روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-09-2013, 02:28 AM   #1
نبهات
مشرفة ( وفقها الله )
 
الصورة الرمزية نبهات
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 10,289
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

Post القصـــة القصيرة جدا : تاريخها، وفنها، ورأي النقاد فيها

بسم الله الرحمن الرحيم



القصـــة القصيرة جدا : تاريخها، وفنها، ورأي النقاد فيها
د.جميل حمداوي






تمهيـــد أولـــــي:
ظهرت القصة القصيرة جدا في العالم العربي منذ منتصف القرن العشرين ، وربما قبل ذلك مع قصص جبران خليل جبران كما في مجموعتيه:” المجنون” و” التائه”، وذلك استجابة لمجموعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المعقدة المتشابكة التي أقلقت الإنسان، وما تزال تقلقه، وتزعجه ذهنيا ووجدانيا وحركيا، ولا تتركه يحس بنعيم التروي والاستقرار والتأمل، ناهيك عن عامل السرعة الذي يستوجب قراءة النصوص القصيرة جدا كما وكيفا، والابتعاد عن كل ما يتخذ حجما كبيرا، أو يبدو مسهبا في الطول نسبيا ، مثل: القصة القصيرة ، والرواية، والمقالة ، والدراسة ، والأبحاث الأكاديمية…. كما لم تترك المرحلة المعاصرة ، تلك المرحلة المعروفة بزمن العولمة والخوصصة والاستثمارات الاقتصادية الهائلة والتنافس الشرس، إنساننا الحالي، ولاسيما المثقف منه، مستقرا في هدوئه الذي تعود عليه، ولم تتركه أيضا يتناغم مع بطء وتيرة حياته ، بل دفعته إلى السباق المادي والحضاري والفكري والإبداعي، وذلك قصد إثبات وجوده ماديا ومعنويا، والحصول على رزقه الذي يؤمن حياته وحياة أولاده. مما أثر كل هذا على مستوى التلقي والتقبل، والإقبال على طلب المعرفة؛ فترتب عن ذلك ظاهرة العزوف عن القراءة ؛ ثم أصبح الكتاب يعاني من أزمة الكساد والركود. كما بدأت المكتبات العامة والخاصة تشكو من الفراغ المهول للراغبين في التعلم، وغياب المحبين للعلم والثقافة، وانقطاع طلبة القراءة عن رفوفها المكدسة بالكتب والمصنفات في مجالات معرفية شتى.
هذا، ولقد تبلور هذا الجنس الأدبي الجديد- على حد علمي- في العراق و الشام، وبالضبط في سورية وفلسطين ، وازدهر مؤخرا في دول المغرب العربي، وخاصة في المغرب وتونس. إذاً، ماهو تاريخ هذا الجنس الأدبي الجديد؟ وماهي خصائصه الدلالية والفنية والتداولية؟ وماهي مجمل المواقف النقدية المتخذة في حق هذا المولود الجديد؟ وماهي أهم النماذج التي تمثل هذا الفن المستحدث في عالمنا العربي؟
1- تعريـــف القصة القصيرة جدا:
القصة القصيرة جدا جنس أدبي حديث يمتاز بقصر الحجم ، والإيحاء المكثف، والانتقاء الدقيق، ووحدة المقطع، علاوة على النزعة القصصية الموجزة، والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن خاصية التلميح ، والاقتضاب، والتجريب، واستعمال النفس الجملي القصير الموسوم بالحركية، والتوتر المضطرب، وتأزم المواقف والأحداث، بالإضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار. كما يتميز هذا الخطاب الفني الجديد بالتصوير البلاغي الذي يتجاوز السرد المباشر إلى ماهو بياني ومجازي، وذلك ضمن بلاغة الإيحاء والانزياح والخرق الجمالي.
هذا، وتتمثل سمات القصة القصيرة جدا في الإدهاش، والإرباك، والاشتباك، والمفارقة، والحكائية، وتراكب الأفعال، والتركيز على الوظائف الأساسية دون الوظائف الثانوية، والإقبال على الجمل الفعلية، والتكثيف، والتلغيز، والتنكيت، والترميز، والأسطرة، والانزياح، والتناص، والسخرية، وتنويع صيغ السرد القصصي تهجينا وأسلبة ومحاكاة، وتصغير الحجم أكثر ما يمكن تصغيره انتقاء وتدقيقا وتركيزا…
2- تعدد التسميات والمصطلحات:
أطلق الدارسون على هذا الجنس الأدبي الجديد عدة مصطلحات وتسميات لتطويق هذا المنتوج الأدبي تنظيرا وكتابة، و الإحاطة بهذا المولود الجديد من كل جوانبه الفنية والدلالية والمقصدية. ومن بين هذه التسميات: القصة القصيرة جدا، ولوحات قصصية، وومضات قصصية، ومقطوعات قصيرة، وبورتريهات، وقصص، وقصص قصيرة، ومقاطع قصصية، ومشاهد قصصية، والأقصوصة، وفقرات قصصية، وملامح قصصية، وخواطر قصصية، وإيحاءات،والقصة القصيرة الخاطرة، و القصة القصيرة الشاعرية، والقصة القصيرة اللوحة، والقصة اللقطة، والكبسولة، والقصة البرقية، وحكايات، ولقطات قصصية، والقصة الومضة، وقصص مينيمالية، والتخييل المينيمالي، والتخييل القصير جدا، والقصص المختصرة أو المختزلة،…
وأحسن مصطلح أفضله شخصيا ، وذلك لإجرائيته التطبيقية والنظرية، دون الدخول بطبيعة الحال مع الآخرين في سجالات جدلية، ونقاشات عقيمة دون جدوى ولافائدة، و أتمنى أن يتمسك به المبدعون في هذا الفن الجديد، وكذلك النقاد والدارسون، ألا وهو مصطلح القصة القصيرة جدا ؛ لأنه يعبر عن المقصود بدقة ووضوح، مادام يركز على ملمحين أساسين لهذا الفن الأدبي الجديد، وهما: قصر الحجم ،والنزعة القصصية. كما أنه يترجم المصطلح الإسباني المعروف المعبر عن هذا الجنس الجديد في مجال السرديات الأدبية (Microrrelatos). ويعني هذا المصطلح الأجنبي المحكي القصير جدا، أو السرد القصير جدا، أو القصة القصيرة جدا.
3- موقف النقاد والدارسين من القصة القصيرة جدا:
يلاحظ المتتبع لمواقف النقاد والدارسين والمبدعين إزاء فن القصة القصيرة جدا أن هناك ثلاثة مواقف مختلفة، وهي نفس المواقف التي أفرزها الشعر التفعيلي، والقصيدة المنثورة، و يفرضها كل مولود أدبي جديد وحداثي؛ مما يترتب عن ذلك ظهور موقف محافظ يدافع عن الثابت والأصالة والهوية ، فيناصر النموذج المعياري والتأسيسي في كل فن، ثم يتخوف من كل ماهو حداثي وتجريبي جديد. وهناك موقف النقاد الحداثيين الذين يرحبون بكل الكتابات الثورية الجديدة التي تنزع نحو التغيير والتجريب والإبداع، وتستهدف التمرد عن كل ماهو ثابت. وثمة موقف المترددين والمتحفظين في آرائهم وقراراتهم التقويمية ، وتشبه هذه الطائفة موقف فرقة المرجئة في علم الكلام العربي القديم من مرتكب الكبيرة ، وذلك في أثناء اشتعال الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، إذ تترقب هذه الفئة نتائج هذا الجنس الأدبي الجديد، وكيف سيستوي في الساحة الثقافية العربية ، وماذا سينتج عن ظهوره من ردود فعل؟!! ومن ثم، لا تطرح رأيها بكل صراحة وعلانية، إلا بعد أن يتمكن هذا الجنس من فرض وجوده، فيثبت نفسه داخل أرضية الأجناس الأدبية،ثم يرسخ أقدامه داخل حقل الإبداع والنقد.
وهكذا، يتبين لنا بأن هناك من يرفض فن القصة القصيرة جدا جملة وتفصيلا، ولا يعترف بمشروعيته وجدواه؛ لأنه يعارض مقومات الجنس السردي بكل أنواعه وأنماطه. وهناك من يدافع عن هذا الفن الأدبي المستحدث تشجيعا وكتابة وتقريضا ونقدا وتقويما ، وذلك من أجل أن يحل هذا المولود مكانه اللائق به بين كل الأجناس الأدبية الموجودة داخل شبكة نظرية الأدب. وهناك من يتريث ترددا ، ولا يريد أن يبدي رأيه بكل جرأة وشجاعة، فينتظر الفرصة المناسبة ليعلن رأيه بكل صراحة سلبا أو إيجابا.
وأعترف ، شخصيا ، وذلك عن قناعة راسخة ، بهذا الفن الأدبي الجديد، وأعتبره مكسبا لاغنى عنه، وأنه من إفرازات الحياة المعاصرة المعقدة التي تتسم بالسرعة الهائلة، والطابع التنافسي المادي والمعنوي ، وذلك من أجل تحقيق كينونة الإنسان ماديا ومعنويا، وإثباتها بكل السبل الكفيلة لذلك.
3- أعمال منشورة ولقاءات حول القصة القصيرة جدا:
انصبت دراسات كثيرة على فن القصة القصيرة جدا بالتعريف والدراسة والتقويم والتوجيه، ومن أهمها : كتاب أحمد جاسم الحسين:”القصة القصيرة جدا” ، وكتاب محمد محيي الدين مينو:” فن القصة القصيرة، مقاربات أولى” ، وكتاب يوسف حطيني: “القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق” ، وكتاب عبد الدائم السلامي:” شعرية الواقع في القصة القصيرة جدا” ، وكتب جميل حمداوي:”القصة القصيرة جدا بالمغرب: المسار والتطور” ، و”القصة القصيرة جدا عند الكاتب السعودي حسن علي البطران” ، و” القصة القصيرة جدا بالمغرب: قراءة في المتون” ، وكتاب عبد الله الزياني:” الماكروتخييل في القصة القصيرة جدا بالمغرب” ، وكتاب سعاد مسكين:”القصة القصيرة جدا في المغرب: تصورات ومقاربات” ، وكتاب جاسم خلف إلياس:” شعرية القصة القصيرة جدا” ، دون أن ننسى الدراسات والمقالات الأدبية المهمة التي دبجها كثير من الدارسين العرب، وخاصة حسن المودن في مقاله القيم” :شعرية القصة القصيرة جدا” المنشور في عدة مواقع رقمية إلكترونية كدروب والفوانيس … ، و جميل حمداوي في كثير من مقالاته حول القصة القصيرة جدا كتابة ونقدا وتوثيقا ، مثل:” تطور القصة القصيرة جدا بالمغرب” ، و” القصة القصيرة جدا: تاريخها وفنها ورأي النقاد فيها” ، و” القصة القصيرة جدا فن المستقبل” ، وحسين علي محمد في” :القصة القصيرة جدا، قراءة في التشكيل والرؤية” ، والدكتور يوسف حطيني في” القصة القصيرة جدا عند زكريا تامر ” ، و إبراهيم سبتي في”:محنة القصة القصيرة جدا ” ، وثائر العذاري في:” شعرية القصة القصيرة جدا” ، وعبد الله المتقي في: ” القصة القصيرة جدا بالمغرب: مواقف ورؤى” ، ورشيد كرمة في:” القصة القصيرة جدا” ، وأحمد عمران في:”مقاربة حول أدب القصة القصيرة جدا” ، علاوة على مقالات، وببليوغرافيات ، وأنطولوجيات ، ودراسات أخرى منشورة هنا وهناك ، ولاسيما المقالات التي تناولت القصة القصيرة جدا بمقاربات تجنيسية وتاريخية وفنية . زد على ذلك، فقد عقدت حولها منتديات ولقاءات ومؤتمرات وندوات ومهرجانات وسجالات حوارية ومسابقات عديدة، كملتقيات القصة القصيرة جدا بالمدن السورية، وملتقيات المدن العراقية، وملتقيات النوادي الثقافية السعودية، ومهرجانات القصة القصيرة جدا بالمغرب التي يشرف عليها كل من الصالون الأدبي بالدار البيضاء في عهد مصطفى لغتيري، وعبد الله المتقي بمدينة لفقيه بن صالح، وحميد ركاطة بمدينة خنيفرة، و جميل حمداوي بمدينة الناظور…
هذا، وقد أعدت أيضا ملفات متكاملة وشاملة ركزت على فن القصة القصيرة جدا ، وذلك بغية التعريف بهذا الفن الوليد، وتقويمه سلبا وإيجابا، وتوجيه كتابه توجيها صحيحا، مثل: الملف الذي أعده الباحث المغربي عبد الله المتقي حول القصة القصيرة جدا بالمغرب، وقد نشر بمجلة “مجرة” سنة 2008م .
4- تطور القصة القصيرة جدا وجذورها التاريخية:
إذا أردنا تتبع تطور فن القصة القصيرة جدا ، فسنجده منتوجا إبداعيا حديث العهد، ظهر بأمريكا اللاتينية منذ مطلع القرن العشرين لعوامل ذاتية وموضوعية، وذلك مع إرنست همينغواي سنة 1925م، وذلك حينما أطلق على إحدى قصصه مصطلح :” القصة القصيرة جدا”، وكانت تلك القصة تتكون من ثماني كلمات فحسب:” للبيع، حذاء لطفل، لم يلبس قط”. وكان هيمنغواي يفتخر بهذا النص الإبداعي القصير جدا، فكان يعتبره أعظم ماكتبه في حياته الإبداعية. بينما يعد الكاتب الغواتيمالي أوجستو مونتيروسو(Augusto Monterroso) أول من كتب أقصر نص قصصي في العالم تحت عنوان:” الديناصور”:” حينما استفاق، كان الديناصور مايزال هناك/
Cuando despertó, el dinosaurio todavía estaba allí.” . وتتكون هذه القصة القصيرة جدا من سبع كلمات فقط. و في سنة 2005م، سيكتب الكاتب المكسيكي لوي فيليبي لومولي (Luis Felipe Lomelí) قصة قصيرة جدا في أربع كلمات ، وهي:”هل نسيت سيدي شيئا ما؟إن شاء ربي!
/ ¿Olvida usted algo? -¡Ojalá/ !”
لكن هناك من يرى بأن القصة القصيرة جدا لم تظهر بأمريكا اللاتينية إلا في سنة 1950م بالأرجنتين ، وذلك مع مجموعة من الكتاب، مثل: بيوي كازاريس (Bioy Casares) وجون لويس بورخيس(Jorges Louis Borges) اللذين أعدا أنطولوجيا القصة القصيرة جدا ، وكانت هذه القصص القصيرة والعجيبة جدا تتكون من سطرين فقط.
ومن أهم كتابها: خوليو كورتاثار، وخوان خوصي أريولا، وخوليو طوري، وأدولفو بيوي كاسارس ، وإدواردو غاليانو، وخابيير تومبو، وخورخي لويس بورخيس، وإرنستو ساباتو، وروبرتو بولانيو، وخوسي دونوسو، وفيكتوريا أوكامبو، وخوان بوش، وأوغيستو مونتيروسو، وبيخيلبو بينيرا، وفلسبرتو هرنانديث ، وآخرون كثيرون…
وبعد ذلك، انتشرت هذه القصص القصيرة جدا بشكل من الأشكال بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والعالم العربي ، وذلك عن طريق الترجمة والمثاقفة وعمليات التأثير و التأثر …
و في هذا الصدد ، يمكن كذلك الحديث عن كتابة قصصية قصيرة جدا عند بعض كتاب الرواية الجديدة الذين مالوا إلى التجريب والتثوير، وتغيير بنية السرد والحكي، وذلك من أجل تأسيس حداثة قصصية وروائية جديدة. وهكذا، تفاجئنا الكاتبة الفرنسية نتالي ساروت Nathalie Sarraute بأول نص قصصي قصير جدا بعنوان:” انفعالات/Tropismes ” عام 1932م ، وكان هذا العمل أول بادرة موثقة علميا بأوروبا لبداية القصة القصيرة جدا، وأصبحت هذه المحاولة نموذجا يحتذى به في الغرب . وترجم هذا النص الإبداعي الجديد في أوائل السبعينيات من القرن العشرين على يد الباحث المصري فتحي العشري (1971م) ، وقد سمى كتاب نتالي ساروت بالقصص القصيرة جدا، وإن كان هذا العمل في الحقيقة رواية لم ينتبه إليها الدارسون الغربيون إلا بعد خمس عشرة سنة من صدورها رسميا سنة 1939م، وذلك على يد جان بول سارتر (J.P.Sartre) وماكس جاكوب(Max Jacob). ويتضمن هذا العمل في الحقيقة أربعة وعشرين نصا قصصيا قصيرا جدا بدون حبكات معقدة أو شخصيات أو أسماء أعلام ، حيث تتكىء الكاتبة على الضمائر الشخصية تنويعا وأسلبة، وتوصيف الانفعالات الداخلية، وربط الداخل النفسي بالخارج الحركي. ويعني هذا أن الكتاب عبارة عن قصص قصيرة جدا تعتمد على التنكير في استعمال الشخصيات، والتوصيف النفسي الداخلي ، ورصد الحركات الانفعالية للشخصيات، وذلك في حجم قصصي قصير جدا يتراوح بين صفحة ونصف صفحة. وبعد ذلك، بدأت الصحف والمجلات العربية والغربية المتخصصة في فن القص على حد سواء تتأثر بكتابة نتالي ساروت، وتستلهم تقنيات السرد الموظفة لديها…
وعليه، فلهذا الفن الوليد في الحقيقة جذور عربية تتمثل في السور القرآنية القصيرة، والأحاديث النبوية، وأخبار البخلاء واللصوص والمغفلين والحمقى، وأحاديث السمار، علاوة على النكت والأحاجي والألغاز، دون نسيان نوادر جحا… ومن ثم، يمكن اعتبار الفن الجديد امتدادا تراثيا للنادرة والخبر والنكتة والقصة والحكاية، ويعد في العصر الحديث امتدادا للقصة القصيرة التي خرجت من معطف الكاتب الروسي گوگول.
هذا، وقد ظهرت القصة القصيرة جدا في أدبنا العربي الحديث، وذلك حسب المعلومات التي بين أيدينا، منذ فترة مبكرة مع جبران خليل جبران في كتابيه:” المجنون” و” التائه”. كما انتشرت في الأربعينيات من القرن العشرين، وذلك عندما نشر القاص اللبناني توفيق يوسف عواد مجموعته القصصية :” العذارى” عام 1944م، واحتوت على قصص قصيرة جدا، لكنه سماها”: حكايات .” وفي نفس الفترة، سينشر المحامي العراقي يوئيل رسام قصصا قصيرة جدا ، كما يقول الناقد باسم عبد الحميد حمودي، فعد ذلك بداية لظهور هذا الفن في العراق… ثم ، تلاحقت الأجيال التي تكتب القصة القصيرة جدا في العراق، وكثر الإنتاج ما بين عقد الستين وعقد السبعين من القرن الماضي. فانتشرت قصص قصيرة جدا في البلاد ، وذلك مع الكاتب العراقي شكري الطيار الذي نشر الكثير من نصوصه آنذاك في الصحف والمجلات العراقية، وخاصة مجلة: “الكلمة” التي توقفت سنة 1985م. كما أوردت بثينة الناصري في مجموعتها القصصية :” حدوة حصان” الصادرة عام 1974م قصة سمتها:” قصة قصيرة جدا”، ونشر القاص خالد حبيب الراوي خمس قصص قصيرة جدا ضمن مجموعته :” القطار الليلي” الصادرة عام 1975م ، ونشر عبد الرحمن مجيد الربيعي قصصا قصيرة جدا في نفس الفترة . كما كتب الأديب هيثم بهنام بردى قصته الأولى سنة 1977م بعنوان:”صدى”، و نذكر كذلك ضمن اللائحة : جمعة اللامي، وأحمد خلف، وإبراهيم أحمد، وآخرين….
وثمة محاولات أخرى في هذا المجال ، ولكن عن غير وعي أو قصد كما نجد ذلك عند يوسف الشاروني ، ونجيب محفوظ، ومحمد زفزاف، وأحمد زيادي، وإبراهيم بوعلو في مجموعته القصصة:” خمسون أقصوصة في خمسين دقيقة”…
ويتبين لنا من كل هذا أن ولادة فن القصة القصيرة جدا ، وذلك من حيث الوعي والمقصدية بشروط الجنس تحبيكا وتخطيبا، كانت ولادة عراقية ، وذلك على غرار ولادة قصيدة التفعيلة مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة. ولكن ولادة هذا الفن ، وذلك من غير وعي ونية وإدراك، فقد كانت ولادة جبرانية بدون منازع.
ولكن على الرغم من ذلك، فإن القصة القصيرة جدا لم تتبلور باعتبارها جنسا أدبيا جديدا، ولم تثر الجدال الفكري والإبداعي حول الاعتراف بمشروعيتها في ساحتنا الثقافية إلا مع بداية التسعينيات من القرن العشرين ، وذلك في دول الشام (سوريا على سبيل الخصوص)، ودول المغرب العربي(المغرب على سبيل المثال). ومن الأسباب الحقيقية وراء ظهور هذا الفن القصصي الجديد في عالمنا العربي: وتيرة الحياة السريعة، وإكراهات الصحافة، والغزو الإعلامي الرقمي والإلكتروني، والمثاقفة مع الغرب، وترجمة نصوص القصاصين الغربيين، واستيحاء كتابات كتاب أمريكا اللاتينية، والميل إلى كل ماهو سريع وخفيف، وتفضيل خاصيتي الإيجاز والاختصار في عمليتي: الإبداع والترسل. لأن الكلام، كما عند العرب وبلغائهم وفصحائهم، ما قل ودل، فطابق المقال المقام أولا، ثم راعى الكلام مقتضى الحال ثانيا.
5- رواد القصـــة القصيــرة جدا في العالم العربي:
من أهم رواد القصة القصيرة جدا في العالم العربي نستحضر من فلسطين: فاروق مواسي ويوسف حطيني… ونستدعي من سوريا: المبدع زكريا تامر، ومحمد الحاج صالح، وعزت السيد أحمد، وعدنان محمد، ونور الدين الهاشمي، وجمانة طه، وانتصار بعلة،ومحمد منصور، وإبراهيم خريط، وفوزية جمعة المرعي، وعمران عزالدين أحمد… ومن العراق : شكري الطيار، وإبراهيم سبتي، وبثينة الناصري،وخالد حبيب الراوي، وهيثم بهنام بردى الذي كتب عدة مجموعات قصصية ضمن هذا الفن الجديد كمجموعته “: حب مع وقف التنفيذ” سنة 1989م، و”الليلة الثانية بعد الألف” سنة 1996م، و”عزلة أنكيدو” سنة 2000م، و”التماهي” سنة 2008م، وقد جمع كل هذه المجموعات في كتاب بعنوان:” القصة القصيرة جدا: المجموعات القصصية 1989-2008م” …. ونذكر من المغرب : حسن برطال ، وسعيد منتسب، وعبد الله المتقي، وجمال الدين الخضيري، ومصطفى لغتيري، وحميد ركاطة، والسعدية باحدة، والحسين زروق، وجمال بوطيب، وفاطمة بوزيان، ومحمد فاهي، ومحمد تنفو، وإسماعيل البويحياوي، وعز الدين الماعزي، و محمد إبراهيم بوعلو، ومحمد زفزاف، وأحمد زيادي، وعزيز بومهدي، وعبد الرحيم الحجري، والمهدي الودغيري، وعبد المجيد الهواس، ومصطفى جباري ، وسعيد الفاضلي، وسعيد بوكرامي، ومحمد العتروس، وعبد العالي بركات، وأنيس الرافعي، وتوفيق مصباح، ومصطفى الكليتي، ومحمد عزالدين التازي، وهشام بن الشاوي، ومحمد أشويكة، وفوزي بوخريص، وعبد اللطيف النيلة، و سعيد أحباط ، ونور الدين محقق، وعبد الحميد الغرباوي، وعبد العالي بركات، وحسن البقالي، ومحمد الشايب، وسامي دقاقي، وحسن الأشرف، ومحمد العناز، وعبد الفتاح بن الضو، وجبران أبو مروان كرناوي، ومحمد داني، وميلود بنباقي، وتوفيق مصباح، والبشير الأزمي، وهشام حراك، ورشيد البوشاري، وخالد سليكي، وأحمد لويزي، وكريم راضي، ومحمد زيتون، ومحمد الكلاف، ومحمد مفتوح، ومنصف بندحمان، وعبد الرحمن بويعلاوي، وعبد الواحد استيتو، والطاهر لكنيزي، ومحمد سعيد الريحاني، وإبراهيم أبويه، ومحمد العزوزي، وعبد الرحيم أحيزون، وعبد الغني صراض، ومحمد أكراد الورايني، ومصطفى طالبي، وكمال دليل الصقلي، وعبد الغفور خوي، وحسن ملواني، وإسماعيل غزالي، وأوسعيد لحسن، ومحمد معتصم، وعبد الحكيم باكي، وعمر طاوس، وعبد السلام بلقايد، وجميل حمداوي …
ومن تونس، نستدعي الكاتب الروائي والقصاص المقتدر إبراهيم درغوثي الذي كتب مجموعة من النصوص القصصية القصيرة جدا، وذلك في عدة مواقع رقمية كقصصه :” حب مجانين” في موقع:” أدب فن” …
ومن الجزائر، نذكر عبد القادر برغوث الذي كتب مجموعة من النصوص القصصية القصيرة جدا في عدة مواقع رقمية، ولاسيما في موقع :”إيلاف” …
ومن المملكة العربية السعودية، نستحضر كلا من : حسن بن علي البطران في مجموعته:” نزف من الرمال” ، وفهد المصبح في مجموعته:” الزجاج وحروف النافذة” ، وسهام العبودي في مجموعتيها:” خيط ضوء يستدق” ، و” ظل الفراغ” ….
6- الخصائص الفنية والشكلية:
تتحدد القصة القصيرة جدا بمجموعة من المعايير الكمية والكيفية والدلالية والمقصدية التي تبين خصائصها التجنيسية، وتخصص مميزاتها النوعية والنمطية.
 المعيــــار الكمـــــي:
يتميز فن القصة القصيرة جدا بقصر الحجم وطوله المحدد، ويبتدئ بأصغر وحدة داخل المقطع أو الفقرة أو الشذرة العضوية، وهي الجملة كما في قصة المغربي حسن برطال: “لم ينخرط في عملية تصحيح أوراق الامتحان… ليتفرغ لتصحيح نفسه… ” ، إلى أكبر وحدة قد تكون بمثابة فقرة أو مقطع أو مشهد أو نص كما عند فاروق مواسي، وسعيد منتسب، وعبد الله المتقي، وفاطمة بوزيان، وجمال الدين الخضيري… وعلى العموم، لا يتعدى هذا الفن الأدبي الجديد صفحة واحدة ، كما يتضح ذلك جليا في مجموعة:” عندما يومض البرق” للزهرة رميج …
وبناء على ماسبق، ينتج قصر الحجم عن وجود مجموعة من الخاصيات والسمات، مثل: التكثيف، والانتقاء، والتركيز، والتدقيق في اختيار الكلمات والجمل والمقاطع المناسبة، واجتناب الحشو والاستطراد والإيغال في الوصف، والابتعاد عن المبالغة في الإسهاب التصويري والرصد السردي، وتفادي التطويل في تشبيك الأحداث، وتمطيطها تشويقا وتأثيرا ودغدغة للمتلقي.
وعلى العموم، تتميز القصة القصيرة جدا بالجمل القصيرة، وظاهرة الإضمار الموحي، والحذف الشديد ، مع الاحتفاظ بالأركان الأساسية للعناصر القصصية التي لايمكن أن تستغني عنها القصة، إلا إذا دخلت باب التجريب ، والتثوير الحداثي، والانزياح الفني.
 المعيـــار الكيفــي :
يستند فن القصة القصيرة جدا إلى الخاصية القصصية التي تتجسد في المقومات السردية الأساسية لفن الحكي: الأحداث، والشخصيات، والفضاء، والمنظور السردي، والبنية الزمنية، وصيغ الأسلوب. وتوظف هذه الركائز القصصية بشكل موجز ومكثف، وبطريقة مشبعة بالإيحاء، والانزياح ، والترميز ، والتلميح المقصدي المطمعم بالأسلبة والتهجين والسخرية، مع تنويع الأشكال السردية تجنيسا وتجريبا وتأصيلا. وقد يتخذ هذا الشكل الجديد طابعا مختصرا في شكل أقصوصة موجزة بشكل دقيق في أحداثها ، كما يتضح ذلك بجلاء في مقطع حسن برطال من نص:﴿ حرب البسوس﴾:
“الشعارات…اليافطات…التحيات النضالية تلوح…
انطلقت السهام…بدأ الضرب… الحناجر تصرخ…﴿ حبي ليك… يابلادي، حب فريد…﴾ … السهام تضرب… التصعيد هنا وهناك… ﴿ حبي ليك… يابلادي حب عنيف…﴾
السهام تضرب الأجساد تتناطح…﴿ الحب الغالي… ما تحجبو الأسوار…﴾ … يعم الصمت… جثث هامدة…
يظهر منشط الحفل قائلا:
- باسمكم جميعا نشكر مجموعة السهام…… “.
يصور هذا المقطع القصصي القصير حدث الحرب ، وذلك ضمن رؤية ساخرة قائمة على التلوين الأسلوبي الكاريكاتوري، والميل إلى الإيجاز الزاخر بحمولات مرجعية انتقادية، قوامها :التهكم والأسلبة والتهجين والتكرار الساخر، وتوظيف مستويات لغوية مختلفة من أجل خلق باروديا نصية، تفضح صيرورة التناقض والخلاف العربي. وعلى الرغم من هذا القصر الموجز، فالنص يحتوي على كل مقومات الحبكة السردية من: أحداث، وشخصيات ، وفضاء، ومنظور سردي، وكتابة أسلوبية متنوعة.
هذا، ويتخذ فن القصة القصيرة جدا عدة أشكال وأنماط، مثل: الخاطرة، والأقصوصة، واللوحة الشعرية، واللغز، والحكمة، والمشهد الدرامي، وطابع الحبكة السردية المقولبة في رؤوس أقلام كما في هذه القصة المأخوذة من مجموعة:” أبراج”: ” صديقان قاسمهما المشترك هو حب التغيير…
الأولى في الشمال، تخطط لتغيير التاريخ…
والثانية في الجنوب تخطط لتغيير الزوج…”
ومن الأمثلة على اللوحة الشعرية قصة :” في حوض الحمام” للكاتبة المتميزة فاطمة بوزيان التي تكتب قصصها القصيرة جدا بطريقة شاعرية تعتمد على توازي التكرار، وموسقة الحروف، والجنوح إلى الانزياح البلاغي:
” كان يشعر أن الماء الساخن يذيب كل شحمه الفائض…
يذيب كل تعبه…
يذيب شكوكه..
يذيب سوء التفاهم الذي بينه وبين البسكويت!
ي
ذ
و
ب
صار ماء لاطفولة له
فجأة تذكر مجرى الحوض
هب خائفا فعاد إليه
شحمه
تعبه
شكوكه
وسوء التفاهم الذي بينه وبين البسكويت.”
وتظهر هذه الشاعرية أيضا في قصة:” عروض خاصة” لنفس الكاتبة:
“في لحظات وحدته القصوى
كان يخرج هاتفه المحمول
ويضغط على أزرار الرقم المجاني
حيث الصوت الأنثوي الرخيم
يذكر بالعروض الخاصة
وكان يتذكر الأنثى والأمور الخاصة.”
وقد تتحول القصة القصيرة جدا إلى لوحة تشكيلية كما في قصة :” عولمة ” لفاطمة بوزيان: “هم الأستاذ بالكتابة على السبورة تكسر الطبشور.
حاول الكتابة بما تبقى في يده، خربش الطبشور.
السبورة في صوت مزعج.
اغتاظ . والتفت على يمينه قائلا:
- اتفو على التخلف في زمن العولمة يسلموننا.”
كما تتجسد القصة القصيرة جدا في عدة مظاهر أجناسية وأنماط تجنيسية كالقصة الرومانسية، والقصة الواقعية، والقصة الفانطاستيكية ، والقصة الرمزية، والقصة الأسطورية… كما تتخذ أيضا طابعا تجنيسيا في إثبات قواعد الكتابة القصصية الكلاسيكية، وطابعا تجريبيا في أثناء استلهام خصائص الكتابة القصصية والروائية المعروفة في القص الغربي الجديد والحداثي، وطابعا تأصيليا يستفيد من تقنيات التراث في الكتابة والأسلبة.
أضف إلى ذلك، تتميز الجمل الموظفة في معظم النصوص القصصية القصيرة جدا بالجمل الموجزة، وتوظيف العبارات المنتقاة البسيطة في وظائفها السردية والحكائية، حيث تتحول إلى وظائف مستقلة وحوافز حرة، دون أن تلتصق بالإسهاب الوصفي، أو ترتبط بالمشاهد المستطردة التي تعيق نمو الأحداث، فتؤثر سلبا على صيرورتها الجدلية الديناميكية. وإذا وجدت جمل مركبة ومتداخلة ، فإنها تتخذ طابعا كميا محدودا في الأصوات و الكلمات والفواصل المتعاقبة امتدادا وتوازيا وتعاقبا. وتمتاز هذه الجمل أيضا بخاصية الحركة، وسمة التوتر، والإيحاء الناتج عن الإكثار من الجمل الفعلية على حساب الجمل الاسمية الدالة على الثبات ، والديمومة، وبطء الإيقاع الوصفي والحالي والاسمي. ويتميز الإيقاع القصصي كذلك بحدة السرعة والإيجاز والاختصار، والارتكان إلى الإضمار والحذف. وكل ذلك من أجل تنشيط ذاكرة المتلقي، واستحضار خياله ومخيلته، مادام النص يتحول إلى ومضات تخييلية درامية، وصور قصصية تحتاج إلى تأويل، وتفسير، واستنتاج، واستنباط مرجعي وإيديولوجي. ويتحول هذا النص القصصي الجديد كذلك إلى نص مفتوح مضمن بالتناص بكل أنواعه (تناص الاجترار، وتناص الامتصاص، وتناص الحوار)، ويزخر بكل الحمولات الثقافية والواقعية، ويطفح كذلك بالمستنسخات الإحالية، ولاسيما عند الكاتب المغربي جمال الدين الخضيري في مجموعته:” فقاقيع” ، حيث تنبني هذه المجموعة القصصية بشكل كلي على التناص والنص التفاعلي ، ويستلزم هذا النص المفتوح قراءات عديدة ، وتأويلات مختلفة تختلف باختلاف القراء، وتتنوع بالسياقات الظرفية. ويساهم التدقيق والتركيز في خلق شاعرية النص، وذلك عبر مجموعة من الروابط التي تضفي على النص الطابع القصصي، والتراتبية المنطقية والكرونولوجية، بله عن خاصية الاختزال، والتوازي، والتشظي البنائي، والانكسار التجريبي.
ومن حيث البلاغة ، يوظف الكاتب في نصه الأجناسي الجديد المجاز بكل أنواعه الاستعارية والرمزية ، وذلك من أجل بلورة صورة المشابهة ، وصورة المجاورة، وصورة الرؤيا القائمة على الإغراب، والإدهاش، وتشغيل الومضات الموحية الخارقة بألفاظ إنشائية، أو بألفاظ واقعية تتطلب تأويلات دلالية عدة، لزئبقيتها الدلالية، وكثافتها التصويرية . ويتم كل ذلك عبر الأنسنة ، والتضاد، والانزياح، والتخييل . ويمكن الحديث أيضا عن بلاغة البياض والفراغ ؛ وذلك بسبب الإضمار والاختزال والحذف . ويستوجب كل هذا قارئا ضمنيا متميزا ، ويستلزم كذلك متلقيا حقيقيا متمكنا من فن السرد، ومستوعبا لتقنيات الكتابة القصصية. كما ينبغي أن تكون القراءة عمودية وأفقية متأنية عالمة، ومتمكنة من شروط هذا المولود الجديد. وبالتالي، عليه ألا يتسرع في قراءته الضمنية وكتابته النقدية، وذلك على الرغم من كون القصة القصيرة جدا هي كتابة سريعة، أفرزتها ظروف العولمة، وسرعة إيقاع العصر المعروف بالإنتاجية السريعة، والتنافس في الإبداع ، وسرعة نقل المعلومات والخبرات والمعارف والفنون والآداب.
 المعيار التداولي:
تهدف القصة القصيرة جدا إلى إيصال رسائل مشفرة بالانتقادات الكاريكاتورية الساخرة ، والطافحة أيضا بالواقعية الدرامية المتأزمة، إلى ذلك الإنسان العربي المقهور والمستلب والمستغل، ذلك الكائن المحبط الذي يعيش في مجتمع طافح بالتناقضات الجدلية، والصراعات الطبقية، والتفاوت الهرمي الاجتماعي. إنه ذلك المجتمع الذي يعاني من ويلات الحروب الدونكيشوتية، والانقسامات الطائفية، والنكبات المتوالية ، والنكسات المتكررة ، وذلك بنفس مآسيها الوخيمة، ونتائجها الخطيرة التي تخلف آثارا سلبية على الإنسان العربي ذهنيا ونفسيا وجسديا، فتجعله يتلذذ بالفشل، والخيبة، والهزيمة ، والفقر، وتآكل الذات… كما ينتقد هذا الفن القصصي الجديد النظام العالمي الجديد، فيكشف سلبيات العولمة التي جعلت الإنسان معطى بدون روح، تلك العولمة الزائفة التي حولته إلى رقم من الأرقام، فصيرته بضاعة مادية لاقيمة لها، ثم سلعة كاسدة لا أهمية لها . وبعد ذلك، أصبح الإنسان- نتاج هذا النظام الرأسمالي “المغولم ” – ضائعا حائرا دون فعل ولا إنجاز ولاكرامة، وصار أيضا بلا مروءة ولا بطولة، وبلا عز ولا أنفة، صار معلبا في أفضية رقمية مقننة بالإنتاجية السريعة، والاستهلاك المادي الفظيع ، كما صار مستلبا بالآلية الغربية الطاغية على كل مجتمعات العالم “المعولمة” اغترابا وضياعا وانكسارا.
7- الخصائــــص الدلاليــــــة:
يتناول فن القصة القصيرة جدا نفس المواضيع التي تتناولها كل الأجناس الأدبية والإبداعية الأخرى، ولكن بطريقة أسلوبية بيانية صادمة، تثير الإدهاش والإغراب والروعة الفنية، وتترك القارئ مشدوها حائرا أمام شاعرية النص المختزل إيجازا واختصارا وسخرية، يسبح في عوالم التخييل والتأويل، يفك طلاسم النص، ويتيه في أدغاله الكثيفة، ويجتاز فراديسه الغناء الساحرة بتلويناتها الأسلوبية، يواجه بكل إصرار وعزم هضباته الوعرة، وظلاله المتشابكة. ومن المواضيع التي يهتم بها هذا الفن القصصي القصير جدا تصوير الذات ، وذلك في صراعها مع كينونتها الداخلية، وصراعها مع الواقع المتردي، والتقاط المجتمع بكل آفاته، ورصد الأبعاد الوطنية والقومية والإنسانية من خلال منظورات متعددة، ووجهات نظر مختلفة،ناهيك عن تيمات أخرى: كالحرب، والاغتراب، والهزيمة، والضياع الوجودي، والفساد، والحب، والسخرية، و التغني بحقيقة الإنسان. وبصفة عامة، نقول بأن هذا الجنس الأدبي الحديث ، على الرغم من حجمه القصير جدا، فإنه يطرح أسئلة كبيرة وجادة .
استنتـــاج تركيبـــي:
وفي الأخير، نثبت بأن فن القصة القصيرة جدا فن صعب المراس، يستوجب الدقة الكبيرة، ومهارة الكتابة القصصية تحبيكا وتخطيبا، والتمكن من تقنيات التكثيف والاختزال، وتوظيف النزعة القصصية المناسبة بصورها البلاغية والسردية أحسن توظيف، وذلك من أجل إثارة المتلقي بعنصري الإدهاش والإغراب، ودفعه إلى استخدام ملكة التخييل و النقد و التصوير والتجريد. كما ننصح المبدع بألا يستسهل كتابة هذا النوع من الفن القصصي، فهو صعب التناول، يحتاج إلى مهارة كبيرة، ويتطلب تقنية حرفية جيدة أكثر مما يستوجبها فن القصة القصيرة والرواية. كما يحتاج المبدع أيضا إلى عدة نظرية مفاهيمية، وكفاءة آلية متفردة، وإلا سقط في شباك أدب الخاطرة، وكتابة النكت والألغاز والنوادر ، أو يسقط في فن الأقصوصة أو فن القصة القصيرة، وذلك حينما يميل إلى الإسهاب في الوصف، وتشبيك الأحداث تمطيطا و تسريدا وتخطيبا. وينبغي على الناقد أيضا ألا يتسرع في حكمه وتقويمه، وأن يرحب بشكل من الأشكال بهذا الفن المستحدث، وأن يشجع بتوجيهاته الموضوعية ليتبوأ هذا الفن الجديد مكانته المناسبة، وذلك ضمن لائحة الأجناس الأدبية المعروفة.
وهنا، نسجل – ناصحين وموجهين – بأنه آن الأوان لتوسيع شبكة الأجناس الأدبية، و تمديد رقعة نظرية الأدب بفنون جديدة ، تفرزها ظروف العصر، وسرعة إيقاع الحياة المعاصرة التي تفرض علينا شروطها ومتطلباتها التي لا يمكن الانسلاخ عنها أو تجنبها. فلا بد – إذاً-ً من التكيف والتأقلم مع مستجدات السياق الزمني الآني ، خاصة الفنية والأدبية منها. ولابد للمؤسسات التربوية الجامعية والثانوية والإعدادية والابتدائية، وكذلك المؤسسات الثقافية الخاصة والعامة، أن تعترف بكل المنتجات الجديدة في عالم الإبداع سواء أكان ذلك مستوردا من الحقل الغربي أم مستنبتا في الحقل العربي ، وذلك بالتعريف والدراسة والتشجيع من جهة، وإقرارها في الكتب المدرسية والمناهج والبرامج البيداغوجية والديداكتيكية من جهة أخرى. ومن هذه الأشكال الأدبية التي نرى أنه من الضروري الاعتراف بها اهتماما وإنصاتا نذكر: أدب الخواطر، وأدب اليوميات ، وأدب المذكرات، وفن التراسل، والأدب الافتراضي أو الرقمي، وفن القصة القصيرة جدا، وفن الرحلة، وفن الزجل، وفن التنكيت، وفن التلغيز، والقصيدة النثرية، والنقد التفاعلي الذي يرد في شكل تعليقات هامشية على النصوص المنشورة في المواقع الرقمية.
الهوامش:
– أحمد جاسم الحسين: القصة القصيرة جدا، منشورات دار عكرمة، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 1997م؛
2 – محمد محيي الدين مينو: فن القصة القصيرة جدا، مقاربات أولى، منشورات مدرسة الإمام مالك الثانوية، دبي، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى سنة 2000م؛
3- ذ.يوسف حطيني: القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق، مطبعة اليازجي، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2004م؛
4- عبد الدائم السلامي: شعرية الواقع في القصة القصيرة جدا، منشورات أجراس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2007م؛
5 – د.جميل حمداوي: القصة القصيرة جدا بالمغرب: المسار والتطور، مؤسسة التنوخي للطبع والنشر والتوزيع، آسفي، الطبعة الأولى سنة 2008م؛
6 – د.جميل حمداوي: خصائص القصة القصيرة جدا عند الكاتب السعودي حسن علي البطران، دار السمطي للنشر والإعلام، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 2009م؛
7- د.جميل حمداوي: القصة القصيرة جدا بالمغرب: قراءة في المتون، منشورات مقاربات، آسفي، الطبعة الأولى سنة 2009م؛
8- د. عبد العاطي الزياني: الماكروتخييل في القصة القصيرة جدا بالمغرب، منشورات مقاربات، سلسلة بحوث المجلة، الطبعة الأولى سنة 2009م؛
9 – د.سعاد مسكين: القصة القصيرة جدا في المغرب: تصورات ومقاربات، التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى سنة 2011م؛
10- جاسم خلف إلياس: شعرية القصة القصيرة جدا، دار نينوى، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م؛
11 – د.حسن المودن: (شعرية القصة القصيرة جدا)، موقع الفوانيس، مجلة رقمية مغربية، بتاريخ:31-12-2006م؛
12- د.جميل حمداوي: (تطور القصة القصيرة جدا بالمغرب)، مجلة التجديد العربي، مجلة رقمية، عرض المقال بتاريخ:11-04-2007م؛
13- د.جميل حمداوي: (القصة القصيرة جدا: تاريخها وفنها ورأي النقاد فيها)، مجلة الأدب الإسلامي،السعودية، العدد:63، 2009م، صص:4-14؛
14- د.جميل حمداوي: (القصة القصيرة جدا فن المستقبل) ، مجلة الكويت، الكويت، العدد222،يونيو2011م، ص: 74-75؛
15- حسين علي محمود: (القصة القصيرة جدا، قراءة في التشكيل والرؤية)، من ورقة ألقيت بقسم الأدب بكلية اللغة العربية بالرياض(السعودية)، يوم السبت:26-04-2003م؛
16- د.يوسف حطيني: (القصة القصيرة جدا عند زكريا تامر)، الأسبوع الأدبي، العدد:77،بتاريخ:06-10-2001م؛
17- إبراهيم السبتي: (محنة القصة القصيرة جدا)، مجلة الحوار المتمدن، مجلة رقمية، العدد:1562، بتاريخ:26-05-2006م؛
18- ثائر العذاري: (شعرية القصة القصيرة جدا)، مجلة دروب، مجلة رقمية، عرض فيها المقال بتاريخ: 25-12-2007م؛
19- عبد الله المتقي: (القصة القصيرة جدا: مواقف ورؤى)، مجلة ديوان العرب، مجلة رقمينة، بتاريخ:16نوفمبر2006م؛
20- رشيد كرمة: (القصة القصيرة جدا)، جريدة عراق الغد، العراق، بتاريخ29-09-2007م؛
21- أحمد عمران: (مقاربة حول أدب القصة القصيرة جدا)، مجلة أفق الرقمية، بتاريخ: 07-05-2005م؛
22- أبو شامة المغربي: (ببليوغرافيا القصة القصيرة جدا في المملكة العربية السعودية)، المجلة الثقافية، مجلة رقمية، بتاريخ:الاثنين15شوال 1427هـ، الموافق لـ6نوفمبر2006م؛ وانظر كذلك ببليوغرافيات جميل حمداوي: (ببليوغرافية القصة القصيرة جدا بالمملكة العربية السعودية)، مجلة أبعاد، السعودية، العدد السابع، سبتمبر 2010م، و( القصة القصيرة جدا بالسعودية: التاريخ والببليوغرافيا )، مجلة الرافد، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، العدد:155، يوليوز 2010م؛
23- ينجز كل من جميل حمداوي وعيسى الدودي وفريد أمعظشو أنطولوجيا القصة القصيرة جدا بالمغرب، كما يعد المبدع المغربي عبد الله المتقي أنطولوجيته حول القصة القصيرة جدا بالعالم العربي؛
24- انظر الملف القيم الذي أعده عبد الله المتقي حول القصة القصيرة جدا ، مجلة مجرة، العدد:13، مطبعة دار البوكيلي، القنيطرة، المغرب، خريف 2008م ؛
25- انظر: بحثا عن الديناصور: مختارات من القصة القصيرة جدا في أمريكا اللاتيية، ترجمة: سعيد بنعبد الواحد وحسن بوتكى، مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، معهد سربانتيس بالدار البيضاء، الطبعة الأولى 2005م، ص: 94؛
26- انظر : بحثا عن الديناصور: مختارات من القصة القصيرة جدا في أمريكا اللاتيية، ، صص:26-148؛
27- إبراهيم السبتي: (محنة القصة القصيرة جدا)، مجلة الحوار المتمدن، مجلة رقمية، العدد:1562، بتاريخ:26-05-2006م؛
28- هيثم بهنام بردى: القصة القصيرة جدا: المجموعات القصصية(1989-2008م)، مطبعة تموز رند، دمشق، سوريا ، الطبعة الأولى سنة 2011م؛
29- إبراهيم درغوثي: (حب مجانين)، موقع أتحاد كتاب الإنترنت العرب، موقع رقمي، http://www.arab-ewriters.com/?action=ShowWriter&&id=247
30- عبد القادر برغوث: (قصص قصيرة جدا)، موقع إيلاف، موقع رقمي، بتاريخ:26-12-2006م؛
31- حسن بن علي البطران: نزف من تحت الرمال، صدرت بالمملكة العربية السعودية في طبعتها الأولى سنة 2009م؛
32- فهد المصبح: الزجاج وحروف النافذة، نادي القصة السعودي بالجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، الرياض، الطبعة الأولى سنة 2002م، 50 صفحة؛
33- سهام العبودي: خيط ضوء يستدق، المكتبة الوطنية ، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2004م؛
34- سهام العبودي: ظل الفراغ، دار المفردات للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى سنة 2009م؛
35- حسن برطال: أبراج، قصص قصيرة جدا، منشورات وزارة الثقافة المغربية، الرباط، الطبعة الأولى سنة 2006، ص:86؛
36- الزهرة رميج: عندما يومض البرق، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2008م؛
37- حسن برطال: أبراج، ص:77-78؛
38- حسن برطال: نفسه، ص:51؛
39- فاطمة بوزيان: ميريندا، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الطبعة الأولى سنة 2008م، ص:14؛
40- فاطمة بوزيان: ميريندا، ص:31؛
41- فاطمة بوزيان: نفسه، ص:60؛
42- جمال الدين الخضيري: فقاقيع، التنوخي للطبع والنشروالتوزيع، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م.

__________________


نبهات غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
القصة القصيرة جدا عند محمد اشويكة بين الانفتاح والاهتمام التقني نبهات المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 0 20-02-2013 11:28 PM
مستويات القصة القصيرة جدا عند جمال الدين الخضيري نبهات المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 0 14-01-2013 08:06 PM
شعرية القصة القصيرة جدا عند عز الدين الماعزي نبهات المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 0 25-12-2012 08:33 PM
أبحث عن مواضيع تتعلق بالنثر القصة القصيرة جدا عائشة بشارات الاستفسارات وطلبات الكتب 3 22-07-2011 06:25 PM
من حفر حفرة لأخيه وقع فيها .. سلسلة نوادر جحا للأطفال .. قصة صوتية للاطفال .. 11.mp3 بدر حلب قسم مكتبة الأطفال السمعية و المرئية 1 28-04-2010 01:43 AM


الساعة الآن »03:33 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd