روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 13-08-2009, 03:36 PM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,781
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي ابن خلدون ونظرية الشعر

ابن خلدون ونظرية الشعر

قدمت هذه المداخلة بمناسبة أيام الإبداع الأدبي بزغوان (الدورة 16)



لئن اكتملت معالم نظرية الشعر عند العرب منذ القرن السادس للهجرة (الزمخشري ت 538، السكاكي سراج الدين ت 626هـ ) أي باكتمال النظريات البلاغية فإنّ منابع الفكر اللغوي و البلاغي لم تنضب وأنّ إنتاج المعرفة في مختلف علوم الإنسان لم تتوقّف وإنّ العصور المتأخّرة وإن عدّت عند مؤرّخي الحضارة العربية الإسلامية عصور الموسوعية والشروح وأدب الذكرى لتعد عند الباحثين الذين يعيدون النظر في هذه الأحكام عصورا حقيقية بأن يردّ إليها الاعتبار العلمي ، وأن تعاد إلى مركز البحث و التمحيص بعد إن ظلّت لعقود عديدة على هامش الدراسات الأكاديمية و الثقافية عامّة .



ومن المصادرات أو الفرضيات التي يتردّد طرحها في العقود الأخيرة أنّ البعد اللساني والأدبي في فكر ابن خلدون (ت 808هـ/ 1006 م ) لا يمكن أن يكون دون سائر عناصر نظريته طرافة وإبداعا وإضافة ،وأنّ القسم الذي خصّصه لعلوم اللسان و الأدب من مقدّمته خليق بأن يعاد النظر فيه في ضوء نظريته العامة في علم الاجتماع و العمران .



إنّ الحدث الذي أنجزه تاريخ ابن خلدون وخاصة مقدمته في تاريخ المعرفة الإنسانيّة لا يمكن ألاّ يشمل جميع عناصر المنظومة المعرفيّة القديمة. وإنّ إسهامه في بناء الإبستيمية الحديثة في مجال علم الاجتماع لا تكتمل حلقاته دون أن يكون للرجل تصوّر للفكر اللساني والأدبي ملائم لمقارباته الاجتماعية .

وفعلا فقد خصّص ابن خلدون الباب السادس من المقدّمة للعلوم وأصنافها و التعليم وطرقه وسائر وجوهه. وهو باب في خمسين فصلا يمكن أن نعدّه بالقياس إلى الأبواب الخمسة المتقدّمة القسم الخاص بالبنية الفوقية للعمران والاجتماع، فهو القسم المتّصل بإنتاج المعرفة في جميع أنساقها وجداولها وأشكال اتصالها بالعمران البشري .



وضمن هذا الباب كان لنظرية الأدب وللشعر على وجه التخصيص منزلة متميزة إذ خصّها ابن خلدون بسبعة فصول. ولئن كان تفصيل القول في خصائص تفكير ابن خلدون اللغوي والأدبي مفيدا فإنه يعسر علينا في هذا المجال أن نتوخّى منهجا تحليليا. وإنّا سنقتصر على مسألة واحدة نعتبرها من أهم المداخل إلى الكشف عن طرافة المقاربة الخلدونية لمفهوم الشعر وعن إضافته المعرفية في نظرية الشعر عند العرب وهذه المسألة هي الملكة الشعرية.



1- المؤثرات الثقافية و المعرفية في فكر ابن خلدون:

1-1 لئن كان للفكر الأرسطي أثر هامّ في فلاسفة الشعر أمثال الفارابي وابن سينا وفي البلاغيين المتأخرين كالقرطاجنّي (القرن السابع) و كالسجلماسي (ت القرن الثامن) فاستوفوا من خلال تحليل مفهومي المحاكاة و التخييل فقد اتجه ابن خلدون في قراءة هذا الفكر اتجاها مختلفا عمّا نجد في آثار المتقدّمين، وفتح باب دراسة الشعر من زاوية الملكة اللسانية ، وإن كان متأثرا بآراء حازم القرطاجني على النحو الذي سنرى.

1-2 أهمّ النظريات البلاغية العربية إلى حدود القرن الثامن للهجرة

-إطلاعه على ابن المعتز و المتقدمين من أهل البديع

" " البيانيين (قدامة – ابن رشيق)

" " المتأخرين من علماء البلاغة.



2- تعريف الشعر: الثابت و المتحوّل:

يعرّف ابن خلدون الشعر في سياق نقد التعريف المنطقي الصوري الذي يمثله خير تمثيل قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر.

يقول ابن خلدون :" الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف ، المفصّل بأجزاء متّفقة في الوزن و الروي ، مستقلّ كلّ جزء منها في عزمه ومقصده عمّا قبله وبعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة به " (1).



ونلاحظ في هذا التعريف أنّ ابن خلدون قد جانب التعريف المنطقي "الشعر كلام موزون مقفّى يدلّ على معنى ". وهو تعريف يرى فيه الدارسون خلطا و مماهاة بين الشعر وصفة الشعر، بين الشعر قولاّ مخيلا قائما على المحاكاة و الشعر كما تحقق في الثقافة العربية .

وقد حلّل ابن خلدون العبارات المؤلفة للتعريف تحليلا مستندا إلى المقولات الأرسطية وما تفرّع عنها من شروح فلاسفة الشعر العرب.



ويلفت الإنتباه في مكوّنات الخطاب التعريفي حرص ابن خلدون على تمييز الشعر من سائر أجناس الكلام بقوله: " فقولنا الكلام البليغ جنس" وحرصه ثانيا على إيلاء المحاكاة منزلة متميّزة من التعريف، وذلك في عبارتي الاستعارة و الأوصاف الدالتين على معنى التخييل .

إلاّ أنّ ابن خلدون حافظ على عنصرين تعريفيين يشدّان الشعر إلى الثقافة العربية أي إلى جنس القصيد بما هو الجنس المميّز للشعر العربي من سائر أجناس الشعر عند سائر الأمم :" وقولنا المفصّل بأجزاء متّفقة الوزن و الرّوي فصل له عن الكلام المنثور الذي ليس بشعر عند الكلّ " . فالعنصر الأوّل إذن هو قيام المبنى في الشعر على الوزن و القافية .

أمّا ثاني العناصر فهو جريان الشعر على أساليب مخصوصة به:

"وقولنا الجاري على الأساليب المخصوصة به فصل له عمّا لم يجر منه على أساليب الشعر المعروفة فإنه حينئذ لا يكون شعرا إنّما هو كلام منظوم فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الأساليب فلا يسمّى شعرا"1

إنّ الأساليب التمييزيّة المخصوصة ليست البنية الإيقاعيّة الخارجيّة. فهذه البنية الخارجية يطلق عليها القدامى العبارة التي استعملها ابن خلدون وهي النظم ، وهي كما يقول الدارسون عبارة منهجية فيها عيب واستنقاص 2.

لقد اعتبر ابن خلدون الشعرية قوانين أو أساليب ممكنة، مجرّدة يمكن إجراؤها لإكساب الكلام صفة الشعر. قد تردّدت في هذه الفصول التي عقدها لصناعة الشعر مخالفته لتعريف قدامة بن جعفر الذي قال عنه أدونيس بأنه يشوّه الشعر3.

خالف ابن خلدون هذا التعريف أوّلا بتنبيهه المتكرّر على أنّ الشعر جنس عالمي كوني وأنّ تعريفه لا يستقيم إلاّ إذا حدّدنا المقصود بالتعريف: هل هو الشعر كظاهرة تواصل بشرية أم الشعر جنس عالمي كوني وأنّ تعريفه لا يستقيم إلاّ إذا حدّدنا المقصود بالتعريف: هل هو الشعر كظاهرة تواصل بشرية أم الشعر جنس مظروف بتاريخ وبثقافة مخصوصة : هذا الفنّ من فنون كلام العرب وهو المسمّى بالشعر عندهم ، ويوجد في سائر اللغات إلاّ أنّا الآن إنّما نتكلم في الشعر الذي للعرب . فإن أمكن أن يجد فيه أهل الألسن الأخرى مقصودهم من كلامهم وإلاّ فلكل لسان أحكام في البلاغة (أي في الشعرية) تخصّه.

فهذا التعريف يسعى إلى إرجاع المعرفة الشعرية إلى مراتب المقولات الكونية دون أن يربطها بالثقافة العربية أو التجربة العربية كما جاء في تعريف قدامة بن جعفر" الشعر كلام موزون مقفى يدلّ على معنى "



وخالف هذا التعريف ثانيا بأن اعترض على العناصر المكوّنة له بقوله :"وقول العروضيين في حدّه إنه الكلام الموزون المقفى ليس بحدّ لهذا الشعر الذي نحن بصدده ، ولا رسم له ، وصناعتهم إنّما تنظر في الشعر من حيث اتفاق أبياته في عديد المتحرّكات والسواكن على التوالي ، فلا بدّ من تعريف يعطينا حقيقته من حيث الحـــــــيثيّة" ص1103-1104.

إنّ تعريف ابن خلدون للشعر خلاصة لما أنتجته المدرسة الفلسفية لكنه أثرى هذا التعريف بما أحدثه من تفاعل معرفي بين علوم اللسان وعلم الشعر على النحو الذي نرى في الفقرات التالية .



3-المنطلقات اللسانية وأثرها في تصوّر ابن خلدون للشعر:

إنّ تعريف ابن خلدون للبلاغة تعريف تداولي قائم على مفهوم الكفاية التواصلية. وقد سمّى هذه الكفاية ملكة لسانية، يقول :"يظنّ كثير من المغفّلين ممن لا يعرف شأن الملكات أنّ الصواب للعرب في لغتهم إعرابا وبلاغة أمر طبيعي ويقول كانت العرب تنطلق بالطبع وليس كذلك ، وإنّما هي ملكة لسانية في نظم الكلام تمكّنت ورسخت وظهرت في بادئ الرأي أنّها جبلة وطبع" ص 1085. ثمّ يضيف :"وإنّما تحصل هذه الملكة بالممارسة والاعتيــــــاد و التكرّر " ص 1087 .

لقد ركّب ابن خلدون الملكة الشعرية أي القوّة الناظمة للشعر على الملكة اللسانية أي الكفاية التواصلية لدى المتخاطبين بنفس اللسان . وقد كان لهذا التعريف أثر حاسم في تصوّره لأنساق الكلام وعلاقاتها بعضها ببعض : فقد ربط ربطا محكما بين الملكة اللسانيّة العامّة و الملكة الأدبية بصفتها جزءا من هذه الملكة العامّة فقال : "واعلم أنّ الشعركان شريفا عند العرب ... وكانت ملكة مستحكمة فيهم شأن ملكاتهم كلّها ، والملكات اللسانيّة كلّها إنّما تكتسب بالصناعة والإرتياض في كلامهم "ص 1099 .

ولا يخفى على قارئ المقدّمة حرص ابن خلدون على مجاوزة التصوّر الأسطوري للشاعرية أي ذلك التصّور الذي لا يفسّر بواعث الشعر تفسيرا لسانيا ذهنيا وإنّما يقصره على العلل الخارقة ويعدّه طبعا وسليقة وجبلة.

إنّ الملكة الشعرية في نظرية ابن خلدون وثيقة الصلة بقدرات الإنسان العرفانية والإدراكية . فقد انتبه إلى أنّها نشاط عرفاني وصناعة ذهنية وقوّة ناظمة للمعاني بحسب الجهة التي يرغب الشاعر في الإتجاه إليها لإستمداد المعنى الشعري الملائم للغرض، يقول :" وإنّما ترجع (يعني الصناعة الشعرية) إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كليّة باعتبار انطباقها على تركيب خاص وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها ، ويصيّرها في الخيال كالقالب أو المنوال .... ولا تقولن إن معرفة قوانين البلاغة كافية في ذلك لأنّا نقول : قوانين البلاغة إنّما هي قواعد علمية وقياسية تفيد جواز استعمال التراكيب على هيآتها الخاصة بالقياس وهذه الأساليب التي نحن نقرّرها ليست من القياس في شيء .

إنّما هي هيأة ترسّخ في النفس من تتبع التراكيب في شعر العرب "لجريانها على اللسان حتّى تستحكم صورتها فيستفيد بها العمل على مثالها ، والإقتداء بها في كلّ تركيب من الشعر "ص 1102.

لقد سعى ابن خلدون إلى تفسير الصناعة الشعرية تفسيرا عرفا نيا أو إدراكيا تجاوز فيه أوّلا التّصور البلاغي الضيّق الذي يمثله البيانيون ونقاد الشعر المقتصرون على قوانين البلاغة الضيقة لتفسير صناعة الشعر. ونقصد بالبلاغة الضيقة ، بلاغة العبارة على وجه الخصوص هي قواعد الشعر وقوانينه كما جاءت في مصنّفات البلاغيين مثل نقد الشعر لقدامة بن جعفر والعمدة لابن رشيق وعيار الشعر لابن طباطبا والممتع النهشيدي وغيرهم ، فقد اعتبر ابن خلدون أنّ معرفة الشاعر بهذه القوانين أي الأساليب البلاغية غير كافية لإبداع الشعر . فهي قوانين قياسية "نمطية غير إبداعية" .

إنّ صناعة الشعر ترجع إلى معرفة الصور الذهنية للتراكيب الكليّة : فما هي الصورة الذهنية؟ وما هو التركيب الكلّي ؟

إنّ الصورة الذهنية في كلام ابن خلدون هو الموضع الشعري العام ( Topoi ) أو الإتجاه الذهني الذي يشكله الشاعر لاختيار المعنى الشعري المطلوب في الغرض . وهذا الموضع كلّي من كلّيات الشعر يتّجه إليه الشاعر ليأخذ منه ما ينطبق على التركيب الخاص، أي على المقام الذي يقول فيه أو الغرض الذي ينشد فيه قصيدته4.



وقد فسّر ابن خلدون هذه الحركة الذهنية المميّزة للصناعة الشعرية بكونها حركة ذات اتجاهين: فهي حركة تتّجه من خارج الذهن إلى الذهن ويتمّ بها تخزين الثقافة الشعرية المحفوظة وتحويلها إلى منظومة من المواضع العامة (بالمعنى الأرسطي للموضع):"ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها (والمقصود بالأعيان والأشخاص النماذج الشعرية المحفوظة ) 5 . وتتحوّل هذه الثقافة الشعرية إلى قوالب ومناويل منهجية بالتراكيب اللغوية وبالسجلاّت التعبيرية التي تستعملها الملكة اللسانية . أمّا الإتجاه الثاني لهذه الحركة فهو استعمال تلك المناويل في قول الشعر. ونضرب على هذا التصوّر بعض الأمثلة من أغراض الشعر القديم.

المدح: هو غرض قولي/شعري مبني –حسب التصوّر الخلدوني –على غرض قولي مركوز في التخاطب والإجتماع الإنساني . ولهذا الغرض صور ذهنية منتظمة في مدوّنة الشعر القديم. وتسمّى هذه الصور معاني المدح، ومنها:

.المدح بالإجزال في العطاء: الكرم

. المدح بالبطش والبأس : الشجاعة

وقد تمّ تجريد هذه الصور في كتب نقد الشعر ضمن قوالب أغراضية عامّة ، الشجاعة والعفة والعدل و الحكمة .

فإذا رام الشاعر القول في غرض المدح اتجه إلى هذه الصور الذهنيّة ، وبحث عن مسلك لصناعة المعنى المجرّد المؤلّف للصورة فقال مثلا في المدح بالكرم حسان بن ثابت في مدح الغساسنة

يُغسون حتّى ما تهرّ كلابهم ** لا يسألون عن السواد المقبل



أو قال في مدحهم بالشجاعةالنابغة الذبياني

إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم

عصائب طير تهتدي بعصائب



وقد يلتبس على القارئ منهج ابن خلدون بمنهج حازم القرطاجني في منهاج البلغاء ، إلاّ أنّ المقارنة بين الرجلين تبرز أنّ المعنى الشعري عند حازم يختلف جزئيا عمّا هو عليه عند ابن خلدون .إن الموجـودات والأشياء ، حسب حازم، لها كيانات خارج الذهن والإدراك، وإذا أدرك الإنسان أحد الموجودات تكوّنت له صورة ذهنية عنه. يقول: "إنّ المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان، فكلّ شيء له وجود خارج الذهن فإنّه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه.فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ 6.

فحركة الإنتاج الشعري تقوم أساسا على تصوّر نفسي جمالي كما تقول نوال إبراهيم : وهي تؤكد صراحة في مقدّمتها لهذا المقال بأنّ حازما يتميز عن ابن خلدون في هذه النقطة بالذات إذ تقول :"غير أنّ كتاب حازم يتميّز عن مقدّمة ابن خلدون بأنّه حلقة واضحة في تراث نقدي, حلقة يمكن تتّبع أصولها منذ القرن السابع للهجرة إلى القرن الرابع قبل الميلاد عند الإغريق"7

إلاّ أنّ نظرتنا اليوم إلى إنتاج المعرفة وشرائطها لا تقاس بانتماء المفكّر إلى تاريخ العلم وحسب بل تقاس كذلك بمدى ما يضيفه الفكر البشري عامة إلى علم من العلوم أو إلى صناعة من الصنائع . ومن هذا المدخل نعتبر آراء ابن خلدون في الشعر ، وإن كانت متأثرة بحازم القرطاجني، إضافة لما جاء في المناهج .

فمفهوم الملكة الشعرية المكافئة للملكة اللسانية إنما هو مفهوم مستحدث أضافه ابن خلدون لنظرية حازم القرطاجني .

وقد وضع ابن خلدون الصناعة الشعرية في منظومة من الملكات العامة و الخاصّة ففي خصوص الملكات العامّة يقول . "وأعلم أنّ فنّ الشعر من بين الكلام كان شريفا عند العرب ...

وكانت ملكته مستحكمة فيهم شأن ملكاتهم كلّها . و الملكات اللسانية كلّها إنّما تكتسب بالصناعة والإرتياض في كلامهم " ص 1099. وفي سياق تصنيف الشعر ضمن الملكات الخاصّة يضع هذه الملكة بإزاء سائر العلوم الأدبية وغير الأدبية:" فالملكة الشعرية تنشأ بحفظ الشعر وملكة الكتابة بحفظ الأسجاع والترسيل، و العلمية بمخالطة العلوم....و الفقهية بمخالطة الفقه وتنظير المسائل وتفريعها ص 1113.

إنّ هذا التصنيف المعرفي كان يفتح المجال لتجديد الإنتاج الفكري المتصل بالدراسات الشعرية لو كان عصر ابن خلدون عصر ازدهار العلوم الإنسانية عامّة والأدبية خاصّة. فنحن نعلم –اليوم- كم كانت إفادة الشعريات الحديثة من النظريات اللسانية و الأنتروبولوجية مخصبة و لا تزال . وقد ألمع ابن خلدون إلى الوشائج المتينة التي تصل الملكة الشعرية باكتساب الثقافة وتكوين العقل تكوينا بنائيا

"إنّ النفس وإن كانت في جبّلتها واحدة بالنوع، فهي تختلف في البشر بالقوة و الضعف في الإدراكات (التمثلات) Représentations والألوان التي تكيّفها من الخارج فبهذه يتمّ وجودها ، وتخرج من القوّة إلى الفعل، والملكات التي تحصل لها إنّما تحصل على التدريج كما قدّمناه ، فالملكة الشعرية تنشأ بحفظ الشعر" ص 1112-1113.

إنّ بناء الكون الشعري عند ابن خلدون كسب ثقافي وتجربة تواصلية ، ونشاط معرفي للمتخيّل فيه منزلة متميّزة . وقد كان لهذا التصوّر إنعكاس على رأيه في تاريخ الشعر العربي ، فكان هذا الرأي في غاية الطرافة إذ نراه يذهب إلى أنّ التمدّن و التراكم المعرفي و الرقي الحضاري عوامل ترتقي بالشاعرية وتهذبها . فلا فضل عنده للأوّل على الآخر أو البدوي على الحاضر بل إنّ المتأخرين من شعراء العربية يفضلون المتقدمين منهم :

" فإنّا نجد شعر حسّان بن ثابت وعمر بن أبي ربيعة وجرير و الفرزدق ....وبشّار ثمّ كلام السّلف من العرب في الدولة الأمويّة وصدرا من الدولة العباسية ....أرفع طبقة في البلاغة بكثير من شعر النابغة وعنترة وابن كلثوم وزهير وعلقمة بن عبده وطرفة بن العبد، ومن كلام الجاهلية .....و الطبع السليم و الذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة ...." ص 1115.


الخاتــــــــمة

1-أقرّ ابن خلدون بأنّ الشعر ملكة موجودة بالطبع في كلّ لسان فوضع لبنة أولى من مبنى

الدراسات النفسية / العرفانية / الشعرية

2-وحرص على أن تكون نظرته إلى الشعر متناغمة وأسّس تفكيره الإجتماعي فلم ينظر إليه نظرة مركزية بل تطرّق إلى تعريفه من مدخل الكلّيات و المقولات العامّة المستندة إلى التراث الإنساني وخاصة اليوناني والإسلامي ( الشعر بما هو نشاط لغوي رمزي) فكان اهتمامه منصّبا على الشعر بما هو صفة للكلام أكثر ممّا هو جنس مخصوص به القصيد.

3-لم يتحدث عن بلاغة الشعر إلاّ وبإزائها بلاغة النثر فكان اهتمامه بالشعرية مقدّما على اهتمامه بالشعر وعلّة هذا التقديم أنّه يرى في الشعرية النواميس الدافعة لأجناس الشعر المطوّرة له عبر التاريخ الثقافي وبمقتضى تطوّر الشخصية الثقافية .

4-إقراره أنّ حفظ الشعر هو الشكل الأمثل لاكتساب الملكة الشعرية بصفتها لغة أمُا أي بصفتها لغة شعرية.

إنّ آراء ابــن خلدون في الشعر مشروع فكري كان يمكن أن يمدّ جسور التواصل بين الدرس البلاغــي و الشعري القديم وسائر العلوم الإنسانية وخاصّة علم النفس والإجتماع و الدلالة وهي جسور تنمّ عمّا جاء في هذا المشروع في كسر ابستمولوجي حقيقي أقرّ به الفكر الإنساني شرقا وغربا .



صالح بن رمضان

كليّـــة الآداب – منوبة



_______________________________________________

1 المقدّمة ، ص 1104 .

2 حمادي صمود: الشعر وصفة الشعر، مجلة فصول المصرية ، نوفمبر ديسمبر 1985، ص 79

3 مقدّمة الشعر العربي ، دار العودة ص 108.

4 وهذه القوانين الكليّة تختلف عن القوانين الكليّة المقصود بها علم البلاغة وهو عندهم علم كلّي "في الشعر و النثر جميعا تقع البلاغة " ابن وهب، البرهان في وجوه البيان

5 يقول ابن خلدون "إنّ المحصّل لهذه القوالب في الذهن إنّما هو حفظ أشعار العرب وكلامهم ....ثمّ بعد الإمتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسيج على المنوال يقبل على النظم، والإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ " في صناعة الشعر ووجه تعلّمه ص 1105.

6 منهاج البلغاء، تحقيق محمد الحبيب بالخوجة ، بيروت 1981، ص 18 وانظر كذلك نوال إبراهيم : طبيعة الشعر عند حازم القرطاجني ، مجلة فصول المصرية ، نوفمبر – ديسمبر 1985، ص90 .

7 المصدر نفسه ص 83 .

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-08-2009, 03:50 PM   #2
نضال الخفاجي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية نضال الخفاجي
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: العراق _ بغداد
المشاركات: 4,506
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: ابن خلدون ونظرية الشعر

بارك الله فيكم

__________________
<img src=http://4upz.almsloob.com/uploads/images/www.almsloob.com-29e5a40457.gif border=0 alt= />

عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيباً
نضال الخفاجي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-10-2009, 07:17 PM   #3
أحمد عبد الحميد
عضو مخضرم
 
الصورة الرمزية أحمد عبد الحميد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: مصر
المشاركات: 5,675
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: ابن خلدون ونظرية الشعر

بارك الله فيكم

__________________
مسلم أغشى الوغى ألقى الردى
بدم فوق مقام الذهـب
أنا كالدّيباج في ملمسه
ولمن يطعنني كالعقرب
أنا للملحد ريح عاصف
أصرع الباغي وسيفي مِذربي
أحمد عبد الحميد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-01-2010, 04:28 PM   #4
متفائلة جدا
وفقها الله
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: ------------
المشاركات: 4,845
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: ابن خلدون ونظرية الشعر

متفائلة جدا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
مقدمة ابن خلدون بدر حلب كتب ودروس ومحاضرات وخطب 8 26-04-2012 10:40 PM
منطق ابن خلدون هيرا كتب الفلسفة والمنطق المصورة 9 13-02-2012 10:13 AM
مع ابن خلدون في رحلته أبو يوسف كتب التراجم والسير المصورة 3 08-08-2011 02:50 AM
تاريخ ابن خلدون أم ذر السيرة النبوية والتاريخ والسير والتراجم للشاملة 1 17-06-2011 06:20 AM
في فكر ابن خلدون أم يوسف 5 كتب التراجم والسير بصيغ أخرى 1 12-08-2010 09:49 PM


الساعة الآن »11:54 PM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd