روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-05-2009, 01:22 AM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي مطاردة النص: بين صور الاستحضار وأسلوبية التقمص نحو قراءة بديلة للشعر العربي؛ أبو حمو موسى الزياني ن

مطاردة النص: بين صور الاستحضار وأسلوبية التقمص
نحو قراءة بديلة للشعر العربي؛ أبو حمو موسى الزياني نموذجاً
أ/ أحـمـد حـاجـي
جامعــة ورقـلـة
تتجلى قراءة العمل الأدبي في طرائق تحليـل مكنوناته، واستكناه أبعاده النفسيـة والاجـتـماعية والتاريخيـة ; وتقتضي تذوقا جماليا يستقرئ قيم النصوص، وتقف على تجربة الاستحضار وأسلوبية التقمص حين ترى الوجود بنظرة الفنان ; ولعل أقرب قـراءة نراهـا تلامس النص (الأم)،هي قراءة تـتوقـف على المشاركة الفنية، إذ تنفي المطاردة الأبدية، كما تنفي الكثير من التأويل والقراءات اللامؤسسـة.
تعد التجربة الشعورية عنصرا هاما في تأسيس الخواص المميزة و المتفردة للعمل الأدبي، ولا تمثل في حد ذاتها العمل الأدبي نفسه ذلك أنها من مكونات النفس، ولا يصبح العمل أدبيا إلا إذا كانت هذه التجربة تبين لنا صورة الموحية، و تحدد لنا غايته التي يقصد إليها، وتجسد اللغة - في أي عمل فني- رؤية إلى الحياة فتأتي مكثفة تحمل شحنات من الفكر و العاطفة وتتجاوز واقعا معيشا لتكشف لنا عالما آخر وفضاء حيا بالصور والأفكار والتدفقات الشعورية في تلاحم وتماسك مستمر.
وتنشأ الصورة من اللغة و الأسلوب القائم على سلامة اللفظ ولينه مع سمو معناه ودقته « ... فإذا اتفق اللفظ في جماله مع الإبداع الفكري في أفاقه، استطاع أن يمتلك السمع والإصغاء والبصر والاستقصاء، ووقف الحس يضاعف إرهافه لينتقي ما يهيم به وما يحلق إليه» (1)، وفي هذا القول إشارة إلى تالف الألفاظ وانسجام معانيها، وما لذلك من دور التأثير في المتلقي الذي يشارك الكتاب إبداع النص وبالتالي إعادة تشكيل حالات المتلقي لإبداع نص جديد متوقف على المشاركة الوجدانية الواعية « ... وقد يعني مفهوم النشاط الخيالي الشعري إعادة تشكيل حالات المتلقي العاطفية، وبخاصة التعبير عما قد يصاحبه من تأثير أو لذة أو حالة انفعالية » (2).
وقد يتوقف مسار القراءة و بالتالي إعادة إبداع النص ما لم يكن - النص – زخما من الصور الفريدة و التي «...ما هي إلا تعبير عن حالة نفسية معينة يعانيها الشاعر إزاء موقف معين من مواقفه مع الحياة » (3) ، وتتجاوز هذه المواقف إلى صور تـتوقـف على نشاط الـذاكرة المتمثل في استعادة مدخراتـها و« ... ولعل الحنين إلى شخص أو مكان أو حدث أو نمط حياة معين يعتبر ظاهرة طبيعية، قوامها العادات والتقاليد التي تكونت لدى المرء، مما يترتب عنها الارتباط العاطفي بالمواضيع الماضية » (4)، وتصبح هده الصور الخارجية واقعا باطنيا يؤسس لتجربة شعورية متوقفة على ما ادخرته الذاكرة من شتي صور المعاناة والكآبة وما انطوت عليه من صور السعادة أيضا.
ولعل أية قراءة لا يمكن لها أن تبدع نصا اعتمادا على النص الأصلي ما لم تقف على جانب من تجربة الاستحضار: استحضار الواقع الذي عاشه الفنان بوجه عام و الشاعر على الأخص؛ وتجربة الاستحضار الزماني والمكاني هي محاولة أولى لتاصيل مفهوم القراءة الواعية، أو هي لحظات الإرهاص لتجربة القراءة المتميزة التي تلامس النص، وتخرج عن مطاردته المنطوية على كثير من التأويل ومحاولة القبض على بعض خيوطه، في اللحظة التي تحاول تحقيق قراءة ما بعد المطاردة يكون النص في نموذج اللامتوقع.
بهذا التأصيل نجد أنفسنا في هذه القراءة أمام اعتبارين :
1- الكاتب: تـختلف التجارب من كاتب إلى آخر ذلك لاخـتلاف الشخصيات والثقافـات والطـبائع، ويتفاوت الشعراء في الشاعرية والشعر كتابة أخرى للواقع ونظرة خاصة تحمل رؤية متميزة، وتجديد مستمـر للموجـودات الثابتـة وغير الثابتـة، ولعل هذا التجديد يقـف على صور يـدركها الإنسان إدراكا حسيا «... والإدراك الحسي هو الأثر النفسي الذي ينشأ مباشرة من انفعال حاسة أو عضو حاس، وهو يعني الفهم والتعقل بواسطة الحواس، وذلك كإدراك ألوان الأشياء وأشكالها وأحجامها وأبعادها بواسطة البصر » (5) ، ويبدو أن الوقوف على هذه المدركات يشكل لدى الشاعر - واع أو غير واع - صورا شتى من استحضار الصور البصرية كالأماكن والسمعية كنوح الحمام وغيرها من الصور الحسية.
2- القارئ: [المتلقي]: ولا نقصد المتكلم وإن كان هذا المتكلم هو أول من يتلقى النص، فالمتلقي [الخارجي] يشارك الشـاعر هذه الكتابة، ذلك أن القراءة الواعية هي إعادة بنـاء النص وفتح المغلق واكتشاف أغواره، وغلق المفتوح بوضع بصمات القراءة الفعلية لدرء الكثير من التأويل؛ والسؤال الذي نطرحه:
- ما هي القراءة المثلى التي تتجاوب مع النص وتقترب منه إلى الدرجة التي نتصور فناء ذات المتلقي بالنص؟
لعل محاولة الإجابة على هذه الإشكاليـة تدفعنا إلى اعتماد أسلوب جديد لتأسيـس نظرية جديدة لقراءة التراث، قد ندعوها أسلوبية التقمص؛ فالأسلوبية مصطلح لغوي حديث، يبحث في السمات والخصائص اللغوية وهناك تعريفات لا حصر لها - بوصفها علم قائم بذاته - تختلف باختلاف اتجاهات أصحابها، أما التقمص فهو اعتبار القارئ نفسه المنجز الأول للنص، و الوقوف على كل الظروف التي أحاطـت بـهـذا الإبداع، من ظروف خارجية أو نفسية علاوة على معرفة أفانين القول، ذلك أننا لا يمكن أن نتصور قارئا - نحسبه منجزاً أولا للنص أثناء القراءة - قاصراً على تمييز حسن الشعر من رديئه، و ادراكه لما وراء اللغة وما تزخر به من المعاني والتي يعبر عنها حازم القرطاجني بقوله: «... إن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان، فكل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه، فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في افهام السامعين وأذهانهم... » (6)، والعنصر الرئيس في هذا القول هو الإدراك ذلك أنه يجسد صور تمثل الحقيقة واستحضار الصور الذهنية وقوفا على الموجودات الخارجية.
وقد ارتأينا في هذا المقام أن نقف أمام القراءة الغائبة، وهي محاولة لقراءة الشعر العربي القديم على وجه أنسب، مفيدين من تجربة التقمص، ولا نعني بذلك أن يكون هذا النقد ذاتيا بل استحضار بيئة النص الاجتماعية والتاريخية والوقوف على التجربة الانفعالية في الخطاب الشعري، وتصور الموجودات وطرائق التعامل معها والتأثر بها، واقتصرنا على دراسة صورة الرحلة والطلل في شعر أبي حمو موسى الزياني.
- الرحلة والطلل: تمثل الرحلة عند العرب دلالة الحرية وفي معظم الأحيان نجد هذه الصلة الحميمة بينها وبين الطلل، وكأن هذا الأخير يمثل البداية المستمرة لرحلة اكتشاف جديدة والبداية تمثل واقعاً عاشه الشاعر مع مجتمعه، أما نهاية الوقوف على الطلل فهي الوقوف أمام المصير الإنساني، ويبدو أن إدراك الشاعر حجم هذه المرارة تدفعه إلى رحلة جديدة ومحاولة التخلص من صور اليأس والهروب من واقع مزر.
وتجربة أبي حمو موسى الزياني تكشف لنا سر هذه الرحلة، وكأنها محاولة لتجديد الحضور الإنساني، ونستشف ذلك حين يقول في إحدى قصائده:
خلت المعالم والطلول دوارس وذوي الرياض وكل ربع مزبل
والدار أمست بلقعا من أهلهـا يرثى عليها كـل طيـر أليـل
والورق نائحة على أغصانهـا نوح الشجي المـدنف المتعـلل
فسمعت هاتفة على أفنانهــا تشكو بصوت بين لـم يجـهـل
فنشدتها عن حالها فترنـمـت وبكت فأبكت صم صخر الجندل
قالت وأشواق النوى لعبت بها عن غيـر حالي يا ابن آدم فأسال
أو ما رأيت الروض أمسى مقفراً لعبت به ريح الصـبا والشـمأل
هاذي دياركم وهادي أرضكـم بالأمس قد كانوا بهـذا المنـزل
... لا بد من سوق النجوع مغربا حتى تكل متـونـها بالأحـمـل
... وترى الفوارس دائرات بالعدى تسقى لواردها نقيـع الحنـضـل (7)
فالشاعر في رحلته لتوطيد دعائم الدولة، يصور حالاته النفسية، في أوج أشجانها وأشواقها، ولا يقف أمام صور القفر لفترة أطول، ذلك أن هناك مكان أهم من ذلك، هو ساحة المعركة، ولعل أبرز ما يمثل أهمية هذا المكان قوله:
... لا بد من سوق النجوع مغربا حتى تكل متونها بالأحمل
وهو المكان المفترض: مفترض حين يتجاوز الشاعر صورة القفر، ليفترض صورة ما سيكون بعد المعاينة الحسية للمعالم والطلول الدوارس، ومفترض في طبيعة الخطاب الشعري، بما تتضمنه اللغة من طاقات التجربة الشعورية وما تضمنه من امكانات التجاوز؛ فوجود العدى في ساحة المعـركـة هو وجود زمكاني، وبـما أن من خصائص اللغة اختزال الزمان واختصار الأمكـنـة وطـي المسـافات، فإننـا نستـطيـع أن نلمس هذه الحركـة في صورتين، احداهما تتمثل في: تتبع حركة الخطاب الشعري في جانبها المشهدي.


وقد يتضح في هذا الشكل أن هناك فصل من الأطلال والطبيعة، فلا نقصد أنها ليست ظاهرة طبيعية، بل في حركة الانتقال والرحلة والبعد عن هذا الطلل نحو معالم أخرى والمشاهدة العينية للطبيعة، ومحاولة الشاعر في القبض على المطلق؛ أما الحركة الأخرى فهي تفسير الرؤيوي، تنطوي على البعد الوجداني والفكري للشاعر، حين نكشف أن هذه الحركة في تفسير الرؤيوي تنطوي على الصورة العكسية للصورة السابقة نتمثلها في الشكل:




وهذا الشكل يبين المطلق في صورتين هما المجد في نهاية المعركة والطلل كأقرب صورة طبيعية لـدى الشـاعر؛ وأمام تجربة الاستحضار نستطيع أن نلامس بعض خيوط المكان المفترض، وذلك أن الشاعر حين يقف أمام الطلل ويسائله ويصور مشاهد القفر، فهو في الوقت نفسه يرى أنه كان يفترض لهذا المكان أن يكون أهلا، كما كان يمكن للمجد أن يكون كذلك؛ فالرحلة مني في الحقيقة رحلة البحث عن المفترض والمطلق.
ويتبع المكان محوراً تصاعدياً أو حركة الانفتاح والإشراق نحو المكان الرحب، ونحن لا نزعم أن الأطلال هي أماكن مغلقة أو ضيقة بل العكس، فهي في حد ذاتها تصبح كذلك ما لم يخرج الشاعر إلى تفجير طاقاته وتفجير هذه اللغة وفتح المغلق، كما أن هذه الأطلال قد تكون المحور الرئيس في الخطاب، ومن ثم يكون المحور تنازليا يتجلى في أدق المكان كالأثافي و ما سواها.
وللمكان دلالات نفسية عميقة فهو: «.... في الشعر العربي القديم يمثل مخزونا نفسياً يثير إشكالات فلسفية تتجاوز الرؤية السطحية التي تقصر الدلالة الشعرية على المعنى الضيق، المعنى الوحيد .... » (8) ، ويتضح في هذا القول أن المكان هو الوجود الإنساني يعكس التمسك بالوجود، وإيحاءات نفسية تعكس صلة الإنسان بالجماعة.
ويقول أيضا في قصيدة أخرى:
تذكرت أطلال الربوع الطواسـم وقد مضى من عهدها المتقادم
وقفت بها من بعد بعد أنيسهـا بصبر مناف أو بشوق مـلازم
تهم بمغناهـم وتنـدب ربعهـم وأي فؤاد بعدهم غير هـائـم
تحن إلى سلمى ومن سكن الحمى وما حب سلمى للفتى بمسالـم (9)
ومشهد الرحلة في هذه القصيدة وجداني، نستشفه من وراء الخطاب الشعري، ذلك أن الوقوف على الطلل يمثل: أبعاداً ثلاثة: أولها: يبدأ برحلة شاقة تنتهي لحظة الوقوف أما صور الموت، أما البعد الثاني فـيتجلى في الوقوف ذاته على هذه الديار الخالية، واستحضار شتى صور الوجود الإنساني الغائب، وكان هذا الاستحضار هو رحلة في حد ذاتها نحو الخصب والحياة وما فيهما من صور الطمأنينة، أما البعد الأخير فيمثل هاتين الرحلتين معاً حين يتجاوز الشاعر كل ذلك نحو رؤية تفاضلية نتيجة تصورين أحدهما: الشعور باليأس وصور الموت، والأخر يتجلى في القدرة على استبدال الواقع.
وتتجلى صورة الرحلة في ما تنطوي عليه اللغة من الدلالات الإيحائية، ذلك أن في قوله (تذكرت) رحلة الوقوف على العالم الخارجي بعد رحلة اكتشاف مضنية، واعتماد الشاعر على الذاكرة وهي: « ... بمفهوم علم النفس الحديث ليست سوى مستودعا أو مخزونا يختزن فيه الفرد جميع الصور الاجتماعية والعرفانية والعقلية التي تمر أمام مخيلته خلال حياته في هذا العالم ... » (10)، أي أنها استـرجاع صـور الماضي وربـطها في حياة حية بالحاضـر، وتتجلى صورة الرحلة في تذكر الأطلال والرسوم وقد مضت عليها السنين ويستحضر الشاعر ملامح الديار الخالية الموحشة ويقف على هذه الرسوم ولم يبق بها أي أنيس، وأستحضر الشاعر من خلال هذه الوقوف المستمر صورة جماعة بشرية أهلت هذا الكتاب فالدلالة الذاتية للأطلال هي الرسوم وصور القفر وما أشبه ذلك أما الإيحائية فهي صور القلق والوحشة والوقوف أمام الفراغ الرهيب، إلى صور الألفة والحنين للمكان، وتتجاوز كل هذا إلى استكناه المصير الإنساني بوجه عام.
ويقول أيضا في القصيدة نفسها:
وجلت بطرف الطرف في عرصاتها كجولة واه أو كوقفة هائم (11)
ويحاول الشاعر تجاوز الوقوف المباشر أمام هذا الواقع المزري ذلك أنه لم يجل بطرفه وإنما بطرف طرفه وكأنه يرغم نفسه على تجاوز الصور الموحشة، على الرغم من حصار المكان، فهو مسكون به يحاول قدر الإمكان تجاوز العتمة النفسية يوضحها قوله:
......................... كجولة واه أو كوقفة هائم
ويوحي لنا أنها لم تكن إطلالة خاطفة أو مفاجئة ذلك أن صورة الوقوف الهائم الوله أمام أية صورة تكتسي خصائص فريدة متميزة، لا يكون إطلاقا لـحظة خاطفة، فمن العسير حدوث التجاوز للجماعـات البشرية إزاء المكان؛ وهذه الكتابة تؤسس لكتابة أخرى باطنية تستكنه جوهر العلاقات الإنسانية، وتتبلور في عمل فني تطبعه القيم الجمالية الفريدة، فالجماعات البشرية لم تخلف هذه الصور المادية - عن قصد - والمتمثلة في الأطلال ولكنها خلفت آثار نفسية عميقة حملت الشاعر أعباء هذه الكتابة الوجدانية الفريدة، وما تنطوي عليه من تأسيس يساهم بقدر كبير في بعث خصوبة الاستحضار وميزاته.
ويواصل الشاعر على هذا النحو فيقول:
وصفقت ما بين الطلول خوامسي وفاضت سواقي الدمع مثل الأراقم
وقلت لصحبي لا تملوا في السرى ولا يزدريكم في السرى لوم لائـم
... ديار عهدناها بها الشمل جامع مع الغانجات الآنـسات النواعـم
فعادت رسوم الـدار بعد أنيسـها هشيشا ولا تخفى بقايا المراسـم (12)
والشاعر إذ يقف على هـذه الرسوم والأطلال لا يقـوى على تـجاوز معاناتـه، إذ تتجلى مشاعر القلق والحنين و إن حاول تجاوزها كما في قوله:
وقلت لصحبي لا تملوا في السرى .... ( البيت )
فإنه سرعان ما يعود إلى هذا الوقوف وكان هذه الأطلال تمثل محوراً تحيط به مجموعة من الدلالات الإيحائية، وهذا الرجوع إلى المكان يظهر في قوله:
فعادت رسوم الدار بعد أنيسها هشيشا ولا تخفى بقايا المراسم
وقد سبق وأن أشرنا إلى أبعاد ثلاثة في تجربة الرحلة، وتتجلى في الأبيات السابقة صور الحركة والانتقال المكاني ليعود الشاعر بعدها إلى المحور الذي يشكل نواة الدلالات الإيحائية المختلفة، فيتجاوز موقفه الخاص إزاء ظاهرة الأطلال مستحضراً ما وراء ذلك من علاقاته الإنسانية كما في قوله:
ديار عهدناها بها الشمل جامع مع الغانجات الآنسات النواعم
ويجسد موقف هذه الأطلال أيضا إتجاه الزمن:
فعادت رسوم الدار بعد أنيسها هشيشا ولا تخفى بقايا المراسم
والشاعر في هذه الحركة العمودية ذهاباً وإياباً - إزاء الطلل - نكتشف عنده سر هذا التكرار.
أ- حركة عمودية: ذلك عندما يصور الشاعر هذه الأماكن المقفرة والديار الخالية يتجاوزها إلى الرحلة والعكس أيضا، كما يصور تجربة ثالثة وهي لحظة الوقوف على هذه الأطلال وهي تتوسط الرحلتين السابقتين، وهذه الحركة تكشف لنا سر هذه الألفة بالمكان والتعلق به بل التعلق بالعلاقات الإنسانية حين تتكرر الحركة وكأنها مشاهد على الحضور الإنساني، ومشاهد فورية على مصيره أيضاً؛ فهذه الحركة العمودية تنطوي على تجربة الرحلة إلى الخصب والمجد والحياة، وغالبا ما ترتبط هذه الرحلة بصورة المرآة وإن كانت لها دلالات شتى عندما يتعلق الأمر بالحنين إلى البقاع وما في حكم ذلك من المعاني الروحية؛ علاوة على كون التجاوز يفرض بديلا موضوعيا يفسر تعلق الشاعر بالمرآة ثم انتقاله - في الخطاب الشعري - إلى موضوعات أخرى، يفتح النص على قراءة بديلة تفيد من علم التاريخ وعلم النفس والاجتماع للوصول إلى قراءة تشكل النص في حد ذاته أو تكون مرآة لهذا النص.
ب- حركة أفقية: يبدو الشاعر مسكون بالطلل، ويرى ما وراء هذا العالم يصور عالما غيره وكل ما علق بالذاكرة، فالمكان يشل أية الاستحضار ويمثل العالم المفترض والذي كان يفترض أن يكون، عالم لا زالت تعيش فيه الجماعات البشرية التي أستأنس بها، ويشكل المكان / العالم المفترض محوراً تدور عليه روح الشاعر ولا تتجاوزه إلى غيره من الموضوعات وهذه الحركة الأفقية نفسرها بوجود تشابه كبير بين الأماكن من جهة، ومن جهة أخرى تمثل في الخطاب الشعري النقطة الرئيسة إذ سرعان ما يعود الشاعر إلى هذا المكان، وفي هذه الحركة الأفقية نكتشف حركة دائرية ذلك حين يمثل الطلل محور البعد الوجداني فلا يستطيع الشاعر تفاديه أو التغاضي عنه، وإنما يحاول قدر الإمكان الإفلات منه، على الرغم من وجود دلالات كثيرة نعدها بدائـل للصورة الرئيسة للمكان.
أما في الرحلة فهذه الحركة المشهدية تمثل لحظة خاطفة، وكثيراً ما تتضمن هذه الرحلة مشاعر الحزن، وكأنه ثمة شعور بالأسف على فراق الطلل الذي يشكل هاجس الشاعر ولعلنا نستكنه ذلك في قوله:
وصفقت ما بين الطلول خوامسي وفاضت سواقي الدمع مثل الأراقم (13)
الهوامش:
1- بغية الآمل في كتاب الكامـل، سيـد عـلي المرصـفي، تقديم علي الـخاقـاني مكـتبـة دار البيان، بغـداد، ط 2 ، 1339 هـ، 1969 م، الجزء الأول، الصفحة (ج).
2- نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، د/ تامر سلوم، دار الحوار للنشر ، سوريا، 1983 م ، ص 170 .
3- فلسفة الجمال في النقد العربي المعاصر، د/ محمد زكي العشماوي، دار النهضة العرببة للطباعة والنشر، بيروت، 1980، ص 128.
4- مقدمة لعلم النفس الأدبي، د/ خيرالدين عصار، ديوان المطبوعات الجامعية، 1982، ص 89.
5- في النقد الأدبي، عبد العزيز عتيق، دار النهضة العربية، بيروت، ط 2 ، 1972، ص 68.
6- منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني، تقديم وتحقيق محمد الحبيب بن الخوجة دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1981، ص 18 – 19.
7- ابو حمو موسى الزياني حياته وشعره، عبد الحميد حاجيات، الشركة الوطنية للنشـر والتوزيع، الجزائر، 1982 ، ص 295-296.
8- الشعر، الوجود والزمان، عبد العزيز بومسهولي، أفريقيا الشرق، المغرب، 2002، ص 27.
9- أبو حمو موسى الزياني، (مرجع سابق)، ص 317.
10- الذاكرة، د/ مصطفى غالب، مكتبة الهلال، بيروت، 1991، ص 05.
11- أبو حمو موسى الزياني، (مرجع سابق)، ص 299.
12- نفسه، ص 299، 300.
13- نفسه، ص 299.
المصادر والمراجع :
- أبو حمو موسى الزياني حياته وشعره، عبد الحميد حاجيات، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1982.
- بغية الآمل في كتاب الكامل، سيد على المرصفي، تقديم علي الخاقاني، مكتبة دار البيان، بغداد، ط 2، 1339 هـ، 1969 م.
- الذاكرة، د/ مصطفى غالب، مكتبة الهلال، بيروت، 1991.
- الشعر، الوجود والزمان، عبد العزيز بومسهولي، أفريقيا الشرق، المغرب، 2002.
- فلسفة الجمال في النقد العربي المعاصر، د/ محمد زكي العشماوي، دار النهضة العرببة للطباعة والنشر، بيروت، 1980 .
- في النقد الأدبي، عبد العزيز عتيق، دار النهضة العربية، بيروت، ط 2 ، 1972.
- مقدمة العلم النفس الأدبي، د/ خيرالدين عصار، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1982.
- منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني، تقديم وتحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1981.
- نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، د/ تامر سلوم، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، 1983.

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-05-2009, 03:45 PM   #2
نضال الخفاجي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية نضال الخفاجي
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: العراق _ بغداد
المشاركات: 4,505
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مطاردة النص: بين صور الاستحضار وأسلوبية التقمص نحو قراءة بديلة للشعر العربي؛ أبو حمو موسى الزيا

موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

__________________
<img src=http://4upz.almsloob.com/uploads/images/www.almsloob.com-29e5a40457.gif border=0 alt= />

عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيباً
نضال الخفاجي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-05-2009, 08:29 PM   #3
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 71,022
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مطاردة النص: بين صور الاستحضار وأسلوبية التقمص نحو قراءة بديلة للشعر العربي؛ أبو حمو موسى الزيا

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

__________________



أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
قراءة النص وجماليات التلقي بين المذاهب الغربية الحديثة وتراثنا النقدي دراسة مقارنة أم يوسف 5 المكتبة الأدبية المصورة 4 21-05-2014 03:18 AM
كتاب نحو النص بين الأصالة والحداثة عبد الراضي الاستفسارات وطلبات الكتب 19 27-05-2013 10:08 AM
قراءة النص / قراءة العالم دراسة في البنية /حصري أبو ذر الفاضلي الكتب اللغوية والأدبية الحصرية المصورة 16 26-04-2012 07:10 PM
النص عند ابن عربي بين العبارة والإشارة قراءة في أحد قصائده أبو ذر الفاضلي الكتب اللغوية والأدبية الحصرية المصورة 2 03-06-2011 09:40 PM
قراءة في اتجاهات القطاع المصرفي العربي نحو الاندماج والتكتل بالإشارة إلى تجارب عربية مختارة أبو ذر الفاضلي كتب الاقتصاد بصيغ أخرى 0 18-06-2010 03:38 AM


الساعة الآن »11:21 PM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd