روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > مكتبة علوم اللغة العربية > مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-07-2009, 02:35 PM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,781
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي الطفل واكتساب اللغة بين النظرية والتطبيق

الطفل واكتساب اللغة بين النظرية والتطبيق ـــ د.علي القاسمي / العراق

غرض الدراسة:‏

ترمي هذه الدراسة إلى فحص مسألة النمو اللغوي لدى الفرد خاصّةً اكتسابه اللّغة. ولما كان للغة العربية مستويان: أحدهما عاميّ والآخر فصيح، فإنّ الدراسة تتطرّق إلى كيفيّة اكتسابهما، والوسائل التي يمكن استخدامها لتعزيز اكتساب اللّغة العربيّة الفصحى بحيث يتمكّن منها، ويستخدمها أداةَ نفاذٍ إلى مصادر المعلومات؛ ما ييسّر إيجاد مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية البشريّة.‏

مجال الدراسة:‏

تنتمي الدراسات المتعلِّقة باكتساب الطفل أوّل لغة، وهي عندنا،عادة، اللهجة العاميّة، إلى مجال علم النفس. وأما اكتساب اللغة الثانية أو الأجنبية الذي يعني تعلّم أيّةٍ لغةٍ أُخرى بعد مرحلة الطفولة المبكرة، فهو من مباحث علم اللّغة التطبيقيّ. بيد أن تعلّم اللغة العربية الفصحى وتعزيزه يدخل في مجال التخطيط اللغويّ الذي هو علم مشترك يتطلب إجراء بحوث اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة ولغويّة.‏

تحديد المصطلحات:‏

نظراً لحداثة علم اللغة وعلم النفس، فإنّ مدلول بعض مصطلحاتهما يختلف من مدرسة فكريّة إلى أُخرى، بل يتباين من باحثٍ إلى آخر في المدرسة الواحدة. فمصطلحات مثل "اللغة الأولى" و " اللغة الأهليّة" و " اللغة الرئيسة" و " لغة الأم" و " ل 1" لم تخضع إلى تقييس أو توحيد بعد، وهي تدلّ في كثير من أدبيات علم اللّغة على اللّغة الأولى التي يتعلَّمها الطفل. ويُعدُّ الفرد من الناطقين بتلك اللغة ، على الرغم من أنّه يمكن أن يُعدّ من الناطقينً بعددٍ من اللغات إذا كان قد تعلّمها بلا دراسة رسمية وإنّما بطريقة طبيعيّة في العائلة أو المجتمع، كما يحصل لدى الطفل المزدوج اللّغة من أبوين يتكلَّمان لغتيْن مختلفتيْن أو لدى طفل يعيش في بيئة متعدِّدة اللُّغات.‏

ومن ناحية أُخرى، فإنّ مصطلحَي " اللغة الثانية" و " اللغة الأجنبيّة" يُستعمَلان، أحياناً، بوصفهما مترادفيْن يدلان على لغةٍ أُخرى يتعلّمها الفرد في المدرسة بعد مرحلة الطفولة المبكِّرة. ويُستعمَل مصطلح " اللغة الأولى"، أحياناً، ليدلّ على اللّغة التي يُتقِنها الفرد أفضل من غيرها. وهكذا قد يشير الفرد إلى لغته الأولى، ولغته الثانية، ولغته الثالثة طبقاً لدرجة إتقانه لهذه اللّغات. ويَستعمل بعضهم مصطلح " اللغة الأهلية" للدلالة على اللغة التي يتكلّمها الفرد بطلاقة تضاهي طلاقة أهلها في بلدهم.‏

ومن ناحية ثالثة، فإنّ هنالك من اللغويِّين من يعدّ اللهجة العربيّة العاميّة والعربية الفصحى لغتيْن مختلفتيْن، بحيث يخضع تعلُّم اللُّغة العربيّة الفصحى إلى نواميس تعلُّم اللّغة الثانية، على حين يرى لغويّون آخرون أنّ العاميّة والفصحى هما مستويان من مستوياتِ لغةٍ واحدة.‏

أما مصطلح " اكتساب اللغة " فيشير عموماً إلى العمليّة التي تنمو بها القدرة اللغويّة لدى الإنسان. ويشير مصطلح " اكتساب اللّغة الأولى" إلى نمو اللغة لدى الأطفال، على حين أن مصطلح " اكتساب اللّغة الثانية " يتعلّق بنمو اللّغة لدى البالغين كذلك.‏

في هذه الدراسة سنستخدم مصطلح " لغة الأم " للإشارة إلى أوّل لغة يتعلمها الطفل في البيت، ونفترض أنّها العربيّة العامّيّة، التي تُستخدَم في التواصل الاعتياديّ في المنزل والشارع.‏

العربيّة الفصحى ولهجاتها العامّيّة:‏

معروف أنَّ اللّغة العربيّة تعاني حالة ازدواجية لغويّة، شأنها شأن اللغات الكبرى الأخرى. وكان اللّغويّ الأمريكيّ تشارلس فرغيسون أوّل من درس ظاهرة الازدواجيّة في عدد من اللغات من بينها العربيّة وعرّف هذه الظاهرة بأنّها:‏

" وضع مستقرّ نسبيّاً توجد فيه بالإضافة إلى اللهحات الرئيسة للّغة (التي قد تشتمل على لهجة واحدة أو لهجات إقليمية متعددة) لغةٌ تختلف عنها، وهي مقنّنة بشكل متقَن (إذ غالباً ما تكون قواعدها أكثر تعقيداً من قواعد اللهجات)؛ وهذه اللغة كنوعٍ راقٍ، يُستخدَم وسيلةً للتعبير عن أدب محترم، سواء أكان هذا الأدب ينتمي إلى جماعة في عصر سابق، أم إلى جماعة حضاريّة أخرى، ويتمّ تعلُّم هذه اللغة الراقية عن طريق التربية الرسميّة، ولكن لا يستخدمها أيُّ قطاع من الجماعة في أحاديثه الاعتياديّة." (1)‏

ويتفق جميع اللغويِّين العرب مع فيرغسون على أنّ العامّيّات العربيّة هي ليست لغات مستقلّة عن العربيّة الفصحى، وإنّما لهجات جغرافيّة أو اجتماعية أصابها شيء من التغيير (أو التحريف) في بعض ألفاظها وبنياتها ودلالاتها، وأنّ الفصحى أغنى من العاميات في مفرداتها ومصطلحاتها وتراكيبها، وأنّ قواعدها أكثر تطوّراً وتقنيناً، وأوسع انتشاراً جغرافياً. ولهذا فإنّ الفصحى، وليست العامّيّات، هي التي تصلح أداةً فاعلة للتفكير المجرد، واكتساب المعرفة، والتواصل مع التراث، والتراكم الثقافيّ، وأساساً للتعاون بين جميع أقطار العروبة.(2)‏

وهذه الازدواجيّة اللّغويّة ظاهرةٌ كذلك في قضيّة اكتساب اللّغة لدى الطفل العربيّ. فلأن لغة البيت هي اللهجة العامّيّة فإنّ الطفل يكتسب العامّيّة بوصفها لغة الأم خلال السنوات الخمس الأولى من حياته ثم يأخذ في تعلم العربية الفصحى في روضة الأطفال أو المدرسة. هذا إذا كان محظوظاً ودخل المدرسة.‏

ولهذا فعندما نتحدّث في هذه الدراسة عن " اكتساب لغة الأم " أو "اكتساب اللّغة الأولى"، فإنّنا نعني اكتساب الطفل اللهجة العامّيّة، ونطاقه الدراسات النفسيّة. أما تعزيز تعلّم اللّغة العربيّة الفصحى، فإنّ نطاقه التخطيط اللغوي والسياسة اللغوية، كما ذكرنا.‏

اكتساب اللغة طبع أم تطبّع؟‏

لم يعُد خلافٌ اليوم حول ما إذا كانت اللغة طبعاً أم تطبُّعاً، أي ما إذا كانت ظاهرةً غريزيةً تلقائيّة أم اكتساباً من البيئة الاجتماعيّة. فجميع الباحثين متّفقون على أنَّ اللّغة تُكتسَب اكتساباً، ويؤكِّدون أهمِّيّة العاملَين البيولوجيّ والاجتماعيّ في عملية الاكتساب. ولكنَّهم يختلفون حول ما إذا كان العامل البيولوجيّ يتضمَّن قابليّة لغويّةً فطريّةً مخصوصةً أم لا، أي ما إذا كان اكتساب اللغة يتمُّ بمساعدة استعدادٍ لغويٍّ موروث أم لا. وإذا كان ذلك الاستعداد الفطريّ موجوداً فعلاً لدى الطفل عند ولادته، فما هي نسبة تأثيره في اكتساب اللّغة؟ ويشتدّ الخلاف بين الماديِّين والعقلانيِّين حول هذا السؤال الأخير.‏

العقلانيّون واكتساب اللّغة:‏

يميّز العقلانيّون بين ما هو عقليّ وما هو جسديّ. ويعدّون النشاط اللغويّ نشاطاً عقليّاً. فاللّغة ظاهرة إنسانيّة اجتماعيّة ولا يمكن اعتبارها مجرّد فعل ماديّ أو حيواني. ويفترضون أنّ الطفل يولد وهو مزوَّد باستعداد لغويّ فطريّ مخصوص يُعينه على اكتساب اللّغة.‏

يرى نعوم تشومسكي أنّ اللغة مهارة خاصّة وأنّ القدرة على تعلّمها موجودة في موروثنا الجينيّ. وأنّ الطفل يولَد وهو مزوَّد بقدرة لغويّة خاصّة أو برنامج داخليّ يمكِّنه من اكتساب اللّغة دون تدخل مباشر من الوالديْن أو المعلمِين؛ وأنّ تلك القدرة اللغويّة الفطريّة التي تولَد مع الطفل تمكِّنه من الابتكار اللغويّ. يقول تشومسكي:‏

" في حالة اللغة، ينبغي أن نشرح كيف يتمكّن الفرد الذي يحصل على بيانات محدودة، من تطوير نظام معرفي غنيّ جداً. فالطفل عندما يوضع في بيئة لغوية، يسمع مجموعة من الجمل التي غالباً ما تكون غير تامة، ومتشظية، وما إلى ذلك. وعلى الرغم من ذلك كله ينجح ـ خلال وقت قصير جداً ـ في " بناء" أو تمثل قواعد تلك اللغة، وتطوير معرفة معقّدة جداً، لا يمكن استخلاصها بالاستنباط ولا بالتجريد مما حصل عليه من خبرة. نستنتج أن المعرفة المتثَّلة داخلياً لا بدّ أنها محدّدة بدقة من طرف مَلكة بيولوجية ما." (3)‏

وقد قام أحد أتباع تشومسكي وهو ديريك بكيرتون D. Bickerton ببحث معمَّق حول كيفية تحوُّل اللّغة الهجينة Pidgin التي كانت موجودة في هاييتي إلى لغة الكريول. فقد كان العمال القادمون إلى هايتي من الصين واليابان وكوريا والبرتغال والفلبين وبورتريكو، يستخدمون تلك اللّغة الهحينة، وهي مزيج من الإنجليزيّة ولغات أولئك العمال. وتمتاز بمفردات محدودة في عددها، بسيطة في تراكيبها، ولا يتَّبع ترتيبُ المفردات في الجملة نظاماً معيَّناً، بل يختلف تقديم المفردات وتأخيرها في الجملة من متكلِّم إلى آخر.‏

وادعى الباحث بكيرتون أنّ أطفال أولئك العمّال قاموا بتحويل تلك اللّغة الهجينة إلى لغة الكريول. ويزعم بكيرتون أنّ التحوّل قد تمّ عندما أخذ الأطفال يُغْنون مفردات اللّغة الهجينة وتراكيبها بصورة تلقائيّة ويطوّرونها، حتّى أصبحت لغة كاملة سمّيت بـ الكريول. ويستدلّ أتباع تشومسكي من ذلك البحث أن اكتساب اللغة ـ على الأقلّ فيما يخصّ اكتساب لغة الأمّ ــ يتضمَّن شيئاً من الخلق والابتكار اللغويّ بفضل القدرة اللّغويّة الفطريّة التي تولد مع الطفل. (لاحظ أن بحث بكيرتون لاقى نقداً شديداً) (4).‏

أمّا منتقدو تشومسكي فيسوقون الحجج التالية لتفنيد نظريّته:‏

1ـ إن تشومسكي يفرِّق بين القدرة والأداء. والأداء هو التحقُّق الفعليّ للقدرة اللغويّة الفطريّة عند المتكلِّمين، من خلال ما يقولونه فعلاً. وأقوالهم غالباً ما لا تتّفق مع قواعد اللّغة؛ على حين أنّ ما يغرفونه بالغريزة أو بالفطرة‏

عن قواعد لغتهم يتفق مع النحو‏

العالمي Universal Grammar، أي الآليّات الضروريّة والمشتركة في كلِّ اللّغات. والمشكلة هي أنّ تشومسكي يعتمد على حدس الناس بشأن ما هو صحيح وما هو خطأ. ولكنّ الناس لا يتفقون على ذلك الشأن. وأنّ أحكامهم في هذا الخصوص تعكس أداءهم، أي الطريقة الفعليّة التي يستعملون بها اللغة.‏

2ــــ يميّز تشومسكي بين النحو المركزيّ وبين النحو الهامشيّ للّغة. والنحو المركزيّ هو ما يتفق عليه جميع الناس وهو يتلاءم مع النحو الكُلّيّ. ولكن تكمن المشكلة في كيفيّة التمييز بين ما هو من القواعد المركزيّة وبين ما هو من القواعد الهامشيّة. فهناك من اللغويين مَن يرى أنّ جميع النحو هو تواضعيّ اتفاقيّ، وليس هنالك سبب لإجراء هذا التمييز الذي يقترحه تشومسكي بين القواعد المركزيّة والقواعد الهامشيّة.‏

3ــــ يبدو أن تشومسكي يعدّ المعنى والسياق الاجتماعيّ الذي تُستعمَل فيه اللّغة، من الأمور الثانوية، ولهذا فإنّه لا يأخذ في النظر الظروف أو السياقات التي يكتسب فيها الطفل لغة الأم (5) .‏

وخلاصة القول إنّ تشومسكي يرى أنّ الطفل مستقلّ بذاته من حيث اكتساب اللغة وابتكارها. إنّه مبرمَج داخليّاً ليتعلّمها ولا يحتاج إلا إلى القليل من الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة الملائمة.‏

الماديون واكتساب اللغة:‏

يرى الماديّون أنَّ العقل هو مجرّد امتدادٍ للجسد ولا يختلف عنه إلا في صعوبة ملاحظة نشاطه من قِِبَلنا. ويرون أنَّ النشاط الإنسانيّ، ومنه النشاط اللّغويّ، هو سلسلة ماديّة من تعاقب السبب والنتيجة؛ وأنَّ الظاهرة اللغويّة يمكن دراستها مختبريّاً في نطاق التجارب العلميّة المتعلِّقة بالمُثير والاستجابة؛ وهي التجارب نفسها التي تُجرَى على الحيوانات. ولهذا فهم يفترضون أنَّ اكتساب اللغة يتمّ فقط من خلال التفاعل بين قدراتنا العقليّة ومحيطنا الاجتماعيّ.‏

ولعلَّ من أبرز مُمثِّلي هذا التيار عالم النفس جيروم برونر Jerome Bruner الذي لا ينكر وجود قدرة لغويّة موروثة لدى الطفل. ولكن لكي يكستب الطفل اللغة الأمّ، فإنّه يحتاج إلى بيئة لغويّة مناسِبة. وإذا كان بالإمكان تسمية القدرة اللّغوية الموروثة بآلية اكتساب اللغة، فإنّ البيئة اللغوية اللازمة لاشتغال تلك الآلية يمكن تسميتها بـنظام إسناد أو تعضيد اكتساب اللغة. وهذا النظام يتجسّد بالعائلة التي تشجِّع الطفل على الكلام، بل تتيح له الفرص الكثيرة لاكتساب اللّغة، أثناء تغذيته أو تنظيفه أو اللعب معه. فجميع هذه الفعاليّات مصحوبة باللغة؛ وأنَّ تعلُّم اللغة يعتمد على قدرة الطفل على فهم الفعاليّات الاجتماعيّة والمشاركة فيها، وإدراكه الطريقة التي تُستعمَل فيها اللّغة. فالسلوك اللغويّ لبيئة الطفل والمحيطِين به والظروف الاجتماعيّة ذو أثر حاسم على اكتسابه اللغة. فالطفل مُشارك فاعل في اكتساب اللّغة، ولكن دور الوالديْن والمجتمع هو أساسيّ وضروريّ(6).‏

ومما يؤيِّد وجهة النظر هذه حالتان:‏

1) حالة الطفل الذي تضرَّرت أجزاء معيَّنة أو منطقة مخصوصة في مخِّه، فهو يصعب عليه جداً اكتساب اللغة.‏

2) حالة الطفل الذي لم ينشأ في بيئة لغويّة مناسبة، مثل الطفل الذي تربيّه الحيوانات، يصعب عليه جداً اكتساب اللغة.‏

مراحل اكتساب لغة الأمّ:‏

وسواء أكانت القدرة اللّغويّة الموروثة لدى الطفل أَم بيئته الاجتماعيّة اللغويّة هي التي تضطلع بالدور الأساسيّ في اكتسابه اللّغة، فإنّ الماديِّين والعقلانيِّين متفقون على أنّ اكتساب لغة الأمّ يمرّ بمراحل محدَّدة أثبتتها الملاحظة العمليّة للتطوُّر اللغويّ لدى الطفل.‏

ومن المراجع العربية الرئيسة التي ذكرت هذه المراحل بدقّة ووضوح كتاب " في طرائق تدريس اللّغة العربيّة "(7) الذي لم يفقد قيمته العلميّة وجدّته المعرفية، على الرغم من مرور ربع قرن على صدوره. ونجد فيه أنّ مراحل اكتساب اللغة أربع:‏

1) مرحلة ما قبل الكلام، التي يُطلِق خلالها الوليد الجديد صيحات وصرخات لاإراديّة، يمكن تفسيرها بأنّها ردّ فعل غريزيّ للتعبير عن انفعالات غير سارة أو إحساسات طبيعية كالجوع، والتعب، والخوف، والألم الناتج من مثيرات خارجية كالحرارة والبرودة والضوء الشديد وغير ذلك. ويعدّ الصراخ والصياح تمريناً لجهاز التنفُّس الذي يشكِّل جزءاً من جهاز النطق لدى الطفل. وتمتدّ هذه المرحلة من الولادة حتّى الأسبوع الثالث، وأحياناً حتّى الأسبوع الثامن من عمر الوليد.‏

2) مرحلة المناغاة، التي يأخذ الطفل خلالها بتكرار بعض الأصوات المقطعيّة بصورة إراديّة، كما لو كان يتمرّن على أدائها وإتقانها أو يلعب بها، وهو يقوم بذلك في أوقات الراحة والرضا. والمناغاة غريزيّة لدى الأطفال، بيد أن المُحيطِين بالطفل قد يشجِّعونه على تكرار أصوات معيَّنة مثل (با..با..) أو (ما..ما..) وتعزيزها، على حين يثبِّطون أصواتاً مقطعيّة أُخرى. وتمتدّ هذه المرحلة بصورة تقريبيّة من الشهر الثاني إلى الشهر الخامس من عمر الطفل. وتتفاوت مدّتها من طفل لآخر حسب الفروق الفردّية.‏

3) مرحلة المحاكاة، التي يأخذ الطفل خلالها بمحاكاة المحيطين به في إيماءاتهم وتعبير وجوههم. وتعدّ الإيماءات والحركات المعبِّرة وسيلة من وسائل التواصل. وفي هذا الصدد، يرى مايكل كورباليس أنَّ الإنسان القديم بدأ بالتواصل من خلال إشارات اليديْن مع عدد محدود من الصرخات والأصوات، ثم تطوَّر التواصل لديه بنمو الأصوات وانحسار الإشارات، بحيث احتلّ الكلام اليوم الغالبية العظمى من مساحة التواصل، على حين بقيت للإشارات مساحة ضيقة فقط (8).‏

وللمحاكاة أنواع عديدة: تلقائي، إرادي، بفهم، بدون فهم، دقيق، غير دقيق، عاجل،آجل، إلخ. وتتباين قدرة الأطفال على المحاكاة ونطق الكلمات الأولى طبقاً للذكاء والسن والجنس والفرص المتاحة، ووجود أطفال آخرين في العائلة، إلخ. وتبدأ مرحلة المحاكاة في حوالي الشهر التاسع أو العاشر من عمر الطفل.‏

4) مرحلة الكلام والفهم، التي يبدأ فيها الطفل بفهم معنى الألفاظ ونطقها. ففي أواخر السنة الأولى من العمر يأخذ الطفل بنطق الكلمات المفردة. وفي الأشهر الستة الأولى من السنة الثانية يبدأ بنطق كلمتين معاً. وفي النصف الثاني من السنة الثانية يستطيع نطق مجموعة من الكلمات مع عناصر النحو الأولى. وبين السنتين الثالثة والرابعة من العمر، يأخذ الطفل في تكوين الجمل. ويتمّ اكتسابه لأقسام الكلام طبقاً للترتيب التالي: الأسماء، فالأفعال، فالأدوات (9).‏

وهذه المراحل الأربع تقريبيّة من حيث مدتها وتتفاوت من طفل لآخر حسب الفروق الفرديّة، كما ذكرنا.‏

اكتساب اللّغة العربيّة الفصحى:‏

إذن، في حوالي السنة الخامسة من العمر يكون الطفل قد اكتسب لغة الأم التي يتواصل بها مع أهله في المنزل وأقرانه في اللعب. ولكنّ هذه اللّغة هي العربيّة العاميّة. وهي لا تؤهِّل الناطق بها للنفاد إلى مصادر المعلومات وامتلاك المعرفة. إنّها مجرّد مستوى من مستويات اللّغة العربيّة يُستعمَل في التواصل اليومي المحدود. أمّا العربيّة الفصحى فيبدأ الطفل في اكتسابها عند دخوله روضة الأطفال أو المدرسة، وتحتاج إلى سنوات قبل أن يتمكَّن منها ويستخدمها بصورة فاعلة.‏

وعلى الرغم من أنّ العاميّة والفصحى هما مستويان من مستويات لغة واحدة ويشتركان في كثير من التراكيب الأساسية والمفردات الرئيسة، فإنّ الفصحى تمتاز بكونها أثرى لفظا، وأوفر مصطلحاً، وأوسع تركيباً، وأكمل قواعد. ولهذا فالفصحى هي لغة النّفاذ إلى مصادر المعلومات، وانتشارها ضرورة لإيجاد مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية البشريّة.‏

ومن ناحية أخرى فإنّ العاميّات تختلف عن الفصحى في نطق كثير من الوحدات الصوتيّة الأساسيّة التي تسبِّب فرقاً في معنى الألفاظ مثل الصوتيَّتيْن /ق/ و /ك/ في كلمتَي (قلب) و(كلب)، والصوتيَّتين /ث/ و /س/ في كلمتَي (ثالِب) و (سالِب)، والصوتيتيْن /ظ/ و /ز/ في كلمتَي (ظلَّ) و (زلَّ). كما تختلف العاميّة عن الفصحى في بعض بنياتها ودلالات ألفاظها.‏

ولهذا فإنّ الطفل الذي اكتسب لغة الأمّ قبل المدرسة، يجد بعض الصعوبة في اكتساب عادات لغوية جديدة، حتّى إن كانت تنتمي إلى نظام لغوي واحد نتاج ثقافة واحدة. ومن هنا نخلص إلى أنّ اكتساب لغة الأمّ العاميّة يتم في ظروف طبيعيّة لا تحتاج إلى كبير تدخل من الوالديْن والمحيطِين بالطفل. ولكن اكتساب لغة المدرسة الفصحى يحتاج إلى تدخُّل كبير من العائلة والمجتمع؛ بل يحتاج من الدولة تخطيطاً محكماً.‏

التخطيط اللغويّ لامتلاك الفصحى:‏

التخطيط اللغوي هو نشاط رسميّ تضطلع به الدولة، ويتطلًَّب دراسات اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة ولغويّة. وهدفه وضع مشروعِ خطةٍ للتحكُّم في الفضاء اللغويّ في البلاد وتهيئته بصورة تضمن المصالح العليا للأمة. وعندما تصادق السلطة التشريعيّة على مشروع الخطة هذا، يصبح سياسةً لغوية للبلاد تلتزم السلطة التنفيذية وجميع المؤسَّسات والهيئات والمجتمع المدني بتطبيقها وتنفيذها. ويحتاج تنفيذ السياسة اللغويّة إلى تضافر جهود الجماعات والأفراد من أجل التأثير في الاستعمال اللغويّ وزيادة وتيرة التطوّر اللغويّ للمواطنين.‏

وينبغي للسياسة اللغوية الجيّدة في البلاد العربيّة أن تتناول مجالات لغويّة متعددة متداخلة مثل: محو الأمية، وتعميم استعمال العربيّة الفصحى، وتنمية اللغات الوطنيّة غير العربية، وتعليم اللغات الأجنبيّة، والترجمة من العربيّة وإليها، وتعليم العربيّة لغير الناطقين بها، وغير ذلك من المسائل ذات العلاقة.‏

وفي ما يتعلَّق بتمكين المواطنين من اللغة العربية الفصحى، تحتاج السياسة اللغوية الجيدة إلى العمل في جبهتيْن في آنٍ واحد. وهاتان الجبهتان هما:‏

أولاً، تنمية اللغة العربيّة الفصحى ذاتها،‏

ثانياً، تعزيز اكتساب العربيّة الفصحى واستعمالها.‏

تنمية اللغة العربية الفصحى:‏

تقوم الدولة بإجراءات عديدة لتنمية اللغة العربيّة الفصحى وتوفير الوسائل اللازمة لاكتسابها واستعمالها بيُسر وسهولة. ومن هذه الإجراءات الرئيسة ما يأتي:‏

إنشاء مجمع لغوي يسهر على تنمية اللغة، وتشجيع البحث في قواعدها، وتيسير كتابتها، وإنشاء مدوّنات لغوية تيسّر إصدار معاجم تاريخية عامة ومتخصِّصة لها، ورفدها بالمصطلحات العلميّة والتقنيّة الجديدة.‏

إقامة مراكز بحوث لغويّة نفسيّة جامعيّة، للوصول إلى أفضل طرائق تدريس المهارات اللغويّة العربيّة.‏

إصدار معاجم متنوِّعة تلبي حاجات المستعمِلين في مختلف مراحل العمر ولمتباين الأغراض، وإتاحة هذه المعاجم على الشابكة كذلك.‏

إقامة مركز متعدّد الوسائط لتوفير صحافة الطفل باللغة العربية الفصحى، سواء أكانت هذه الصحافة على شكل مجلات أطفال، أو مسلسلات تلفزيونيّة، أو برامج ترفيهيّة للأطفال، أو برامج حاسوبيّة.‏

إنشاء مركز متخصِّص في الترجمة إلى العربيّة، لإثراء المكتبة العربيّة بالفكر العالميّ.‏

نشر المكتبات العامّة في القرى والأرياف.‏

إغناء النشر الإلكتروني العربيّ وتيسير استفادة المواطنين منه.‏

تعزيز اكتساب العربية الفصحى واستعمالها:‏

يتعلّم الطفل العربيّة الفصحى وقواعدها في المدرسة. ولكن إذا انحصر استعمال العربيّة الفصحى في دروس اللّغة العربيّة في المدرسة فقط، وظل المجتمع برمته يستعمل العاميّة أو لغات أجنبية، فإنّ العربية تبقى كلغة أجنبيّة ولن يتمكَّن الفرد من إتقانها. ولهذا ينبغي أن ترمي السياسة اللّغويّة إلى استعمال العربيّة الفصحى في جميع مرافق الحياة، مثل:‏

1) التعليم: يجب أن تكون العربيّة الفصحى لغة التعليم في جميع مراحله ومستوياته وتخصصاته. وينبغي أن تحرص المدارس والمعاهد العالية على إلقاء المعلمين والمدرسين والأساتذة دروسهم بالعربيّة الفصحى وليس بالعاميّة ولا بخليط منهما.‏

2) الإدارة: يجب أن تكون العربيّة الفصحى هي لغة الإدارة في جميع مكاتباتها ومخاطباتها مع المواطنين.‏

3) الإعلام: يحب أن تكون العربيّة الفصحى فقط هي لغة وسائل الإعلام المنطوقة والمقروءة والمرئية في جميع برامجها. ولا تُستعمَل العامية مطلقاً في البرامج ولا المسلسلات التلفزيونية ولا البرامج الترفيهية ولا الأغاني، لأنّها تؤثر سلباً على تعزيز اكتساب العربيّة الفصحى وإتقانها. وحالما يصدر قرار بهذا الشأن من السلطات، ستتحوَّل شركات إنتاج الأفلام والمسلسلات إلى استعمال العربيّة الفصحى في جميع منتجاتها، لأنها تتوخى الربح. أما هواة الفنون الشعبيّة (الفولكلور) فلهم أن يقيموا جمعيّاتهم الخاصّة بهم.‏

4) مرافق الحياة العامّة: يجب أن تكون العربيّة الفصحى هي اللغة التي تُكتَب بها اللافتات في الشوارع، وأسماء المحلات التجاريّة، وجميع ما يراه المواطنون في الأماكن العامّة. وهذا يساعدهم على تعلّم مفردات وتراكيب جديدة أو يعزِّز ما تعلّموه من ألفاظ وبنيات لغويّة.‏

الهوامش‏

(1)Charles Ferguson, “ Diglossia” Word, 15 (1959) 325-340.‏

(2) انظر:‏

ــ محمود فوزي المناوي، في التعريب والتغريب (القاهرة: دار الأهرام، 2005)‏

ــ صالح بلعيد، منافحات في اللغة العربية ( تيزي وزو: جامعة مولود معمري، 2006)‏

ويشتمل الكتابان على آراء نخبة من اللغويين العرب في العربية الفصحى ولهجاتها.‏

(3) Noam Chomsky, Language and Responsibility (Sussex: The Harvester Press, 1979) p. 63.‏

(4) Timothy Mason, “ L’acquition dans les circonstances extrèmes : la periode critique » dans : timothyjpmason.com/WebPages/langTeach‏

(5) المرجع السابق.‏

(6) Jerome Bruner, Child Talk (New York: Norton, 1983)‏

(7) محمود أحمد السيد، في طرائق تدريس اللغة العربية (دمشق: جامعة دمشق، 1982) .‏

(8) Michael C. Corballis, From Hand to Mouth: The Origin of Lanugage (Princeton University Press, 2002)‏

وللكتاب ترجمة عربية:‏

ـــ مايكل كورباليس، في نشأة اللغة: من إشارة اليد إلى نطق الفم (الكويت : عالم المعرفة، 2006) الرقم 325.‏

(9) محمود أحمد السيد، المرجع السابق، ص 113 ـ122. ويلخّص حامد أحمد سعد الشنبري في كتابه لغة الطفل (مكة: ط2، 2007) مراحل اكتساب اللغة، فيجعل المرحلة الأولى مرحلتين: مرحلة الصراخ بعد الولادة مباشرة نتيجة خروج الهواء من الجهاز التنفسي، ومرحلة الأصوات الانفعالية التي تعبّر عن الخوف والغضب والجوع وغيرها.‏

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-03-2010, 06:48 PM   #2
متفائلة جدا
وفقها الله
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: ------------
المشاركات: 4,845
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الطفل واكتساب اللغة بين النظرية والتطبيق

جزاك الله خيرا

متفائلة جدا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2011, 06:48 AM   #3
أم يوسف 5
( وفقها الله )
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 39,779
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الطفل واكتساب اللغة بين النظرية والتطبيق

بسم الله الرحمن الرحيم

جزاك الله خيرا .. بارك الله فيك

__________________

تحصنا بالله الذي لاإله إلا هو وإليه كل شئ
وتوكلنا على الحي الذي لايموت
واستدفعنا الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله


لكل مريض
اللهم رب الناس مذهب البأس إشف أنت الشافي
لاشافي إلا أنت
إشفهم شفاء لايغادر سقما













أم يوسف 5 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-07-2011, 05:44 AM   #4
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,977
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الطفل واكتساب اللغة بين النظرية والتطبيق

أحسن الله إليكم، ونفع بكم

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-09-2011, 12:34 AM   #5
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 68,264
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الطفل واكتساب اللغة بين النظرية والتطبيق

بارك الله تعالى فيكم

__________________



أبو ذر الفاضلي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق أبو ذر الفاضلي كتب القانون المصورة 5 27-08-2013 12:32 PM
علم الآثار بين النظرية والتطبيق أم يوسف 5 كتب التاريخ والحضارات المصورة 3 03-12-2012 10:25 AM
علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق الخطابة النبوية نموذجًا. محمد أحمد المصري مكتبة علوم اللغة العربية المصورة 10 03-12-2011 07:02 AM
العلمانية بين النظرية والتطبيق أم يوسف 5 كتب العقيدة والأديان المصورة 3 04-07-2011 10:34 PM
النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق أبو ذر الفاضلي المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 8 13-09-2010 10:29 PM


الساعة الآن »04:17 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd