روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > مكتبة علوم اللغة العربية > مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 13-06-2013, 02:38 AM   #1
نبهات
مشرفة ( وفقها الله )
 
الصورة الرمزية نبهات
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 10,257
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي مبادئ لسانية في التراث النحوي العربي كتاب الخصائص لابن جني(نموذجا مقاربة تأصيلية في ضوء المنهج ..

بسم الله الرحمن الرحيم


مبادئ لسانية في التراث النحوي العربي كتاب الخصائص لابن جني- نموذجا مقاربة تأصيلية في ضوء المنهج البنوي الأوربي

كمال قادري


الملخص:
تأتي أهمية الحديث عن مظاهر التقابل بين التفكير اللساني عند علماء العربية وعند علماء اللسانيات البنوية من الأوربيين، لرصد جهات التقارب والاختلاف بينهما في الأسس والمبادئ. ولعل كتب أصول النحو، في تراث العربية، هي خير ما يمثل هذا المجال، ويقرب الصورة التقابلية أو المقارنة بينهما، لما تناولته من أصول تم من خلالها استقراء كلام العرب واستنباط قواعده. فكانت بمثابة الأسس التي استند إليها التفكير اللغوي، عند العلماء، والمبادئ التي تحددت من خلالها موضوعات النحو ومسائله، وتبنيت معالم منهجه.
résumé:
L importance primordiale que revêt l'étude des aspects d antithèses se situant entre les pensées linguistiques des savants Arabes et les linguistiques structurales Européennes s'inscrit dans le cadre de rassembler les divers aspects de convergence et de divergence entre les deux courants. Le patrimoine Arabe en la matière est très riche, et diversifie, et peut assurer amplement des études comparatives dans le domaine. A ce propos l œuvre d'Ibn djinni «ElKhassaiss» occupe la place prépondérante dans ce genre d'études linguistiques
النحو العربي-النشأة والمنهج:
مصطلح النحو:ظهر مصطلح (النحو)منذ وقت مبكر من بداية الاهتمام بالظاهرة اللغوية على يد أبي الأسود الدؤلي (ت69هـ) استنادا إلى مقولة:انح هذا النحو، إلى جانب عدد من المصطلحات التي سادت خلال القرن الأول الهجري:العربية، والكلام، واللحن، والإعراب والمجاز. وقد أخذ استخدامه في الانتشار مع بداية القرن الثاني الهجري على يد عبد الله بن أبي إسحق الحضرمي(ت117)بالمعنى الاصطلاحي الذي ساد خلال القرون اللاحقة في مقولته المشهورة ليونس بن حبيب:"عليك بباب من النحو يطرد وينقاس"والتي تشير أيضا إلى ريادته في التأسيس للأصول النحوية، من سماع وقياس وتعليل[i]؛ بحيث هيمن استعماله على باقي المصطلحات، ثم تكرست دلالته العلمية على يد الخليل، ولقي استحسانا على ألسنة دارسي العربية بعد ذلك من قدماء ومحدثين.
وهورغم ما في لفظه من سهولة ويسر، وفي دلالته من وضوح وجلاء، في ثقافتنا العربية إلا أنه لا يخلو من غرابة في الوضع الاصطلاحي؛ حيث إن معانيه المعجمية لا تشير بأي حال من الأحوال إلى معنى العلم باللغة أو بشيء آخر منه، لتباعد الحقلين الدلاليين للفظي النحو والعلم.وفضلا عن ذلك فإن هذه المعاني لا يتوقع منها عند نقلها إلى لغة أخرى أن يكون من بينها التعبير عن العلم باللغة.
ومن هنا تبرز مسألة الفرق الجوهري بين مصطلحي النحو واللسانيات، من الناحية الموضوعية. وهو فرق يعود في الواقع إلى الأساس المعرفي لكلا المصطلحين، على اعتبار أن الأول شغل أكبر حيز في مساحة الاستعمال من تاريخ علوم العربية-وما يزال كذلك-بينما لم يستخدم الثاني إلا في العصر الحديث. وحتى إذا حاولنا المقارنة بين مصطلح علوم اللسان بمفهومه القديم ومصطلح اللسانيات فإن الفرق بينهما يبقى قائما، من الناحية المفاهيمية موضوعا ومنهجا.كما أن مصطلح علم اللغة الذي يضعه كثير من الدارسين المحدثين في مقابل اللسانيات يقتضي تحديد دلالته الاصطلاحية ضمن سياق استعماله لدى القدماء؛إذلم يكن يتجاوز غالباً العلم بمفردات اللغة، في مقابل مصطلح النحو الذيهو-غالبا- العلم بالتراكيب أو الجمل لديهم.
فابن فارس (ت395هـ)يقسم علم العربية إلى قسمين: أصل؛ وهو النحو. ويتعلق بالقول على وضع اللغة وأوليتها ومنشئها وعلى رسوم العرب في مخاطباتها، وما لها من الافتننان تحقيقا ومجازا. وفرع؛ وهو علم اللغة، ويتعلق بمعرفة مفردات اللغة من أسماء وصفات. وهو ما عبّر عنه أبوحيان(ت745هـ) بقوله: "والفرق بين علم النحو وبين علم اللغة أن علم النحو موضوعه أمور كلّية، وموضوع علم اللغة أشياء جزئية."[ii]
وقد كان لظروف نشأة النحو العربي، لدى علماء البصرة ثم الكوفة، أثره البالغ في تزايد الاهتمام بالعربية؛ حيث وجد معلمو القرآن الكريم والعربية أنفسَهم أمام تحدّيين كبيرين. أحدهما يتمثل في ظهور بوادر فساد السليقة العربية بانتشار اللحن على ألسنة العرب في الحواضر، وثانيهما مطلب تعليم الأعاجم العربية باعتبارها لغة الكتاب. ومن هنا ارتبط النحوالعربي في ظروف نشأته بجملة من العوامل. غير أن عامل اللحن، بوصفه ظاهرة لسانية، وباعتباره تغييرا وانحرافا عن مجاري العرب في كلامها يبقى أبرزها تأثيرا وأقواها تبريرا في نظر علماء العربية. فكان البحث في ميادين الفصاحة لتخليص التعبير من العجمة واللحن والفساد جراء تكاثر الظواهر الناشزة في اللغة.[iii]
معيار الاحتجاج ومفهوم الفصاحة:انطلاقا من ضرورة تحديد النص المرجعي في الاستدلال اللغوي من الناحية المنهجية راح العلماء يحددون بحذر شديد-بحكم اتساع رقعة اللهجات العربية-مقاييس الفصاحة في لغة الاحتجاج، لضبط آليات تدوين كلام العرب الذي كان يتداول مشافهة. وعليه تحدد مفهوم الاحتجاج اللغوي باعتباره إثباتا لصحة استعمال كلمة أو تركيب بدليل نقلي من القرآن الكريم، ومما صح سنده إلى عربي فصيح سليم السليقة.فارتبط بذلك مفهوم الاحتجاج بمفهوم الفصاحة، وتداخل معناهما في المنهج النحوي.
ذلك بأن مشكلة الفصاحة ظهرت في تاريخ العربية منذ أن تحسس العرب أخطار العُجمة واللحن تهدد لغتهم، فراحوا يتعقبون تلك الأخطار بتحصين العربية وحمايتها وفق معايير الفصاحة، وتمييز ما هو لحن أو دخيل أو أعجمي مماله الأصالة والنسب العريق.[iv]فالمعيار النمطي أخذ يضغط بثقله، من جهة، لمقاومة حركة التغيير، ويشدها بقوة ليمنع عن نظام اللغة أي تبديل، وراح من جهة أخرى، يحرص على تكريس هذه النمطية لأغراض التنشئة اللغوية اجتماعيا وتعليميا. وهو ما ينطبق على جميع الألسنة، في هذا الشأن، وتشهد له تعليمية اللغات.[v]
ويضاف إلى هذا عامل آخر له تأثيره العميق في العربية بشكل خاص هو الوازع الديني[vi]الذي جعل من الفصحى نموذجا مفروضا ومثلا أعلى يحتذيه كل كاتب عربي، حتى صار-كما يقول هنري فليش-من العسير بمكان أن تحصل على صورة واضحة للنمو والتطور(التغيير) الذي أصاب العربية ككل لغة حية.[vii]
تداخل الوصفية والمعيارية:نشأ النحو منذ البداية نشأة فيها قدركبير من التداخل موضوعاً ومنهجاً بين الوصفية والمعيارية، وفيها نزوع حاد نحو الاعتراض على الظاهرة الطبيعية للغة القائمة أساسا على مبدأ التغيير تبعا للصيرورة الزمانية.[viii]
ولئن أمكن لهذين المعيارين، في واقع الأمر، أن يحدثا أثرا جليا في الحد من ظاهرة اللحن، في أوساط الأفراد من المتعلمين، فإنهمالم يحدثا الأثر نفسه في مقاومة اندفاع اللسان اجتماعيا نحو التغيير الذي فعل فعله على المدى الزمني البعيد، وصولا بالعربية الفصحى إلى أواخر القرن الثاني الهجري في الحواضر وأواخر القرن الرابع في البوادي[ix]وزوالها من الاستعمال الاجتماعي تدريجيا بعد ذلك.
وقد بلغ علماء العربية بالنحو من الدقة والضبط في استنباط قواعد اللغة واستكشاف نظامها ما جعله يتحول من مجرد معرفة عامة إلى صناعة علمية محكمة، حين توفرت له خصائص العلم المضبوط، من موضوعية وانسجام وشمول؛[x]فتحددت أصوله بأواخر القرن الأول مع الحضرمي واتضحت معالم منهجه وتطبيقاته قبل نهاية القرن الثاني مع الخليل ويونس وسيبويه والأخفش والرؤاسي والكسائي والفراء وغيرهم. و"في كل ذلك لم يحتاجوا إلى كتب أجنبية ولا إلى ألفاظ ومصطلحات أعجمية".[xi]
فالنحاة انطلقوا انطلاقة وصفية[xii]علمياً-وإن كان الهدف لديهم معيارياً في الأساس تقويماً وتعليماً-وبذلوا جهودا عظيمة في سبيل استكشاف نظام اللغة العربية في مختلف مستوياتها خاصة النحوي منها؛لأنه مدار الاهتمام في تمييز الخطأ من الصواب الذي استلزمه الانحراف الحاصل عن الجادة فيما عرف باللحن. وهو ما وثّق الصلة بين المعرفتين العلمية والتعليمية.
ومما زاد من التباس مفهوم الوصفية بمفهوم المعيارية في نحونا العربي التداخل الصريح الذي حصل لدى النحاة بين المنهجين في استكشاف منظومة القواعد العرفية للغة وصفياً، وتحولها إلى آلية لضبط الصياغة اللغوية لدى المتكلمين العرب بغرض تقويم ألسنتهم معيارياً، وتلقينها للوافدين على العربية من الأعاجم تعليمياً. وهو ما صبغ النحو بصبغة المعيارية.
فاللغة بالنسبة للمتكلم منظومة عرفية اجتماعية ذات طبيعة معيارية-وهو ما يبرر عرفيتها في الأصل- حيث يستعمل المتكلم لغة المجتمع الذي نشأ فيه بالخضوع لمعايير اللغة في استخدام أصواتها وصيغها ومفرداتها وتراكيبها حسب أصول استعمالية معيّنة يحذقها بالمشاركة في التخاطب ويمرن عليها ويطابقها دون تفكير في جملتها أو تفصيلها؛ لأن الغرض لدية هو مطابقة العرف اللغوي عن طريق صحة الاستعمال، وسلامة الأداء.
غير أن الموقف بالنسبة للنحوي مختلف تماما؛ إذ الغرض لديه هو فهم طبيعة اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية لابد أن تدرس بالملاحظة والاستقراء ثم استنباط القواعد التي تتحكم في إنتاج الكلام اعتمادا على النماذج الفردية للمتكلمين، مما يجعل جوهر العمل لديه وصفيا بطبيعته. وعلى أساس من هذا فإن شبهة المعيارية التي وسم بها نحونا العربي منذ بدايته مردها موضوعيا إلى الأمرين اللذين ذكرناهما سابقا، وهما مطلب علاج مشكلة اللحن، ومطلب تعليم الأعاجم العربية، ويضاف إلى ذلك مسألة الخلط منهجيا بين عمل المتكلم وعمل النحوي. ومع ذلك فقد قدم أوائل النحاة وصفا دقيقا لنظام اللغة العربية اعتمادا على الاستقراء؛ لأنهم تعاملوا مع الشواهد، بينما تعامل المتأخرون مع القواعد. (أصول تراثية في اللسانيات الحديثة15)وهو ما زاد من مسألة الخلط بين الآراء العلمية والآراء التعليمية المتقدمة والمتأخرة.
اللغة بين الثابت والمتغير: والواقع أننا لو تتبعنا مواضع اعتراض النحاة على كلام المتكلمين، بما في ذلك عصر الاحتجاج النحوي، فإننا سنجد أن المعايير التي استندوا إليها كانت في كثير من جوانبها نسبية تفتقد إلى صفة الشمول بل والعموم الذي تقتضيه صناعة النحو ذاته. ومرد ذلك إلى عدة أسباب منها ما هو منهجي كالاعتماد على الاستقراء الناقص، وتعدد اللهجات العربية واتساع رقعتها، فضلا عن طبيعة النظام اللغوي الذي يقوم على جملة من الثوابت والمتغيرات. فالثوابت أطر دائمة لا غنى للنظام عنها؛ لأنه لا يقوم بدونها، وأما المتغيرات فلا تتصف بالدوام، وإنما تخضع لظروف تدعو إلى تحوّلها في حدود أطر الثوابت وبشروطها.
ويمكن حصر ثوابت النظام النحوي العربي في أمور ثلاثة هي: (أمن اللبس في المعنى)و(طلب الخفة في المبنى)و(الاطراد[xiii]أو التعميم:وينتج عادة عن اجتماع العاملين الأولين). فإذا لم يتحقق ذلك يتم اللجوء إلى مبدأ العدول عن الأصل، وعنه تنبثق المتغيرات التي حفلت بها كتب النحو. ويتضح جليا من خلال النظر في قواعد النحاة وبشكل خاص التعليمية منها، مدى حرصهم وتمسكهم بمبدأ الاطراد في سبيل تحديد نظام اللغة العربية ضمن إطار الثوابت، وبعيدا عن مظاهر الاختلاف التي تفرزها المتغيرات التي تدعو إلى التقعيد للرخص والشواذ والضرورات؛ ولذلك أحاطوا هذا المبدأ بجملة من الأصول الفرعية، كأصل الوضع، وأصل القاعدة، وأصل الاشتقاق وأصل القياس، ومراعاة الأولى، والوجوب والجواز، والاتساع، وغيرها.
ومع ذلك فإن مظاهر موافقة الكلام لمتطلبات النظام بثوابته المحكومة في تصورهم بمعيار الصواب لم تعبّر عن عمق المعالجة النحوية لدى النحاة بقدر ما عبّرت عنه معالجتهم لمظاهر متغيرات العدول والمخالفة المحكومة بمعيار الخطأ.[xiv]وهو ما تدل عليه محاولاتهم المستميتة لتعليل هذه المخالفات وتبريرها بسيل من المسوّغات والاستثناءات بهدف إعادتها إلى حيز الصواب وإبعاد شبهة اللحن والخطأ عنها، فضلا عن إقرارهم بسعة العربية وغزارة ألفاظها، واختلاف مسالك القول فيها، بما جعلهم يخلصون إلى مقولة أن من عرف لغة العرب لم يكد يخطّئ أحدا.
فعلم العربية نبع من القرآن الكريم ولأجله فهماً وأداء -باعتباره نصا مقدسا وهو-لسانيا-خطاب موجه للعالمين كافة بلسان عربي مبين، بل وداعيا للتحدي اللساني بإعجازه لفظا ومعنى-إلا أن ذلك لم يمنع من الاهتمام باللغة في ذاتها ولذاتها في ثنايا الدرس اللغوي وكان من أبرز مظاهرها التفريق بين الفصيح وغير الفصيح، والمفاضلة بين لغات العرب مما يحتج به وما لا يجوز الاحتجاج به. أما اللسانيات فقد نبعت من الاهتمام باللغة في ذاتها ولذاتها، ودون مفاضلة بين لهجات اللغة الواحدة أو التمييز بين جيّدها ورديئها ومنطلقة من المكتوب إلى الملفوظ.
وقد تطرق اللغويون والنحاة والأصوليون لهذه المسألة في سياق معالجتهم لقضية اللفظ والمعنى، بحيث لم يختلفوا بشأن الاصطلاح في وضع الألفاظ المفردة بإزاء المعاني في اللغة؛ لأنها أيسر وأفيد وأعم[xv]في التعبير عن حاجات الإنسان المادية والمعنوية، ولكنهم اختلفوا في المركَّبات أهي اصطلاح أم لا؟وقد نقل السيوطي في المزهر بعض آرائهم.
فمذهب الزركشي والفخر الرازي أن المركّب ليس بموضوع؛ لأن واضع اللغة لم يضع الجمل كما وضع المفردات، وإلا لتوقف استعمال الجمل وفهم معانيها على النقل عن العرب كالمفردات، ولوجب على أهل اللغة أن يتتبعوا الجمل ويودعوها كتبهم كما فعلوا ذلك بالمفردات.
وذهب ابن مالك إلى أن دلالة الكلام (التراكيب)عقلية لا وضعية. فلو كان الكلام دالا بالوضع لم يكن لنا أن نتكلم بكلام لم نُسبق إليه، كما لم نستعمل في المفردات إلا ما سبق استعماله.
وذهب أبو حيان إلى أن التراكيب كالمفردات في الوضع. والأمور الوضعية تحتاج إلى سماع من أهل ذلك اللسان. ويعزى لابن الحاجب القول بأن العرب حجرت في التراكيب كما حجرت في المفردات، واستدل على ذلك بقرينة التمييز بين الخطأ والصواب في الكلام. فمن قال:إنّ قائم زيدا، فليس من كلامنا، ومن قال:إنّ زيدا قائم، فهو من كلامنا. ومن قال:في الدار رجل، فهو من كلامنا، ومن قال:رجل في الدار، فهو ليس من كلامنا، إلى ما لا نهاية له في تراكيب الكلام. وذلك يدل على تعرضها بالوضع للمركّبات. وليس الغرض من الوضع هنا إفادة المعاني المفردة، بل إفادة المركّبات والنّسب بين المفردات، كالفاعلية والمفعولية وغيرهما؛ إذ يفسر الزركشي ذلك بأن العرب وضعت أنواع المركّبات، أما جزئيات الأنواع فلا؛ فوضعت باب الفاعل لإسناد كل فعل إلى من صدر منه، أما الفاعل المخصوص فلا. وكذلك باب (إن وأخواتها)أما اسمها المخصوص فلا. وكذلك سائر أنواع التراكيب. وأحالت المعنى على اختيار المتكلم. وهذا ما يفسر قولهم بأن دلالة التراكيب على معانيها عقلية لا وضعية. فمن عرف مسمى(زيد)وعرف مسمى (قائم)وسمع(زيد قائم)بإعرابه المخصوص فهم بالضرورة معنى هذا الكلام، وهو نسبة القيام إلى زيد. ومن هنا يغلّب أكثر اللسانيين مبدأ وضعية واصطلاح التراكيب بما يعني عرفية اللغة في مستوى المفردات والتراكيب؛ لأن للغة مجرى تجري فيه.
فاللغة بالنسبة للمتكلم منظومة عرفية اجتماعية ذات طبيعة معيارية-وهو ما يبرر عرفيتها في الأصل-حيث يستعمل المتكلم لغة المجتمع الذي نشأ فيه بالخضوع لمعايير اللغة في استخدام أصواتها وصيغها ومفرداتها وتراكيبها حسب أصول استعماليه معيّنة يحذقها بالمشاركة في التخاطب ويمرن عليها ويطابقها دون تفكير في جملتها أو تفصيلها؛لأن الغرض لدية هو مطابقة العرف اللغوي عن طريق صحة الاستعمال، وسلامة الأداء.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن مظاهر التقابل بين التفكير اللساني عند علماء العربية وعند علماء اللسانيات البنوية الأوربيين، لرصد جهات التقارب والاختلاف بينهما. ولعل كتب أصول النحو، في تراثنا، هي خير ما يمثل هذا المجال، ويقرب الصورة التقابلية أو المقارنة بينهما. ويأتي بهذا الشأن كتاب (الخصائص)لابن جني في مقدمة هذه الكتب، لخصوصية تصنيفه، وتميز تأليفه.
فهو كتاب أراده صاحبه-كما ورد في مقدمته- أن يكون في أصول النحو[xvi]على مذهب أصول الكلام والفقه. وهو أول كتاب اختص بجمع أشتات ما تناثر في كتب المتقدمين من أصول تم من خلالها استقراء كلام العرب واستنباط قواعده، فكانت بمثابة المبادئ التي استند إليها التفكير اللغوي، عند علماء العربية، والأسس التي تحددت من خلالها موضوعات النحو ومسائله، وتبينت معالم منهجه.
وكما تشير إلى ذلك عبارات المؤلف، فإن هذا الكتاب هو حصيلة تجربة علمية عميقة كان ابن جني يدرك تماما أنه أقدم فيه على مجال علمي مختلف ومتميز مما عرفه العلماء من قبله فيما سميبـ (النحو)واستجابة ٌلإلحاح بعض طلابه، إذ يقول: "ثم إن بعض من يعتادني، ويلمّ لقراءة هذا العلم بي، ممن آنس بصحبته لي وأرتضي حال أخذه عني، سأل فأطال المسألة، وأكثر الحفاوة والملاينة، أن أمضي الرأي في إنشاء هذا الكتاب."الخصائص، ص3 في إشارة منه إلى أنه علم قائم بذاته. وقد وصف عمله فيه بقوله: "كتاب لم أزل على فارط الحال، وتقادم الوقت، ملاحظا له، عاكف الفكر عليه، منجذب الرأي والروية إليه... واعتقادي فيه أنه من أشرف ما صنّف في علم العرب، وأذهبه في طريق القياس والنظر... وأجمعه للأدلة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة من خصائص الحكمة، ونيطت به من علائق الإتقان والصنعة." الخصائص، ص1. ولعل هذا ما يفسّر سبب تسميتهبـ (الخصائص).
وأخذا بالمبدأ العلمي في هذا الشأن فقد ذكر من سبقه في هذا المجال. كابن السراج في كتابه (الأصول في النحو)إذ يقول عنه: "وأما كتاب أصول أبي بكر فلم يلمم فيه بما نحن عليه إلا حرفا أو حرفين في أوله." (1/3)–وذلك رغم ما يبدو على عنوانه من تناول مسألة الأصول، حيث لم يحد فيه عن مسار أبواب النحو ومسائله الإعرابية المعهودة في كتب المتقدمين. وذكر صنيع الأخفش أيضا في المقاييس، على أنه كتيب صغير.
كما أن كتب النحو-على كثرتها، بل ووفرتها الغزيرة، في تراث العربية-لم تعرض لخصائص المنهج النحوي ومبادئه بقدر عرضها لقواعد النحو وأحكامه في أبوابه ومسائله التي أحاط بها الإعراب من كل جانب. وهو ما جعل ابن جني ينحو في تصنيفه له منحى مختلفا عما استنفد النحاة من قبله جهدهم فيه، وهو الإعراب؛ حيث يقول مبرزا خصوصية هذا اللون من التصنيف في عبارة يبدو عليها من الوضوح ما لا يحتمل التأويل: "وليكون هذا الكتاب ذاهبا في جهات النظر، إذ ليس غرضنا فيه الرفع، والنصب، والجر، والجزم؛لأن هذا أمر قد فُرِغ في أكثر الكتب المصنّفة فيه منه. وإنما هذا الكتاب مبني على إثارة معادن المعاني، وتقرير حال الأوضاع والمبادي وكيف سرت أحكامها في الأحناء والحواشي."[xvii]
فهو لا يريد لكتابه هذا أن يكون كسائر كتب النحو المعتادة؛ حيث عرض فيه لجهات النظر في جوانب التفكير اللغوي، ونأى به عن الانغلاق على الظاهرة الإعرابية التي استقطبت أكثر جهود النحاة في علم العربية، وكان الغرض منه جليا بإثارة مسألة قوانين وأوضاع مباني اللغة ومعانيها التي عبّر عنها بالأوضاع والمبادي في إشارة إلى البحث في الأصول والأسس والمبادئالتي توزعتها أبواب الكتاب.
ومن هنا يأتي عملنا هذا ليكشف عن جانب مهم من جوانب التفكير اللغوي في تراث العربية. فقد كان لهذا الكتاب أثره البارز والمميّز في مصنفات الأصول من بعده، بدءا ب:لمع الأدلة في أصول النحو، والإغراب في جدل الإعراب للأنباري (ت577)(ت577هـ)ومرورا ب:المغني لابن هشام (ت761)في بابه الثامن، ووصولا إلى:الاقتراح في أصول النحو وجدله للسيوطي(ت911)الذي اكتملت فيه صورة هذه الأصول ملخّصة في مجملها أسس ومبادئ التفكير النحوي بشكل خاص، والتفكير اللساني العربي بشكل عام، والتي يضع كثير من الدارسين المحدثين-استنادا إلىبعض مفاهيم النظريات اللسانية الحديثة ومصطلحاتها-استفهاما بشأنها، ففي غياب النصوص التي تحدد الأطر النظرية للعمل النحوي خضعت هذه المسألة لاجتهادات هؤلاء الدارسين جنح فيها كثير منهم للإنكار تعسفا وإجحافا بحقها. مع العلم بأن اللغات جميعها-كما قال ابن جني نفسه-متماثلة في اشتراك العلوم اللغوية واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها، (1/243)
بين النحو واللسانيات:
يربط الدكتور المسدي بين اللسانيات والنحو بشكل لا يعبر في حقيقته عن اتصالهما ولا عن انفصالهما؛ إذ يقر بأن النحو أسبق إلى اتخاذ اللغة مادة للعلم من اللسانيات وإن شاركته فيها، ولكن بمنهج مختلف. وهو ما أكسبها شرعية العلم المستقل بذاته، فوجودها متوقف على وجوده؛ إذ لا معنى للبحث اللساني إذا لم يستنبط النحو نظام اللغة. غير أنه سرعان ما ينقض هذا الترتيب بقوله:النحو قائم على ما يجب أن يكون واللسانيات قائمة على ما هو كائن. ويضيف معتبرا النحو سفيرا للمعيارية اللغوية إلى الإنسان، بينما يمثل اللحن سوسيولوجيا اللغة، بخروجه عن النمط وتجاوزه للمرسوم وعدوله عن القاعدة السكونية إلى السنة المتحركة المتغايرة.[xviii]
ولا يخفى ما في هذا القول من مراهنة على الفرق الذي اصطنعه بين النحو واللسانيات، فضلا عن التجني على الواقع في الجمع بين مفهوم اللحن ومفهوم الخروج عن النمط والتجاوز والعدول وهي مظاهر لغوية مباحة في اللغة على تفاوت بين مستويي النثر والشعر عند علمائنا. كما أنها تختلف كليا عن اللحن بمفهومه المتعارف لديهم؛ حيث لم يجرؤ أحد من أئمة اللغة والنحو على نسبة العدول إلى اللحن، بل إنهم كانوا حريصين على تفسير مظاهره أوتعليلها أو تأويلها لتسويغها. ويزيد المسدي الطين بلة حين يذكر بأن قضية اللحن تعود في جوهرها إلى الإقرار بشذوذ الموقف المعياري من الظواهر الطبيعية المواكبة للغة، كما أن اللحن يمثل تشهيرا بنشاز التسلط التحكمي على حيوية المتكلم.بما يجعل اللسانيات إقرارا للنحو وتجاوزا له في الوقت نفسه.[xix]وهو كلام يثير العجب ويدعو للاستغراب حيث يصبح اللحن، وهو الخطأ، إقرارا بشذوذ الموقف المعياري الذي هو المطرد والصواب. وفي ذلك تجن واضح على الواقع اللغوي وعلى الحقيقة العلمية. وذلك رغم ما أبداه في الفصل الأول من كتابه محددا طبيعة اللسانيات باعتبارها تنبذ كل موقف معياري في اللغة، وتمسك عن التقييم وإصدار الأحكام مدحا أو قدحا، ولا تستند إلى تصنيفات الصواب والخطأ أو الحسن والقبح، ولذلك قام منهجها على المعاينة والوصف.
ومع أنه يذكر بأن حقيقة الوصفية والمعيارية قد خفيت عن فقهاء اللغة وعن كثير من اللسانيين أنفسهم-وهو واحد منهم- باعتبارهما مقولتين لا تنتميان إلى منطلق مبدئي واحد، ولا إلى نفس الحيز التصوري، فإنه ينسى بأن اللسانيات تعتمد على ما يقدمه لها النحو من وصف لنظام اللغة، علما بأن مساحة التغيير نسبية في جميع اللغات بما في ذلك العربية. وقد تصل بها مظاهر التحول والتغيير حد الاختلاف شبه الكلي عما كانت عليه في أصولها التاريخية كما هو الشأن بالنسبة لكثير من لغات العالم، بينما حافظت العربية الفصحى على نظامها القديم إلى اليوم بفعل الوازع الديني لوجود النص القرآني بلسانها، مما جعلها تحظى برعاية متميزة وعناية خاصة من المسلمين على اختلاف ضوابطها المنهجية التي تأسس عليها نحونا العربي، بمستوييه العلمي التجريدي والتعليمي التطبيقي، من الناحية النمطية المتمثلة في اللغة الفصحى التي هي مدوّنة الاحتجاج اللغوي والنحوي، وفي مقدمتها القرآن الكريم.
أما من ناحية الاستعمال الاجتماعي فقد خضعت العربية لما خضع له غيرها من اللغات من تغيّر وتبدّل طال جميع مستوياتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية، وتباينت لهجاتها بين عامية ودارجة على امتداد انتشار الناطقين بها في البلاد العربية. وعلى أساس من هذا ازدادت مسافة البعد بين النحو واللسانيات في الوقت الذي ازدادت فيه مسافة القرب بين فقه اللغة واللسانيات خاصة بالنسبة للعربية التي لا يكاد يشعر فيها الدارس بضرورة الحاجة إلى دراسة نحو العامية أو الدارجة لفقدان الدافع النفسي، وغياب القناعة بأهمية ذلك. وهو ما نلمسه لدى دعاة العامية من الدارسين المحدثين الذين يفتقدون لعامل الوازع الديني تجاه القرآن الكريم خاصة، في الوقت الذي اجتمع لنشأة النحو عند القدماء جملة من العوامل-كما ذكرنا-كل واحد منها بحد ذاته كاف لتبرير هذه النشأة.
وإذا كان هذا شأن العلاقة بين النحو واللسانيات في اللغة العربية فإن الأمر في اللغات الأخرى مختلف تمام الاختلاف بالنظر إلى طبيعة التأثير العميق الذي تحدثه فيها مظاهر التغير والتبدل؛ حيث يمكن للنحو أن يتتبع هذه المظاهر باعتماد المنهج الوصفي آنيا ثم المنهج التاريخي تعاقبيا في رصد مجمل هذه التحولات وتفاصيلها، ومرجع ذلك إلى سيادة لغة الاستعمال الاجتماعي المتغير وافتقادها للنمط الاحتجاجي الثابت والمستقر في هذه اللغات. وقد شهدت العربية هذا النوع من الاهتمام بمسارها الاستعمالي خارج دائرة الاحتجاج عند القدماء أنفسهم، وفي مقدمتهم ابن جني من خلال استئناسهم بأمثلة وشواهد من شعر أبي تمام والبحتري وابن الرومي والمتنبي.[xx]
ومن هنا يأتي مقالنا هذا ليلقي الضوء على مسألة مبادئ الدرس اللساني عند ابن جني الذي يعد من أبرز اللغويين الذين تركوا بصماتهم مخلدة في تراثنا العربي، وبخاصة كتابه المتفرد في تصنيفه:الخصائص.
فاللسانيات بمفهومها العلمي عند الدارسين المحدثين من البنويين تعنى باقتفاء النظام العلامي للغة في حركته الآنيةsynchroniqueوالتزامنية(التعاقبية)diachroniqu eوفقا لمنهج وصفي في الأول، وتقييمي (تاريخي)أو منهج مقارن، في الثاني لمختلف جوانبها من صوت وصيغة وتركيب ودلالة. وكذلك النحو العربي باعتباره مصطلحا مقصودا به العلم بالعربية لا يختلف عن هذا المدلول إلا من جهة مبدأ الربط بين سكونية اللغة الآنية افتراضا، وبين حركيتها الزمانية واقعا.
فقد وجد علماء العربية أنفسهم منذ البداية أمام مفارقتين إحداهما موضوعية والأخرى منهجية تمثلتا في ضرورة الاهتمام برصد خصائص لغتهم في حركتها الآنية ضمن حدود زمانية ومكانية معلومة ليس في سبيل معرفة مظاهر التغير ضمن حركتها الزمانية بل على العكس من ذلك تماما، في سبيل الحيلولة دون حصول هذه التغيرات والوقوف عند آنية معينة، مدفوعين إلى ذلك بالخوف على العربية لارتباطها بالنص القرآني من حركية التغيير التي يمثلها الشطر الثاني من المعادلة اللسانية. وذلك في محاولة منهم لكبح اندفاع حركة التغيير فيها. وقد كان خوفهم في الواقع مبررا بطبيع عوامل التغيير التي طالت العربية. ذلك بأن ظاهرة اللحن التي لاحظوا زحفها على العربية كانت نتاج عوامل خارجية أي دخيلة على العربية، ممثلة في تكاثر العنصر الأعجمي في البيئة العربية، وتأثير ذلك سلبا على الواقع اللغوي. فالتغير إذا لم يكن بفعل عوامل داخلية، من صميم المجتمع العربي. ولذلك سارع العلماء إلى تدارك الأمر بجمع الكلام العربي وتدوينه قبل ضياع نسخته الأصلية المواكبة لنزول القرآن الكريم. فكان عملهم هذا شبيها بعمل المصوّر الفتوغرافي الذي يلتقط صوره في زمان ومكان محدّدين ليجعل منها شاهدا على الحال. فقد أرادوا للنسخة اللغوية الاجتماعية الاستقرار في الاستعمال كما استقر القرآن الكريم في التنزيل.
وقد يبدو سلوكهم هذا مخالفا للطبيعة وللمبدأ العلمي في اللسانيات، لكن الغرض لديهم كان مقصودا لذاته؛ إذ في الوقت الذي كانت فيه مجالس العلماء بمثابة ورشات كبرى من الناحية اللغوية، لتجميع أشتات كلام العرب المتداول مشافهة من ألسنة المتكلمين، وصياغة النمط النموذجي للغة العربية في إطار ما عرف بحملة تدوين اللغة، ومن الناحية المعرفية لاستنباط نظامها اللغوي، كانت عجلة التغيير تدور وتفعل فعلها في اللسان الاجتماعي. وهو ما جعل ظاهرة اللحن باعتبارها أبرز وأخطر مظاهر التغيير في اللغة تأخذ طريقها إلى اللسان العربي وتستشري فيه غير مكترثة بما كان يجري في حلقات الدرس لدى العلماء، وازدادت وتيرتها تسارعا إلى أن وصلت بالعربية إلى ما هي عليه اليوم، وستظل حركة التغيير مستمرة عملا بمبدأ التغير الطبيعي في الأشياء.
ويضاف إلى هذا حكم النحاة على اللحن، وهو مظهر من مظاهر التغير اللغوي بالسلبية، وهي نظرة قيمية لا تتفق والموضوعية العلمية في المنظور المجرد؛ حيث يسعى اللساني إلى رصد الظاهرة دون الحكم عليها بالحسن أو القبح، وبالإيجاب أو السلب غير أن هدف النحاة وغرضهم كان واضحا في اتجاهه أساسا إلى الحفاظ على لغة القرآن الكريم وحمايتها وصونها عن التغيير. وهو مبدأ عقيدي له خصوصيته الذاتية في العربية بمعزل عن موضوعية العلم المجردة. وهو ما يمكن أن نفسر به ما حصل في الواقع؛ حيث كان عمل النحاة بحد ذاته ظاهرة علمية-بغض النظر عن النوايا الذاتية- بينما كان اللحن ظاهرة لسانية اجتماعية؛ ولذا سار كل منهما في طريقه دون أن يكون لأحدهما سلطة على الآخر بالمعنى الفعلي. فلا النحاة أوقفوا اللحن، ولا اللحن أخرج النحاة من دائرة الآنية (الزمانية والمكانية)التي أغلقوها على أنفسهم، وظلوا ينشطون داخلها على مدى القرون المتتالية.
وبهذا المنظور يكون نحاة العربية قد أنجزوا شطرا من المعادلة اللسانية، وتركوا الشطر الثاني عن قصد منهم لعدم الحاجة إليه في تقديرهم، وذلك بعدم متابعة ما طرأ على العربية من تغير خلال القرون اللاحقة، حتى صار من العسير-كما قال هنري فليش- أن تحصل على صورة واضحة للنمو والتطور (التغيير)الذي أصاب العربية ككل لغة حية. (العربية ص14)
ومن هنا يتضح الفرق الجوهري في مفهوم مصطلح اللسانيات linguistiqueوفقا لحمولته الدلالية عند انتقاله من لغة إلى أخرى؛ إذ ليس من المنطق التعسف في الحرص على مطابقة الشحنة الدلالية للمصطلح من اللغة المنقول عنها إلى اللغة المنقول إليها، بالنظر إلى الخصوصية المعرفية والثقافية الحاصلة له في كل لغة. ولكي لا يتجرأ أحد على نحاة العربية بالقول إنهم لم يكونوا موضوعيين، ولم يكن عملهم علميا بالمعايير المحددة لمصطلح اللسانيات، حين انطلقوا من أساس معرفي ديني أو سياسي أو قومي.[xxi]


المبادئ الأساسية للسانيات:
ويقصد بالمبادئ هنا المنطلقات الأساية التي يبدأ منها التفكير اللساني. وتتحدد عند البنويين وعلى رأسهم دو سوسير De Saussureباعتباره رائد الدرس اللساني الحديثانطلاقا من تحديد المبادئ النظرية، والأسس المنهجية، والمفاهيم الاصطلاحية التي أمكن من خلالها لدراسة اللغة أن تتخذ لنفسها طابع الصرامة العلمية لتغدو علما قائما بحد ذاته، على غرار باقي العلوم الدقيقة والتطبيقية؛وذلك بالإجابة على عدد من التساؤلات التي أفرزها الدرس اللساني. وقد تفرّع عن هذا الأمر عدد منالتقابلات أو الثنائيات اللسانية التي كانت أساس التفكير اللساني الحديث، وفي مقدمتها:اللغة والكلام، والآنية والتعاقبية، والمادة والشكل، والعلامة والقيمة، والتركيب والاستبدال. ولا نسعى هنا إلى إسقاط هذه المصطلحات ومفاهيمها على تراثنا اللغوي، واتخاذها معيارا لنقد وتقويم الفكر النحوي بقدر ما نسعى إلى الكشف عن جهات التقارب أو التباعد بينها وبين ما ورد في هذا التراث من أصول ومبادئ.
فغياب المصطلح لا يعني بالضرورة غياب المفهوم، كما أن وجوده لا يعني اتحاد المفهوم بينهما. ذلك–كما قال ابن جني نفسه- لاشتراك العلوم اللغوية-واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها.[xxii]وهو يقصد هنا جميع اللغات؛ بما يجعل هذه المقولة بحد ذاتها مقدمة لإدراكه مسألة ما يعرف اليوم باللسانيات العامة، وكذلك مسألة القواعد الكلية.
اللغة والكلام:
يشكل هذان المصطلحان قطبي الرحى في الدرس اللساني الحديث، بما لهما من أثر في تحديد موضوع الدراسة ورسم منهجها.فاللغة عند دو سوسير حدث اجتماعي وفردي في آن معا.وهي نظام مستقر ومتطور في آن معا.وهي تعاقد بين الأصوات والأفكار.[xxiii]وهي تواضعات ملحّة يتبناها الجسم الاجتماعي لتسهيل ممارسة الملكة اللسانية لدى الأفراد.محاضرات 21وفي مقابل ذلك لا نكاد نلمس أي فرق جوهري بين هذا المفهوم وبين ما ذكره ابن جني بشأن تعريفه للغة في قوله: "حد اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"[xxiv]وهو تعريف يبدو على قدر كبير من التوافق مع مفهوم اللغة عند اللسانيين المحدثين، غير أن ابن جني هنا لا يكاد يعير اهتماما للفرق بين اللغة والكلام باعتبار الفرد المتكلم لدى علماء العربية نموذجا اجتماعيا، يعتدّ به وهو مصدر الاحتجاج اللغوي. بل إن تعريفه هذا إنما ينطبق على الكلام باعتباره أداء فرديا لولا كلمة (قوم)التي تشير إلى الصفة الاجتماعية للغة. ومرجع ذلك إلى رؤيته في الأساس إلى طبيعة الكلام بوصفه صورة أدائية للنظام.
ففي الوقت الذي أغرق فيه دو سوسير في تجريد مفهوم اللغة إلى الحد الذي يجعل وجودها ذهنيا محضا ونتيجة للحكمة الاجتماعية-كما يقول شارل بالي[xxv]-فإن ابن جني أيضا أغرق في تجريد مفهوم الكلام باعتباره نموذجا لغويا؛ إذ يقول: "أما الكلام فكل لفظ مستقل بنفسه مفيد لمعناه، وهو الذي يسميه النحويون بالجمل."[xxvi]والجمل قواعد الحديث، كما يقول في موضع آخر؛مما يعني بأنمفهوم الكلام هنا لا يقصد منه الجانب العضوي لأداء اللغة لدى الفرد، بل هو مجموع الآليات والقوالب التي يتشكل الكلام على أساسها؛ أي النظام. وهو ما يفهم من معنى اللغة عند دو سوسير. وكما قال(لوسيان تينيار):إن الكلام لا يقولب في أوعية منطقية لكنه يختص بقوانينه التنظيمية المخصوصة، وهي المقصودة في الاكتشاف.[xxvii]
والإشكالية التي تواجه أي دارس لساني هنا تتعلق بتحديد المادة الموضوعية التي ينبغي أن تكون مدار الدرس اللساني، إما اللغة وإما الكلام، وإما هما معا.إذ من الناحية العضوية الفزيائية لا وجود للغة فعليا إلا في أذهان المتكلمين بها؛ لأنها ذات طبيعة اجتماعية، وإنما الموجود عمليا هو الكلام؛ لأنه ذو طبيعة فردية فزيائية في أدائه. وأما ما يبدو على الكلام من سمة الاجتماعية فمرده إلى صفة التعميم الناتجة عن اشتراك أفراد المجتمع عرفيا في لغة واحدة، من خلال تماثل كلامهم أداءً وتشابهه في الخصائص والسمات الصوتية والبنوية والتركيبية والدلاليةلارتباطهم بلسان واحد- وهو ما ذهب إليه ابن جني-في تعريفه النحو بأنه انتحاء سمت كلام العرب؛ أي السير على طريقهم والنسج على منوالهم.
والحقيقة التي غفل عنها الدارسون العرب المحدثون في معرض تناولهم لمسألة الفرق بين اللغة والكلام هي أن البنويين ينطلقون من هذه المسألة باعتبارها نقطة جوهرية، من حيث المبدأ، في تحديد موضوع الدراسة اللسانية انطلاقا من مبدأ نظري موحد. وما دام الموضوع غير ملموس منذ البداية، ولا يبرز للملاحظ البسيط، وإنما يعرف على أساس رؤية نظرية فإن وجهة النظر لدى دو سوسير هي التي تخلق الموضوع. وهذا الموضوع هو اللغة. فهو يميز بين لسانيات اللغة ولسانيات الكلام.[xxviii]
ويتضح هنا جليا أنه يقر منذ البداية بكون اللغة شيئا مجردا غير ملموس، وإنما يتم خلقه بالافتراض والتصور النظري. وهو ما يتعارض مع المطلب الموضوعي لمادة الدراسة العلمية، ولكنه وجد للمسألة مخرجا من مأزق اللغة بمعناها الاجتماعي المجرّد باللجوء إلى الكلام بمعناه الفردي المجسّد.فالأفراد الذين يشتركون في لسان واحد إنما يعيدون ويكررون بشكل تقريبي العلامات ذاتها مرتبطة بتصورات واحدة. فلو استطعنا جمع الصور الشفوية المختزنة لدى الأفراد للمسنا الرابط الاجتماعي الذي يشكل اللغة. فهي كنز يدخره الأفراد الذين ينتمون إلى مجموعة واحدة عبر ممارسة الكلام، وهي منظومة نحوية موجودة بالقوة في كل دماغ، وعلى وجه التحديد في أدمغة مجموعة أفراد، إذ إنها لا توجد كاملة تامة عند الفرد، وإنما لدى المجموعة.(محاضرات ص24 و25). وهو ما عبّر عنه كوليولي بقوله: "إن الكلام نظام لكنه نظام منفتح"نقلا عن مبادئ في قضايا اللسانيات المعاصرة، ص144.
فمع أن وجود اللغة في منظور دو سوسير هو محض افتراض عقلي إلا أنه تمكّن من تحديد موضوع الدراسة اللسانية بشكل مقنع أرضى كثيرا من الدارسين من بعده. وذلك عن طريق الاتجاه إلى دراسة اللغة كنظام موجود في نقطة معينة، وفي زمن محدد عبر المدونة الكلامية.
وأما ابن جني فقد عالج المسألة من زاوية النظر إلى الكلام في معرض التفريق بينه وبين القول لا على أنه طرف في إشكالية هذه الثنائية، بل على أنه الصورة النهائية الأدائية للغة، والمظهر الأساسي لها؛ بما يعني أن اللغة عبارة عن مادة خام تتمازج فيها مجموعة من النظم الفرعية والمكونات المتداخلة، بينما يشكل الكلام إنجازا فرديا، وباجتماع الصور الفردية تتشكل النسخة الاجتماعية المتكاملة للغة. وهو ما يجعل من قول ابن جني بأن الكلام في لغة العرب عبارة عن الألفاظ القائمة برؤوسها المستغنية عن غيرها، وهي التي يسميها النحاة الجمل على اختلاف تركيبها، يفهم منه على أن الكلام هو نموذج التعبير، والمتكلم يتواصل بالجمل والعبارات لا بالحروف والمفردات. وهو ما يتفق تماما مع ما ذكره دو سوسير من أننا لا نتكلم بعلامات منعزلة، وإنما بمجموعة علامات، وبكتل منظمة هي نفسها علامات. (محاضرات، ص156)
يميز دو سوسير بين لسانيات اللغة ولسانيات الكلام. (محاضرات ص31) وكذلك فإن التفريق بين اللسان واللغة هو أمر ينطوي على قدر من المبالغة والتعسف في تحديد كل منهما، إذ لا نكاد نلمس بينهما أي فرق في الأساس، خاصة في العربية التي استعمل فيها اللسان للتعبير عما يراد باللغة. وفضلا عن ذلك فإن لفظ لغة لم يرد في القرآن الكريم، بل ورد لفظ لسان وبنفس المعنى المراد من اللغة.
يشبه دوسوسير اللغة بسنفونية واقعها مستقل عن طريقة عزفها، والأخطاء التي قد يرتكبها العازفون لا تؤثر أبدا في هذا الواقع. ص31. ومع أن الإخلال بالنوتة الموسيقية في أداء السنفونية سيؤدي حتما إلى النشاز وعدم التناغم، فإن سلمها الموسيقي يبقى سليما. تماما كاللغة، حين يخطئ المتكلم في أدائه. فالخطأ يصيب تطبيق النظام، ولا يصيب النظام بحد ذاته.
ولذلك يمكن تشبيه اللغة، بشكل تقريبي، بنظام المرور، كما يمكن تشبيه الكلام بحركة المرور؛ حيث لا تؤثر أخطاء السائقين والمارة في طبيعة النظام ذاته، ولكنها تحدث خللا في تطبيقه، تماما كالذي يحدث عند اللحن في الكلام.إذ ينبغي لمستعمل الطريق احترام قواعد السير انسجاما مع ضوابط النظام، بينما يمكن التغاضى عن بعض المخالفات الاضطرارية التي تشكل استثناء بحكم الضرورة فتصبح مباحة ضمن إطارها المحدد، كسيارة الإسعاف أو الإطفاء مثلا، فإنها تصبح جزءا من النظام وضوابطه الاستثنائية. وهو ما نجده أيضا في تغاضي النظام اللغوي عن بعض مظاهر العدول الكلامية لأغراض مختلفة ومتنوعة. فهذه الانزياحات لا تعد لحنا في ظل المسوغات التي تبرر إباحتها، ومنها الضرورة الشعرية مثلا-وأما في حال غياب هذه المسوغات التي تبرر الخروج على ضوابط النظام فإن أي مخالفة لقواعد المرور سيترتب عليها خطأ يقتضي الجزاء، لما يحدثه من إرباك في حركة السير، وأي مخالفة لقواعد اللغة سيترتب عليها لحن يقتضي التصويب، لما يحدثه من خلل في عملية التواصل.
-الآنية والتزامنية:
يعتبرمبدأ الآنية- وهو مصطلح ذو دلالة زمنية لغةً- الإطار المنهجي والموضوعي الذي يحدد الحيز الزماني والمكاني للظاهرة اللغوية، كما أنه المِفصَل الأساسي في عِلمية الدرس اللساني عند دو سوسير، بما يتطلبه من ضرورة حصر-ولو من قبيل التصور النظري الافتراضي-العينة اللغوية المراد وصفها، باعتبارها-كما يقول مارتينيه-نقطة استقرار قصيرة لا وجود لها في الواقع.[xxix]
ففي ظل واقع لغوي متغير بتغير الحياة الاجتماعية يصبح التمايز اللغوي الحاصل من هذه التغيرات بدوره محطة أخرى للدراسة التاريخية المقارنة؛ بحيث يقتضي كل طرف في هذه الثنائية منهجا علميا مناسبا للدراسة اللسانية موضوعيا ومنهجيا. إذ بمقتضى هذه الثنائية تكون التزامنية(التعاقبية)حصيلة لتراتب الآنيات بما يجسّد مبدأ التغير اللغوي مع مرور الزمن. وعليه فإنه كلما كانت هذه الآنية أكثر انحصارا زمانا ومكانا كانت مظاهر التغيير أقل حدوثا، وكلما طالت ازدادت وتراكمت بحكم توالي التغيرات والتبدلات في أداء الأفراد وانتشارها في الاستعمال بحكم التداول الاجتماعي.
ولعل هذه الثنائية التي أثارها دو سوسير من أكثر الثنائيات اصطداما بواقع الدرس اللغوي العربي القديم، ليس من ناحية المبدأ أو دلالة مفاهيم المصطلحات، أي الآنية وما تفترضه من استقرار أو التزامنية وما تعكسه من تغير وتطور، بل من ناحية الأهداف والغايات فقد كان الغرض لدى دو سوسير واتباعه من تحديد المجال اللغوي آنيا، في الزمان والمكان هو الحصول على نموذج لغوي مستقر- ولو افتراضا- استنادا إلى أهداف علمية محضة لاستكشاف نظامه اللغوي، ثم تتبع مظاهر التغيير فيه بتعاقب الآنيات. وفي كلتا الحالتين تبقى الدراسة اللسانية علمية في منطلقاتها وغاياتها. مع العلم بأن مبدأ التحديد هذا يرتبط بمعيار السلامة اللغوية، بحيث قد تظل اللغة لمدة طويلة نسبيا دون تغير ملحوظ، خاصة في المستوى التركيبي الذي يكون أكثر ثباتا وأقل عرضة للتغيير، خلافا لمستوى المعجم والمفردات.
أما علماء العربية فقد كانت منطلقاتهم متصلة أساسا بأسباب وغايات تتداخل فيها جملة من العوامل التي أدت إلى نشأة الدرس اللغوي لديهم؛ بحيث امتزج فيها الديني بالعلمي فجاء مبدأ الحفاظ على لغة القرآن الكريم، بمحاربة اللحن، وعصمة اللغة منه، على رأس أولوياتهم. فقد كان عملهم الذي أنجزوه ابتكارا وإبداعا في تجسيد جملة من خصائص المنهج العلمي التي إن لم تكن مقصودة لذاتها فهي على أقل تقدير حصيلة للتفكير العلمي السليم منطقيا، وجهد خالص في البحث عن المعرفة العلمية. بدليل وضعهم لمصطلحات عربية الأصل والمنبت، علما بأن التجربة الإنسانية أثبتت بأن أي نهضة حضارية في بدايتها لدى أي أمة من الأمم لابد أن تستعين بجهود الأمم الأخرى في مجال المعرفة. وهو ما تخالفه مصطلحات القدماء في علم العربية، وتتفق معه مصطلحات الدارسين العرب المحدثين، وما يعترضها من مشكلات الوضع والترجمة.
وإذا رجعنا إلى ابن جني بشأن ثنائية الآنية والتزامنية فإننا يمكن أن نستخلص موقفه من خلال تتبع عدد من المقولات التي عبر عنها في حديثه عن الأصول النحوية. ومن ذلك ما سبق أن أشرنا إليه من تحديد علماء العربية الأوائل للغة الاحتجاج زمانا ومكانا، وفقا لمبدأ السماع الذي يشير إلى اعتمادهم اللغة المنطوقة في سبيل الوصول إلى اللغة المكتوبة، بينما سارت اللسانيات الغربية في اتجاه معاكس انطلاقا من اللغة المكتوبة لتصل إلى اللغة المنطوقة. وهو ما يعد، من ناحية المبدأ، سبقا علميا مشهودا لعلم العربية، وإجراء منهجيا مبتكرا ينطبق تماما على ما يقصد به في اللسانيات الحديثة بالآنية وإن كان المدى الزماني- والمكاني أيضا- قد امتد إلى حدود تربو على ثلاثة قرون من الاستعمال اللغوي، في الاحتجاج النحوي. وهي مدة لا شك أنها طويلة جدا لا تتفق مطلقا مع ما ذكره دي سوسير بشأن نقطة الاستقرار القصيرة القائمة أساسا على التصور الافتراضي.
فتصور مقطوعة آنية يعد أمرا ضروريا، وهو نقطة استقرار قصيرة لا وجود لها إلا في البعد النظري داخل نظام متنام؛ بحيث يطرح الإشكال الآتي:كيف يمكن لنظام مثالي مستقر في التصور النظري أن يكون نقطة انطلاق للتطور الذي يعني التغيير؟[xxx]بحيث قد يبدو على هذا المبدأ شيء من التعارض منطقيا، بجعل الحالة السكونية منطلقا للحالة المتغيرة.
وفي مقابل ذلك فقد شملت المدونة اللغوية العربية القرآن الكريم بخصوصيته المتفردة، ومادة غزيرة من كلام العرب الفصيح شعرا ونثرا، مما نقل عنهم سماعا حتى منتصف القرن الثاني في الاحتجاج النحوي، ووصولا إلى أواخر القرن الرابع في الاحتجاج اللغوي. وقد سلك ابن جني في ذلك سبيل التفريق بين اللفظ والمعنى في إقرار صحة الاحتجاج بكلام القدماء لفظا ومعنى، وكلام المحدثين والمولّدين بعد القرن الثاني معنى فقط؛ لأن المعاني يتناهبها المولّدون كما يتناهبها المتقدمون. (الخصائص 1/24 وفي اصول:16)
وبذلك تبدو المدونة اللغوية محكمة الغلق من جهة اللفظ، ممثلا في هياكله النظامية، سلسة الفتح من جهة المعنى، ممثلا في الأغراض والدلالات-وإن كان القصد في الغالب باللفظ هنا نظام التركيب النحوي- غير أن ابن جني أسبغ على هذا الجانب قدرا من المرونة، بحيث لم يكن يخفي إعجابه بشعر المحدثين المعاصرين له كالمتنبي مثلا، مستأنسا بمعانيهم وأغراضهم. ولم يقف عند هذا الحد بل إنه في تصوره الافتراضي يرى بأن المدونة يجب أن تبقى مفتوحة لو تسنى للمتكلمين المحافظة على صحة العربية وفصاحتها؛ إذ يقول عن مسألة الأخذ عن أهل البادية، وترك الأخذ عن أهل الحاضرة:وعلة امتناع ذلك، ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل. ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر. وكذلك أيضا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها لوجب رفض لغتها وترك تلقي ما يرد عنها.[xxxi]
فالمسألة عنده إذاً تتعلق بمبدأ النموذج اللغوي المشروط بخاصية الفصاحة ضمن المعايير التي حددها النحاة باستقراء كلام العرب. وأعتقد هنا أنه يقصد النظام اللغوي للفصحى؛إذ المطلوب من المتكلم أن يجري كلامه على مجاري العرب في كلامهم ويحذو حذوهم وينتحي سمتهم.فإذا فعل ذلك كان منهم. وقد لخّص ذلك في تعريفه للنحو بقوله:هوانتحاء سمت كلام العرب في تصرفه، من إعراب وغيره...ليلحق من ليس من أهل العربية بأهلها في الفصاحة، فينطق بها وإن لم يكن منهم، وإن شذ بعضهم عنها ردّ به إليها.[xxxii]
لم تكن المسألة لديهم إذاً تتعلق بمطلب منهجي مجرّد ممثّل في عصر الاحتجاج والوقوف عنده زمانا ومكانا، كما قد يُتصور، بقدر ما تتعلق بشرط توفر الملكة اللسانية لدى المتكلم بما يثبت مقدرته اللغوية على احتذاء كلام العرب أداءً. فابن جني يؤكد حرصه على إثبات وجود عاملين متميزين في هذه المسألة، أحدهما يتعلق بنظام اللغة ذاتها، وثانيهما يتعلق بمقدرة المتكلم اللغوية. ويورد قول أبي عثمان المازني أن"ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؛ألا ترى أنك لم تسمع اسم كل فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره.فإذا سمعت:قام زيد، أجزت:ظرُف بشر، وكرُم خالد."[xxxiii]والسماع يفضي إلى القياس.
فعملية إنتاج الكلام ترتبط أساسا بمبدأ القياس على الأنماط والنماذج النحوية المسموعة؛ولا مجال إذاً للتغيير فيها، من ناحية الشكل والبناء، لاجتماع العرب على لغتها في الأصول، كرفع الفاعل ونصب المفعول والجر والنصب والجزم بالحرف. وأما الخلاف فهو في شيء من الفروع يسير، كإعمال(ما) الحجازية وترك ذلك في التميمية، وهو على الوجهين قياس، لتداخل لغات العرب وتركُّبها، وأحوالهم في ذلك مختلفة في تلقي الواحد منهم لغة غيره. فمنهم من يخفّ ويسرع في قبول ما يسمعه، ومنهم من يستعصم فيقيم على لغته ألبتة، ومنهم من إذا طال عليه تكرر لغة غيره عليه لصقت به، ووُجِدت في كلامه. وكذلك ما أعرب من أجناس الأعجمية قد أجرته العرب مجرى أصول كلامها كقولهم:طاب الخُشكُنانُ؛ لأنك بإعرابك إياه قد أدخلته كلام العرب.الخصائص1/243و244و275و283.
ومع ذلك يذكر ابن جني بأن مبدأ القياس هنا يستمد شرعيته من العرب لا من الإعراب، حيث يقول: "إذا تركت العرب أمرا من الأمور لعلة داعية إلى تركه وجب اتباعها عليه، ولم يسَعْ أحدا بعد ذلك العدول عنه." (الخصائص1/262و275)كما يذكر أيضا أن العربي إذا قويت فصاحته، وسمت طبيعته تصرّف وارتجل ما لم يسبقه أحد قبله به. وإن كان التصرّف ضمن حدود أقيسة المسموع. وهو يأخذ برأي أبي علي الفارسي فيما وافق كلام العرب وفيما عُدل به عنه في قوله: "كما جاز أن نقيس منثورنا على منثورهم، فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم. فما أجازته الضرورة لهم أجازته لنا، وما حظرته عليهم حظرته علينا." (الخصائص1/323و324-329)
ومن هنا لم يفرق النحاة العرب في الفصحى بين القرآن واللهجات، بل بين اللهجات ذاتها، مما أدى إلى اختلاف الآراء، كما أدى جمعهم بين لغة الشعر ولغة النثر-رغم إشارتهم إلى تمايزهما-إلى قواعد فرعية كثيرة.
كان لابد إذاً لمعرفة مقاييس العربية أن يدوّن كلام العرب ضمن حدود شروط الفصاحة التي استوثق منها علماء العربية المتقدمون، على أنه كما قال أبو عمرو بن العلاء: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلّه، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير." (الخصائص1/386)وفضلا عن ذلك فإن هذه المدوّنة تتصف بقدر كبير من المرونة في قابليتها للنمو عموديا، بزيادة الثروة اللغوية مفردات وتراكيب، قياسا على ما هوكائن من النماذج، اطرادا أو عدولا؛بحيث تستوعب اللغة كل جديد ومحدث في حياة المجتمع وبأدوات وآليات النظام اللغوي نفسه.
ومن خلال عرض آلية عمل الأصول النحوية-خاصة- السماع والقياس، في تراثنا العربي يتضح جليا أنه لا فرق جوهريا بين ما ذهب إليه ابن جني، وبين ما دعا إليه دو سوسير في تحديد طبيعة اللسانيات باعتبارها علما وصفيا لا اختصاصا تقعيديا.(مبادئ في قضايا اللسانيات، ص18)وهو مبدأ ينطبق على اللغات عموما، نظرا لعدم استقرار نظمها، واستمرار تغيرها، مما يعطي مسألة الآنية قيمتها الحقيقية، ويجعل من الضروري جدا تطبيق المنهج الوصفي عليها، ثم عقد المقارنة تاريخيا بين الآنيات المتعاقبة لرصد حركية التغيرات فيها.
أما نحاة العربية فقد اتجه حرصهم منذ البداية إلى استقراء المدونة اللغوية لعصر الفصاحة على طول امتدادها زمانا واتساعها مكانا. واستكشاف نظام العربية الذي بقي سائدا منذ ذلك التاريخ إلى اليوم بشواهده وأمثلته، بينما طرح ما خالفه جانبا ولم يُعبأ به، وتُرك لمجالات علمية أخرى كفقه اللغة الذي يمكن أن يعنى بغير الفصحى من اللهجات. غير أن اتساع الرقعة المكانية، بحيث ضمت قبائل عربية ذات لهجات متعددة، واتساع المدى الزمني ليصل ثلاثة قرون يجعل من مسألة الآنية هنا موضع نظر. ذلك بأن اللغة تكون قد عرفت جملة من التغيرات المتراكمة خلال هذه المدة الزمنية الطويلة. ويدل على ذلك كثرة مظاهر العدول التي يحفل بها النظام اللغوي للعربية، والتي عُدّت من مزاياه ومن محاسن انفتاحه، بما يتيحه للمتكلم من مساحات تعبيرية واسعة تضمن له الانسجام مع النظام، والبقاء دائما في حيّزه.
العلامة اللسانية:
يستند مفهوم العلامة عند دي سوسير إلى ثنائية الدال والمدلول؛ ردا على التعريف التقليدي للكلمة باعتبارها لفظا يربط بين اسم وشيء، حيث ذهب إلى أنها تربط مفهوما أو تصوّرا conceptبصورة سمعية image acoustiqueوليس المراد هنا الصوت المادي الفيزيائي بل ما يمثله في ذهن المتكلم والسامع من تصوّر نابع من الحواس، ويمثل لذلك بحديث الإنسان لذاته دون النطق كاستظهار عبارة ما. فالعلامة لديه هي كيان نفسي ذو وجهين، أحدهما التصور، ويسميه المدلول signifie’والثاني الصورة السمعية، ويسميها الدال signifiantوباتحادهما تنشأ العلامة اللغوية. ويكتسي هذا المفهوم بعدا سيميائيا أكثر مما هو لساني؛لأن السيمياء تدرس طبيعة العلامات اللغوية وغير اللغوية كالكلمات والحركات والصور وإشارات المرور وأضواء الملاحة البحرية والجوية وقوانينها المتحكمة في أبنيتها ووظائفها.(المبادئ اللسانية ص77)
فباتحاد الدال والمدلول تنشأ علاقة عرفية اجتماعية يحكمها مبدأ المواضعة؛ إذ لا صلة طبيعية غالبا بين التصور(المعنى)وبين الصورة السمعية(اللفظ)نحو:حجر، إذ لو كان الأمر كذلك لما اختلفت اللغات الإنسانية؛ مما يجعل صفة الاعتباطية والجزافية تقع على الاختيار لا على العلاقة الناتجة عنه. وهو ما يبرر اختلاف اللغات (المبادئ اللسانية ص79)ومبدأ الاعتباطية هنا ينطبق على أصل الوضع واختيار مبنى ما لمعنى ما في البداية ثم نشوء علاقة عرفية بالاستعمال؛ بحيث تصبح العلاقة بين الدال والمدلول عرفية مع أن الاختيار في الوضع كان اعتباطيا. ويسمي بنفنيست العلاقة هنا بالتلازم الذي يحصل في أذهان الناطقين باللسان الواحد من انطباق علامة ما دون غيرها على شيء ما دون غيره.(problemes de linguistique generale p52والمبادئ اللسانية ص80ومبادئ في قضايا ص22)
ويربط دو سوسير مسألة الاعتباطية هذه بمبدأ العلية في تفسير الظاهرة مميزا بين نوعين منها: اعتباطية جذرية مطلقة تتعلق بأصل الوضع في العلامات اللغوية مما هو غير قابل للتعليل في النسبة الغالبة من العلامات. واعتباطية نسبية تتعلق ببعض العلامات القابلة للتعليل كالألفاظ المحاكية للأصوات، وهي نوع من الألفاظ قليل، ولا يملك القدرة على الصمود أمام قوة واطراد مبدأ الاعتباطية غير المعلّلة في كل اللغات.
وقد أسس هذا الاعتقاد لنوع من القطيعة بين اللغة والفكر. ففي غياب العلاقة السببية التي يمكن أن تفسر العلاقة الذهنية بين الدال كشكل لغوي والمدلول كتصور عن الكيان المادي في العالم الخارجي حدث هذا الانفصال، واتجه الاهتمام إلى البحث في خصائص النظام. فلفظ(قلم)باعتباره مكونا لغويا تختلف خصائصه الشكلية من صوتية وتصريفية وتركيبية ودلالية عن خصائصه المادية الطبيعية. ويبرر البنويون انغلاق النظام بعدم التطابق بينه وبين عالم الأشياء. غير أن بعض هذه المكونات الشكلية ذات الدلالات التجريدية كالضمائر قد تلجئ النظام أحيانا للانفتاح على العالم المادي لتفسير دلالاتها المرجعية في الخطاب، مما يستوجب تفاعلا بين نظام اللغة والعالم الخارجي. وفي غياب ذلك فإن النظام يقف عاجزا عن الوفاء بمطالب التفسير، معبرا بذلك عن عدم كفايته التفسيرية.
ويذهب ابن جني إلى أبعد من ذلك فيربط مشكلة اللفظ والمعنى بمسألة نشأة اللغة. فالتفكير في أصل اللغة بين الوضع (الاصطلاح)وبين الوحي (الإلهام)هو مقدمة للبحث في طبيعتها، ولذلك كان هذا من أوليات البحث اللساني. ولعل أهم ما يميز تفكيره بهذا الشأن هو التردد والتذبذب الذي يمكن أن ينتاب أي باحث عن أصل اللغة الأول في تاريخ لغات البشرية. وهو ما حمله على القبول والمزاوجة بين الموقفين. قال: "قد تقدم في أول الكتاب القول على اللغة أتواضع هي أم إلهام؟وحكينا وجوّزنا الأمرين جميعا، وكيف تصرّفت الحال؟وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها؟فإنها لابد أن يكون وقع في أول الأمر بعضها ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه لحضور الداعي، فزيد فيها شيئا فشيئا، إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليفه." (الخصائص2/145و146).
فأصل اللغة في البدء إذاً كان وحيا وإلهاما، ولاستحالة وقوع الاصطلاح على أول اللغات من غير معرفة من المصطلحين بعَيْن ما اصطلحوا عليه. (المزهر1/27)لقوله تعالى: (وعلّمَ آدَمَ الأسماءَ كُلَّها)البقرة:16. ثم تلاه الوضع العرفي بعد ذلك. وقد فسر ابن جني معنى (الكل)هنا على أنه جميع اللغات من عربية وفارسية وسريانية وعبرانية ورومية وغيرها، فكان آدم عليه السلام وولده يتكلمون بها، ثم تفرّقوا في الدنيا وعلِق كل منهم بلغة من تلك اللغات فغلبت عليه، واضمحل عنه ما سواها لبعد عهدهم بها.1/40والحقيقة أنه حين يصدركلام من هذا القبيل من عالم متميز في تراثنا اللغوي كابن جني فإنه يدعو للاستغراب؛ لأنه إذا كان منطقيا وطبيعيا أن يُتصوّر ظهور اللغة في البدء وحيا وإلهاما من الله تعالى بالنظر إلى الوجود الاستثنائي لآدم خارج الإطار الاجتماعي الذي يؤهله ويمكنه من آلة التواصل فإن ما لا يسنده المنطق والعقل هو احتمال تواصله مع ولده بجميع اللغات ثم نسيانهم إياها بعد ذلك بفعل التفرق. وهذا ضرب من الخيال. والأقرب للحقيقة العلمية أنه عُلّم لغة واحدة وحياً وإلهاماً هي اللغة الأولى الأم التي انبثقت عنها كل اللغات بعد ذلك بفعل التفرّق.
ومع كل ذلك فقد حاول ابن جني في أبواب متفرقة من كتابه كـ "تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني" و"إمساس الألفاظ أشباه المعاني"معالجة هذه المسألة من خلال تناوله لقضية اللفظ والمعنى في العربية مُقلِّبا وجوه النظر في ثناياها وأنحائها لما كان يقدح في ذهنه من خواطر، ويتوارد على فكره من لمحات تكاد تقنعه بوجود المناسبة بينهما. إذ يقول في باب تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني: "هذا غور من العربية لا يُنتصف منه ولا يكاد يحاط به، وأكثر كلام العرب عليه-وهو ما يختلف هنا ما ذكرناه عن دو سوسير بشأن تفريقه بين الاعتباطية الجذرية، وهي الغالبة، والاعتباطية النسبية، وهي القليلة-وإن كان غُفلا مسهوا عنه... ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: (ألم ترَ أنَّا أرسَلْنا الشَّياطينَ على الكافِرينَ تَؤُزُّهُم أزّا)أي تزعجهم وتقلقهم. فهذا في معنى تهزهم هزا. والهمزة أخت الهاء. فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء، وهذا المعنى أقوى في النفوس من الهز؛لأنك قد تهز ما لا بال له كالجذع وساق الشجرة، ونحو ذلك. ومنه العسْفُ والأسف، والعين أخت الهمزة، كما أن الأسف يعسف النفس وينال منها، والهمزة أقوى من العين، كما أن أسف النفس أغلظ من التردد بالعسف، فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين.
ويقول في ذلك أيضا: "فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع، ونهج متلئب عند عارفيه مأموم. وذلك أنهم كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبّر عنها فيعدّلونها بها ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدّره وأضعاف ما نستشعره. "ومن ذلك قولهم:خضم وقضم. فالخضم لأكل الرطب كالبطيخ والقثّاء وما كان نحوهما، والقضم للصلب اليابس، نحو:قضمت الدابة شعيرها. فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس، حذواً لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث. (2/157).(الخصائص2/149و150)
وفي عبارة له واضحة وجلية في هذا الشأن من تقرير علاقة اللفظ بالمعنى يقول: "وذلك أنهم جعلوا هذا الكلام عبارات عن المعاني، فكلما ازدادت العبارة شبها بالمعنى كانت أدل عليه وأشهد بالغرض منه." 2/154ومن ذلك أنهم جعلوا تكرير عين الفعل دليلا على تكرير الفعل، نحو كسّر وقطّع وفتّح وغلّق. فلما جعلوا الألفاظ دليلة المعاني خصّوا أقوى اللفظ لأقوى المعاني. وكذلك الأفعال لما كانت دليلة المعاني كرروا أقواها وجعلوه دليلا على قوة المعنى المحدّث به، وهو تكرير الفعل، كما جعلوا تقطيعه في نحو صرصر وحقحق دليلا على تقطيعه. وفسّر ذلك بمساوقة الصيغ للمعاني. 2/155
ولا يخفى ما في عمله هذا من محاولة البحث عن جهات اتصال اللفظ بالمعنى في أصل الوضع، ولم يدخر جهدا في سبيل إقناعنا بوجود ذلك الخيط الرفيع من العلاقة المنطقية والصلة العقلية بينهما والذي يبرز ظاهرا أحيانا، ويكاد ينطمس أحيانا أخرى. بل إنه يصل حدا يستغرب فيه أن يبقى لأحد بعد ذلك شبهة، أو أن يعرض له شك فيه.
فالمسألة إذاً من ناحية المبدأ تشكل ظاهرة لغوية لها امتدادها في جذور اللغات الإنسانية على تفاوت بينها نسبيا.حيث نلاحظ هذا التفاوت الكبير بين ما ذكره ابن جني بشأن تعميم هذه الظاهرة على العربية، إلى الحد الذي يكاد يجعل فيه العلاقة بين اللفظ والمعنى سببية ومعلّلة يمكن للعربي أن يتحسسها، كما يمكن للأعجمي أن يستشعرها أيضا، إيمانا منه بأنه يقف وراء هذا التقارب العميق بين السمات الصوتية والملامح الدلالية للفظ إحساس مرهف يقوم بنسج لحمة المعنى على سداة اللفظ. خلافا لما ذكره دو سوسير بشأن تمييزه بين الاعتباطية الجذرية المطلقة، وهي النسبة الغالبة المطردة من العلامات في اللغة، وبين الاعتباطية النسبية المحدودة انطلاقا من مبدأ العلية، في فهم الظاهرة. إذ لو كان الأمر على ما ذكر ابن جني لما اختلفت اللغات، ولكانت لغة إنسانية واحدة.
غير أن ابن جني في الحقيقة لم يكن يهدف إلى التعليل لهذه العلاقة بقدر ما كان يسعى إلى تفسير الظاهرة بالبحث عن خبايا الحس الفطري المشرب بروح العقلانية لدى واضعي العربية منذ القدم. فاعتباطية العلامة إذاً تتعلق لديه بالدلالة المعجمية التي هي نتاج العرف الاجتماعي، والناتج بدوره عن الاستعمال والتداول. وهو أمر لا خلاف فيه بين اللغات. وأما ما يمكن أن نسميه بدلالة الحس اللغوي للفظ فهي تتأتى من أصل وضعه، لجعلهم-كما قال- الألفاظ دليلة المعاني، بحيث تكون مساوقة لها قوة وضعفا. قال: "وهذا أمر تراه محسوسا محصّلا"2/163. غير أن تحصيل هذا الإحساس إنما يتأتى في الواقع من ملكة اللسان. فلا يبعد أن يكون وضع الألفاظ في أي لغة من اللغات نابعا من حس داخلي لا يدرك كنهه إلا العارفون بأسرار تلك اللغة، فضلا عما كان ابن جني نفسه يشعر به من تقدير عميق للعربية باعتبارها لغة القرآن الكريم. ولعل ذلك ما جعله يغوص في أعماقها مرددا البحث عن هذه الميزة، ومستعرضا خصائصها من كل جانب.
ولعل ابن جني هنا كان يبحث عن هذا الرابط العميق بين اللغة والفكر حتى وإن لم يكن ظاهرا في العلاقة العرفية الاجتماعية بين اللفظ والمعنى. خلافا للبنويين الذين لا يرون وجود هذه الصلة أو أنهم يرجعون ذلك إلى الاعتباطية. حيث كان تركيزهم على استكشاف النظام، مع إهمال الأداء والإنجاز الفردي، سعيا للوصف الدقيق لتحقيق صفة العلمية للسانيات، الأمر الذي أدى إلى انغلاق النظام بداعى الصرامة العلمية والالتزام بالوصف والتصنيف دون محاولة التفسير. وحتى إن وجدت فقد بقيت حبيسة الشكل مغفِلة كل ما لا يمكن تمثيله في التركيب كالمستوى النحوي، وكالمعنى، فاقتصرت دراستها للجملة على الدلالة الشكلية (دكتوراه 782)
وكان تحليل النحاة للجملة يجمع بين الشكلية والوظيفية وبين معطيات النظام وما هو خارج النظام استنادا إلى نظرية العامل بما تنطوي عليه من افتراض ما هو غير ممثل في التركيب أحيانا، بينما حلل البنويون الجملة على أساس منطلقات تركيبية تتصل بتقسيم الكلمة ولا تنفصل عنه، وبصورة تجزيئية تصنيفية، بالإضافة إلى مسألة انغلاق النظام التي حدت من قدرتهم على تناول بعض الظواهر التي عالجها تلامذة هذا الاتجاه فيما بعد. ونسب نحاة العربية والبنويون للبنية الصرفية وظائف تركيبية، حيث تفرق كثير من ملاحظاتهم الصرفية على أبواب النحو(ولعل ذلك ما يفسر التداخل الذي نجده في التراث النحوي بين مباحث الصرف ومباحث النحو، إلى الحد الذي أصبح معه علم النحو يتضمن الصرف)يمكن القول إن النظام عند النحاة العرب منفتح لأنهم بحثوا في مسائل نصية كالمقام والمخاطب وسياق القول والحال وبعض الظواهر كالفصل والوصل والإحالة وغير ذلك.
وهو ما لم يتح للبنويين الذين قيدوا أنفسهم بصرامة المنهج مما وسم أعمالهم بالقصور. ومع أن أبرز خدمة قدمها البنويون للسانيات هي أنهم جعلوا منها علما محدد الموضوع والمادة وانتهجوا فيها منهج العلوم الدقيقة. لكنهم حولوها إلى عمل آلي عجز عن تفسير كثير من الظواهر التركيبية. كما عزلوا اللغة عن الكلام في البحث لتركيزهم على النظام دون الأداء الفردي والإنجاز.
وهو ما يضع نصا متميّزا كالقرآن الكريم أمام إشكالية معالجته لسانيا بين كونه كلاما أي إنجازا فرديا، باعتباره صادرا من الله تعالى الواحد الأحد، وبين كونه نصا نموذجيا، ونسخة مطابقة لواقع الكلام المتداول اجتماعيا على نطاق واسع من البيئة التي نزل فيها، والتي كان الرسول(ص)أحد أفرادها، مما يجعل من هذا النص نسخة من اللسان العربي، كما في قوله تعالى: (وما أَرسَلْنا من رسُولٍ إلاّ بلِسانِ قَومِه ليُبيِّنَ لهَم) إبراهيم4وقولهوهذا لِسانٌ عَربيٌّ مُبين)النحل 103وقوله (إنّا أَنزَلناهُ قُرآناً عَربياً)يوسف2ثم وصفه بالاستقامة (قُرآناً عَربياً غَيرَ ذِي عِوَجٍ) الزمر28ومعنى العوج هنا أنه لا يحتمل الخطأ بجميع أصنافه، أي اللحن بمعيار الخطأ الفردي في الكلام، من تعارض أو تناقض أو اختلاف أو سهو ونسيان أو قصور في التعبير، بل على العكس من ذلك فقد شكل هذا النص معجزة لسانية بهرت الإنس والجن كما في قوله تعالىفقَالُوا إنّا سَمِعنا قُرآناً عَجَبا)الجن 1وعجزوا أن يأتوا بسورة من مثله.
إن تباين الخلفيات المعرفية لكلا المنهجين أثّر بشكل أساسي في اختلافهما، بحيث كان لهدف الدراسة من ناحية المبدأ أثر عميق في رسم منهجها. فالمنهج اللساني البنوي الأوربي فقد بني من الأساس على الفصل بين ما هو اجتماعي وما هو فردي في سعيه لتحديد النسخة الاجتماعية ممثلة في اللغة وبين النسخة الفردية ممثلة في الكلام. ولذا كان التركيز لديهم على النظام، أي على ما هو اجتماعي، ومن ثم الحكم على مدى مطابقة الفرد لمطالب النظام. وهو ما يعبّر عن مدى تأثير التيار السوسيولوجي لدوركهايم في تفكير دي سوسيروتيار علم النفس الاجتماعي لتارد tardeبتغليب الوعي الجمعي على الوعي الفردي.فالدراسة النحوية كانت تهدف لخدمة القرآن الكريم والحفاظ على لغته من اللحن (التغير)وتمكين المسلمين من أدائه دون خطأ، مما استوجب عليهم انتقاء المادة (الشكل)اللغوية وتحديد الزمان والمكان المرتبطين أساسا بزمان نزول القرآن الكريم دون تجاوز ذلك مهما تقدم الزمن وطال، ثم وصف ذلك وتفسيره والارتقاء من دراسة الشكل إلى دراسة المعنى، ومن دراسة الجملة إلى دراسة النص، واستعمال التأويل والقول بالحذف ومراعاة عناصر خارج التركيب(781)فضلا عن تأثر منهجهم أيضا بخلفيات معرفية أخرى كالمنطق خاصة عند المتأخرين منهم، وما أحدثه التعليم أيضا من أثر في منهجهم من تداخل في الأهداف بين العلمية والتعليمية فبلغ بهم الأمر أحيانا حد قياس أمثلة ليتدرب عليها المتعلمون، ولم يكن لها نظير في كلام العرب، كما قال ابن السراج.[xxxiv]فضلا عن روح القداسة الذي يتميز به القرآن الكريم، ومن ثم المدوّنة اللغوية من كلام العرب، والتي شكّلت رافدا لغويا له، حيث حازت هي الأخرى قدرا من التقديس في بنائها اللغوي-بغض النظر عن مضامينها الدلالية-باعتبار القرآن الكريم قد صيغ صياغة إلهية ولكن وفقا لموازين كلام العرب، أي طبقا لنظام اللغة العربية التي كانت متداولة اجتماعيا. وهو ما حفظته لنا نصوص العربية من أشعار وخطب وحكم وأقوال كانت سائدة قبل نزول القرآن الكريم وبعده بزمن ليس يسيرا- امتد إلى حوالي قرنين بعد الهجرة نحويا وأربعة قرون لغويا-وقد عُدّ ذلك وسيلة أساسية في تدبّر آيات القرآن الكريم وضمانة للفهم السليم له.
فاستحضار المادة اللغوية الأولية بدءا بالأصوات التي هي المادة الخام للتشكيل اللغوي، والمفردات بدلالاتها المعجمية والسياقية، والتراكيب بأنماطها ونماذجها وأساليبها، فضلا عن الاستعانة بسياقي المقام والمقال، وما سمي بأسباب النزول، كل ذلك كان الوسيلة الضرورية لفهم الخطاب القرآني، وبدون ذلك لا يمكن الاطمئنان إلى أي محاولة في عالم تدبّر القرآن الكريم؛ لأن ذلك سيكون مجازفة فكرية لا تستند إلى أي أساس موضوعي أو منهجي. ومن هنا برزت في تراثنا مسألة أهمية المدوّنة اللغوية منذ بداية بزوغ ملامح التفكير العلمي واللغوي في تاريخ علوم العربية، وفي مقدمتها مسألة فهم القرآن الكريم.


[i] - طبقات النحويين واللغويين،ص32،والمصطلح النحوي نشاته وتطوره، ص7-21وتطور مشكلة الفصاحة، ص22.

[ii] - المزهر1/4-6 و43

[iii]- منها الديني والقومي والسياسي. انظر:الأصول،د. تمام حسان، ص 22- 29 وتطور مشكلة الفصاحة،ص8.

[iv] - تطور مشكلة الفصاحة، ص 19.

[v]- إذ تعتمد التعليمية على النموذج النمطي بتحديد المستوى اللغوي الذي يراد تقديمه للمتعلمين، من خلال ضبط
منظومتهالصوتية والصرفية والنحوية ورصد ذخيرته اللغوية معجميا ودلاليا.

[vi]-حيث تنفرد العربية بين سائر اللغات بتداخل العامل الديني والعامل اللساني وانسجامهما في الدرس العلمي إلى الحد
الذي لا يمكن معه الفصل بينهما بأي حال من الأحوال؛ونتج عن ذلك تكريس جملة من المفاهيم التي لم يعد ممكنا
فهمها أو استيعابها خارج هذا المعطى الفكري، كمفهوم اللحن ذاته، ومفهوم الفصاحة، فضلا عن تعلق مجموع المبادئ
والأصولالنحوية بهما، من سماع وقياس وغيرهما.

[vii]- العربية (هنري فليش) ص14.

[viii]- الخلاصة النحوية ص15 والثوابت والمتغيرات ص8.

[ix]-وبالنظر إلى سعة رقعة انتشار العربية وتواصل استعمالها على مدى قرون- منذ الجاهلية حتى أواخر القرن الرابع
الهجري فإن هذا بحد ذاته يعد معجزة لسانية إذا ما قيس بالمعايير العلمية الحديثة التي تحدد النموذج اللغوي السكوني
ضمن إطار مكاني محدود تماما وزماني قد لا يتجاوز عقدا من الزمان، بالنظر إلى تسارع حركية التغيير وفقا لحاجات
المجتمع.

[x]-الأصول:تمام حسان،ص14-17والخلاصة النحوية،ص15و16ودراسات في علم اللغة صلاح حسنين،ص28

[xi] - الفصحى لغة القرآن، ص 62.

[xii] - اللغة بين المعيارية والوصفية، ص10و11و15و16.

[xiii] - الخلاصة النحوية، ص 15.

[xiv] - ينظر:ظاهرة التطابق النحوي في اللغة العربية ص25.

[xv] - ذكر السيوطي أنها:أيسر باعتبارها أصواتا عارضة للهواء الخارج بالتنفس الضروري الممدود من قبل الطبيعة
دون تكلف اختياري،وهي أفيد لأنها موجودة عند الحاجة معدومة عند عدمها، وهي أعم لأنها تصلح لتعبر عن
الأشياء الحسية والمعنوية خلافا لغيرها، بحيث لا يمكن أن يكون لكل شيء نقش، أو حركة أو إشارة. انظر: المزهر 1/38

[xvi] - رغم ما أشيع عنه في دراسات المحدثين بأنه كتاب في فقه اللغة، لاحتوائه موضوعات تندرج في دراستها ضمن
مجالاته.

[xvii] - الخصائص1/32

[xviii] - وهو يقصد هنا اللسانيات. انظر: اللسانيات وأسسها المعرفية، ص41.

[xix] - المرجع نفسه، ص42. وتعقيبا على ذلك يمكن القول بأن هذا ما يبرر قبول النقاد المعاصرين تأثرا منهم بمقولات اللسانيين لكثير من مظاهر الانزياح اللغوي التي قد تقع من المنظور النحوي ضمن دائرة الشذوذ أو اللحن.

[xx] - ونذكر من الدارسين المحدثين المستشرق برجشتراسر في كتابه: التطور النحوي للغة العربية، ودراسات في العربية لمجموعة من المستشرقين حررها وولف ديتريش فيشر.

[xxi] - وهو ما نكاد نلمسه في تصور بعض اللسانيين العرب المحدثين كالذي ذكرناه عن الأستاذ المسدي.

[xxii] - الخصائص1/243.

[xxiii] - مبادئ في قضايا اللسانيات المعاصرة، ص18.

[xxiv] - الخصائص1/33.

[xxv] - انظر:مناهج البحث في اللغة، ص 45 و64،وفي رأيه إن هناك صراعا دائما بين كلام الأفراد والنظام اللغوي الاجتماعي.

[xxvi] - الخصائص1/17.

[xxvii] - ينظر كتابه: مبادئ في التركيبية البنوية المعاصرة، ص 62، تعريب المنصف عاشور.

[xxviii] - ينظر: محاضرات في اللسانيات العامة، ص31 ومبادئ في قضايا اللسانيات المعاصرة، ص 18.

[xxix] - مبادئ في قضايا اللسانيات المعاصرة، ص18.

[xxx] - مبادئ في قضايا اللسانيات المعاصرة، ص20.

[xxxi] - الخصائص 2/5.

[xxxii] - الخصائص 1/34 والمصطلح النحوي نشأته وتطوره حتى نهاية القرن الهجري، ص7

[xxxiii] - الخصائص1/357 و1/114.

[xxxiv] - الأصول لابن السراج1/65.

******
كمال قادري, «مبادئ لسانية في التراث النحوي العربي كتاب الخصائص لابن جني- نموذجا مقاربة تأصيلية في ضوء المنهج البنوي الأوربي», مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية, العدد 16 ديسمبر

__________________


نبهات غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-06-2013, 02:55 AM   #2
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 68,843
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مبادئ لسانية في التراث النحوي العربي كتاب الخصائص لابن جني(نموذجا مقاربة تأصيلية في ضوء المنهج .

بارك الله تعالى فيكم

__________________



أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
الخصائص لابن جنى أبو يوسف مكتبة علوم اللغة العربية المصورة 15 24-05-2013 11:25 PM
الإبدال إلى الهمزة وأحرف العلة في ضوء كتاب سر صناعة الإعراب لابن جني أبو ذر الفاضلي مكتبة علوم اللغة العربية المصورة 4 15-04-2012 06:43 PM
التوجيه النحوي للقراءات الشاذة في كتاب المحتسب لابن جني أبو ذر الفاضلي رسائل في اللغة العربية وعلومها 4 04-12-2011 05:30 PM
الخصائص لابن جني كتاب الكتروني رائع عادل محمد مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 3 06-07-2011 01:03 PM
المنوال النحوي العربي قراءة لسانية جديدة أبو يوسف مكتبة علوم اللغة العربية المصورة 12 24-06-2011 12:13 AM


الساعة الآن »01:40 PM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd