روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم العلوم الاجتماعية > قسم التربية والتعليم > كتب التربية والتعليم صيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 20-08-2009, 08:36 PM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي الثابت والمتحول في أنظمتنا التربوية

الثابت والمتحول في أنظمتنا التربوية

في سبيل إقامة مقاربة سوسيولوجية لفهم التجديدات التربوية في تونس

المقدمة

إن فهم أي ظاهرة اجتماعية أو جزء منها، يجعلنا نقر بأن الحياة الاجتماعية مبنية على تراكم المعرفة والتجربة. ولا يمكن أن نفهم عملية التحول والتغير الاجتماعي والتبشير بهما، ما لم نتنبه إلى الوسائط المختلفة التي تنتجها مثل هذه المؤسسات والتنظيمات التي تساهم في بناء الهويات الجماعية على غرار المدرسةََ.

لذلك سينصب الاهتمام على " مؤسسة المدرسة" والعلاقات الاجتماعية والثقافية داخلها وخارجها التي تؤثر فيها وتؤثر فيهم باعتبارها نموذجا جامعا لكل العلاقات: العلاقات بين الأجيال, بين المؤسسة والمحيط, بين العلم والمجتمع وبين المعرفة والاقتصاد.

وتعود أهمية المدرسة وضرورة الاهتمام بتاريخها باعتبارها مؤسسة تؤثر على العلاقات في المجتمع إنتاجا وتوجيها وتبشيرا، وباعتبارها فضاءا لرصد التواصل لا القطيعة، إضافة إلى أنها الحافظ الأساسي للتراث الثقافي والقيم الجماعية وهي المسؤولة على انتقالها من جيل إلى آخر.

من أجل تتبع النظام التربوي في تونس الحديثة، فإننا مضطرين إلى رصد مجموعة من الحقول والمجالات لعل أهمها:

1 المجال الزمني : أي الفترة الممتدة من 1958 إلى2005

2 المجال المدرسي(التربوي): أي المرحلة الابتدائية والمرحلة الإعدادية والمرحلة الثانوية

3 المجال التشريعي: أي الاعتماد على الأقل على ثلاثة قوانين تربوية(قانون 1958 – قانون 1991- وقانون 2002) إضافة إلى القرارات والمناشير والأوامر المتعلقة بالغرض

4 المجال الحسابي (الإحصائي): أي التنقل بين الوثائق والإحصائيات الرسمية (المالية والاقتصادية والتربوية)

إن هذه العملية هي عبارة عن مغامرة فكرية لا يستهان بها ولا يمكن القيام بها دون الإجابة عن ثلاثة أسئلة جوهرية على الأقل:

v ماهي دواعي اختيار هذا الموضوع؟

v ماهي الصعوبات التي يمكن أن تعترضنا أثناء قيامنا بهذه العملية وماهو مجال الدراسة التي نود القيام بها؟

v ما طبيعة المنهجية التي يجب أن نعتمدها لتجاوز تلك الصعوبات والنفاذ إلى جملة الحقائق التربوية والاجتماعية التي ارتبطت بعملية التجديدات التربوية في تونس منذ الاستقلال إلى اليوم؟



أ)- دواعي اختيار الموضوع:

1)- واقع التعليم في تونس

تعيش البلاد التونسية اليوم فترة انتقالية هامة لم تعد تسمح لها بتبذير طاقاتها البشرية سيما مع تراجع ثرواتها الطبيعية التي ما فتئت تتقلص باستمرار. وفي هذا الإطار فإن المتتبع لتطور النظام التربوي في تونس منذ الاستقلال إلى اليوم يسهل عليه رصد مرحلتين متمايزتين قسمتا العقود الأربعة التي مر بها هذا النظام:

v المرحلة الأولى: تميزت بنشر التعليم أفقيا وعموديا وتعميمه على كل أرجاء البلاد وكل الفئات الاجتماعية مرسية بذلك الأسس الأولى لنظام تربوي منفتح ومتوازن يجمع بين التفتح على العلوم والثقافات الأجنبية دون أن يهمل مقومات الهوية الوطنية. هذا بالإضافة إلى أنه مثل رافدا من روافد سياسة التحديث في تونس عبر توفير الخبرات والكفاءات المتوسطة والعالية اللازمة لضرورات البناء الوطني، وهو ما جعل تونس تتبوأ مكانة مرموقة بين بلدان العالم الثالث في تلك الفترة.[1]

v المرحلة الثانية: لم تتواصل هذه المسيرة الناجحة لنظامنا التربوي خلال هذه المرحلة. فانطلاقا من العقد الثالث والرابع من عمر هذه المنظومة دخلت في حالة من التأزم والارتباك بقيت تعاني منها طويلا رغم المحاولات المتكررة للإصلاح والتأهيل. ولا أدل على ذلك من هذه الملاحظة إذ " تشهد البلاد التونسية اليوم مفارقة بين ما تنفقه على منظومتها التعليمية بمفهومها الواسع... وبين ما تفرزه هذه المنظومة من حيث الكم والنوعية. ذلك أن تونس تعتبر اليوم من أكثر البلدان إنفاقا على التعليم، إذ تسخر له ما يقارب 8 بالمائة من ناتجها المحلي الخام بينما لا تتعدى هذه النسبة 5 بالمائة على المستوى العالمي".[2]

مقابل هذا الإنفاق المجحف، لا نجد ما يوازي ذلك في مستوى سوق الشغل؛ و " كما بينت هذه الدراسات أن الاقتصاد الأوروبي يتميز بهرم مهارات يرمز إليه بـ 20/60/20 أي أن 20 بالمائة من مواطن الشغل تؤمنها عمالة غير ماهرة و60 بالمائة يؤمنها عمال مهرة وتقنيون متخرجون من مراكز التكوين المهني و 20 بالمائة من خريجي التعليم العالي. لكن في تونس لا زال هرم الكفاءات يتهيكل على منوال 60/30/10 وهو بعيد كل البعد على المنوال الأوروبي، زيادة على أن الجزء المتعلق بالمهارات الوسيطة والعليا غير متأكد من الناحية النوعية".[3]

ومما يزيد في تعقيد الوضع بعض الشيء هو التخلي التدريجي للدولة عن أدوارها الاجتماعية التقليدية مما خلق حقائق اجتماعية جديدة. فقد تخلت الدولة عن مهامها التعديلية لسوق الشغل وهو ما سيقلص حاجتها من الإطارات التي تخرجها المؤسسة التربوية. يضاف إلى ذلك التراجع الكبير لحاجة الدولة من المدرسين الناتج عن تقلص عدد التلاميذ الذي يعود بدوره إلى نجاح سياسة تحديد النسل. ومما يزيد في مأزق المدرسة الاجتماعي؛ هو عدم قدرة المؤسسات الخاصة عن استيعاب خريجيها وحالة الإشباع التي وصلت إليها بعض المهن الحرة كالمحاماة والطب والصيدلة...



2)- تنوع المقاربات حول الشأن التربوي

يمكننا أن نسجل منذ البداية بعض الملاحظات المتعلقة بما كتب في دراسة الأنظمة التربوية في تونس. وأول ما نصطدم به هو النقص الفادح الذي يعتري هذا النوع من البحوث(ونقصد هنا البحوث السوسيولوجية)، مقارنة بالأنواع الأخرى من البحوث وطغيان الدراسات البيداغوجية الصرفة على ا لبحوث السوسيولوجية.

إن هذه الواقعة تطرح علينا سؤالا مركزيا وهو: ضمن أي حقل علمي، وبأي مقياس، وإلى أي حد يمكن أن نضيف مكسبا جديدا في هذا الاتجاه من أجل إثارة الوعي وإضافة بعد آخر للحقل التربوي (وهو البعد الاجتماعي التنموي) باعتباره يمثل بعدا حياتيا معاشا، لكن غير منظر له بالشكل الكافي؟

إن هذا المسلك المنهجي يضعنا وجها لوجه أمام صعوبات ومعارضات جمة. فهذا النوع من الكتابات يمكن أن يلقى اعتراضات من طرف المشتغلين في المجال التربوي الذين يعتبرون أن الشأن التربوي من اختصاصهم وحدهم. كما يمكن أن يلقى ردود أفعال قوية من قبل طبقات اجتماعية واسعة لأن نتائج هذه البحوث يمكن أن تزعجهم أو تهدد حقائقهم المطلقة وتصوراتهم المحورية حول المدرسة.

إذا فككنا الخطابات التي تطرحها أطرنا الاجتماعية والثقافية حول المدرسة، نجد تقريبا ثلاثة أنواع من الخطابات:

v خطاب اديولوجي رسمي: وهو خطاب يجمع بين الخطاب التعبوي السياسي والخطاب المعرفي الوضعي ولا يوظف الخطاب التقليدي إلا عن طريق إدخاله في شكل مقولات متناثرة وغير مترابطة

v خطاب أصولي (بمعنى أورتودكسي): تروجه "نخبة" سياسية وفكرية وهو خطاب يجد تفاعلا وتجاوبا من الفئات الشعبية وهو امتداد مخلص (من قريب أو من بعيد) للخطاب التقليدي القديم

v خطاب "شبه علمي": وهو خطاب يمزج (وفقا لنسب متفاوتة) بين فرضيات الخطاب الأول وبديهيات الخطاب الثاني، إضافة إلى الاستعانة بمقاطع ومقولات العلوم الكلاسيكية والعلوم الغربية الحديثة.

إن هذا التحديد لأنواع الخطابات الرائجة والموجودة، لا يعني أبدا إنكارنا لوجود جهود صريحة وموجهة نحو المعرفة الإيجابية والنقدية ولكنها تبقى سجينة حدين: إما أن تبقى سجينة أسوار الجامعات ومراكز البحوث ولا ينشر منها إلا القليل (وبذلك تحرم منها فئات واسعة من المجتمع)، وإما أنها لا تتجاوز عتبات المواضيع المحرمة.



3)- المدرسة بين جدلية الثبات والتغير

لقد مثلت المدرسة حتى أوائل هذا القرن(حتى في المجتمعات الصناعية) المصدر الأول للمعرفة، واعتبر المدرس "الموزع الشرعي" لهذه المعرفة. وقد اعتمد الأفراد نتيجة ذلك على المدرسة كمصدر لمعرفة العالم ولتنمية قدرتهم على السيطرة على أنماط معينة من السلوك تمكنهم من أن يحتلوا مكانة فيه. لكن هذه الرؤية قد تغيرت مع الزمن نظرا لعدة اعتبارات.

إذا تحدثنا عن التغير فإننا نقصد به ظاهرة كلية وشاملة، وهو التغير الذي يعني إحداث تحولات داخلية وجوهرية لنظام التعليم، وكذلك تغيير هذا النظام بما يتلاءم مع التحولات الموضوعية في مستوى المجتمع المحلي والعالمي؛ ليستجيب لشروط ومعايير اجتماعية وثقافية واقتصادية محلية وعالمية.

وإذا بحثنا عن مكانة التعليم في إطار هذه الثورة الحضارية والمعلوماتية فإننا نستعيد تلك المقولات التي تؤكد على أن كل تغير مجتمعي لابد أن يصاحبه تغير تربوي. هناك من يرى أيضا أن النقلة المجتمعية التي أنتجتها هذه التحولات ، ماهي في جوهرها إلا نقلة نوعية تربوية في المقام الأول. فعندما تتوارى أهمية الموارد الطبيعية والخيرات المادية؛ تبرز المعرفة كأهم مصادر القوة الاجتماعية وتصبح عملية التنمية البشرية العامل الحاسم في تحديد قدر المجتمعات. إذن فقد تداخلت قضايا التنمية والتربية إلى حد يشبه الترادف.

في هذا الإطار تواجه المدرسة التونسية كغيرها من المدارس جملة من الأسئلة العاجلة:

v ما الذي نريد أن نحافظ عليه في المدرسة، وماهي الجوانب التي نريد تغييرها؟

v ما الذي يفسر تواصل بقاء وضعيات وظواهر غير مرغوب فيها رغم وجود الرغبة في تجاوزها؟

v ما الذي يجب فعله من أجل تغيير هذه الوضعيات وتلك الظواهر لتستجيب المدرسة لمطالب واحتياجات متجددة على الدوام ولكي تكون منصفة في استجاباتها؟

إن هذه الأسئلة الجوهرية يمكن أن تتفرع إلى أسئلة وتساؤلات فرعية عديدة، يمكن بعد الإجابة عليها أن نعرف ماذا يجب أن يتغير في المدرسة التونسية وماذا يمكن أن نحافظ عليه؟ من بين هذه الأسئلة:

v بماذا يمكن أن نفسر تنامي وتواصل ظاهرة الانقطاع والفشل المدرسيين؟

v بماذا يمكن أن نفسر تواصل وتنامي ظواهر مرضية داخل الفضاء المدرسي على غرار ظاهرة العنف بشتى أنواعه وأشكاله؟

v بماذا نفسر تفشي قلة الدافعية الدراسية بين التلاميذ وعزوف المتعلمين عن المدرسة؟

v بماذا نفسر ضعف التحصيل العلمي والدراسي لدى المتعلمين؟

v بماذا....؟

إن هذه الأسئلة الفرعية يكمن مضاعفتها إلى ما لا نهاية لتشمل كل الظواهر المعرقلة لعملية التعلم ووظائف المدرسة وأدوارها.



4)- تغير "الجمهور" المرتاد للمدارس ومفهوم "ديمقراطية التعليم"

إن المفاهيم العلمية عبارة عن كائنات حية تتطور وتتكيف مع محيطها؛ وهذا ما يميز بعضها عن بعض فيجعلها تستمر في البقاء رغم تغير الوضعية والمحيط. ويعتبر مفهوم ديمقراطية التعليم من تلك المفاهيم القادرة على التجدد المستمر مهما كانت المستجدات؛ سيما مع تغير "الجمهور" المرتاد للمدارس وخاصة إذا ترافق ذلك مع ما يسمى بـ "الإنفجارات الثلاثة". فماذا نقصد بذلك؟

إن المقصود بمفهوم "الجمهور" هو ذلك الذي أنتجته "الإنفجارات الثلاثة" فما هي علاقة هذا المنتوج بهذه التحولات ؟

نقصد بالإنفجارات الثلاثة: الانفجار المعرفي- الانفجار السكاني- الانفجار في الآمال والتطلعات. إن هذه الانفجارات ما هي في الواقع سوى مظهر جزئي من مظاهر التغير والتطور العارم على كل المستويات.

إن المدرسة اليوم أمام رهانات وتحديات جديدة فالعالم الاجتماعي والمعرفي الذي نتعامل معه قد تغير كثيرا وهذا ما فرض عليها حقائق جديدة. فالمدرسة في شكلها الحالي تتعرض لعديد الانتقادات، إذ كثرت التشكيات من أداء المدرسين والمربين عموما رغم أنهم يكلفون المجموعة الوطنية أموالا طائلة في تكوينهم الأساسي والإضافي، دون أن يدرك المشتكون أن المفتاح الإضافي لفهم ما يحدث هو الاعتراف بان ما تغير هو نوعية التلاميذ ودرجة إقبالهم على المدرسة ودرجة دافعيتهم الدراسية.

ولقد تعالت الأصوات في العالم منذ الثمانينات على أن المدرسة يجب أن تتكيف مع "الجمهور" الذي يقصدها كما هو بالفعل لا كما يجب أن يكون. يجب على المدرسة- حسب رأيهم- أن تعد الطفل ليس لعالم مثالي بل للعالم كما هو موجود.

وبعد أكثر من 20 سنة من هذه النداءات، لا أحد يتجرأ اليوم على طرح هذا الموضوع بالموضوعية والجدية اللازمتين، خصوصا بعد السقوط المدوي للنمط السلطوي المدرسي، وفشلها في القيام بدورها الثقافي والاجتـماعي على الوجه المطلوب، وكثرة المتسربين منها... وهي مظاهر أصبحت لصيقة جدا بصورة المدرسة الحالية.



5)- التجديدات البيداغوجية المتسارعة محليا وعالميا: (تطور أم ثورة عارمة؟)

مما لا شك فيه أن التطورات العارمة التي يشهدها هذا العصر؛ تفرض على مؤسسات التربية تكوين أفراد لهم القدرة على التمييز والتفكير والابتكار والإبداع وهذا ليس بالأمر الهين. فـ " بينما كان الناس في العصور السابقة يربون لمستقبل يكاد تكون ملامحه ومعالمه معروفة بالنسبة لهم، نجد أن الأمر في عالمنا المعاصر قد اختلف وأصبحنا نربي لعالم مجهول".[4]

ففي الماضي كان بالإمكان تزويد الفرد بكم معين من المعارف والمعلومات والمهارات والاتجاهات تمكنه من ممارسة الحياة والتكيف مع الأوضاع المحيطة به. هذه العملية لم تعد تكفي لتكون أساسا لتربية الفرد في عصرنا الراهن، حيث التغيرات والتطورات متسارعة في شتى جوانب الحياة، خصوصا وأن أكثر المجالات عرضة للتغير هي مجالات المعرفة والعلم والتكنولوجيا التي ترتبط كلها بالاكتشافات الجديدة في دنيا المعرفة. ونتيجة لما سبق؛ ونظرا لسرعة نسق التغير، فانه لا يمكن لوسائط ومواد التربية التقليدية أن تقدم للفرد كل نتاج تلك المعرفة المتجددة، كما لا يمكن أن تقدم المعرفة على أساس أنها نهائية وصالحة للتطبيق والاستخدام المستمر.

ومما يزيد في حدة الإشكالية وتشعبها هو المراهنة الجماعية (الشعبية والرسمية) على التعليم. ويتفق الجميع من مختصين وخبراء وأصحاب القرار على أن هذا النسق خلق أزمة للمؤسسات التعليمية التي لم تعد قادرة على مواكبته والتعامل معه رغم حرصها على المراجعة المستمرة لبرامجها وتوجهاتها إلى أن أصبح " الإصلاح" مفهوما قارا في معجمها وسياسة دائمة في اشتغالها وهاجسا في برامج عملها. والإصلاح ليس بعملية سهلة ومحايدة وخالية من المشاكل والأخطار والرهانات إذ " تكتسي الإصلاحات في المجال التربوي صبغة معقدة ذلك أنها لا تخضع لتأثير الاتجاهات البيداغوجية فحسب وإنما كذلك إلى تأثيرات أخرى منها السياسية،الاجتماعية والثقافية التي يعكسها سلوك الفاعلين لما لهم من مصالح متنوعة ومتضاربة. فبقدر ما يبتعد التوفيق بين هذه المصالح عن المنطق... ، يتفاقم خطر انحراف عملية الإصلاح عن أهدافه". [5]

ولم تنج المنظومة التربوية في بلادنا من تداعيات هذه الثورة / الأزمة ومن آثارها؛ ذلك أنها عاشتها بشكل مضاعف:

v باعتبار كونية التحولات والتغيرات التي شملت أغلب المجتمعات التقليدية والحديثة على حد السواء.

v باعتبارها تضيف أزمة أخرى تزيد من مضاعفات الأزمات الخاصة بالمجتمعات النامية التي تشكو من قلة الموارد المالية ومن البنى الاقتصادية الهشة.

ب)- معطيات الدراسة



1)- طول مراحل الدراسة

لفهم الثابت والمتحول في أنظمتنا التربوية التونسية، يجب تتبع هذه الأنظمة منذ الاستقلال إلى اليوم؛ ليس في صيرورتها فقط بل في تقطعاتها ومآزقها وانقطاعاتها ومنعرجاتها ورهانات الفاعلين فيها أيضا.

نعرف جيدا أن الأمر يتعلق بفترة طويلة بعض الشيء، والفاعلين فيها كثر والتقطعات عديدة. لكن يجب القيام بذلك إذا أردنا إقامة مقاربة موضوعية، لأننا لا نستطيع أن نلم بموضوع أو بظاهرة معينة وندرسها بموضوعية دون العودة إلى البدايات والحيثيات التي رافقت هذه البدايات.

ربما يكون ذلك ممكنا من خلال تقسيم حياة النظام التربوي التونسي إلى ثلاثة أقسام رئيسية يمثل كل قسم مرحلة من مراحله وحقيقة من حقائقه:

v المرحلة الأولى: تنطلق من 1958 وهو تاريخ إنشاء أول نظام تربوي تونسي ، والبدايات الحقيقية لرهانات وصراعات الفاعلين الاجتماعيين في المجال الاقتصادي والثقافي والسياسي والاجتماعي. وتتميز هذه الفترة بالزخم وتكثف الحقيقة وتمتد إلى سنة 1992 وهي فترة طويلة بعض الشيء.

v المرحلة الثانية: وتنطلق من سنة 1991 وتمتد على عشرية من الزمن. وتتسم بأول إصلاح تربوي شامل في تاريخ النظام التربوي التونسي. كما تميزت بغياب الفاعلين الذين أشرفوا على مرحلة التأسيس. إنه إصلاح قامت به نخبة أنتجتها المدرسة التونسية، نخبة كانت وليدة سياسة التحديث التربوي التي قامت غداة الاستقلال. تنتهي هذه الفترة سنة 2002 ، أي بصدور القانون التوجيهي عدد 80 الذي أتى لمراجعة قانون 1991 .

v المرحلة الثالثة: ويمكن أن نطلق عليها مرحل " مراجعة الإصلاح التربوي". هذه المرحلة ترافقت مع تحولات عميقة على المستوى العالمي كما المحلي ومست جل القطاعات؛ بما في ذلك منظومات التكوين وسياسات التشغيل.

نعلم جيدا أنه ليس من السهل الإلمام التام بحيثيات كل هذه المراحل والفترات بما أنه ليس من اليسر إدراك العلاقات السببية والجدلية بينها. لكن هذا لا يمنعنا من خوض هذه المغامرة الفكرية والمعرفية سعيا وراء التجديد ورغبة في الإنجاز بشكل مختلف.



2)- التصورات الاجتماعية عن المدرسة

لقد مثلت المدرسة مصدرا مهما للتصورات الاجتماعية وحقلا خصبا لاستقطاب الرأي العام الاجتماعي، لكن من أين تأتي التصورات الاجتماعية عن التعليم؟

يمكن تلخيصها إجمالا في ثلاثة مصادر على الأقل:

1. المصدر الأول: المنشأ النفسي والاجتماعي والثقافي للخيال الاجتماعي في علاقته بالمدرسة، ثم وظائف هذا الخيال وإنتاجيته. ونقصد بالإنتاجية هنا؛ القوة المجيشة والمحركة للتصورات الجماعية في ما يخص علاقة المدرسة بالحراك الاجتماعي والاقتصادي والمكانة الاجتماعية والسيادة.

2. المصدر الثاني: الشروط التاريخية والثقافية والسياسية لتحول خيال جماعي وتغيره بالمرور من مرحلة التراجع الحضاري الذي ترافق مع الاستعمار إلى مرحلة "التبشير النهضوي" الذي روجت له نخب التحديث؛ ونقصد بذلك الوضع العام غداة استقلال البلاد التونسية. أي المرور من التاريخ السلفي الأسطوري إلى التاريخ الحقيقي المعاش، وإن كان ذلك بإخراج غير دقيق.

3. المصدر الثالث: الدعاية السياسية والإعلامية، أي إنتاج الخطاب السياسي والإعلامي للدلالات والرموز التي تغذي الخيال الجماعي. ونعني بذلك الإخراج السيميائي للأحداث السابقة والحاضرة ونسج حبكة ثقافية من أجل تشكيل رؤى معينة، أو تقوية بعض العقائد، أو إعلاء قيم دون أخرى، أو تحوير الماضي وانتقاء محطات معينة منه من أجل دمجه في النظام الجديد للتوجهات والعقائد والممارسات. إن وظيفة هذه الدعاية هي احتكار الساحة الثقافية والسياسية والسيطرة عن طريق التعبئة والاحتواء مستخدمة "أسطورة" التقدم التقني والحضاري ورفع الإنتاجية الاقتصادية.

إن سبب تطور الأسطورة الاجتماعية حول المدرسة وبقاءها على قيد الحياة رغم كل التغيرات والتطورات، هو قدرة المدرسة على جعل الناس(على اختلافاتهم) يحلمون بواقع أفضل. إنها بذلك تستجيب إلى دوافعهم الذاتية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتي يمكن أن نلخصها إجمالا في :

v تعلم أبجديات العلم لتوسيع المدارك والانفتاح على عالم المعرفة والتقنية

v الرغبة في الحصول على عمل أو تحسين الوضعية المعاشة

v الزيادة في الدخل لتحسين جودة الحياة

v الرغبة في التمتع بالمكانة الاجتماعية من أجل التعرف والاعتراف.

إذن يمكن أن نقر مع "اليش" أن " النظام المدرسي في الوقت الحاضر(يؤدي) ثلاثة مهام اضطلعت بها الكنائس القوية عبر التاريخ: فهو من جهة مستودع للأسطورة الاجتماعية وهو من جهة أخرى المجال المؤسسي الذي تظهر فيه تناقضات تلك الأسطورة وهو من جهة ثالثة الشعائرية التي تنتج وتخفي الفروق بين الأسطورة والواقع".[6]

مهما اختلفت الدوافع وتجزأت بين الأشخاص والطبقات والجهات، يبقى الحراك الاجتماعي (الاقتصادي والثقافي والجغرافي)، هو من بين أهم الأسباب التي تغذي التصورات الاجتماعية على المدرسة مما يجعل الجميع متمسكين بها (وإن اختلفوا في الطريقة والوسيلة) رغم كل التغيرات التي طرأت على جميع الحقول الاجتماعية.



3)- تشتت العملية التربوية بين مؤسسات متعددة

إن التعليم هو نوع من التنشئة الاجتماعية، وقد أصبح بمرور الوقت نظاما اجتماعيا في إطار تقسيم العمل، فأصبح يأخذ شكل مؤسسات متخصصة تشرف عليها الدولة أساسا في مستوياتها المختلفة. وقد حصل في مجال التعليم تغيران بارزان:

v تغير أول يرتبط بالتغير الاجتماعي والسياسي وعلاقته بالتعليم

v تغير ثاني يتصل بالبناء الفني والوظيفي له.

إضافة إلى هذين النوعين من التغيرات، تعددت المصادر الضاغطة على المدرسة. من بينها الضغط الاجتماعي المتمثل في العدد الكبير للملتحقين بها، والضغط الاقتصادي المتمثل في السوق ومتطلباته، هذا بالإضافة إلى نمو بعض البدائل الخطيرة لنماذج التربية والتكوين. ولو تأملنا بصفة إجمالية وعمومية في بنية التكوين في بلادنا نلاحظ أنها تتوزع كالآتي:

1. تكوين عمومي: وهو تكوين يتم في إطار مؤسسات التكوين التابعة للدولة ابتداء من السنوات التحضيرية والمرحلة الابتدائية والأساسية، مرورا بالتكوين المهني والمرحلة الثانوية، وصولا إلى التكوين العالي والجامعي. وفي هذه الأطر يتم تقسيم التعليم والتكوين إلى أقسام ومراحل تفضي فيها الواحدة إلى الأخرى.

2. تكوين " نصف عمومي": يتم فيه التكوين والتقييم بالتداول بين المؤسسات العمومية للتكوين من جهة، وبين مؤسسات الخدمات العامة والخاصة من جهة أخرى، وهو ما يطلق عليه التكوين بالتداول لتطوير مهارات المتعلم وكفاياته المهنية وتتم عادة في علاقة بالتكوين المهني والجامعي.

3. تكوين خاص: وينقسم هذا التكوين إلى نوعين أو نمطين من التكوين:

- مؤسسات خاصة: وتتكون من مؤسسات ومراكز تكوين خاصة تعمل بشكل مستقل عن مؤسسات الدولة ولكنها تخضع في نفس الوقت للقوانين المنظمة للقطاع

- مؤسسات تكون للحساب الخاص: وهو تكوين تقوم به شركات ومؤسسات خاصة، كبرى وصغرى، تقوم بمقتضاه بتكوين أشخاص من مستويات مختلفة لحسابها الخاص. وهذا النوع من التكوين عادة ما يكون تكوينا سريعا ومحددا بمجال خاص ومحدود في الزمن وفي المجال وفي المعارف.



4)- تشتت الحقيقة التربوية بين حقول عديدة

في بحثنا عن "الحقيقة" التربوية، نجد أنفسنا أمام العديد من الخطابات المتنافسة والمنتمية إلى حقول مختلفة. ولو جازفنا ببعض التعميم لقلنا أننا أمام أربعة خطابات رئيسية يجب علينا اختيار واحد منها وهي :

1. الخطاب الأول: وهو الخطاب الرسمي؛ الماضي والحالي؛ وهو خطاب يميل إلى السيطرة على الخطابات الأخرى كما وشمولا. ويعود سبب الانتشار الواسع لهذا الخطاب(إضافة إلى عدد المنابر والكوادر المخصصة له)، إلى قدرته على الاكتساح للفضاء السوسيولوجي والبسيكولوجي باعتماده أساسا على تقديم النجاحات وتثمينها ومخاطبة الوعي والمخيال الجماعيين بكفاءة عالية من خلال مقاربات كوادره ومنظريه.

2. الخطاب الثاني: وهو الخطاب العلمي التربوي الكلاسيكي؛ وهو خطاب يركز على ما يجب أن يكون، عوض التركيز على تحليل الواقع الكائن. إنه خطاب ميال إلى تعداد وظائف وأدوار المدرسة "المثالية" والمدرس "المثالي"... أكثر من انكبابه على الإشكاليات الحاضرة والعاجلة. كما يمكن لهذا الخطاب أن يأخذ شكلا مغرقا في الخصوصيات المعرفية القطاعية على حساب تأسيس خطاب تأليفي ناقد وجامع.

3. الخطاب الثالث: وهو الخطاب المطلبي/الاستشرافي، إنه خطاب ذو مصدر مؤسساتي وذو طبيعة سياسية وثقافية ونقابية بالأساس ويشتغل وفق محورين:

- محور مطلبي: يتعلق بالتقاط مشاكل القطاع التربوي وصياغتها ضمن منظور احتجاجي أو مطلبي. يتعلق هذا الخطاب بتحسين وضع المربين والتلاميذ... كما يتعلق بتحسين صورة المدرسة في المجتمع ويمكن تصنيفه ضمن خطابات الخدمة الاجتماعية أقرب منه إلى الخطاب العلمي

- محور استشرافي: يصوغه عادة ثلة من الجامعيين والباحثين ذوي التوجهات النقدية. ينطلق هذا الخطاب أساسا من مرحلة التأسيس والتكوين ليركز على نقائصها ويبني من خلال ذلك نموذجا للمدرسة "الوطنية المثالية". إنه يعتمد عادة على نزعة تاريخانية يعوزها الربط المنهجي والواقعي بين بدايات التأسيس وآفاق المستقبل. ربما تشكل هذه النقطة بالذات موطن ضعف هذا الخطاب (على أهميته) وعاملا من العوامل التي تؤثر على علميته وصرامته المنهجية، رغم الإضافات المهمة التي يقدمها، ذلك أن هؤلاء الجامعيين وأولئك الباحثين ينتمون إلى حقول ومشارب معرفية مختلفة.

4. الخطاب الرابع: وهو الخطاب الذي تستخدمه العلوم الاجتماعية (وهنا نقصد علم الاجتماع التربوي). هذا النوع من الخطابات قليل وغير منشور في غالبه(ولا نعرف لماذا؟). يهدف هذا الخطاب إلى إعادة النظر في الخطابات الثلاثة السابقة من أجل الكشف عن الأسئلة والحقائق والأبعاد المنسية أو المغيبة أو المرمية في دائرة "اللامفكر فيه". إن هذا الخطاب هو الذي نروم الانتساب إليه لو أسعفتنا جهودنا المعرفية والمنهجية. غايتنا من وراء ذلك؛ هي الاستعادة النقدية للإشكاليات الرئيسية والفرعية المطروحة منذ التأسيس إلى الإصلاح.

ج)- مفاهيم جديدة وأخرى تستدعي المراجعة

لقد تضاعفت الأمثلة ذات الدلالات الواضحة على التحديات التي تواجهها الأنظمة التربوية، ليس من حيث النواحي الكمية المتمثلة في استيعاب جميع المستحقين فحسب، بل من حيث العناية بكفاية عالية بعمليات التربية والتكوين أيضا، لجعلها ملائمة لمطالب التنمية وخصائص المجتمعات والمردودية الاقتصادية. هذه التحديات والضغوطات والمطالب المتجددة، ساهمت في دخول مفاهيم جديدة إلى القاموس التربوي.

المفاهيم المستحدثة

1)- مفهوم الإستراتيجيا

لقد شاع استخدام هذه الكلمة في كثير من الدراســـات والأنشـــطة الإنســـــانية. و" الاستراتيجية لفظة مرتبطة في استعمالها أصلا بالأمور العسكرية وأضحت تعني فن القيادة العسكرية في مواجهة الظروف الصعبة، وحساب الاحتمالات المختلفة فيها واختيار الوسائل الرئيسية المناسبة له."[7]

إذن فالاستراتيجية، مفهوم عسكري في الأصل تمت استعارته واستعماله في المجالات الإنسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وقد تم استخدامه على معنى" الأفكار والمبادئ الرئيسية التي تستخلص من النظر في المسائل الخاصة بمجال واسع نسبيا من مجالات الحياة، وتقدير أحوالها وخصائصها واحتمالاتها، والتي تحدد مسارات العمل واتجاهاته في معالجة تلك المسائل في جميع جوانبها، وهي مسارات يتم اختيارها على شيء من المرونة التي تتبع تبديلها مراعاة للاحتمالات التي يتكشف عنها الواقع وتبدل الظروف. وهي (بذلك) تنطوي على التدبير والتفكير، وعلى العمل والتدبير... وهي في العادة تقع وسطا بين الاتجاهات العامة للسياسة وبين تخصيص الخطط والبرامج وتحديدها".[8]

لقد تعمدنا اعتماد هذا الاستشهاد الصادر عن جهة رسمية تهتم بالشأن التربوي، لنبين كيف اكتسح هذا المفهوم حقول التربية إلى أن أصبح موضوع تحليل من طرف الخبراء التربويين، وهنا تكمن قوته في اكتساح مجالات غير مجالاته. وحسب هذا التحديد، فإن الاستراتيجيا تحتل مركز الوسط بين السياسة ورسم الخطط لوضعها موضع التنفيذ. وفي المجال التربوي ، تعكس السياسة تصور المجتمع لمستقبله، وتتمثل الاستراتيجيا في التأكد من أن الأهداف التربوية تتماشى مع الأهداف العامة للمجتمع بحيث تكون الأهداف التربوية متناغمة مع أهداف القطاعات الاجتماعية المختلفة. ويتضمن مفهوم الاستراتيجيا ثلاثة مبادئ رئيسية على الأقل تتمثل في عنصر الربط وعنصر الاحتمال وعنصر الإرادة، والتي يمكن تحقيقها ربما بـ :



v تنظيم العناصر المختلفة المكونة للمجال والفضاء المدروس في شكل كلي ومترابط

v مراعاة المرونة في التعامل مع الأوضاع المعطاة وتوفير أكثر من حل لمشكل واحد والسماح للصدفة للظهور في سياق مجرى الأحداث

v توفير الإرادة والوعي اللازمين لمواجهة كل الاحتمالات والسيطرة عليها.



2)- مفهوم الجودة

هو مفهوم اقتصادي بالأساس ظهر في اليابان منذ الخمسينات من القرن العشرين، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية في السبعينات. ويعني هذا المفهوم فيما يعنيه نظام عمل يشتغل بمنطق السلسلة وتحت شعار"أحسن نوعية بأقل تكلفة ممكنة". ويشتغل هذا المفهوم وفق مبادئ ومراحل يمكن تلخيصها في أربعة:

1. المرحلة الأولى: التشخيص= تحديد الحاجيات الضرورية لإنتاج سلعة معينة وحاجة السوق إليها

2. المرحلة الثانية: التخطيط والتنفيذ= وهي مرحلة المرور من التصور الأولي النظري (تصور المدة والمراحل والموارد اللازمة) إلى مرحلة الإنجاز

3. المرحلة الثالثة: المتابعة= وهي العملية التي يتم بمقتضاها متابعة حياة المنتوج في مراحل إنتاجه المختلفة

4. المرحلة الرابعة: التقييم= وهي عملية تثمين المراحل السابقة وتقييم النوعية والكلفة.

وقد دخل هذا المفهوم إلى الحقل التربوي عندما كثرت الضغوطات على المدرسة لتتخلى تدريجيا عن وظيفتها ودورها التربوي والتوجه أكثر فأكثر إلى التكوين حسب الحاجة الاقتصادية للشركات والدول والمجتمعات، إضافة إلى ضرورة تحكمها في تكلفة الخريجين لتكون وظيفية أكثر. ويرى المدافعون عن هذا الرأي أن التربية ذات الجودة العالية تطيل أمد الحياة الدراسية. ويمكن تحديد مبدأين لمفهوم التربية الجيدة يمثلان شرطان لتحسين نوعية التعليم على غرار التجارب الناجحة لبعض البلدان في هذا الشأن:

v الشرط الأول: تنمية ملكات المتعلمين كرهان مهم لكل نظام تربوي. وأي نجاح في هذا الاتجاه يعتبر مؤشرا عن تحسن النوعية

v الشرط الثاني: التركيز على دور التربية في تنمية القيم والمواقف المتعلقة بقيم المواطنة التي تمثل أساس الحس العملي الخلاق لكل فرد.

إن التربية الجيدة حسب هذه الرؤية، تساعد على الترشد والثقة بالنفس والاضطلاع بوظيفة إيجابية في المجتمع مما يساهم في التغلب على أعقد المشاكل. فإذا عمت النوعية وتعمقت منذ السنوات الأولى للتعليم تمت محاصرة العقلية التقليدية الموروثة وتيسر الضغط على المصاريف والتكاليف الاجتماعية والمالية.

لكن بالمقابل هناك من يتحفظ كثيرا على هذا المفهوم ويصنفه كنوع من "المؤامرة" على مكاسب المدرسة "الجمهورية" والشعبية وحتى على رسالة التربية وغائياتها. فهذا المفهوم حسب رأيهم ينصف التربية نصا لكنه " يخونها" روحا. ذلك أن الأنظمة الرأسمالية ملت من الإنفاق الجماعي على التربية "المثالية" التي لا تقدم الشيء الكثير على المستوى الاقتصادي الربحي، ولذلك فهي تشترط مواصلة الإنفاق على التربية مقابل أن توفر لها ما تحتاجه ويلائم توجهاتها ورؤاها الاقتصادية البحتة غير عابئة بالوظيفة التثقيفية والحضارية للمدرسة.



مفاهيم تستدعي المراجعة

1)- مفهوم الأمية

تظل مشكلة الأمية إحدى القضايا الأساسية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا،وسوف تظل كذلك حاجزا أمام محاولات التنمية والسعي إلى التقدم في المجتمعات النامية. إنها خاصية من خاصيات الدول النامية ومعيقا كبيرا في طريق تقدمها. فهي عبارة عن إعاقة هيكلية وليس هذا بالأمر الغريب، فالحكمة الإنسانية منذ القديم نسبت إلى التربية مهمة تنشئة الأفراد وتقدم المجتمعات.

ويتراوح مفهوم الأمية بين الفكرة الألفبائية والفكرة الوظيفية والفكرة الحضارية والفكرة الرقمية ويعتبرها الخبراء تطورا في المفهوم دون أن يتفطنوا إلى عناصر التداخل والتكامل بينها.

v محو الأمية الألفبائية (الابجدية): لم تعد الأمية مشكلة فردية فقط بل هاجسا حضاريا واجتماعيا. إن المحور الأساسي الذي تدور حوله هذه الظاهرة هو اللغة (قراءة وكتابة- حديثا وسماعا- إلقاء وتلقيا)، والتي في غياب إجادتها يعجز الفرد عن القراءة والكتابة والتواصل المعرفي على اعتبار أن اللغة هي وسيلة الاتصال والتواصل والمعرفة والهوية. وتتركز المجهودات في مقاومة هذه الظاهرة على تعليم المعنيين بهذه العملية على تعلم القراءة والكتابة والحساب باعتبارها مهارات أساسية لتطوير مستوى حياة الفرد والجماعة ماديا ومعنويا. وقد بدا الاهتمام بمحو الأمية الأبجدية بعد الحرب العالمية الثانية كأثر من آثار الحرب وكوسيلة من وسائل منع الحرب مستقبلا وذلك بالقضاء على أسباب الخلافات وأوجه التباين بين الشعوب وتحقيق حياة كريمة لغالبية سكان العالم. وكان التركيز على التعليم الأساسي ودعمه هي التعبير المناسب عن هذه الفكرة.



v محو الأمية الوظيفية: يمكن ربط نشأة هذا المفهوم بظروف تاريخية معينة، شأنه في ذلك شأن كل المفاهيم المتعلقة بالعلوم الإنسانية التي تنشأ عادة كاستجابة لحاجة معرفية أو اجتماعية. وهذا الاتجاه " تأكد نتيجة للمؤتمر الدولي لوزراء التربية والتعليم الذي عقد في طهران سنة 1965، إلا أن التمهيد لهذه الفكرة وبذورها الأولى تعود إلى... المؤتمر الدولي الثاني لتعليم الكبار الذي عقد بمنتريال عام 1960... ولعل التعليم الوظيفي يزداد وضوحا في ضوء ما وقع في حلقة أمريكا اللاتينية الدراسية عن تعليم الكبار والتي عقدت في هافانا في مارس 1972 حيث حدد بأنه التعليم المؤسس على العلاقة بين الإنسان والعمل مع أخذ كلمة (العمل) بمعناها الواسع الذي يربط تنمية الفرد العامل بالتنمية الشاملة العامة للمجتمع".[9]

عندما خاب الأمل في محو الأمية الأبجدية، تحول التعليم الأساسي(أو التربية الأساسية) من هدف يتم السعي لتحقيقه إلى غاية أسمى وأهم وهي التنمية الشاملة للمجتمع. يكون ذلك ممكنا عبر تركيز ما يسمى بـ "التعليم الوظيفي" الذي وقع تعريفه بأنه " هو محو الأمية، متكاملا مع تدريب متخصص، يكون في العادة ذا طبيعة فنية".[10]

لقد جاء هذا المفهوم وهذه السياسة التعليمية نتيجة لفشل البرامج التقليدية لمحو الأمية الأبجدية، وكانت غايتها التغلب على الصعوبات السابقة وإعداد عدد معين من المواطنين للقيام بأدوار وأعمال معينة وذلك بتزويدهم بالكفايات والمهارات اللازمة كي يستثمرونها في ميدان عملهم ومن هنا تأتي تسميتها بالوظيفية. بعبارة أخرى فإن مفهوم الوظيفية يسعى للربط بين النشاط الإنتاجي والاقتصادي والاهتمامات والاحتياجات الفردية.

إن محو الأمية الوظيفي ليس موجها إلى من هم في سن الدراسة، ولا إلى الذين هم في حاجة إليها، بل هي موجهة إلى العاملين والناشطين في المجال الاقتصادي. إن مفهوم محو الأمية الوظيفي لا يهتم بالشخص إلا في حياته العملية والغاية منه هو التغلب على العوائق الاقتصادية والاجتماعية وليس رفع الجهل وتنمية المعرفة وهذا ما يفسر كثرة المآخذ على هذا المفهوم.



v الأمية الحضارية: لقد أقر الجهاز العربي لمحو الأمية في المؤتمر المنعقد في بغداد سنة 1976 مجموعة من العناصر والرؤى والمبادىء التي تحدد المفهوم الحضاري للأمية وآليات اشتغاله. وقد جاء هذا المفهوم نتيجة النقائص التي اعترت المفاهيم السابقة لمحو الأمية. فهذا المفهوم يتجاوز المفاهيم التقليدية، ليركز على إحداث تغييرات في جميع المنظومات المجتمعية عن طريق التربية. ويرى أصحاب هذا التوجه أن أي تطوير للتربية يجب أن يحصل بتوافق وتناغم مع التنمية الاجتماعية الشاملة. إذن فالمفهوم الحضاري للأمية يعني فيما يعنيه الجهد "الذي يستدعي إحداث تغييرات أساسية في البناء الاجتماعي بما يسمح بإيجاد مناخ ثقافي من شأنه حفز الفرد لتنمية قدراته من خلال تنمية المجتمع في إطار حركة تنموية وحضارية شاملة... (وذلك بتدعيم) الثقافة العمالية، والتدريب المهني، والتثقيف الاجتماعي والصحي، ورعاية الأمومة والطفولة، والأنشطة الترويحية، واستكمال الدراسة وغير ذلك من المجالات ".[11] إذن فالتحدي الأكبر والأهم في مجال التعليم يكمن في مشكلة تردي النوعية المتاحة. فالتعليم الحق لا يجب أن يعتمد على الاستقطاب الكمي للمستحقين فقط، بقدر ما يجب أن يركز على الهدف التنموي والإنساني من خلال تنمية المجتمع من أجل تحسين نوعية الحياة وتنمية القدرات الخلاقة لجميع الأفراد. فمسألة محتوى المناهج وآليات تقييم المتعلمين وشكل وصيغ الامتحانات ووضع اللغات الأجنبية في المنظومة التربوية... كلها مساءل تتطلب الحسم ووضوح الرؤية، الحاضرة والمستقبلية. إنها ليست مساءل تربوية- بل هي أكثر من ذلك بكثير- إنها مساءل ثقافية وحضارية واجتماعية عاجلة. فتدريس العلوم الحديثة لا يكفي وحده لرفع الأمية بكل أنواعها إذا كان بلغة أجنبية.إن أساس امتلاك العلم والمعرفة الحقيقية يكون من خلال الانفتاح على جميع العلوم الحديثة لكن بشرط تدريسها باللغة الوطنية التي يجب صقلها وتطويعها حتى تكون قادرة على استيعاب العلوم الحديثة وتوظيفها محليا(وربما هذا ما حدث في تونس عبر القانون التوجيهي لسنة 2002). يترافق ذلك مع الحرص على تعلم اللغات الأجنبية، وهذا ما تفعله المجتمعات المتقدمة. إذن فرفع الأمية لا يكون بالتدريس فقط، بل برفع نوعية التعليم وتجويدها أيضا. إن هذه الغاية لا تتحقق بتوفير الموارد اللازمة فقط، أو حتى بالإنجازات الكمية في نشر التعليم وإنما بإعادة النظر بتنظيم العملية التربوية وأساليب التسيير الخاصة بها وعملية التدريس والتقييم. هذه الرؤية الجديدة جعلتنا نتحدث اليوم عن نوعية جديدة من الأمية وهي الأمية الرقمية.



2)- في سبيل التمييز بين "التعليم" و " التمدرس"

إن إقامة الفرق بين مفهومي التعليم والتمدرس أصبح اليوم أمرا عاجلا نظرا لأنه يكشف عن القيمة التي يكتسبها هذا التحديد باعتباره يمثل مدخلا أو عملية ضرورية لخوض غمار مقاربات متعددة ومختلفة إلى حد الصراع والتصادم. ولا يمكننا الحديث عن الإنصاف المدرسي (الذي كثر ترديده مؤخرا في تونس)، دون إقامة الفرق بين هذين المفهومين. وقد كشف التقرير الذي نشره الدكتور "كومبس" حول أزمة النظام التعليمي العالمي[12] الذي أكد من خلاله إخفاق هذا النظام وقصوره عن تحقيق أهدافه، ففي الوقت الذي تضاعفت فيه نفقات التعليم بشكل مطرد، تضاعفت أعداد الأميين.

إذن فقد ظهر اتجاه جديد في الفكر التربوي المعاصر يحاول أن يصحح فكرة التعليم من أساسها. يكون ذلك ممكنا حسب هذا الاتجاه بتجاوز التعليم "المصرفي"(وهو مفهوم أسسه باولو فيريري ويعني إيداع المعلّم للمعلومات في ذهن التلاميذ)، إلى نوع آخر من التعليم "الحواري"، وبذلك يخرج المتعلّم من "ثقافة الصمت" إلى ثقافة الحوار وهذا ما يجعل هذا التوجه الفكري نظرية تعليمية واجتماعية في نفس الوقت.

ولمزيد تسليط الضوء على هذا التمييز سنحاول تعريف مفهوم التعليم بصفة عامة وعلاقته بالتدريس الذي لا يمثل سوى جانب منه يخدم النسق الاجتماعي أكثر من خدمته للمنتفعين بالتعليم. فـ " كلمة تعليم في التعريف الاصطلاحي يقابلها لفظ نشاط، وهو يختلف في الدلالة عن التربية ولكن في الممارسة يتقاطع معها في مجالات الحياة المختلفة... (إنه) نشاط إنساني، يتم وفق مجموعة من النظم والمبادئ، والأدوات والخطط، والأهداف... مع توقع مساهمته في تنمية قدرات الأفراد واتجاهاتهم وغيرها من أشكال السلوك ذات القيمة الإيجابية في مجتمعهم... وطبقا لتعريف اليونسكو... هو نشاط منظم ومتصل، يصمم بهدف توصيل مزيج من المعارف والمهارات، والمفاهيم ذوات القيمة في جميع أنشطة الحياة... (ولذلك) لابد له من استراتيجية قوية، مالكة للشروط العلمية، والفنية، والتنظيمية، والإنسانية... وهنا نلمس العلاقة الضمنية بين التعليم والإستراتيجية والتطوير".[13]

ربما من المفيد أن نظيف هنا ما قاله القس النمساوي "اليش" صاحب النظريات التربوية في هذا الشأن والذي يرى أن "التعليم هو التجربة الحقيقية التي تخرج بالإنسان من ثقافة الصمت إلى مجتمع الحضارة الذي تحترم فيه حرية الإنسان وأما التمدرس فهو ذلك النوع من التعليم الذي يؤدي إلى الطبقية ويكرس تأقلم الإنسان مع ثقافة مجتمع الاستهلاك".[14]

إن التمييز بين التعليم والتمدرس ضروري جدا، خصوصا إذا ما كانت غايتنا البحث عن مبدأ الإنصاف في نظام تربوي ما. لكنه من العسر بمكان بحيث يتم في بعض الأحيان استعمال الواحد عوض الآخر وبهذا نجد أنفسنا أمام خلط كبير. إن هذا الخلط يشبه إلى حد كبير الخلط بين الكنيسة والخلاص، بين المعالجة الطبية والعناية الصحية، بين العمل الاجتماعي وتحسين حياة المجتمع...

إزاء هذا الخلط وجبت الحيطة والحذر لأنه من غير المسموح به أن تنتج الدراسات العلمية خطابا يحمل نفس هنات الخطاب العادي واليومي، وهذا ما يمكننا من صياغة مقاربة علمية تتميز بالشمولية في التصور والعمق في الطرح والخصوصية في المعالجة.



د)- مفاهيم تفرض نفسها على الباحث

1)- التفكيك

"إن مصطلح التفكيك الذي بلوره جاك دريدا مرتبط بمصطلحي (أنظمة الفكر) و(الإبستمي) اللذين بلورهما ميشال فوكو".[15]

إن مجال التفحص الذي يجب أن نقوم به، هو أنه لدينا من جهة مؤسسة اجتماعية تسمى "المدرسة" (والتي تقدم نفسها على أنها محايدة ومنتجة للمعارف الضرورية وحافظة للهوية ومنتجة للحقيقة)، ولدينا من جهة أخرى الأحداث والنتائج الاجتماعية المتولدة عن الفعل البشري والسياسي والثقافي. هذه الوضعية تضعنا أمام مسألة حاسمة وهي ضرورة القيام بعملية تفكيك استكشافية داخلية وخارجية لتراث المدرسة.

إن مجهود التفكيك الذي يجب القيام به لا يجب أن يشمل فقط تاريخ هذه المؤسسة(المدرسة)، والوظائف التي اضطلعت بها عبر عقود من الزمن، بل أيضا نزع البداهة عنها وبيان منشئها وتاريخها ورهان الفاعلين فيها وبالتالي نسبيتها.[16] ذلك أن هذه المؤسسة(المدرسة) وذلك الفكر(التربوي) يتمحوران حول "لعبة" مركزية من القناعات الخاصة ذات الأهمية المطلقة يلفهما نوع من الحجاب الحاجز يحول دون رؤية الأمور كما جرت بالفعل طيلة العقود الماضية إذ أنه يفرض نوعا من المسلمات تمنع أو تعيق ظهور الحقائق التربوية والسوسيولوجية.



من أجل إدراك هذه الغاية فإننا أمام خيارين:

v إما أن ندرس العلاقة بين المدرسة والمجتمع والسياسة من خلال منظور تقليدي-تكراري ووصفي

v إما أن ندرس هذه العلاقة من خلال التفكير وإعادة التأمل في المشكلات العديدة والصعبة التي نجمت عن هذه العلاقة. ولدينا في ذلك نصوص عديدة(قديمة وحديثة) تتعلق بالظروف التاريخية لنشأة وتطور هذه العلاقة والحيثيات التي رافقت علاقة الدولة والمجتمع بالمدرسة.



وليكون مجهودنا منسجما مع مفهوم التفكيك الذي اقترحناه، وجب علينا تبني الخيار الثاني والغاية من ذلك هي محاولة الوصول إلى هدفين:

1. إثراء البحث والتفكير حول مؤسسة المدرسة ووضعها في سياق الرهانات التي تختفي وراء "قدسيتها"

2. تجاوز عملية الوصف البسيط لتاريخ المدرسة وعلاقاتها المباشرة ببقية المؤسسات والهياكل من أجل كشف عمليات التعالي والتحريف التي لحقت بالحقيقة التربوية التي تظهر لنا للوهلة الأولى وكأن لها حقيقة وماهية فريدة ومعزولة عن الحقيقة الواقعية المعاشة، سلاحنا في ذلك فكر "ملحاح" نقدي ومتحرر.

2)- التاريخية

نقصد بمفهوم "التاريخية" – كما يقول ريمون آرون- هي : " منعطف تاريخي أو وضع بشري: إن المعرفة التاريخية لا تجهل ولا يمكنها أن تجهل أيا من هذين المصطلحين؛ ذلك أن إنسان اليوم مضطر إلى أن يتساءل عن حصيلة الثورة التي يجتازها الآن وعن المعنى الذي يريد أن يعطيه لوجوده من وراء العلم والتكنولوجيا والآلات". [17]

إن الفكر الإيجابي هو فكر تاريخي بالمعنى المذكور سابقا، بمعنى أنه يدرس التغير والانقطاع كما يدرس الاستمرارية والبنية المتصلة(إن وجدت)، بمعنى أنه لن يقوم بأي حال من الأحوال بإخراج إيديولوجي أو أسطوري للأحداث بحيث تكون منسجمة بالغصب في وحدة واكتمال زائفين.

إن طرح المسائل التربوية(تاريخ النظام التربوي التونسي، مستقبل مدرستنا...)، اعتمادا على مفهوم التاريخية، يتطلب إعادة النظر في بعض المسائل عبر قراءة جذرية لكل تاريخ المدرسة التونسية منذ التأسيس إلى اليوم. لا يجب أن نكتفي بوصف دقيق ومحكم للظواهر العرضية والتأريخ السطحي لهذه المؤسسة، بل يجب فك رموز تلك اللحظات التاريخية ومنعطفاتها ومعطياتها المختلفة.

إن هذه المنهجية تمكننا من فهم كيف تمفصل وتعاضد عقل علماني معين(العقل التحديثي البورقيبي) مع مؤسسة (مؤسسة المدرسة والدولة)، منذ ظهورهما في طور التجربة التأسيسية. سوف يكون أيسر علينا فيما بعد؛ فهم المغامرات الجدلية لذلك العقل وتلك المؤسسات في السياقات الاجتماعية والثقافية المتنوعة، وسندرك إلى أي مدى ستكون مؤسسة المدرسة "متورطة" أو "مورطة" في دعمهما وذلك بمحاولتها إعادة أنتاج توجهاتهما(من خلال خطابها التربوي وبنيتها وآفاق خريجيها وروادها...)، باعتبارها أداة من أدوات حسم الصراع الفكري والسياسي القائم آنذاك.

3)- الزحزحة

أ)- لغة:[18]

- زحزح، يزحزح، زحزة: نحى وأبعد

- تزحزح، يتزحزح، تزحزحا: تنحى وتباعد

- الزحزحة والزحزح: الابتعاد/الإبعاد الإزالة عن المكان.

ب)- منهجا:

نقصد بالزحزحة: " كل تغيير يطرأ على الإشكاليات التقليدية، أو كل مقاربة جديدة للمشاكل تحل محل المقاربات السابقة أو تلغيها أو تزحزحها عن مكانها. إنها عملية إقامة الفرق بين المعرفة والاعتقاد".[19]

ولاستثمار هذا المفهوم في عملنا، يجب أن ندرس من خلاله وضع المدرسة الراهن في علاقته بالمحطات الكبرى وذلك بتوسيع مجال التحري والبحث ليشمل المدرسة كمؤسسة وكذلك الفكر التربوي وتوجهاته الكبرى برمتها.

يجب أن نبدأ بالبحث عن نشأته (الفكر التربوي) والحيثيات التي رافقت هذه النشأة والمصاعب المختلفة (الداخلية والخارجية) التي اعترضته.

يحق لنا ان نخلص الى القول بأنه ليس من السهل وضع المدرسة أمام تراثها(بالمعنى المثالي للكلمة)، ضمن هذا المنعطف التاريخي والصعب الذي تعيشه جل المجتمعات. بالإضافة إلى صعوبة التحدث بشكل صحيح ومطابق دون اختزال، نجد أنفسنا أمام مقاربات ومسالك عديدة ممكنة يصعب الاختيار فيما بينها.

إن هذا المفهوم يرفع رهانا معرفيا ومنهجيا: انه يحاول أن يخلع عن جملة الأفعال والخطابات إطلاقيتها وعموميتها وقدسيتها وذلك بالأخذ بالاعتبار تاريخيتها ومصادرها الايديولوجية وانتماءاتها المعرفية والاجتماعية.



ما يشبه الخاتمة

ليكون لمجهوداتنا معنى (إذا أردنا أن نؤرخ للنظام التربوي التونسي)، يجب أن لا نبحث عن الحقائق التربوية إلا في سياق مسارها الاجتماعي والثقافي ولا نهتم إلا بالوقائع الملموسة، وأن ننفتح عما يصير من حولنا من متغيرات وأحداث ومفاهيم ومقولات. الهدف من وراء ذلك هو التقاط الحقيقة التربوية-السوسيولوجية في صيرورتها وانقطاعاتها الاجتماعية-التاريخية. فمجرد سرد الأحداث والوقائع والتواريخ لا يكفي وحده لفهم مواطن الثبات والتحول في أنظمتنا التربوية. إننا بذلك نؤسس لمفهوم جديد كثيرا ما اعتمدته المقاربات العلمية المجددة والنقدية وهو مفهوم التاريخية. فعملية التأريخ البسيط للأحداث (على أهميتها) تبقى في نظرنا غير كافية للنفاذ إلى الحقيقة التربوية في سياقها الاجتماعي لأنها تركز على التواصل والترابط أكثر من تركيزها على القطيعة ./.



طارق بن الحاج محمد

باحث في علم الاجتماع التربوي



المصادر والمراجع

الكتب

1)- محمد أركون: " الفكر الإسلامي، قراءة علمية." مركز الإنماء القومي/المركز الثقافي العربي. ترجمة هاشم صالح. الطبعة الثانية 1996 .

2)- مجموعة من المؤلفين:" المنظومة التربوية في تونس، قراءة في البرنامج التوجيهي للإصلاح التربوي." سلسلة رؤى عمالية. قسم الدراسات والتوثيق للإتحاد العام التونسي للشغل. تونس 2003

3)- لجنة وضع استراتيجية التربية العربية: " استراتيجية تطوير التربية العربية". المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. تونس 1979

4)- ريمون آرون: " أبعاد الوعي التاريخي". كتاب بالفرنسية. دار نشر بلون

5)- يوسف نور عوض: " نقد العقل المتخلف، بحث في أزمة الوجود الحضاري عند فقراء العصر التقني". دار القلم بيروت- لبنان 1985

6)- يوسف شكري فرحات: "معجم الطلاب عربي-عربي". دار الكتب العلمية بيروت- لبنان. الطبعة السابعة 2004

مقالات

1)- حسن لوشن: " استراتيجية تطوير التعليم، نماذج نظرية ورؤية مستقبلية". المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم تونس. المجلد 23- العدد 2- ذوالقعدة 1424 / ديسمبر 2003

2)- د. عبد الغني عبود: " محو الأمية الأبجدية". مجلة تعليم الجماهير العددان23-24 سبتمبر السنة العاشرة 1983

3)- عبد الفتاح أحمد حجاج:"استراتيجيا تعليم الكبار في الدول النامية ". مجلة تعليم الجماهير(التاريخ مذكور سابقا)

4)- طارق بن الحاج محمد: " جدلية التعليم والتحديث في تونس غداة الاستقلال". مجلة أنوار الصادرة عن م.ج.ت.ت.م. زغوان العدد 9- جوان 2005

1- انظر في هذا الإطار مقالنا بعنوان "جدلية التعليم والتحديث في تونس غداة الاستقلال". مجلة أنوار. العدد التاسع- جوان 2005

2- المنظومة التربوية في تونس. ص 13

3- المنظومة التربوية في تونس. ص 25

4 – د. عبد الفتاح أحمد حجاج: " استراتيجيا تعليم الكبار في الدول النامية". مجلة تعليم الجماهير العددان 23 – 24 . سبتمبر السنة العاشرة. 1983 – ص 187

5 – المنظومة التربوية في تونس. ص 87- 88

6- د. يوسف نور عوض : " نقد العقل المتخلف". ص 99

7- د. عبد الفتاح أحمد حجاج (مقال مذكور سابقا). ص 183



8- لجنة وضع استراتيجية التربية العربية: " استراتيجية تطوير التربية العربية". المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. تونس 1979. ص 30

9- د. عبد الفتاح أحمد حجاج (مقال مذكور سابقا). ص 168

10- د. عبد الغني عبود: "محو الأمية الأبجدية". مجلة تعليم الجماهير الصادرة عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. العددان 23-24 سبتمبر 1983 . ص 123

11- د. عبد الفتاح أحمد حجاج(مقال مذكور سابقا). ص 180

12- لمزيد الاطلاع على فحوى ومحتوى هذا التقرير انظر كتاب الدكتور يوسف أنور عوض"نقد العقل المتخلف". (مصدر مذكور سابقا).

13- د. حسن لوشن: "إستراتيجية تطوير التعليم نماذج نظرية ورؤية مستقبلية". المجلة العربية للتربية. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم تونس. المجلد الثالث والعشرون- العدد الثاني (ذو القعدة 1424هـ/ ديسمبر 2003). ص 16-17 .

14- د. يوسف نور عوض: "نقد العقل المتخلف". ص 21

15- محمد أركون: " الفكر الاسلامي قراءة علمية". مركز الإنماء القومي/المركز الثقافي العربي. ترجمة هاشم صالح- الطبعة الثانية 1996. ص 186

16- وهذا ما قمنا بجزء منه في المقال السابق بعنوان "جدلية التعليم والتحديث في تونس غداة الاستقلال". (مقال مذكور سابقا).

17- ريمون آرون: أبعاد الوعي التاريخي.( كتاب بالفرنسية). دار النشر بلون. ص 146

18- يوسف شكري فرحات: " معجم الطلاب عربي- عربي." دار الكتب العلمية. بيروت-لبنان. الطبعة السابعة 2004. ص 242

19- محمد أركون (مصدر مذكور سابقا). ص 34

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-08-2009, 01:02 PM   #2
أحمد عبد الحميد
عضو مخضرم
 
الصورة الرمزية أحمد عبد الحميد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: مصر
المشاركات: 5,673
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: الثابت والمتحول في أنظمتنا التربوية

جزاكم الله خيرا

__________________
مسلم أغشى الوغى ألقى الردى
بدم فوق مقام الذهـب
أنا كالدّيباج في ملمسه
ولمن يطعنني كالعقرب
أنا للملحد ريح عاصف
أصرع الباغي وسيفي مِذربي
أحمد عبد الحميد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
المضامين التربوية المستنبطة من بعض أحاديث الطب النبوي وتطبيقاتها التربوية أبو ذر الفاضلي رسائل في الأسرة والتربية والتعليم وذوي الاحتياجات الخاصة 4 16-10-2012 05:07 PM
القيم التربوية لدى معلمي المرحلة الثانوية في محافظات شمال فلسطين .. الادارة التربوية بدر حلب كتب التربية والتعليم المصورة 1 17-04-2011 01:01 AM
المضامين التربوية المستنبطة من سورة الماعون وتطبيقاتها التربوية في الأسرة أبو ذر الفاضلي رسائل في الأسرة والتربية والتعليم وذوي الاحتياجات الخاصة 3 10-03-2011 06:54 PM
قصة النبي إسماعيل عليه السلام بين الثابت القرآني والمتحول الشعبي أم يوسف 5 كتب التراجم والسير بصيغ أخرى 2 13-08-2010 03:17 PM
المنهجية العلمية بعد شكلي في كتاب الثابت والمتحول لأدونيس إبراهيم براهيمي المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 1 12-04-2009 11:24 AM


الساعة الآن »09:36 PM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd