روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > مكتبة علوم اللغة العربية > مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 14-08-2009, 01:00 AM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,779
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي التفكير اللساني في الحضارة العربيَّة

التفكير اللساني في الحضارة العربيَّة ـــ عبد الفتاح المصري

مقدمة‏

ـ 1 ـ‏

مع بزوغ فجر القرن العشرين بدأ يبرز في عالم الوجود علم صرف اهتمامه إلى اللغة، وأخذ يدرسها بوصفها ظاهرة بشرية عامة، إذ عدها إحدى الظواهر الطبيعية التي تخضع للاختبار العملي والتقنين العلمي، وأطلق عليه (علم اللسانيات)1، وقد جذب هذا العلم الأنظار إليه، فصار له أنصار ومهتمون، يتابعون بحوثه، ويكشفون ما غمض من أسراره، وقامت بينهم على صفحات الكتب وفي المحافل العلمية مناقشات في كثير من قضاياه، استطاعوا في قسم منها التوصل إلى نتائج علمية دقيقة، ولما يصلوا بعد في قسم آخر إلى ما يقنع ويحمل على الاعتقاد به.‏

وقد انتقلت عدوى اللسانيات هذه إلى عالمنا العربي، وبخاصة في مغربه، وأخذ المهتمون به يسهمون في تعريف المثقفين العرب به عن طريق البحوث والدورات(2) والندوات، وقد برز في أثناء ذلك سؤال هام هو: أليس في تراثنا العربي ما يمكن أن يقف جنباً إلى جنب مع ما توصلت إليه اللسانيات الحديثة؟ بمعنى آخر أليس عند العرب لسانيات؟، وللإجابة عن هذا السؤال انصرف بعض الباحثين الذين تمثلوا اللسانيات العربية إلى دراسة تراثنا اللساني العربي بعين المعاصرة، يجلون ما فيه من لمحات لسانية مضيئة، وإن تعددت سبلهم في ذلك، واختلفت قيم ما توصلوا إليه، ولعل كتاب الدكتور عبد السلام المسدي(3) (التفكير اللساني في (الحضارة العربية) أن يكون واحداً من أبرز ما كتب في هذا الموضوع، ونظراً لأهميته رأينا من المفيد أن ندرسه هنا نشراً لما فيه من فائدة.‏

يقع الكتاب في ست عشرة وأربع مئة صفحة من القطع المتوسط، قدم له المؤلف بمدخل إلى حوافز البحث وغاياته، عقد بعده ثلاثة فصول هي الإنسان واللغة والمواصفة ومقومات الكلام، في صدر كل الفصل فصلين من التراث اللغوي العربي يتناولان أبرز قضايا الفصل، يعرض بعدها ست مسائل، يندرج تحت كل منها عدد من القضايا الفرعية وينتهي الفصل بخاتمة فيها جماع ما تناثر فيه من فكر، ثم تجتمع الخواتيم الثلاثة في خاتمة عامة بعنوانها (نحو إخصاب الفكر اللساني) فيها خلاصة ما انتهى إليه البحث، وأعقب هذه قسم سماه المؤلف الملاحق، فيه مصادر البحث ومراجعه العربية والأجنبية، وثبت بالمصطلحات العربية التي ورد ذكرها في البحث مع ما يقابلها في الفرنسية، ثم فهرس للأعلام وفهرسان لمحتويات البحث أحدهما تفصيلي والآخر عام.‏

هذا عن شكل الكتاب أما المضمون، فسأسعى فيما يلي إلى تلخيصه، ولا بد من الإشارة في البدء إلى أن البحث طويل، والفكر فيه غنية، والاستنتاجات متتابعة على نحو يصعب فيه التلخيص والاستغناء عن بعض هذه الفكر والاستنتاجات لأهميتها ودورها في إيضاح جوانب القضايا المطروحة وإضاءة نقاطها الغامضة، ولكن لا بد من التلخيص، ونحن في مقام دراسة الكتاب، فلعللي أوفق في إعطاء القارئ الكريم فكرة عامة واضحة وصحيحة عن مضمون البحث وأبرز القضايا التي عالجها.‏

ـ2ـ‏

مدخل الكتاب‏

في الصفحات الأولى من الكتاب نقرأ قول المؤلف ـ ص6 ـ (هذا الكتاب مراهنة على مشروع حضاري فكري إذا تحقق تسنى للذات العربية أن تضع غداً علمياً لها ولمن سواها، وليس حظ الفرد من كل مشروع متعاظم ألاحظ الجزء النزير من الكل المتشامخ)، وهذا كلام من يرى أن في تراثنا العربي ما يمكن أن يسهم في بناء الحضارة العربية أولاً ودفع ركب الحارة الإنسانية إلى الأمام ثانياً، وسنرى مصداق هذا الكلام فيما يلي من صفحات.‏

في فقرة (اللسانيات والمعرفة المعاصرة) ص9 ـ يحدثنا الدكتور المسدي أن اللسانيات أصبحت مركز استقطاب للعلوم، وبخاصة الإنساني منها، لمناهجها العلمية من جهة، ولأنها تهتم بدراسة اللغة العنصر الثابت في فروع العلم والمعرفة من جهة أخرى، وقد كان لها فضل تأسيس جملة من القواعد النظرية والتطبيقية كالنزعة العلمية الموضوعية، وتمازج الاختصاص، وقاعدة التفرد والشمول إذ أصبحت اللسانيات علماً شمولياً ومفتاح كل حداثة.‏

وفي فقرة (الحداثة والتراث) ـ ص 11 يذكر أن مبدأ استلهام تراثنا العربي ذو قيمة كبيرة في تأصيل أمتنا العربية، ففي هذا الاستلهام خلق لفكرنا العربي المعاصر، وتأسيس للمستقبل على أصول الماضي، ولقد كان من مظاهر اكتمال علم اللسانيات، على الرغم من قصر الزمن الذي قطعه، أن رواده عكفوا على التراث اللغوي القديم يدرسونه ويستلهمون منه ما يسهم في إرساء دعائم لسانيات حديثة، تأخذ مكانها اللائق ضمن العلم الإنسانية، ويبدو لي أن صنيع الدكتور المسدي في كتابه الذي تتحدث عنه، كان انطلاقاً من هذا المظهر، فعكف على التراث اللغوي العربي يدرسه، ويستلهم منه على سبيل بناء علم لسانيات عربي حديث وهذا ما سيتضح بعد حين.‏

*وفي أثناء حديثه عن (اللسانيات والشمول) ص 15 ذكر أنها قامت على ركيزتين اثنتين هما النظر في اللغة بوصفها ظاهرة بشرية عامة وإدراك الموضوعية العلمية في تشريح الظاهرة اللغوية، ويبدو الشمول في الركيزة الأولى بخاصة، إذ أخذت اللسانيات تحدد الكلام، وتضبط خصائصه، وتسعى إلى الكشف عن قوانينه المحركة، وتتحدث في أصل اللغة(4)، وعلاقة الكلام بالفكر، كما وجدت نفسها أخيراً أمام عدة قضايا شمولية هي اللغة في حد ذاتها، واللغة بوصفها وليدة الفكر، والفكر بوصفه مولد الظاهرة اللغوية، (فانصهرت على هذا النمط قضايا فلسفة اللغة ونظرية المعرفة في بوتقة التفكير اللساني الحديث، واندكت مقولة اللغة كمنظومة قائمة بنفسها، وحلت محلها مقولة الإنسان مولداً للغة ومثقلاً لها وعاكفاً على فحصها، فأصبح الإنسان ـ الحيوان الناطق ـ محوراً لبحوث اللسانيات المعاصرة) ـ ص20 ـ.‏

*أما عن (اللسانيات والحضارة العربية) ص 21 ـ فيقول الدكتور المسدي أن المؤرخين اللسانيين، رغبة منهم في بيان طرافة اللسانيات وجدتها واختلافها عن فقه اللغة، أخذوا يستعرضون خصائص التفكير اللغوي في تاريخ البشرية بعامة في مراحله الثلاثة: العصور القديمة والعصر الوسيط والعصر الحديث(5) ولكنهم لم يذكروا في خلال استعراضهم هذا صنيع العرب اللغوي، وما عندهم من لمحات لسانية مشرقة(6) ـ وقد بنوا حضارتهم في العصر الوسيط ـ ويرى أن هذا الإغفال مقصود، وبخاصة إذا عرفنا أنهم تحدثوا تخميناً من عصور انقرضت فيها لغة الأمم التي عاشت فيها.‏

*فلقد نقل الغرب عن العرب الكثير من علوم الحضارة في ميادين المعرفة كلها تقريباً إلا التفكير اللغوي لأسباب يأتي في طليعتها حقيقة عامة تواترت عند المفكرين اللغويين القدامى وبعض اللسانيين المحدثين، هي أن علوم اللغة كانت في الماضي ممارسة لتقنيات نوعية بنى عليها اللغويون قواعد نظرية للغات معينة لا اللغة بوصفها ظاهرة إنسانية عامة، وأغلب ظني أن هذه الحقيقة كانت الدافع المباشر وراء البحث الذي نلخصه الآن، ليثبت صاحبه أنها إن صدقت على التراث الإنساني جملة، كما جزم هلمسيلف، فإنها لا تصدق على تراثنا العربي ـ ص 23 ـ، ويضيف الدكتور المسدي سبباً آخر لذلك الإغفال وهو ورود نظرية العرب اللغوية العامة مبثوثة في خبايا تراثهم الحضاري بمختلف أصنافه وتنوع مشاربه، ثم لعل للعامل الديني وارتباط اللغة بالقرآن الكريم المقدس أثراً في تلك الغفلة التي كان نتيجتها انقطاع تسلسل التفكير اللساني عبر الحضارات اللسانية، ونهوض الحضارة الغربية على أساس حصيلة التراث اليوناني في معزل عن مستخلصات التفكير اللغوي العربي في خلال ثمانية قرون، وهي مدة ليست باليسيرة ويسرع الدكتور المسدي بعد هذا إلى القول ـ ص23 ـ (إذا جاز لنا أن نبسط مصادرة في البحث أمكننا أن نقرر اقتراضاً أن أهل الغرب لو انتبهوا إلى نظرية العرب في اللغويات العامة عند نقلهم لعلومهم في فجر النهضة لكانت اللسانيات المعاصرة على غير ما هي عليه اليوم، بل لعلها كانت تكون قد أدركت ما لا تدركه إلا بعد أمد).‏

*وفي حديثه عن (النظرية اللغوية عند العرب) ـ ص 24 ـ يذكر أن الأمة التي تفكر في قضايا الظاهرة اللغوية العامة لا بد لها من الانطلاق من نظرتها في لغتها النوعية، كما نرى في نحو تشومسكي التوليدي أحدث التيارات اللسانية اليوم، فكأنه يقول إن حديث العرب عن لغتهم لا يعني أنهم لم ينظروا في اللغة بوصفها ظاهرة بشرية كونية تقتضي الفحص العقلي، والواقع أنهم بلغوا في هذا النظر مرتبة التفكير المجرد ـ والقول للمؤلف ـ بغية الكشف عن قوانين الكلام، ولئن بدا هذا النظر مرتبة التفكير المجرد ـ والقول للمؤلف ـ بغية الكشف عن قوانين الكلام، ولئن بدا هذا التفكير جزئياً في علوم اللغة العربية، إلا أنه يبدو على نحو واضح في تراثهم غير اللغوي، وبخاصة الفلسفة وعلم الكلام، ولكن حاجز الاختصاص هو الذي جعل اللغويين قلما يتطرقون إلى التراث الفلسفي، كما أن دارسي الفلسفة أنفسهم لا ينتبهون عادة إلى آراء الفلاسفة اللغوية، ويقول الدكتور المسدي ـ ص 26 ـ أن (العرب بحكم مميزات حضارتهم وبحكم اندراج نصهم الديني في صلب هذه المميزات قد دعوا إلى تفكر اللغة في نظامها وقدسيتها ومراتب إعجازها، فأفضى بهم هذا النظر لا إلى درس شمولي كوني للغة فحسب، بل قادهم النظر أيضاً إلى الكشف عن كثير من أسرار الظاهرة اللسانية، مما لم تهتد إليه البشرية إلا مؤخراً بفضل ازدهار علوم اللسان منذ مطلع القرن العشرين)، وأن ما وصلوا إليه طبيعي إذ اجتمع لديهم مصادر النهج العقلي وطرق البحث الأصولي.‏

* وفي كلامه عن (حظ الموضوع من الدراسة) ـ ص 27 ـ أشار إلى أن البحث النوعي في علوم العربية وخصائصها غني، ولكن البحث في ظاهرة الكلام بعامة قليل، ثم صنف الدراسات الراهنة التي تشير إلى البحث في هذه الظاهرة أصنافاً خمسة منها مثلاً دراسة أحد أعلام الحضارة في اللغة أو البلاغة أو الدين كابن جني والجرجاني وابن حزم، ومنها محاولات فردية لا تهدف إلى تقييم التراث العربي في حد ذاته، ويغلب عليها الاجتهاد والاستقلال بالرأي والتقدير، فهي، كما رأى، إما استشفاف لنظرية شخصية تبحث عن ركائزها النظرية، أو محاولات تبسيطية تعرف القارئ العربي بأسس اللسانيات في مختلف فروعها، وتوجهه في ضوئها إلى إعادة وصف اللغة العربية بممارسات مستحدثة(7) وكأني بالدكتور المسدي يقول أن بحثه في التفكير اللساني العربي دفعه إليه قلة ما دون في هذا الموضوع، وكان بحثاً شاملاً ويسعى إلى تلافي عيوب الدراسات الراهنة، وإن لم يصرح بهذا(8).‏

*وفي (مدار البحث ومصادره) ـ ص 33 ـ نقرأ قوله (من موقع الدراسة اللسانية المعاصرة ـ في تبلورها وتركزها على شمول الظاهرة اللغوية ـ ومنظور الحداثة في البحث والاستنباط وفي ضوء مقولة التراث عموماً يتنزل بحثنا عن النظرية اللغوية عند العرب لا من حيث هي تقنيات نحوية وصرفية وبلاغية ومعجمية، وإنما من حيث هي تنظير للظاهرة اللسانية عموماً، ارتكز على نسيجه تفكير العرب في لغتهم أولاً وبالذات ثم في الكلام باعتباره نظاماً إبلاغياً مميزاً للإنسان بوجه عام)، أما مصادره في بحثه فهي معارف التراث العربي في خمسة محاور هي اللغة والأدب والدين والفلسفة وعلم الاجتماع، وعني بخاصة بالفلسفة وعلم الكلام الذي رأى فيه نقطة تقاطع الثقافة الإسلامية عقيدة وتشريعاً ومنطقاً، ولعل منطلق هذا العلم وغايته كانا تساؤلاً عن قضايا عقائدية محورها الظاهرة اللغوية أولاً في نشأتها ومنشئها واتصاف الخالق والمخلوق بها ـ ص 36 ـ .‏

*وقبل البدء ببحثه ذكر (مصادرات منهجية) ـ ص 37 ـ أولها أن التراث عنده مقصود بذاته ولذاته لجلاء خصائصه وقراءته على ضوء مقولات اللسانيات المعاصرة(9)، فلا تعسف في استنطاق النصوص، ولا اعتباط في التأويل، ولا مقارنة بين العرب والغرب، وثانيتها أن فحص مادة التراث فهي أنه أدرج ضمن التراث كل ما انصهر فيه من ثقافات سابقة له نقلت إليه، فتمثلها الفكر العربي، وتجاوزها بعد أن طبعها بطابع الإسلام في ميدان اللغة وعلم الكلام.‏

*وتقوم (بنية البحث) ـ ص 40 عنده على جدلية ثلاثية سعى إلى التحرك طبقاً لها في كل خطوة من خطوات بحثه هي أولاً التحديد واقتفاء أثر التعريفات وتأسيس القواعد الأولية في المنطلق ثم استكشاف خصائص البناء العضوي في مشكلة اللغة انطلاقاً من الأجزاء الداخلة والمتفاعلة في تركيب الكل المتكامل، وأخيراً الدلالة بوصفها الوظيفة المركزية في كل ما يتصل بالظواهر الإبلاغية.‏

ـ 3 ـ‏

الإنسان واللغة‏

مع بداية هذا الفصل يبدأ البحث الفعلي، وتحت عنوانه أدرج الدكتور المسدي ست مسائل سنلخصها فيما يلي الواحدة تلو الأخرى:‏

1ـ اختصاص الإنسان بالظاهرة اللغوية:‏

ص 46 ـ يذكر كثير من التعريفات القديمة للإنسان ـ سواء كانت فلسفية أم أدبية أم لغوية ـ أنه حيوان ناطق، فالكلام هو الذي يميزه عن غيره فيجعله متفرداً بعالم خاص، ويبوئه مركز الوجود في الكون، وقد تنبه القدماء إلى أن الإنسان في كينونته الجوهرية موجود متكلم، وأن علاقة بالكلام علاقة طبع واقتضاء لا علاقة عرض واتفاق. وفي ارتباط الإنسان بالكلام وجهتان اثنتان هما كونية الظاهرة بمعنى أن الكلام ملازم للوجود البشري مهما تباعدت الأمكنة أو تعاقبت الأزمنة، ومهما تنوعت الألسنة واختلفت اللغات، وهذا ما أشار إليه أبو حيان التوحيدي والوجهة الثانية هي استعداد الإنسان الخلقي للقيام بحدث التصويت ـ كما يرى ابن جني ـ ثم استعداده بالفطرة لاكتساب اللغة.‏

*ولم يكتف العرب بتحسس روابط اللغة بالإنسان من حيث وجوده الفردي، بل اهتموا بتحول قيم الظاهرة اللغوية من هذا الوجود إلى الوجود الجماعي في المجتمع الإنساني، ونظروا إلى الكلام بوصفه قيمة جوهرية بين الإنسان والمجتمع، فرأوا أنه محور الاجتماع البشري وتفاهم الناس وتعايشهم وتعاونهم على تحصيل المنافع، وأدركوا أنه وسيلة لبلوغ الفرد غاياته من الجماعة، فربطوه بمحرك الحاجة ومقتضيات الوجود البيولوجي والاجتماعي.‏

2ـ ما قبل اللغة ـ ص 56 ـ مشكلة أصل اللغة ونشأتها أثارها التفكير البشري اللغوي عبر تاريخه الطويل، وتجاذبها الفلاسفة وعلماء الدين والباحثون في تاريخ الإنسان وأصل نشأة العالم، كما كانت من المشاغل الرئيسية في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، هذا ما قاله الدكتور المسدي، فلقد دار الجدل عند العرب حول اللغة أتوقيف هي أم اصطلاح، منذ أواخر القرن الثاني الهجري(10)، واختلاف آرائهم في أصلها، كما يرى انعكاس للصراع الجدلي الذي قام في تاريخ الفكر العربي بين النزعة العقلية والنزعة النسبية الغيبية، ويبدو فيه اختلاف النظرة إلى الموضوع، فهي إما زمانية أو آنية وصفية، وقد غلبت النظرة الثانية التي بدت فيها نظرية الاصطلاح أو المواضعة هي المستقطبة للتصورات الأخرى، وآية هذه الغلبة أمران الأول اجتماع المفكرين في تاريخ الحضارة العربية على القول بمبدأ التطور المطلق في ظاهرة اللغة، والثاني أنه ليس هناك من قال بالتوقيف دون أن يستطرد إلى الاصطلاح بوجه ما، في الوقت الذي استغنى من قال بالاصطلاح عن الأخذ بالتوقيف أصلاً ـ ص 95 ـ.‏

ومن أبرز المؤشرات على تركز نظرية المواضعة الآية القرآنية الكريمة (وعلم آدم الأسماء كلها)(11)، فإن أكثر المفكرين العرب، وإن اختلفوا في تفسريها، يكادون يجمعون على ذكر الاصطلاح في هذا التفسير، فالغزالي مثلاً يذكر عدة احتمالات في تفسيرها، يكادون يجمعون على ذكر الاصطلاح في هذا التفسير، فالغزالي مثلاً يذكر عدة احتمالات متكافئة فيها توقيف واصطلاح، والطبري لا يرجح أحدهما، وابن جني والقاضي عبد الجبار يجوزان الأمرين، إلا أن ابن جني بخاصة أميل إلى القول بالاصطلاح، وهو الذي ذكر بوضوح أن (أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا حي وتوقيف)(17). ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن الغزالي قال بوضوح أيضاً بأن البحث الزماني في أصل نشأة اللغة ليس إلا مشكلاً زائفاً، ولا فائدة عملية ترجى من ورائه، ولا حاجة إليه بل الخوض فيه فضول لا أصل له ـ ص 64 ـ، وهذا رأي يتفق مع ما يراه بعض الباحثين المعاصرين. وننتهي هنا إلى القول أن التحليل الرأسي للنصوص التي تتحدث عن أصل اللغة، ومقابلتها الأفقية بعضها ببعض من جهة، وبالانتماء المذهبي لأصحابها من جهة أخرى، قد أكد للدكتور المسدي أن القول في نشأة اللغة انتهى إلى نظرية المواضعة التي كان للمعتزلة نصيب الصدارة في بلورتها. ص 66.‏

3 ـ التوقيف الإلهي ـ ص 67‏

مرة أخرى نعود إلى الآية المذكورة لأن الغول بالتوقيف أو الإلهام أو الوحي متولد رأساً من محاولة تفسيرها واستنباط مخبآتها، لذلك كان هذا القول، نوعاً من إسقاط منطلق اللغة على مبتدأ الخليقة أصلاً، وهنا نقف على بعض أقوال المفكرين العرب، فابن حزم مثلاً يأخذ بظاهر النص، ويرى أن اللغة توقيف مباشر، ويربط قضيتها بالبرهان على وجود الله بوصفه معلم كل شيء، وإخوان الصفا يرون أن اله ألهم العباد بالاهتداء إلى وضعها، والرازي يعتقد بأن اللغة موجودة قبل الوضع وهي توقيفية ص 68 ـ 69.‏

4ـ التشريع الوضعي ـ ص 72 (إن البحث في واضع اللغة ومشروعها لم ينفك يراود منظري الفكر العربي للعقيدة والفلسفة والعلم)، وهذا لا يتناقض والبحث في نشأة اللغة، كما يرى المؤلف. على أن المبدأ الذي يقول بحصول رابطة عضوية وتوازن بين حاجة الإنسان المتولدة في حياته البيولوجية والاجتماعية، واستجابة اللغة لتلك الحاجة لسدها، يستدعي افتراض واضع للغة، إذ لا يمكن أن يكون هذا التوازن عفوياً، وقد أشار المفكرون إلى أن واضع اللغة هذا هو المخصص للمدلولات.‏

ولكن سؤالاً مهماً يفرض نفسه، ترى من يضع اللغة؟ في الإجابة عن هذا السؤال هناك أربعة افتراضات ذكرها العرب، يقول أولها أن الواضع هو الرئيس المدير لسياسة الجماعة، ويقول الثاني أنه مجموعة من الأفراد يسميهم الفارابي (الجماعة المدبرين) ـ ص75 ـ وهما افتراضان يتحدثان عن الأبنية الفوقية للمجتمع، وأما الافتراض الثالث فيقول أن الواضع هو الأبنية الفكرية التي تتمثل في فصحاء الأمة وبلغائها من رواة الخطب وحفظة الأشعار ونقلة الأخبار، وهؤلاء عند الفارابي هم حكماء الأمة ومدبرو أمر لغتها والمرجوع إليهم في كل ما يخص لسانها، وهم المسؤولون عن رعايتها وتعهدها بالمواظبة على تعديلها وتجريحها، وفي الافتراض الرابع أن المجتمع هو المشرع للغة والمنفذ في الوقت نفسه لما شرع، وهذا أقرب الافتراضات الأربعة إلى الحداثة لما قام عليه من مؤشرات لسانية اجتماعية، وممن ذكره ابن حزم وإخوان الصفا.‏

5ـ المحاكاة الطبيعية ـ ص 78 ـ هذه النظرية لا تبحث في واضع محدد للغة بل تحصره في جملة من النواميس الطبيعية التي تعد الإنسان أحد العناصر المركبة للوجود الطبيعي، واللغة عندها إفراز طبيعي ترشحه الأرضية المناخية والأبنية الحضارة ـ على حد تعبير الدكتور المسدي ـ وتقوم على مبدأ التماثل الطبيعي.‏

وتتنوع طرق بسط هذه النظرية، ومنها طريقان: الأول أن اللغة محاكاة لأصوات الطبيعة وعوارضها كالريح والرعد والماء، فيماثل الدال المدلول، وترتبط صورة اللفظ بصورة المعنى، وفي هذا البسط نظرية ديناميكية إذ تكون المحاكاة نتاجاً تطورياً يحكمه مسار الزمن بفعل الإنسان في الكلام، وتحدث عن هذا الطريق ابن جني والفارابي، أما الطريق الثاني ففيه بسط أقرب إلى الآنية، إذ أنه يصف اللغة وصفاً مباشراً في رصيدها المعجمي ومخزونها الدلالي، ويرى المحاكاة في معناها، أجراس الحروف لأصوات الأفعال التي تعبر تلك الأجراس عنها، وهو مبدأ يطلق عليه لفظ الاتفاق أو التناسب، وقد حلل الفارابي مقومات هذه النظرية فرأى أن كل لفظة دالة ينبغي أن تحاكي المعنى المدلول عليه سواء ظهرت المحاكاة كلياً بين الدال والمدلول أم اقتصرت على جزء منه ـ ص 80 ـ.‏

أما الذي ركز القواعد التأسيسية لنظرية المحاكاة فهو العالم الفذ ابن جني، إذ قلَّب الموضوع على أوجهه الممكنة، وجعل للمحاكاة مراتب أربعة هي المحاكاة الصوتية أي تسمية الأشياء بأصواتها، ومحاكاة هيكل اللفظ لجملة الدلالة، كأن يدل مصدر فعلان على الحركة والاضطراب، ثم ما أطلق عليه الدكتور المسدي اسم المحاكاة التعاملية، وفيها تتعامل دلالة الأصوات الفيزيائية ودلالة الهيكل الوزني لقوالب الألفاظ كتكرير عين الفعل دلالة على تكرير الحدث نحو كسَّر وقطَّع وفتَّح.‏

وأخيراً مرتبة التركيب السياقي، وفيها تتفاعل الألفاظ في صلب الخطاب لبناء التركيب، وترتبط أبنية الكلام بأبنية الدلالية التأثيرية، كما في الآية الكريمة {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكفارين تؤزهم أزاً) فالهمزة في تؤزهم أخت الهاء ولكنها أقوى منها في التأثير.‏

6ـ النشوء والتناسل ـ ص 85 ـ ينظر أصحاب هذه النظرية إلى اللغة على أنها خلية تتكاثر وتتوالد مع الزمن، فهذه ـ النظرية ـ تقوم على افتراض تحرك الوجود اللغوي على محور الزمن قبل اكتمال الظاهرة اللغوية ذاتها، وقد حاول الفكر العربي تصوير الأطوار الجنينية التي مرت بها اللغة في أصل نشأتها قبل أن تكتمل، نجد هذا مثلاً عند إخوان الصفا وابن جني، نجد هذا مثلاً عند إخوان الصفا وابن جني، إلا أن الذي وضع لهذه النظرية أسسها وهندستها المتكاملة جدلياً هو الفارابي ـ ص 88 وما بعدها ـ الذي تحدث عن مدارج الوجود البشري وهي الوجود الفطري والملكة الاعتيادية ثم مرتبة التواصل والحاجة إلى اللغة، وعندها بدأ الإنسان يصوت، كما استعرض الفارابي مراحل اكتمال اللغة ارتقاء من المحسوس إلى المجرد.‏

على أن لنظرية النشوء والتناسل وجهاً آخر هو التكاثر النوعي الذي يفضي إلى تعدد اللغات وتميزها بعضها من بعض، ولقد أكد التوحيدي أن هذا التعدد وضع طارئ عرضي، إذ أن وحدوية الوجود البشري تقتضي في اصل تطورها توحداً في اللسان، ورد كثير من المنظرين ومنهم ابن حزم هذه الظاهرة إلى مبدأ تبدل اللغة على طول الأزمان واختلاف البلدان، وعند ابن جني أن هناك تناسباً طردياً بين الاستعمال والتغير، وقد أشار أيضاً إلى ظاهرة تداخل اللغات حين تتلاقح لغتان فينتج عن هذا لغة ثالثة، ولقد أقر قانون التغير اللغوي منظرون آخرون كالقاضي عبد الجبار وكمال الدين الزملكاني، ويرى الدكتور المسدي أن هذا القانون كان عموداً فقرياً في الحضارة العربية إطلاقاً منذ نشأتها الأولى ـ ص 92 ـ .‏

ـ 4 ـ‏

المواضعة‏

يقول المؤلف عن هذه النظرية ـ ص 343 ـ أنها (نموذج من نماذج النظر الفكري الخالص الذي تبوأ بتجرده الموضوعي مرتبة العلمانية في تاريخ الحضارة العربية، وهي على صعيد المناهج اللسانية نموذج للمواصفة لم ينفك بتجاذب البحث بين منزلة الكشف اللساني الخالص ومنزلة التعليل الأصولي الابيستيمولوجي) وفي فصل النظرية هذا ست مسائل أيضاً هي:‏

1ـ اعتباطية الحدث اللساني ـ ص 107 ـ (إن من أشد القضايا النظرية اتصالاً بتحديد الظاهرة اللغوية وبحصر نظرية المواضعة خاصة الحديث في الاعتباط(13) لصفة مبدئية تسم الحدث اللساني إطلاقاً).‏

وتتركز هذه الصفة في مشكل الدلالة، بمعنى أن الاقتران الحاصل بين دوال اللغة ومدلولاتها لا يقوم على علاقة منطقية أو طبيعية، بل هو محض مصادفة، ويلخص السكاكي مبدأ الاعتباط في قوله عن الكلام (إنه صناعة مستندة إلى تحكمات وضعية واعتبارات ألفية)(14). ولهذا الاعتباط حدان أقصى وأدنى، أما الحد الأقصى فيبدو في مستوى دلالة الألفاظ مجردة أي في محور العلاقات الاستبدالية العمودي في اللسانيات الحديثة (أي جدول الاختيار)، وأما الأدنى ففي مستوى التشكيل البنائي في الحدث اللساني أي في محور العلاقات الركنية الأفقي (أو جدول التوزيع)(15).‏

*ومن النتائج الطبيعية لسمة الاعتباط في مجال علاقة الإنسان باللغة أمران اثنان الأول أن الدلالة شيء طارئ على حدث الكلام، وليست لصيقة باللغة في أصل تطورها، والثاني أن الدلالة ترتبط بإرادة الإنسان واختياره. وفي هذا يقول ابن حزم(16) (تأليف الكلام فعل اختياري متصرف في وجوه شتى).‏

*ولقد خرج العرب في قضية الاعتباط من منهج الوصف إلى منهج التفسير، فكان من ذلك مبدآن مهمان من حيث صلة اللغة بالعقل أولهما انتفاء دليل العقل على دلالة اللغة، فلا سلطان للعقل على روابطها الدلالية لأنها اعتباطية، ثم إن هذا العقل عاجز عن أن يهتدي بذاته إلى اقتران الدوال بالمدلولات وعاجز عن تعليله، فالغزالي يعمم مبدأ مطلقاً بقوله(17) (ولا مجال للعقل في اللغات)، وثاني المبدأين أن اللغة مخالفة في طبيعتها لحقائق الأشياء التي تنقلها وتدل عليها.‏

2ـ تحديد المواضعة ـ ص117 ـ تنظر نظرية المواضعة إلى نظام اللغة في ذاته ولذاته من منظور آني محدد، ولكن المنظور الزماني يقتحمها منهجياً من حين لآخر، معنى هذا أن المواضعة شيء متقدم زمنياً على الكلام، فقد تصور المنظرون العرب أن اللغة لا تستقيم في أول نشأتها إلا إذا استندت إلى نظام علامي مغاير لها ومتقدم عليها في الوقت ذاته، تولدت عنه هو الإشارة التي ربطت الإنسان بالأشياء ربطاً بالطبع والبداهة لا بالتعسف والاعتباط بمعنى أن الإشارة إلى شيء تلزم مشاهدها بقصد المشير، وهو ما سماه عبد الجبار بالعلم الضروري ـ ص 123.‏

*وتتجسم فكرة المواضعة في المرور بأركان المثلث الدلالي المرجع والمدلول والدال، فيعاين المرجع أولاً وهو الشيء في الحقيقة والواقع، ويشتق له صورة مدلوله أي المتصور الذهني، ثم يصاغ لهذا المدلول بنية تدل عليه وهي اللفظ المنطوق، فالمواضعة على هذا تركيب اصطلاحي لمعطى معلوم سلفاً سابق في الزمن والوجود لعنصري الدال والمدلول ـ ص 125 ـ وهي تستند حتماً إلى هذا المرجع الذي بوجود يتسنى للغة أن تؤدي وظيفتها التمييزية، والذي لا بد أن يقوم تكامل بينه وبين العنصرين الآخرين، ولقد قام بين مفهوم اللغة ومفهوم المواضعة تفاعل عضوي بلغ من العمق حداً جعل المفهومين يتطابقان تطابقاً كلياً، وأصبحت الظاهرة اللغوية تتحدد بأنها المواضعة ذاتها، فهي شبكة من التعارف الاصطلاحي قائمة على مبدأ الاقتران الاعتباطي ـ ص 126 ـ.‏

*وتأتي أهمية المواضعة من أنها شرط أساسي من شروط استقامة الجهاز اللساني وعنصر من عناصر التحديد المنطقي للظاهرة اللغوية، دونها لا يتم نقل الرسالة من الباث إلى المتلقي، يقول الخفاجي (أن الكلام إنما يفيد بالمواضعة)(18) وللمواضعة القدرة التحكمية القصوى في علاقة الفرد بالظاهرة اللسانية، وهي المولد الحركي لضروب الكلام كلها، في أجناسه ودلالته وعلائق تركيبه وبها تصبح اللغة مؤسسة دلالية تغني عن حضور الأشياء المتحدث عنها، وبفضلها يمكن الحديث عما لا يظهر للحس من مسميات مجردة، كما أنها هي المحددة لتنوع أنساق اللغات.‏

* وينفذ العقل إلى المواضعة في ارتباط اللفظ بالاصطلاح، وبتفاعله معها تأخذ بعداً محورياً يكسبها سمتين هما الديمومة والجدلية، فحين يتواضع الناس على دلالة كلمة ما، فعلى أساس أن مواضعتهم هذه ستكون دائمة، ولكن هذا لا ينفي أن تتبدل فقد تحدث مع مرور الزمن مقتضيات تدفع إلى نسخها وتغييرها، فهي مستمرة وقائمة في صلب اللغة في كل لحظة يمارس فيها الإنسان الكلام، ولكنها ليست حتمية البقاء، إلا أن تغيرها مشروط ببقاء المواضعة العامة للنظام اللغوي جملة على نحو يسمح بحصول مواضعات طارئة، فما يتغير هو المواضعات الداخلية فقط.‏

*والمواضعة بمعناها الكلي (مواضعة على انتظام معين وتأليف مخصوص لأدوات الإبلاغ اللغوي فهي بذلك ناموس متصل ببناء الحدث اللساني أكثر مما هي متصلة بماهية ولا حتى بنوعية أجزائه) ص 139 وبانعدام المواضعة على هذا الانتظام يرتفع العقد الجماعي بين أفراد المجموعة اللسانية الواحدة، من هنا تأتي خصوصية اللغات وتمايزها فيما بينها، إذ الفرق بين لسان وآخر هو خصوصية المواضعة في كل منهما، وهذه السمة تقتضي نفي المصادفة في التلاقي بين اللغات، فيقول ابن جني(19) (أنا لا نعرف شيئاً من الكلام وقع الاتفاق عليه في كل لغة وعند كل أمة). ومتى عرف الإنسان مواضعة لغة ما استطاع أن يتكلم بها، فهو متكلم بالقوة ككل اللغات بشرط معرفة مواضعاتها ـ ص 142 ـ.‏

3ـ المواضعة والعقد ـ ص 143 ـ ليست المواضعة وحدها هي المحرك الجدلي والمحدد المبدئي في إفرازات الظاهرة اللغوية ـ وإنما هناك ـ كما يقول الدكتور المسدي ـ قانون يمثل عنصر الارتباط بين اللغة والمواضعة هو القصد(20) ويعني هذا القصد أن المتكلم أو الباث يقصد في كل لحظة من لحظات استعمال اللغة فائدة معينة طبقاً لسنن المواضعة العامة في جهاز اللغة التي ينطلق بها، ويتسلط هذا القصد أيضاً على المستمع أو المتلقي للرسالة اللغوية التي تبث له دون غيره، وهو المعيار الأولي في استقامة جهاز التواصل بمختلف أركانه، ويعرف بالمواضعة، بل هو قانون داخلي في صلب المواضعة يحدده أجناس الخطاب من خبر أو أمر أو استخبار، فعند الخفاجي أنه لا استقامة للكلام إلا بمطابقة المواضعة، ولا فائدة إلا بالقصد، ولا فعل للقصد إلا في الامتثال لسنن المواضعة ـ ص 147 فهناك إذن تفاعل عضوي دائري بين هذه الأمور، والقصد والمواضعة شرطان واجبان، ائتلافهما كاف لسلامة تصور الحدث الكلامي الأوفى ـ ص 150 ـ فإذا اختل حدهما اختل معه بناء الكلام، وضل عن شبكة المواضعات الموافقة، فيحدث التشويش على نحو يخل بأداء الكلام وظيفته في التواصل وإبلاغ الرسائل الدلالية.‏

*والقصد متعدد الأطراف، فهو قصد للمواضعة العامة في الظاهرة اللغوية، إطلاقاً، وقصد لمواضعة مخصوصة في لغة معينة، وقصد للمخاطبة، وقصد للفائدة بإيصال شحنة دلالية من باث إلى متلق، وقصد للمتقبل واحداً كان أم أكثر، كما أن للقصد شروطاً لا يصح إلا بها ليقوم الترابط بين المتكلم وكلامه من جهة، وليفهم السامع ما يقوله المتكلم من جهة أخرى، منها الإرادة والاعتقاد وإتباع الفائدة والاطراد، وهي شروط تتداخل فيما بينها تداخلاً جدلياً على نحو يصعب فيه تخليص الشرط مما يلابسه، وقد تحدث عنها ابن حزم والخفاجي وعبد الجبار (ص 148 وما بعدها).‏

*بعد أن حصر التراث اللغوي العربي اللغة في شرطي المواضعة والقصد عرفها بأنها عقد جماعي بين أفراد المجموعة اللسانية الواحدة، وهو من القوة والسلطان بحيث أنه عقد صامت ضمني ـ ص 154 ـ وهو شرط أساسي لاستقامة بناء اللغة على نحو يمكنها من أداء وظيفة الإبلاغ والتواصل، فابن رشد مثلاً يعزو التفاهم إلى التعاقد الضمني، ويعبر عنه بمبدأ تطابق الكلام عند الباث والمتقبل في الوقت نفسه ـ ص 157 ـ وقد عد تصحيح الدلالات (اتفاق الطرفين على الدلالات نفسها) شرطاً جوهرياً يسبق كل عملية تخاطب باللغة، فينبغي للطرفين إذن، أن يسلما ببنود العقد ليتم التواصل بينهما.‏

*وللعقد مبدآن مكونان هما كالقانونين المتكاملين، أولهما ذو تصور آني، ومفاده أن العقد إما جماعي ملزم أو لا يكون، فهو شامل لأطراف المجموعة اللسانية الواحدة، وكل متكلم بلغة ما يدخل في لحظة الكلام تحت طائلة بنود هذا العقد، وأما المبدأ الثاني فهو ذو تصور زماني (إذ لا يتسنى للغة أن ينتظم بناؤها وأن تستقيم بالتالي وظيفتها إلا إذا تنزل التعاقد الضمني بين أفراد مجموعتها على محور الزمن) ـ ص 160 ـ وفي تقاطع هذين المبدئين تتركز وظيفة اللغة أساساً، وفي هذا يلح التراث العربي على جوانب الشمول والاطراد والاستمرارية في مواضعات اللغة.‏

*وقد تناول المنظرون العرب فكرة العقد من جوانب مختلفة، فرأى الجرجاني أن العقد ملزم في الدلالة المستمدة من معاني الألفاظ مجردة (محور الاختيار الاستبدالي)، وملزم أيضاً في نظم الكلام حين تدخل الألفاظ في سياق التركيب (محور التوزيع التراكبي)، ص 161، وعند ابن حزم أن اطراد العقد اللغوي على مر الزمن كفيل بوقاية التعامل مع اللغة من كل تحكم، إذ أن الإخلال بعقد الدلالة في اللغة يفسد البيان، ويعطل التفاهم ـ ص 161 ـ أما عبد الجبار فيرى أن العقد اللغوي كعقود المعاملات يتمتع بمرونة ذاتية تجعله قابلاً للبقاء أو التعديل والتنقيح والنسخ.‏

*وهذا الكلام يوصلنا إلى طرح سؤال مهم: ترى هل من تناقض بين مبدأ العقد في المواضعة، وهو مبدأ صارم ومطلق، وبين مبدأ حيوية اللغة المتمثل في طاقاتها على استيعاب إملاءات الفكر المتجددة عبر الزمن؟ والجواب. عن هذا السؤال كامن في قضية تحول الدلالة وتطورها، وفي تراثنا كلام كثير عن هذه القضية، فقد تناولها المفسرون وعلماء الإعجاز والبلاغيون والفلاسفة وعلماء الكلام، ومن أبرز ما ذكروه أن تحول دلالة اللفظ من الحقيقة إلى المجاز يشترط فيه الدليل أو القرينة ـ وقد استعملوا كلا المصطلحين ـ وهو متصور عقلي محض، فيه التنبيه الصريح على عصيان الباث لأحد بنود العقد اللغوي عن عمد، والدليل جسر رابط بين اختلال توازن أنسجة المواضعة والمحافظة على الطاقة الإبلاغية في الحدث اللساني، ومن كلام المفكرين العرب في هذه القضية يستنبط الدكتور المسدي (أن المجاز تحويل لنص العقد اللغوي يدل عليه مساق اللغة ذاتها بحيث تصبح دالة لا بمعانيها) ص 164.‏

*ومما يتصل بقضية تحول الدلالات الحديث عن مدى حرية التصرف ببنود العقد اللغوي، والواقع أن هذا التصرف ببنود العقد اللغوي، مقيد، إذ أن ما يحدثه الفرد من مواصفات جديدة، أو ما يحوره في المواصفات القائمة تابع للمصادفة، ولا يقبل إلا إذا تواتر واطرد، فاعترفت به المجموعة اللسانية، وهكذا يمكن للمواصفة الفردية أن تصبح جماعية إذا استوعبتها شبكة العقد اللغوي في تلك المجموعة، إلا أن التصرف في العقد اللغوي من تعديل أو تنقيح، سواء كان فردياً أم جماعياً (لا يجوز البتة أن يتطرق إلى كل بنود المواضعة اللغوية دفعة واحدة، إذ يتحتم عليه في لحظة المواضعة الإبقاء على حد أدنى من الاتفاق الضمني يمثل مجموعة المسلمات في عملية الخطاب والتحاور) ص 166، على أن التصرف، حين يقع، لا يستدعي حضور أطراف التحاور جميعها، وهذا أحد أسرار مفهوم الضمنية في متصور المواضعة اللغوية.‏

4ـ من الاعتباط إلى التلازم ـ ص 166 هذه مسألة تتناول بالحديث التفاعل بين آنية اللغة والتقدير الزماني فيها، أي أثر جدلية الزمان في خصائص الكلام، ومن استعراض أقوال المفكرين العرب. في هذه المسألة استنبط المؤلف تعادلية هي أن اللغة مواضعة على الدلالة، والمواضعة تؤثر في الزمن وهذا يعني (أن اللغة إذ هي محصورة بين فكي المواضعة والدلالة لا تكون إلا معقودة في خصائصها الأولية برباط الزمن كمفترق لتقاطع كل السمات النوعية، فإذا دخل عنصر الزمن على معادلة الدلالة أزال عن الدلالة غلاف الاعتباط) ـ ص 169 ـ بمعنى آخر نقول إن اطراد اتصال الدال بمدلوله على مدى الزمن يحول الاقتران التعسفي إلى ترابط طبيعي واجب، وإن كان في أصله غير طبيعي، وعندئذ يحدث تحول في صلب بناء اللغة فتخرج في علائقها ومنظوماتها من سلطان الاعتباط إلى سيطرة العقل.‏

*ولظاهرة التحول الاقتراني انعكاس على مركبات اللغة في رصيدها الاستبدالي وبنائها التراكني، أما على صعيد الاستبدال، فإن هذه الظاهرة تتركز وتتكامل ابتداءً من تناسق أضلاع المثلث الدلالي، فحين نطلق الدال على المدلول الذي تواضعنا عليه، والذي هو صورة ذهنية لمرجعه الحقيقي في عالم الأشياء والموجودات يرتفع حاجز الاعتباط، وينصرف الذهن المتكلم والسامع إلى المدلول مباشرة، لأن اللفظ الدال قام مقام المسمى المدلول عليه (بل إن المرجع بعد حصول الموضعة الدلالية، يصبح من المتعذر التطرق إليه تصوراً أو تعبيراً، إلا من خلال الدال الذي تواطأ به الناس عليه في تلك اللغة... وقد تركز لدى الجاحظ مبدأ خروج اعتباطية الدال بعد وقوع المواضعة إلى الالتحام الشرعي والتلازم الاقتراني) ـ ص 172 ـ‏

*وتبدو ظاهرة التحول الاقتراني أيضاً في قضية الاشتقاق، فجدول الاختيار في الكلام لا يتحدد بما في مخزون اللغة ورصيدها المعجمي على وضعه الأول، وإنما يتسع إلى ما يستخرج بالتحويل والتناسخ من أوضاع معجمية جديدة ونماذج دلالية مستحدثة بالاشتقاق انطلاقاً من ذلك المخزون، كما في تصريف الأفعال، وتقسيمها حسب الزمن، وفي صيغ الأفعال المزيدة وأنواع المشتقات، ففي هذا الاشتقاق زوال للصبغة الاعتباطية، ويضرب الدكتور المسدي مثلاً على هذا بكلمة البحر فيقول ـ ص 173 ـ (إذا كانت علاقة لفظ البحر بذلك الموجود المائي المتعاظم علاقة اعتباطية في ذاتها من حيث الاقتران فإننا بمجرد قولنا (أبحر فلان) تنتفي سمة التعسف في الارتباط، وتصبح العلاقة قائمة على التلازم الطبيعي، وهذا ما بلوره الفارابي).‏

* ويبدو خروج الاقتران اللغوي من الاعتباط إلى التلازم على نحو أوضح في مستوى تركيب الكلام عند إنجاز البث التواصلي، إذ يبلغ حد عقلنة اللغة أقصاه على محور التوزيع، ذلك أن بناء الكلام على محور التراكني ينزع نحو الوجود المنطقي الأوفى، والكلام من الظواهر التي تخضع لقانون تفاعل الأجزاء، فيتفاعل كلماته من جهة، وبالعلاقة الجدلية بينها وبينه بوصفه كلاً من جهة أخرى يتسم بسمات ليست لكلماته أبرزها خروج الترابط فيه من العفوية إلى المنطقية، وتصبح الدلالة عند ذاك تركيبية عقلية، بعد أن كانت فردية اعتباطية، كما يفهم من كلام للفارابي وفخر الدين الرازي.‏

* وقد بدا لنا من خلال ما سبق، أن للتحول الاقتراني صلة وثيقة بالعمل، ويستنبط الدكتور المسدي من النصوص العربية التي تتحدث عن هذه الصلة حضور العقل في الربط التلازمي في جهاز اللغة عند الممارسة الفعلية لحدث الكلام، ويكفينا هنا أن نشير بسرعة إلى بعض ما استنبط من أقوال لعب الجبار والجرجاني في هذا الموضوع، فعند الأول أن العقل دليل العلم على مراد الخطاب حين يستوفي الكلام شروط المواضعة ص 177، وعند الثاني إلا دلالة الألفاظ بالوضع الأول، وأن العقل يكمن وراء التحام جزئين في الجملة يصير كل منهما كلاً دلالياً لا يتجزأ، ويكمن أيضاً وراء تسلط الإنسان على اللغة إذ يتعامل وإياها في محاورة سواء كانت فاعلة بموجب البث أم متمثلة بموجب التلقي ـ 178 ـ.‏

5ـ توليد المواضعات ـ ص 180 ـ يستخلص من النصوص العربية المتحدثة في هذا الموضوع (أن المواضعة لما كانت أحد النواميس الغالبة في خصوصية الكلام، فإنها ما إن تستقر على ركائزها اللغة حتى تصبح هي نفسها طاقة توليدية لذاتها، بحيث يتسنى للإنسان المتعامل مع اللغة باللغة أن يخلق بواسطة المواضعة الأولية مواضعات أخرى لا متناهية نظرياً على الأقل) ـ ص 181 ـ، ويبدو توليد المواضعات في مستويين مستوى اللغات المتعددة (المواضعة اللغوية العامة) ومستوى اللغة الواحدة، وقد تحدث المؤلف طويلاً عن هذا التوليد، وبخاصة في مستواه الثاني، وفيما يلي أبرز ما درس وأهم ما استخلص.‏

*يرى عبد الجبار وابن جني أن اللغة إذا استقامت تسنى بها أن نواضع على لغة أخرى، وعند ابن حزم أن الاستحداث هو السبب الأساسي في تعدد اللغات بتولد بعضها من بعض عن طريق تتابع المواضعات فيها، ويضيف إخوان الصفاء إلى هذا قولهم أن المرونة في المواضعة تسمح للكلام بالتنوع والتخصص في وقت معاً، ونتيجة استقراء أقوال المنظرين العرب في هذه القضية هي أن (كل لغة تكون بواسطة ناموس المواضعة فيها حاملة في مكانها سلسلة لا متناهية من اللغات الموجودة بالقوة، فإذا وضعت بالولادة إحداها عد المولود لغة مستأنفة أو مخترعة حسب ابن حزم ومبتدأة أو مستنبطة حسب عبد الجبار ومركبة حسب الفارابي) ص 184.‏

*أما عن توليد المواضعات في مستوى اللغة الواحدة، فإن التحول الداخلي يتسم في محور الاستبدال في نقطتين أساسيتين هما التحول الدلالي في صلب اللغة، ووضع المصطلحات في المعرفة المتجددة.‏

يتصل التحول الدلالي مباشرة بالطاقة التعبيرية في اللغة، وبما له من أشكال متعددة كالمجاز والنقل والاستعارة والكناية والتشبيه يجسم ظاهرة المواضعة في تحركها ضمن نسيج الأبنية الكلامية، وعن جدلية هذه المواضعة بوصفها محركاً توليدياً لذاتها في صلب اللغة تصدر فلسفة المجاز في الفكر اللغوي العربي، وللمجاز دور كبير في حياة اللغة، ويبدو فيها على نطاق واسع حتى قال ابن جني(21) (أعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة)، وقد تحدث اللغويون والبلاغيون عنه، ولكن هذا الحديث يأخذ طابعاً خاصاً عند الفلاسفة والمشتغلين بعلم الكلام(22).‏

*فالتحول الدلالي عند الرماني مثلاً يعني تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة، وابن جني يعيد هذا التحول إلى طواعية اللغة، وعند الغزالي أن تفاعل المجاز مع التواتر والاطراد يؤدي إلى نقل اللفظ من حقل دلالي إلى حقل جديد، ويركز الفارابي تحليلات وظائف الكلام المختلفة على طاقة التصرف بين الحقيقة والمجاز، أما ابن سينا فنجد عنده وصفاً لظاهرة التحول مقترناً بالتعليل، فهو يقارن بين اللفظ الدال بالحقيقة دلالة ناصة هي دلالة الوضع الأول، وللفظ الدال بالمجاز دلالة مخترعة طارئة، ويتحسس في هذه قيمتها الإبداعية، ثم يضع معيارين للتحول الدلالي هما العلاقة المنطقية وهي قرينة المناسبة أو المشاكلة، وعلى هذا فالتحول ضرب من العقلنة في صلب منظومة اللغة التي أساسها الاعتباط المحض والمعيار الثاني هو مجاري الكلام التي لا تسمح بتحول دلالي للفظ هو مجازي في الأصل، لأن هذا التحول لا يسمح بوصول الرسالة الدلالية من الباث إلى المتلقي ـ (ص 192 وما بعدها).‏

*ومن ينظر في قضية التحول الدلالي يخطر في ذهنه سؤال يتعلق بشرعية التحولات الدلالية داخل الكلام هو (هل التصرف في قنوات الدلالة اللغوية مداً وجزراً بين وضع أول ووضع طارئ هو حاجة لصيقة بالحدث اللساني، آنية(23) في نظامه الداخلي؟ أم أنه ضرب من التصرف التلقائي الذي يتحول هو ذاته اعتباطاً غير شرعي؟) ـ ص 195 ـ والجواب هو أن حضور الإنسان في كل فعل لغوي أمر مسلم به، ولكن يصعب الفصل بين عمله في اللغة وعملها فيه، فالتحول في حقيقته ضرب من الصراع الصامت بين اللغة والإنسان تتم فيه الغلبة للغة دائماً، إذ هي تفرض على الإنسان أن يقر الألفاظ على أوضاعها الأولى، ما لم تقم حاجة إلى ترك هذه الأوضاع والتحول عنها، كما يرى ابن جني، ويقرن ابن فارس التحول الدلالي بالاقتضاءات الحضارية، مما يسمح باشتقاق قانون لساني اجتماعي يقول (ليس من تغير جذري في بنى المجتمع إلا وهو مفض إلى تغير مثله في بنى اللغة) ـ ص 196.‏

*وتبدو علاقة العقل بظاهرة التحول الدلالي، في أنه الحكم في التحول الاقتراني الطارئ بين الدال والمدلول كما كان حكماً في أصل الوضع، وهو الحكم أيضاً على مجازية لفظة ما بوصفه ناسجاً للكلام، ثم إن سر وجود الشحنة التأثرية الانفعالية في الكلمة المحولة هو أنها تقتضي اجتهاد العقل في استخراج المعنى، بعد أن يهتدي إلى العلاقة التي حركت خروج اللفظ عن دلالته الأولى إلى الدلالة الثانية.‏

*أما عن النقطة الثانية التي يتجسم فيها التحول الداخلي في محور الاستبدال، وهي وضع المصطلحات، ففي اشتقاق الاصطلاح من صميم المواضعة اللغوية القائمة تكمن طواعية اللغة في تحريك شبكة مواضعاتها بالتوليد والتناسخ، وقد تنبه ابن خلدون إلى أن المصطلح يكون بالتحويل التواطئ الذي يرتكز على اشتقاق اقتران دلالي حادث من اقتران دلالي حادث من اقتران دلالي سالف ـ ص 204، وحاول كثير من الأعلام المنظرين استنباط المقتضيات التي تدعو إلى إفراز المصطلحات اللغوية، فالفارابي مثلاً يذكر أن حملة المعرفة يضعون المصطلحات حين يشعرون أن هناك أشياء دعت الحاجة إليها، ولم يكن لها أسماء، فيركبون لها ألفاظاً بالاستحداث والتحويل، أو ينقلون ألفاظاً من معان كانت لها إلى معان أخر غيرها، كما أدرك أن في المصطلح تجريداً لأنه يرتقي إلى مرتبة الكليات ـ ص 206 ـ ويقرر القاضي عبد الجبار أن التحويل الدلالي بوضع المصطلح الجديد لصيق بالوجود اللغوي بحيث لو اهتدى إلى المتصور العلمي الجديد غير من اهتدى إليه، لما نقل له إلا اللفظ الذي قد حول إليه فعلاً ـ ص 206.‏

6ـ اكتساب المواضعة ـ ص 208 تعرض المفكرون العرب لهذه المسألة في نظرية شبه متكاملة ـ ص 222 وقد استطاعوا أن ينفذوا إلى خصائص الظاهرة اللسانية بالاعتماد على ملابسات اقتنائها وطرائق تحصيلها، وهنا نلاحظ جانبين مهمين متصلين هما تحديد خصائص اللغة وطرائق تعلمها.‏

فقد ذكر هؤلاء أن اللغة ملكة(24) صناعية منطلقين من ربطها بالمؤهلات الفطرية لدى الإنسان، وذكروا أن اللغة تمارس بالطبع (ابن جني) أو الغريزة (التوحيدي) أو السجية (ابن وهب) دون وعي لقوانينها وانفصال المفردات عن التراكيب، إذ أن الملكة في الحدث اللساني تستند إلى حصوله كلاً لا يتجزأ (ابن خلدون)، وقد استوقفت المنظرين العرب قضية ارتباط الملكة بوصفها استعداداً فطرياً بمشكل الاكتساب بوصفه ترويضاً لطاقة الإنسان على الحركة والابتكار، وتعقدت المشكلة بقولهم أن اللغة ملكة تكتسب، وإن كان ابن خلدون سعى إلى الفصل بينهما، وحاولوا إزالة عقبة التحديد والاكتساب حين جمعوا الأمرين معاً. بقولهم في تحديد الحدث الكلامي أنه ملكة صناعية، وفي مفهوم الصناعة تراهم يتحدثون عن القياس في الاكتساب بالمحاكاة (ابن جني) وعن المهارة والحذق في صناعة الكلام، وإيجاد الائتلاف في المختلفات (الجرجاني) ـ وهو قانون مبدئي في الصناعات بعامة ـ وعن اختبار قوانين الكلام بوصفه مفتاح التحصيل، وعن اكتساب القدرة على كشف الطاقة الإيحائية للكلام (عبد الجبار).‏

أما في طرائق تحصيل اللغة، فقد تحدثوا أولاً عن أسرار تقنيات الاكتساب، فرسخوا متصورات كثيرة فيه كالارتياض والمعاودة والتمرس والدربة، ولمسوا عن قرب مشكلة الاكتساب الآلي عن طريق المنعكسات البسيطة والشرطية، وتطرقوا إلى التناسب الطردي القائم بين كثافة الاختزان والقدرة اللسانية على التصرف والابتكار ـ ص 223 ـ كما تحدثوا عن كيفية حصول الاكتساب، فذكروا أن السماع والتكرار يؤديان إلى العادة، وألحوا على السماع في تحصيل اللغة، وبخاصة ابن خلدون حين قرر مبدأً مهماً انطلق منه هو (25) (السمع أبو الملكات اللسانية)، وابن قتيبة الذي رأى في السماع مفتاح تلقي العلوم والمعارف جملة والكلام بخاصة، كما رأى عبد الجبار أن السماع يؤدي إلى الإنشاء بالمحاكاة التدريجية فربط في هذا التلقي بالابتكار، وعند ابن خلدون أن حصول ملكة اللسان رهين التكرار الذي يؤدي إلى ارتسام المنوال الذي نسجت عليه مواضعات اللغة في مخيلة المتعلم، وإن كان هذا التكرار يتم دون تقنين أو تعليم مقصود.‏

*وإذا كان المنظرون العرب قد تحدثوا في الاكتساب المباشر للغة الأم، فإنه لم يفتهم أن يتحدثوا في الاكتساب الطارئ حين تصل الملكة اللسانية إلى حد العقلنة، ويمكن أن نسمي هذا الاكتساب عندها الاكتساب العقلي لأنه خرج باللغة من الفطرة إلى الفطنة ـ على حد عبارة التوحيدي ـ ويبدو هذا الاكتساب في مظهرين اثنين أولهما تعلم قوانين اللغة الأم ووصف هياكلها، والثاني تعلم لغة أجنبية.‏

*وفي مجال الازدواج اللغوي أي تحصيل لغتين، نلاحظ أن (امتزاج الثقل الحضاري بالميزان الديني وانصهار المضمون العقائدي في ذات اللغة نصاً وتشريعاً وتعبداً، كل ذلك قد جعل البناء اللغوي في الحضارة العربية نازعاً نحو التوحيدي حتى لكأن الازدواج اللساني أو التعدد اللغوي قضية معزولة سلفاً عن ساحة البسط والمطارحة) ص 232، ومع هذا نجد في تراثنا نفثات استقرائية، كما سماها الدكتور المسدي ـ دلت على نظر عميق في هذه القضية، فالجاحظ مثلاً يرى أن من ازدوجت تجربته اللسانية يواجه نمطين من المواضعة، لهذا يمكن القول أنه كلما تجانست أضرب المواضعة في اللغتين سهل على المتكلم بهما التحول من لغة إلى أخرى، كما أنه رسم قانون التناسب الطردي بين الحاجة إلى اللغة الطارئة معللاً له بفارق السن في الاكتساب والتحصيل ويسبق الملكة الأولى ورسوخها في النفس، أما ابن جني فقد توصل بحسه اللغوي الدقيق إلى قانون تداخل اللغات في قسط من قوانينها المشتركة" وهو قانون يتصل بمضمون اللسانيات العامة اليوم.‏

ـ 5 ـ‏

مقومات الكلام‏

يهدف هذا الفصل، كما يقول المؤلف، إلى استكناه حقيقة اللغة والكلام من خلال متصور العبارة وقد أفرد لهذا الهدف ست مسائل أيضاً هي على التتالي:‏

1ـ الكلام والمكان: ـ ص 247 ـ إن أول مراتب الوجود الموضوعي للحدث ارتباطه ببعدي المكان والزمان، والكلام، بوصفه حدثاً، لا يشذ عن هذا الأمر، فلقد أدرك المفكرون العرب أنه مقيد ببعد المكان في لحظة تواجده الفعلي، وألحوا على اقتضاء حدث الكلام محلاً ينجز فيه، فرأى عبد الجبار أنه يتعذر على الإنسان إنجاز هذا الحدث خارج محل مبني كاللسان واللهاة، وأقام الدليل على ما يقول بأن الكلام مشروط أصلاً بعملية التصويت، ثم إنه يتولد عن احتكاك عضوي، وهذا لا يتسنى إنجازه إلا في حدود المحل والبنية، وفكرة البنية هذه حللها أبو علي الجبائي (فوضح أن الحدث اللغوي الفعلي لا ينفك عن التشكل الجسمي المرتهن بحجم المكان، وهو ما يكسبه خاصية البنية فيتميز بها عن مجرد التصويت اللاغي) ـ ص 250 ـ.‏

*ثم إن الكلام طاقة انتشارية، إذ هو قادر على الاستيعاب المطلق، فيدرك عدداً لا متناهياً من المتقبلين ولا يتحقق هذا إلا بتواجده في حيز يبلغ فيه الصوت قرائن وجوده الموضوعي، وقد يشمل الكلام بالسماع جملة من الحاضرين ولا يخص بمضمونه إلا واحداً منهم، والعكس صحيح، وهو بهذا يستغني عن أن يعيد نفسه مرات بحسب عدد المقصودين به، وهذا هو قانون الاقتصاد اللغوي أو نزعة المجهود الأدنى في اللسانيات المعاصرة ـ ص 252 ـ.‏

2ـ الكلام والزمن ـ ص 254 ـ عرف العرب أن الصوت لا ينفك عن الزمن تصوراً وإنجازاً، وهذا ما ذكره ابن حزم والفارابي وغيرهما، واقتضى هذا الترابط أن يفرقوا بين مجرد التصويت وإنجاز الحرف الكلامي في المخرج على أساس أنه يحدد اللحظة التي ينجز فيها الحرف على محور الزمن، كما استطاعوا ضبط مدارج الزمن على حدث الكلام، وهو ما سماه المؤلف بمدارج التقطيع، وهي أربعة الحروف الشديدة والحروف الرخوة والحركات ثم المقطع، وهو الوحدة الأساسية، وعرفه بأنه (القذفة الصوتية المحصورة بين انطباقين من انطباقات الجهاز الصوتي) ـ ص 260 ـ، وقد تنبه العرب أيضاً إلى أن للنبرة والنغم تأثيراً واضحاً في إبراز الحجم الكمي والتكثيف النوعي لعملية إنجاز الحدث اللساني، وعند ابن سينا أن للنبرة وظيفة تمييزية من حيث الدلالة الإبلاغية، وبها يتحدد طابع الجملة إن كان نداء أو تعجباً أو سؤالاً، كما أن لها وظيفة على صعيد البنية النحوية أحياناً، وبخاصة في أقسام اللفظ المركب ـ ص 266.‏

*وقد اهتدى المفكرون العرب في ضوء الأمور السابقة إلى جملة من خصائص الكلام ومقوماته بالاحتكام إلى عامل الزمن، أما الخصيصة الأولى فهي أن للكلام سمة الخطية، وهي تميزه من سائر الأنظمة العلامية في الإبلاغ والتواصل، وتعني الخطية أن أجزاء الحدث الكلامي يتعذر عليها التطابق على النقطة نفسها من محور الزمن ومن البديهيات التي قررها العرب أن من حق الكلام أن يكون مرتباً في الحدوث، فالخطية إذن نقيض للجمع والتراكم، ويقترن مبدأ الخطية بمبدأ آخر هو التعاقب فعند فخر الدين الرازي (أن الكلمة لا تكون كلمة إلا إذا كانت حروفها متوالية)، كما جعل الخفاجي الانتظام من شروط الكلام، وأكد عبد الجبار أن الكلام لا يفيد ما لم يكن متسماً بطابع التقطيع الزمني، وقد اتخذ الجرجاني من فكرة التقطيع أصلاً جوهرياً في تكامل نظرية النظم عنده، وتتمثل نقطة التقاطع في تفاعل الكلام والزمن في عده ظاهرة معرضة للفناء حال وجودها، إذ يتعذر على الكلام الثبات في الزمن بالقدر الذي يتحتم عليه اندراجه في الزمن وهذا ما أطلق عليه المؤلف سمة الغازية(27)، ويؤخذ من هذه السمة أن الكلام ذو طبيعة انفجارية، لا يأخذ من الزمن إلا القدر الحتمي الأدنى الذي بموجبه وبوساطته يتسنى إنجازه كما يتسنى إدراكه، فهو مقترن بالحينية أي أن وجوده لا يتنزل إلا في لحظته على نحو فوري خاطف.‏

*يضاف إلى ما سبق من خصائص الكلام خصيصة أخرى هي قابليته للحكاية، وتعني هذه طواعيته للتواجد المتجدد، فهو كالكائن الحي، إذا فني وانعدم جاز أن يبعث مستقبلاً، وهذا ما يكسبه طاقة التولد على مدار الزمن، وقد تطرق المنظرون العرب إلى الحكاية في مؤلفاتهم، ولعل أوضحهم في هذا عبد الجبار الذي رأى أن الحكاية لا تستقيم إلا بشرطين هما محاكاة البنية اللفظية والبنية الدلالية في الوقت نفسه وقد حلل علاقة المتكلم بخطابه تبعاً لكونه واضعاً له أو حاكياً إياه، وذكر في ذلك مصطلحين هامين هما الابتداء والاحتذاء، فالاحتذاء حكاية وترديد تبعاً لمعرفة كيفية المواضعة، والابتداء تصرف وابتكار، وبهذه الخصوصية ينفرد الكلام عن سائر الملكات الصناعية الأخرى ـ ص 284 ـ‏

3ـ الكلام وفاعله ـ ص 286 ـ لا تتحقق رسالة الكلام إن لم يكن فيه عنصران هما المتكلم والسامع، وللدخول إلى علاقة الكلام بفاعله منفذان هما ارتباط مادة الخطاب بصانعها وازدواجية الابتداء والاحتذاء، فالكلام فعل موضوعي يقوم به المتكلم، كما يرى الخفاجي، ويؤخذ من كلام لأبي علي الجبائي أن علاقة هذا الفعل بفاعله علاقة سببية مباشرة، إذ لا صوت بلا تصويت، ولا تصويت بلا صوت أما عبد الجبار فرأى أن الكلام صناعة، ومعنى هذا قيام ترابط بين الحدث اللساني وباثه، ويستنتج من تحليل له في هذا الموضوع (أن الإنسان غير متعذر عليه اكتساب المواضعات اللغوية المختلفة باكتساب الألسنة المتعددة، وهذا معناه أن علاقة المتكلم بنواميس الظاهرة اللغوية علاقة مفتوحة لا متناهية بالقوة) ـ ص 291 ـ ولكن هذه العلاقة تتركز في محور بناء الكلام وتأليف نظامه الكلي (محور التوزيع التراكني) دون الأجزاء والوحدات (محور الاختيار الاستبدالي وفيه تبدو فاعلية الإنسان، وهذا ما تنبه إليه الزملكاني والجرجاني حين أكد أن نسبة الكلام إلى صاحبه قائمة فيما يخص الصنعة والنظم والتركيب كما رأى أنه لا يتسنى فهم مضمون الإخبار والإبلاغ في الجملة المبثوثة بمعزل عن الاقتران بصاحبها.‏

4ـ الكلام والاضطرار ـ ص 297 ـ هذه المسألة تسعى إلى كشف مقومات الكلام من خلال متلقيه. وأبرز ما يلاحظ فيها أن الكلام يتمتع بصفة الاضطرار بمعنى أن له طبيعة تسلطية ونفاذاً تحكمياً، فليس للسامع أن يختار تقبله أو يرفضه، متى توفرت شروط الإدراك العائدة إلى معرفة أنماط المواضعة، ورأى الخفاجي أن الحدث اللغوي يكتسب هذه الصفة فوراً انتشاره، وذكر عبد الجبار قانون الحتمية في التقبل، فلا مفر لمن تهيأت له مواضعة الكلام من أن يتلقاها، وإلى مثل هذا ذهب ابن رشيق، فللكلام إذن خاصية إجرائية ذات طابع جزمي، كما أن له خاصية أخرى هي الحضورية وطابع الاستعجال فإذا ما ورد على السامع أو المتلقي كان فوري النفاذ، لا يقبل التأجيل، إذ لا يستطيع هذا السامع أن يتمهل في إدراك رسالة الكلام الدلالية، ولا أن يعتزم التأخير جزئياً أو كلياً، وإلى هذه الخاصية استند عبد الجبار حين رأى أن تأخر إدراك بعض شحنات الكلام، إن حصل، عائد إما إلى عوارض خارجية في الكلام ذاته كالتشويش في البث والضبابية في التركيب، أو إلى استدلالات عقلية تحول الكلام عن بنيته بالتخريج والاستنباط ـ ص 304 ـ.‏

*ومن تزاوج فكرة الاضطرار وفكرة الحضورية تنشأ خاصية جديدة للكلام هي الكلية بمعنى أنه فعل نوعي لا يتجزأ من حيث إدراكه، فهو كلي بالضرورة عند الباث والمتلقي معاً، فالرازي يعده كذلك (لأنه يتهيأ لصاحبه، ويتشكل لسامعه، وكأنه كل منصهر أفرغت عناصره، فغدت كالجزء الواحد، بل كالكلمة المتمردة، وهذا ما يمكن أن نسميه بالاعتماد على تحليل الرازي طابع التوحد والتفرد في الظاهرة اللغوية) ـ ص 306 ـ.‏

ويتصف الكلام بالنظر إلى متلقيه بصفة أخرى هي أنه ذو طابع الصاقي بمعنى أن اكتساب الكلام ظاهرة لصيقة بالإنسان، ليس بقادر هو أو أي كان على أن ينتزع من نفسه درايته بمواصفاتها، فالكلام لذلك تسلطي ملزم وعنيد متمكن، وهذه الخاصية تنسحب على السامع أيضاً، إذ ليس له أن ينزع من نفسه ما قد حصل له في لحظة تلقي الكلام.‏

*أما ما تستند إليه سمة الاضطرار في الكلام فأمران أولهما شرعيته المنطقية، أي أن الكلام لا يمكن أن يتنصل من علة وجوده، وهو يرفض العبثية وينقضها بمجرد التلفظ به، لذا فهو حدث منطقي، إذ أنه فعل لا يصدر إلا عن حكمة، وقد بين ابن جني (كيف أن سلامة بناء الكلام معقودة بتسلسل منطقي في صلب مدلولاته، وهو ما يكسب الحدث اللساني طاقة الصدود على التراكم العبثي) ـ ص ـ 310 ـ، والأمر الثاني الذي يعد من مقومات سمة الاضطرار هو اتصاف الحدث اللساني بوحدوية البعد الدلالي، وهي التي تقود الكلام في مسيرته بين طرفي جهاز التجاور، وهي السبب في جعل الكلام ملزماً اضطرارياً لا ينتفي ولا ينتقض، وتعني هذه الوحدوية أن يكون لكل مدلول دال واحد، ولكل دال مدلول واحد (في محور الاختيار) ثم أن تتعامل الأجزاء المتوحدة أبعادها لتكون نسيجاً ذا بعد واحد أيضاً (في محور التوزيع)، وعند الجرجاني أن الملفوظ كان لا يتجزأ أو لا يكون، لأن الكلام في حقيقته علاقات بين العناصر المركبة له أكثر مما هو تلك العناصر نفسها، وفائدته الحاصلة بالخبر مستمدة من نوعية الترابطات لا من دلالة الأجزاء ـ ص 316، وإذا ربطنا هذا الكلام بمفاهيم اللسانيات المعاصرة تبين لنا فيه نظرة بنيوية هامة.‏

ومن المنظرين العرب من أشار إلى أن الدلالة قد تتعدد، وسموا هذا مجازاً ومشكلاً، وعنوا بالمشكل الملفوظ الذي يتجاذبه حقلان دلاليان، ودرسوه، فالغزالي مثلاً رأى أن التعطل الجزئي للتواقت الفوري بين عمليتي البث والتلقي سببه الانزياح الزمني بين إنجاز الحدث اللساني وإدراكه من جهة، وبين نوعية الخطاب وتكاثر قراءاته من جهة أخرى، ورأى عبد الجبار أن الملفوظ إذا شحن بتكاثف دلالي فلا بد معه من قرينة عقلية أو سمعية، وهذا شرط بقاء الكلام نظاماً إبلاغياً.‏

5ـ الكلام والشمول ـ ص 323 ـ إذا كانت المسألة الثالثة تتعلق بالمتكلم والرابعة بالمتلقي، فهذه تتعلق بالمرجع أي ما يحيل عليه المدلول في المثلث الدلالي من أشياء وظواهر في عالم الواقع، ويعني الشمول أن الكلام طاقة تسمح له باستيعاب ما في الوجود بعامة، فهو يغطي صورة الكون، فيفحص الإنسان عالم الأشياء والصور والخيال بعدسة الكلام المزدوجة إذ أنها (تكبر الصغائر فتنظر إلى دقائق الحقيقة في أرق شفوفها، وتصغر الكبائر، فتجعل المتشامخ العملاق في قبضة الرؤى اللغوية المحيطة به عن طريق الكلمة والحرف) ص 323، ويقرر ابن سينا أن (لكل حقيقة من الوجود مطابقة من اللفظ)، كما يقرر عبد الجبار قانوناً أصولياً معناه أنه لا شيء يبعد عن الكلام إن هو هم باستيعابه وصقله. ـ ص 324.‏

*وتبدو سمة الشمول في محوري الاختيار والتوزيع، أي في مستوى اللفظ المنفرد ضمن الرصيد المعجمي في اللغة، ومستوى تركيب الألفاظ لتصبح كلاماً، في المستوى الأول هناك المثلث الدلالي وجدليته الباطنية (فنشوء مرجع في عالم الأشياء يؤدي إلى تبلور مدلول له في عالم التصور، وكل ذلك يحدث ضغطاً على اللغة تنجب أثره بالضرورة صياغة تستوعب المتصور، فتكون دالة عليه، وتكتمل بها أضلاع المثلث) ـ ص 326 ـ وعند ابن حزم أن اللغة شاملة لعوالم الفكر والحس والشعور وكلها، وإلى مثل هذا ذهب أخوان الصفا، وقد تصور العرب رصيد اللغة على أساس المستعمل والمهمل أو المنفق والمختزن، فرأوا فيها طاقتين أو رصيدين، رصيداً محفوظاً غير محدود، ورصيداً فعلياً متداولاً مشتقاً من الرصيد المحفوظ، فهي عند ابن جني جهاز فعلي مشتق من نظام أوسع منه بكثير، وعند عبد الجبار إنجاز لبعض الممكن، (ومن الحقائق المعروفة أنه لا يوجد إنسان يستخدم كل المعجم الذي تعرفه لغته، وقصارى أكثر الناس معرفة بالغة أن يستخدم قطاعاً منها في حديثه وتأليفه، وهو في ذلك مرتبط بعلاقاته الاجتماعية ومستواه الثقافي وضرورات عمله(28).‏

*أما في مستوى الشمول التركيبي، فالأصل الذي يرجع إليه هذا الشمول هو قدرة اللغة على توليد ما لا يتناهى من القوالب النحوية، وعند الجرجاني أن النظم هو العمود الفقري في طاقات اللغة كلها، ويرى حازم القرطاجي أن المعاني المركبة من الأوصاف على حسب الأغراض لا يمكن إحصاؤها. وطواعية اللغة وقابليتها للاستيعاب الشامل هي التي تجعلها قادرة على الإخبار بالمدركات الحية أو المتصورة، وذلك باستغلال طاقة التعبير بالإيحاء، وقد ربط رواد الفكر العربي تحول التعبير من التصريح إلى التضمين بشمولية اللغة، فسن أبو سلميان الخطابي مثلاً قانون التبعية المباشرة بين الأمرين حين قال(29):‏

(المعقول من الخطاب عند أهل الفهم كالمنطوق به)، ورأى سيبويه أن التفاهم هو المعيار الضابط للمظاهر الطارئة على بنية التراكيب النحوية في اللغة، وقد استنبط قانون التناسب العكسي بين طاقة التصريح في الكلام وعلم السامع بمضمون الرسالة الدلالية ـ ص 332 على أن أهم مقومات الشمول على صعيد العلاقات الركنية هو مطاطية الجهاز اللغوي امتداداً وتقلصاً. بقي أن نشير في حديثنا عن الشمول إلى أن الطاقة الانعكاسية للظاهرة اللغوية هي إحدى مظاهره، ونعني بها طواعية اللغة في الرجوع بنصها على نفسها حين نتحدث باللغة عن اللغة، فتكون اللغة عند ذاك كالمرآة العاكسة التي ترى فيها نفسها بضرب من الاستبطان الذاتي.‏

6ـ هوية الكلام ـ ص 342 ـ يتمتع الكلام بطابع الآنية بمعنى أنه يبلغ بنفسه وجوده الأكمل لأنه من الظواهر التي تستمد وجودها من نفسها مثلما تستمد علة وجودها من وجودها ذاته، وما يحدد هوية الكلام إنجازه وتحققه، وهذا ينفي عن الظاهرة اللغوية أن تكون قيمة مطلقة في ذاتها، كما يقول الرازي، ويرى أبو هشام الجبائي أن الكلام يستمد علة وجوده من وظيفته نفسها، ومنفعة الكلام في ذاته، وهي إفهام المخاطب المراد منه، ويفهم من قوله هذا انتفاء تفاضل اللغات، إذ انتفت عن الكلام قيمته المطلقة ـ ص 346ـ.‏

*ويقوم التصور الأنِّي في تقدير الظاهرة اللغوية على أن هوية الكلام ليست في المظهر الفيزيائي للحدث اللساني، وإنما هي قابعة فيما وراءه، ولكن أين؟ ويجيبنا الدكتور المسدي عن هذا السؤال بقوله: ص 349: (هوية الكلام في أقصى مظاهر تجلياتها إنما تكمن في تحول الأجزاء بموجب جدلية الانصهار إلى بناء متكامل يسلم نفسه تسليماً تلقائياً لجاذبية الإدراك الشمولي الذي لا يتوقف بالضرورة على بنية الأجزاء عندما يهم بإدراك مضمون البنية الكلية)، ويلح كثير من المنظرين العرب على سمة التكامل العضوي والترابط الجدلي في ضبط خصوصية الحدث اللغوي، وقد تحدث عنها كل من أبي سليمان الخطابي والطبري وإخوان الصفا وابن جني والفارابي والخفاجي وغيرهم، ولعل أبرز ما قيل في هذا الموضوع فكرة الصوغ عند الجرجاني حين قال(30) (وأعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعاً من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة).‏

ـ 6 ـ‏

منهج البحث وبنيته‏

ينتهي إلى هنا التلخيص الذي لا يغني عن مراجعة الكتاب، فما زال فيه الكثير من الفكر الهامة، وقد بدت لي في أثناء مطالعته جملة من الملاحظات والتعليقات تتعلق بمضمونه منهج المؤلف فيه أسلوبه، أرى من المناسب أن أذكرها في هذا المقام، لعل فيها زيادة فائدة لمستزيد.‏

أول هذه الملاحظات أن البحث يقوم على المنهج الوصفي الذي يأتي ثانياً في التصنيف الزمني لمناهج اللسانيات الحديثة الأربع (المقارن، الوصفي، التاريخي، التقابلي)، وهو منهج يقوم عليه كثير من الدراسات اللسانية المعاصرة، بعد أن أرسى دعائمه اللغوي المشهور فرديناند سوسير، ويعني هذا المنهج بالنظر إلى اللغة في ذاتها، يدرس نظامها في حالة من تطورها، وفي زمن معين، دون النظر إلى التحولات التي تطرأ على جزئياتها عبر الزمن، فذلك شأن منهج آخر هو المنهج التاريخي، الذي كان يبدي بين الحين والحين بعض الضوء منه ينير للمؤلف بعض النقاط المعينة على مناقشة المسألة أو المسائل المطروحة، فقد قال في خاتمة بحثه العامة ـ ص 369 ـ (جاء بحثنا عائماً على صفيحة هذا الجدل الثنائي: الآنية هي قطب الرحى، والزمانية مصباح كاشف بالسلب والإيجاب، ما أن يلتجئ إليه البحث حتى يعود منه إلى مدار الفحص الآني ليرتقي بالاستخلاص إلى مستوى التجريد الكلي).‏

* ولقد سبق أن حدد في مدخل الكتاب الأركان الثلاثة التي قام عليها بحثه وهي التحديد وتأسيس القواعد الأولية في المنطلق، ثم كشف خصائص البناء العضوي اللغوي، وأخيراً الدلالة، ويلاحظ بوضوح أنه انطلق من التمييز بين اللغة والكلام على نحو ما تفعل اللسانيات المعاصرة التي ترى أن اللغة هي ذلك الكنز الجماعي الذي فيه مجموعة الكلمات ودلالاتها، ومجموعة القواعد التي تحدد استعمال الأصوات والأشكال ووسائل التعبير النحوي، وكل ذلك مختزن في ذهن المتكلمين، أما الكلام فهو الانحياز اللغوي الفردي الذي يختار منه المتكلم من ذلك الكنز ما يعنيه على التواصل الاجتماعي والتفاهم مع الآخرين، ومن الكلام نستشف نظام اللغة، وكان بحث الدكتور المسدي من خلال تفاعل هذين المفهومين، وهذا ما ذكره في بداية الفصل الثالث، وإن لم يبين الفرق بينهما منذ البداية، قال: ص 246 (إننا نذكر بأنه طوال الفصلين السابقين قد كنا نتعامل مع الظاهرة اللسانية عضوياً من خلال متصور اللغة ومن خلال متصور الكلام، ثم من خلال تفاعل هذين المتصورين. إذ أن تجليات اللغة تعين على مكاشفة ناموس الكلام، وبالتالي فإن ارتسام حقائق اللغة في فكر الإنسان يؤدي إلى انتقاش رسوم الكلام من حيث هو المنال الكلي الذي يميز الإنسان عن سائر الموجودات)، وفي الفصل الثالث سعى إلى استكناه حقيقة اللغة والكلام كليهما من خلال متصور العبارة، وأحال في الهامش إلى مراجع تميز بين هذه المفاهيم الثلاثة.‏

*أما عن البنيوية (31) التي هي ثمرة المنهج الوصفي، فقد أقر بفضلها، إذ تحرك على مدارها معظم بحثه تحركاً ضمنياً صامتاً، كما قال في الخاتمة، فبعد أن تبين منزلة البنيوية التأليفية بين الفلسفتين الظواهرية والمادية قال ص 370 (والمهم في خاتمة مطافنا هو أن الرؤية اللسانية البنيوية ذات التحرك الآني قد مكنتنا من النظر بعمق في تراث الفكر العربي بما مكننا من تجاوز إشكالياته السطحية كتقنين النحو وحظر اللحن ومدح الإعجاز، لتنفذ بنا إلى اللغة من حيث هي حدث منجز، فاكتشفنا تخلص الفكر اللغوي في أعماقه من ربقة المكتوب وسلطان المعيارية، وتبينا ارتقاءه إلى منزلة الوصف الاختباري بتناول الحدث الكلامي بذاته ولذاته، وتلك ذروة الحداثة اللسانية)، وتبدو النظرة البنيوية واضحة ومركزة في وصفه الكلام بأنه (ظاهرة لها مقومات الموجود العضوي ذي التفاعل الذاتي لأن عناصره المركبة إياه لا تبلغ سمتها النوعية من حيث وظيفتها الإبلاغية إلا إذا انتظمت نوعاً مخصوصاً من الانتظام بحيث تصبح بنية متكاملة لها خصائص الكل الذي لا يتجزأ أو الذي ما إن يتجزأ حتى يفقد هويته النوعية) ص 356.‏

*ومن المعروف في اللسانيات المعاصرة أن اللغة تدرس في قطاعاتها الأربعة الصوت وبناء الكلمة وبناء الجملة والدلالة، ولئن تعرض الدكتور المسدي في ثنايا بحثه للقطاعات الثلاثة (الصوت والكلمة والجملة)، فإنه ألح على القطاع الرابع، لأن الدلالة، كما قال، لها الوظيفة المركزية في كل ما يتصل بالظواهر الإبلاغية.‏

*وقد حدد الدكتور المسدي صنيعه في الكتاب بأبعاد ثلاثة هي الطول (قراءة التراث) والعرض (قراءة مادة الفكر اللغوي) والعمق (اللسانيات العامة)، فمضى يقرأ مادة التراث اللغوي في مظانه المختلفة ذات المشارب المتعددة، معتمداً بخاصة على كتب الفلسفة والمنطق وعلم الكلام لغناها بالفكر اللغوي، وبخاصة موضوع أصل اللغة، وهذا يعني تداخل الدراسة اللغوية عند العرب في غيرها من الموضوعات، وهي عدوى انتقلت إليهم من عهد أرسطو(32)، وليس هذا التداخل خاصاً بهم وحدهم، فلقد كانت الدراسات اللغوية بعامة جزءاً لا يتجزأ من التفكير الفلسفي، ولكنها بدأت تنفصل في القرون الأخيرة بوصفها فرعاً خاصاً من فروع المعرفة(33).‏

*وكانت قراءة المؤلف للتراث بوحي من النظر إلى اللغة المبدئية لا النوعية، كما أشار، أي بوصفها ظاهرة بشرية مطلقة، فاستعرض النظريات المختلفة عند العرب في شأن هذه الظاهرة، ثم حصر مواقفهم المتباينة منها في نظرية مركزية هي المواضعة، فبين كيف اهتدوا إلى خصائص الكلام كالاعتباط والتعاقد الضمني والقدرة على التوليد، وبسط بعد هذا مشكل الاكتساب اللغوي واستعرض فيه مفاهيم الطبع والملكة والصناعة المحكمة ـ وقد سماها نظريات ـ ثم انتقل إلى استجلاء مقومات الحدث اللساني بوصفه حقيقة موضوعية منجزة بالفعل كالمكان والزمان والآنية.‏

*والذي يلفت النظر في بحث الدكتور المسدي أنه أقام فصلاً كاملاً من الكتاب على الحديث في أصل اللغة ونشأتها، وهي قضية خلافية قديمة، أثيرت قبل الميلاد عند الإغريق حين (رأى بعضهم، ومنهم أفلاطون، أن اللغة ظاهرة طبيعية، وأن الكلمات وأصواتها جزء لا يتجزأ من المعنى، بينما رأى الفريق الآخر، ومنهم أرسطو، أن اللغة ظاهرة اجتماعية، وأن أصواتها رموز اصطلاحية لا علاقة طبيعية أو مباشرة لها بالمعاني)(34) وقد تركت هذه المشكلة أثراً واضحاً فيما تلاها من دراسات لغوية ونشأت من الاختلاف فيها نظريتان عرفت الأولى بالنظرية التوقيفية والثانية بالنظرية الاصطلاحية أو التواضعية(35) وامتدد الجدل فيهما حتى عصرنا الحاضر، وشغلت بال الكثير من علماء اللغة منذ مطلع القرن التاسع عشر إلى زمن قريب، دون أن يتوصلوا إلى حل للمشكلة، مما دعا الجمعية اللغوية الفرنسية إلى سن قانون يمنع إلقاء محاضرات في موضوع أصل اللغة(36).‏

*أما عن الباحثين اللغويين العرب المحدثين، فقد اختلفوا في مدى جدوى البحث في أصل اللغة، وهل يدخل هذا في مجال اللسانيات أم لا، فقالت فئة إنه لا فائدة من بحث لا نستطيع الوصول فيه إلى حقيقة مقنعة، ويجدر إلحاقه بالبحوث الفلسفية، لأنه ليس من البحث العلمي، وليس أمراً لغوياً صرفاً لذا فهو يخرج عن مجال البحث في علم اللغة (37)، ومن الفئة الثانية من رأى (أن من المفيد لبيان أهمية اللغة وقدم مشكلتها أن يتساءل اللغوي عن نشأتها مهما تكن عسيرة على التصور، فهذا هو المدخل الطبيعي لدراسة الظاهرة المجهولة الأصل، ولإثارة خيال الدارسين حولها، وهو أمر لا يخلو من فائدة، كما أنه في نظرنا ضرورة منهجية لا ينبغي تجاهلها(38).‏

*والدكتور المسدي من هذه الفئة التي ترى أن البحث في نشأة اللغة مما يدخل في علم اللسانيات الحديث وقد علل لهذا في أثناء حديثه عن اللسانيات والشمول، بأن الموضوعية العلمية نفت في البداية البحث في مسائل ما وراء الطبيعة، وعزلت فلسفة اللغة عن مباحثها العامة والخاصة، إلا أن صراعاً قام بين هذه النزعة ونزعة الاستيعاب لخصائص الظاهرة، فتغلب اقتضاء الشمول، وصار من حق اللسانيات أن تبحث في المسائل التي ألحقت بالفلسفة، ومنها أصل اللغة ـ ص 16 ـ، ويبدو لي أن هذا هو السبب الذي دفعه إلى الحديث عن أصل اللغة في اللسانيات العربية، إضافة إلى أن المنهج الذي رسمه لدراسته اقتضى منه هذا، فمضى يستعرض النظريات في هذا الموضوع، ويلح بخاصة على نظرية المواضعة، وإذا قيل: (لم يعد أحد يناقش كون اللغة توقيفاً ووحياً أم تواضعاً واصطلاحاً، بل يدور البحث حول الدلالة وكيفية اكتساب اللفظ للدلالة وإيحائه بها)(39) قلنا: إن الدكتور المسدي لم يناقش نظريات أصل اللغة ويبين ما صح منها وما بطل، بل عرضها كما هي في واقع التراث اللغوي العربي، وألح إلى جانب هذا على ما ذكر في القول السابق من عناية بالدلالة.‏

*على أن هناك من يعد مسألة اكتساب المواضعة من موضوعات علم النفس اللغوي، ولم يفت الدكتور المسدي أن يشير إلى هذا، وأن يحتج لعنايته بالاكتساب مقارناً الماضي بالحاضر في قوله ص 120 (لا مجازفة إن قلنا إن الفكر اللغوي قد كان دوماً حريصاً على أخذ اللغة في وجودها الآني دون تفكيك زمني لها منذ نشأتها وتكونها على مراحل الاكتساب لدى الطفل أو لدى الكهل أما اللسانيات المعاصرة فيما أنها قامت أساساً على مبدأ الشمول المعرفي ودك حواجز الاختصاصات كنمط تفكيري مفروض عنوة، فإنها قد اقتحمت حوزة الاكتساب ما اتصل منه باللغة ذاتها أو ما ارتبط بالمعرفة والإدراك جملة)، وللذي مكنها من هذا الاقتحام أمور ثلاثة هي ازدهار اللسانيات التطبيقية وبخاصة في ميدان تعلم اللغات وبروز علم النفس اللغوي، وكذلك بروز علم التحكم الآلي.‏

*ولعلي لا أخطئ إذا قلت أن الدكتور المسدي يأخذ بنظرية المواضعة، وبخاصة أني لم أعثر في خلال مناقشته لها في فصل كامل على ما ينقدها أو ما يدل على أنه يرفضها، على أن من الباحثين من يرفض هذه النظرية، فالدكتور علي وافي يقول مثلاً(40) (ليس لهذه النظرية أي سند عقلي أو نقلي أو تاريخي بل إن ما تقره ليتعارض مع النواميس العامة التي تسير عليها النظم الاجتماعية) ويرفضها أيضاً أمين الخولي، بل يرفض ذلك العلم الذي يعنى بوضع اللغة ويسميه العرب علم الوضع(41).‏

*ولئن اختلف الباحثان ـ الخولي والمسدي ـ في الأخذ بنظرية المواضعة ـ إن صح ما بدا لي فإنهما قد اتفقا في قضية تأخذ بها اللسانيات المعاصرة، وهي ألا تفاضل بين اللغات(42)، ويعتمد الخولي في هذه القضية على نص لابن حزم، يذكر مبدأ عدم التفاضل صراحة هو (وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات، وهذا لا معنى له، لأن وجوه الفضل معروفة، وإنما هي بعمل أو اختصاص، ولا عمل للغة، ولا جاء نص في تفضيل لغة على لغة... وقد غلط في ذلك جالينوس فقال إن لغة اليونانيين أفضل اللغات لأن سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلاب، وإما نعيق الضفادع)(43).‏

*في مقابل قول ابن حزم هذا، من المفكرين العرب القدامى من رأى أن العربية أفضل اللغات، وعلل لهذا بعلل لا مجال لذكرها في هذا المقام، ولعل اللغوي أحمد بن فارس صاحب (الصاحبي في فقه اللغة) رأس هؤلاء، فقد أفرد لهذا القول باباً خاصاً في كتابه المذكور، بل يرى الخولي أن الكتاب كاملاً يقوم على القول بأفضلية العربية(44)، وليس العرب وحدهم الذين رأوا أن لغتهم أفضل اللغات، فقبلهم (زعم الأوربيون كون اللاتينية أفضل لغات الأرض، والواقع أن الفيصل في قيمة اللغة هو تراثها، وما تحمله من حضارة وعلم يفيد الحاضر ويبني المستقبل، فأبناء اللغة هم الذين يرفعون قيمتها، أو يقللون من شأنها لا بتفانيهم في تقريظها، بل بعملهم وتأليفهم فيها)(45)، ويذكر الدكتور المسدي أن تفضيل اللغة العربية ليس تفضيلاً لها في المنشأ والبدء لخصائص تتمتع بها دون غيرها من اللغات، بل لما لابسها بعد من ظروف، فلقد كان العرب أهل فصاحة وبلاغة، وللغة عليهم سلطان قوي، ثم أتت معجزة الرسول الكريم (ص) من جنس تميزهم الحضاري، فأكد القرآن هذا التمييز، وبهذين البعدين الحضاري والديني اكتسبت العربية تميزها(46).‏

ـ 7 ـ‏

منطلقات لسانية معاصرة‏

*يدخل بحث الدكتور المسدي في إطار اللسانيات النظرية العامة (وهو الإطار الذي يستوعب كل قضايا اللسان من حيث نواميسه المركزية بصرف النظر عن الخصوصيات النوعية النابعة من لغة معينة أو مجموعة من اللغات التي تكون أسرة واحدة) ـ ص 369 ونقطة ارتكازه في بحثه عدا الظاهرة اللغوية مادة اختبار علمي، وقد تحدث عنها في اتجاهين تعنى بهما في اللسانيات المعاصرة في دراستها لهذه الظاهرة هما طبيعة اللغة ووظيفتها، مهتدياً في ذلك بمقولات حديثة أولها أن الكلام هو أحد الأنظمة العلامية المتنوعة التي يتفق معها ويمتاز منها بصفات تنبه العرب إلى بعضها منها مثلاً أن خاصية الكلام في التولد والانتشار إلى حد الاستيعاب سبب أولويته على غيره من الأنظمة ـ ص 324ـ، ثم إن الأصل في اللغة هو المنطوق، ومن المتفق عليه عند الباحثين أن اللغة ظاهرة صوتية، والكتابة على هذا ليست إلا تعبيراً عن رموز اللغة الصوتية ومحاولة للرمز إلى النطق، ولذلك تهتم اللسانيات المعاصرة بالنطق أولاً، وتعد الكتابة رمزاً من الدرجة الثانية، ولذلك أيضاً انصرف اهتمام الدكتور المسدي في بحثه إلى الكلام المنطوق.‏

*ومن مقولات اللسانيات المثلث الدلالي بأضلاعه الدال والمدلول والمرجع، وقد تحدث العرب عن علاقاتها وارتباطها الوجودي، ولهذا المثلث صلة وثيقة بنظرتهم في الدلالة اللغوية ثم هناك محورا الاختيار والتوزيع اللذان يقوم عليهما النظام اللغوي، وذلك في اختيار ألفاظ معينة من رصيد اللغة المخزون بالقوة وغير المحدد، ثم تركيب هذه الألفاظ وترتيبها يضعها إلى جانب بعض في محور أفقي، فتقوم بينها علاقات تسهم في بناء النظام اللغوي المتكامل، يصبح منجزاً بالفعل ليؤدي وظائفه وبخاصة وظيفته الأساسية الإبلاغ والتواصل، وقد سمي المحور الأول محور العلاقات الاستبدالية ـ يسمى أيضاً محور التعاقب ـ والثاني محور العلاقات التراكنية ـ أو محور الإدراج ـ ومما يتصل بهذين المحورين إدراك العرب أن الكلام اختيار من رصيد يفترض أنه حاضر كلياً، وأن قانون القصد والمواضعة ينسحب على المحورين معاً ولهذا يختلفان من لغة إلى أخرى وعرفوا أن وحدوية البعيد الدلالي في محور الاختيار يتبعها مثلها في محور التوزيع الذي تبدو فيه طاقة اللغة التوليدية، كما يعود إليه إسناد الكلام إلى صاحبه.‏

*ولهذين المحورين أو الجدولين علاقة وثيقة بجهاز التواصل البشري ووظائف اللغة، فمن توجهات اللسانيات الحديثة أن هذا الجهاز يتألف من ستة عناصر يرتبط بكل منها إحدى وظائف اللغة(47) ففيه الباث وتتصل به الوظيفة الانفعالية، والمتلقي وتصل به الوظيفة الإفهامية والرسالة الدلالية وتتصل بها الوظيفة الإنشائية ثم السياق ويتصل به الوظيفة المرجعية، والقناة وتتصل بها الوظيفة الانتباهية وأخيراً السنة ويتصل بها وظيفة ما وراء اللغة، وقد ألح الدكتور المسدي في بحثه على الوظيفة المرجعية في اللغة إذ أنها الوظيفة الأساسية التي يقوم عليها تفاهم البشر، لذا كانت محور اهتمامه، وعن الوظيفة الإنشائية التي لها علاقة وثيقة بالنتاج الأدبي يقول (ص 317): إنها (تقوم أساساً على مغايرة وحدوية البعد الدلالي، أو على الأقل تقتضي الانزياح بقانون التوحد عن مساره الرأسي المستقيم لتجعل فيه انعطافات تكبر وتصغر وتعلو وتنخفض حسب كثافة الفعل الشعري في مفهومه الإبداعي العام).‏

*وقد كان في كلام المنظرين اللغويين العرب ما يتصل بالجهاز التواصلي ووظائف اللغة وبخاصة الوظيفتين المرجعية والإنشائية، فالغزالي مثلاً فك عناصر التخاطب الدلالي إلى ثلاث ركائز هي المتكلم وما نسمعه من كلامه ومراده من هذا الكلام، وهذه العناصر تتضمن في صلبها عنصراً رابعاً هو المتقبل ـ ص 123 ورأى الجرجاني أنه لا بد من توافق الدلالة بين طرفي التواصل المتكلم والسامع حتى يؤدي الخطاب اللغوي غايته ص 293 وكلام عبد الجبار عن احترام العقد اللغوي ضماناً لبقاء المواضعة بين المتحاورين يتعلق بالوظيفة المرجعية، وفي تمييزه بين المتشابه في الكلام وظاهرة الألغاز قصد التعمية صلة بالوظيفة الإنشائية ـ ص 159.‏

أما الوظيفة الثالثة التي ذكرها الباحث في خلال استنطاقه للنصوص فهي وظيفة ما وراء اللغة، إذ رأى أن في حديث العرب عن اكتساب اللغة العقلي بعد اكتسابها الفطري خروجاً باللغة من وظيفتها المرجعية إلى وظيفة ما وراء اللغة، فيه تنعكس اللغة على نفسها فتصبح الدال والمرجع في آن معاً.‏

*وقد ذكر الدكتور المسدي في مدخل بحثه أنه لن يقارن بين نظرات العرب اللسانية ومثيلاتها من النظرات اللسانية المعاصرة عند غيرهم، وقد التزم بهذا، إلا أنه كان يذكر في بعض المواضع ما يمكن أن نسميه مقاربات بين الطرفين، وفي الكتاب جملة منها نكتفي ببعضها للتمثيل، ففي خلال حديثه عن عقد المواضعة ذكر أن (فكرة العقد كمفهوم نظري تتحدد به الظاهرة اللغوية من المعطيات التي حام حولها سوسير، ولم يدركها الإدراك المباشر) ص 154، وفي قول الفارابي بأن اللغة مجموعة من العلاقات تصبح منبهات تتمثل الاستجابة إليها في استحضار دلالاتها، صلة قوية بالنظرية السلوكية ـ ص 156 ـ ثم إن مبدأ خطية الخطاب الذي ذكره العرب يعد عند رواد المدرسة التوزيعية اليوم السمة النوعية للنظام اللساني عندما يقارن بالأنماط التواضعية الأخرى ـ ص 272 ـ وقد اهتدى العرب (إلى فن من فنون البحوث اللغوية هو ما يمكن تسميته بعلم الصيغ الوظائفي، وعلم دلالة مظاهر الكلم، أو قل علم الاشتقاق الدلالي، وإن كانت إفرازاته قد ظلت محتجبة داخل مسام الموروث اللغوي أكثر مما برزت على السطح فيه) ص 84، وهو فرع من فروع اللسانيات المعاصرة لم يستقر بعد، كما أدرك العرب فكرة التعامل البنائي بعامة وطبقوها في تحديد هوية الكلام، مما يدل على فهمهم للمنهج البنيوي كما تعرفه اللسانيات اليوم.‏

*ويمكن أن نضيف إلى ما ذكره الدكتور المسدي إشارات سريعة إلى بعض ما عند العرب من نظرات لسانية حديثة فكلمة اللسانيات بمفهومها اليوم مأخوذة عن ترجمة لاتينية لكتاب الفارابي (إحصاء العلوم) في القرن الثاني عشر الميلادي، ولم ترد هذه الكلمة في أي مصدر قبل ذلك التاريخ(48)، وللسيوطي نص في التفريق بين اللغة والكلام يفهم منه أن المتكلم يتكلم على شرط لغة معينة حسب نظمها الصوتية والصرفية والنحوية(49)، ومبدأ النسبية اللغوية الذي ذكره همبولت، وهو أنه ليس اللفظ نسخة للشيء المدلول عليه بل للصورة التي أثارها هذا الشيء في النفس، مبدأ ذكره السيوطي في المزهر(50) والعرب هم أول من لجأ إلى التقدير العقلي الضروري لتفسير الأبنية والتراكيب التي تعتريها بعض التحولات في سعة الكلام ونظمه كالحدث والتقديم والتأخير وغيرها(51)، وقد سبق النحاة العرب الغربيين في تحليلاتهم العميقة ومفاهيمهم الدقيقة وبخاصة في مناهج الوصف البنيوي الذي تأثر بها العلماء الغربيون في القرن التاسع عشر(52)، وهناك من يرى أن المنهج الوصفي وجد عند مؤسسه ابن مضاء القرطبي أولاً وابن جني ثانياً(53). وعند العرب بذور علم اللغة الجغرافي الذي يدرس العلاقة بين الظاهرة اللغوية ومجال انتشارها، وإن لم تكن على نحو علمي صارم، وتبدو في أخذهم رواية اللغة عن الإعراب في البوادي ووضع الحدود بين اللهجات وقبائلها(45)، كما يفهم من نص لابن حزم وجود بذور البحث اللغوي المقارن(55)، وأساس الصوتيات التطورية يفهم من حديث الفارابي في كتابه (إحصاء العلوم) عن علم قوانين الألفاظ المفردة(56)، ثم إن واضع أسس التحليل الصوتي العلمي (ارنست بروكه) كان قد اطلع على أوصاف العرب وتحليلاتهم(57)، ويذهب الأستاذ عبد الرحمن الحاج صالح إلى أبعد من هذا كله حين يقرر أن الثقافة الفلسفية والعلمية العربية التي وصلت إلى أوروبة في العصر الوسيط عن طريق الكتب العربية المترجمة إلى اللاتينية قد غزت أذهان الكثيرين من الأساتذة والشبان المثقفين، فعرفوا فيها ما زاد العرب على الفلسفة اليونانية من لطائف المفاهيم ودقائق المناهج، وبخاصة في علم اللسان وفنونه، فكان هذا سبباً في نهضة علم اللسان عندهم(58).‏

ـ 8 ـ‏

استنطاق النصوص‏

*تعتمد طريقة الدكتور المسدي في بحثه على استنطاق النصوص اللغوية بغية الوصول إلى الكليات، وقبل الاستشهاد بالنص، في الغالب، كان يذكر طريقة صاحبه في معالجة القضية المشروحة، كأن يقول ـ ص 250 ـ (حلل أبو علي الجبائي مبدأ اقتران الكلام بالنية بتحليل مستفيض قام على الحاجة والاستدلال) أو يقول ـ ص 268 ـ (يتفحص فخر الدين الرازي خطية الكلام باستقراء دقيق يعضده التجريد الاصطلاحي إذ يهتدي إلى جملة من المفاهيم التأليفية مما يتصل عضوياً بالتشريح الاختباري لقضية الحال)، وقد يقارن بين طريقة مفكر وطريقة آخر كمقارنة ما استقرأه ابن حزم وابن رشد في مجال دلالة الألفاظ والتعاقد على المواضعة ـ ص 162 ـ وقد يعمم فيذكر طريقة أحد أعلام التراث في الحديث عن القضايا اللغوية العامة، فمنهج التوحيدي مزيج من النظر التجريدي الخالص والإفضاء الأدبي الغزير ـ ص 135 ـ ويصطبغ منهج ابن حزم التحليلي بالمرامي العقائدية ـ ص 301، وعند الزجاجي حيرة اختباريه معهودة ـ ص 327 ـ، وقد يخطو خطوة أخرى أبعد في التعميم فيتحدث عن منهج المفكرين العرب في معالجتهم لقضايا اللغة، كقوله (ص 309): (والمتتبع لصفحات الفكر اللغوي عند العرب لا يتسلح بمتصورات النظر اللساني حتى يهتدي إلى نسيج دقيق لحمته التحقيق اللغوي الخالص، وسداه البحث في حكمة الأشياء ليربط حقائقها بإفرازات المعرفة ومواضعات الوجود).‏

*ولم يخف إعجابه ببعض المفكرين العرب وبخاصة الجرجاني رائد الفكر البلاغي، إذ قال عنه (ص 177) (يعد بحق علماً من أعلام التركيز اللساني في الحضارة العربية لأنه ربط كل مخاضه البلاغي بقواعد التأسيس اللغوي البحت، فكان في نظرياته البيانية لا يصدر أبداً إلا عن استكشاف لغوي صرف يتمخض فيه النظر خالصاً لضوابط المعطيات اللسانية الأولى مما يتركب به جهاز الكلام)، كما أبدى إعجابه بالقاضي عبد الجبار الذي عده شيخ المنظرين العقلانيين في تاريخ الفكر اللغوي ـ ص 239 ـ والملاحظ أنه يأتي في طليعة من استشهد بأقوالهم في الكتاب، والناظر في فهرس الأعلام يرى أنه ذكر في اثنين وعشرين ومئة صفحة، وقد يستشهد به في الصفحة الواحدة غير مرة، ولم تمر مسألة من مسائل الكتاب الثماني عشرة الأولى فيها نص أو أكثر، فلقد بحث هذا الرجل في كثير من القضايا اللغوية موضوع الكتاب بفكر نفاذ وتحليل عميق فيه الكثير من النظرات اللسانية.‏

*أما النصوص، فكان الدكتور المسدي يستكنه مقوماتها الأصلية بمجهر الحداثة في العلم والمعرفة وعدسة المعاصرة في المنهج وطرق المقاربة ـ ص 168 ـ فبعد تصنيفها حسب المقولات المعاصرة، نجد أنه أخذ نفسه بصرامة منهجية في استنطاق رأسي مباشر دونما إكراهها على قول ما ليس فيها، وهذا ما أشار إليه في غير موضع، وفي خلال ذلك كان يبين ما وضح وما غمض من القضايا التي تتناولها هذه النصوص، محللاً عباراتها، شارحاً ما تعقد من أساليبها، وبخاصة ين يكون النص فلسفياً أو من نصوص علم الكلام(59)، وفي خلال تحليل مضامين النصوص، قد يصوب رأياً شائعاً عند بعض الباحثين، كما فعل حين تحدث عن فكرة المقطع، فعند كثير من الناظرين في علم الأصوات كما عرفه العرب وبلوره، أن العرب لم يعرفوا المقطع(60)، وفي رده على هؤلاء يقول ـ ص 261 (الإحساس بفكرة المقطع باعتباره حجماً صوتياً متطابقاً مع كم زمني متواتر لدى جل الذين نظروا في أمر اللغة سواء من أبقى على تصويره الوصفي أو من حصروا متصوره في مصطلحه المخصوص)، ويستشهد بعد هذا بنصوص لعبد الجبار وابن رشد وابن سينا والفارابي.‏

*وقد لاحظ الباحث في خلال مناقشته للمسائل واستشهاده بالنصوص أن من مصطلحات العرب ما كان دقيقاً كثيفاً، كما عند الجرجاني الذي وصف المخبر في جهاز التواصل بأنه منشئ ومصرف ومناج ومراجع وقاصد وفاعل وواضع ـ ص 294 ـ، وللقاضي عبد الجبار مصطلحان على غاية من الأحكام التصوري، لهما صلة بحكاية الكلام وجدولي الاختيار والتوزيع هما الابتداء والاحذاء ـ ص 283 ـ وقد تختلف المصطلحات بين مفكر وآخر، فالحروف الصامتة أو المفردة عند ابن سينا هي الصلبة عند الرازي ـ ص 258 ـ والفطرة والفطنة عند التوحيدي هما الاعتماد والتلقن عند ابن فارس والملكة والصناعة عند ابن سينا، على أن الدكتور المسدي كان في بعض الأحيان يطلق مصطلحات يستنبطها من مضامين النصوص، من ذلك مثلاً الغازية في الحدث اللساني (تعرضه للفناء)، والحينية (الفورية)، ومدارج التقطيع، وغزارة الإفضاء لتعدد الأبعاد الدلالية ثم المحاكاة التعاملية.‏

*كان الوصول إلى الكليات هدفاً للباحث سعى إليه من وراء استنطاق النصوص، وقد استطاع الوصول إلى عدد من القوانين التي تخص قضايا لغوية معينة، وعدد من المبادئ العامة تشمل التفكير اللغوي العربي ـ فمن نصوص للقاضي عبد الجبار بخاصة استنبط عدة قوانين تنسحب على اللسانيات العامة الحديثة منها قانون التناسب الطردي بين اعتباطية النظام العلامي وسعة إبلاغه ـ ص 116 ـ وقانون الحتمية في التقبل اللساني ص 300 ـ وقانون الاقتصاد اللغوي ـ ص 552ـ، ومن كلام لابن جني استنبط قانون تداخل اللغات الذي أشار إليه سوسير ـ ص 235 ـ وعن الجرجاني أخذ قانون الترابط بين مادة اللغة وموضوعها ـ ص 324ـ وعن ابن فارس قانون التناسب الطردي بين الاقتضاءات الحضارية والتحول الدلالي ـ ص 196ـ.‏

*أما عن المبادئ العامة للتفكير اللغوي العربي، فمما ذكره النظرة الشمولية في تحديد الظاهرة اللغوية ـ ص 153 ـ ومبدأ صرامة الجدل وحدة الترابط المنطقي ـ ص 153ـ ومبدأ نفاذ هذا الفكر إلى هوية الكلام انطلاقاً من طابعه البنائي التكاملي ـ ص 349 ـ ومبدأ التغير في الظاهرة اللغوية وهو العمود الفقري في الحضارة العربية إطلاقاً ـ ص 92ـ.‏

*ويدخل في نطاق الكليات ما ذكره الدكتور المسدي في خاتمة الفصل الثالث، إذ توصل إلى استخلاص جوهري وثمرة منهجية، كما سماها ـ ص 356ـ وهي (أن الفكر العربي عندما تفحص إشكالية الكلام واستكنه مقوماته العضوية قد استطاع أن يتجاوز موضوع بحثه وهو الكلام دون أن ينفصل عنه، فكانت الرؤية اللسانية لديه ذات بناء تجريبي اختباري، وكان مسارها المعرفي نابعاً من اللغة مطلاً من خلالها على آفاق النظر المجرد، ومستلهماً فيها كل التصورات الفكرية الأخرى في أبعادها الفلسفية والعقائدية وحتى الماورائية)، هذا على صعيد المنهج، أما على صعيد المضمون فنذكر قوله في خاتمة بحثه العامة ـ ص 369ـ عسى أن نكون بما استخرجناه من منطوق الفكر العربي قد وفقنا على الأقل إلى الإقناع بأن في هذا المخزون التراثي ما لو تظافرت الرؤى على استخراجه لأثر جوهرياً في مسار اللسانيات المعاصرة مضموناً ومنهجاً).‏

ـ 9 ـ‏

نظرة في أسلوب الباحث‏

*يعني أسلوب الكاتب فيما يعنيه طريقته في التفكير والتعبير، ولنا هنا ملاحظتان تتعلقان بهذين الأمرين، إذ يبدو لي أن الدكتور المسدي كتب بحثه الذي تحدثنا عنه، وهو يعلم أنه موجه إلى أناس في مستوى ثقافي معين.‏

ففي أسلوبه بعامة ما يحتاج فهمه إلى ثقافة ليست بالعادية، وفي طريقة معالجته للقضايا اللغوية فلسفة ومنطق وعلوم فيزيائية وطبيعية ورياضية وغيرها، ويكفي أن نذكر هنا بعض الأمثلة لندل على ما نقول.‏

*فالملاحظ أن للفلسفة تأثيراً واضحاً في أسلوبه وطريقة تفكيره، وقد أشار مرة إلى أنه أخذ مبدأ الآنية من جدول التنظير الفلسفي، ولكن الشاهد الذي نريد ذكره قوله في مجال حديثه عن الاعتباط والتلازم ـ ص 167 ـ (إذا كانت اللغة لا تقدر أن تتنصل عن الزمن بوصفه فكرة مجردة ذات شحنة برجسونية وبوصفه أيضاً صورة فيزيائية ذات تقدير أنشتايني، بل بوصفه مع هذا وذاك معياراً لوجود المادة في تركبها وتفككها طبقاً للمنظور الماركسي الكاسر لمنهاج الجدل الهيجلي)، ففي هذه الأسطر القليلة جعلك تنتقل بسرعة بين أربعة مفكرين، ويصعب عليك فهم ما يريد أن يقول، إن لم تكن تعرف ما يعنيه الزمن البرجسوني ونسبية أنشتاين ومادية ماركس وجدلية هيجل، وفي أثناء حديثه عن تفكيك الجرجاني لحدث التخاطب إلى عناصر الاتصال، قال ـ ص 179 (أنشأ من تلك العناصر عنصراً جديداً هو انصهار لها جميعاً، ويتمثل في العلاقة، وهي بمثابة الحكم أو القضية، بالمعنى الذي يمارسه المناطقة في تفكيك مركبات الكلام على منهج المنطق الصوري)، فهذا كلام يعتمد بصريح اللفظ على المنطق.‏

*ولعل أوضح مثال على صلة فكر الباحث بالفيزياء تجسيمه هوية الحدث اللساني بتشبيه هذا الحدث بالجهاز الفيزيائي ـ ص 355 ـ إذ جعل الكلام مركزاً لدائرة صغيرة تحيط بها دائرة أكبر تمثل جهاز التواصل بأكمله، وتصدر عن المركز أشعة تمثل الباث والمتقبل والصوت والترامز وسنن المواضعة والتركيب والتفكيك، فإذا انطلق الكلام وتحركت مسيرته على خط الزمن والإنجاز تداخلت عناصره آلياً في حركة تفاعلية فيها مد وجزر، وقام بين المركز والمحيط حركتان: حركة دافعة يصبح بموجبها مركز الدائرة مولدا لسلسلة من الدوائر تخرج منه وتنتشر باتجاه محيط الدائرة الكبيرة حتى تتكسر على مشارفه، وحركة جاذبة تتولد بموجبها سلسلة من الدوائر تخرج من المحيط لتصب في بؤرة المركز، وعلى هذا فللكلام (طاقة ذاتية مزدوجة لأنها حصيلة قوتين متقابلتين إحداهما توليدية والأخرى إدراكية، فأما التوليدية فهي ذات حركة انتشارية وتناسب القوة الدافعة في النموذج الفيزيائي، وأما الإدراكية فذات حركة استقطابية، وتناسب القوة الجاذبية في النمط الفيزيائي، فبين الدفع والاسترجاع، وبين الإفراز والاستيعاب تتنزل هوية الكلام في خصوصيته القصوى) ـ ص 356 ـ.‏

*أما العلوم الطبيعية فتطل علينا ممزوجة بشيء من الفلسفة، من خلال قول الدكتور المسدي ص 183 (قانون المواضعة بمثابة الناموس الحيوي في اللغة هو عبارة عن روح الخلية الحيوانية يوفر القدرة على النمو بالتعدد التناسلي والتعاقب الجنيني، ويوفر في نفس الوقت ـ طبقاً لقانون الوجود المقيد ببعدي المادة ـ بذرة الانحلال والتآكل بحيث تكون خلية الوجود اللغوي سلسلة من النوى الحادثة وبحدوثها تموت سلسلة من مثيلاتها)، وترى الرياضيات في المعادلة الجبرية الآتية (إذا اعتبرنا أن اللفظ عندما يدل على حقول دلالية متعددة بفضل التحولات الداخلية، فإنه لم يعد لفظاً واحداً وإنما أصبح ألفاظاً عدة بحسب عدد المجالات الدلالية المقترن بها سواء بالفعل أو بالقوة وجب علينا عندئذ أن نضرب ـ ضرباً جبرياًـ ثبت اللغة في عدد يكاد لا يتناهى فتكون المعادلة الكمية لرصيد اللغة عندئذ مرفوعة إلى قوة رمزية هي قوة (ن) بحيث أن:‏

كمية أجزاء اللغة = ثبتها المعجمي × طاقة التحولات.‏

وهو ما يؤول إلى اعتبار أن اللغة = (الألفاظ ن) ص 196 ـ‏

*ترى ماذا تعني الأمثلة السابقة؟ إنها تعني أن للسانيات صلة وثيقة بغيرها من العلوم. ومعالجة القضايا اللغوية بوحي من تلك العلوم أحد وجوه هذه الصلة التي تحدث عنها الباحثون المحدثون عرباً وأجانب(61)، ونجدها عند المفكرين العرب القدماء أنفسهم، وقد سبقت الإشارة إلى تداخل الدراسات اللغوية في الفلسفة وعلم الكلام بخاصة، ونذكر الآن أن في تناول هؤلاء المفكرين للقضايا اللغوية تشابكاً معرفياً بالرياضيات والمنطق والفن(62) فقد ربط الجاحظ مثلاً سمة التوليد غير المتناهي في الظاهرة اللغوية بالنشوء غير المحدود في السلم الرياضي، وإخوان الصفا طابقوا بين تولد الأعداد حسب المعدودات وبين خاصية التوليد الكلي في هذه الظاهرة، وقد أثبت ابن جني أن الألفاظ دالة على إثبات معانيها لا على سلبها، أما حازم القرطاجني فقد أقام مطابقة طريفة بين فعل الكلام في تصوير رؤية الكون وعمل الرسام أو النحات في تشكيل صور الكائنات.‏

*بقي أن نشير إلى أن في أسلوب الدكتور المسدي في الكتاب، كلمات يكثر إخواننا في تونس والمغرب العربي من استعمالها، وقد يختصون بهذا الاستعمال(63)، منها الكلمات التالية: القار (الدائم) المنهج العودوي (التاريخي) حوصل (لخص) المقاربة (طريقة التناول) قضية الحال (القضية التي تجري مناقشتها) التحصيل الأمومي (الفطري) رُكحْ (أساس) اختباري (قائم على التفكير في الظاهرة المشاهدة).‏

ـ 10 ـ‏

خاتمة المطاف‏

*وبعد، فقد يكون القارئ الكريم تعب، وشعر بشيء من الملل من طول جولتنا في كتاب (التفكير اللساني في الحضارة العربية)، ولكن عذري لديه أن علم اللسانيات العربي، كما بدا في الكتاب، يستحق أن يسود له ما سودت من صفحات، إذ أن فيه من المضامين اللسانية الحديثة ما يمكننا أن نفاخر به الأمم، وبخاصة من يزعم من الغربيين أن علم اللسانيات ولد فيهم، ونشأ بينهم، وأنه علم حديث كل الحداثة، فقد تبين لنا، فيما أعتقد، بالنصوص والأدلة بطلان هذا الزعم.‏

*وليسمح لي القارئ أن أشكر هذا المقام للدكتور المسدي صنيعه في بحثه القيم، إذ أن تتبع تراث العرب اللغوي في كثير من مظانه المختلفة والمتنوعة، ومعايشتها المدة الطويلة لاستنطاق نصوصها وجميع ما تناثر من فكرها في موضوع شائك متشابك الأطراف، كل ذلك ليس بالأمر الهين، ولقد أعان الباحث عليه، فضلاً عن الصبر، ثقافة أجنبية رفيعة، مكنته من قراءة أحدث ما قذفت به المطابع الغربية من ثمرات في علم اللسان، فتمثلها على نحو واسع وعميق، واستطاع بعد هذا أن ينفذ إلى أعماق تراثنا العربي اللغوي يستنطقه بعين الحداثة والمعاصرة، فكان أ، قدم للمكتبة العربية ما قدم، ليثبت أن للعرب باعاً طويلاً في علم اللسانيات، كما يفهم اليوم، ينبغي أن يؤرخ له، كما يؤرخ لغيره، وأن يعطى مكانه الصحيح واللائق في ركب الحضارة الإنسانية، وبخاصة في جانبها اللغوي بل نذهب إلى أبعد من هذا، فنقول أن العرب قد سبقوا الغرب إلى بعض النظرات اللسانية، ولن يصل الغربيون إلى بعضها الآخر إلا بعد أمد طويل، على نحو ما قرر صاحب الكتاب ـ ص 23ـ.‏

*وليعذرني الدكتور المسدي في أنني تجرأت، وكتبت ما كتبت عن كتابه، فما أنا إلا أحد طلابه الذين أفادوا من علمه الغزير يوم جاء محاضراً في الدورة العالمية الخامسة للسانيات، وما دراستي هذه إلا ثمرة من ثمار غرسة غرسها مع صحبه الكرام في تلك الدورة، وآمل أن تكون ثمرة طيبة وغاية ما أرجوه ألا أكون أسأت الفهم في تلخيص أي من فصول الكتاب ومسائله، وألا أكون قد تعثرت فيما دونت من ملاحظات وتعليقات، ولعلي وفقت أخيراً إلى إعطاء القارئ الكريم فكرة عامة واضحة عن الكتاب مضموناً ومنهجاً، كما وعدت في المقدمة.‏

*وختاماً: لقد قال الدكتور محمود حجازي منذ ما يزيد على عشر سنوات(64) (ما يزال القراء العرب بحاجة إلى كتب منهجية في علم اللغة تزخر بالأمثلة والتطبيقات العربية، والأمل معقود بجهد اللغويين العرب لتقديم هذه الكتب)، وفي يقيني أن هذا الأمل بدأ يتحقق، فها هو ذا أحد هؤلاء اللغويين قد قدم إلينا واحداً من الكتب المنهجية التي نحن في أمس الحاجة إليها، يسهم به في شق الطريق في مجاهل التراث اللغوي العربي، ليسلكه غيره نيراً واضحاً، فيستطيع أن يصل فيه إلى غايته من إبراز لدور العرب في بناء صرح الحضارة الإنسانية في غابر الزمن وحاضره.‏

الحواشي والمراجع:‏

1ـله أسماء أخرى، فهو علم اللغة في مصر، والألسنية في لبنان والمغرب وتونس، واللسنيات واللسانيات في الجزائر، وقد أثبتنا ما اختير، وتم الاتفاق عليه في الدورة الرابعة للسانيات، أسوة بكلمات مشابهة كالرياضيات والاجتماعيات وبهذا الاسم سميت المجلة التي تصدر عن معهد العلوم الصوتية واللسانية في جامعة الجزائر.‏

2ـ أقيمت للسانيات في وطننا العربي حتى الآن ست دورات كانت الأخيرتان منهما في دمشق في العامين الماضيين.‏

3ـ أستاذ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة التونسية، وكتابه المذكور رسالة أعدها بإشراف الدكتور عبد القادر المهيري، وقدمها إلى الجامعة نفسها لنيل شهادة دكتوراه الدولة في الآداب، وقد تم له ذلك في عام 1979، وصدر الكتاب عن الدار العربية للكتاب في ليبيا وتونس عام 1981.‏

4ـ بين الباحثين اليوم خلاف حول إدراج هذا الموضوع ضمن اهتمامات علم اللسانيات، سنشير إليه في الصفحات التالية.‏

5ـ من الكتب المفيدة في هذا الموضوع (تاريخ علم اللغة) لجورج مونان.‏

6ـ ممن أشار إلى هذا الأمر أيضاً الدكتور عبد الصبور شاهين. انظر كتابه (في علم اللغة العام).‏

7ـ جعل من النوع الأول محاولات إبراهيم أنيس وعثمان أمين وكمال يوسف الحاج، ومن النوع الثاني محاولات كمال بشر وتمام حسان وأنيس فريحة وريمون طحان. ص 30.‏

8ـ ممن سبقه إلى نقد هذه المؤلفات الأستاذ عبد الرحمن حاج صالح الذي رآها متماوتة في القمة وقليلة العدد وذات صفات مذمومة. انظر "مدخل إلى علم اللسان الحديث). مجلة اللسانيات ـ معهد العلوم الصوتية واللسانية ـ الجزائر ـ المجلد الأول ـ 1971 ـ ج1 ـ ص10.‏

9ـ سنشير إلى أبرز هذه المقولات فيما يلي من حديث.‏

10ـ مدخل إلى علم اللسان الحديث. مجلة اللسانيات ـ مج1 ـ ج2 ـ ص 45، وانظر عرضاً للنظريتين عند العرب وحجج كل من دعاة التوقيف والاصطلاح في كتاب (ابن فارس الرازي) للدكتور محمد مصطفى رضوان مصر 1971 ص208 وما بعدها.‏

11ـ سورة البقرة، الآية رقم 31، ويرى الدكتور محمود حجازي أن الأسماء في هذه الآية ليست في قسيم الأفعال والحروف بل تعبير عن القدرة اللغوية بعامة، اللغة العربية عبر القرون ـ مصر 1968 ص 15.‏

12ـ ص66 نقلاً عن الخصائص. ج1.‏

13ـ الاعتباط في اصطلاح اللغويين العرب الحدث الذي لا علة له، ويعبر علماء الكلام واللغويين الذين جاؤوا بعد سيبويه عن هذه العلاقة التي ليس لها علة بعدم المناسبة بين الاسم والمسمى أو أنها ترجيح دون مرجح. مجلة اللسانيات مج2 ـ ج1ـ ص 46.‏

14ـ ص 110 نقلاً عن مفتاح العلوم.‏

15ـ لا تنحصر الاعتباطية في العلاقة بين الدال والمدلول فقط (بل تشمل أيضاً المقاييس الجزئية التي تنتظم عليها جميع وحدات اللسان، ولذلك يختلف النظام الصوتي والافرادي والتركيبي من لغة إلى أخرى كما يختلف مضمونها المادي) عبد الرحمن حاج صالح، مدخل إلى علم اللسان الحديث مجلة اللسانيات ـ العدد 4 ـ 1973 ـ 1974.‏

16ـ ص 117 نقلاً عن الأحكام في أصول الأحكام ـ ج1.‏

17ـ ص 113 نقلاً عن المستصفى ـ ج1.‏

18ـ ص128 نقلاً عن سر الفصاحة.‏

19ـ ص 141 نقلاً عن الخصائص.‏

20ـ للرضي الاسترابادي نص لم يشر إليه الدكتور المسدي، فيه ذكر القصد بكل وضوح هو (المقصود من قولهم وضع اللفظ جعله أولاً لمعنى مع قصد أن يصير متواطأ عليه بين قوم... ولا يقال لكل لفظة بدرت من شخص لمعنى أنها موضوعة له من دون قصد التواطؤ بها) عبد الرحمن حاج صالح مدخل إلى علم اللسان الحديث مجلة اللسانيات ـ معهد العلوم اللسانية والصوتية ـ جامعة الجزائر ـ مج 2 ـ 1972ـ ص 33.‏

21ـ ص 188 نقلاً عن الخصائص.‏

22ـ يلاحظ أن اختلاف المواقف النظرية من التحول الدلالي في نصوص الشريعة أدى إلى نشوء مذاهب دينية متميزة روحاً ومضموناً. كتاب المسدي ص 190.‏

23ـ الآنية بلوغ الظاهرة بنفسها وجودها الأكمل. المصدر السابق ص 343.‏

24ـ الملكة مفهوم متعدد الجوانب متداخل المقاصد غير أنه ينحصر إجمالاً في القدرة على اكتساب ما لم يكن مكتسباً بضرب من التملك والحوز). المصدر نفسه ص214.‏

25ـ ص 226 نقلاً عن المقدمة.‏

26ـ ص 268 نقلاً عن مفاتيح الغيب ج1.‏

27ـ يبدو أنه أخذ هذا المصطلح من قول أخوان الصفا (أن الكلام لا يثبت في الهواء دائماً لأنه جسم سيال). كتاب المسدي ص 276 نقلاً عن الرسائل ج3.‏

28ـ د. محمود حجازي. اللغة العربية عبر القرون ـ دار الكاتب العربي في مصر ـ 1968 ـ ص 5.‏

29ـ ص 332 نقلاً عن إعجاز القرآن.‏

30ـ ص353 نقلاً عن دلائل الإعجاز.‏

31ـ انظر تعريفاً بها في مقالنا (البنيوية). العدد 128 ـ ك1 ـ 1981ـ ص 32.‏

32ـ د. تمام حسان ـ مناهج البحث في اللغة ط2 ـ دار الثقافة في الدار البيضاء ـ 1974 ـ ص 17.‏

33ـ المرجع السابق ص 26.‏

34ـ د. نايف خرما ـ أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة الكويت 1978 ـ ص 96.‏

35ـ انظر عرضاً للنظريتين عند العرب وحجج كل من دعاة التوقيف والاصطلاح في كتاب (ابن فارس الرازي) للدكتور محمد مصطفى رضوان ـ مصر 1971 ـ ص 208 وما بعدها.‏

36ـ أنيس فريحة ـ نظريات في اللغة ـ دار الكتاب اللبناني ـ بيروت ـ ط1ـ 1971 ص 16 وفيه يعتقد أن أصل اللغة من أقدم المشكلات الفكرية التي جابهت عقل الإنسان.‏

37ـ انظر مثلاً: أمين الخولي ـ مشكلات حياتنا اللغوية ـ ط2ـ مصر 1965 ـ ص 32.‏

د. علي وافي ـ علم اللغة ط دار نهضة مصر ـ 1967 ص 5 و 12.‏

د. محمود حجازي ـ علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة ـ مصر 1970 ـ ص 18.‏

د. تمام حسان ـ مناهج البحث في اللغة ط2 الدار البيضاء ـ دار الثقافة 1974 ـ ص 15.‏

38ـ د. عبد الصبور شاهين ـ في علم اللغة العام ـ ط3 مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1980 ص82.‏

39ـ د. محمود حجازي ـ علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة ـ ص 85.‏

40ـ علم اللغة ـ ط6 ـ دار نهضة مصر ـ 1967 ص 38.‏

41ـ مشكلات حياتنا اللغوية ـ ط2ـ دار المعرفة ـ مصر ـ 1965 ـ ص 37 وما بعدها.‏

42ـ وهذا ما يراه أنيس فريحه أيضاً. انظر: نظريات في اللغة. ص 32.‏

43ـ مشكلات حياتنا اللغوية ـ ص 67 نقلاً عن (الأحكام في أصول الأحكام).‏

44ـ المرجع السابق ـ ص 70.‏

45ـ د. محمود حجازي ـ اللغة العربية عبر القرون ـ ص 14، وانظر أيضاً أنيس فريحه ـ نظريات في اللغة ص 128.‏

46ـ استشهد الدكتور المسدي في هذا الرأي بنص ابن حزم السابق الذكر في إحدى محاضراته في الدورة العالمية الخامسة اللسانيات، وقد كان رأيه مثار نقاش في الدورة، دعا أحد المشاركين فيها ـ وهو موجه للغة العربية ـ أن يلقي بعدها محاضرة في مركز ثقافي، جعل عنوانها: (اللغة العربية ومكانتها بين اللغات) رد فيها على هذا الرأي ورفض الأخذ بقول ابن حزم شاهداً على عدم أفضلية اللغة العربية.‏

47ـ تفصيل هذا الكلام في دراستنا (روما جاكبسون العالم اللساني) الموقف الأدبي، العدد 120 ص 42.‏

48ـ عبد الرحمن حاج صالح ـ مدخل إلى علم اللسان الحديث ـ مجلة اللسانيات ـ معهد العلوم اللسانية والصوتية ـ جامعة الجزائر ـ المجلد 1 ـ ج2 ـ 1971ـ ص 55.‏

49ـ د. تمام حسان ـ مناهج البحث في اللغة ص 55.‏

50ـ عبد الرحمن حاج صالح ـ مدخل إلى علم اللسان الحديث، مجلة اللسانيات المجلد 2 ـ ج1 ـ 1972 ص 25.‏

51ـ المرجع السابق ـ المجلد 1 ـ ج2ـ 1971ـ ص 59.‏

52ـ المرجع السابق ـ المجلد 2 ـ ج1 ـ 1972ـ ص 9.‏

53ـ أنيس فريحة ـ نظريات في اللغة ـ ص 86 و 116.‏

54ـ د. عبد الصبور شاهين ـ في علم اللغة العام ـ ص 150.‏

55ـ د. محمود حجازي ـ اللغة العربية عبر القرون ـ ص 17.‏

56ـ عبد الرحمن حاج صالح ـ مدخل إلى علم اللسان الحديث مجلة اللسانيات ـ المجلد 1 ـ ج2ـ 1971 ـ ص53.‏

57ـ المرجع السابق ـ 1 مج2 ـ ج1 ـ 1972 ـ ص 21.‏

58ـ المرجع السابق مج1 ـ ج2 ـ 1971ـ ص 56 و 57.‏

59ـ انظر مثلاً هوامش الصفحات 148 ـ 222ـ 318 ـ 333.‏

60ـ من هؤلاء الدكتور محمود حجازي ـ انظر كتابه (علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة) ص 57، وقد أشار الدكتور المسدي إلى عدد منهم، انظر كتابه الذي نتحدث عنه ـ ص 361 ـ حاشية رقم 66.‏

61ـ انظر مثلاً: رومان جاكبسون ـ العلاقة بين علم اللغة والعلوم الأخرى، بحث ترجمة الأستاذ أنطون مقدسي في كتاب الاتجاهات الرئيسية للبحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية ـ المجلد 2 ـ ص 271 و د. محمود حجازي ـ مدخل إلى علم اللغة ـ ص 30 و د. علي وافي ـ علم اللغة ـ ص 27.‏

62ـ في الصفحة 307 وما بعدها نماذج متعددة على هذا التشابك.‏

63ـ انظر د. إبراهيم السامرائي ـ التطور اللغوي التاريخي ـ ط2ـ دار الأندلس ـ بيروت 1981 ص 205 فصل العربية التونسية.‏

64ـ علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة ـ ص 22.‏

1 نشر الدار العربية للكتاب، ليبيا ـ تونس 1981.‏


مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 135 و 136 تموز و آب 1982

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2009, 02:48 PM   #2
نضال الخفاجي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية نضال الخفاجي
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: العراق _ بغداد
المشاركات: 4,505
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: التفكير اللساني في الحضارة العربيَّة

جزاكم الله خيرا

__________________
<img src=http://4upz.almsloob.com/uploads/images/www.almsloob.com-29e5a40457.gif border=0 alt= />

عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيباً
نضال الخفاجي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-09-2009, 12:52 AM   #3
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,779
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: التفكير اللساني في الحضارة العربيَّة

هناك كتاب رائع للساني العربي التونسي عبدالسلام المسدي بهذا العنوان " التفكير اللساني في الحضارة العربيَّة " وقد تم رفعه في الكتب المصورة

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-01-2010, 01:35 PM   #4
محمد المنفي
عضو مميز
 
الصورة الرمزية محمد المنفي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 124
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: التفكير اللساني في الحضارة العربيَّة

جزاكم الله خيرا

محمد المنفي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-02-2010, 04:29 AM   #5
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 68,974
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: التفكير اللساني في الحضارة العربيَّة

شكـ جزيلاً ــراً .. جزاك الله خيراً.

__________________



أبو ذر الفاضلي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-05-2011, 07:39 AM   #6
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,974
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: التفكير اللساني في الحضارة العربيَّة

شكر الله لك ووهبك من كل خير أينعه

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
أثر الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية أبو ذر الفاضلي كتب التاريخ والحضارات المصورة 16 11-03-2013 10:52 AM
التفكير اللساني في الحضارة العربية إبراهيم براهيمي مكتبة علوم اللغة العربية المصورة 13 05-10-2011 10:13 PM
التفكير اللساني التربوي عند أبي حيان التوحيدي في مؤلفه الإمتاع و المؤانسة إبراهيم براهيمي مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 5 19-09-2011 08:43 PM
فاعلية برنامج التعليم المساند في تحسين تحصيل الطلبة من وجهة نظر معلمي التعليم المساند ومعلماته بدر حلب كتب التربية والتعليم المصورة 1 17-04-2011 03:26 AM
التفكير المستقيم و التفكير الأعوج أم يوسف 5 كتب الادارة القيادة المصورة 7 09-02-2011 10:00 PM


الساعة الآن »09:16 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd