روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب *** لا يسمح بوضع الإعلانات في المكتبة، وسنضطر لحذف الموضوع وحظر صاحبه مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 26-12-2012, 11:19 PM   #1
نبهات
مشرفة ( وفقها الله )
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 16,654
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي نازك الملائكة.. أُمّ الشعر العربي الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



نازك الملائكة.. أُمّ الشعر العربي الحديث


المنتدى الثقافي العراقي/دمشق
صالون ثقافي شارك فيه:
د. علي العلي
عبد الكريم العبيدي

__________________
اللّهم يارحمـن الدنيا والآخرة ورحيمهما ارحم عبدك
أبـــا يـــــوســــف
برحمتك الواسعة واغفر له ،وعافه واعف عنه.
اللّهم يا حنّـان يا منّان ثقل بالحسنات ميزانه ،وجازه بالإحسان إحسانا وبالإساءة صفحا وعفوا وغفرانا،
اللّهم أكــــــرم نزله مع النبيين والصديقين وكلّ عبادك الصالحين،
في جوار حبيبك ورسولك ومصطفاك .
إنّــــــــك ربي -سبحانك-على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
نبهات غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-12-2012, 11:21 PM   #2
نبهات
مشرفة ( وفقها الله )
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 16,654
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نازك الملائكة.. أُمّ الشعر العربي الحديث

المنتدى الثقافي العراقي/دمشق
صالون ثقافي شارك فيه:
د. علي العلي
عبد الكريم العبيدي

نازك الملائكة.. أُمّ الشعر العربي الحديث

ولدت نازك الملائكة في بغداد عام 1923 ونشأت في بيت علم وأدب في رعاية أمّها الشاعرة "سلمى عبد الرزاق" وأبيها الأديب الباحث "صادق الملائكة" فتربّت في بيئةٍ هيّأت لها أسباب الثقافة والعلم. وماأن أكملت دراستها الثانوية حتى انتقلت إلى دار المعلمين العالية وتخرّجت في عام 1944 بدرجة امتياز ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة وتخرّجت في قسم الموسيقا عام 1949. وفي عام 1956 حصلت على شهادة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة "وسكونسن" في أمريكا. وعادت لتعمل استاذة في دار المعلمين العالية في بغداد ومنها انتقلت إلى جامعة البصرة ثم جامعة الكويت. وذهبت بعد ذلك لتعيش في عزلة اختيارية في القاهرة عام 1990. وكان ابنها الدكتور البراق عبد الهادي محبوبة قد صرّح للصحافة بأنّ الشاعرة الراحلة التي عانت من المرض طويلاً قد استقرت حالتها قبل أن تدخل المستشفى مجدداً لتخرج منه إلى القبر حيث دُفنت في القاهرة بعد تشييع الجنازة من مسجد الشيخ كشك في دير الملاك.
وكشاعرة أسهمت الملائكة إسهاماً كبيراً وإيجابياً في تطوير القصيدة العربية الحديثة في موضوعها وبنائها من خلال محاولاتها الشعرية الريادية فكان لمحاولاتها ومحاولات مجابليها الفضل في انتشار الشعر الحرّ كحركة بدأت في العراق وانتشرت في الوطن العربي بأجمعه. فهي الشاعرة التي استوعبت وهضمت التراث الشعري العربي وأنتجته بأشكاله الموروثة ثم جددت في شكله الكلاسيكي. وظلّت تجدد فيه برؤية حديثة ومغامرة التجربة ولكن يكاد يجمع كلّ مَن درسوا الملائكة على أهمية دورها كناقدة لها رؤاها وآراؤها في الشعر الحرّ. فكتابها (قضايا الشعر المعاصر) غربل الأوزان المعروفة في تراثنا وربط ربطاً يقظاً بين ما عرف في عصورنا الأدبية العربية من أشكال الموسيقا الشعرية العربية في مرحلتنا التاريخية الحاضرة كما يقول هاشم ياغي في دراسته (نازك الملائكة وقضايا الشعر المعاصر). ولا ينتقص من قيمة نازك الملائكة أنّ العرب لم يتّفقوا حتى اليوم بشأن ماابتدعته. فهاهو صوت شاعر العربية في كلّ العصور أبو الطيب المتنبي يفخر اليوم بأنّ قصائده تثير الخلافات حتى يسهر الخلق جرّاها ويختصموا.
رحلت نازك الملائكة كما يحلو للبعض أن يسمّيها بـ "أُمّ الشعر العربي الحديث" بعد أن كتبت قصيدة "الكوليرا" التي كسرت بها عمود الشعر الموروث عن أقدم عصور الإبداع العربي بستين عاماً. ولم يزل العرب مختلفين حول قيمة ماابتدعته. ففي عام 1947 كان (الهواء الأصفر) يحصد أرواح آلاف الفقراء في أنحاء العالم، كتبت نازك الملائكة بحساسيتها العراقية عن هذه المأساة.
هذه الشاعرة الناقدة، الإنسانة التي فضّلت العزلة والانزواء المبكِّر، ماتزال اليوم في دائرة الضوء.. الناقد الأدبي الحداثي الدكتور محمد عبد المطلب، الذي بدا أنّ حركة الزمن أفزعته، نعى في حديث صحفي من القاهرة مرحلة من تاريخ الشعرية العربية، قال: أنّه لم يتبق منها بعد رحيل نازك الملائكة إلاّ أحمد عبد المعطي حجازي في مصر وأدونيس "في العالم"!
وإذن فنازك الملائكة كان هاجسها الموت يطاردها أنّى ذهبت، فكلماتها في مقدمة مطولتها (مأساة الحياة وأغنية للإنسان) شاهدة قلقها من هذا المدهش الذي كتبته كثيراً وتمثلته كائناً غيبياً، لم يقاوم إلاّ أن يحضر أخيراً بعد كل هذا الانتظار، تقول فيها: (الواقع إن تشاؤمي قد فاق تشاؤم شوبنهاور نفسه، لأنّه كما يبدو كان يعتقد أنّ الموت نعيم لأنه يختتم عذاب الإنسان. أما أنا فلم تكن عندي كارثة أقسى من الموت. كان الموت يلوح لي مأساة الحياة الكبرى, وذلك هو الشعور الذي حملته من أقصى أقاصي صباي إلى سنّ متأخرة.

نازك الملائكة.. والريادة الحداثوية في الشعر العربي
لايختلف اثنان على أنّ النشاط الإنساني يرتبط بعوامل وظروف ضاغطة بعض الشيء، تؤدي إلى وضع الإنسان المبدع في حالة مخاض، ثم يختتم هذا المخاض سواء كان عسيراً أم سهلاً بولادة، ولا يختلف اثنان على أن تلك العوامل هي من صنع الزمان والمكان وما ينتج عنهما، وهما مكونان مهمان للبيئة. ثم لا يختلف اثنان على أنّ الشعر إبداع متولِّد عن أحاسيس ومشاعر بالأمل والألم يولد من رحم البيئة التي يعيشها الشاعر ويتأثر بكلّ ما هو فيها. من هذه الحقيقة ننطلق في موضوعنا عن دور الشاعرة الكبيرة الراحلة الدكتورة نازك الملائكة، التي رحلت نازفةً دم الأسى على وطنها النازف منذ أربع سنوات ومازال تثخنه جراحات خناجر الغدر، ولا من مغيث في ريادة الشعر الحديث.
ولدت نازك الملائكة في بغداد عام 1923 من أب شاعر هو صادق الملائكة، وأُمّ شاعرة هي أم نزار الملائكة. اكتسبت لقب الملائكة من عائلتها التي أطلقه عليها سكّان المحلّة مستوحين هذا اللقب من دماثة أخلاقها وهدوئها وسكونها وانتظام علاقاتها مع الجار والناس وحسن معشرها وغير ذلك من الأوصاف التي تتصف بها الملائكة، حيث كان سكّان المحلّة يقدرون بما عليه هذه العائلة من جمع هذه الصفات فيقولون عنهم هؤلاء (ملائكة) وليسوا بشراً.
كان والدها صادق الملائكة يرتاد واحداً من مجالس الأدب ما بين عام 1938 و1939 كان يُقام في بيت الشاعر عبد المنعم حسين الأمير في الكرّادة/الزويّة، ويحضره إضافةً إليه كبار الأدباء والشعراء منهم محمد حسين الشبيبي، وصادق الأعرجي، ومحمد مهدي الجواهري، ومحمود الحبوبي شاعر الموشحات، وكان المجلس ينعقد مساء كلّ يوم خميس. في إحدى أُمسيات هذا المجلس عرض صادق الملائكة شيئاً من كتابات ابنته نازك التي انبهر بها هو قبل غيره، فكانت من العمق والتصوير بمكان بحيث نالت استحسان وإعجاب روّاد المجلس. لكنّ كتاباتها لم تنح منحى الشعر الموزون المقفى بل كانت إلى النثر أميل وقد علّق الشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري على كتاباتها قائلاً: "إنّه نثر ولكن في روح وصور الشعر".
كانت أُمّها الشاعرة أم نزار الملائكة أوّل من شنّ الحرب على كتابات نازك قائلةً لها: "هذا ليس شعر ولا أشمّ منه حتى رائحة الشعر، اتركي هذا الهراء يانازك".
قبل أن تنال الشهرة بعشر سنوات استمرّت على الكتابة مستأثرة بتشجيع والدها رغم تصدّي والدتها. أحبّت الموسيقى من خلال الشعر حيث شعرت أنّ الشعر موسيقى، وإنّ الموسيقى هي جناح الشعر الذي يحلِّق به في فضاءات الجمال الحسي ولذا قررت دراسة آلة العود حيث التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتحت إشراف وتدريس الأستاذ الشريف محي الدين حيدر، لكنّها لم تستمرّ بذلك فقطعت دراستها تحت ظروف خاصة بها.
في رحلتها مع الشعر أصدرت الإبداعات الآتية:
1. مطوّلة مأساة الحياة التي قسّمتها إلى ثلاث صور. كلّ صورة يندرج تحتها العديد من القصائد. وقد اختارت لهذه المطولة (البحر الخفيف) وضمّت الصورة الأولى من المطولة (25) خمسة وعشرين قصيدة، أما الصورة الثانية من المطولة والتي سمّتها (أغنية للإنسان) وأعطتها الرقم (1) فقد ضمّت أربع قصائد، في حين ضمّت الصورة الثالثة للمطوّلة والتي أطلقت عليها اسم (أغنية للإنسا رقم/2) أربع عشرة قصيدة.
2. ديوان عاشقة الليل عام 1946.
3. ديوان أو المجموعة الشعرية الثانية شظايا ورماد عام 1949.
4. مجموعة (قدارة الموجه) عام 1957.
5. مجموعة (شجرة القمر) عام 1968.
6. وكان آخر مجموعاتها الشعرية تحت عنوان (للصلاة والثورة ويغيِّر ألوانه البحر) عام 1978.
بدأت الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة حياتها الشعرية في بداية الأربعينيات. لم تنظم الشعر ولكنّها كانت تكثر من قراءة الأدب. وكانت أول قصيدة كتبتها هي قصيدة (عاشقة الليل) عام 1945 والتي اتخذتها عنواناً لمجموعتها الشعرية (عاشقة الليل) كما قلنا ويذكر آخرون أنّ أول قصيدة كتبتها نازك عي (الكوليرا) عام 1945. وقد انغمست في قراءة الأدب الإنكليزي وخصوصاً الشعر. وكان ذلك يجري في جوٍّ نفسيٍّ يغلِّفه التشاؤم والنظرة المعتمة إلى الحياة، والتي عبّرت عنها بأنّها (مجرّد سنين محشوّة بالألم والإبهام والتعقيد) متأثّرةً بنظرة الفيلسوف الألماني (شوبنهاور) المتشائمة.
وعلى طريقة (الصانع أستاذ ونصف) كما يقول المثل العراقي، فإنّ نازك الملائكة، رغم اقتحامها معترك الحياة كبرعمٍ لامس نسماتها عند الفجر في بيئة ترفل بحلل العلم والأدب والثقافة، إلاّ أنّها وجدت نفسها وباعترافها أنّها تفوّقت على أستاذها (شوبنهاور) في التشاؤم الذي كان يرى الموت نعيماً، لأنه يختم عذاب الإنسان، في حين أنّ نازك كانت تنظر إلى الموت على أنه كارثة، وهكذا فإنّ الشاعرة الكبيرة، التي تلفقها الموت بعد مسيرة طويلة من العمر، قد قالت: "وذلك هو الشعور الذي رافقني من أقصى أقاصي صباي إلى سن متأخرة".

التجربة الشعرية للشاعرة نازك الملائكة
حين انصرفت شاعرتنا الكبيرة الراحلة نازك الملائكة إلى دراسة الشعر الإنكليزي، لم تكن لتخرج من هذه الملازمة الجدية للأدب الغربي صفر اليدين، بل انبهرت إلى حدٍّما بالقصائد الطويلة، ذات المساحة التصويرية الواسعة، التي وجدت فيها متسعاً رحباً لإفراغ شحنات النفس من الألم والحزن والسوداوية والتشاؤم. وكم تمنّت في حينه، أن يحفل الأدب العربي بهذا النوع من القصائد الطويلة، وبذلك اختمرت في ذهنها فكرة مشروع كتابة مطوّلة شعرية. وجدت أنّ حالتها النفسية ونظرتها إلى الحياة، هي الموضوع والمادة الجاهزة لهذه المطوّلة. فكانت مطوّلة (مأساة الحياة وأغنية للإنسان) هي باكورة إبداع الشاعرة الكبيرة الراحلة نازك الملائكة، والتي تعتبر افتتاحية حياتها الشعرية المنظمة.

رحلة نازك مع المطوّلة الشعرية
بدأت الشاعرة نازك الملائكة كتابة (مأساة الحياة وأغنية للإنسان) عام 1945، وقد ضمّت هذه المطوّلة ثلاث صور شعرية، بدأت كتابة الصورة الأولى عام 1945 إلى عام 1946 والصورة الثانية التي أعطتها عنوان (أغنية للإنسان رقم/1) عام 1950، أما الصورة الثالثة التي عنوانها (أغنية للإنسان رقم/2) عام 1965 أي بعد خمسة عشر عاماً، وكما قلنا فإنها اختارت لهذه المطوّلة (البحر الخفيف) الذي رأته من المرونة بمكان وكأنه يجري بين يدي الشاعر، كما يجري نهر عريض في أرضٍ منبسطة.
بلغت الصورة الأولى من المطوّلة (مأساة الحياة) ألفاً ومائتا بيت من الشعر، انتهت عند نازك في ستة أشهر عام 1946، كان موضوع هذه المطوّلة فلسفياً يدور حول الحياة والموت، وماوراءهما من أسرار. وقد أفردت جزءاً من هذه القصيدة لبث شكواها من صروف الدهر حيال المآسي التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية عام 1945، ودعواها إلى السلام وتغنّيها به، ونددت في هذا الجزء من المطوّلة بتجّار الحروب وقتلة البشر. وفي نفس الجزء انتقلت إلى الحديث عن السعادة، وعما إذا كان لها وجود في هذه الدنيا قائلةً: "بحثت عن السعادة لدى الأغنياء، لعلّني ألقاها في قصورهم، وحياتهم المترفة الناعمة فلم أجدها، لأنّ الغني لا يستطيع أن يدفع وحشة القبر والأكفان بأمواله". فقالت نازك الملائكة عن رحلتها إلى عالم الأغنياء بحثاً عن السعادة:
سرْتُ بين القصوروحدي طويلاً أسـأل العابرين أين الطروبُ؟
فإذا فتـنة القصـور ســتارٌ خادع خلقه الأسى والشحوبُ
لم أجد في القصـور إلاّ قلوبـاً حـائراتٍ وعالمـاً محـزونـا
ليس إلاّ قوم يضيقون بالأيــ ام ضيقَ الجيـاع والبائسـينا
ليس ينجيهم الغنى من يد الأشـ جان ليست تنجّيهم الكبـرياءُ
ليس يعفو الممات عنهم فهُمْ حُزْ نٌ وصـمت وحيـرة وكباءُ
كم وراء القصـور مُقَلٍ تبْــ كي وتشكو قسـاوة المقدور
كم قلوبٍ توَّدُ أن تبدِّل القصـ رَ بكوخٍ على ضفافِ الغديـر
لاحظوا النفس المأساوي الذي انجزت به هذه الأبيات في الصورة الأولى من مطوّلتها، وكيف انعكس الظرف على إبداعها الشعري. إنّ التكرار الوارد في الكثير من المفردات هو نمط بلاغي جمّل بنائية البيت الشعري وأكّد صدق المعنى الذي تقصده الشاعرة مثل مفردة (ليس) ومفردة (كم). وتستمر رحلة مأساة الحياة في هذه المطوّلة، فتأخذنا الشاعرة نازك إلى عالم الرهبان والزاهدين، فوجدت أنّ عواطفهم المكبوتة تقلق حياتهم، والحرمان يظلل مساكنهم، بادياً على وجوههم، ولم تجد مسحة سعادة على وجه أيٍّ منهم، فقالت:
سِرْ بنا نحو ذلك المعبـدِ القـا ئِم فوق الصـخور بين الجبال
سِرْ بنا سِرْ بنا لعلَّ لدى الرُّهـ بانِ سِرَّ النـعيم والآمــالِ
هؤلاءِ الزهّـادُ في القفّة البيْـ ضاءِ حيثُ الصفاءُ ملء الوجودِ
علّهمْ يعرفون ما قد جـهِلناه عن شهاب السـعادة المفقـودِ

ولم تقتنع الشاعرة بعدم جدوى بحثها عن السعادة بما هي فيه من الآلام والإحباط، فقد فكّرت أنّ السعادة ربما تكون في اقتراف الشرّ والآثام، فراحت تطوف بأوكار اللصوص والمجرمين، فإذا بضمائرهم تعذِّبهم ولا تأذن لهم براحة، فقالت:
قد رَقِبْتُ الأشرارَ حيناً فلم أعْـ ثَرْ لديْـهم على سـناك الحبيبِ
فهُمُ البائسـون تطْحَـنُهمْ أيْـ ـدي الليالي بما جنوْا من ذنوبِ
ورأيت الطــغاة يحيـونَ محزو نين بيـن الأوهـامِ والأشـباحِ
ليت يشـفيهُمُ من الحزن واليـأ سِ دواءٌ فالـداءُ فـي الأرواحِ
فإذا أخـمدوا هتافـات مظلـو مٍ فما يخمدون صوت الضميـرِ

ثم تتحدث عن الريف في مطوّلتها، الذي قصدته باحثةً عن السعادة متوسّمةً أن تلقاها بأشجاره وخضرته الجميلة وبراءة أهله كباراً وصغاراً، فوجدتهم فقراء محرومين، يعيشون عيشة البؤس والعذاب. وفي هذا الجزء من المطوّلة وضعت الشاعرة نازك مشهداً لراعٍ صغيرٍ يأكله الذئب، ثم وضعت الثلوج وهي تتساقط طوال الشتاء، حائلةً دون تمكُّن الفلاحين من زراعة الأرض، وبذلك انتشر الجوع والحزن فيهم، وتموت مواشيهم، فقالت:
عندَ هذي الأكواخ شاعرتي ألـ قي المراسي تحت الفضاء الصاحي
أنظري أيُّ عالـمٍ فاتـنِ المجـ لى بعيـدٍ عن ضجّـة الأتـراح
أنظري علّنا بـلغنا أخيـراً ذلك الشـاطىء الذي نتمنى
بعد ليلٍ من المسيـرِ طويلٍ ضاع فيه عمري كَلالاً وحزنا

ومن الريف إلى واحات الشعر والشعراء، التي ربما تصوّرت الشاعرة نازك أنّها ستجد فيها خضرة الحياة ونبض السعادة بعد أن عادت من مثاباتها خالية الوفاض، لكنها لم تجد بصيصَ ضوءٍ لأي أمل في السعادة، بسبب حساسية الشاعر، وانهيار ثباءاته النفسية أمام الجياع المحرومين، فقالت في مطوّلتها:
قد هبطنا في شاطىء الشعرِ والفنِّ فماذا فيـه مـن الأفــراحِ؟
هاهـوَ الشـاعرُ الكئيبُ وحيداً تحت سمعِ الآصـالِ والأصباحِ
أبـداً ســاهمٌ يـراقب أيّـا مَ حيـاةٍ لا تنقضـي بـلْْواها
لا يرى الواهمون غيـر ضحاهـا ويعيـش الفنّانُ تحـت دجاها
يرقبُ الأشقيـاءَ في ظلمة العيـ شِ ويبكي لهم بـكاء غبيـنِ
ويصـوغ الألحـان يرثـي لبلوا هُمْ ويبكي على الوجود الحزين

لم تترك مزغلاً من مزاغل هذه الحياة الشاسعة إلاّ وقصدته الشاعرة نازك خافّةً خطاها نحو السعادة. فاستدارت نحو حارة العشّاق، فلم تجد للسعادة موطأ قدمٍ، لأنّ الميل الجنسي والرغبة تُدنِّس النقاء وتقوِّض أركان الفكر.. هكذا تنهي الشاعرة رحلتها بحثاً عن السعادة وراحة البال، ولكنها عادت من حيث أتت متلبسةً بلباس الخيبة، التي قادتها إلى التصديق والتشبُّث بأفكار شوبنهاور التشاؤمية، بل متجاوزةً إيّاه تشاؤميتها.
لقد اتّسمت مطوّلة (مأساة الحياة) بالرومانسية التي كانت تغلب على توجّهاتها الشعرية، وفي سنٍّ مبكرةٍ من عمرها، أحاطت الحياة فيها، بسحب الخوف من الموت والتشاؤم كما قلنا وهما بوابة الصورة الأولى في هذه المطوّلة.

آفاق الحداثة في التجربة الشعرية لنازك الملائكة
نستطيع القول تأسيساً على الخطوات الأولى التي خطتها الشاعرة نازك الملائكة، في التأسيس لمدرسة شعرية حديثة.. إنّها تطلّعت إلى الحداثة منذ أن كتبت الشعر نثراً. وجوبهت من قبل أهلها بالاستنكار لأن يحسب ما كتبتها على الشعر خصوصاً من أُمّها، التي قالت لها أن تكتبه نثراً. منذ ذلك الحين تلمست نازك الملائكة أنّ الحياة المرّة هذه تحتاج إلى من يحلل جزيئات حال الإنسان فيها على مدى اليوم، ويبحث عن السعادة ويصل إليها بكل السبل والوسائل. فكانت القصيدة عندها مفتاح الولوج لهذا العالم الشاسع من المأساة، الذي تضيق فيه آفاق الشاعر بين شطري القصيدة القديمة وتنفجر روحه الثائرة في حشدي الصدر والعجز قبل الوصول إلى القافية.. فانطلقت الشاعرة نازك من سعة الأفكار التي تعجّ في عقلها وضميرها وضيق القصيدة الفراهيدية، لكي تؤسس لنقلةٍ نوعية في مسيرة الشعر العربي.. دون الإخلال بقواعد اللغة الشعرية الأصيلة. وحين صدرت مجموعتها الشعرية الثانية (شظايا ورماد) عام 1949 انطلقت معها وبها توجّهات نازك الملائكة نحو عالم الحداثة، الذي دعت إليه الشاعرة الكبيرة عبر تبنّيها لحركة الحرّ ـ دعوة تحرير القصيدة من قيود الوزن والقافية.
ففي عام 1950 شهدت المسيرة الشعرية للشاعرة الكبيرة الراحلة تطوراً يمثِّل خطّاً بيانياً باتّجاه الأعلى من حيث شكل القصيدة وإعادة بنائها، والأسلوب الشعري، ورسم الصورة الشعرية، التي تقوّي وتجمّل المعنى، عمّا كانت عليه مطوّلتها التي تحدّثنا عنها وتناولنا نماذج منها، حيث تمثَّل أسلوبها في بداية الخمسينيات بغزارة الصور، وسعة مساحة الأفكار، وغدق المفردات إلى جانب النضج في ثقافتها الشعرية، وطبقاً لهذا المتغير الجديد في رؤاها الشعرية لما ينبغي أن تكون عليه القصيدة العربية الحديثة، أعادت الشاعرة نازك النظر من جديد في المطوّلة الشعرية (مأساة الحياة) وبأسلوب حداثوي جديد، ولم تشمل إعادة الكتابة الصورة الأولى من المطوّلة، بل ابتدأت من الصورة الثانية.. وبعد أن تم لها تحديث الجزء الثاني من المطوّلة شعرت أنها أمام قصيدة جديدة تختلف كليّاً عن الصورة الأولى للمطوّلة، على الرغم من وحدة الموضوع، والبحر الواحد الذي هو (البحر الخفيف) فأعطتها عنواناً جديداً استوحته من نظرتها الجديدة للحياة، التي بدأت تندرج عندها نحو الإنفراج والتفاؤل، فجاء الإسم الجديد مدللاً على حالة التفاؤل، التي افتتحت فيها الشاعرة حداثتها الشعرية، فكان الإسم الجديد (أغنية للإنسان). وقد تغيرت معاني وصور هذه القصيدة عنها عندما كتبت عام 1945.. ولنأخذ نموذجاً من بعض أبيات الإعادة الجديدة عام 1950 ونلاحظ التغير الحاصل في المعاني.. تقول الشاعرة التي تصور مشاعر الرهبان ومملكتهم التي تقوم على الكبت والحرمان:
شيّدوها مـن كل لفتةِ شوقٍ فـي العيون الحبيسة المحرومة
وسقوا أرضها الجديدة من بر كان تلك العواطف المكتومة
وحموها من أن تغازلها الشمـ ـس بألوانها وليـن شذاها
وأبوا أن يلامـس القمر المنـ ـفعل الضوء في المساِ دجاها
وتمنّـوا أن لا تمرّ بـها ريـ ـحٌ عبيريّةُ الصدى والنشيدِ
فشـقاء الرياح تكمن فيـها قبَلٌ عذبـةٌ وذكرى خدودِ
وتمنّوا أن يقفل الليـلُ عيْنَيْـ ـه وتخبو نجومه السحريـة

هنا خرجت الشاعرة عن القافية الواحدة الأصلية، التي بدأت فيها المطوّلة وهي الهمزة المكسورة أضف إلى أنّها أعطتها عنواناً تفاؤلياً وهو (أغنية للإنسان) بعد أن كانت جزءاً من مأساة الحياة: لاحظ المفردات المتفائلة مثل (عبيرية الصدى والنشيد، قُبَلٌ عذبة، ونجومه السحرية). كما تعددت القافية فأصبحت أربع قوافٍ بدل ثلاث قواف في الصورة التشاؤمية للقصيدة. هذا المتغير في القيم الشعرية شكّل إطلالة مهمّة للشاعرة على الحداثة التي كانت هي عموداُ مهماً من أعمدتها، حيث يظهر مدى تثاقلها من موضوعة القافية الواحدة في القصيدة، وإعادة ترتيب تفعيلة البحر الذي كتبت فيه، وعلى الرغم من التطور الواضح في شعرها في مرحلة الخمسينيات، نجدها تشكو من عدم تخلُّصها من قيود مرحلة الأربعينيات في الصورة الأولى للمطوّلة. وبسبب هذا الإحساس فقد تركت مواصلة كتابة المطوّلة حتى عام 1965.

الصورة في شعر نازك الملائكة
مارست الشاعرة نازك الملائكة عملية نقد ذاتي لمسيرتها الشعرية بين عامي 1945- 1965 التي أنتجت فيها (مأساة الحياة) فذكرت أنها مرّت بفترات نفسية سببتها التيارات الخفية التي أحاطت بمشاعرها وآرائها وحياتها بشكل عام.
إنّ ما كتبته عام 1945 جاء كاملاً لا نقص فيه إذ تؤكد هي ذلك، إما إعادة الكتابة للصورتين الثانية والثالثة من المطوّلة بين عامي 1950 و1965، إنّ هذه الإعادة قدّمت فيها الحقيقة الشعرية التي اختلفت عن الحقيقة القصصية، لأنها ترى أن الشعر أعمق من الموضوع الذي يعالجه.
لقد ركّزت نازك الملائكة على الصورة الشعرية وأعطتها أهمية أكثر من موضوع القصيدة، وهذا الاهتمام هو الهمّ الأكبر عند الحداثويين (أي موضوع الصورة) الذين ينظرون إلى الصورة في القصيدة القديمة على أنّها مشوّهة ومبعثرة. وفي هذا المجال قالت نازك الملائكة (إنّ أوان الخروج بالصورة الشعرية من أسر الوزن والقافية قد آن كي تكون متعددة الألوان زاخرة بريعية النفوس المتفائلة، وترى أيضاً أنّ الصورة هي المرتكز الأقوى الذي أنبتت عليه الحداثة لأنها تأتي في نقطة المركز من القصيدة، إذ لا يتيسر للشاعر أن ينقل التجربة الشعرية بصورة كلية إلاّ إذا تشبّث أو توسّل بالصورة لأنها لا تجزىء التجربة، أو تحيلها إلى أشلاء من الأفكار، حتى الناقد لا يستطيع أن يطلق حكم حقيقي لقيمة النصّ من غير الاعتماد على الصورة، باعتبارها أساس الشعر، بل هي الشعرُ نفسُه، إنّ نازك في هذا الموقف تتفق مع أفكار عبد القادر الجرجاني الذي اعتبر الصورة الشعر نفسه.
يرى روّاد الحداثة وفي مقدمتهم نازك الملائكة أنّ الصورة الشعرية في النص الشعري هي توظيف لغوي يراد به معنىً يعيد للألفاظ، أو إحلال معنىً مجازي مكان معنى حقيقي، أو بمعنى آخر إمكانية إثارة خيال المتلقّي (السامع) من خلال الكناية عن معانٍ يحتاجها المعنى المألوف لٍلّفظ. فالصورة الفنية مطلوبة، وهي الشكل البلاغي أو الكيفية البلاغية في النص الشعري، وهذا ماكانت تهتم به الشاعرة نازك الملائكة وتعمل من أجل حشد الشعراء حوله، والصورة الفنية عند الملائكة نسيج متداخل قوامه البلاغة (البديع والبيان والمعاني) التي تشكل أركان الفن البلاغي، الذي يُلزم تقديم المعاني في حلّة أنيقة من الألفاظ والتراكيب يكون فيها نصيب المُباشرة قليلاً جداً في حين تتنامى قوة التخييل والإيحاء، وبعبارة أخرى فإنّ الصورة من وجهة نظر الحداثة والحداثويين هي (كيان يتعالى على التأريح).
الحداثويون الغربيون يعتبرون الشعر هو (تفكير بالصور) وقد قال بذلك الناقد الغربي شليجل ثم لويس الذي قال (إنّ المنبع الأساسي للشعر الخالص هو الصورة) وقالت الشاعرة الملائكة عن القصيدة (إنّها امرأة حسناء جمالها في صورتها).
فالصورة الشعرية كانت حجّة الحداثة على القديم الذي اتّهم بتغييب الصورة وخنقها داخل أسوار الوزن والقافية ورصف التفعيلات في أماكنها التي حدّدها الخليل بن أحمد الفراهيدي. من هنا وجدت دعوة الشاعرة نازك الملائكة مستقرّاً لها في آذان الذين ضاقوا ذرعاً بقوانين الشعر التي حوّلته كما يقولون كالأحجار المرصوفة في ستة عشر جداراً. وابتدأت من ديوانها (شظايا ورماد) الذي صدر عام 1949 كما أسلفنا.
لقد درست الشاعرة نازك الشعر العربي بمختلف عصوره، ولم تبتعد عنه ولكنّها وبسبب تأثرها بأفكار شوبنهاور التشاؤمية وانغماسها فيها في نظرتها للحياة، أحسّت بثقل قيد القصيدة القديمة في التعبير عن هذه الحياة المأساوية والخروج من ضيقها الذي تتكسر همومها في الصدر وعدم سعتها لرسم الصورة المناسبة للمأساة. فاعتبرت أنّ الشعر العربي لم يقف بعد على قدميه، وأنه لم يتحرر بعد من أسر القواعد التي وضعها الأسلاف في الجاهلية وصدر الإسلام. فالقصيدة حتى نهاية الأربعينيات ظلّت مقيدة بسلاسل الأوزان القديمة وقرقعة الألفاظ الميتة. وتروح نازك الملائكة أبعد من ذلك فتقول أن بعضاً ممن برزت عنده محاولات شقّ عصا الطاعة على النمط القديم حاول ذلك عبثاً فقد تصدى لهم ألفُ غيور على اللغة والتقاليد الشعرية، التي ابتكرها رجل قديم أدرك أن هذه الصفة تناسب زمانه، وتمضي قائلةً (لقد تجمدنا حولها واتّخذناها سنّة وكأن سلامة اللغة لا يمكن تحقيقها إلاّ من خلال التحشب أمام ماكانت عليه قبل ألف عام، وكأن الشعر لا يمكن أن يسمى شعراً إذا تجاوزت تفعيلاته طريقة الخليل بن أحمد الفراهيدي).
كانت الدكتورة نازك الملائكة تقف من الأفكار الحداثوية على مستوى الشعر موقف المؤيد المساند ودعمت إلى حد كبير تيار الحداثة، الذي كانت هي شرارةً من شراراته. وكانت تنظر إلى موضوعة تحديث القصيدة نظرة إيمان لابد من تجاوز معوّقاته. فحين يتساءل الحداثويون قائلين مالطريقة الخليل؟ وماللّغة التي استعملها آباؤنا من عشرات القرون؟ ألم يحن الوقت لأن تمنح اللغة آفاقاً جديدة؟.. ثم كانت نازك هي الأخرى تحثّ اللغة العربية أن تركض مع الحياة. إنّها إن لم تركض مع الحياة فإنها ستموت ولاشك أنها تركز في ذلك على اللغة الشعرية. لقد اعتبرت الملائكة أن اللغة العربية لم تكتسب قوة الإيحاء لكي تواجه بها عواصف القلق والتحرّق اللذين يملآن النفوس. ولقد وصفت الشاعرة نازك حال اللغة العربية قبيل دعوتها إلى الإنفتاح في القصيدة الشعرية بأنها كانت يوماًما لغةً موحيةً تتحرك وتضحك وتبكي وتغني، لكنها ابتليت بأجيال تجيد فن التحنيط وصنع التماثيل. فالشاعر الصادق في إحساسه هو الذي يطور اللغة، وتتطور على يديه، ولن تقف مهمة الأديب المرهف عند تجاوز قاعدة لغوية هنا، أو إضافة معنى هناك، ولكنه أمام واجب أخطر، تفرضه عليه طبيعة التطور في الإبداع الإنساني بكل اتجاهاته.
تقول الشاعرة نازك الملائكة في مجال تحديث القصيدة، أن استبعاد الألفاظ التي كثُر استعمالها هو سبب مهم من بين الأسباب التي تُمكِّن الشعر من التطور، لأن الأذن البشرية باتت تملّ الصور المألوفة والأصوات التي تتكرر، فاللغة العربية غنيّة بالمفردات الأصلية والمفردات المرادفة لها. فـ (القمر) مثلاً هذه اللفظة التي كثر استخدامها بشكل مفرط في الشعر العربي، استهلكت بريقها.. حتى على مستوى الاستخدام المجازي، في حين أنّ لها مفردات كثيرة مثل (البدر) و (الهلال)، لكنّ الشاعر العربي يصرّ على استمرار التعاطي مع مفردة القمر.. تقول الشاعرة نازك الملائكة في هذا المجال إنّها (تكلف نفسها الكثير من أجل أن تستخدم مفردة البدر مكان القمر. هذه اللفظة التي حفرت أخاديداً في ذاكرة وإحساس الشاعر بسبب تأثير اللغة القالبية على ثقافة الشاعر اللغوية، قبل النصف الثاني من القرن العشرين. وهذا التعاطي مع المفردات المحفورة سمّاه علماء النفس بالاقتران).
في مجموعة (شظايا ورماد) التي انطلقت دعوتها إلى الشعر الحر من مقدمتها، نلمس بشكل واضح خروج الشاعرة على القواعد المألوفة في بناء القصيدة. وقد كانت هذه المجموعة الشعرية كالبالون الاختباري الذي أطلقته الشاعرة نازك إلى العالم العربي في ظرفٍ كان الإنسان العربي مسرحاً للهموم الوطنية والقومية والاجتماعية، ولذلك ذاع صيت هذه المجموعة في أوساط الشباب العربي وتبنّوا في كتاباتهم الشعرية النهج الجديد في القصيدة كما دعت إليه نازك وأخذت به في قصائدها التي وردت في مجموعة (شظايا ورماد).
لنأخذ نموذجاً بسيطاً من إحدى قصائد هذه المجموعة.. وهي قصيدة جامعة الظلال التي تقول فيها:
أخيراً لمِسْتُ الحياه
وأدركتُ ماهيَ، أيُّ فراغٍ ثقيل
أخيراً تبينت سِرَّ الفقاقيع واخيبتاه
وأدركت أنّي أضعتُ زمناً طويلْ
ألِمُّ الظلالَ وأخيطُ في عتمة المستحيلْ
ألِمُّ الظِلال ولا شيء غير الظلالْ
ومرّت عليَّ الليالْ
وها أنا أدركُ أنّي لمِسْتُ الحياه
وإن كنتُ أصرخ واخيبتاه

في هذه القصيدة، التي اختارت لها البحر المتقارب، لم تخرج الشاعرة نازك الملائكة عن تفعيلات الفراهيدي، لكنها استخدمت أسلوباً أوسع.. تصرفت فيه في مواقع التفعيلات وأشكالها. ولو كانت الشاعرة قد استخدمت تفعيلة المتقارب بكاملها وهي (فعولن فعولن فعولن فعولن) أربع تفعيلات للشطر الأول (الصدر) وأربع تفعيلات للشطر الثاني (العجز) لما استطاعت أن تحصل على صورة شعرية أجمل واسعة كسعة فضاءاتها الشعرية، كذلك لما استطاعت أن تأتي بمعنى واسع، لأنها ستكون محكومة بهندسة البيت هندسة فراهيدية بكامل التفعيلات مما يجعلها تحتاج إلى معاني كثيرة وقد تلجأ إلى الحشو الخالي من المعنى استجابةً إلى ضرورات التفعيلة الكاملة، مثال ذلك حينما قالت (أخيراً لمستُ الحياه) فعولن، فعولن، فعو هنا رفعت تفعيلة كاملة واختزلت تفعيلة من فعولن إلى فعو من أجل أن تذهب إلى نص ثاني هو (وأدركت ما هي، أي فراغٍ ثقيل)، يعني هي تمسّكت في تفعيلة البحر المتقارب ولم تلغها، لكنها حوّرت فيها. وهذا التحوير هو تحديث في القصيدة القديمة وبإمكانها الأتيان بكامل التفعيلات للمتقارب فتقول:
أخيراً لمستُ ظلام الحياه وأدركتها كالفراغ الثقيل

هذه الصورة الشعرية في هذا البيت (كامل التفعيلة) هي صورة معتمة عند نازك الملائكة جنى عليها نطاق الشطرين جناية كبيرة. ماالذي جرى إذن، لقد تم إلصاق كلمة ظلام من أجل إكمال تفعيلات المتقارب، ثم تحوير في النص الثاني وهو (وأدركت ما هي، أي فراغ ثقيل) فأصبح (وأدركتها كالفراغ الثقيل) وبذلك ضيقت الشاعرة على مساحة رؤاها داخل ثمان تفعيلات مما جعل الصورة الشعرية عندها تنكمش.
هذا الأسلوب الجديد، هو أرضية الحداثة في الشعر العربي الذي دعت إليه الشاعرة نازك الملائكة وهو ليس خروجاً على بحور الخليل بل هو تعديل اقتضاءاً لتطوير المعاني والأساليب.
مثال آخر
البحر الكامل جعل الخليل تفعيلاته الأساسية ثلاث تفعيلات في الصدر ومثلها في العجز وهي (متفاعلن، متفاعلن، متفاعلن) كما في هذا البيت:
الله أكبر فوق كيد المعتدي واللهُ للمظلوم خير مؤيِّدِ
كلّ البناء يرتكز على لفظة (متفاعلن) لكنّ الأسلوب الجديد تصرَّف في هذه التفعيلات ولم يلغها ورتّبها بشكل يهييء له الحصول على الصورة الشعرية المتوخاة. لنأخذ نموذجاً في هذا التحديث من قصيدة جدران وظلال للشاعرة نازك الملائكة التي تقول فيها:
1. وهناك في الأعماق شيء جامد (مُتفاعِلُنْ مُتفاعِلُن مُتفاعِلُن)
2. شيءٌ رهيبٌ باردٌ (مُتفاعِلُن مُتفاعِلُن)
3. خلف الستار (مُتفاعِلُن)
4. يُدْعى جدار (مُتفاعِلُن)
5. أوّاهُ لوْ هُدم الجدار (مُتفاعِلُن مُتفاعِلُن)
الذي جرى أن الشاعرة أبقت في صنعتها التجديدية شطر البيت الأول على تفعيلاته الثلاث كاملةً (وهناك في الأعماق شيء جامد) (مُتفاعِلُنْ، مُتفاعِلُنْ، مُتفاعِلُنْ) وتصرَّفت في الشطر الثاني فجزّأته إلى تفعيلات وزّعتها على أربعة أشطر مُشكِّلةً هيكلة جديدة للقصيدة الحديثة (التي أصبحت فيما بعد قصيدة التفعيله) فأصبحت الأشطر الأربعة كما يأتي:
أ‌. الشطر الأول: مُتفاعِلُن، مُتفاعِلُن / اختزلت تفعيلاته من ثلاث إلى اثنين.
ب‌. الشطر الثاني: مُتفاعِلُن/ اختزلت تفعيلاته من ثلاث إلى واحدة.
ج. الشطر الثالث: مُتفاعِلُن/ اختزلت تفعيلاته من ثلاث إلى واحدة.
د. الشطر الرابع: مُتفاعِلُن، مُتفاعِلُن/ أعادت له نفعيلتين لاستكمال الضربة الموسيقية والإيقاع.
هذا هو التغير الحداثي الذي أعطانا صورة شعرية أجمل ومعانٍ أوسع دون الإخلال بأصل تفعيلات البحر الكامل.

القافية عند نازك الملائكة
يذهب أنصار القصيدة القديمة إلى أنّ اللغة العربية، بحكم سعة مساحتها التعبيرية، وتراثها المعجمي وكثرة الاشتقاقات فيها، فأنها ربما تكون اللغة الوحيدة التي تستطيع أن تلزم البيت الشعري فيها بقافية واحدة يمكن من خلالها جمع جمالية الصورة وعمق المعنى في القصيدة الواحدة.
في حين يقول المعاصرون وفي مقدمتهم الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة (إنّ أيّة لغة مهما اتّسعت لا تستطيع أن تمدّ ملحمةً بقافية موحَّدة أيّاً كانت، وتعزي الشاعرة الراحلة أن القافية هي واحد من الأسباب المهمة التي حالت دون رواج الملحمة في الأدب العربي ووجودها في آداب الأمم الأخرى كالفارسية واليونانية.
إنّ القافية من وجهة نظر الشاعرة نازك تضفي على القصيدة لوناً من ألوان الرتابة يملّه المتلقّي، لأنّ أذنه تتعوَّد على ضرباته وموسيقاه فلا تحسّ بالجديد، وأنها خنقت أحاسيس كثيرة وأعدمت معانٍ لا حصر لها في دواخل شعراء التزموا بها. وبضوء هذا التشخيص الذي طرحته الراحلة في كتابها (قضايا الشعر المعاصر)، فإنّ الشعراء المعاصرين تمسّكوا بهذا الرأي وخرجوا على القافية، فاستخدموا نظام الرباعية وأشباهها الذي أصبح اليوم أمراً مقبولاً لا يولِّد اعتراضاً على القصيدة الحديثة، مثال ذلك قصيدتيّ (الكوليرا) و (غرباء) اللتين استخدمت فيهما الشاعرة نظام المقطوعة.
نأخذ هذا المقطع من (الكوليرا):
سكن الليلُ
إصغِ إلى وقع صدى الأنّات
في عمق الظلمة، تحت الصمت على الأموات
صرخات تعلو تضطرب
حزن يتدفق يلتهب
يتعثر في صدى الآهات
لاحظ تباعد القافية بين كل ثلاثة أسطر مثل (الأنّات، الأموات، الآهات) في هذا المقطع الأول من القصيدة كذلك الحال بالنسبة لقصيدة (غرباء) التي رُتِّبت على أساس المقطوعات، التي تنتهي كل مقطوعة بمفردة غرباء.
أما مشكلة اللفظ في اللغة العربية فللشاعرة الراحلة رأي في ذلك تقول فيه إنّ شعراءنا لم يعتادوا على استغلال المضموم من القوى وراء الألفاظ استغلالاً يساعد الصورة الشعرية على إتمام جماليتها، ولقد شهدت العصور السابقة استخداماً للألفاظ بمعانيها الشائعة، وقد أدى ذلك إلى ترويض أسماع الجمهور العربي، مما جعله ينفر من المدارس الشعرية، التي تعتمد على الإيحاء والتأويل للألفاظ كالرمزية والسريالية، على اعتبار أنّ هذه المدارس تحمِّل اللغة ثقلاً من الرموز والأحلام الباطنية والخلجات الغامضة، ومع ذلك فإنّ الإبهام ليس مقصوداً لذاته في القصيدة الحديثة وإنما هو صورة من صور الحياة، لكن هناك من يتعمّد تعقيد شعره كما يقول (الدس هكسلي) الذي يدافع عن الرمزية في الشعر، إنّ المعاصرين يهربون إلى الإبهام خوفاً من الوضوح الذي هو الصفة الأساسية في الأدب الشعري ولذا أصبحت الرمزية سمة أساسية من سمات القصيدة الحديثة ومنهجاً للحداثويين في القصيدة.
لقد كان للشاعرة دوراً ريادياً في تطوير القصيدة العربية في الفكرة والبناء، وطرحت أمامنا رؤى نقدية للشعر العربي من خلال دراستها (قضايا الشعر المعاصر) مثلما قدمت فنّاً إبداعياً في الشعر، عبَّر عن جرأتها في اختراق جدار القصيدة العربية المغلق، ومكَّنت الجيال التي وعت مدرستها الجديدة من التعامل بجرأة مع الأفكار التطويرية للقصيدة الحديثة.
في الختام أريد أن أثبت حقيقة مهمة قد ترفع بعض الاعتقاد الخاطىء عن موقف نازك من بحور الشعر، فأقول أنّ نازك الملائكة لم تهجر بحور الخليل ولم تصرِّح للشعراء تركها خلف ظهورهم وغنما عملت بها وقامت فقط بتشطير شطريّ القصيدة القديمة إلى أربعة أشطر بدل الشطرين، مثال ذلك (قصيدة حصاد المصادفات) حيث فعلت الآتي:
أولاً: أصل البيتين التاليين على نظام تفعيلات البحر الخفيف هما:
حينـما يرقـد الهـوى ميِّتاً فـو قَ ترابِ الأيّـام والأعوامِ
وتعود الذكرى صدىً جامد الوقـ ـعِ لعهدٍ مغلَّفٍ بالظلامِ
ثانياً: في التحديث الذي أجرته على شطريّ البيتين.. أصبحت القصيدة كالآتي:
حينما يرقد الهوى ميِّتاً
فوق تراب الأيّام والأعوامِ
وتعود الذكرى صدىً جامد الوقع
لعهدٍ مغلَّفٍ بالظلامِ
استحدثت نظام المقطوعة الرباعية الأشطر.. فأصبحت القافية متباعدة ومكَّنت نفسها من تحقيق هدفيّ المعنى والصورة. وربما أنّ الشاعرة من خلال مسيرتها الشعرية وقعت على حقيقة مهمة هي أنها تتوقع عودة إلى شعر الشطرين والقافية، لأنّ ما يجري الآن في القصيدة هو تجارب قد تعود مرّة أخرى إلى الأصل. وقد وقفت على بعض المصادر التي لم تسنح لي الفرصة التأكُّد منها، لكنني مقتنع بها أن الشاعرة في السنوات الأخيرة من حياتها الشعرية تراجعت عن دعوتهها في الخروج على تقاليد القصيدة القديمة، وعادت إلى ساحة الفراهيدي وقبله المعلّقات، وتخلّت عن تيار الشعر الحر، الذي تنبّأت أنه لن يتطور ولن يأتي بالجديد، وسيعود دويّ القصيدة القديمة يهيمن على كل الآذان. كما يبدو أنها تحدّثت إلى الصحافة في بيروت عام 1990 قائلةً (إنني حين دعوت إلى الشعر الحر في مقدمة ديواني شظايا ورماد، لم أقصد إلى أنّ هذا الأسلوب الجديد في الوزن يجب أن يلغي قصيدة الشطرين وإنما قصدت بذلك أننا نمارس لوناً من ألوان الحرية في الشعر العربي). إنّ الشعر العربي يتعرَّض إلى هزّة قوية تؤدّي به إلى الخسارة إن هو تخلّى عن أسلوب الشطرين.. وحتى هذه الرجعة إلى القديم التي دعت إليها الشاعرة الراحلة.. هي إنجاز لها في طريق التحديث.. بعد تجربتها الطويلة التي وضعتها في موقع الريادة من الحداثة في الأدب العربي.
وتخفق أجنحة من نور تنبيء برحم قد اتّسع ليدفع ذلك الحزن إلى الحياة مُطلِقاً الشهقة الأولى لتهمة الرفض لكل ما هو غير إنساني. وربما كان الاستبصار الول لذلك المخلوق الذي اعتاد جدران تحميه وتغذّيه فجأةً يجد نفسه في مواجهة مع أعين مُبطَّنة الغريزة والفكرة والضمير.
هل بإمكاننا أن نتوارث جينات الحب والشعر والرغبة معاً تماماً كالعِرق واللون والجنس كلاهما لحظة التحام عرائس المودّة والرحمة تخلقت من شفة تكتب الشعر سلمى (أُم نزار) ورائحة العراق في منابر الإعلام أما والدها صادق الملائكة فترك إرثاً في عشرين مُجلَّد (موسوعة دائرة معارف الناس).
لكن لماذا الملائكة!!
من أين خفقت الأجنحة إنّهم الآخرون حين تهبّ نسائم أيلول الباردة من بيت لا يعرف فاكهة الكلام إلاّ همساً ورفرفة لتكون أجنحة يتوارثها الأجيال.
فطمت ثدي الحياة لتتلقم اللغة العربية فتكون مرضعتها العربية تنشق أوردتها عن موسيقى السحر وتعبر حضارات اللغات الأخرى لتدرك كيف تقرأ الأدبيات من بطون أهلها وتجلس في هدأة الليل ترسم حكاية السؤال التائه يرسم فناءات حيرى.. توقظ الثلث الأخير وتسير حافية الوجع.....

قراءات شعرية
الليل يسأل من أنا
أنا سرّه القلقُ العميقُ الأسودُ
أنا صمتُه المتمرِّدُ
قنّعتُ كنهي بالسكون
ولففت قلبي بالظنون
وبقيتُ ساحمةً هنا
أرنو وتسألني القرون
أنا من أكون؟
والريحُ تسأل من أنا
أنا روحها الحيران أنكرني الزمان
أنا مثلها في لا مكان
نبقى نسيرُ ولا انتهاء
نبقى نمرُّ ولا بقاء
فإذا بلغنا المنحنى
خلناه خاتمة الشقاء
فإذا فضاء
والدهرُ يسأل من أنا
أنا مثله جبارة أطوي عصور
وأعود أمنحها النشور
أنا أخلق الماضي البعيد
من فتنة الأمل الرغيد
تذوب وحيدة مخذولة وينحبس الحزن الأصفر ليحكي مأساة الحياة وما يطوف حول أول بيت أُقيم لتأريخ منصهر ذائب وقد اعتصر الليل حينه وذلك الذي يحفر جوفه الموت وحيداً وهم يتعاقبون
مأساة حياه
عبثاً تحلمين شاعرتي
ما من صباح ليلِ هذا الوجود
عبثاً تسألين لن يُكشف السرّ
ولن تنعمي بفكِّ القيود
في ظلال الصفصاف قضيت ساعاتك
حيرى تمسك الأسرار
تسألين الظلال
والظل لا يعلم شيئاً
أبداً تنظرين للأفق المجهول
حيرة فهل يُحكى الخفيُّ؟
أبداً تسألين
صمت مستغلق أبدي
فيم لا تيأسين؟ ماأدرك الأسرار
قلب من قُبل كي تدركيها
أخيراً لمست الحياه
وأدركت ما هي
أي فراغ ثقيل
أخيراً تبينت سرّ الفقاقيع واخيبتاه
وأدركت أني أضعت زماناً طويل
ألمّ الظلال وأخيط في عتمة المستحيل
ألمّ الظلال ولا شيء غير الظلال
ومرّت عليَّ الليال
وهاأنا أدرك أني لمست الحياه
وإن كنت أصرخ واخيبتاه
أهذا إذن ما لقبّوه الحياه؟
خطوط تظلّ نخططها فوق وجه الحياه؟
وأصداء أغنية فظّه لا تمسّ الشفاه؟
وهذا إذن هو سرّ الوجود؟
ليل ممزّقة لا تعود؟
وآثار أقدامنا في طريق الزمان الأصم
تمر عليها يد العاصفه
فتحسسها دونما عاطفه
وتسلّمها للعدم
عرفت الحياة وضقت بجميع الظلال
وأضجرني أن نجوب التلال
نحدَّق في حسرة خلف رعب الليال
تسير بنا القافله
نجوس الشوارع في وحدةٍ قاتله
إلام يخادعنا ألمهم
وكيف النهاية؟ لا أحد يعلم
قلب يريد النجوم
فيصفعه في الدياجير صوت القدوم
يهيل التراب على آخر الميتين
وأقصوصة من يراع السنين
تضجّ بسمعي فأصرخ آه
أخيراً عرفت الحياه
فواخيبتاه

المرج الأخضر
أماه وحشرجة ودموع وسواد
وانحبس الدم واختلج الجسم المطعون
والشعر المتموج عشش فيه الطين
أماه.. ولم يسمعها إلاّ الجلاّد
وغداً سيجيء الفجر وتصحو الأوراد
والعشرين تنادي والأمل المفتون
فتجيب المرجة والأزهار رحلت عنا غسلنا العار
ويعود الجلاد الوحشي ويلقى الناس
العار (وعيع مديه) مزّقنا العار
ورجعنا فضلاء بيض السمعة أحرار
يا.. رب الحانه أين الخمره وأين الكاس
نادي الغانية الكسلا العاطرة الأنفاس
أفدي عينيها بالقرآن وبالأقدار
أملىء كاساتك ياجزّار وعلى المقتولة غسلاً للعار
وغداً سيعود الفجر وتسأل عنها الفتيات

[ربما تكون المرّة الأولى التي يكتب عن موضوع القتل غسلاً للعار ويتحول الشعر إلى رسالة احتجاج والحروف إلى صرخات لإيقاف وأد الحياه]


وأين تراها (فيردّ الوحش) قتلناها
وصمةُ عارٍ في جبهتنا وغسلناها
وستحكي قصّتها السوداء الجارات
وسترويها في الحارة حتى النخلات
حتى الأبواب الخشبية لن تنساها
ستهمسها حتى الأحجار
غسلاً للعار.. غسلاً للعار
ياجارات الحاره يافتيات القريه
الخبز سنعجنه بدموع مآقينا
سنقصّ جدائلنا وسنسلخ أيدينا
لا بسمه لا فرحه لا لفه فاالمدية
تراقبنا في قبضة والدنا وأخينا
وغداً من يدري أي قفار
سيوارينا غسلاً للعار

ياقبّة الصخره
ياجرح، ياضماد، يازهره
ياسهر الجراح في ارتعاشة الشفاه
ياحرمة الدعاء، ياتنهّثد الصلاه
هل تنبض الحياه
في هذه الأذرع والجباه؟
هل تدفق العطور والألوان والمياه؟
ينحبس النبع من الصخره
وينبت الفداء ورداً ساخن الحمره؟
ياقبة الصخره
يامسجداً عطشان للقرآن والسجود
مسائلاً كيف اختفى تهجّد الرواق
وأين تسبيحاته الصوفية الأشواق
ولهفة الجدران، وارتعاشة العمود
كم صرعت نوافذه وأمطرت أدمعها أبواب
في صرعة العذاب
كم رتلت حكاية الإرهاب
عطورها اضطرت إلى الهجره
وماؤها تحدرت وانسكبت على المصلى قطره قطره
وتغنت بجراح أمتها









__________________
اللّهم يارحمـن الدنيا والآخرة ورحيمهما ارحم عبدك
أبـــا يـــــوســــف
برحمتك الواسعة واغفر له ،وعافه واعف عنه.
اللّهم يا حنّـان يا منّان ثقل بالحسنات ميزانه ،وجازه بالإحسان إحسانا وبالإساءة صفحا وعفوا وغفرانا،
اللّهم أكــــــرم نزله مع النبيين والصديقين وكلّ عبادك الصالحين،
في جوار حبيبك ورسولك ومصطفاك .
إنّــــــــك ربي -سبحانك-على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
نبهات غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-10-2013, 02:01 PM   #3
محمد أحمد المصري
مشرف ( وفقه الله )
 
الصورة الرمزية محمد أحمد المصري
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
الدولة: مصر
المشاركات: 4,876
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نازك الملائكة.. أُمّ الشعر العربي الحديث

جزاك الله خيرا، جهد رائع ندعو الله أن يكتبه في ميزان حسناتك

__________________
محمد أحمد المصري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-03-2019, 09:32 PM   #4
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 74,316
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نازك الملائكة.. أُمّ الشعر العربي الحديث

بارك الله فيكم

__________________
اللهم ارحم أبا يوسف واغفر له
أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
رسالة إلى الشاعر العربي الناشىء نازك الملائكة أبو ذر الفاضلي الكتب اللغوية والأدبية الحصرية المصورة 4 21-03-2019 08:58 PM
ديوان نازك الملائكة أبو يوسف المكتبة الأدبية المصورة 3 19-03-2019 09:57 PM
قضايا الشعر المعاصر - نازك الملائكة إبراهيم أمين المكتبة الأدبية المصورة 12 19-10-2013 02:02 PM
الانسان فى شعر نازك الملائكة المقوقس الكتب اللغوية والأدبية الحصرية المصورة 5 27-08-2013 03:18 AM
نازك الملائكة وبداية الشعر الحر أبو ذر الفاضلي الكتب اللغوية والأدبية الحصرية المصورة 8 17-08-2013 06:04 AM


الساعة الآن »10:06 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
.Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd