سلسلة أحاديث في الدعوة والتوجيه (12)
حـديـث
ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان
وقفــــــات وتــأمــــلات
إعداد
أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
أستاذ السنة وعلومها بجامعة الإمام
محمد بن سعود الإسلامية بالرياض
دار ابن الأثير
1427هـ
المقدمـة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد...
فإن الله تبارك وتعالى خلق الثقلين - الجن والإنس - لهدف عظيم، وغاية سامية وهو عبادته وحده سبحانه، كما قال تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56].
فمن قام بعبادة الله حق القيام فله الدرجات العلى في الجنة، ومن تكاسل بها فله الويل كل الويل، يلقى في الدركات السفلى من النار، كما قال تعالى: ((إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى)) [طه:76].
وقال في موضع آخر: ((فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)) [هود:108].
ويشترط لقبول هذه العبادة أن تكون نابعة من الإيمان بالله تعالى، فمن لم يؤمن به لا تقبل أعماله، كما قال تعالى عن الكافرين: ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا)) [الكهف:106].
وهذا الإيمان بالله يتضمن الإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره منه سبحانه و تعالى، كما قال تعالى: ((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)) [البقرة:177].
وقال أيضا: ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا)) [النساء:136].
وجاء في حديث جبريل - عليه السلام - أنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» الحديث( ).
وكما يتضمن كل ما جاء في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة من أصول الدين، وأموره , وأخباره، وما أجمع عليه السلف الصالح، والتسليم لله تعالى في الحكم والأمر والقدر والشرع، ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالطاعة والتحكيم والاتباع.
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما قال تعالى: ((وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا)) [مريم:76]. وقال أيضا: ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا)) [آل عمران:173].
والإيمان قول وعمل واعتقاد؛ أي قول باللسان، وعمل بالأركان والجوارح، واعتقاد بالقلب.
فإذا اكتملت هذه الشروط الثلاثة فهو المؤمن حقا، وإذا أخل شرط منها فلا يقبل إيمانه، فعلى المرء المسلم أن يتمسك بهذه الشروط الثلاثة، ويجتهد في الأعمال الصالحة، لكي يزداد إيمانا.
وبين أيدينا حديث نبوي رائع، يهتم بجانب الإيمان ومقتضياته، وأثره على السلوك الإنساني؛ وفيما يلي من الصفحات نعيش في رحاب هذا الحديث الشريف فهماً، ودراسة، واستنباطاً للأحكام القيمة، والدروس النافعة لكل مسلم، ولكل مستقيم على هذا الدين، ولكل من يريد رفعة درجاته وتكفير سيئاته، ولكل داعية يريد سلوك صراط الله تعالى.
وتأتي هذه الأهمية العظيمة في مثل هذه الأوقات التي اختلطت فيها المفاهيم بين غلو وتقصير، وإفراط وتفريط، ومزج للمصطلحات، وعدم تمييز بينها، وإعمال بعضها في موضع الآخر، وإهمال لكثير منها، فطبق الإسلام منقوصا، وحدث عدم التوازن، وحمَل ما لا يحتمل، فجُرَّت الويلات على الإسلام وأهله، فوجب البيان مستندا لحديث الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.
وقد توخيت في هذا البيان محاولة التوسط بين الإيجاز والإطناب، مذكراً للعالم، ومعلماً للمتعلم، ومنبهاً للغافل، فيه الإشارة تغني عن صريح العبارة، والإيجاز عن الإطناب.
أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، ويعلمنا ما ينفعنا، ويزيدنا هدى، وتقى، وعلماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وأن يجعل هذا العمل من المدخرات، وأن يعفو عن الزلل والتقصير، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه/
فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
ص. ب. 41961 الرياض -11531
Email: [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
نـص الحديـــث
عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثـلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسـوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار».
[رواه الشيخان]
تخريج الحديث
هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في أربعة مواضع:
في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان برقم: (16)
وباب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان. برقم: (21)
وفي كتاب الأدب، باب الحب في الله، برقم: (6401) باختلاف يسير في الألفاظ.
وفي كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، برقم: (6941)
وأخرجه مسلم في صحيحه: في كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، برقم: (67) و (68) بلفظ «ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان... ».
و الترمذي في جامعه: في كتاب الإيمان، باب حديث «ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان». برقم: (2624) بلفظ « ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان ».
و النسائي في سننه باختلاف يسير في الألفاظ:
في كتاب الإيمان، باب طعم الإيمان، برقم: (4990).
وباب حلاوة الإيمان، برقم: (4991).
وباب حلاوة الإسلام، برقم: (4992).
الوقفة الأولى:
نظرة في عموم الحديث
هذا الحديث من الأحاديث العظيمة حيث إنه يضم معاني عظيمة وأسسا كبيرة من أسس الإيمان، من حب الله ورسوله، والتحاب فيما بين المسلمين، والثبات على الإيمان، والعض عليه بالنواجذ، وبغض الكفر وأهله، بلوغ كراهية الكفر مبلغا أن يؤثر عليه القذف في النار.
إن الحب في الإسلام بصورته النقية أحد عنصري غاية الوجود الإنساني فوق هذه الأرض: العبودية لله سبحانه تعالى، لأن العبودية تتمثل في عنصرين متكاملين هما: الذل والمحبة في غايتهما. قال ابن تيمية في رسالة (العبودية): «العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل، ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له»( ).
ولهذا بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن حلاوة الإيمان عند العبد المسلم لا تتحقق إلا بحبه لله فحب الله هو الأساس، وما سواه مما ذكر في الحديث إنما يعود إليه؛ سواء كان حب الرسول صلى الله عليه وسلم أو حب أولياء الله، أو كراهة الكفر، فهو في هذه الكراهة يؤكد ثبوت حبه لله بكراهة الكفر كأنه يثبت الشيء بنفي نقيضه.
وأول موقع من مواقعها هو حب المسلم للرسول صلى الله عليه وسلم الذي أنقذه الله به من الظلمات إلى النور، والواسطة العظمى بين الله وبينه في تبليغ مراد الله له، ولهذا اقترن ذكر الرسول بذكره في مقام طلب الحب في الحديث: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» ومن حب الله ورسوله حب شريعته ودينه الذي جاء به كتابه الكريم، وبينه رسوله العظيم محمد صلى الله عليه وسلم في سنته المباركة.
ومن مواقعها الإنسان المحب لله الطالب مرضاته وهذا ما ذكر في الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذكر محبة الله ورسوله: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله».
فمحبة الإنسان في الله تكون على أساس قربه من الله، وقرب الله يتحقق بالإسلام له، والعمل بطاعته، ولما كان هذا القرب يزيد بقدر زيادة العبد في طاعته لربه؛ كانت المحبة مطردة في زيادتها ونقصها مع هذا القرب والطاعات، فإذا ابتعد هذا الإنسان بنفسه عن ربه باقتراف ما يقضي بذلك حل مقابل تلك المحبة له في نفس المؤمن، أي حل البغض له بسبب هذا البعد، وفي هذه الحالة يجتمع له حب لطاعته وبغض لمعصيته، فإذا ما قطع صلته بالله وآثر بقربه بعدا وبطاعته معصية وكفرا بانسلاخه من الإسلام، تحولت تلك المحبة إلى بغض وكراهة لهذا الشخص بسبب كفره، ولا يمكن أن يبقى من المحبة في قلب المؤمن شيء.
فالمحبة كما تقع على الأشخاص تقع على الأفعال، وإلى ذلك نبه الحديث الشريف في الثالثة من الثلاث اللائى يجد بهن المرء حلاوة الإيمان، وهي أن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار.
وكما أن حالة الكفر تبلغ عند المؤمن غاية الكره، فإن البدع والمعاصي مكروهة مبغضة بحسب كبرها وبشاعتها، وبالمقابل فإن حالة الإيمان والاستسلام لله تستوجب من المسلم حبا لصاحبها، والطاعات والآداب الشرعية محبوبة من المؤمن( ).
قال ابن حجر: قال البيضاوي: وَإِنَّمَا جعل هَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة عُنْوَانًا لِكَمَالِ الْإِيمَان لِأَنَّ المَرْء إِذَا تَأَمَّلَ أَنَّ المُنْعِم بِالذَّاتِ هُوَ الله تَعَالَى , وَأَنْ لَا مَانِح وَلَا مَانِع فِي الْحَقِيقَة سِوَاهُ , وَأَنَّ مَا عَدَاهُ وَسَائِط , وَأَنَّ الرَّسُول هُوَ الَّذِي يُبَيِّن لَهُ مُرَاد رَبّه , اِقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَتَوَجَّه بِكُلِّيَّتِهِ نَحْوه: فَلَا يُحِبّ إِلَّا مَا يُحِبّ, وَلَا يُحِبّ مَنْ يُحِبّ إِلَّا مِنْ أَجْله، وَأَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّ جُمْلَة مَا وَعَدَ وَأَوْعَدَ حَقّ يَقِينًا. وَيُخَيَّل إِلَيْهِ المَوْعُود كَالْوَاقِعِ , فَيَحْسَب أَنَّ مَجَالِس الذِّكْر رِيَاض الْجَنَّة , وَأَنَّ الْعَوْد إِلَى الْكُفْر إِلْقَاء فِي النَّار. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا( ).
الوقفة الثانية:
مفهوم العدد في الحديث
جاء في الحديث «ثلاث»، وقد ذكر هذا العدد في نصوص أخرى متعددة، منها:
1- عن أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة:المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره»( ).
2- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»( ).
3- وقال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار( ).
4- عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ سَتَرَ اللهُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ؛ رِفْقٌ بِالضَّعِيفِ، وَشَفَقَةٌ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِحْسَانٌ إِلَى المَمْلُوكِ». وقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ( ).
5- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ»( ).
6- وعن عَبْد الله بْن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ؛ فِي الْفَرَسِ وَالمَرْأَةِ وَالدَّارِ»( ).
فهذه الأحاديث ذكر فيها العدد (3). ولا شك أن العدد له خاصية، فإذا ورد بالجزم فليس لنا أن نزيد عليه، لأن الله هو المشرع وحده، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان المبلغ عنه فقط. فمثلا أمرنا أن نطوف بالبيت سبعاً، والسعي بين الصفا والمروة سبعاً، والصلوات المكتوبة خمساً، وكذلك عدد الركعات فيها، فهذه وأمثالها إذا زاد الإنسان فيها فعمله باطل وهو مبتدع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد »( ).
يقول الحافظ ابن حجر: وَهَذَا الْحَدِيث مَعْدُود مِنْ أُصُول الْإِسْلَام، وَقَاعِدَة مِنْ قَوَاعِده , فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ اِخْتَرَعَ فِي الدِّين مَا لَا يَشْهَد لَهُ أَصْل مِنْ أُصُوله فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ( ).
قَالَ النَّوَوِي: وَهَذَا الْحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام , وَهُوَ مِنْ جَوَامِع كَلِمه صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ صَرِيح فِي رَدّ كُلّ الْبِدَع وَالمُخْتَرَعَات. وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظه وَاسْتِعْمَاله فِي إِبْطَال المُنْكَرَات , وَإِشَاعَة الِاسْتِدْلَال بِهِ( ).
ولكن إذا ورد العدد بغير صيغة الجزم أو وردت نصوص أخرى تخالفه فنحكم عليه بأن العدد غير مطلوب و مقصود الشارع ذكر جزء من الكل، والحديث الذي بين أيدينا اتضح لنا بعد إمعان النظر فيه أن العدد غير مطلوب، والمعنى ثلاث خصال من الخصال الكثيرة التي يجد بها المرء حلاوة الإيمان، لأنه جاء في الحديث الآخر عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا( ). ولكن مما لاشك فيه أن هذا الحديث جامع لأهم مبادئ الإيمان.
الوقفة الثالثة:
معنى حلاوة الإيمان
إن المؤمن إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ثم قام بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، فإنه يجد من راحة النفس وسعادة القلب وانشراح الصدر وسعة البال أثناء العبادة وعقب الانتهاء منها ما لا يوصف، وهذه اللذة تتفاوت من شخص إلى شخص حسب قوة الإيمان وضعفه. وتحصل هذه اللذة بحصول أسبابها كما تزول بزوال أسبابها، فمنها أن يحب الله ورسوله أكثر من غيرهما، وأن يحب إخوانه في الله ولله، وبالعكس يبغض الكفر وأهله امتثالا لأمر الله، كما يكره أن يقذف في النار.
قال الإمام النووي: قَالَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ الله: مَعْنَى حَلَاوَة الْإِيمَان اِسْتِلْذَاذ الطَّاعَات وَتَحَمُّلِ المَشَقَّات فِي رِضَا الله عَزَّ وَجَلَّ, وَرَسُوله صلى الله عليه وسلم , وَإِيثَار ذَلِكَ عَلَى عَرَضِ الدُّنْيَا , وَمَحَبَّة الْعَبْد رَبّه - سُبْحَانه وَتَعَالَى - بِفِعْلِ طَاعَته , وَتَرْكِ مُخَالَفَته , وَكَذَلِكَ مَحَبَّة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم( ).
وقال ابن حجر في الفتح: وَفِي قَوْله:« حَلَاوَة الْإِيمَان » اِسْتِعَارَة تَخْيِيلِيَّةٌ, شَبَّهَ رَغْبَة المُؤْمِن فِي الْإِيمَان بِشَيْءٍ حُلْو وَأَثْبَتَ لَهُ لَازِم ذَلِكَ الشَّيْء وَأَضَافَهُ إِلَيْهِ , وَفِيهِ تَلْمِيح إِلَى قِصَّة المَرِيض وَالصَّحِيح لِأَنَّ المَرِيض الصَّفْرَاوِيّ يَجِد طَعْم الْعَسَل مُرًّا، وَالصَّحِيح يَذُوق حَلَاوَته عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَكُلَّمَا نَقَصَتْ الصِّحَّة شَيْئًا مَا نَقَصَ ذَوْقه بِقَدْرِ ذَلِكَ( ).
وقال السندي في شرح سنن النسائي: «حَلَاوَة الْإِيمَان» أَيْ اِنْشِرَاح الصَّدْر بِهِ وَلَذَّة الْقَلْب لَهُ تُشْبِه لَذَّة الشَّيْء إِلَى حُصُول فِي الْفَم، وَقِيلَ الْحَلَاوَة الْحُسْن، وَبِالْجُمْلَةِ فَلِلْإِيمَانِ لَذَّة فِي الْقَلْب تُشْبِه الْحَلَاوَة الْحِسِّيَّة بَلْ رُبَّمَا يَغْلِب عَلَيْهَا حَتَّى يَدْفَع بِهَا أَشَدّ المَرَارَات، وَهَذَا مِمَّا يَعْلَم بِهِ مَنْ شَرَحَ الله صَدْره لِلْإِسْلَامِ، اللهُمَّ اُرْزُقْنَاهَا مَعَ الدَّوَام عَلَيْهَا( ).
وقال السندي أيضا: اُسْتُعِيرَ اِسْم الطَّعْم أَوْ الْحَلَاوَة لِمَا يَجِدهُ الْمُؤْمِن الْكَامِل فِي الْقَلْب بِسَبَبِ الْإِيمَان مِنْ الِانْشِرَاح وَالِاتِّسَاع وَلَذَّة الْقُرْب مِنْ الله تَعَالَى.
فليعلم الإنسان أنه مهما توفرت له سبل الراحة والمعيشة فلن يجد هذه اللذة إلا إذا وثق صلته بالله، فالمال والجاه والحسب والنسب والأولاد لا تغني عن الإيمان شيئا، ولا نسبة بين نعيم الدنيا الزائل وبين نعيم الإيمان.
يقول الحسن البصري واصفاً حال الأثرياء: «إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارقهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه».
ويقول ابن القيم: «في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه( ).
فتلخص من هذا: أن للإيمان والعبادة طعماً ومذاقاً حلوا ً، لا يجده الإنسان إلا إذا عمر الإيمان قلبه، وعمل بمقتضاه، ونوَر حياته به، في مثل ما جاء في هذا الحديث العظيم.
وهذه الحلاوة تتمثل في انشراح الصدر، وقوة التحمل , والأنس بالله تعالى، والثقة بموعوده، والرضا بمقاديره، وعظمة اللجوء إليه، والتضرع بين يديه، ومعرفة ذاته وأسمائه وصفاته.
كما تتمثل ببناء منهج حياته على هذا الإيمان، يحل ما أحل الله، ويحرم ما حرم الله، وإن خالف هواه ورغباته، وعارض مزاجه وهواياته، ووقف أمام طموحاته.
كما تتمثل ببناء علاقاته مع الله تعالى، ومع الناس، ومع الحيوانات، ومع الأشياء على وفق ما شرع الله جل وعلا.
فإلى كل مسلم يريد هذا الطعم الحلو أن يتمثل هذا المنهج العظيم، وإلى كل داعية يريد التمتع بلذة العبادة والدعوة أن يتمثل هذا المنهج العظيم الذي لا يوجد في أي مقام آخر.
الوقفة الرابعة:
في قوله صلى الله عليه وسلم : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما
هذه الوقفة نفرعها كالآتي:
أولاً: تعريف المحبة لغة واصطلاحاً:
قال ابن منظور: الحب نقيض البغض، والحب الوداد والمحبة، وأحبه فهو محب وهو محبوب، وتحبب إليه: تودد؛ وامرأة محبة لزوجها ومحب أيضا، والحب: الحبيب( ).
وقال الفيروزآبادي: الحب: الوداد كالحباب والحب بكسرهما. أحبه وهو محبوب على غير قياس وتحابوا: أحب بعضهم بعضا( ).
وقال ابن القيم: هذه المادة تدور في اللغة على خمسة أشياء:
أحدها: الصفاء والبياض؛ ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: حبب الأسنان.
الثاني: العلو والظهور؛ ومنه حبب الماء وحبابه، وهو ما يعلوه عند المطر الشديد.
الثالث: اللزوم والثبات: ومنه:حب البعير وأحب، إذا برك ولم يقم.
الرابع: اللب، ومنه: حبة القلب، للبه وداخله.
الخامس: الحفظ والإمساك. ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه.
ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة، فإنها صفاء المودة، وهيجان إرادات القلب للمحبوب، وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد، وثبوت إرادة القلب للمحبوب، ولزومها لزوما لا تفرقه، ولإعطاء المحب محبوبه لبه، وأشرف ما عنده وهو قلبه، ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه. فاجتمعت فيها المعاني الخمسة( ).
واصطلاحاً: قال ابن أبي العز: هي تعلق قلب المحب بالمحبوب.
ثم قال: وقد اختلف في تحديد المحبة على أقوال نحو ثلاثين قولا، ولا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إلى تحديد، كالماء والهواء والتراب والجوع والشبع ونحو ذلك( ).
وقد ذكر في تعريفها الإمام ابن القيم ثلاثين قولا( ) منها:
المحبة: سفر القلب في طلب المحبوب، ولهج اللسان بذكره على الدوام.
ومنها: أن لا يؤثر على المحبوب غيره، وأن لا يتولى أمورك غيره.
ومنها: إيثار المحبوب، على جميع المصحوب.
وقال الإمام النووي: أَصْل المَحَبَّة المَيْل إِلَى مَا يُوَافِق الْمُحِبَّ , ثُمَّ المَيْل قَدْ يَكُون لِمَا يَسْتَلِذُّهُ الْإِنْسَان , وَيَسْتَحْسِنهُ كَحُسْنِ الصُّورَة وَالصَّوْت وَالطَّعَام وَنَحْوهَا وَقَدْ يَسْتَلِذُّهُ بِعَقْلِهِ لِلْمَعَانِي الْبَاطِنَة كَمَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاء وَأَهْل الْفَضْل مُطْلَقًا , وَقَدْ يَكُون لِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ , وَدَفْعه المَضَارَّ وَالمَكَارِهَ عَنْهُ. وَهَذِهِ المَعَانِي كُلُّهَا مَوْجُودَة فِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِمَا جَمَعَ مِنْ جَمَال الظَّاهِر وَالْبَاطِن, وَكَمَال خِلَال الْجَلَال, وَأَنْوَاع الْفَضَائِل , وَإِحْسَانه إِلَى جَمِيع الْمُسْلِمِينَ بِهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم , وَدَوَام النِّعَم , وَالْإِبْعَاد مِنْ الْجَحِيم( ).
وقال ابن حجر في الفتح: قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الْمُرَاد بِالْحُبِّ هُنَا الْحُبّ الْعَقْلِيّ الَّذِي هُوَ إِيثَار مَا يَقْتَضِي الْعَقْل السَّلِيم رُجْحَانه وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَاف هَوَى النَّفْس, كَالْمَرِيضِ يَعَاف الدَّوَاء بِطَبْعِهِ فَيَنْفِر عَنْهُ , وَيَمِيل إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى عَقْله فَيَهْوَى تَنَاوُله , فَإِذَا تَأَمَّلَ الْمَرْء أَنَّ الشَّارِع لَا يَأْمُر وَلَا يَنْهَى إِلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاح عَاجِل أَوْ خَلَاص آجِل, وَالْعَقْل يَقْتَضِي رُجْحَان جَانِب ذَلِكَ, تَمَرَّنَ عَلَى الِائْتِمَار بِأَمْرِهِ بِحَيْثُ يَصِير هَوَاهُ تَبَعًا لَهُ , وَيَلْتَذّ بِذَلِكَ اِلْتِذَاذًا عَقْلِيًّا , إِذْ الِالْتِذَاذ الْعَقْلِيّ إِدْرَاك مَا هُوَ كَمَال وَخَيْر مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ. وَعَبَّرَ الشَّارِع عَنْ هَذِهِ الْحَالَة بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّهَا أَظْهَر اللَّذَائِذ الْمَحْسُوسَة( ).
ثانيا: مراتب المحبة:
وأما مراتبها - كما ذكرها ابن القيم وابن أبي العز - فهي عشرة( )؛ وهي كالتالي:
أولها: العلاقة: وهي تعلق القلب بالمحبوب.
والثانية: الإرادة: وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له.
والثالثة: الصبابة: وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه كانصباب الماء في الحدور.
والربعة الغرام: وهي الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم لملازمته.
والخامسة: المودة والود: وهي صفو المحبة وخالصها ولبها.
والسادسة: الشغف: وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب.
والسابعة: العشق: وهو الحب المفرط الذي يخاف منه على صاحبه منه, ولكن لا يوصف به الرب تعالى، ولا العبد في محبة ربه – والسبب لأن العشق محبة مع شهوة( ).
والثامنة: التيمم: وهو بمعنى التعبد.
والتاسعة: التعبد: قال ابن القيم في روضة المحبين( ): وأما التعبد فهو غاية الحب وغاية الذل يقال: عبده الحب، أي ذلَّلـه، وطريق معبد بالأقدام أي: مذلل. وكذلك المحب قد ذلَّلـه الحب ووطأه، ولا تصلح هذه المرتبة لأحد غير الله عز وجل، ولا يغفر الله سبحانه لمن أشرك في عبادته، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فمحبة العبودية، هي أشرف أنواع المحبة , وهي خالص حق الله على عباده.
والعاشرة: الخلة: وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه.
قال الطحاوي: وقيل في ترتيبها غير ذلك، وهذا الترتيب تقريب حسن، يعرف حسنه بالتأمل في معانيه. واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته كسائر صفاته تعالى، وإنما يوصف الله تعالى هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة حسبما ورد النص( ).
وإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت له أعلى مراتب المحبة وهي الخلة، كما ورد عن جُنْدَب قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ الله تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذلك، إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا»( ).
وأيضا ما روى أبو الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ الله عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، خَلِيلًا وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ الله»( ).
فيتضح من هذين الحديثين أن صفة الخلة ثبتت للنبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: أهمية محبة الله ومنزلتها
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
منزلة المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بدونها أبدا واصليها، وتبوءهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائما إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة: أن المرء مع من أحب , فيالها من نعمة على المحبين سابغة( ).
وقال أيضا: إن محبة الله سبحانه، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والرضى به وعنه، أصل الدين وأصل أعماله وإرادته...ومحبته تعالى، بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق من أعظم واجبات الدين، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، ومن أحب معه مخلوقا مثل ما يحبه فهو من الشرك الذي لا يغفر لصاحبه ولا يقبل معه عمل، قال تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)) [البقرة:165]( ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فمن أحب مخلوقا مثل ما يحب الله فهو مشرك، ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله( ).
وقال أيضا: ولهذا كان أهل التوحيد والإخلاص أكمل حبا لله من المشركين الذين يحبون غيره، الذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونهم كحبه( ).
وقال ابن القيم: أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم( ).
وقد جاء في الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»( ).
ومن هذا يجب أن نعلم أن محبة الله تعالى أعلا درجات العبودية له سبحانه، فيقدمها على جميع المحاب من والد، وولد، وزوجة، وصديق، وجاه، ومال، وغيرها، فيعبد الله تعالى محباً له، هذه المحبة التي تتطلب الذل والخضوع والطاعة والانقياد له سبحانه، ويظهر هذا على تعبده له جل وعلا في صلاته وصيامه، وإنفاقه، وحجه وعمرته،ودعائه واستغاثته، وبره وإحسانه، ومعاملاته كلها.
وعليه فلا يجوز أن يساوي محبة غيره بمحبته جل وعلا بل هذا من الشرك به سبحانه، كما سبق نقله عن الأئمة امتثالاً لقوله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ)) [البقرة:165].
رابعا: المحبة على طرفين
إن المحبة على طرفين: طرف محبة العبد لربه، وطرف محبة الرب لعبده.
قال ابن القيم: وجميع طرق الأدلة – عقلا ونقلا وفطرة وقياسا واعتبارا وذوقا ووجدا – تدل على إثبات محبة العبد لربه، والرب لعبده.
الأدلة على محبة العبد لربه:
قال تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)) [البقرة:165].
فأخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى؛ فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم، لذا قال تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)) [البقرة:165].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له.
وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى: ((تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الشعراء:98].
ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم.
وقال تعالى: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)) [آل عمران:31].
وهي تسمى آية المحبة.
قال أبو سليمان الداراني: لما ادعت القلوب محبة الله أنزل الله لها محنة: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)) [آل عمران:31].
وقال تعالى: ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)) [المائدة:54].
فقد أثبتت المحبة من طرفين؛ محبة العبد لله، ومحبة الله للعبد.
وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ»( ).
فقد اشتمل هذا الحديث الشريف على ثبوت لذة النظر إلى وجه الله، وعلى ثبوت الشوق إلى لقائه.
وأيضا: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بـ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص:1]، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ»، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ»( ).
وأيضاً عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، وَأَهْلِي، وَمِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ» قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ» قَالَ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ( ).
فتبين من هذا أن العبد يجب عليه أن يحب ربه على ما جاء في النصوص السابقة، ويسأل ربه أن يبلغه إياها، ويعمل من أجل الحصول عليها مرسخاً لها في قلبه، مجاهداً لنفسه حتى لا يزيغ عنها حال فتور أو ضعف.
ولذا جاءت النصوص القرآنية والنبوية في الذين يحبهم الله تعالى، وينالون هذه الدرجة العاليَة فإليك بعضاً منها:
قال تعالى: ((وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) [البقرة:195].
وقوله تعالى: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)) [آل عمران:146].
وقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)) [البقرة:222].
وقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ)) [الصف:4].
وقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)) [التوبة:7].
وقوله في ضد ذلك:
قوله تعالى: ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ)) [البقرة:205].
وقوله تعالى: ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)) [المائدة:64].
وقوله تعالى: ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) [آل عمران:140].
وقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا)) [النساء:36].
وكذلك جاء في السنة كثير من النصوص أن أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا، وأن الله يحب كذا كذا، كقوله: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى الله مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ»( ).
وأيضاً عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ؛ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ»( ).
وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام»( ).
أيضاً عن أبي هريرةَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الله مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»( ).
وأيضاً إن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْه»( ).
أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»( ).
وعنه أيضاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ؛ وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ الله يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ»( ).
وغيرها نصوص كثيرة تدل على ثبوت الحب من الطرفين، وفيما مضى من الأحاديث يستدل على صفة المحبة لله عز وجل، فنثبتها له كما أثبتها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق به جل وعلا من غير تحريف لها ولا تعطيل لمعناها ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل لها.