأخيرا الانترنت "
ويقودنا هذا الكلام لرصد بنية الخطاب/التواصل الإشهاري ثم تحديد وظيفته، وهذه البنية والوظيفة متداخلة ( كما في عدد من الخطابات)، إذ لا يمكن فصل بنيته عن وظيفته، ولا دراسة للوظيفة دون البنية. " فالرسالة الإشهارية تقوم على بنية تواصلية مركزة ودقيقة غايتها خلق علاقة بين المستهلك والسلعة بجعل هذه الأخيرة موضوع حاجة ورغبة لديه."
لذلك نجد الخطاب الإشهاري يبنى عامة على مقامين خطابيين هما: مقام العقل والعاطفة، محاكيا بذلك البلاغة التي تشتغل وفق قطبي العقل والعاطفة، العقل بهدف التأثير في المتلقي، والعاطفة بهدف الإقناع . والملاحظ أن " الإشهار المعاصر يلجأ إلى المقام الأول [أي التركيز على البعد العاطفي في بناء الإرسالية الإشهارية] ويتم تحويل اتجاه الإجراءات المنطقية ( العقلية ) ذاتها لصالح الإجراءات العاطفية التي تنتمي إلى مجال الحساسية الجماعية والاستيهامات والأساطير" وهو ما يفسر كون الصورة الإشهارية تعمل على استدعاء انفعالات المتلقي/المتفرج ومنطقه على السواء.
وهذا يوضح كذلك تشكل الإرسالية الإشهارية من تيمات/موضوعات تحاكي العاطفة الإنسانية من صورة: القلق، والتخوف من الفقد والبقايا الطفولية ( مرطبات للحفاظ على البشرة الشابة مثلا)، والجنس، والجمال، والضجر، والحب، والكراهية، وغيرها من العوالم التي تحرك عاطفة المتلقي وتشده بحبالها إلى فتنة المنتوج موضوع الإشهار.
وتفرغ هذه التيمات على شكل علامات تحمل مدلولات، أي أن هناك ما هو أبعد من الإخبار و الإبلاغ عن واقعة واقعية أو خيالية إلى ما هو مخفي ومضمر " فالإشهار مثلا بالنسبة لسيارة يكون شكل جانبها وطلاؤها وغشاء مقاعدها دوالا، يدعم ضمنيا مدلولات من طبيعة أخرى كالرفاهية مثلا، والوضعية الاجتماعية والسلطة والقوة إلخ، إن الأسطورة تفهم هنا على شكل كلام مخادع يخفي الرسالة الإيديولوجية خلف البداهة الهادئة للعقل السليم، أي الطبيعي، وأن ماتعطينا إياه إتصالات الجماهير والإشهار بشكل خاص "ليس هو الحقيقة وإنما ضلال الحقيقة " بتعبير جون بودريار.
ومما يلاحظ كذلك على الخطاب الإشهاري باعتباره رسالة تواصلية موضوعها المنتوج مصحوبا بسنن لساني وأيقوني وثقافي غايته إقناع المتلقي ليتحول إلى مستهلك للمنتوج، أنه لا يأخذ شكل التواصل المبني على التفاعل الذي قد يكون إما بالسلب أو الإيجاب، فالتواصل الإشهاري لا يترك مجالا لاختيارات المتلقي ومن ثمة يقصي كل تفكير في الرفض، ورد الفعل السلبي من المتلقي، بكل بساطة لأن غايته الرئيسية هي الربح والتسويق الاقتصادي وإن كان مصحوبا بخلفية إيديولوجية أو ثقافية فإنها ثانوية هامشية.
و أخيرا يحظر الخيال بقوة في الخطاب الإشهاري وهو موضوع المحور الثاني من هذا الغرض.
2- البعد الخيالي في الإشهار:
يورد الباحث المصري في أحد مؤلفاته أن المعجم المتعلق بالخيال في ثقافتنا العربية القديمة محدود، وكلمة خيال تعبر عن "الشكل والهيئة والظل، كما تشير إلى الطيف والصورة التي تتمثل لنا في النوم وأحلام اليقظة ..."
ونجد الخيال حاضرا في عدد من الخطابات ( الشعر، الخطبة، مسرح..) إذ تقدم لنا التجربة الخيالية عالما ممكنا بشكل جوهري تماما، فهو نوع من الإمكان (المتاح) المفكر فيه والمسلم به في ذاته، فهو من تم عالم ممكن وليس وهما أو انعكاسا أو هديانا.
وما دمنا بصدد دراسة البعد الخيالي في الخطاب الإشهاري، يمكن رصد ذلك بشكل مباشر في أغلب الوصلات الإشهارية التي تبث على وسائل الإعلام، فنلاحظ سيطرة ما هو إيحائي رمزي إذ يأخذ المنتوج وضعا اعتباريا خياليا فيصير ممدوحا مبجلا جليل الأوصاف قصد ترغيب الناس فيه.
ولذلك "يشتغل خطاب الإشهار دائما، من خلال الإحالة على واقع ما. لكنه يجري تحويلات وتغيرات على هذا الواقع ليصير معطى متخيلا يرتبط بالمجال النفسي بمختلف تشكلاته الواعية واللاواعية الغريزية والثقافية... فالإشهار يستعير، لحسابه الخاص، كثيرا من الصور والقيم الرمزية..."
والغاية من توظيف ما هو خيالي في خطاب واقعي من المفروض أن تغلب عليه اللغة التقريرية، هو السعي لإضفاء طابع المعقولية و الواقعية على المنتوج وبذلك محاولة محو كل المؤشرات المادية و الدعائية التي تشكل طبيعته. و أكتر من ذلك محو ما هو اصطناعي في بعض الإشهارات كما يتوضح ذلك فيما سيأتي.
مثال 1:
شمبوان بالموليف، يصاحب عرض هذا المنتوج بصوت ذكوري يردد:
" صابون بالموليف صابون زيت الزيتون صابون بالموليف صابون طبيعي ".
نقف على السعي لمحو كل أثر صناعي عن المنتوج وإحالته رمزيا إلى أصل طبيعي عبر وسيط رمزي هو النبات بكل ما يحيل عليه من تكوينات غذائية وثقافية ومن تم محو كل الوسائط الصناعية عبر مقولة الأصالة. فلم يعد المنتوج يساوي مقابل مالي بل يحل محله العطاء والبدل الطبيعي.
مثال 2.
منتوج " إميديا لوريال". هي وصلة اشهارية مترجمة تقدم في لقطة لمرأة جميلة عصرية اللباس والهيئة، أوربية الملامح تقول في مونولوج:
" شعري هو جمالي ومن تم كنعتاني به. ولهذا علاش كنستعمل ملون طبيعي كيعطي لون أصلي كيناسبني غميديا لوريال كيرد الشعر كيضوي ..كنستعملو بثقة وأمان كيعطي لشعري كل جمال إميديا لوريال ملون إميديا كيعطي لشعرك ما يستهل من جمال."
إضافة إلى التيمة الطبيعية التي وقفنا عليها في المثال السابق تبرز تيمة أخرى هي الأنوثة، فهذه الرسالة الإشهارية تقوم على تمثيل خيالي لصور الحميمية الأنثوية التي تجسدها صيغة الخطاب/المونولوج قبل المحتوى الدلالي، صورة يتضمن ما فيها من كشف لسر الجمال ومصدره أمام المشاهد ربط عقد ثقة خاص مع هذا المشاهد لأجل التمثل الواقعي لحكاية المرأة/المتكلم وتصديقها من أجل إعادة إنتاجها في الواقع الإستهلاكي. وهو ما يبرز بشكل جلي في تحول وجهة الخطاب من خطاب ذاتي/مونولوج إلى خطاب موجه للمشاهد ( كيعطي لشعرك ما يستهل من جمال).
إضافة إلى الفعل السحري والعجيب للمنتوج (كيرد الشعر كيطوي- كيعطي لون أصلي) فيربط بذلك خيال المستهلك من خلال التمثلات الرمزية بكل ما هو ثمين وجميل وباهر.
وحاصل القول أن الطبيعة الخيالية للإشهار، إذا توظف مكونات ورموز معتادة ومختزلة، تختلف لدى المتلقي موقف مترددا بين قبوله ورفضه بين تصديقه وعدمه، فالمتلقي إذا استثنينا الطفل، في بعض الحالات، يعرف أنه أمام خطاب تمويهي خيالي لكنه مع ذلك يجد نفسه منجذبا إلى تلبية الرسالة الإشهارية لأنها تمس الرغبة واللاوعي عنده.

3- خصائص ترجمة الوصلات الإشهارية:
كانت الحاجة إلى ترجمة الإشهار، الاكتساح المتنامي للأسواق العالمية من قبل الشركات العالمية الكبرى "توصيل نفس المنتوج بنفس الطريقة إلى كل مناطق المعمور" وساعد تحقيق هذا التحدي التطور المهول في مجال الإعلام عبر الكثير من الوسائل الدعائية من صحافة مكتوبة وتلفاز والانترنيت وقبل ذلك وكالات الإشهار.
تواجه الترجمة الإشهارية عدد من المشكلات تحد من فعالياتها، فإذا كانت الترجمة الإشهارية تسعى إلى تدويل المنتوج من الربح فإنها تصدم مجموعة من العوائق.
نستحضر هنا، قبل تحديد العوائق أن هذه العولمة هو القول بأحادية الحضارة هو رفع الحواجز بين الدول فيما يخص السلع وإلغاء أي رقابة يمكن أن تعيق ذلك والهدف تشييد مجتمع استهلاكي خاضع لمنظومة الأحادية السالفة الذكر وحول هذه النقط نحيل إلى كتابات: بارت، جان بودريار، في كتابه مجتمع الاستهلاك، المهدي المنجرة...
• عائق اللغة: إذا كانت المنظومة الفكرية للعالم المتعدد هو فرض كل ثقافته والعمل على سيادتها، فإن الحاجة إلى اللغة المحلية تفرض ذاتها في مجال الترجمة الإشهارية أمام الحاجة إلى تسويق المنتوج وتقريبه إلى مستهلكين مفترضين لا يتكلمون اللغة الأصل للمنتوج وهذا اعتراف ضمني باللغة المحلية لكنه في الحقيقة اعتراف نفعي اقتصادي.
• عائق الثقافة: يواجه الإشهار الدولي المترجم مقاومة ثقافية حين إخلاله بثقافة عدد من الشعوب التي يوجه إليها، مظاهر الحشمة مثلا بالنسبة لمجتمعات محافظة، لهذا يستبعد المشتغلون في المجال الوسيلتين الأكثر رواجا في مجال نقل الإرساليات الإشهارية من دبلجة وعنونة تحثية إلى تقنية أخرى ربما تكون هي الأنجع في التفاعل مع المعطى الثقافي المحلي آلا وهو إعادة إنتاج الإرسالية عبر إخراج جديد يأخذ بعين الاعتبار العنصرين المشار إليهما أعلاه.
ترجمة لبعض الوصلات الإشهارية لشركة اتصالات المغرب:
الإشهار الأول:
مع التيلكارت الجديدة إتصالات المغرب.
يمكن ليك تعيط بيها من هنا أو من هنا
من 10 أبريل إلى 20 أبريل عندكم الدوبل ديال الرصيد على كل تلكارت الجديدة
وهكذا غادي تستافدوا من أثمنة مكاينش بحالها
غير درهم للدقيقة في إتجاه فرنسا إسبانيا و إيطاليا
إتصالات المغرب عالم جديد يناديكم.
الترجمة
Avec la nouvelle télécarte Maroc Telecom vous pouvez appelez d’ici ou de là.
Du 10 au 20 avril vous avez la double recharge sur toutes les nouvelles télécartes.
Donc, vous bénéficiez des prix imbattable.
Un seul dirham pour la minute vers la France, l’Espagne et l’Italie.
Maroc Telecom un monde nouveau vous appelle.


الإشهار الثاني:
متنساوش، هذه هي فترة الرصيد المضاعف.
بالفعل من14 إلى 20 ماي عندكم الدوبل ديال الرصيد على كل تليكارت ديال 20، 50، أو 100 درهم ديال إتصالات المغرب.
أو غير بدرهم في اتجاه إسبانيا، إيطاليا، أو فرنسا.
ألو
اتصالات المغرب عالم جديد يناديكم
أو بهاذ البطاقة يمكن ليكم توجهوا مكالماتكم الوطنية والدولية حتى من أين هاتف تابت
الترجمة
N’oubliez pas ! C’est la période de la double recharge.
Effectivement du 14 à 20 mai vous avez la double recharge sur chaque télécarte de 20Dh, 50Dh, ou 100Dh de Maroc Telecom
Et seulement avec un dirham vers l’Espagne ; l’Italie ; ou la France.
Allo.
Maroc Telecom un monde nouveau vous appelle
Et avec cette carte vous pouvez transférez vos appels nationaux et internationaux à partir de tous les téléphones fixes.



الإشهار الثالث:

Votre vie va changer.
Avec Maroc Telecom TV retrouvez chez vous toutes vos chaines préférées plus besoin de paraboles.
Une prise téléphonique suffit.
Brancher et regarder.
Le meilleur du sport avec tous les matches de la coupe du monde.
Des programmes de midi pour enfant avec cartoon network, space toon et bien d’autre.
Le cinéma passionnément avec fox live, TSM, ART movie, et rotana cinéma.
Trois bouquets au choix, vos meilleures chaines de TV numériques à partir de 40 DH hors taxe par mois.
Maroc Telecom un monde nouveau vous appelle.
الترجمة
حياتكم ستتغير.
مع تلفزة إتصالات المغرب، ستجدون في بيوتكم كل شاشاتكم المفضلة ولن تحتاجوا بعد ذلك للصحون الهوائية.
يكفيكم خط هاتفي.
صل الخط الهاتفي وتفرج.
أفضل ما في الرياضة مع كل مباريات كأس العالم.
برامج منتصف النهار للأطفال مع كارتون نت وورك، و سبايس تون وقنوات أخرى.
السينما المشوقة مع فوكس لايف، و ت س م، و آرت أفلام، و روتانا سينما.
ثلاثة باقات من إختياركم، أفضل القنوات التلفزية الرقمية إنطلاقا من 40 درهم للشهر ودون احتساب الرسوم
إتصالات المغرب عالم جديد يناديكم.

خاتمة:
و بهذا نكون قد وقفنا على عالم الإشهار من خلال دراستنا لخصوصيته وكذا الوقوف على بعض المشاكل التي يواجهها الإشهار المترجم، خاصة العالمي منه، والتي حصرناها في مشكلين رئيسيين هما اللغة والثقافة. وأخيرا قدمنا ترجمة لبعض الإشهارات الخاصة باتصالات المغرب، والله الموفق.

هذا البحث بتعاون مع الزميلين الفاضلين:
يوسف أحنصال وهشام الهاشمي. تقديم:
يهم هذا العرض دراسة الإشهار من خلال مستويين: يتعلق الأول بتحديد خصائص الخطاب والتواصل الإشهاري من خلال تبيان وكشف البناء العام لهذا الخطاب. أما الثاني فيتعلق برصد وتناول بعض مشكلات الترجمة الإشهارية مع محاولة لترجمة وصلات اشهارية "لاتصالات المغرب"، مرفقة بملاحظات وتعليق.

وفيما يلي تصميم للعرض:
1- الخطاب الإشهاري: البنية والوظيفة.
2- البعد الخيالي في الخطاب الإشهاري.
3- مشكلات ترجمة الوصلات الإشهارية:
- ملاحظات.
- قراءة وتطبيق على متن "اتصالات المغرب".








1- الخطاب الإشهاري: البنية والوظيفة.
لا تخلو حياتنا اليومية من الحضور القوي للإشهار فيها، داخل البيت، في الشارع، في الراديو، على التلفاز، في الانترنت ... وغيرها من وسائل الاتصال، بصفة عامة إن العلامة الإشهارية تغزو وتحتل فضاء حياتنا اليومية ومن تم تمارس تأثيرها وسلطتها علينا.
والمؤكد أن " الخطاب الإشهاري ارتبط نوعيا بالمجتمع الصناعي وما بعد الصناعي، إنه أحد أصناف التواصل الجماهيري الأكثر انتشارا ورسوخا في جميع وسائل الإعلام وكذا في الفضاءات العمومية "
و بوصف المجتمع الرأسمالي مجتمعا يطبعه الإنتاج القوي، فقد فطن العقل الرأسمالي (مالكي وسائل الإنتاج والثروة) إلى بناء إستراتيجية لتسويق أكبر عدد ممكن من السلع فمع " التطور المهول لوسائل الإنتاج فاضت الأسواق عن الطلب والحاجة. لقد أصبح الشغل الشاغل للرأسمالية هو كيفية ترويض الناس على الاستهلاك. بل أصبحت منشغلة بجعل الناس يقتنعون بضرورة الاستهلاك/التملك التي يخلقها الإشهار" .
و هذا يمثل المظهر الأول لظهور الإشهار وانتشاره، أما المظهر الثاني فتمثله الوسيلة أو الآلية التي عبرها ينتشر الإشهار ليصل إلى مجموع الناس. وهذه الوسيلة لن تكون إلا "ثروة وسائل الاتصال: الراديو، والتلفزيون، والسينما، والصحافة، والملصقات في الأماكن العمومية وأخيرا الانترنت "
ويقودنا هذا الكلام لرصد بنية الخطاب/التواصل الإشهاري ثم تحديد وظيفته، وهذه البنية والوظيفة متداخلة ( كما في عدد من الخطابات)، إذ لا يمكن فصل بنيته عن وظيفته، ولا دراسة للوظيفة دون البنية. " فالرسالة الإشهارية تقوم على بنية تواصلية مركزة ودقيقة غايتها خلق علاقة بين المستهلك والسلعة بجعل هذه الأخيرة موضوع حاجة ورغبة لديه."
لذلك نجد الخطاب الإشهاري يبنى عامة على مقامين خطابيين هما: مقام العقل والعاطفة، محاكيا بذلك البلاغة التي تشتغل وفق قطبي العقل والعاطفة، العقل بهدف التأثير في المتلقي، والعاطفة بهدف الإقناع . والملاحظ أن " الإشهار المعاصر يلجأ إلى المقام الأول [أي التركيز على البعد العاطفي في بناء الإرسالية الإشهارية] ويتم تحويل اتجاه الإجراءات المنطقية ( العقلية ) ذاتها لصالح الإجراءات العاطفية التي تنتمي إلى مجال الحساسية الجماعية والاستيهامات والأساطير" وهو ما يفسر كون الصورة الإشهارية تعمل على استدعاء انفعالات المتلقي/المتفرج ومنطقه على السواء.
وهذا يوضح كذلك تشكل الإرسالية الإشهارية من تيمات/موضوعات تحاكي العاطفة الإنسانية من صورة: القلق، والتخوف من الفقد والبقايا الطفولية ( مرطبات للحفاظ على البشرة الشابة مثلا)، والجنس، والجمال، والضجر، والحب، والكراهية، وغيرها من العوالم التي تحرك عاطفة المتلقي وتشده بحبالها إلى فتنة المنتوج موضوع الإشهار.
وتفرغ هذه التيمات على شكل علامات تحمل مدلولات، أي أن هناك ما هو أبعد من الإخبار و الإبلاغ عن واقعة واقعية أو خيالية إلى ما هو مخفي ومضمر " فالإشهار مثلا بالنسبة لسيارة يكون شكل جانبها وطلاؤها وغشاء مقاعدها دوالا، يدعم ضمنيا مدلولات من طبيعة أخرى كالرفاهية مثلا، والوضعية الاجتماعية والسلطة والقوة إلخ، إن الأسطورة تفهم هنا على شكل كلام مخادع يخفي الرسالة الإيديولوجية خلف البداهة الهادئة للعقل السليم، أي الطبيعي، وأن ماتعطينا إياه إتصالات الجماهير والإشهار بشكل خاص "ليس هو الحقيقة وإنما ضلال الحقيقة " بتعبير جون بودريار.
ومما يلاحظ كذلك على الخطاب الإشهاري باعتباره رسالة تواصلية موضوعها المنتوج مصحوبا بسنن لساني وأيقوني وثقافي غايته إقناع المتلقي ليتحول إلى مستهلك للمنتوج، أنه لا يأخذ شكل التواصل المبني على التفاعل الذي قد يكون إما بالسلب أو الإيجاب، فالتواصل الإشهاري لا يترك مجالا لاختيارات المتلقي ومن ثمة يقصي كل تفكير في الرفض، ورد الفعل السلبي من المتلقي، بكل بساطة لأن غايته الرئيسية هي الربح والتسويق الاقتصادي وإن كان مصحوبا بخلفية إيديولوجية أو ثقافية فإنها ثانوية هامشية.
و أخيرا يحظر الخيال بقوة في الخطاب الإشهاري وهو موضوع المحور الثاني من هذا الغرض.
2- البعد الخيالي في الإشهار:
يورد الباحث المصري في أحد مؤلفاته أن المعجم المتعلق بالخيال في ثقافتنا العربية القديمة محدود، وكلمة خيال تعبر عن "الشكل والهيئة والظل، كما تشير إلى الطيف والصورة التي تتمثل لنا في النوم وأحلام اليقظة ..."
ونجد الخيال حاضرا في عدد من الخطابات ( الشعر، الخطبة، مسرح..) إذ تقدم لنا التجربة الخيالية عالما ممكنا بشكل جوهري تماما، فهو نوع من الإمكان (المتاح) المفكر فيه والمسلم به في ذاته، فهو من تم عالم ممكن وليس وهما أو انعكاسا أو هديانا.
وما دمنا بصدد دراسة البعد الخيالي في الخطاب الإشهاري، يمكن رصد ذلك بشكل مباشر في أغلب الوصلات الإشهارية التي تبث على وسائل الإعلام، فنلاحظ سيطرة ما هو إيحائي رمزي إذ يأخذ المنتوج وضعا اعتباريا خياليا فيصير ممدوحا مبجلا جليل الأوصاف قصد ترغيب الناس فيه.
ولذلك "يشتغل خطاب الإشهار دائما، من خلال الإحالة على واقع ما. لكنه يجري تحويلات وتغيرات على هذا الواقع ليصير معطى متخيلا يرتبط بالمجال النفسي بمختلف تشكلاته الواعية واللاواعية الغريزية والثقافية... فالإشهار يستعير، لحسابه الخاص، كثيرا من الصور والقيم الرمزية..."
والغاية من توظيف ما هو خيالي في خطاب واقعي من المفروض أن تغلب عليه اللغة التقريرية، هو السعي لإضفاء طابع المعقولية و الواقعية على المنتوج وبذلك محاولة محو كل المؤشرات المادية و الدعائية التي تشكل طبيعته. و أكتر من ذلك محو ما هو اصطناعي في بعض الإشهارات كما يتوضح ذلك فيما سيأتي.
مثال 1:
شمبوان بالموليف، يصاحب عرض هذا المنتوج بصوت ذكوري يردد:
" صابون بالموليف صابون زيت الزيتون صابون بالموليف صابون طبيعي ".
نقف على السعي لمحو كل أثر صناعي عن المنتوج وإحالته رمزيا إلى أصل طبيعي عبر وسيط رمزي هو النبات بكل ما يحيل عليه من تكوينات غذائية وثقافية ومن تم محو كل الوسائط الصناعية عبر مقولة الأصالة. فلم يعد المنتوج يساوي مقابل مالي بل يحل محله العطاء والبدل الطبيعي.
مثال 2.
منتوج " إميديا لوريال". هي وصلة اشهارية مترجمة تقدم في لقطة لمرأة جميلة عصرية اللباس والهيئة، أوربية الملامح تقول في مونولوج:
" شعري هو جمالي ومن تم كنعتاني به. ولهذا علاش كنستعمل ملون طبيعي كيعطي لون أصلي كيناسبني غميديا لوريال كيرد الشعر كيضوي ..كنستعملو بثقة وأمان كيعطي لشعري كل جمال إميديا لوريال ملون إميديا كيعطي لشعرك ما يستهل من جمال."
إضافة إلى التيمة الطبيعية التي وقفنا عليها في المثال السابق تبرز تيمة أخرى هي الأنوثة، فهذه الرسالة الإشهارية تقوم على تمثيل خيالي لصور الحميمية الأنثوية التي تجسدها صيغة الخطاب/المونولوج قبل المحتوى الدلالي، صورة يتضمن ما فيها من كشف لسر الجمال ومصدره أمام المشاهد ربط عقد ثقة خاص مع هذا المشاهد لأجل التمثل الواقعي لحكاية المرأة/المتكلم وتصديقها من أجل إعادة إنتاجها في الواقع الإستهلاكي. وهو ما يبرز بشكل جلي في تحول وجهة الخطاب من خطاب ذاتي/مونولوج إلى خطاب موجه للمشاهد ( كيعطي لشعرك ما يستهل من جمال).
إضافة إلى الفعل السحري والعجيب للمنتوج (كيرد الشعر كيطوي- كيعطي لون أصلي) فيربط بذلك خيال المستهلك من خلال التمثلات الرمزية بكل ما هو ثمين وجميل وباهر.
وحاصل القول أن الطبيعة الخيالية للإشهار، إذا توظف مكونات ورموز معتادة ومختزلة، تختلف لدى المتلقي موقف مترددا بين قبوله ورفضه بين تصديقه وعدمه، فالمتلقي إذا استثنينا الطفل، في بعض الحالات، يعرف أنه أمام خطاب تمويهي خيالي لكنه مع ذلك يجد نفسه منجذبا إلى تلبية الرسالة الإشهارية لأنها تمس الرغبة واللاوعي عنده.

3- خصائص ترجمة الوصلات الإشهارية:
كانت الحاجة إلى ترجمة الإشهار، الاكتساح المتنامي للأسواق العالمية من قبل الشركات العالمية الكبرى "توصيل نفس المنتوج بنفس الطريقة إلى كل مناطق المعمور" وساعد تحقيق هذا التحدي التطور المهول في مجال الإعلام عبر الكثير من الوسائل الدعائية من صحافة مكتوبة وتلفاز والانترنيت وقبل ذلك وكالات الإشهار.
تواجه الترجمة الإشهارية عدد من المشكلات تحد من فعالياتها، فإذا كانت الترجمة الإشهارية تسعى إلى تدويل المنتوج من الربح فإنها تصدم مجموعة من العوائق.
نستحضر هنا، قبل تحديد العوائق أن هذه العولمة هو القول بأحادية الحضارة هو رفع الحواجز بين الدول فيما يخص السلع وإلغاء أي رقابة يمكن أن تعيق ذلك والهدف تشييد مجتمع استهلاكي خاضع لمنظومة الأحادية السالفة الذكر وحول هذه النقط نحيل إلى كتابات: بارت، جان بودريار، في كتابه مجتمع الاستهلاك، المهدي المنجرة...
• عائق اللغة: إذا كانت المنظومة الفكرية للعالم المتعدد هو فرض كل ثقافته والعمل على سيادتها، فإن الحاجة إلى اللغة المحلية تفرض ذاتها في مجال الترجمة الإشهارية أمام الحاجة إلى تسويق المنتوج وتقريبه إلى مستهلكين مفترضين لا يتكلمون اللغة الأصل للمنتوج وهذا اعتراف ضمني باللغة المحلية لكنه في الحقيقة اعتراف نفعي اقتصادي.
• عائق الثقافة: يواجه الإشهار الدولي المترجم مقاومة ثقافية حين إخلاله بثقافة عدد من الشعوب التي يوجه إليها، مظاهر الحشمة مثلا بالنسبة لمجتمعات محافظة، لهذا يستبعد المشتغلون في المجال الوسيلتين الأكثر رواجا في مجال نقل الإرساليات الإشهارية من دبلجة وعنونة تحثية إلى تقنية أخرى ربما تكون هي الأنجع في التفاعل مع المعطى الثقافي المحلي آلا وهو إعادة إنتاج الإرسالية عبر إخراج جديد يأخذ بعين الاعتبار العنصرين المشار إليهما أعلاه.
ترجمة لبعض الوصلات الإشهارية لشركة اتصالات المغرب:
الإشهار الأول:
مع التيلكارت الجديدة إتصالات المغرب.
يمكن ليك تعيط بيها من هنا أو من هنا
من 10 أبريل إلى 20 أبريل عندكم الدوبل ديال الرصيد على كل تلكارت الجديدة
وهكذا غادي تستافدوا من أثمنة مكاينش بحالها
غير درهم للدقيقة في إتجاه فرنسا إسبانيا و إيطاليا
إتصالات المغرب عالم جديد يناديكم.
الترجمة
Avec la nouvelle télécarte Maroc Telecom vous pouvez appelez d’ici ou de là.
Du 10 au 20 avril vous avez la double recharge sur toutes les nouvelles télécartes.
Donc, vous bénéficiez des prix imbattable.
Un seul dirham pour la minute vers la France, l’Espagne et l’Italie.
Maroc Telecom un monde nouveau vous appelle.


الإشهار الثاني:
متنساوش، هذه هي فترة الرصيد المضاعف.
بالفعل من14 إلى 20 ماي عندكم الدوبل ديال الرصيد على كل تليكارت ديال 20، 50، أو 100 درهم ديال إتصالات المغرب.
أو غير بدرهم في اتجاه إسبانيا، إيطاليا، أو فرنسا.
ألو
اتصالات المغرب عالم جديد يناديكم
أو بهاذ البطاقة يمكن ليكم توجهوا مكالماتكم الوطنية والدولية حتى من أين هاتف تابت
الترجمة
N’oubliez pas ! C’est la période de la double recharge.
Effectivement du 14 à 20 mai vous avez la double recharge sur chaque télécarte de 20Dh, 50Dh, ou 100Dh de Maroc Telecom
Et seulement avec un dirham vers l’Espagne ; l’Italie ; ou la France.
Allo.
Maroc Telecom un monde nouveau vous appelle
Et avec cette carte vous pouvez transférez vos appels nationaux et internationaux à partir de tous les téléphones fixes.



الإشهار الثالث:

Votre vie va changer.
Avec Maroc Telecom TV retrouvez chez vous toutes vos chaines préférées plus besoin de paraboles.
Une prise téléphonique suffit.
Brancher et regarder.
Le meilleur du sport avec tous les matches de la coupe du monde.
Des programmes de midi pour enfant avec cartoon network, space toon et bien d’autre.
Le cinéma passionnément avec fox live, TSM, ART movie, et rotana cinéma.
Trois bouquets au choix, vos meilleures chaines de TV numériques à partir de 40 DH hors taxe par mois.
Maroc Telecom un monde nouveau vous appelle.
الترجمة
حياتكم ستتغير.
مع تلفزة إتصالات المغرب، ستجدون في بيوتكم كل شاشاتكم المفضلة ولن تحتاجوا بعد ذلك للصحون الهوائية.
يكفيكم خط هاتفي.
صل الخط الهاتفي وتفرج.
أفضل ما في الرياضة مع كل مباريات كأس العالم.
برامج منتصف النهار للأطفال مع كارتون نت وورك، و سبايس تون وقنوات أخرى.
السينما المشوقة مع فوكس لايف، و ت س م، و آرت أفلام، و روتانا سينما.
ثلاثة باقات من إختياركم، أفضل القنوات التلفزية الرقمية إنطلاقا من 40 درهم للشهر ودون احتساب الرسوم
إتصالات المغرب عالم جديد يناديكم.

خاتمة:
و بهذا نكون قد وقفنا على عالم الإشهار من خلال دراستنا لخصوصيته وكذا الوقوف على بعض المشاكل التي يواجهها الإشهار المترجم، خاصة العالمي منه، والتي حصرناها في مشكلين رئيسيين هما اللغة والثقافة. وأخيرا قدمنا ترجمة لبعض الإشهارات الخاصة باتصالات المغرب، والله الموفق.

هذا البحث بتعاون مع الزميلين الفاضلين:
يوسف أحنصال وهشام الهاشمي.
بدر جميل
http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=23683

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2010, 01:07 AM   #2
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,767
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

دور كتاب "آليات الخطاب الإشهاري ورهاناته.. مكونات الخطاب الإشهاري ووظائفه ورهاناته"

الرباط 22-03-2010 صدر حديثا كتاب "آليات الخطاب الإشهاري ورهاناته .. مكونات الخطاب الإشهاري ووظائفه ورهاناته" الذي قام بتنسيق مواده الناقد محمد الداهي.

والكتاب ثمرة أشغال ندوة دولية نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة الحسن الثاني عين الشق بالدار البيضاء أيام 24 و25 و26 مارس 2009 بمشاركة نخبة من المثقفين والباحثين من المغرب وتونس ومصر وسورية والأردن والسعودية وإسبانيا وفرنسا.

ويروم هذا الكتاب "تزويد القارئ بالأدوات التي يمكن أن تسعفه على التعرف مكونات الخطابات المتداولة وفهم محتوياتها وتفكيك شفراتها ، وإثارة نقاش علمي رصين حول وظائف الخطاب الإشهاري ورهاناته وانعكاساته على حياة الناس، ونمط عيشهم وتطلعاتهم وموقفهم من الوجود".

ويركز الداهي في تقديمه للكتاب على المحاور والمقاربات التي تناولت الإشهار في المداخلات المنشورة من خلال محور حول الإشهار والتسويق باعتماد استراتيجيات محددة لكسب رهان المنافسة ومحور آليات الخطاب الإشهاري من خلال تفكيك الأبعاد الجمالية المتحكمة في أفق الإرسال ومحور دغدغة أحاسيس الإقناع ورهانات الإشهار .

ويقدم الكتاب، حسب الناقد عبد الحق ميفراني، عموما "مقاربات غنية وتنوعا في المقاربات من زوايا نظرية متعددة سيميائية، تداولية، النقد الثقافي، النقد النفسي.. وغنى موضوعاتي يرتكز على القانون والآداب والفنون والتسويق والاقتصاد والتدبير...".

شارك ضمن القسم العربي من الكتاب (144 صفحة) الباحث السيميائي سعيد بنكراد ب(المرئي وجوهره في الوصلة الإشهارية) وفريد الزاهي (حفريات الإشهار بالمغرب مقاربة أولية) والباحث المصري جميل عبد المجيد (الإعلان والأدب) والناقد عبد المجيد النوسي (التركيب في الصورة الإشهارية وظائفه الاستدلالية والإقناعية) والباحث الأردني هادي نهر (مسارات الخطاب الإشهاري من بلاغة الكلمة الى بلاغة التكنولوجيا) والباحث الإسباني أوبيدي كانربونيل اكورطيس (التمثل الثقافي في ترجمة الإعلانات التجارية) ومحمد فارضي (المقاربة التسويقية للخطاب الإشهاري) والناقد الجمالي إدريس القري بمبحث حول آليات التأثير في الخطاب الإشهاري.

وشارك، ضمن القسم الفرنسي (188 صفحة)، الباحثون عبد الجليل الحمومي بتشريح وضع الإشهار في الحقل السمعي والبصري ونجاة ليمام تناني (تونس ) بتجربة الروائية الفرنسية مارغريت دوراس وبرونو ترونتيني (فرنسا) وفرانسو كوبولا (جامعة تولوز الفرنسية) بالتواصل الإشهاري في مجال القطاع الصحي العمومي ودوانة مايكيلا بوبا (رومانيا) باللاوعي والإشهار وأحمد بوعود (جامعة عين الشق) ومصطفى الشادلي بخلاصات أساسية للبعد الأيقوني والرمزي داخل الصورة الإشهارية وأيوب بوهوهو وروكسندرا بتروفيشي بالإشهار التلفزي، والإيطالية ماريا انجيلا غارسيا كولادو (مركز ثيربانتيس بتطوان) بسؤال الخطاب الإشهاري والسيميوطيقا.

طبع الكتاب، الصادر في إطار سلسلة ندوات ومناظرات رقم 20 ، بدعم من الهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري.

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2010, 01:09 AM   #3
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,767
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

بلاغة الصورة وفاعلية التأثير في الخطاب الإشهاري (نظرة سيميائية تداولية)

ـــ د.بشير إبرير- الجزائر

تهدف هذه الدراسة إلى محاولة البحث عن جملة العناصر التي تجعل من الإشهار خطاباً سيميائياً تداولياً بالنظر إلى صوره الثابتة والمتحركة بما تحمله من كفاءة وقوة على التبليغ والتواصل وما يكمن فيها من عناصر جمالية وفنية وطاقة وفعالية في التأثير على المتلقين وذلك بالتركيز على أنواع الإشهار وعناصره ووظائفه والمقاربات المنهجية الخاصة بتحليله مع محاولة تقديم نموذج تطبيقي.

1ـ مقدمة:

يعد الخطاب الإشهاري في عصرنا هذا صناعة إعلامية وثقافية بأتم معنى الكلمة، ولذلك فهو يحظى باهتمام كبير في مختلف المجتمعات وخصوصاً المتطورة منها، لما يتميز به من قدرة عالية على بلورة الرأي وتشكيل الوعي وفي التأثير على الثقافة وتوجيهها في أبعادها المختلفة الأخلاقية والفلسفية.

وبالرغم من هذا فإن هذا النوع من الخطابات ما يزال يحبو ويكاد يكون مجهولا في كتاباتنا ومناهج تدريسنا ودراستنا باللغة العربية (1) وبخاصة في اللغة والأدب التي لا بد أن تتغير وتتطور وتواكب عصرها، إذ لا شك في أن الخطاب الإشهاري يعد من الخطابات التي تندرج في إطار الممارسة الثقافية كالخطاب الأدبي أو السينمائي أو البصري… فهو يؤثث فضاءات اليومي ويُستهلك إلى جانب الخطابات الأخرى، كما يكتسي طابعاً ثقافياً يتمثل في مكوناته اللغوية والسيميائية والتداولية، بالإضافة إلى بعده الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بالدعاية التجارية(2).

تهدف هذه الدراسة إلى محاولة البحث عن جملة العناصر التي تجعل من الإشهار خطاباً سيميائياً وتداولياً بالنظر إلى صوره الثابتة والمتحركة بما تحمله من كفاءة وقوة على التبليغ والتواصل وما يكمن فيها من عناصر جمالية وفنية وطاقة وفاعلية في التأثير على المتلقي، وذلك أن الإشهار فن إعلامي يستند على مؤشرات مرئية مثل العناوين في كتابتها ومضامينها وأنواع الطباعة والصورة… من خلاله يمكن تأسيس تعارف وعلاقة بين المخاطب والمتلقي أو بين المنتج والمستهلك. فهدفه ـ أولاً وقبل كل شيء ـ هو تبليغ خطاب، ولذلك يتوخى أن تكون أفكاره واصفة وهادفة ويستعمل وسائل تبليغ متنوعة ومتناسقة يسخرها كلها في سبيل تحقيق الهدف المحدد.

وهكذا فإن الإشهار متنوع الأشكال والأهداف، فقد يتم توجيهه إلى فرد أو جماعة أو حزب أو أمة… وقد يكون علمياً أو ثقافياً أو سياسياً أو اقتصادياً، وقد يكون مسموعاً أو مكتوباً أو سمعياً ـ بصرياً. إنه كما يقال: "فن مركب يضع العالم بين يديك"(3).

2ـ أنواع الإشهار:

أـ الإشهار المسموع: ويتم من خلال الكلمة المسموعة في الإذاعات والمحاضرات والندوات والخطب… وتعد الكلمة المسموعة أقدم وسيلة استعملها الإنسان في الإشهار، وأهم ما يميزها هو طريقة أدائها، إذ يلعب الصوت دوراً بالغ الأهمية في التأثير على المتلقي بما يحمل من خصوصيات في التنغيم والنبر والجهر والهمس، وتصحب الكلمة المسموعة أحياناً الموسيقى فتزيدها طاقة كبرى على الإيحاء والوهم والتخيل، وعملاً على استثارة الحلم وإيقاظ الراقد في الأعماق.

ب ـ الإشهار المكتوب: ويتخذ وسيلة له الصحف والمجلات والكتب والنشرات والتقارير والملصقات على جدران المدن أو في ساحاتها العامة حيث يكثر الناس(4) وذلك ما نلاحظه من صور لزجاجات العطر أو أنواع الصابون أو الساعات…الخ.

والأمر نفسه لما نلاحظه من إشهار على اللوحات الإعلانية الثابتة أو المتحركة في ملاعب كرة القدم مثلاً، لأنَّ ذلك يجعلها تشيع ويتسع مداها وتصل إلى أكبر قدر ممكن من المتلقين…

جـ ـ الإشهار المسموع والمكتوب (السمعي ـ البصري): وسيلته الأساسية التلفزة، ويتم بالصورة واللون والموسيقى وطريقة الأداء والحركة والموضوع، فهو، إن صح التعبير، عبارة عن "ميكروفيلم" يتعاون على إنتاجه وإنجازه فريق عمل متخصص في: الإخراج والديكور ووضع الأثاث، والحلاقة والتجميل، والإضاءة والتسجيل وضبط الصوت والتركيب والتمثيل…الخ.

وهذا يبين ـ بما لا يدع مجالا للشك ـ أهمية الإشهار كخطاب سار في المجتمع له خصوصياته وأبعاده، وأهمية الدور الذي تلعبه التلفزة كوسيلة إعلامية في المجتمع…

ويمكن ـ أيضاً ـ أن نقسم الإشهار إلى:

أ ـ إشهار تجاري: ويرتبط بالاستثمار والمنافسة، ولذلك فإن استراتيجيات التسويق واستراتيجيات الإشهار مرتبطان ببعضها.

ب ـ إشهار سياسي: ويرتبط بالتعبير عن الآراء المختلفة ومحاولة التأثير على الرأي العام بتقديم الإشهار في شكل يبرز أهمية الرأي بأنه هو الأحسن وهو الأفضل من بين كل الآراء الأخرى المتواجدة في الساحة، كما هو الحال في الدعاية للحملات الانتخابية.

جـ ـ إشهار اجتماعي: ويهدف إلى تقديم خدمة أو منفعة عامة للمجتمع، مثلاً: الإعلان عن مواعيد تلقيح الأطفال أو إسداء نصائح للفلاحين، أو الدعوة إلى الوقاية والحذر من أمراض معينة. ولذلك نلاحظ هذا النوع من الإشهار غالبا ما يأتي تحت عنوان: "حملة ذات منفعة عامة" كما هو الحال في التلفزيون الجزائري.

3ـ عناصر الخطاب الإشهاري ووظائفه:

يتأسس الخطاب الإشهاري على جملة من العناصر المترابطة ببعضها باعتباره نسيجاً لغوياً وغير لغوي تتشابك فيه مجموعة من الوسائل والعلامات وفق قواعد تركيبية ودلالية(5) وتتمثل هذه العناصر في:

أ ـ المرسل: وهو الذي يُحدث الخطاب ويعمل على شحنه بما يحتاجه من مادة إشهارية لازمة بالنظر إلى الموضوع الذي يدور حوله الإشهار، ثمَّ يقوم بإرساله نحو المتلقي الذي يتحدد بناء على نوعية المنتوج: فالروائح والعطور والورود… ترسل إلى النساء والحليب والجبن وأنواع الحلوى واللُّعب ترسل إلى الأطفال… والحقائب البراقة والمكاتب الفاخرة والسيارات اللّماعة غالباً ما يتم إرسالها إلى رجال الأعمال… وهكذا يعمل المرسل (الإشهاري le pubiciste ) على تحقيق الوظيفة التعبيرية La fonction expressive في الخطاب الإشهاري، فيضمنه ما يثير ذوق المرسل إليه أو المتلقي ويسيل لعابه نحو المنتوج، ولذلك يكيف صيغه حسب الأحوال والمقامات التي يقتضيها.

ب ـ المرسل إليه (المتلقي):

وهو العنصر الثاني المهم في العملية الإشهارية وهو المقصود بالإشهار ولا تتم العملية الإشهارية إلا به ومن خلاله تتحقق الوظيفة الإفهامية أو الطلبية La fonction conative ou appellative إذ يعمل المرسل على إفهام المرسل إليه بجدوى المنتوج وأهميته بأي طريقة، فيقدم على استهلاكه ويحقق الهدف الأساسي الذي يريده المرسل.

ب ـ الخطاب أو الرسالة الإشهارية:

ويفترض وجود مرسل أو متكلم يُحدث أقوالا ومتلقيا يستقبل هذه الأقوال ويعمل على فهم أنساقها الدلالية المختلفة واللسانية والسيميائية (الأيقونة البصرية) وتحليلها وتأويلها بعد ذلك. وهنا تتحقق الوظيفة الشعرية La fonction poètique ، وهي تعد الوظيفة السيدة في الخطاب بعامة وفي الإشهار بخاصة وبقية الوظائف خدم لها إن جاز القول.

جـ ـ المقام La situarion :

إن العلاقة بين المرسل والمرسل إليه أو بين المخاطِب والمتلقي لا تتم بشكل اعتباطي أو خبط عشواء، وإنما تتم بحسب ما يقتضيه المقام وأحوال الخطاب وظروفه المختلفة المحيطة بإحداثه وإنتاجه وإرساله واستقباله، وما يتطلب ذلك من خصائص لغوية وغير لغوية يمكن أن نطلق عليها "قرائن الخطاب أو الحديث"(6) وهو كما يرى الدكتور عصام نور الدين "الإطار أو الموضوع الذي يقع تحته الحديث ـ سواء أكان فكاهة أم رواية أم خطبة أم شعراً أم أي مرسلة أخرى ـ ولكل إطار سمات تميزه عن بقية الأطر وتؤثر لغوياً في الموضوع وفي اختيار الكلمات وضروب الاستعمال وطول التراكيب اللغوية أو قصرها…"(7).

ومن خلال عنصر المقام تتحقق الوظيفة المرجعية Le fonction rèfèrentielle بالنسبة لمرسله ولمتلقيه بما يحملان من خصوصيات لغوية وغير لغوية وثقافية وإيديولوجية واجتماعية ونفسية…

هـ ـ الوضع المشترك بين المتخاطبين: ويتمثل في أن ينطلق طرفا الخطاب من الأوضاع نفسها، فهناك علاقات وثيقة بينهما ويمكن أن تراعى في تحليل الخطب الإشهاري واتخاذها سمات علامات تجمع بين مرسل الخطاب ومتلقيه وهي:

ـ وحدة اللغة: فالإشهاري يستثمر في خطابه الكلمات والجمل التي يعبر بها مجتمعه عن أغراضه المختلفة.

ـ وحدة الثقافة: أي التراث الثقافي المشترك والعقيدة الفكرية العامة المشتركة

ـ وحدة البداهة: أي مجموع الأفكار والمعتقدات وأحكام القيمة التي يفرزها الوسط فيتقبلها كأمور بديهية لا تحتمل التبرير أو الاستدلال(8) وعن هذا العنصر تتولد الوظيفة ما وراء لسانية La fonction mètalinguistique .

و ـ قناة التبليغ:

وهي الوسيلة المستعملة في إيصال الحديث سواء أكانت صوتية أو وسيلة أخرى، وفي الخطاب الإشهاري، إما أن تكون وسائل مكتوبة مثل الجرائد والمطبوعات والملصقات… أو تكون سمعية بواسطة الراديو مثلا… أو بواسطة التلفاز… الخ. أو بوسائل وعلامات أخرى بحسب ما تقتضي الظروف وتستدعي الضرورة، وهنا تتحقق الوظيفة الانتباهية La fonction fatique ؛ وذلك أن الإشهار يعمل على أن يثير ردود أفعال الملتقي وانتباهه نحو الموضوع.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه العناصر والوظائف الناتجة عنها مترابطة ببعضها وما التفريق بهذه الطريقة إلا تسهيل الإدراك والفهم.

4ـ المقاربات المنهجية في تحليل الخطاب الإشهاري:

توجد عدة مقاربات approaches منهجية لتحليل الخطاب الإشهاري، وهي متداخلة ببعضها ولا يخلو منها أي خطاب إشهاري فيما أرى وهي:

أ ـ المقاربة اللسانية:

وهي البوابة التي ندخل من خلالها عالم الإشهار، إذ لا يوجد إشهار من دون لغة منطوقة أو مكتوبة بحسب ما تقتضيه الصورة الإشهارية في ثباتها وسكونها أو في حركاتها ونموها وتغيرها. وتكتسي هذه المقاربة المنهجية الانطلاق من النظام أو النسق اللساني فيبحث في مستوياته الصوتية والصرفية والمعجمية والتركيبية والدلالات الناتجة عن هذه المستويات كلها.

"إلا أن أهمية النسق اللساني تبقى رغم ذلك قاصرة أمام بلاغة الصورة وأوليتها المتفاعلة المؤثرة؛ فهي ذات التأثير في نفس المتلقي، كما تستوقف المشاهد لتثير فيه الرغبة والاستجابة."(9)

ب ـ المقاربة النفسية:

وتكتسب أهميتها القصوى في كون الخطاب الإشهاري يركز أكثر ما يركز على المتلقي فيعمل على إغوائه واستدراجه بأن يتسلط على الحساسية المتأثرة لديه ويهيمن على أفق انتظاره فيجعله لا يرى شيئا غيره، فهو المناسب وهو الأجمل والأحلى والأبهى وهو الجديد الذي لم يصنع من قبل بل صنع لأجل المتلقي دون غيره…

جـ ـ المقاربة التداولية:

وتتمثل في كون الخطاب الإشهاري يهدف إلى تحقيق منفعة أو ربح أو فائدة ولا يكتفي بتبليغ الخطاب فقط وإنما يحرص على أن يلبس خطابه أجمل حلة ويتزيّا بأحلى الأزياء ويتأنق ويتألق من أجل تحقيق المبتغى. ويبرز ذلك في لغته المكثفة وجمله المختصرة وكلماته المشعة البراقة التي تتوجه نحو المستقبل فهو الذي يعنيها أكثر من غيره ولا تتوجه نحو الماضي إلا بما يخدم مصلحة الإشهاري ويتعلق بمستقبل المتلقي.

د ـ المقاربة الاجتماعية ـ الثقافية:

تحمل رؤى المجتمع المختلفة وثقافته، إذ يعد الإشهار إنتاجا لغوياً اجتماعياً يبرز العلاقات الاجتماعية المختلفة (سياسية ـ ثقافية ـ اقتصادية ـ واجتماعية) وتعد العلامات والسمات المختلفة التي تميز الإشهار مرآة تعكس ما يجري في المجتمع من أحداث وتفاعلات سلباً أو إيجاباً يحاول الإشهاري تأكيدها أو الإقناع بها أو تعريتها وكشفها أمام الجماهير، فتزعم أن الإشهار يُمكننا من معرفة "بنية الوعي الاجتماعي، إلى جانب شرح العناصر المكونة له وتحليل الروابط المتبادلة ودراسة قوانين تطوره"(10).

فعندما نتأمل الخطاب الإشهاري الجزائري مثلاً، في سنوات السبعينات والثمانينات نجده خطاباً فقيراً ضحلاً لا يثير انتباه المتلقي بقدر ما يثير تقززه ونفوره، ثمَّ إنه لا يخرج عن كونه خطاباً بليداً أحادي النظرة يتعلق بالإيديولوجيا السائدة آنذاك، وهو باختصار خطاب لا يثير الانتباه.

أمَّا الناظر إليه في المنتصف الثاني من التسعينات إلى 2004 فيجده قد تحسن كثيراً جداً من حيث لغته وأسلوبه ووسائل إنتاجه وطرائق تعبيره وموضوعاته؛ لأنَّ بنية الوعي الاجتماعي وأشكاله في الجزائر قد تغيرت هي الأخرى وهو مرآتها العاكسة في زمانها ومكانها.

هـ ـ المقاربة السيميائية:

وهي أهم المقاربات وأنسبها لتحليل الخطاب الإشهاري إلى جانب المقاربة التداولية، لأنها تجمع بين الصوت والصورة والموسيقى والحركة والأداء واللون والإشارة والأيقونة والرمز واللغة والديكور. الشيء الذي يجعلنا نقول إن الخطاب الإشهاري، وخصوصاً السمعي ـ البصري، عبارة عن ميكروفيلم كما سبقت الإشارة، أي فيلم قصير جداً يقوم بإنجازه وتأثيثه أعوان كثيرون من مهندسين في اختصاصات مختلفة. ثمَّ إننا نزعم أن المقاربة السيميائية تشمل كل المقاربات السابقة وخصوصاً التداولية منها.

تتفرع السيمياء إلى فرعين كبيرين هما: سيمياء التبليغ وسيمياء الدلالة ولها اتجاهات كثيرة منها: الاتجاه الإيطالي الذي يتزعمه "أمبرتو إيكو Umberto Eco " و"روسي لاندي" والاتجاه الروسي الذي يشمل الشكلانية الروسية ومدرسة تارتو والاتجاه الفرنسي بمختلف تفرعاته، والاتجاه الأمريكي بزعامة" بيرس (شارل سندرس) C.S. Peirce " وهو المؤسس الحقيقي للفكر السيميائي الغربي الحديث في نظر بعض الدارسين(11).

تتأسس النظرية السيميائية على عدة عناصر عند بيرس، وهي التطورية الواقعية والبراغماتية وانسجاماً مع هذه العناصر يؤسس بيرس فلسفته على الظاهراتية phanèroscopie التي تعنى بدراسة ما يظهر(12)، وهو بهذا يوسع من نطاق العلامة لتشمل اللغة وغيرها من الأنظمة التبليغية غير اللغوية، فكل ما في الكون بالنسبة لبيرس علامة قابلة للدراسة وهي بذلك تندرج ضمن السيميوتيقا Sèmiotique وتعد جزءاً من علم المنطق خلافاً لسوسير الذي ركز اهتمامه على العلامة اللغوية وهي تندرج في إطار السيميولوجيا Sèmiologie .

ولهذا يعد منظور بيرس الأنسب والأصلح لدراسة الخطابات البصرية ومنها الإشهار؛ فلقد عملت الثورة التقنية في مجال تمثيل reprèsentaion وإعادة إنتاج الواقع على قلب تاريخ التمثيل البصري التقليدي… فمن جانب سوف تحتكر الصورة الفوتوغرافية مجموعة مجالات التعبير التي كانت من نصيب الفنون التشكيلية من مثل رسم الطبيعة والصور الشخصية Portraits إلى غير ذلك، ومن جانب آخر ستعمل السينما والتلفزيون على تطوير استعمال الطرائق الفوتوغرافية وبخاصة فيما يتعلق بتمثيل الوقائع والمشاهد المتحركة موسعة بذلك من مفهوم الفرجة العرض spectacle الذي كان مقتصرا على المسرح(13).

لن نطيل الحديث عن السيمياء واتجاهاتها وفروعها وروادها؛ وإنما سنحاول التطبيق مستثمرين أيضاً باقي المقاربات وخصوصاً التداولية والاجتماعية ـ الثقافية وذلك انطلاقاً من النص التراثي العربي الآتي:

"يروى أن تاجرا عراقياً قدم إلى مدينة الرسول الله (ص)، بعدْل من الخُمُر، فباعها كلها إلا السود، فلم يجد لها طالبا، فكسدت عليه وضاق صدره فقيل لـه: ما ينفقها لك إلا مسكين الدارمي، وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين بالظرف والخلاعة، فقصده فوجده قد تزهد وانقطع في المسجد، فأتاه وقص عليه القصة. فقال له: وكيف أعمل وأنا قد تركت الشعر وعكفت على هذه الحال؟. فقال له التاجر: أنا رجل غريب وليس لي بضاعة سوى هذا الحمل، وتضرّع إليه. فقال له الدارمي: "ما تجعل لي على أن أحتال لك حيلة قد تبيعها كلها على حكمك؟" فأجابه التاجر العراقي: "ما شئتَ". فخرج الدارمي من المسجد، وعمد إلى ثياب نسكه فألقاها عنه، وأعاد لباسه الأول، وقال شعراً ورفعه إلى صديق له من المغنيين، فغنى به وكان الشعر:

قل للمليحة في الخمار الأسود





ماذا فعلت بزاهد متعبد

قد كان شّمر للصلاة ثيابه





حتّى خطرت له بباب المسجد

ردي عليه صلاته وصيامه





لا تقتليه بحق دين محمد







فشاع هذا الغناء في المدينة، وقالوا: قد رجع الدارمي وتعشق صاحبة الخمار الأسود، فلم تبق مليحة بالمدينة إلا واشترت خماراً أسوداً، وباع التاجر ما كان معه، فجعل إخوان الدارمي من النساك يلقون الدارمي، فيقولون له: ماذا صنعت؟. فيقول: ستعلمون بنبأه بعد حين. فملا أنفذ العراقي ما كان معه رجع الدارمي إلى نسكه ولبس ثيابه"(14)

نحاول قراءة هذا النص بتقسيمه كما يلي:

1ـ مقام النص: ويبدأ من "يروى أن تاجراً عراقياً… إلى فغنى به"

2ـ بؤرة النص: وتتمثل في الأبيات الشعرية الثلاث.

3ـ فائدة النص: وتتمثل في نتيجته المحققة ويبدأ من "فشاع هذا الغناء في المدينة.. إلى آخر النص"

1ـ مقام النص: ويمثل جملة الظروف والأحوال المحيطة بإنتاج هذا النص/ الخطاب، فيحكي لنا التاجر العراقي الذي قصد مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدْل من الخمر فباعها كلها إلا السود فلم يجد لها طالبا فكسدت عليه، وقد أدى هذا الكساد إلى تأثر التاجر العراقي وتأزمه نفسياً، وذلك ما تلخصه عبارة: "وضاق صدره" فخاف من الخسارة، شأنه شأن أي تاجر، وخصوصاً أنه قطع رحلة طويلة من العراق إلى المدينة، وكان عليه أن يجد وسيلة لبيع سلعته الكاسدة "الخمر السود"، فقيل له: ما ينفقها لك إلا مسكين الدارمي".

إن المرسل ـ هنا ـ غير محدد بشخص معين شأنه شأن بداية النص بـ "يروى"؛ فكلاهما مبني للمجهول أو لمن يسمّى فاعله؛ إن المرسل ـ هنا ـ قد يكون واحداً أو جماعة ممَّا يؤكد على أن هناك اتفاقاً من الجماعة على قدرة مسكين الدارمي في جعل التاجر العراقي يبيع سلعته المتمثلة في خمره السود.

ولذلك تمَّ استعمال الفعل "ينفّقها لك" على وزن "يُفًعّلها" دلالة على الكثرة مسبوقاً بنفي "ما" ومتبوعاً بأداة الحصر "إلا" تأكيداً على دور مسكين الدارمي وشهرته في مثل هذه الأشياء وخصوصاً إذا تعلق الأمر بالنساء، ومسكين مشهور بالظرف والخلاعة والسلعة التي أتى بها التاجر العراقي إلى المدينة سلعة موجهة إلى النساء.

"فقصده فوجده قد تزهد وانقطع في المسجد".

تمثل هذه العبارة عقدة الخبر، فالتاجر العراقي قصد مسكيناً بسرعة فوجده في حالة مختلفة عن الحالة المنتظرة؛ فمن الظرف والخلاعة إلى التزهد والانقطاع للعبادة في المسجد ممَّا يمثل خيبة انتظاره، ولكن مع ذلك أتاه وقص عليه القصة، ممَّا أثار تعجب مسكين فقال له: وكيف أعمل وأنا قد تركت الشعر وعكفت على هذه الحال؟.

يمثل هذا السؤال من مسكين الدارمي بداية التمهيد لإبرام عقد تواصلي بينه وبين التاجر العراقي والتوقيع على بنوده. وقد أدى هذا بالتاجر العراقي لأنَّ يترجاه وتضرع إليه وهو يمثل علامة دالة على ضعفه؛ إذ لا يتضرع إلا من يوجد في موقف ضعف، ويدل من جانب آخر، على أن الشاعر مسكين الدارمي صاحب خبرة ومراس ودراية بما يفعل بالرغم من تزهده وهو ما نلمسه ونلاحظه في عبارته:

"ما تجعل لي على أن أحتال لك بحيلة قد تبيعها كلها على حكمك"

إن هذه العبارة مشحونة بعناية إغراء وإغواء تسلط بها الدارمي على الحساسية المتأثرة عند التاجر العراقي، وجعلها تنطق برغباته وما يريد، ممَّا يبين أنها عبارة إشهارية بامتياز تعبر عن ثقة التاجر العراقي بما طلبه الدارمي فقال: "ما شئتَ". وكأنه يوقع صكا على بياض يسجل فيه الرقم الذي يريد مقابل بيع خمره السود، ممَّا يدل على أنها خمر غالية وثمينة.

إن عبارة "ما شئتَ" هي الأخرى إغرائية أسالت لعاب الدارمي، فقبل العرض بالرغم من انقطاعه في المسجد للعبادة، ولعل هذا يعود إلى كون العرض مغرياً، فكلمة "ما شئتَ" مفتوحة والإنسان مهما يكن يحب المال، ولذلك خرج الدارمي من المسجد ونزع ثياب النسك عنه ليناسب المقام الجديد ويؤدي الوظيفة بإتقان ويحقق الفائدة له وللتاجر العراقي، وتلك غاية الإشهار.

لقد انتهت مهمة التاجر العراقي وبدأت مهمة الشاعر مسكين الدارمي الذي عاوده الحنين إلى ماضيه فلبس لباسه الأول الذي كان يرتديه أيام الظرف والخلاعة قبل أن يتزهد. وهذا ما نجده في الإشهار في وقتنا، إذ أن "الإشهاري" يرتدي اللباس الذي يناسب محتوى موضوع الإشهار وبما يتعلق به من إثارة وإبهار، هي عبارة عن نظام من العلامات ذات علاقة بالثقافة التي يحملها الجمهور المشاهد للإشهار تمكنه من قراءتها ومتابعتها.

2ـ بؤرة النص:

وتتمثل في الأبيات الثلاثة التي أنشدها الدارمي وهي:

قل للمليحة في الخمار الأسود





ماذا فعلت بزاهد متعبد

قد كان شّمر للصلاة ثيابه





حتّى خطرت له بباب المسجد

ردي عليه صلاته وصيامه





لا تقتليه بحق دين محمد







تعد هذه الأبيات القلب النابض للنص، وهي من الناحية الشكلية تتوسطه؛ تسبقها مقدمة النص أو مقامه كما رأينا، وتتلوها خاتمته، وهذا لا يعني أن ما قبل الأبيات الشعرية وما بعدها "حشو يمكن الاستغناء عنه، وإنما يجب أن نجعله سبباً ونتيجة، وليس لنا من مقياس علمي لضبطها وإنما هي موكولة إلى حس القارئ وذوقه…"(15).

تظهر هذه الأبيات:

أـ الشاعر مسكين الدارمي وقد حدد هدفاً له: وهو بيع الخمر السود التي كسدت على التاجر العراقي ولم يستطع بيعها.

ب ـ حدد نوعية المتلقي الذي سيوجه إليه الخطاب ويتمثل في فتيات المدينة جميعها ولذلك كيّف صيغ خطابه ليلائمهن فاستعمل عبارة: "قل للمليحة في الخمار الأسود"

إن المليحة ـ هنا ـ هي التي ترتدي الخمار الأسود ولكن من لا ترتدي خماراً أسود فهي ليست مليحة. ويمكن أن يكون هذا هو عنوان النص بلا منازع: "الملحية في الخمار الأسود"(16).

إن عنواناً كهذا "يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته، ونقول هنا: إنه يقدم لنا معونة كبرى لضبط انسجام النص وفهم ما غمض منه؛ إذ هو المحور الذي يتوالد ويتنامى ويعيد إنتاج نفسه"(17).

ويمثل صورة نابضة بالحياة ناطقة بالرغبة، تمارس الإغراء على المتلقي وتعمل على استدراجه وإدخاله إلى ملكوتها، وقد مارست سحرها وفاعليتها في التأثير على الزاهد المتعبد فأخرجته من المسجد، وهو أمر قد تجاوز العادي إلى اللاعادي؛ لأنها لو مارست مفعولها على شخص عادي من المشهورين بالتلهف على النساء لما كان في ذلك غرابة.

والغرابة دليل على أدلة الإشهار.

فلو نتخيل أن هذه المليحة في الخمار الأسود قد تم تصويرها فعلاً في صورة فوتوغرافية أو رسمها فنان تشكيلي في لوحة متناسقة الألوان وتم تعليقها على واجهة محل لبيع الملابس النسوية (الخمارات مثلاً…) مع قليل من الموسيقى أو مع أغنية ناظم الغزالي أو صباح فخري اللذين غنيا الأبيات المذكورة سابقاً… أو أن هذه الصورة ركبت وتمّ إخراجها في إشهار تلفزي فإن ما يثيرنا هو بلاغة الصورة في ثباتها وسكونها وما تحمله من تعابير ومعان وما تتأسس عليه من خلفيات معرفية واجتماعية، فكما يذهب "رولان بارت Roland Barthes ": "لا تقف البلاغة عند حدود النص المكتوب، بل إن الصورة أيضاً تتضمن أحداثاً بلاغية على عكس ما هو سائد عند البعض من أن البلاغة حكر على اللغة، وأن الصورة هي نسق جد بدائي قياساً إلى اللغة، ويرى البعض الآخر أن الدلالة تستنفذ ثراء الصورة الذي لا يمكن وصفه"(18).

ثمَّ إن الخمار الأسود يعد العلامة الأساسية في هذا النص، لأنها ـ في رأيي ـ تلبس لباس الأمة ومكسوة بطابعها وتمثل قيمة عربية إسلامية مهمة لها فضائلها وخصوصياتها ومرجعياتها الدينية والاجتماعية التي ترتبط في وجدان من يتلقاها أو يستهلكها "بعوالم ثقافية ودوائر قيمية يتحول المفتوح (الخمار) من خلالها وفيها إلى مثير نفسي يحتكم إليه السلوك الفردي والجماعي"(19).
.

جـ ـ حوّل مسكين الدارمي السلعة الكاسدة وهي الخمر السود المرغوب عنها علامة مسجلة في سوق السلع النفسية، أو بتعبير آخر "ماركة" مرغوباً فيها "وذلك بمخاطبة المليحة في الخمار الأسود ورجائها أن ترد عليه صلاته وصيامه وهو الناسك المتعبد المنقطع في المسجد"(20). وهكذا إذا كانت الألوان قد اكتسبت على مر العصور معاني ودلالات في حياة الأمم ما لبثت أن استقرت في ألفاظها وعباراتها وأصبحت رموزاً وايحاءات فكرية، فإن اللون الأسود في الثقافة العربية الإسلامية يدل غالباً على الظلم والعبودية والظلام واليأس على العكس من اللون الأبيض الذي يرمز إلى النقاء والطهر والأمل والسلام.

ولقد حوّل مسكين الدارمي اللون الأسود لوناً ساحراً أخاذاً تلبسه المليحات؛ ممَّا يظهر براعته الفنية وعمق قريحته الشعرية الأصيلة وحسه المرهف، وحسن درايته وخبرته بالمليحات وما تحلم به الأنثى. وبهذا فإن الخمار الأسود باعتباره "ماركة" قد تحول إليها "ميثاق اجتماعي وثقافي واقتصادي يحيل على قيم مثل الثقة والتزكية والارتباط والأمانة"(21) وعلى هذا الأساس يمكننا أن نعد الإشهار خطاباً حيوياً سعيداً خالياً من الهموم مملوءاً بالآمال الوردية، يعمل على تأسيس الألفة وبناء الثقة بينه وبين المتلقي، فمن هذه الزاوية ليس الإشهار "سوى صيغة أخرى من الصيغ "التطهيرية" التي تمكن الذات من الانتشاء بنفسها عبر المزيد من الانغماس في الوهم. ويتم هذا التطهير عبر السوق وفعل الشراء" (22)، وبخاصة عندما يركز الإشهاري الانتباه على الزوايا والمثيرات التي قد لا يلاحظها المتلقي.

ولقد عرّف مصممو الإشهار العناصر والألوان التي تلفت الأنظار وتؤثر في الاستجابات العاطفية لمشاهدي الإشهار فاستعملوا الألوان الدافئة المفرحة التي تنبض بالحركة والحيوية لدفع الناس إلى الإقبال على شراء السلع وبخاصة إذا تكاملت في سحرها وتناغمها مع الصورة في تأثيرها وتناسق ألوانها.

لا ننس حنكة الدارمي الذي استعان بصديق له يجيد الغناء فغنى الأبيات الشعرية في أرجاء المدينة فشاعت بين النساء، ويمثل المغني هنا وسيلة التبليغ التي نقلت الخطاب من المرسل إلى المرسل إليه بعد أن تمَّ شحنه لكي يكون أكثر فاعلية في التأثير على المتلقي المتمثل في فتيات المدينة. وتجب الإشارة إلى أن المغني الذي تغنى بأبيات الدارمي الشعرية، لم يغنها مرة واحدة وفي مكان واحد فقط، وإنما كرر التغني بها في مختلف أرجاء المدينة لتشيع بين الفتيات بل ليست الفتيات فقط؛ وإنما كل من يشتري خماراً أسود حتّى من الرجال؛ فمنهم من يشتري للمليحة خماراً أسود ليؤكد لها ولعه وحبه. نلاحظ هذا في حياتنا الاجتماعية المعاصرة ممثلاً في الاستعانة بالممثلين أو الرياضيين أو المغنيين أو غيرهم… بحسب ما يقتضيه موضوع الإشهار.

يكمن مفعول الأغنية في الوصلة الإشهارية في كون "اللحن يحمي الكلمات من كل حكم ومن الرقابة؛ فالغناء يضمد الجسم الاجتماعي مثلما تفعل الأناشيد والتراتيل الكنائسية…"
(23)، ويجعل المتلقي يعيش الحلم، حلم اليقظة ويحلق مع ما تنطق به رغباته ومخياله.

3ـ خاتمة النص:

وتبدأ من "فشاع هذا الغناء في المدينة… إلى: فلما أنفذ العراقي ما كان معه رجع الدارمي إلى نسكه ولبس ثيابه". وأهم ما يميز هذه الخاتمة أنها:

أـ أثارت حيرة الناس فقالوا: "قد رجع الدرامي وتعشق صاحبة الخمار الأسود" وتؤكد هذه العبارة معرفة الناس بالدارمي وبسلوكه القديم الذي كان يتميز بالظرف والخلاعة، وبشعبيته عند الفتيات وتعلقهن به "أو بمن يشبهه من الشباب أو بما يمثله الدارمي من شباب ونزق وحركة وحياة ورجولة وشاعرية ومركز اجتماعي… وطمع كل واحدة منهن بأن تكون صاحبة الخمار الأسود التي تتصدى للناسك المتعبد، فترده عن صلاته وصيامه وتجعله يخلع ثياب الزهد والتعبد والوقار من أجل جمالها والظفر بحبها ووصلها"(24)، وهو ما يؤكد أنها مليحة خارقة تجاوزت العادي المألوف، وهذا ما نلاحظه أيضاً في وقتنا، فكثيراً ما تتعلق الفتيات بمغنين أو بممثلين… فهذا التعلق يلامس الفتيات من الداخل ويدغدغ عواطفهن ويعمل على إيقاظ الإنسان الذي يرقد في أعماقهن جميعاً، حتّى إن كان ذلك مستوراً خفياً ومقيداً بعادات اجتماعية وقيم أخلاقية تحد منه أو تكتمه أحياناً، وقد يظهر في اللحظة المناسبة التي تكسر القيود وتفجر المكبوت.

ب ـ أثارت استغراب النساك إخوان الدارمي فجعلوا يقولون له: "… ماذا صنعت؟"؛ فقد ظنوا أنه ارتد وحاد عن طريق الحق وجادة الصواب، ولكنه كان واثقاً من نفسه عارفاً بالوظيفة التي يؤديها ولذلك كان يقول لهم: "ستعلمون نبأه بعد حين"

ج ـ حققت الفائدة المرجوة التي ينشدها التاجر العراقي ومسكين الدارمي؛ فالأول يريد تسويق خمره السود، والثاني يريد أن يقبض الثمن المناسب للحيلة التي احتالها لكي تشتري مليحات المدينة الخمارات السوداء. فكلاهما حقق منفعة. ونحن نعلم أن الخطاب الإشهاري في حقيقة أمره مؤسس على المنفعة وهي غايته القصوى وهدفه النهائي الذي يعمل على تحقيقه بجميع الوسائل.

5ـ لغة النص:

تتميز لغة الإشهار بصفة عامة بجمل بسيطة قصيرة موجزة مكثفة من حيث الدلالة، تحمل فكرة رئيسية واحدة، غالبا ما تود تبليغها إلى المتلقي في أحسن الظروف والأحوال. إن ما يهم الإشهاري من اللغة هو أن يبلغ خطابه ويحقق الهدف منه مهما يكن المستوى اللغوي المستعمل، فقد يكون فصيحاً أو تتداخل فيه الفصحى بالعامية، أو يكون خليطاً بين الفصحى والعامية وكلمات أجنبية…

والمتأمل لهذا النص يجد لغة فصحى تترجم الوسط الاجتماعي الذي تنتمي إليه وتوضح طبقاته المختلفة؛ فمن التجار إلى النساك والزهاد المنقطعين للعبادة في المساجد إلى المغنيين والشعراء المشهورين بالظرف والخلاعة إلى الفتيات المليحات… وهذه طبيعة الحياة المبنية على التناقض الذي هو أساس انسجامها وديمومتها واستمرارها. كما أن هذه اللغة ذات مستوى دلالي بين الجماعة المتحدثة بها وتظهر تداوليتها على مستويات عديدة منها:

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2010, 01:15 AM   #4
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,767
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2010, 01:16 AM   #5
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,767
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة



تفكيك آليات الخطاب الإشهاري بالمغرب



عبد الحق ميفراني
السبت 20 مارس 2010

يمثل كتاب "آليات الخطاب الإشهاري ورهاناته" والذي قام بتنسيق مواده الناقد محمد الداهي، ثمرة أشغال ندوة دولية نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة الحسن الثاني عين الشق {أيام 24،25، و26 مارس 2009}. الندوة التي عرفت مشاركة نخبة من المثقفين والباحثين ينتمون الى دول مختلفة {المغرب، فرنسا، اسبانيا، تونس، مصر، العربية السعودية، الأردن، سوريا}، ويروم هذا الكتاب القيم في موضوع اشتغاله "تزويد القارئ بالأدوات التي يمكن أن تسعفه على التعرف مكونات الخطابات المتداولة وفهم محتوياتها وتفكيك شفراتها ، وإثارة نقاش علمي رصين حول وظائف الخطاب الإشهاري ورهاناته وانعكاساته على حياة الناس، ونمط عيشهم وتطلعاتهم وموقفهم من الوجود"
كتاب "آليات الخطاب الإشهاري ورهاناته" والصادر في إطار سلسلة ندوات ومناظرات {رقم20} طبع بدعم من الهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري. يقع القسم العربي فيه في 144صفحة، والقسم الفرنسي في 188 صفحة. في تقديمه للكتاب يركز الناقد محمد الداهي على المحاور والمقاربات التي تناولت الإشهار في المداخلات القيمة المنشورة. إذ نقرأ محورا حول الإشهار والتسويق باعتماد استراتيجيات محددة لكسب رهان المنافسة آليات الخطاب الإشهاري من خلال تفكيك الأبعاد الجمالية المتحكمة في أفق الإرسال ودغدغة أحاسيس اللإقناع ورهانات الإشهار كمحور ثالث.
الكتاب عموما يقدم مقاربات غنية وتنوعا في المقاربات من زوايا نظرية متعددة {سيميائية، تداولية، النقد الثقافي، النقد النفسي..} وغنى موضوعاتي يرتكز على {القانون والآداب والفنون والتسويق والاقتصاد والتدبير...} وهكذا يتناول الباحث السيميائي سعيد بنكراد "المرئي وجوهره في الوصلة الإشهارية" تمثيل النوعيات والأحاسيس محاولا الاهتداء الى بعض الأساليب التي تمكن الإشهار من أجل تبليغ بعض الطاقات الانفعالية {كينونة تبني من خلال أحاسيس لا يمكن أن تعيشها ذاتان بالطريقة نفسها} ويشير الباحث الى أن الإشهار يشيد رمزيته فقط استنادا الى مصادر أسطورية تقتات من الصور النمطية وحدها بل يبلور إرساليته استنادا الى الحاجة بمفهومها الواسع إنه يؤسس لرمزيته عائمة تتغذى من كل الصور المبهمة. الباحث فريد الزاهي يقدم حفريات الإشهار بالمغرب مقاربة أولية تندرج ضمن اهتمام الباحث بتاريخ التصوير بالمغرب، وبإنتاج الصورة عموما وتبلور الحداثة البصرية بحث الزاهي ينزع الى التأريخ والتحليل انطلاقا من وسائطيات الصورة. وهو ما مكننا من التعرف على الإرهاصات الأولية للإشهار بالمغرب، والانتقال من اللغة الى الصورة وابتكار الجسد منتهيا الى سلطة الصورة. بحكم أن هذه الأخيرة مركزية في الخطاب الإشهاري.
الباحث المصري جميل عبدالمجيد قارب الإعلان والأدب بحكم تناصهما ومقصدية الاستحالة والإقناع ويكشف الباحث عن تقنيتي الانحراف والتوازي وهما من خصائص الخطاب الأدبي، في الإعلان بدرجات متفاوتة وأشكال متنوعة. في النهاية تكمن أفق القراءة في استحداث مفهوم أدبية الإعلان مما يثري النظريات الأدبية.
الناقد عبدالمجيد النوسي توقف عند التركيب في الصورة الإشهارية وظائفه الاستدلالية والإقناعية من خلال استفزاز آليات التلفظ في الصورة الإشهارية، والإقناع. أما الباحث الأردني هادي نهر فرسم مسارات الخطاب الإشهاري من بلاغة الكلمة الى بلاغة التكنولوجيا، وبالوقوف على هذه المتغيرات وانكسار تركيبة الإعلان اللغوي يقارب الباحث الإعلان المعولم والدعاية المعولمة ومنطقها.
الباحثة السورية في جامعة البعث حمص قاربت الجوانب النفسية للإعلان من خلال الأسس النفسية للاتصال الجماهيري، ودوافع السلوك الإنساني والعوامل المؤثرة في فاعلية الإعلان الى جانب أسس نجاح الإعلان {الانتباه، الرغبة، الإقناع، التثبيت بالذاكرة، لتنتهي الى الجوانب النفسية المناهضة للإعلان. محاولة القبض على بعض أنماط ونماذج المفسرة الى حد ما أسلوب المستهلك.
ونقرأ للباحث الإسباني أوبيدي كانربونيل اكورطيس "التمثل الثقافي في ترجمة الإعلانات التجارية" ويندرج ضمن مشروع البحث الأكاديمي {L+D+I} وتبرهن ترجمة الإعلانات التجارية الى أي حد يمكن للترجمة أن تخلق ظروفا تواصلية متباينة وتعتبر المجازات والاستعارات الكلامية الخاصة بثقافة ما حبيسة لبنية ثقافية أصلية. يسعى الباحث الى مقاربة البعد الذرائعي في الترجمة البين ـ ثقافية وسياقاتها.
ويحصر الباحث محمد فارضي اهتمامه في "المقاربة التسويقية للخطاب الإشهاري" من خلال منظور تواصلي ـ حجاجي ـ تسويقي يجرب البحث في الخطاب الإشهاري من خلال مقاربة البعد الحجاجي الإقناعي للخطاب الإشهاري، ونقط أخرى. يتوصل الباحث الى أن آليات التواصل الإشهاري تظل محكومة الى الخلفيات التسويقية التي تؤطرها. الناقد الجمالي إدريس القري يختتم القسم العربي بمبحث آليات التأثير في الخطاب الإشهاري، مقدما بذلك توضيحات تاريخية تهم ظهور الإشهار وتطوره وأنماطه الكبرى منتهيا عند جوانب التأثير الإشهاري الإيحائي في المتلقي واشتغال الصورة باعتبار صيرورة الخطاب الإشهاري وسيلة تطويعية في الإشهار الإيحائي.
القسم الفرنسي ضم بحوثا عميقة افتتحه د.عبدالجليل الحمومي الذي أعاد تشريح وضع الإشهار في الحقل السمعي والبصري من خلال وظيفته القانونية في الهاكا وهو ما جعله ينشغل بالجانب التشريعي والقانوني المنظم لهذا القطاع الحيوي من خلال الترسانة القانونية الجديدة التي شهدها قطاع الإشهار في المغرب.
أما الباحثة التونسية نجاة ليمام تناني فقد توقفت عند تجربة مارغريت دوراس ومن خلال مقاربة أدبية ترصد مد سلطة الكولونياني عبر "ملصق" إشهاري وتأثيره على متخيل الكاتبة وهو ما جعلها تقتحم عوالم الرواية العائلية وعوالم أفقها التخييلي. تمكن المقاربة من استقراء حضور الملصق الإشهاري الكولونياني وسلطته الرمزية.
الباحث الفرنسي برونو ترونتيني يأخذنا الى متاهات الإشهار، من خلال أسئلة المفهوم والتطور وقد لامست ورقة الباحث الفرنسي البنيات الاقتصادية والتسويقية للإشهار الى جانب الجوانب الجمالية التي غيرت النظرة الى الإشهار من مرحلة تقليدية الى مرحلة ثانية حيث الماركتينغ وتشكل خطاب جديد يهم المنتوج الوسيط، والمتفرج المستهلك.
ويقارب الباحث الفرنسي فانسو كوبولا من جامعة تولوز الفرنسية التواصل الإشهاري في مجال القطاع الصحي العمومي، مقاربة نقدية. ويثر الباحث أهم مرتكزات الاتصال والتواصل في هذا المجال حيث خطابة الإقناع وتشكيل مبادئ جديدة للغة التواصل خصوصا عندما يتعلق الأمر بالحملات الإشهارية الحمائية والتحذيرية أو تلك التي تؤسس لخطاب تواصلي جديد في مجالات حيوية.
الباحثة دوانة مايكيلا بوبا من رومانيا انتقلت الى مجال آخر مفصلي في الخطاب الإشهاري يتعلق الأمر بعلم النفس، عبر مقاربتها للاوعي والإشهار. عبر تحديد علاقة التقاطع الممكنة بينهما. من خلال تحديد البعد النفسي في الخطاب الإشهاري كمبدأ مفصلي ومركزي في تحقيق مبادئ التواصل وإقناع المستهلك. وتوقفت الدراسة أيضا عند الرمز، والجانب الإيروتيكي، وينتهي الإشهار اليوم الى خلق نمط خاص من خطاب تتفاعل داخله العديد من الأنساق الخطابية.
الباحث أحمد بوعود من جامعة عين الشق اقترب من موضوع الإشهار من زوايا مختلفة إذ قارب الخطاب النقدي وقنوات التحليل ومبادئه في أفق تكوين أواليات لفهم استراتيجية التواصل الإشهاري داخل الحقل الإعلامي. ينطلق الباحث من سؤال كيف نحلل وصلت إشهارية حيث تتوحد عدة زوايا في التحديد لسانية وسوسيولوجية وسيميائية..لتصل في النهاية الى تكوين معرفة بحقل الماركتينغ الثقافي.
ويتناول الباحث مصطفى الشادلي خلاصات أساسية للبعد الأيقوني والرمزي داخل الصورة الإشهارية. من خلال التناول السيميوطيقي، وقد اختار الباحث صورا إشهارية موضوعها الطفل، وليتوقف مليا عند التأطير النظري معللا ال عد السيميائي للصورة الإشهارية. أما الباحث أيوب بوهوهو فأطر خطاب اكسسوارات نسائية من خلال نموذج حقيبة اليد، مستقرءا خباياه، في حين كتبت الباحثة روكسندرا بتروفيشي عن الإشهار التلفزي ، وتختتم الباحثة الإيطالية ماريا انجيلا غارسيا كولادو،من مركز سيرفانتيس بتطوان، هذا القسم بسؤال الخطاب الإشهاري والسيميوطيقا.

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2010, 01:19 AM   #6
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,767
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

الخطاب الإشهاري وخصائصه


يتبين من خلال تحليلنا للإرسالية الإشهارية – على المستويين التقريري والإيحائي- أن "ضبط آليات التدليل داخل عالم الصورة […] هو خطوة جبارة نحو ضبط آليات التناسل الإيديولوجي في رحم الصورة، تناسـل يقـود إلى التطبيـع وإلى التكريس وإلى التبريـر يقول بارت R.Barthes: "إن تطور الإشهار والصحافة الكبيرة، وتطور الراديو وفن الديكور دون أن نتعرض لبقايا عدد لا نهائي من الطقوس التواصلية، وهي طقوس المظهر الاجتماعي، يجعل تشكيل علم سيميائي مهمة أكثر استعجالا من ذي قبل".


لا جدال أن الخطاب الإشهاري يعد من الخطابات "التي تندرج ضمن الممارسة الثقافية كالخطاب الأدبي أو السينمائي أو البصري، فهو يؤثث فضاءات اليومي، ويستهلك إلى جانب الخطابات الأخرى. فإلى جانب بعده الاقتصادي-الاجتماعي المرتبط بالدعاية التجارية، يكتسي هذا الخطاب طابعا ثقافيا يتمثل في مكوناته اللغوية والأيقونية".

من هنا، فإن الحديث عن الخطاب الإشهاري يفرض التمييز بين قطبين أساسيين متباينين ومتكاملين في الآن نفسه، ويتمثلان في البعد السوسيو-اقتصادي الذي يوجد خارج الخطاب؛ والبعد الخطابي بصفته نسيجا تتشابك فيه مجموعة من العلامات وفق قواعد تركيبية ودلالية. فالمسار السوسيو-اقتصادي يمثل الإطار العام الذي تمارس داخله عملية الإشهار. و"يعطي الخطاب الإشهاري لنفسه كمهمة الإخبار عن خصائص ومميزات هذا المنتوج أو ذاك بهدف الدفع بالمتلقي إلى القيام بفعل الشراء. هذه الوظيفة "الموضوعية" تبقى وظيفته المبدئية".


وتتحكم في تكوين المسار السوسيو-اقتصادي ثلاثة عناصر:ـ الإشهاري Le publiciste، يكون المنتوج عنده بمثابة نقطة الانطلاق لصياغة الإرسالية الإشهارية، [ويمثل] المتلقي إزاءها [الإرسالية] فاعلا إجرائيا محتملا.ـ المستهلك Le consommateur: الفاعل الإجرائي المحتمل الذي يتحول إلى فاعل إجرائي حقيقي في حالة إقدامه على اقتناء المادة موضوع الإعلان.ـ المنتوج Le produit هو موضوع التبادل بين المنتج والمستهلك.


أما المستوى الثاني، فهو مستوى الخطاب الذي "يفترض وجود قائل ينجز مجموعة أقوال، ومتلق […] يستقبل أساسا خطابا له مجموعة من المكونات والخصائص التي تجعل منه قارئا ومؤولا لهذا الخطاب".

ويتكون الخطاب الإشهاري من نسقين دلاليين أساسيين: النسق اللساني، والنسق الأيقوني البصري. أما النسق اللساني فتكمن أهميته بالنسبة للنسق الأيقوني، من حيث كونه يوجه القارئ نحو قراءة محددة، ويربط بين مختلف مقاطع النسق الأيقوني، لا سيما عندما يتعلق الأمر بصورة ثابتة.

إلا أن أهمية النسق اللساني تبقى رغم ذلك قاصرة أمام بلاغة الصورة وإوالياتها المتفاعلة والمؤثرة، فهي ذات التأثير في نفس المتلقي، كما تستوقف المشاهد لتثير فيه الرغبة والاستجابة، وبلغة التجربة البافلوفية (نسبة إلى بافلوف) "أمام لعاب يسيل لمجرد سماع صوت الناقوس".


ويكتسي النسق الأيقوني هذه الأهمية نظرا لوظائفه المتعددة، التي يمكن اختزالها في النقاط الآتية:ـ أولا، الوظيفة الجمالية: ترمي إلى إثارة الذوق قصد اقتراح البضاعة.- ثانيا، الوظيفة التوجيهية: الصورة فضاء مفتوح على كل التأويلات، لهذا تكون مرفوقة في أغلب الأحيان بتعليق لغوي قد يطول أو يقصر. وفي هذا الإطار تحيلنا الصورة على قراءة النص الذي يثبت فيه الداعي أفكاره وحججه.

- ثالثا،الوظيفة التمثيلية: تقدم لنا الأشياء والأشخاص في أبعادها وأشكالها بدقة تامة، الشيء الذي تعجز عنه اللغة، في كثير من الأحيان، أي أنها تبقى المرجع الأول والأخير الذي يجد فيه النص تجسيده وتقويمه، إذ أن المشاهد يغدو ويروح بين النص والصورة، ليظل باله معلقا بهذه الأخيرة.- رابعا، الوظيفة الإيحائية: الصورة تعبير يغازل الوجدان، ويغذي الأحلام، لأنها عالم مفتوح على مصراعيه لكل التأويلات والتصورات، وهي تحاور اللاوعي وتوحي بمشاعر تختلف في طبيعتها من مشاهد إلى آخر.- خامسا، الوظيفة الدلالية: إن الوظائف الأربعة الأولى تتضافر لخلق عالم دلالي معين، وهذه الدلالة تأتي نتيجة التفكير والتأمل الذي أسسته الصورة لدى المشاهد.


وداخل هذين النسقين اللساني والأيقوني، تتمظهر مجموعة من الآليات الفاعلة داخل نسيج الخطاب الإشهاري، والتي تشكل استراتيجية أساسية مشابهة لاستراتيجية المحارب، حيث تتغيى إفشال الطاقة النقدية لدى المتلقي/المشاهد، عبر استمالته لفعل الشراء. ومن بين الآليات والميكانيزمات المعتمدة في ذلك "آليات الإقناع المنطقي" وبعض الآليات الأخرى التي تستند إلى العلامات والرموز والصور التي تجد مرجعيتها في المتخيل العام للمجتمع: فإذا كان إشهار "تايد أرييل Tide Ariel" يتوسل الإقناع المنطقي من خلال إخضاع المنتوج المرغوب ترويجه إلى تجارب دقيقة تجعل منه مادة فريدة من نوعها، فإن إشهار سنطرال، حليب الأطفال" يعتمد الرمز لخلق التميز عند الفرد، ويلحقه بفئة تمثل المرجعية على المستوى الاجتماعي". ونتيجة لذلك تصبح البضاعة قنطرة على كل من يرغب في التحاق بصف الأبطال، وبالتالي الاندماج مع فئة نموذجية. وهذا ما نلاحظه أيضا بشكل جلي في الإرساليات الإشهارية التي توهم المتلقي أن بإمكانه التميز عن غيره في حالة استعمال هذا المنتوج دون غيره: كنوع السيارات، أو الصابون، أو مساحيق التجميل..


ويعمد الخطاب الإشهاري، إضافة إلى هذه الآليات المعتمدة، إلى شخصنة الشيء، بأن يضفي عليه طابعا إنسانيا (إشهار رونو(5) مثلا: "أنا رونو خمسة"). والتشخيص "مفهوم إيديولوجي أساسي لمجتمع يهدف من وراء تشخيص الأشياء والمعتقدات إدماج الفرد في نمط اجتماعي معين".ومن خدع آليات الإشهار كذلك محاولته الظهور بمظهر البراءة، وبمظهر الصديق الذي لا يحركه هاجس المنفعة (الجانب الاقتصادي)، وإنما هدفه تقديم مساعدات وخدمات. لذا غالبا ما يلجأ الإشهاري إلى المطابقة بين المرسل والمرسل إليه بتوظيف لعبة الضمائر: (من شيمنا كرم الضيافة، فلنتشبث بكرمنا؛ مع رونو نشعر بالأمان..).


وتلعب الصور البلاغية، كانزياحات عن تعبيرية متعارف عليها، دورا مهما في آفتان المتلقي، مما جعل رولان بارت يحدد البلاغة كإيحاء. "فالخطاب الإشهاري –حسب بارت- يتميز بالازدواجية التي يكون فيها التقرير الأول بكليته، على المستوى اللساني، بمثابة الدال بالنسبة للخطاب الثاني الإيحائي الذي يحيل على المدلول: جودة البضاعة، والذي يحفز المستهلك على الشراء".

لكن السؤال المطروح: لماذا لا يقتصر الإشهاري على الدعوة مباشرة إلى اقتناء منتوج معين، ببساطة؟ لأن المستوى الأول (التقريري) يعتمد في بنيته فقط على الإخبار عن المنتوج، وعن صفاته التقنية، ومدى جودته. هذه المقومات، وإن كان لها دورها الأساسي في عملية الإقناع بالتدليل على أهمية المنتوج، تبقى قاصرة على إقناع المرسل إليه.


من هنا، تفرض مسألة الإيحاء نفسها، بحيث إن الحديث عن البلاغة الإشهارية هو إلى حد بعيد حديث عن الإيحاء: الذي يعني حضور وإدماج الذاكرة السياقية في سيرورة الدلالة.

فنجاح إرسالية معينة رهين بكثافة الشحنات التي تحملها، وصورها الشاعرية الإيحائية، بحيث "تكتسي لباسا أنيقا من المعاني، وتنتقل من طبيعة مادية إلى عالم من القيم والدلالات بفضل تلك الهالة التي يضفيها عليها الإشهاري، لأنه يعرف مواطن الإغراء و"الاغترار" لدى الزبناء"، فيستعمل لذلك الاستعارة، والتشبيه المناسب، والكناية الموفقة، والأسلوب الغنائي الذي يلتزم السهولة والعذوبة، علاوة على مكونات بلاغية أخرى (بلاغة الصورة الحية، بلاغة الجسد، بلاغة الحركة، بلاغة الصوت المشكل، بلاغة الموسيقى، بلاغة الفضاء…الخ). فكل مقوم من هذه المقومات الإيحائية ببنيته الداخلية، أو في علاقته بالمقومات الأخرى، يلعب دورا مهما في تكوين وخلق صور اصطناعية، تتراءى للمتلقي باعتبارها أشياء طبيعية. من هنا يتجاوز الخطاب الإشهاري عبر آلياته المعتمدة "فعل الشراء إلى احتضان وتمثل اجتماعي لمقولات وتصورات ومسكوكات […] تتم صياغته في أشكال بلاغية سحرية، ويقدم على أنه الواقع والحقيقة".


انطلاقا من هذه الاعتبارات المشار إليها، تكمن خطورة الخطاب الإشهاري كحقل غني بإيحاءاته وأساليبه وانزياحاته في استحواذه على اهتمام معظم الفئات الاجتماعية في عصرنا الراهن، إذ يشكل مهد علم الأساطير الحديثة، وبؤرة ثقافية للحياة اليومية، وهو الشيء الذي أكده "روبير كيران" بقوله: "إن الهواء الذي نستنشقه مكون من الأوكسيجين والنيتروجين والإشهار".

من هذا المنظور تأتي مشروعية المنهج السيميائي في الكشف عن الأبعاد الإيديولوجية التي تتسرب داخل نسيج داخل نسيج الخطاب الإشهاري، أي "تحديد نمط وجود هذه الإيديولوجيا لا كجهاز مفهومي عام ومجرد، بل باعتبارها سلسلة من السلوكات البسيطة التي تتميز "ببديهيتها"، لأنها تعد جزءا من إرغامات النشاط اليومي، وهذا ما يجعلها، في غالب الأحيان، تنفلت من الدرس والمراقبة".


وبداهتها هاته هي نتاج عملية معقدة تقوم بها الأسطورة. فهي تشبه، إلى حد ما، عملية من عمليات خفة اليد، حيث تقلب الواقع، وتفرغ التاريخ، ثم تملؤها بالطبيعة (Naturalité)، وتسحب من الأشياء معناها الإنساني، بصورة تجعلها تدل على تفاهة إنسانية.وإذا كانت الأسطورة، حسب بارت، أداة رئيسية في يد الطبقة البورجوازية لتكريس سيادتها وإيديولوجيتها، فإن دراستها كنسق سيميائي كفيل بالكشف عن حيل وخدع هذه الطبقة التي تتستر خلف الوجه الطبيعي والبديهي. فما هي إذن الأسطورة؟ وكيف تتبنين؟


الأسطورة نسق خاص في كونه ينبني انطلاقا من سلسلة سيميائية موجودة قبله: إنها نسق سيميائي من الدرجة الثانية، يحتوي الأول ويتجاوزه. فالعلاقة الرابطة بين الدال والمدلول في النسق الأول هو ما يشكل المعنى التقريري. إن هذا المعنى الأول لا يتجاوز حدود ما يسميه شارل ساندرس بيرس (CH.S.PIERCE) بالمؤول المباشر، المؤول الذي يعطي نقطة انطلاق الدلالة. ولكي يتم تجاوز هذا المستوى، علينا أن ننتقل إلى نسق سيميائي ثان، يسمى بالإيحاء. وتشكل هذه المقولة أهم أداة اعتمدها بارت في مقاربة ما يسميه بالأسطورة. فالدال الجديد (مجموعة العلامة في النسق الأول) يمكن النظر إليه من زاويتين:

أولا، كحد نهائي لنسق لساني.ثانيا، كحد بدئي لنسق أسطوري.

فهو كحد نهائي يشكل معنى، معنى التقرير، الذي لا يتطلب سوى الشروط الأولية لعملية الإدراك المباشر القائم على التجربة المشتركة؛ وكحد بدئي سيكون شكلا، وهو كشكل يعد قالبا مفتوحا على مجموعة من الدلالات المتعددة. "إلا أن النقطة الرئيسية في كل هذا تكمن في كون الشكل لا يلغي المعنى، بل يقتصر على إفقاره وإبعاده، ويجعله رهن إشارته […] إن لعبة الاختباء الهامة هذه بين المعنى والشكل هي ما يحدد الأسطورة".

بناءا على ما سبق، يمكن القول إن وظيفة الأسطورة –حسب تصور بارت- هو تحويل المعنى إلى شكل، وداخل هذه العملية المعقدة يتم إفراغ البعد التاريخي والثقافي وتطبيعه بما يخدم مصالح الطبقة البورجوازية. ويتحدد مفهوم التطبيع Naturalisation في سيميولوجيا بارت، في تحويل العلامات من طابعها الثقافي (إنتاج يتم داخل التاريخ، أي داخل الزمنية الإنسانية) ومنحها طابعا طبيعيا (علامات توجد خارج الزمنية ولا تتأثر بها). هذا ما يجعلنا نعيش الأسطورة وكأنها كلام بريء. "والواقع أن ما يتيح للقارئ استهلاك الأسطورة استهلاكا بريئا، هو أنه لا يرى فيها نسقا سيميائيا، بل نسقا استقرائيا[…] والحال أن مستهلك الأسطورة يعتبر الدلالة نسقا من الوقائع".

من هنا تكمن خطورة الإشهار في تمرير خطابه عبر مجموعة من الصور التي يستهلكها المتلقي بشكل طبيعي، ما دام أن كل صورة من هذه الصور تقدم دائما كنسخة ميكانيكية لوضعية واقعية، الشيء الذي يجعلها تكون مغلفة بمجموعة من القيم (كالفوز، والسعادة، والحب، والأمومة، والانتماء الاجتماعي…الخ)، والتي تجد مرجعيتها في المتخيل العام للمجتمع.من وجهة النظر هذه، تقرأ هذه الصور باعتبارها التسجيل الخالص لواقعة من الحياة اليومية. ولعل القيام بتحليل بعض الإرساليات، عبر مستوييها التقريري والإيحائي، يساعدنا على الكشف عن آليات إنتاج الأثر الإيديولوجي عبر الوحدات الصغرى التي تؤثث فضاءاتها. وسنتناول كنموذج إشهار "قهوة كوار".

إن هذه الإرسالية، على غرار الوصلات الإشهارية، تتشكل من نسقين: نسق تقريري ونسق إيحائي. الأول يتكون من الدال (مجموع الصورة)؛ والمدلول النهائي (اشربوا قهوة كوار). والثاني محتشم، وخجول، وخفي –على حد تعبير بارت- ويكمن في المدلولات التوسطية.

إن المدلول النهائي في النسق الأول يشكل الأرضية الخصبة لتجربتنا المشتركة، المحصل عليها داخل المتخيل العام للمجتمع. فلما لا يقتصر عليه الإشهاري إذن؟ ولماذا لم يقل ببساطة: "اشتروا قهوة كوار"؟ لأننا في حقيقة الأمر أمام خدعة، فالإرسالية إذا توقفت عند هذا المستوى لن تبلغ هدفها المنشود. لذا يتم تغليف المعنى الأول بسلسلة من المدلولات الإيحائية، توهم بإلغاء الجانب الاقتصادي، وذلك عبر خلق وضعية إنسانية تظهر بمظهر الطبيعة البريئة، حيث إن الصورة تكتفي بسرد قصة عادية على المشاهد/المتلقي، من خلال التركيز على استعمال "قهوة كوار". لذلك كان لزاما علينا أن ندفع هذا المعطى المباشر إلى التراجع، لاستجلاء الدلالات الإيحائية. فما من شك أن هذه الإرسالية الإشهارية –بشقيها اللغوي والأيقوني- تريد أن تقول شيئا آخر، غير ما يعطيه التقرير البخيل، وهو ما سنحاول انتشاله من تحت أنقاضه (التقرير)، وذلك بالكشف عن المدلولات التوسطية، باعتبارها البؤرة التي تتسرب من خلالها الإيديولوجيا كإيحاء.



تقدم لنا الوصلة الإشهارية "قهوة كوار" وسط وضعية إنسانية تعمل على تطبيع هذا المنتوج، من خلال تماهي المتلقي/الضحية مع هذه الوضعية، التي تتجسد أساسا في عرض وتقديم صورة حية مستقاة من البيت المغربي: صورة جد وأب وحفيد تغمرهم نشوة السعادة..

فعلى مستوى السلوك، تظهر الصورة أن العلاقة التي تربط بين الجد والأب والحفيد هي علاقة تطبعها الحميمية والاندماج: فبينما يجلس الجد على الكرسي، ويتذوق نسمة "كوار" بعد أن تيقن من جودتها، ويشاركه ابنه في نفس العمل ونفس الشعور، نجد الحفيد سرعان ما يهرول في اتجاههما، ليشاركهما فرحتهما وسعادتهما. كما أنه داخل الصورة مجموعة من الإشارات التي في تأليفها وتداخلها، تولد سلسلة من المعانم Sèmes والمدلولات الإيحائية:

فمعنم "الغنى" يتمثل أساسا في البناء العصري في المنزل، كما يظهر في لباس الجد التقليدي ولباس الأب والحفيد العصري. لذلك فإن المنتوج هنا مرتبط بشريحة اجتماعية متميزة، ما دام أن الفضاء الذي تدور فيه الأحداث ينم عن الثراء، الشيء الذي يعطي لقهوة "كوار" مكانة خاصة، مستمدة أساسا من قيمة من يستهلكها.



أما معنم "الأصالة"، فإنه يتمظهر من خلال هندسة المنزل (النقش)، ولباس الجد (جلباب والقبعة) الذي ينسجم مع الواقع المعطى لأسرة مغربية مترفة Marocanité، كما أن توظيف اللغة العربية، وحضور الجد، وهو يحمل القرآن بيده، إلى جانب الأب والحفيد لدليل على هاته الأصالة وعلى أصولها التاريخية (تعاقب الأجيال).

من هنا تكتسي قهوة "كوار" قيمتها الخاصة، وهي قيمة مستمدة من ارتباطها بالشرائح ذات الحظوة الاجتماعية، وبأصالتها وجودتها الذي يدين بها التاريخ لها، حيث تبقى شامخة أمام توالي وتعاقب الأجيال.هكذا يتبين أن الإرسالية الإشهارية تحاول أن تخلق لنا فضاء مألوفا، حيث السعادة والحب والاستقرار والاندماج الذي تنعم به العائلة وهو استقرار مستمد أساسا من ثبات جودة المنتوج (كوار). لذلك فهو يشكل (المنتوج) حارسا أمينا لاستمرارية الالتحام في هذا الوسط الأسروي، وهو ما يقابله من جهة أخرى أصالة "كوار" وسرمديتها.


فإذا كان جوهر الوجود والموجودات هو التغير واللاثبات، فإن قهوة "كوار" تشد عن هذه القاعدة، حيث تقدم كمالك للقيم الموروثة وكحارس على المصالحة في زمن غياب الصراع بين الأجيال: مصالحة القديم مع الجديد، مصالحة الجد مع الأب والحفيد، مصالحة القيم القديمة مع أنماط الحياة الجديدة، ليصبح التشبث بالأصالة هو التشبث بالمنتوج.

من هنا تسعى الإرسالية إلى تكريس ما هو سائد.. فالدور الذي يلعبه الحفيد فيها دور هامشي، كما أن غياب المرأة عن هذا الإشهار لم يكن بريئا، بل له ما يبرره على مستوى الخطاب المراد تمريره، حيث تساهم الإرسالية في إعادة إنتاج نمط الأسرة الأبيسية في المجتمع المغربي وتأبيد قيمها.

هكذا يتبين من خلال تحليلنا للإرسالية الإشهارية – على المستويين التقريري والإيحائي- أن "ضبط آليات التدليل داخل عالم الصورة […] هو خطوة جبارة نحو ضبط آليات التناسل الإيديولوجي في رحم الصورة ، تناسـل يقـود إلى التطبيـع وإلى التكريس وإلى التبريـر.

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2010, 07:42 PM   #7
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,767
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة



ضمن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق صدر كتاب موسوم ب " آليات الخطاب الإشهاري ورهاناته" ( تنسيق وتقديم د. محمد الداهي وبدعم من الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري)، وهو ثمرة ندوة دولية نظمت برحاب الكلية نفسها أيام 24 و25 و26 مارس 2009.

ويتكون الكتاب من قسمين: قسم باللغة العربية ساهم فيه كل من سعيد بنكراد وفريد الزاهي وهادي نهر وجميل عبد المجيد وعبد المجيد النوسي وليلى شعبان رضوان وأبوبيدي كاربونيل إكورطيس ومحمد فارضي وإدريس القري. وقسم باللغتين الفرنسية والإسبانية يتضمن مداخلات كل من عبد المجيد الحمومي ونجاة لمام طناني وبرينو ترونتيني وفانسو كوبولا ودوانا ميخائيلا بوبا وأحمد بوعود والمصطفى شاذلي وأيوب بوحوحو وروكساندرا بيتروفيتش وماريا انخليس غارسيا كولادو. ونقرأ في ظهر الغلاف أن الكتاب يسعى إلى حفز القارئ على الاهتمام بالخطابات المتداولة ( وفي مقدمتها الخطاب الإشهاري)، وتزويده بالأدوات المناسبة لتحليلها، وتفكيك شفراتها، واستنطاق مضمراتها، وإحباط مناوراتها التطويعية.

في مقدمة الكتاب أبرز منسق الندوة د. محمد الداهي الأهداف البيداغوجية والاقتصادية والتجارية والثقافية المتوخاة من تنظيم الندوة، وبين سعي المشهر إلى استغفال المستهلك والضرب بقوة في وقت استرخائه وإعيائه لمقاومة قدراته على التركيز ومخاطبة وجدانه وحفزه على اقتناء ما يعرض عليه.

.

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2010, 07:45 PM   #8
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,767
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

ندوة الصورة الإشهارية في المعرض الدولي السادس عشر


شهدت قاعة مصطفى القصري ظهيرة يوم الجمعة 12 فبراير 2010 ندوة حول كتاب ” الصورة الإشهارية آليات الإقناع والدلالة ” شارك فيها محمد الداهي (كلية الأداب عين الشق) وعبد المجيد النوسي ( كلية الآداب بالجديدة) وجعفرعاقل (المعهد العالي للإعلام والاتصال) بحضور مؤلف الكتاب سعيد بنكراد (كلية الآداب مكناس). وسيرها الصحافي والشاعر سعيد كوبريت. في البداية بين محمد الداهي فوائد الكتاب التي تتمثل فيما يلي:




أنه يقارب ظاهرة ثقافية تتعايش مع الإنسان في منامه ويقظته، وتصاحبه أينما حل وارتحل، وتدغدغ مشاعره بكل ما هو جميل وبديع في الكون، وتعده بالسعادة والأحلام الوردية . في حين أنها، في الواقع، تستغفله وتستبلده لتبيع له أوهاما ، وتسخره لخدمة أغراض تجارية ، وتطوح به في مد الاستهلاك وجزره سعيا إلى إشباع غرائزه المنفلتة والهاربة . يبين سعيد بنكراد في كتابه مدى خطورة الوصلة الإشهارية على الوجود البشري. فهي تضرب بقوة في لا شعور المرء في وقت استرخائه وإعيائه وتعبه وتشتت ذهنه. تحضه، في غفلة منه، على سوغ ما يتلقاه دون رد أو مناقشة أو مقاومة. أي أنها تمارس ، حسب فانس باكار، وظيفة الإقناع السري أو ما يصطلح عليه بالتطويع لترسيخ علامة تجارية أو خدماتية في ذهن المستهلك، وتعويده على الإقبال عليها وإيثارها على غيرها من العلامات. وبين محمد الداهي أن سعيد بنكراد قارب الإشهار من الزواية التواصلية لإبراز ما يلي: للتميز بين التواصل بوصفه فعلا إقناعيا (التفاهم اللغوي) لتنسيق المصالح المشتركة وبين التواصل باعتباره تطويعا ( الكذب المنظم) لإشاعة قيم وهمية لمغالطة الأخر ومخاتلته وخدعه. لبيان كيف يخلق الإشهار رغبات واستهامات وأوهاما سعيا إلى كسب مزيد من الأرباح. فهو يهم كل تفاصيل حياة الإنسان ، ويحفر أخاديد وقنوات في غيهب ذاته لدغدغة مشاعره، والاستجابة لأحلامه المغفية. ينبغي الفصل بين الجانب العقلي والدينامية النفسية في كينونة الإنسان. فهناك عينة من الإشهارات تستدعي من المرء إعمال عقله(الإشهار الإقناعي) لتبين مدى فاعلية المنتج وصلاحيته وجودته. وهناك عينة أخرى تراهن على انفعالات المستهلك وتقديراته العاطفية لحفزه على التجاوب بطريقة ميكانيكية مع سلعة ما(على نحو الإشهار الميكانيكي).

إن الإشهار يعد حالة من حالات ” التواصل الفعال” الذي يوهم بالقياس والتجربة والمقارنة لتلبية حاجات المرء والسعي إلى إشباعها، في حين يستثمر الحوافز السلوكية لتلقي استجابات فورية ، وتحويل الإنسان إلى آلة موجهة ومبرمجة تميل ، على نحو ميكانيكي، إلى علامات تجارية وخدماتية معينة. وبين عبد المجيد النوسي أن هذا العمل الجديد لسعيد بنكراد : الصورة الإشهارية يكتسي أهمية كبيرة ؛ فهو يتناول الصورة الإشهارية التي أصبحت حقيقة داخل المشهد السمعي والبصري والسوسيو ثقافي . كما أن العمل ينخرط في مشروع سيميائي منفتح يرمي إلى دراسة أنساق يجتمع فبها اللغوي والبصري . تميز هذا العمل بالتوازن : جانب نظري يهتم بالمحددات والمكونات النظرية وأنماط الإشهار. جانب يستوضح، تطبيقيا، الآليات التي تعتمدها الصورة في الإقناع للدفع بالمتلقي إلى الفعل. ولما تناول الكلمة جعفر عقيل بين أن مؤلف “الصورة الإشهارية: آليات الإقناع والدلالة” للباحث سعيد بنكَراد ضمن اهتماماته بالخطاب وآليات اشتغاله وتحديدا بانشغالاته بقضايا الإشهار. إن الكتاب في كليته دعوة للتأمل والتفكير في السيرورات التواصلية المعتمدة من طرف المشهرين في بناء الوصلات الإشهارية وذلك من خلال الوقوف على بعض مكوناتها وقوانينها وتركيباتها. بتفكيكنا لهذه الآليات وخاصة طرق اشتغالها وتأثيراتها، ندرك غايات المشهر وتطلعاته التي لا تكتفي بإقناع المستهلك بشراء المنتج لإشباع حاجاته (إشباع العطش مثلا) وإنما تعمل على إقناعه بالمزيد ثم المزيد من الاستهلاك وذلك من خلال مخاطبة ميوله وأحلامه ورغباته أي حاجاته المصطنعة. إن دوافع فعل شراء منتج ليست دائما دوافع الضرورة (ضرورة الحياة) وإنما أيضا البحث عن وضع اجتماعي يتسم بالتميز والتفرد (البحث عن وضع اجتماعي خاص). وقد دقق الكتاب بكثافة في هذين المفهومين لأنه اعتبرهما الممر السري لفهم المضمون الحقيقي لإستراتيجية المشهر في تواصله مع المستهلك. فالمشهر، من منظور الباحث، يعي جيدا أن نجاح وصلته الإشهارية مرهون كثيرا بقدرتها على بلورة نمط حياتي مشروط باستعمال المنتج “س” الذي يروج له ويدعو المستهلك إلى اقتنائه. وهنا تكمن خطورة الإشهار وقدرته على التسلل إلى الأذهان واختراقها ومن ثمة تغيير سلوك المستهلك وعلاقاته الاجتماعية وقيمه. وهو الأمر الذي يجعل دراسة آلياته المستعملة في الإقناع أمرا ملحا ومستعجلا لأن وظيفته وظيفة إيديولوجية أكثر منها تواصلية مع المستهلك أو تعريفية بالمنتج.

وفي الختام أثيرت جملة من التساؤلات والتوضيحات من لدن الجمهور مساهمة منه في إغناء الجلسة وتعميق النقاش

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-04-2010, 01:48 AM   #9
الحلم الوردي
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية الحلم الوردي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: جدة
المشاركات: 1,014
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

بارك الله فيك

__________________
يابن اَدم كيف تكون مسلماًولم يسلم منك جارك؟
يابن اَدم كيف تكون مؤمناًولم يأمنك الناس؟



الحلم الوردي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-06-2010, 01:18 AM   #10
بدر حلب
أبو غالية ( وفقه الله )
 
الصورة الرمزية بدر حلب
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: سوريا
المشاركات: 21,364
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

شـــكـ بارك المولى فيك ـــراً جــــزيـــــلاً

__________________



<!-- Facebook Badge START -->مكتبة تاريخ سوريا syria history

<!-- Facebook Badge END -->

<!-- Facebook Badge START -->
بدر حلب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2010, 02:29 AM   #11
علي كامل
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
المشاركات: 52
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

أدام الله توفيقكم

علي كامل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-07-2011, 06:11 AM   #12
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,915
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

بارك الله فيكم، وزادكم من فضله

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-09-2011, 03:57 AM   #13
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 74,361
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

بارك الله تعالى فيكم

__________________
اللهم ارحم أبا يوسف واغفر له
أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2020, 01:49 AM   #14
نبهات
مشرفة ( وفقها الله )
 
الصورة الرمزية نبهات
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 16,692
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الخطاب الإشهاري البنية والوظيفة

جزاكم الله خيرًا

__________________
اللّهم يارحمـن الدنيا والآخرة ورحيمهما ارحم عبدك
أبـــا يـــــوســــف
برحمتك الواسعة واغفر له ،وعافه واعف عنه.
اللّهم يا حنّـان يا منّان ثقل بالحسنات ميزانه ،وجازه بالإحسان إحسانا وبالإساءة صفحا وعفوا وغفرانا،
اللّهم أكــــــرم نزله مع النبيين والصديقين وكلّ عبادك الصالحين،
في جوار حبيبك ورسولك ومصطفاك .
إنّــــــــك ربي -سبحانك-على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
نبهات غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
ظاهرة التضمين العروضي في شعر الأعشى دراسة في المفهوم والوظيفة أبو ذر الفاضلي المكتبة الأدبية المصورة 8 15-09-2020 01:54 AM
أقسام الكلام العربي من حيث الشكل والوظيفة أم يوسف 5 مكتبة علوم اللغة العربية المصورة 10 07-12-2011 06:24 PM
فصل الخطاب في سيرة ابن الخطاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته وعصره أبو يوسف كتب التراجم والسير المصورة 1 10-08-2011 04:34 PM
الشكل والوظيفة في نحل العسل أبو يوسف كتب الأحياء المصورة 3 23-04-2011 05:03 PM
في تحليل الخطاب الإشهاري إبراهيم براهيمي المكتبة الأدبية المصورة 6 06-07-2010 08:24 PM


الساعة الآن »08:55 PM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
.Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd