روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب *** لا يسمح بوضع الإعلانات في المكتبة، وسنضطر لحذف الموضوع وحظر صاحبه مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم التاريخ والسير والحضارات > التاريخ والحضارات > كتب التاريخ والحضارات بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-06-2019, 07:23 AM   #1
غرناطة الأندلس
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية غرناطة الأندلس
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركات: 12,264
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي خرافة المظلومية الشيعية في العراق

خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية

عبد العزيز بن صالح المحمود- باحث عراقي

خاص بالراصد
يتكرر كثيراً في المقالات والبحوث والكتب دعوى مظلومية الشيعة حتى عدّها البعض من المسلّمات، وسبب ذلك أن الدراسات الجادة عن هذا الموضوع غير متوفرة، والموضوع كبير ومتشعب، مما يستحق أن يُفرد له كتاب كامل، ولحين تيسر ذلك لي -بإذن الله- هذه مقالة تلخّص أهم الأفكار في هذا الصدد عن خرافة مظلومية الشيعة زمن الدولة العثمانية، وزمن الدولة العراقية بدءا من 1921م ولحين الاحتلال الأمريكي سنة 2003.
واقع التشيع في العراق بين القرنين 16-19م:
معلوم أن العراق دخل تحت حكم دولة الخلافة العثمانية قرابة أربعة قرون وتحديدا 384 سنة (1534-1918م)، وربما كان الدافع الكبير لسيطرة العثمانيين على العراق خشيتهم من وقوعه تحت هيمنة الدولة الصفوية الشيعية؛ فسارع العثمانيون لمنع تمدد النفوذ الصفوي الشيعي إلى العراق، وبعد حرب دامت زهاء 150 سنة عُقد اتفاق بين العثمانيين والصفويين سنة 1639م وضعت فيه الحدود القائمة للآن بين العراق وبلاد فارس (إيران)، وكانت يوم ذاك تعتبر الحدود الشرقية للدولة العثمانية التي أصبحت تسمى البوابة الشرقية للعرب اليوم.
لفهم مشهد التشيع في العراق بشكل جيّد لا بد أن نشير إلى أن التشيّع لغاية القرن التاسع عشر كان محصورًا في مناطق محددة في العراق، هي: النجف، وكربلاء، والحلّة، ومناطق الأهوار، ومناطق متفرقة من بغداد، وهنا وهناك.
وبرغم وجود ثلاثة أماكن مقدسة عند الشيعة (ضريحين لإمامين وثالث لأعظم إمام شيعي وهو المهدي المنتظر/ مكان غيبته) في مدينة سامراء؛ فإنه لم يكن يزورها إلا الفرس كما ذَكر ذلك الرحالة نيبور في رحلته للعراق سنة 1761م والتي وصف فيها سامراء بقوله: (وتزار قبورهم كل سنة من جموع غفيرة من الفرس)([1])، ولم يقل العرب أو الشيعة!
نعم! هذه هي الحقيقة، تزار المشاهد من غير العراقيين لأن أغلب عشائر العراق سُنيّة، بل حتى القائمين على هذه القبور هم سنة من أهالي سامراء اتخذوها حرفةً لمعيشتهم، ولو كان بها شيعة ككربلاء والنجف لكانت بحوزتهم.
ويؤكد هذا الرحالة ابن طولون (953هـ) فيقول إن مراسم العزاء في عاشوراء كان تقام في كربلاء والنجف والحلّة، ولم يذكر غيرها من المناطق، وكلامه هذا تزامن مع ظهور الدولة الصفوية([2]).
إنّ أغلب العشائر العربية والكردية والتركمانية في العراق من أصول سُنيّة، أما العشائر المتشيّعة فكانت محدودة؛ وأقدمها تشيعًا الخزاعل، ومن ثم الكعبيون، تشيعوا في القرن الثامن عشر، وأما البقية كزبيد، وربيعة وتميم فقد تشيّعوا في القرن التاسع عشر، بفعل تحركات رجال الدين الشيعة العرب وغيرهم، ولانشغال الدولة العثمانية وعدم اهتمامها بهذا الأمر، بل ساهمت من حيث لا تدري في زيادة التشيّع فقد عملت على توطين العشائر البدوية الهاربة من الصراع في الجزيرة العربية بعد ظهور حركة الإصلاح (محمد بن عبد الوهاب) وكان تفكيرها ضيّقا وتصورها لمآل الأمور محدودا، حيث تصورت أن العشائر حتى لو تشيّعت ستكون سدًا أمام (الوهابيين) لمنع وصول نفوذ الوهابية لداخل العراق.
كما أن لجوء الدولة العثمانية للقيادات الدينية لحل المشاكل بينها وبين العشائر جعل للقيادات الشيعية مكانة بين العشائر وسهّل عملية التحول للتشيع([3]).
بهذا يتبين لنا أنه لم يكن بالعراق كتلة شيعية زمن دخول العثمانيين في القرن السادس عشر ولا القرن السابع عشر، بل كان العراق بلدًا سُنيا به أقلية شيعية؛ وقلّتهم تزداد إذا ما نظرنا إلى حكم الدولة العثمانية لعالَم إسلامي سني كبير يتعدى العراق، وأن توسع التشيع بالعراق حصل في القرن التاسع عشر.
إنّ فهْم هذه الحقيقة يعري المغالطة التي يحاول الشيعة ومَن يناصرهم من المستشرقين أن يروّجوها وهي: أن العراق به أكثرية شيعية حين حكمته الدولة العثمانية، وأنها اضطهدت الشيعة خلال حكمها للعراق، فلم تعيّنهم في المناصب الحكومية، ولم تعطِهم حريتهم الدينية! والتي سنناقشها ونوضح جوانبها.
تعامل الدولة العثمانية وولاتها مع مراقد الشيعة:
يضم العراق أضرحة ومراقد 7 من أئمة الشيعة المقدسين، ومن هنا تأتي المكانة المتميزة للعراق عند الشيعة، وهذه المراقد تعدّ هي بداية دعاوى مظلومية الشيعة في العراق، إذ يدّعي الشيعة أنها أهملت، وأنهم حُرموا من زيارتها والتوسل بأهلها والتبرك بهم ودعائهم.
بينما الحقيقة التاريخية تقول إن العثمانيون كانوا يحملون نوعًا من التصوف يغلو أحياناً في محبة آل البيت؛ نتيجة تأثرهم بالطريقة البكتاشية التي من أكبر شعاراتها (الله - محمد - علي) في خليط من التصوف السني والشيعي؛ لذلك عظّم سلاطين العثمانيين وولاتهم مراقدَ أهل البيت، فقد زار السلطان سليمان القانوني كربلاء سنة 941هـ/ 1534م، ونزل ماشيا معظّما الحسين -رضي الله عنه- ورفض الركوب لإكرامه قبر الحسين، ووزع هدايا على أهالي كربلاء، وزارها والي بغداد إياس باشا سنة 1546م/953هـ، وعمّر السلطان العثماني مراد الثالث مئذنة الروضة الحسينية سنة 982هـ/ 1574م، وأمر والي بغداد علي باشا الوند أن يكرم المجاورون من أهالي كربلاء، وفي السنة التي تليها عمّر قبة الحسين، بل إن الوالي نفسه عمّر المرقد جميعه سنة 991هـ/ 1583م([4]
وكذا ضريح الجواديْن في مدينة الكاظمية ببغداد، عمّره السلطان سليمان القانوني وأكمل عمارة الصفويين وذلك سنة 941هـ/ 1534م، أما السلطان محمود الثاني فقد أهدى إلى المشهد الكاظمي الستر النبوي، وهو من السندس المطرّز، فأُسدِل على الضريح في ليلة القدر من شهر رمضان المبارك من سنة 1255هـ/ 1839م([5]).
وساهم السلاطين العثمانيون ببناء قبة الحسين، حيث أمر السلطان العثماني مراد الرابع بتعمير قبة الحسين عام 1048هـ/ 1638م، وكان ولاة بغداد يذهبون لزيارة المراقد والنفقة على المجاورين لها من الشيعة([6])، وقدّم قادة الجيش وولاة بغداد خدمات لمدينة كربلاء كفتح النهر المغلق، وتصليح الطريق بين كربلاء والنجف وبناء خانات للزائرين وذلك سنة 1115هـ/ 1703م.
وفي سنة 1127هـ/ 1715م، أمر الوزير حسن باشا الملقب بأبي الخيرات بترميم مراقد الأئمة في النجف والكاظمية وكربلاء، كما شيّد خانا جديدًا بين النجف وكربلاء لاستراحة زوار العتبات، وأمر بشقّ جدول لنهر الحسينية المعروف بـ (النهر السليماني).
وفي سنة 1741م ثارت عشائر في مناطق الفرات الأوسط فأرسل والي بغداد من يؤدبهم مستثنيًا مناطق كربلاء والحلة والغري (النجف) احتراما لوجود العلماء والمراقد، هكذا كانت علاقة الدولة العثمانية لعلماء الشيعة والمناطق المقدّسة عندهم.
وهذا السلطان العثماني عبد المجيد يهدي، سنة 1256هـ/ 1840م، شمعدانًا من ذهب للروضة الحسينية.
ولما كانت النجف -حيث ضريح علي بن أبي طالب- تعاني من مشكلة ردم الأنهار سريعا بسبب عواصف رمال الصحراء، أمر السلطان عبد الحميد بإجراء نهر سمي بالحميدية وذلك سنة 1308هـ/ 1890م، ومن ثم قررت الحكومة العثمانية سنة 1330هـ/ 1912م، عمل مشروع مضخة للمدينة ليكون موردا مائيا ثابتا لا تؤثر عليه التغيرات الجوية القادمة من الصحراء([7])، وكانت الدولة العثمانية هي من تعيّن الكليدار (المشرف على الروضة الحسينية).
إذًا، كان الشيعة تحت حكم العثمانيين يحظون بالحرية وكانوا يعتنون بمراقد الشيعة في النجف وكربلاء والكاظمية، ويساعدون الزوار، ولا يعطلون تبرع الشيعة الهنود والإيرانيين لها والمشاركة ببنائها، وكانت زيارة الشيعة لمراقدهم منسابة ومستمرة، بينما كانت الحكومات الشيعية المتعاقبة على حكم إيران (فارس) سواء في الدولة الصفوية أو الأفشارية أو القاجارية، تضطهد السنة وتجبرهم على التشيع وتهدم مساجدهم، حيث ذَبح إسماعيل الصفوي أكثر من مليون سني لتتشيع إيران، وعندما احتل الصفويون العراق حوّلوا ضريح عبد القادر الكيلاني إلى أسطبل للخيل! ونبش قبر أبي حنيفة ودفنت مكانه جثة كلب!
كان يمكن للعثمانيين أن يردّوا عليهم ويهينوا مراقد الشيعة، لكن طرائق التفكير مختلفة، وبينها بون شاسع، فمن هو الأحق بدعوى المظلومية؟!!
لقد لاحظ ذلك السفير البرتغالي في الصين بيريس تومي الذي زار إيران في الفترة من 1511 إلى 1512م وقال: "إنه -أي إسماعيل الصفوي- يقوم بإصلاح كنائسنا ويدمّر مساجد السنة"!!
تبقى هنا ملاحظتان هامتان:
الأولى: حاولت الدولة العثمانية منذ سليمان القانوني دائما تثبيت حسابات واضحة لممتلكات الأضرحة والأوقاف خوفا من سرقتها، ونهبها، وكان الشيعة يحاولون التخلص من هذه الحسابات دوماً!([8]).
الثانية: دافع العثمانيون عن المراقد، فقد كانت المراقد وقوافل الزوار تتعرض لهجوم من القبائل المجاورة طمعاً بثرواتها، إذ هوجمت كربلاء عدة مرات من قبل عشائر شيعية بدافع الطمع المالي والاستيلاء على مواردها، وأصبحت هذه المدن مأوى لقطاع الطرق والخارجين على القانون، ولكن المصادر الشيعية لا تبرز ذلك، بل تركز على هجوم الوهابية فقط!
مراسم عاشوراء:
ينبغي التنبه والتيقظ أن طقوس عاشوراء لم تكن أبداً بهدف تذكّر الحسين ومأساته والبكاء عليه وعلى ظلمه كما يدعون، بل هي دوماً بهدف شحن الشيعة ضد السنة وتأليب الشيعة على السنة بكل وضوح، فمنذ زمن البويهيين الذين أباحوا للشيعة الانتشار في بغداد والاحتفال بعاشوراء، فالاحتفالية لم تذكر مأساة الحسين بل أخذت تشتم الصحابة؛ ولذلك كانت تحدث دائماً بسببها صدامات تسيل فيها الدماء، ولهذا السبب كانت الدول تمنع هذه الطقوس.
هذا من جهة، من جهة أخرى يعترف أكثر من كاتب شيعي أن ما يحدث في عاشوراء يتطور ويكبر عاما بعد عام، لا مراسيم ثابتة، ففي زمن المغول أصبح التعبير عن المناسبة أكثر، أما في زمن الدولة الصفوية فقد أدخلت فيه أشياء كثيرة، وفي الهند ساهم البريطانيون في إضافة طقوس جديدة، فكل ما نشاهده الآن من طقوس هي في الحقيقة منقولة من النصارى في زمن الشاه عباس الصفوي، يقول د. محمد الجويني: "وقد أدّى تطور المآتم من حيث الكمية والكيفية إلى دخولها دائرة التقاليد الشعبية والوطنية، فأصبحت تقليداً دينياً وطنياً، وانتقل هذا التقليد السائد بين الإيرانيين إلى الشيعة في المناطق الأخرى"([9]).
لهذا فإن الدولة العثمانية من حقها كدولة مستقلة أن تمنع مثل هذه التصرفات غير المتزنة من جهة، والمخالفة للإنسانية من جهة أخرى من ضرب النفس وتعذيبها، والتي هي تقليد للإيرانيين فقط، والتي تتسبب في إثارة الطائفية والفتنة ([10]).
ورغم ذلك سمح للشيعة بإقامة مجالس العزاء في بعض الأوقات، فعندما انعقد الصلح بين والي العراق داود باشا المملوكي والحكومة الإيرانية عام 1821م سمح للشيعة بإقامة مجالس التعزية علنا، وكذلك في عهد والي بغداد علي باشا 1832م لأنه كان بكتاشيا، فسَمح بإقامة العزاء علنًا، وحضرَه، وسار الولاة من بعد علي رضا باشا على سُنته، فكانوا يتساهلون في أمر انتشار الطقوس الشيعية، ما عدا مدحت باشا فقد حاول منعها ولكنه لم يوفّق، ويقال إنه سأل اسطنبول في أمرها فكان الجواب: (دعهم يفعلون ما يشاؤون ما داموا لا يؤذون سوى أنفسهم([11]).
وحين دخل العراق تحت سيطرة الإنكليز([12]) اتبعوا سياسة التقرب من الشيعة من بوابة هذه المراسم، فأخذوا برعاية المواكب الحسينية بصورة خاصة وأجازوا إقامة المآتم والسبايا، بل دعموها بما تحتاج من الوقود والأكفان، ووجّه علماء الشيعة كتابا يتضمن شكرهم على ما قدّمه الإنكليز لهم ([13]).
ولم تنفرد الدولة العثمانية من منع العزاء يوم عاشوراء، بل هذا الشاه رضا بهلوي منع العزاء في إيران لمدة 15 سنة من (1926-1941م) ، ومع ذلك لا نسمع من أي كاتب شيعي اعتراضاً على ذلك، بينما ينصبّ الاعتراض فقط على الدولة العثمانية!! وهذا يكشف تلاعب الشيعة بدعوى المظلومية بينما قد يكون المنع لأسباب كعدم قناعة المسؤول بما يفعل، أو لسبب سياسي لمنع استغلال ذلك لأهداف سياسية، وليس بالضرورة أن يكون المنع رغبة في ظلم الشيعة!
سلوك شيعة العراق بين الانتماء للدولة والدين:
ينتقد الشيعة سلوك الدولة العثمانية تجاههم وأنها تعاملت معهم بإقصاء وطائفية، وأنها لم تتعامل معهم كمواطنين ورعاياها تابعين للدولة، فلنتناول هذا الأمر ونحلله لنرى مدى صحة دعواهم.
في البداية لنستحضر أنه على مدار التاريخ كان علماء الشيعة يقفون مع مصالح مذهبهم وطائفتهم على حساب الدول التي يعيشون بها؛ فهذا ابن العلقمي كان شيعيًا ووزيرًا في دولة الخلافة العباسية السُنية، ومع ذلك خان دولته وساهم بإسقاطها سنة 656هـ/ 1258م.
ولماذا نبتعد كثيرًا في التاريخ فهذا نقيب النجف ورئيس الشيعة في العراق محمد كمونة يغدر بأهل بلده وجيرانه السنة في بغداد حين يتفق مع الصفوي على القدوم لبغداد ويخدّر أهل بغداء عندما يصور لهم إسماعيل الصفوي كسلطان عادل، فيترك السنة المقاوَمة ويستقبله ابن كمونة بخطبة عصماء.
وفعلا يدخل إسماعيل الصفوي بغداد فيقتل من أهلها السنة مقتلة عظيمة، حيث قتل عامة أهلها والصلحاء منهم، وبدأ يعذّب الناس ويدعوهم للتشيع ومن يأبى يُقتل، وهدم قبر أبي حنيفة ونبشه، وفعل نفس الشيء مع عبد القادر الكيلاني وجعله اصطبلات للخيل، ونبش قبور الموتى وأحرق عظامهم، وقتل كل من ينتسب لذرية خالد بن الوليد، حتى قال مؤرخ الشيعة ابن شدقم واصفا أهل بغداد في كتابه «تحفة الأزهار»: (فتح بغداد وفعل بأهلها النواصب ذوي العناد ما لم يسمع بمثله قط في سائر الدهور بأشد أنواع العذاب حتى نبش موتاهم من القبور)([14]) وأخذ أطفال المسلمين ونساءهم وباعهم عبيدا في إيران، وأصبح اليهود في بغداد والنصارى أكثر أماناً من السنة([15]) فهرب كثير من الناس ومنهم الأسرة الكيلانية إلى الشام ومصر([16]).
حدث ذلك يوم كان عدد الشيعة محدودًا ولم يكن التشيّع قد انتشر في العشائر العراقية، ومع ذلك كان موقفهم العدائي واضحا ضد السنة رغم أنهم ينتمون للقبائل العربية العراقية! ورغم أنهم تحت حكم حكومة سنية عثمانية، إلا أن عينهم ترنو وتتطلع إلى الحكومة الصفوية الشيعية، فجسمه في العراق والولاء لإيران! فهل تغير حال شيعة العراق زمن الدولة العثمانية؟
لقد ذكر علامة العراق محمود شكري الألوسي أن كبار علماء الشيعة كانوا يحثّون العشائر التي تشيّعت على عدم نُصرة الدولة العثمانية في حروبها مع روسيا وعدم إعانة الدولة، ويفرحون ويكون أسعد أيامهم عند هزيمة العثمانيين، ويحزنون إذا انتصرت([17]).
وكان أفراد عشائر الجنوب الشيعية يتهربون من الخدمة العسكرية بتغيير تابعيّتهم من الدولة العثمانية إلى الدولة الإيرانية برغم أنهم يعيشون في العراق، لذا الكثير منهم لا يملك وثيقة عثمانية، ووصل ببعضهم الحال أن ساعد الحكومة الإيرانية في غزو بعض مناطق العراق، فهل هؤلاء مواطنون ورعايا يستحقون الرعاية أم خونة وجواسيس يستحقون العقوبة والنكال؟
الحقيقة أن سنة العراق عانوا من تساهل الدولة العثمانية تجاه مخططات التشيع، فقد سمحت للقبائل في الجنوب والوسط العراقي بأن يتشيعوا، وبالمقابل: هل سمح للسنة في إيران بنشر دعاتهم هناك لنشر التسنن؟!
ولقد كان الشاعر الرصافي صريحا عندما قال: (إنّ إيران هي القبلة السياسية التي تتجه إليها قلوب شيعة العراق منذ عهد الدولة العثمانية البائدة)([18]).
إن تبعية الشيعة لإيران وصلت بهم إلى حد أنّ حاكم إيران عند زيارته لكربلاء عام 1870م أضاف عبارة (أشهد أن علياً أمير المؤمنين) إلى الأذان، حيث طلب من مؤذن الحضرة العباسية إضافة العبارة المذكورة، وأصبحت هذه الصيغة متَّبعة عند الشيعة في جميع أنحاء العالم بعد ذلك، رغم أنهم كانوا لا يمارسونها، وعدّها بعضهم بدعة([19]) وبقي الأذان ليومنا هذا تبعا لمراد شاه إيران وموافقة علماء وآيات الشيعة، وهذا أيضاً من تساهل الدولة العثمانية المضرّ!
هذه حقيقة دعوى الشيعة أنه تم إقصاؤهم، وقد تبين أنهم خونة وعملاء يستحقون العقوبة وليس الإقصاء فقط الذي لم يحصل حتى! وتبين أن العثمانيين كانوا مفرطين في حقهم وحق سنة العراق، فبينما كان إسماعيل الصفوي يذبح سنة العراق كلما غزاهم كان العثمانيون في كل مرة يحررون بغداد يعفون عن الفرس الذين ارتكبوا الجرائم([20])!
تبعية علماء الشيعة وقراراتهم لمن يملك المال:
خصص أحد ملوك مملكة أودة الشيعية في الهند (1720 – 1856م) وهو غازي الدين حيدر أوقاف خيرية تصرف في الحوزة العلمية في كربلاء والنجف، وهو ما عرف بـ (خيرية أودة)، التي بدأت تصل الى الحوزة في العراق منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين.
ومع سيطرة بريطانيا على الهند ومنها دولة أودة في منتصف القرن التاسع عشر بدأت تسيطر على الأموال الخيرية المخصصة للحوزة، فراحت تتلاعب فيها وفي طريقة توزيعها من أجل مدّ نفوذها على الحوزة والسيطرة على المرجعية والتدخل عبرها في شؤون العراق وإيران قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها.
اصطدم البريطانيون ببعض مراجع الشيعة الذين لم يقبلوا بذلك فقام البريطانيون بالتفكير باستيراد مجتهدين متعاطفين من الهند يقبلون تسلّم (الخيرية) وتوزيعها في العراق عبر لجان أهلية بإشرافهم، وقد أثار ذلك قلق السلطات العثمانية من تزايد النفوذ البريطاني في العراق وشراء ذمم مراجع الشيعة، خصوصاً في صفوف الشيعة والمرجعية، فحاولت حل اللجان التي شكلها الإنجليز لتوزيع المال، ومنعت الرعايا العثمانيين، خصوصاً العرب الشيعة، من الانضمام إلى عضوية اللجان في كربلاء والنجف، وطلبت من القنصل الفارسي في بغداد أن يمارس ضغطا على الأعضاء الفرس لتقديم استقالاتهم.
هذا هو حال الشيعة في العراق:
لا ينتمي مراجع الشيعية -وهم قيادات المناطق الجنوبية في العراق بعد انتشار التشيع- للدولة بصلة، فهم لا يعترفون بسلطة العثمانيين الرسمية([21])، فولاؤهم لإيران التي تسيطر عليهم مذهبياً وعبر المال، وطقوسهم تأتي من إيران أيضاً.
وهم يفرحون بخسارة الدولة العثمانية ويحزنون إذا انتصرت ويميل بعضهم عسكريا لكفة إيران ويقف ضد الدولة العثمانية، فهؤلاء رعايا مشاكسون.
ومع ذلك لا توجد في تاريخ الدولة العثمانية أية مذبحة ضد شيعة العراق، سوى ما يذكرونه من حادثة سليم باشا عندما هجم عليه مجموعة من الخارجين عن القانون في النجف سنة 1234هـ/1818م، وحادثة نجيب باشا سنة 1258هـ/ 1843م، في كربلاء.
فقد أصبحت المدينتان مأوى للمجرمين يلوذون إليهما متهربين من أداء حقوق الحكومة، ووصل عددهم في كربلاء إلى 10000 شخص هارب من قبضة الوالي، وشرعوا بتهديد المراجع الشيعة، مستغلين ضعف هيبة الدولة العثمانية، فأرسل الوالي جيشا فاحتمى المتمردون بكربلاء وتحصنوا بها، وانتهت المعركة بمقتل 4000 من العصاة، و500 من الجيش العثماني([22]).
فزوّر الشيعة الحادثة وضخموا عدد القتلى وتدخلت قناصل الدول الأجنبية، خاصة البريطانية والروسية، لأنها كانت تبحث عن شيء تبرر فيها تدخلها، وكان تصرح أحيانا للشيعة أنها ترغب بحمايتهم من الأتراك العثمانيين السُنّة كنوع من سياسة (فرّق تسد).
ومعلوم أن نجيب باشا لم يكن لديه مع الشيعة مشكلة، فقد بنى مقابر لعلماء الشيعة داخل ضريح الحسين، وعندما ظهرت البابية استدعى لقصره علماء الشيعة والسنة لمناقشتهم([23]).
قد يستطيع الشيعة إخفاء الحقائق والزعم بأنهم كانوا مضطهدين في العراق من قبل الدولة العثمانية لكن الحقائق تظهر ولو بعد حين، وتكشف زيف دعواهم بأنهم مظلومون، وتثبت كم هم ظالمون ومضطهِدون لغيرهم في حالة ضعفهم وقوتهم!
دعوى حرمان الشيعة من التعليم:
يُكثر الكتاب الشيعة -خاصة العلمانيين منهم- الكلام حول حرمان الدولة العثمانية للشيعة من التعليم، وهي دعوى لا حقيقة لها سوى الاعتماد على بضعة مصادر غير دقيقة، ووضعت للتهييج الطائفي فقط، وإلا فإن التعليم في عموم العراق كان مهملا من قبل الدولة العثمانية للعرب السنة والشيعة والكرد، فالتعليم في الدولة العثمانية بقي ردحا من الزمان يعتمد على الكتاتيب والتعليم الديني، وكلاهما كان متوفرًا في المناطق الشيعية، فهل كانت الدولة العثمانية تمنع الشيعة من التعليم في الكتاتيب أو في المدارس الدينية؟! يقول د. النفيسي: (كان الشيعي يحذَّر من شيخه أنه محرّم عليه أن يتوظف في حكومة غريبة عنه) نعم، كان العثمانيون حكومة غريبة أجنبية عند الشيعي فكيف يطلب حقوقه من حكومة لا يعترف بها؟!
والتعليم الحديث في الدولة العثمانية بدأ عند الأقليات غير المسلمة حيث ظهرت مدرسة الآباء الكرمليين عام 1721م، والمدرسة الكلدانية عام 1843م، ومدارس الاتحاد الإسرائيلي 1865م.
وكانت بداية التعليم الصحيح على يد والي بغداد مدحت باشا الذي افتتح أربع مدارس: أولها المدرسة الرشدية العسكرية عام 1869م، والمدرسة الرشدية المدنية، والمدرسة الإعدادية العسكرية، ومدرسة الفنون والصنائع، واعتمدت هذه المدارس اللغة التركية لغة رسمية لها([24]). وفُتح مثيل لها في النجف، وكان الإقبال عليها محدودا، ودخلها بعض ذوات الشيعة، وكان هناك المدارس العلوية التي تأسست بعد الرشدية بسنتين([25]).
ومن مدارس بغداد المشهورة في العهد العثماني المدرسة الجعفرية وأسسها تلميذ محمود شكري الألوسي قاضي المحكمة الجعفرية، شكر بن أحمد البغدادي الشيعي، والألوسي هو من كتب له تزكية لمنحه رخصة لتأسيس المدرسة، برعاية مجموعة من الشيعة والسنة مثل: عبد الكريم السيد حيدر، والشيخ جواد تويج، وعلي البزركان ومهدي الخاصكي، عبد الكريم حيدر، علي السيد مهدي البغدادي، جعفر السيد هاشم، أمين الجرجفجي، داود أبو التمن، سلمان أبو التمن. وأصبح القاضي شكر([26]) مديرا للمدرسة رغم أنه لا يحمل شهادة لكن لكونه تلميذ الألوسي منح ذلك، وكان من الساعين لتأسيس المدرسة شخصية سنية وطنية وهو علي البازركان أحد قيادات ثورة العشرين.
ومن هذه المدارس العثمانية تخرج جمهرة من النخب الشيعية المثقفة وأصبحوا سياسيين ومفكرين وكتّابا وصحفيين، منهم مثالا لا حصرا: عبد الرزاق الحسني، وكاظم الدجيلي، وصالج جبر، رئيس وزراء العراق، والشاعر علي الشرقي، والكاتب جعفر الخليلي وغيرهم.
وكان يمكن أن يكون عددهم أكبر لولا ما هو معلوم من أن علماء الشيعة كانوا لا يشجعون على التعليم في المدارس العثمانية، ويرفضون أحيانا دراسة أولادهم فيها!
الخلاصة:
روّج كتاب الشيعة من التيار الديني والتيار العلماني([27]) خرافة مظلومية شيعة العراق واتهام الدولة العثمانية باضطهادهم، وقد تبيّن أن الشيعة هم من رفض التعاون معها ولم يعتبروها حكومة رسمية لهم؛ لأنهم حسب شرعهم لا يؤمنون بها، وقاموا بالغدر تجاهها ولم تعاقبهم، ومع ذلك كانوا يطالبون بحقوق المواطنة!
ومع كل ذلك لم تفعل الدولة العثمانية ما فعلته الدولة الصفوية، فلم تعتدِ على معتقدات الشيعة ومراقدهم، ولم تُكرههم على التسنن كما فعلت الدول والحكومات الإيرانية، بل تساهلت معهم حتى أدى هذا التساهل إلى تشيع العشائر السنية في جنوب العراق.
لذا فخرافة اضطهاد الشيعة في العهد العثماني قضية مفتعلة تشبه خرافة أكثرية الشيعة في العراق، ورواج هذه الخرافة هو بسبب تقصير أهل السنة في الدفاع عن حق دينهم ودولهم.
سأتناول في الحلقة القادمة بإذن الله خرافة اضطهاد الشيعة في الدولة العراقية الحديثة.


[1]- تاريخ مدينة سامراء، يونس الشيخ إبراهيم السامرائي، ص 203.

[2]- مفاكهة الخلاّن، شمس الدين بن طولون، القاهرة، 1962م، 1/242، 2/78.

__________________



مناي من الدنيا علوم أبثهـا ** وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن التي** تناسى رجال ذكرها في المحاضر
وألزم أطراف الثغور مجاهدا ** إذا هيعة ثارت فأول نافـر
لألقى حمامي مقبلا غير مدبر ** بسُمْر العوالي والرقاق البواتـر
كفاحا مع الكفار في حومة الوغى ** وأكرم موت للفتى قتل كافر
فيا رب لا تجعل حمامي بغيرها ** ولا تجعلني من قطين المقابر
غرناطة الأندلس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-06-2019, 07:26 AM   #2
غرناطة الأندلس
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية غرناطة الأندلس
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركات: 12,264
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: خرافة المظلومية الشيعية في العراق

خرافة المظلومة الشيعية في العراق 2- حكم الملك فيصل الأول

عبد العزيز بن صالح المحمود- باحث عراقي
خاص بالراصد
فنّدنا في الحلقة السابقة خرافة المظلومية المزعومة لشيعة العراق في العهد العثماني، وفي هذه الحلقة نفند خرافة المظلومية في عهد الملك فيصل الأول الذي جاء بعد الحكم العثماني واحتلال الإنكليز للعراق.
الشيعة والاحتلال البريطاني:
في أواخر الحكم العثماني واحتلال الإنجليز للعراق طالبت مجموعة من الضباط العرب السنة في الجيش العثماني بحكمٍ عربي للعراق، وشكلوا من أجل ذلك جمعيات منها جمعية (العهد) سنة 1913م، كما برزت تحركات عشائرية شيعية عراقية تؤيد تنصيب ملك عربي هاشمي على العراق، فتم الاتصال بأحد أبناء الشريف حسين (شريف مكة) لتنصيبه ملكا للعراق.
لم يكن الاحتلال البريطاني راضيا بذلك؛ لأنه يريد أن يحكم العراق بشكل مباشر؛ لكن الضغوط الشعبية العراقية اضطره لعمل استفتاء للشعب العراقي خلاصته: هل تؤيد قيام حكم ملكي عربي مستقل، وأظهرت النتائج اضطرابًا واضحًا عند العراقيين. لكن الذي يهمنا وله صلة بموضوعنا هو موقف الشيعة من هذا الاستفتاء!
يزعم العديد من الكتاب الشيعة أنهم كانوا مؤيدين لحكم أحد أبناء الشريف حسين للعراق، وهذا غير صحيح؛ فالشيعة انقسموا بشكل واضح حيال هذه القضية لموقفين:
الأول: موقف المرجع الشيعي كاظم اليزدي بعد التشاور مع بريطانيا الرافضة لقيام حكم عربي بالعراق، إذْ أيّد اليزدي استمرار بريطانيا بحكم العراق، كما وقّع سادن الروضة العلوية في النجف هادي الرفيعي مع 21 شخصية من وجهاء مدينة النجف مطالبين باستمرار حكم بريطانيا للعراق، وكان شرطهم على البريطانيين منحهم حرية ممارسة الطقوس الدينية وحفظ مكانة المجتهدين، وأيّد ذلك مجموعة من المراجع الشيعة منهم: محمد مهدي الكشميري، وهاشم الهندي النجفي، ومحمود الهندي النجفي، وجعفر بحر العلوم وهو إيراني، ومن المراجع العربية حسن بن صاحب الجواهري، وعلي بن محمد كاشف الغطاء. وجميع هؤلاء أيّدوا بقاء حكم الإنكليز ورفضوا قيام حكم ملكي عربي!
ووقّع 40 من وجهاء الشيعة من بغداد والكاظمية على عريضة تؤيد بقاء الحكم البريطاني، ونصّوا على أن يكون برسي كوكس حاكما للعراق، كما حصل تأييد من قبل بعض وجهاء الشيعة في مدينتي سامراء وكربلاء.
القسم الثاني: أيّد جماعة العهد، وهم ضباط سنة، بقيام حكم عربي من أبناء الشريف حسين، وبعض المجتهدين الشيعة ومنهم: شيخ الشريعة الأصفهاني، وعبد الكريم الجزائري، وجواد بن صاحب الجواهري، ومهدي كاشف الغطاء، ومرزا محمد تقي الشيرازي، ومحمد رضا الشبيبي، ووقعت وثيقة من 45 شخصية مرموقة سنية وشيعية تدعم هذا الرأي.
لكن لنا هنا ملاحظة مهمة: وهي أنه برغم اتفاق السنة والشيعة على قيام حكم عربي، إلا أن طبيعة هذا الحكم كان محل اختلاف، فأبناء الشريف والسُنّة وعدد قليل من الزعامات الشيعية كانوا يريدون حكمًا عربيًا حقيقياً للعراق، بينما غالبية قيادات الشيعة كانت ترغب بحكم ملكي شكلي دستوري عبر مبادئ دستورية منسوخة حرفياً من الثورة الدستورية في إيران، مما يمكّن مراجع الشيعة من حكم العراق في الحقيقة، وهذا ما نادى به محمد تقي الشيرازي عَلناً!!
وحاول هذا القسم من الشيعة فرض رؤيته عبر تنفيذ ثورة لطرد الإنكليز من العراق ليصفو الجو للمجتهدين لحكم العراق تحت حكم شكلي من أحد أبناء الشريف، فكانت ثورة العشرين (1920م)([1])، لكن الخطة فشلت بفشل الثورة، وبذلك ظهرت حقيقة نوايا الشيعة بحكم العراق من خلال مرجعيات طائفية إيرانية.
وبهذا ينكشف أن الشيعة كان لهم دور واضح في تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ولم يُقصهم أحد خلال تلك الفترة التأسيسية للعراق، ولكنهم تأرجحوا بين بقاء حكم الإنكليز بالعراق من جهة، وبين قيام حكم تكون السيطرة فيه بيد المراجع الشيعية الدينية الإيرانية، فهل هؤلاء مظلومون، أم ظالمون؟!
الشيعة ومقدمات تأسيس الدولة العراقية 1921:
أرسل قادة العراق -سنة وشيعة- إلى الشريف حسين وهو في الحجاز لتشجيعه على استلام عرش العراق من قبل أحد أولاده، فكتبوا له: "نرجو إرسال نجلكم الملك فيصل إلى العراق ليكون ملكاً دستورياً منتظرين تشريفه"، التوقيع: محمد الصدر (شيعي)، نوري السعيد، حمدي الباججي، محيي الدين السهروردي، بهجت زينل؛ وكذلك طالب قادة ثورة العشرين الذين هربوا إلى الحجاز بالملك فيصل ملكًا على العراق، ومن هؤلاء: جعفر أبو التمن، ونور الياسري، وعلوان الياسري، ورابح العطية، وشعلان الظاهر، ومحسن أبو طبيخ (وكلهم شيعة)، ثم أعقبهم علي البزركان، ومحمود رامز، وإسماعيل كله([2])، كما راسله الشخصية الشيعية المشهورة محمد رضا الشبيبي([3]).
وبرغم ذلك فإنّ علماء الشيعة ومراجعهم اعتبروا أنّ فيصل الأول تابع للإنكليز، وأنه سيقف ضد مصالحهم كرجال دين؛ لأن فيصلا كان ينوي تأسيس دولة عراقية حديثة، بعيدة عن وصاية المراجع الشيعية، وعن الانقسامات القبلية والعشائرية، فعندما وصل فيصل للعراق ومرّ بمنطقة الجنوب ووسط العراق استقبل استقبالا سَيئًا من قبل المراجع الشيعة، وبه نوع من الاحتقار رغم حرص فيصل على عشائر الجنوب العربية، وسبب ذلك أنّ "علماء الشيعة كانوا يفكرون ألا يكون الحكم في بغداد، فقد كان رجال الدين الشيعة يتطلعون إلى إقامة حكم ديني يكون على رأسه نائب الإمام المجتهد الأكبر؛ لذا فإنهم يعارضون بكل ما أوتوا من قوة أي حكومة قوية تكون في بغداد، قد يتغاضون عن حكومة ضعيفة لا حول لها ولا تحول دون تحقيق طموحهم وأمانيهم، ولكنهم -وفي كل تأكيد- يسعون دومًا لإثارة المصاعب وإقامة العقبات في وجه حكومة مركزية قوية، وبعد أن تشكّلت حكومة فيصل، أخذ علماء الشيعة وشيوخ قبائل (الجنوب) ينصرفون عنها تدريجيًا، مظهرين لها العداء؛ لأنّ أحدًا من هاتين الفئتين ما كان يرى الأهداف التي كانت الحكومة تأمل أن تحققها. وقد أدرك الوطنيون هذا الأمر فدأبوا على تحطيم قوة العلماء وسلطة شيوخ القبائل"([4]).
ويعترف أحد الكتاب الشيعة أن ثمة انقسامًا كبيرًا حدث بين الشيعة تجاه الملك فيصل؛ فكبار المراجع رفضوا ترشيحه، والأقل شأنًا منهم رشحوه([5]).
لذلك أقول: إن علماء الشيعة -وهم القيادة الحقيقية للجمهور الشيعي في جميع الأزمنة- هم من أشاع خرافة هذه المظلومية ورسّخها لدى الجمهور الشيعي؛ لأن المراجع لم يحصلوا على ما كانوا يخططون له، وهو الهيمنة التامة؛ ولذلك وضعوا العقبات أمام حكومة الملك فيصل طيلة مدة حكمه التي استمرت 12 عاماً.
الشيعة وتأسيس الحكومة العراقية:
بعد قبول بريطانيا تنصيب الملك فيصل ملكاً على العراق وتأسيس حكومة عراقية، بدأ المندوب السامي برسي كوكس بالبحث عن رئيس وزراء للعراق، فجلس أولا مع علماء الشيعة ومراجعهم، فقد زار المرجع الشيعي الأعلى كاظم اليزدي قبل أن يزور عبد الرحمن النقيب (سني) وعرض عليهما رئاسة الوزراء، إلا أن كاظم اليزدي رفض الفكرة([6])، فتمَّ تنصيب النقيب رئيساً للوزراء.
ولكن الشيعة يروّجون خرافة أنه جرى اتفاق بين المندوب البريطاني كوكس، وعبد الرحمن النقيب مقتضاه: أنّ تسليم حكم العراق للسنة مشروط بإبعاد الشيعة وحرمانهم من حقوقهم في المشاركة بالحكم بما يتناسب مع حجمهم السكاني، انتقاماً من دورهم الفعال في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، ومساهمتهم قبل ذلك في حركة الجهاد التي واجهت القوات البريطانية في البصرة عام 1914!
وهذه المظلومية المخترعة ليس لها أصل أو إشارة في أي مرجع علمي أو وثائق سياسية، وإنما بنيت على فرضية طرحها عالم الاجتماع العراقي الشيعي الدكتور علي الوردي، ليفسر فيها كيف ولماذا وافق عبد الرحمن النقيب على قبول تولي رئاسة الوزارة مع إنه معروف بالزهد، وسبق له أن رفض الفكرة، فطرح الوردي فرضية تقول: ربما أن كوكس حاول أن يلعب على أوتار الطائفية، وتخويف عبد الرحمن النقيب من أن يسلّم الحكم للضباط الشريفيين أو للشيعة فوافق، والنقيب معروف عنه نزعته البرجوازية والطائفية على حد تعبير الوردي([7])، وقد ردّ على الوردي مفكر شيعي منصف وهو الدكتور موسى الحسيني، وهكذا يتبين أن هذه فرضية وتحليل انطباعي وليست معلومات حقيقة!

ومما يفند خرافة وجود اتفاق على إقصاء الشيعة عن الحكم أن الملك فيصل لما أراد أن يُشكل حكومته بعد انتهاء حكومة النقيب دعا الشيعة للمشاركة في الحكومة، فأرسل أحد الشيعة الوطنيين وهو عبد الواحد سكر (من قادة ثورة العشرين) إلى النجف لمكانته عند المرجعية الشيعية ليقنعهم بضرورة المشاركة بالحكومة الجديدة فرفض المراجع ذلك، وخجل هو حتى بإرجاع الخبر إلى الملك فيصل([8])!
وهذا يؤكد أن رفض رئاسة الوزراء ورفض المشاركة في الحكومة هو رأي تبنّاه مراجع الشيعة، وليس إقصاء واتفاقا مع بريطانيا، وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين لشيعتهم.
لقد وقف مراجع الشيعة ضد تكوين الدولة العراقية؛ وقد اعترف العديد من الشيعة الطائفيين بذلك، يقول د.عبد الخالق حسين: " وبعد أن اضطر الإنكليز تأسيس الدولة العراقية الحديثة بسبب ثورة العشرين التي قامت بها عشائر الفرات الأوسط وبدفع من رجال الدين الشيعة أنفسهم، وقفت القيادات الدينية الشيعية ضد أغلب الإجراءات الضرورية لبناء الركائز الأساسية للدولة الوليدة الفتية، وذلك باتخاذهم مواقف متشنجة ومتشددة ضد السلطة، وإصرارهم على شروط تعجيزية غير قابلة للتحقيق في تلك الفترة. فوقفوا مثلاً ضد المعاهدة البريطانية - العراقية التي ما كان بالإمكان الاستغناء عنها في تلك الظروف القاهرة وإلا لقامت تركيا بإعادة احتلال العراق، أو على الأقل إلحاق الموصل بها. كما وأصدروا الفتاوى ضد الانتخابات لتشكيل المجلس التأسيسي، وضد إقرار الدستور، وضد قانون التجنيد الإجباري، وضد التعيين في الوظائف الحكومية، وحتى ضد إدخال أبناء وبنات الشيعة في المدارس الحكومية. وفي كل هذه المناسبات كانوا يصدرون الفتاوى يدعون الناس فيها إلى مقاطعة أوامر وتعليمات السلطة وإلا فهم كفار وتحرم عليهم زوجاتهم!!
وحتى دعوة رجال الدين الشيعة لأتباعهم إلى مقاطعة الانتخابات التي كانت الوسيلة الممكن اتخاذها للتخلص من الطائفية، فراحوا يصدرون الفتاوى في هذا الخصوص، وعلى سبيل المثال لا الحصر، في نوفمبر 1922 نشر المجتهدون الشيعة الكبار فتوى عن الانتخابات ورد فيها: (صدر منا تحريم الانتخاب في الوقت الحاضر لما هو غير خفي على كل باد وحاضر، فمن دخل فيه، أو ساعد عليه، فهو كمن حارب الله ورسوله، وأولياءه، صلوات الله عليهم أجمعين).
وإمعانا في فتوى التحريم، صدرت فتوى أخرى تحرّم على من ينتخب زوجته وزيارته، ولا يجوز رد السلام عليه، ولا يدخل حمام المسلمين!"([9]).
وبمرور الزمن بدأ مراجع الشيعة يغيرون رأيهم ويفتون بالدخول في الدولة، لذلك اجتمع جمع من المراجع الشيعة وخاصة العرب مع المجتهد الشيعي محمد حسين كاشف الغطاء وطلبوا أن يلغوا فتواهم بعدم المشاركة التي أفتى بها المجتهدون الإيرانيون وذلك سنة 1935م، وسنتكلم عنها في الحلقة القادمة.
هذه هي الحقيقة التي فرّ منها حسن علوي في كتابه «الشيعة والدولة القومية» ولم يناقشها كما ناقشها علي الوردي في كتابه «لمحات اجتماعية»، وحسين الشامي في كتابه «المرجعية الشيعية من الذات إلى المؤسسة» الذي يفتخر بالمقاطعة ويعتبرها علامة وعي وإدراك لعلماء الشيعة، وكذلك عبد الرحيم الرهيمي في كتابه «تاريخ الحركة الإسلامية في العراق»؛ لذا كانت هناك مجموعة وطنية من مثقفي الشيعة من الذين لم يستجيبوا لتحريض المراجع، وانخرطوا في الأحزاب الوطنية، منهم: محمد رضا الشبيبي، والشاعر مهدي البصير، وجعفر أبو التمن، في الحزب الوطني، وعبد الرزاق الأزري، وعبد الرسول كبة، ومحمد حسن  كبة، في حزب النهضة العراقية، وجعفر الشبيبي، وإسماعيل الصفار في حزب الأمة، ومن الشخصيات التي خاضت السياسة عبد الرزاق الحسني، ومحمد الصدر، وصالح جبر، والأخيران وصلا إلى منصب رئاسة وزراء العراق في العهد الملكي.
لقد كان بإمكان الشيعة أن يكون وضعهم أفضل خلال هذه الفترة لولا سلوك وسياسة المراجع المعادية للملك فيصل الأول، والوقوف بوجه حقوق المكون الشيعي بحرمانه من العمل السياسي وتحريم المشاركة بالانتخابات.
وليس ذلك فحسب، بل حرَم المراجع المواطنين الشيعة من الوظيفة، ومِن تلقّي المساعدة المالية من الحكومة العراقية؛ لأنهم يعتبرونه مالا حراما؛ ولأن الحكومة غير شرعية في نظرهم وأن الحكومة الشرعية الوحيدة هي الحكومة التي تستند إلى أهل البيت، وهذه لن تظهر إلا بظهور المهدي!([10]).
ومع ذلك حرص الملك فيصل -برغم رفض الشيعة- على أن تضم حكومته وزيرين من الشيعة أحدهما كان وزير المعارف (التربية)!
إذًا فالشيعة لم يُقصوا أبدًا من الحكم، بل إن الذين تعاملوا منهم مع الحكومة وطنيًا كان لهم وجود فاعل وتأثير مستمر، ونالوا منصب رئاسة الوزراء.
مطالبة الشيعة بتأسيس جيش عشائري من الجنوب:
بعد تأسيس الحكومة العراقية حان وقت تكوين جيش وطني للدولة يدافع عن العراق عامة، لكن مراجع الشيعة كانوا يفكرون بشكل مختلف؛ فهم يريدون جيشا من عشائرهم ليحركوه ضد فيصل كيفما ومتى شاؤوا لتحقيق مآربهم، فالفوضى لعبتهم، كما تفعل إيران ومراجعها اليوم، تثير الفوضى وتكثّر الميلشيات، حتى تستطيع الهيمنة على العراق وسوريا واليمن، فالتاريخ يعيد نفسه، وهؤلاء من أولئك، قوى عسكرية تحت هيمنة مراجعهم الطائفيين.
وفعلاً دعا مجموعة من كبار علماء الشيعة الإيرانيين لعقد مؤتمر في كربلاء بقيادة أبي الحسن الأصفهاني، وحسين النائيني، ومهدي الخالصي (عراقي عربي متجنس إيراني) لتأسيس جيش عشائري، ودعوا الملك فيصل وبعض علماء السنة، لكن كشفت الخطة ولم يحضر الملك وعلماء السنة، ونجح الملك فيصل في تأسيس جيش عراقي، وكان أول فوج عسكري باسم موسى الكاظم؛ وهكذا ينكشف جانب آخر من خرافة المظلومية.
الشيعة وعرقلة تأسيس الدولة العراقية:
خلق الفوضى ليس حكرًا على المراجع الشيعية بل سلوك جميع التوجهات الشيعية، وهم يعترفون بهذا، فبرغم من أنه لم يكن يتوفر لديهم كوادر متعلمة يمكنها المشاركة في شؤون الحكم بسبب تحريم مراجعهم دخول أبنائهم في المدارس العثمانية، إلا أنهم يصرّون على حصة في الحكم يقوم بها جهلة منهم! ولما رفض طلبهم فضّلوا حكم البريطانيين على حكم سني! وكتب ذلك مهدي الخالصي في وصيته أنه يفضل السيطرة البريطانية المباشرة على الحكومة العراقية([11]).
وكانوا يجتمعون بالبريطانيين طالبين تغيير الحكومة، كما طلبوا تشكيل حكومة شيعية في المناطق الشيعية، أو تقسيم العراق!
لذلك كان الشيعة يعارضون أي مشروع يُطرح من قبل الحكومة للإثبات للبريطانيين أن الشيعة قوة تستطيع تعطيل الدولة([12])، وقد ظهر ذلك واضحا في مشروع التجنيد الإلزامي، حيث رفض الفكرة الانجليز ليبقي العراق ضعيفاً، وشاركهم مراجع الشيعة لتبقى الدولة ضعيفة يمكن الانقلاب عليها كما هو الواقع اليوم في العراق من خلال تمكين المليشيات الشيعية على حساب الجيش!
وفي افتعالهم مصادمات مع الشرطة العراقية في مواسم عاشوراء، كما جرى سنة 1927، ثم كانوا يقدمون شكواهم دائما للمندوب السامي البريطاني!
نعم، فشلت كل هذه المحاولات لكنها عطلت كثيراً مسار الدولة، ويعترف أحد الكتاب وهو الدكتور فرهاد إبراهيم بذلك بقوله: "منذ إنشاء دولة العراق لم يكن للشيعة العراقيين هدف سوى حكم العراق، وإضعاف قوة الأقلية السنيّة"([13]).
إن فشل الشيعة في تأسيس حكومة شيعية هو بسبب عدم وجود قادة سياسيين لديهم، وبسبب عدم وجود حزب، ولما حاول محسن أبو طبيخ أن يؤسس لهم حزبا شيعيا في النجف سنة 1932 فشل لعدم وجود متعلمين بينهم! ففشلهم إذا ليس بسبب مظلومية أو إقصاء([14]).
ومن أمثلة خرافة المظلومية دعوى الشيعة أن حكومة فيصل الأول أرادت الحد من قوة الشيعة عبر إصدار قانون الجنسية العراقية سنة 1924 الذي يخير كل عراقي تجنّس إيرانيا أن يختار بين الجنسية العراقية أو الإيرانية، وأن التوظيف سيكون من حق من يحمل الجنسية العراقية فقط؛ حيث أن الوجود الإيراني كان كبيرا في مناطق العراق وكانوا يتمتعون بامتيازات كبيرة.
لكن مراجع الشيعة رفضوا أن يتخلوا عن الجنسية الإيرانية وبقوا يطالبون أن يعينوا في وظائف حكومية!([15]) فيا لها من مظلومية؟!
صراع المرجعية الشيعية مع الملك فيصل:
لم يتوقف علماء الشيعة عن السعي لإسقاط حكومة الملك فيصل الأول واعتباره عميلا للإنكليز لا شرعية له، وأنه يحارب الإسلام، وبدأ المرجع الخالصي بالتحضير للعصيان العام؛ ولم يخفَ ذلك على الملك فيصل، فعمل على تقليص نفوذهم وقصقصة أجنحتهم([16])، ففي عام 1923 قرر الملك ترحيل كل مجتهد إيراني الأصل، ولكنه لم يفعل، ولكن قام المراجع الإيرانيون التسعة بالمغادرة إلى إيران من تلقاء أنفسهم، ونفى الملك المرجع الخالصي إلى عُمان، فالتحق من هناك بإيران، وأفتى الخالصي لشيعة العراق بضرورة دفع الخمس للحكومة الإيرانية؟! ليثبت -وهو العربي الأرومة والأصل- أنه يحنّ على أصل الدين لا أصل العروبة! ولكن لقي هؤلاء المراجع العداوة من المراجع الإيرانيين فعادوا من تلقاء أنفسهم للعراق سنة 1924م.
وخلال غياب هؤلاء المراجع الإيرانيين في إيران، قام بعض الشيعة في الجنوب بالتعاون مع الدولة في بناء العراق، وكتبوا عريضة يعلنون أن المجتهدين أخطأوا، ونشب صراع كبير بين المجتهدين الإيرانيين ومَن حلّ محلهم من المراجع العرب الذين لقوا دعمًا من الملك فيصل.
لم يكن فيصل طائفيا أو ظالماً للشيعة، فإدارة القصر كانت بيد شخص لبناني شيعي جاء معه وهو رستم حيدر الذي أصبح فيما بعد وزيرًا للمالية، لكن فيصل كان يريد بناء وطن لجميع أبنائه، وقد أثمرت جهوده الكثير من الخير لأبناء الجنوب الشيعة، فلأول مرة في تاريخ مناطق جنوب العراق العربي تأسست هناك مدارس ومؤسسات تعليمية، بعد أن كانت الأمية والجهل قد ضربت أطنابها، وإدخال التعليم المعاصر أبعد الجنوب الشيعي عن مراجعه، وأخرج نخبة مثقفة تحمل شهادات شتى.
لقد كان العراق -وبالأخص جنوبه وشماله- تغزوه الأمية التي تصل نسبتها لـ 90 % من أبنائه، حولها الملك فيصل الأول إلى نسبة 46% من الشعب يجيد القراءة والكتابة، في طفرة تاريخية خلال 10 سنوات من تأسيس الدولة العراقية الحديثة([17]).
وبقيت مشكلة شيوخ العشائر الشيعية في الجنوب، والذين كان يتحكم فيهم المراجع، وبمجرد ضعف دور المراجع الإيرانيين تحسنت علاقة شيوخ العشائر مع الدولة العراقية، وتطورت مناطق الجنوب التي بقيت أكثر من خمسة قرون منطقة يسودها التخلف والنزاع والقتال، وأدى إلى تعاظم دور العشائر الاقتصادي والسياسي وأصبح كثير منهم أعضاء في البرلمان العراقي، وانتسب العديد منهم للأحزاب الوطنية، وأصبحت علاقة شيوخ عشائر الجنوبية مع بغداد وطيدة، ولم تعد العشائر تفكر بحمل السلاح ومقاتلة الحكومة العراقية، وجرت عملية توطين كبيرة لكثير من القبائل المترحلة، كانت هذه سياسة فيصل الأول الحكيمة ومن معه من الحكومات، والتي ربطت مصالح العشائر الشيعية بالمركز بغداد سياسيا واقتصاديا، رغم ما نتج عن ذلك من سلبيات ليس هنا محلها([18]).
إن نشوء الدولة العراقية الحديثة أضعف دور المراجع؛ ولذلك ادّعوا المظلومية بينما كان من المفترض أن تكون الدولة العراقية محل الشكر والاحترام، إذْ نقلت هذه المناطق العشائرية من البداوة والعشائرية والثأر والأمية والتخلف والاقتتال والسرقة والنهب من مناطق يسيطر عليها المؤمن والسيد([19]) إلى مناطق حضارية تخرج أولادها أطباء ومهندسين ومفكرين وعاملين منتجين ينفعون أنفسهم وأولادهم وبلدهم.
لقد حرص فيصل الأول على ترقية الشيعة لقلة عدد المثقفين والمتعلمين ورفع مستواهم العلمي والثقافي كي يشاركوا في بناء العراق ويزجّهم في بناء الدولة؛ ولذلك حث على تخريج اكبر عدد من طلاب الشيعة من المدارس لغرض تعيينهم في مؤسسات الدولة، حتى وإن أفضى ذلك إلى التساهل في تخرجهم؛ لأن فيصل الأول يذكر بوضوح في مذكراته أن جهل الشيعة والكرد منعهما من المشاركة في بناء الدولة ومؤسساتها.
الخلاصة:
الشيعة أقصوا أنفسهم بأنفسهم ووقعوا في مأزق([20]) ومن ثم عادوا يبحثون عن دور، مثلما أن من عقيدتهم أنه لا حكم ولا جهاد حتى ظهور المهدي ثم أخذوا يجتهدون ليخرجوا من هذا المأزق، فأخرجوا فكرة ولاية الفقيه بديلا عنها. فأي مظلومية مُدعاة هذه؟!
إن بناء الدول لا يكون بارضاء لهذه الطائفة أو تلك، أو هذا المذهب أو ذلك وليس بعدد الوزراء من هذا المذهب أو ذاك، بل بالكفاءة، فهل لنُرضي الشيعة نترك العراق سنين عديدة يدار من مجموعة غير مؤهلين من أجل إرضاء المذهب، ثم إن فيصل الأول وحكومته كانوا وطنيين ولم يكن حكمه دينيا أو مذهبيا حتى يقال طائفية([21]).
وبهذا تنكشف خرافة المظلومية الشيعية في مرحلة تأسيس العراق بوفاة الملك فيصل سنة 1933 ليدخل العراق حقبة جديدة، وسنكمل في الحلقة القادمة حقيقة المظلومية الشيعية في العراق الجديد ليتبين لنا أن تفاقم الترويج لخرافة المظلومية تم بشكل واسع بعد حرب الخليج 1991 لأسباب سياسية ضد العراق وللتمهيد للوضع الحالي، وقد قامت به المؤسسة الصهيونية، والمعارضة الشيعية، والغرب للتمهيد لاحتلال العراق.


[1] - وقد فصّلت القول في حقيقة هذه الثورة وأهدافها في مقالاتي المنشورة في مجلة الراصد تحت عنوان (جهود علماء العراق في الرد على الشيعة) والتي ستنشر في كتاب مستقل بإذن الله.

[2]- بحث: الخلاف بين الملك فيصل الأول والإنكليز حول السياسة في العراق، للدكتوره علياء محمد حسين الزبيديّ، المنشور في مجلة كلية الآداب، بغداد، العدد 95.

[3]- المصدر السابق.

__________________



مناي من الدنيا علوم أبثهـا ** وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن التي** تناسى رجال ذكرها في المحاضر
وألزم أطراف الثغور مجاهدا ** إذا هيعة ثارت فأول نافـر
لألقى حمامي مقبلا غير مدبر ** بسُمْر العوالي والرقاق البواتـر
كفاحا مع الكفار في حومة الوغى ** وأكرم موت للفتى قتل كافر
فيا رب لا تجعل حمامي بغيرها ** ولا تجعلني من قطين المقابر
غرناطة الأندلس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
خرافة السر أبو يوسف كتب الادارة القيادة المصورة 7 12-10-2014 07:31 AM
أشهر 50 خرافة في علم النفس أبو ذر الفاضلي كتب علم النفس المصورة 0 12-10-2014 07:19 AM
خرافة التقدم والتخلف أبو ذر الفاضلي الكتب الفكرية المصورة 0 13-10-2012 11:19 PM
خرافة تأثير الفقه الروماني أبو ذر الفاضلي كتب القانون بصيغ أخرى 2 15-02-2011 05:10 PM
التهديد الإسلامي حقيقة أم خرافة أبو يوسف الكتب الفكرية المصورة 3 22-01-2011 05:45 PM


الساعة الآن »08:55 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
.Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd