روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > قسم الرسائل الجامعية وأخبارها > قسم الرسائل والبحوث الجامعية المنشورة > رسائل في الأدب العربي
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-10-2009, 10:47 PM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي فن الإخبار والسرد في التراث النثري المغربي (من القرن الرابع إلى السادس الهجري

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جامعةالعقيد الحاج الأخضر باتنة
كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم اللغة العربية وآدابها


البحث المنجز الموسوم بـ :


فن الإخبار والسرد في التراث النثري المغربي
(من القرن الرابع إلى السادس الهجري )
جمع وتوثيق ودراسة








نوعية المشــروع:الثقافة والأدب العربي :
رئيس المشــروع : معمر حجيـــج
الشهـــــادة : دكتوراه الدولـة
الرتــــــبة : أستاذ محاضـــر
فرقة البحـــث :

الاســـم اللقــــب الرتبـــــــة
عبد السلام ضيـــف أستاذ مكلف بالدروس
سليمــان قريـــري أستاذ مكلف بالدروس
عبد المجيد عمــراني أستاذ التعليم العــالي


السنة : 1428 هـ -ـــ 2007 م
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعةالعقيد الحاج الأخضر باتنة
كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم اللغة العربية وآدابها
التقـرير النهائي
(من 1/1/2007 إلى 31/12/2007)

مشروع بحث : الثقافة والأدب العربي
عنوان المشروع : فن الإخبار والسرد في التراث النثري المغربي
(من القرن الرابع إلى السادس الهجري )
جمع وتوثيق ودراسة



رئيس المشروع :

اللقــــب الاســـم الرتبـــــــة
حجيـــج معمــــر أستاذ محاضــر

فرقة البحـــث :

اللقــــب الاســـم الرتبـــــــة
قريري سليمان أستاذ مكلف بالدروس
ضيف عبد السلام أستاذ محاضــر
عمراني عبد المجيد أستاذ التعليم العالي


السنة : 1428 هـ -ـــ 2007 م



الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
اللجنة الوطنية لتقييم وبرمجة البحث العلمي

استمارة تحليلية لتقييم مشروع بحث

فرع: الثقافة والأدب العربي .
الرمز: 2004/06/U0501
المؤسسة: القسم اللغة العربية كليـــة الآداب جامعــة باتنــة.
رئيس المشروع: معمر حجيج.
الرتبة: أستـــاذ محاضر.
الحصيلة العلمية
* تسجيل عشرة طلبة أبحاث لطلبة ما بعد التدرج : بحثان للدكتوراه وبحثان للماجستير وكلها في الأدب المغربي القديم
* فتح ماجستير (12) طلبة في الأدب الجزائري في العام الجامعي 2006/2007.
*مذكرات نهاية التخرج: لقد تم تسجيل أربعة في هذا العام؛ الأول: بعنوان عناصر الثقافة الشعبية في التراث المغربي النثري والثاني بعنوان: تناص التراث المغربي في روايات محمد ديب
*قدم بحث في ملتقى شعر الثورة في جامعة سطيف في عام 2005 بعنوان الهاجس الثوري في شعر أحمد معاش
*قدم بحث في ملتقى كلية الآداب جامعة في عام 2005 بعنوان مكاشفات الأنساق الدلالية في الفكر الفلسفي والبلاغي
*انجز بحث بعنوان : الثقافة والهوية الوطنية أرسل إلى ملتقى دولي بجامعة المنصورة (مصر)مايو 2005
نشر بحث في مخبر بجامعة تلمسان خاص بالتراث المغربي بعنوان : الحكايات القصيرة دراسة سيميائية ،وبحث آخر في مجلة العلوم الاجتماعية بجامعة باتنة بعنوان نظريات التشكيل الموسيقي في الشعر
ـ نشر مقال بعنوان صورة الخليل بن أحمد في التراث النقدي العربي 2007
ـ ملتقى في جامعة ورقلة بعنوان المنهج الأسلوبي في الدراسات النقدية العربية الحديثة
ـ ملتقى في جامعة اليرموك بعنوان التفاعل بين الأدب المغاربي والفرنسي في الربع الأخير من القرن العشرين نوفمبر 2007
علاقات المشروع مع المحيط: المشروع له علاقة بالمحيط الجامعي وبخاصة وأنه له علاقة بالواقع المغربي الثقافي قديما ويمثل عمق المنابع الفطرية للسلوك الاجتماعي والفكري ،والخلفية الإنسانية للمجتمع المغربي من الوجهة الأنثروبولوجية الثقافية.
استهلاك القروض:
توصيات ورأي اللجنة............................................ ..........................




استمــارة تصنيــف
(أ)
عنوان المشروع الاختصاص تاريخ الاعتماد
فن الإخبار والسرد في التراث النثري المغربي
من القرن الرابع إلى القرن السادس
( جمع وتصنيف ودراسة)

الثقافة و الأدب العربي
U05012004/06/

استمــارة تصنيــف
(ب)
أعضاء فريق البحث
الاسم واللقب
الرتبــة المؤسسة الأصل مجالات أخرى تطرق لها الباحثون.
-معمر حجيـــج.
ضيف عبد السـلام
قريري سليـــمان
عبد المجيد عمــراني

أستاذ محاضــــر.
أستاذ مكلف بالدروس.
أستاذ مكلف بالدروس.
أستاذ التعليم الغـالي جامعة باتنـــــة.
جامعة باتنـــــة.
جامعة باتنـــــة.
جامعة باتنـــــة.
أولا - على مستوى البحث المبرمج :
الكلمات المفتاحية : -الخطاب السردي ـ خطاب الضفاف أوخلفية الواجهة-النسق ـ خطاب الواجهة الرسمية -الخطاب الإخباري الثقافي -الخطاب المقامي-سميائية العلامات الثقافية -الخطاب الحواري-أجناس الفنون العجائبية - شعرية الخطاب النثري -الخطاب العجائبي - الكرامات والمعجزات - المأساوي والتهكمي العلامة السيميائية - الحكاية -الحلم -الثقافة السحرية -الشخصيات العجائبية
ملخــــص : قام الباحثون في هذا العام 2007 بإنجاز كل الأعمال المتبقية من البحث ومراجعة الفصول التي أنجزت في الأعوام السابقة ،وهي بحسب خطة البحث كالآتي : بإنجاز التمهيد وتحديد الإطار المكاني والزماني للبحث ، ثم مراجعة مرة أخرى بقية الفصول المتكونة من الفصل الأول الخاص بدراسة فن الإخبار السندي أو مقام الحال ،و الفصل الثاني الذي درسنا فيه فن الإخبار المشهدي(الرحلات –وصف الأمكنة) ،والفصل الثالث الذي بحثنا فيه فن الإخبار الاستذكاري (وصف الأحداث التاريخية) .
ثم بقية الفصول التي درسنا فيها فن السرد العجائبي ، وتتفرع إلى ا لحكايات العجائبية (الكرامات) و الحكايات العجائبية (الخرافات)،و الحكايات العجائبية (الأبطال والأحداث )، وفن السرد التعليمي ، ويتفرع إلى الأمثال والحكم ،و السرد القناعي (على ألسنة الحيوانات والكائنات) ،و سرد المناسبات المأساوية والسعيدة ، ثم الخاتمة والفهارس المختلفة .
وهكذا نكون لقد أتممنا البحث في هذا العام المكرس للمراجعة النهائية وإتمام الجوانب الفنية المتبقية الخاصة بالإخراج النهائي للبحث ،ومن ثم فإننا وفينا بما ألزمنا به أنفسنا خلال المدة الإضافية المخصصة للمشروع ،ونذكر بأننا قمنا في العام الأول والثاني بجمع المصادر والمراجع وتفحصها وتوثيق المادة الخاصة بالبحث فيها ،وبأصحابها ، وتبويبها بحسب الأشكال والقوالب الفنية ،ثم بحسب موضوعاتها ، ثم الوصول إلى تكوين مدونة لأشكال النثر المغربي بموضوعاتها وخصائصها الشكلية البنائية، وفي السنة الثالثة أنجزنا أغلب الفصول ، وقد اعترضتنا صعوبات في إنجاز هذا البحث منها: تشتت مادته و تفرق مصادره في أمم الدنيا الأمر يجعل مسألة الإحاطة به نسبية ،وقد أخذ منا جمع المدونة معظم جهدنا ووقتنا و بعد أن أتممنا جمع المصادر والمراجع قمنا بتفحصها وتوثيق المادة الخاصة بالبحث فيها ،وبأصحابها ، وتبويبها بحسب الأشكال والقوالب الفنية ،ثم بحسب موضوعاتها ، ثم الوصول إلى تكوين مدونة لأشكال النثر المغربي بموضوعاتها وخصائصها الشكلية البنائية، وقد اعترضتنا إشكاليات تخص بناء مدونة حقيقية للنثر تعكس الملامح العامة لتاريخ الأدب المغربي منذ الفتوحات الإسلامية إلى القرن الرابع الهجري، وهذا البناء التاريخي لن يتم إلا إذا وثقنا وحدات بنائه توثيقا تاريخيا ،وهذه الوحدات لن تكون إلا شخصياته وأعماله،وإشكال التحقق التاريخي من هذه الشخصيات ،ومن أعمالها بتأطير حياتها إقليميا وزمنيا يعد من الإشكاليات العامة التي لا تخص الأدب المغربي ،وإن كانت تبدو أكثر صعوبة وتعقيدا في هذا الأدب لزهد المغاربة في التأريخ لحياتهم ،وحتى وإن أرخوا فإن الزمان ونكباته لم يرحم تراثهم ،فضاع أغلبه ،ولم يصلنا منه إلا النزر اليسير ،وحتى هذا اليسير فقد وصلنا ناقصا .
والتشكيك في هذه الشخصيات ،وفي أعمالها الأدبية هي السمة الغالبة في تراثنا ،ونشير على سبيل المثال إلى شخصية طارق بن زياد وخطبته ،وشخصية سابق البربري وأشعاره ،ومجهوده العلمي في الحديث النبوي ..الخ ،و لم تسلم الكتب والأعمال الأدبية أيضا من هذا التشكيك والتشويه .
وقد حاولنا تجاوز هذا التشكيك على اعتبار أن المهم هي الأعمال الأدبية ،وما تقدمه من أفكار وفن ،ووجود أصحابها سينظر إليه على أنه وجود غير عادي ،وتاريخ الأدب لا يهمه من حياة الشخصيات تلك المحاور التي يشترك فيها مع الناس ،وتثبتها الدوائر الرسمية ،لكن يهمه منها أكثر تلك الجوانب المتميزة في حياتها ،والتي جعلت منهم أدباء ،وهذه الأبعاد الفكرية والأدبية الحقيقية في حياتهم لا تنفصل عن أعمالهم بل هي التاريخ الحقيقي لهم ولأمتهم ، وفي ضوء هذا التصور يجوز لنا أن نتكلم عن تاريخ أدب برؤية ومنهج متميز يعتق نفسه من الحركة الخارجية ، ويغوص في أمواج التاريخ الباطنية بجميع بنياته الفكرية والروحية والحضارية والثقافية ؛ومن ثم يصبح توثيق الأمواج الخارجية لتاريخ الشخصيات ليس مصيريا في قضية وجودها أو عدمها .
وهكذا أوصلنا هذا البحث من التأكد على أن دراسة أي أدب في أي أمة أمر في غاية الأهمية لما يتضمنه من قيم حضارية وفكرية ونفسية وجمالية، ولما يحمله من مبادئ الحق والعدل والخير، وبخاصة إذا كانت هذه الأمة تعيش صراع الوجود مع الآخر.
ونعتقد أن الأدب ما دام بهذه الأهمية، فهو الحصن الحقيقي لهوية الأمة وهو سلاحها في صراعها لاستمرار كيانها ، لهذا كان الاهتمام بدراسة الأدب المغربي القديم في مطلع هذا القرن في المدارس المغربية وجامعاتها يصب في هذا الاتجاه ،و يهدف أول ما يهدف إلى بعث ماضي هذه الأمة، وإلى التأكيد على تلك الخصوصية، وتلك المقومات المتشكلة من العقيدة، والتاريخ، واللغة، و ما يمت إليها بصلة من فكر قومي ووطني.
ولم يكن آنذاك الاستعمار في غفلة، فقد كان مدركا لطبيعة الصراع القائم بين استراتيجيته واستراتيجية الأمة المغربية في توجهاتها الفكرية نحو التحرر ونحو الدخول في نهضة حقيقية أصيلة تعمل في خطين متوازيين: إحداهما إحياء التراث الأدبي، وثانيهما تحرير العقول، وكلاهما للوصول إلى وعي يعمل على تحرير الأوطان.
وكان الاستعمار يدرك هذه الحتمية التاريخية، ويحاول تمديد وجوده باصطناع مبدأ الاحتواء، وقد استخدمه في ميدان الفكر والأدب، فكان يحاول الاضطلاع بمهمة بعث التراث الأدبي في أجواء الاستشراق لتوجيهه الوجهة التي لا تقلق وجوده.
وهكذا كانت المعركة الأدبية أشد من المعركة السياسية، لأن مصير الثانية مرتبط بالأولى، وبهذا التوجس خيفة من إحياء التراث المغربي الأدبي فإن المستعمر لم تغمض له عين في مراقبة الفكر والأدب، وملاحقة رجاله طوال وجوده فوق هذه الأراضي الطيبة.
ونأخذ كتاب عبد الله كنون: "النبوغ المغربي في الأدب العربي" الذي صدر في أوائل الثلاثينات من هذا القرن نموذجا لهذا الهلع الذي يصيب المستعمر ويفقده توازنه أمام أي حدث فكري أو أدبي أصيل .
وفي الحقيقة فإن هذا الكتاب على الرغم من اهتمامه بالأدب المغربي بمعنى المغرب الأقصى وحده، انطلاقا من إخضاع الأدب لنزعة وطنية ضيقة، وهذا ما نفهمه من مقدمة كتابه حيث يقول: « إني رأيت منذ نشأتي الأدبية إهمال هذا الجزء من بلاد العروبة في كتب الأدب وكتب تاريخ الأدب حتى لقد تذكر تونس، والجزائر، والحري القيروان، وتلمسان فضلا عن قرطبة وإشببيلية، ولاتذكر فاس و مراكش بحال من الأحوال » ).
وإذا كان هذا الكتاب بسيطا في منهجه محدودا في مادته، فإن الاستعمار الفرنسي آنذاك لم ينظر إليه على أنه كتاب يملأ الفراغ في هذا الاختصاص ويلبي حاجة الطلبة إلى هذا القسم من الأدب العربي في مستوياتهم الدراسية المختلفة، وإنما ينظر إليه على أنه حدثا في غاية الخطورة من حيث مستقبل وجوده في هذه الديار الإسلامية، فأصدر على الفور بلاغا عسكريا يقضي بمنع هذا الكتاب الصادر في تطوان من الدخول إلى المنطقة الفرنسية بالمغرب الأقصى.
ويعلق صاحب الكتاب على هذا القرار، ويعده دلالة على "كون الكتاب عملا وطنيا فوق كونه عملا أدبيا، ولذلك استحق أن يحظى من الاستعمار الفرسي الغاشم بهذا الجزاء الظالم.."( ).
وبهذا التوجه نفسه نحو تعميق الثقافة الوطنية ضد المستعمر آنذاك فإن هذا العمل لم يتخلص من القابلية لهاجس تكريس الأيديولوجية الوطنية الضيقة، ومن المنظور نفسه صدر كتاب آخر إبان الحرب العالمية الأولى للأديب والباحث التونسي حسن حسني عبد الوهاب بعنوان: "المنتخب المدرسي من الأدب التونسي"، وهو عبارة عن مجموعة أدبية منتخبة من نظم ونثر البلغاء التونسيين مرتبة حسب أدوار الأدب مع مميزات كل عصر"( )، ثم أعيد طبعه في وقت لاحق بعنوان: "المجمل في تاريخ الأدب التونسي".
وكان الدافع من تأليف هذا الكتاب هو الشعور "...بالفراغ الكبير الذي ألم بالأدب التونسي، ولم يزل به حتى تنوسي عهده، وانقطع رفده، وذبل رنده، وخبا زنده، واغمد فرنده، وقد كان رياضا ناضرة، وزهورا عاطرة، وظلالا وارفة، وأمثالا سائرة، وآيات ساحرة، ونجوما زاهرة"( ).
وإذا كان الدارس الأول حاول استعراض حالة هذا الأدب، وملامحه، ورجاله وخصائصه العامة، وفنونه منذ قيام الدولة الإدريسية في المغرب الأقصى إلى عصر الدولة العلوية في القرن الثالث عشر الهجري، فإن الدارس الثاني حاول تتبع نشوء الأدب المغربي في هذه الديار منذ الطلائع الأولى للفاتحين العرب.
وقد انتقلت دراسة الأدب المغربي في العقود الأخيرة من مرحلة القفص الذهبي التراثي، ونزعة التمجيد الوطني التي كانت له مسوغاته في فترة الاستعمار إلى مرحلة دراسة الأدب المغربي بلم شتاته من الكيانات السياسية الطائفية، ومن هذه الأبحاث: دراسات وصور من تاريخ الحياة الأدبية في المغرب لمحمد طه الحاجري، وهذا الدارس حاول إنشاء مركز بحوث للدراسات المغربية في ليبيا وفي جامعة الإسكندرية، ولكن مشروعه لم يجد له سندا من هيئات البحث في الوطن العربي، ومن الباحثين أنفسهم.
كما إن دراسات عباس الجراري عن الأدب المغربي قد خطت به خطوات نحو بروزه في الحياة الأدبية على المستوى العربي ، لكن ما يؤخذ عليه ـ وهو الباحث المالك للأدوات العلمية ـ أنه بقدر ما حاول تجاوز الحدود الوطنية الضيقة في قراءته للأدب المغربي القديم، فإن نزعة التقوقع في دراسة الأدب المغربي، وجعله شعارا من شعارات التمجيد بكل ماهو محلي مازالت تطبع أبحاثه الخاصة بإبراز أدبية المغاربة في المشهد الأدبي على المستوى العربي والعالمي وعلى أية حال فإن إحياء التراث المغربي وتحقيق نصوصه، وإبراز شخصياته قد أثرى الحياة الأدبية المغربية، وأضاف الحلقة المفقودة من الأدب العربي فاكتمل ،وأصبح لا يتفاعل في تواصله نحو العالمية إلا بجناحيه المشرقي والمغربي.
ولا يخفى أن تحقيق سير الشخصيات وأعمالها مرحلة ضرورية لبناء تاريخ أدب أية أمة. وهذا التأريخ هو بطاقة هويتها، وهو سلاحها في معركتها لتقليص عمر الانهزام الفكري والثقافي أمام المستعمر ، والمغاربة لم يعدموا الإحساس بهذه الأهمية في العصر الحديث فبدأوا تحقيق هذا التراث منذ بداية القرن الحالي بأعمال ابن شنب، وحسن حسني عبد الوهاب، وعبد الوهاب بن منصور.
وفي الوقت الحالي ظهرت مراكز حقيقية لإحياء التراث المغربي في الجامعات المغربية والتونسية، و الجزائرية بعد أن كانت في السابق تعتمد على الجهود الفردية .
وقد حاولنا في دراستنا هذه إضافة اجتهاد إلى جانب الاجتهادات السابقة في إبراز المظاهر المعنوية و الفنية الأسلوبية من حيث التشاكل الصوتي،والتركيبي والدلالي الدائر في فلك القيمة الحضارية لهذه النصوص ،وبهذا التصور المنهجي الوظيفي أمكن لهذا البحث أن يكتسب قيمتين أساسيتين في نظرنا:
1 - القيمة التاريخية الحضارية.
2 - القيمة الفنية الأسلوبية.
وأحاول أن أقدم النص المغربي النثري محملا بثراء محتواه الحضاري ومستجمعا للأدبية العربية في نثره المقالي الوصفي الجدالي الاقناعي، والسردي، ، كما أن الدراسة التطورية للنص المغربي تفرض علينا البداية من مرحلة ماقبل الفتح العربي ثم المراحل التي أتت بعده، كما أن الدراسة التزامية تقتضي البداية من المتن الأدبي المغربي بجميع بنياته الفنية والثقافية والفكرية الكبرى ،ولن يتأتى هذا إلا بالجمع بين بداية الأدب المحلي قبل الإسلام الشفوي منه والمكتوب في لمحة تاريخية قصيرة جدا، ثم الأدب المغربي العربي بعد الفتح الإسلامي، فهذا الثراء الثقافي والتنوع اللساني يجعل الإلمام بكل تفاصيل هذا الأدب وتنوعه وفنونه أمرا في غاية الصعوبة إن لم يكن من قبيل الاستحالة.
لهذا حاولنا الاختصار الشديد لمرحلة الأدب العربي المغربي بعد الفتح الإسلامي، و حاولنا تلمس بعض ملامح هذا الأدب في القرون الأربعة بعد الفتح الإسلامي، ثم نتعمق أكثر في إبراز أشكال النثر وخصائصه الأسلوبية الفنية .
والتشكيك في الوجود التاريخي لهذه الشخصيات ليس هو الإشكالية المهمة التي تعوق الباحث في اصطناع فرضيات توثيقية علمية ضرورية لانطلاق البحث حتى وإن تحامل على التاريخ المجهول ،ولكن أمامه إشكاليات أخرى تخص فرضية الوجود أيضا ،ومن رؤية محاولة تطبيق المنهجية الإقليمية ، ويعني ذلك استهداف الدراسة تمييز ما هو مغربي عن غيره ، واصطناع المكان والركون إليه منهجيا له ما له من تحامل أيضا على الأدب اللاهج بلسان واحد ،والذي لا يمكن تصور الحدود بينه ـ مفصلة بحسب الحدود الإقليمية السياسية ـ إلا من قبيل تصور التقاء مياه بحرين ،وكذلك الأشخاص لا يمكن الحكم على سجنهم الأبدي في مكان واحد سجنا وهميا لا أسوار له ولا جدران ولا أقفال .
ومادمنا قد قبلنا لهذا البحث أن يكون منهجه إقليميا فلا مناص من الاعتداد بالنصوص ومكان إبداعها ومضمونها ، ونتجاوز قليلا مكان ميلاد الشخصيات الأدبية أو مكان ترحالها واغترابها ووفاتها ،وعلى هذا الأساس فلا نهتم بتوثيق مغربية الشخصيات بقدر الاهتمام بمغربية النصوص ، وبهذا الصنيع ستكون الدراسة أرحب أفقا ،وتتسع لكل النصوص التي قالها المسلمون الفاتحون الأوائل التي تركوها أمانة في صدور الناس بعد أن ألجتهم الضرورة إلى العودة إلى موطنهم الأول، أو شدهم نشر الإسلام في بقاع الدنيا فلم يستقر لهم قرار .
وبهذا الفهم لمغربية النص الأدبي العربي تكون فرضية بدايات الأدب العربي في المغرب صحيحة إذا جعلناها متزامنة مع الطلائع الأولى لهؤلاء الفاتحين ، ونعدها فترة رحلة الأدب العربي إلى المغرب،و هذا بالنسبة للعرب الفاتحين ،وأما السكان المحليون ،فإن هذه الفترة تعد بالنسبة لهم مرحلة التلمذة .
والتأسيس الثاني للأدب لن يتحقق إقليميا و تاريخيا وواقعيا إلا بتأسيس مدينة القـــيروان سنة 50هـ ،وتأسيس أول مدينة إسلامية في المغرب ،وما كانت تتمتع به من قداسة ،إذ هي في نظر البعض المدينة الإسلامية الرابعة المقدسة بعد مكة والمدينة وبيت المقدس ،ومن هذه المنزلة المنوطة بها لن تكون مجرد فضاء مشيد حصين يحتمي به الناس ،ولكنها ستكون ذات رسالة حضارية شاملة ،ولايختلف اثنان في الارتباط على الأقل بين وجود المسجد والخطابة المسجدية الدعوية ،أو القصص الديني الذي شاع عند أهل الصفة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم .
لكننا إذا لم نتغاضى عن العناصر الأخرى المكونة للإبداع والمحددة لهوية النصوص بصفة إجرائية فإننا نستطيع آنذاك أن نتبين ثلاث درجات لمغربية النصوص : نصوص تامة المغربية إن كان أصحابها قد ولدوا وعاشوا ونبغوا وماتوا في المغرب ،ونصوص قريبة من التامة إن كان ينقصها عامل من العوامل السابقة ،ونصوص ناقصة في مغربيتها إن كان ينقصها أكثر من ذلك .
وقد استطعنا أن نجمع من تلك النصوص أشكالا قديمة تدخل في أدب الواجهة الرسمية ،كالخطابة ،والوصايا ،والمناظرات ،والمساجلات،والأدعية ،والرسائل الدعوية ، والسياسية ، والعلمية ،والأشكال السردية بقوالبها القديمة المعروفة ،كالحكايات القصيرة ،والسير، والتراجم ،والكتابات التاريخية الكرونولوجية ...الخ .
، كما درسنا "قضية تفاعل النصوص" من حيث محاور التفاعل التأويلي ،والتفاعل الأمامي الثنائي المتضافر المكثف ،والتفاعل الأمامي المتعدد المتضافر الخفيف ،وتفاعل التضاد ، والتفاعل الخلفي ،وتفاعل لإلغاء أو النسخ ، وكل ذلك يتم ضمن مفاهيم "الشكل النثري الخطابي الجدالي العقلي"،و"الشكل النثري المشهدي السردي"،و"الشكل النثري التعبيري الوجداني"
ومن نتائج هذا البحث أننا حاولنا تبني استراتيجية ذات أ بعاد منها:
1 ـ لقد حاولنا في كل هذه الجولات الفكرية والجمالية الإلمام بالروح العامة التي أبدعت فيها هذه النصوص ،كما حاولنا في الوقت نفسه الإجابة عن بعض الأسئلة ،وفي كل هذه المحطات الكبرى للعبقرية المغربية حاولنا تجاوز بعض الرؤىوالأحكام التي قيلت عن التراث المغربي القديم سواء ما يعود إلىمصادره أم أصوله أم مستوياته أم أنماط أساليبه ،وأنواع خطاباته .
2 ـ كما حاولنا الرد العلمي المنهجي المرجعي على من شكك في هذا التراث أو تحامل عليه في ما يدعو إليه أو ما يؤمن به أصحابه ،ويسلمون به سواء في خلفياتهم الفكرية والإيمانية أم في أذواقهم الجمالية ؛ وربما أول من يستحق الرد عليه أولئك المستشرقين الذين يقرؤون التراث المغربي من خلال المركزية الأروبية ،أو أولئك العرب الذين تبنوا مواقف فكرية خاطئة حاولوا من خلالها تبني قراءات دوغماتية جامدة تغلق أفق الإبداع ،أو أولئك الذين كسروا كل الحدود الفكرية والتاريخية والمنهجية ،وتنصلوا من مرجعياتها ، فأولوا الخطاب المغربي تأويلا لا قيمة علمية له غير التبشير والترويج لأفكار غيرهم يوهمون بها غيرهم بالتحرر والمثاقفة ،وكانت النتائج كارثية فلا هم خدموا التراث ولا هم أ عتقوا أنفسهم من العبودية الفكرية لغيرهم .
3 ـ تجاوز تلك المقاربات التي حاولت التركيز في تأصيلها لهذا التراث لجعله يتنفس في أجواء وثنية الفرس أو اليونان أو اللاتين .
4 ـ إعادة الاندماج بين الحلقة الكبرى والصغرى لهذا التراث ،وفهم هذه الأخيرة على أنها تمثل فضاء الشحن الفكري والروحي والفني من الأولى التي تمثل بدورها أصل الأصول ،وفي ضوء هذا الفهم يمكن تفسير كثير من حقائق التأصيل والتفسير .
5 ـ ومن نتائج هذا البحث محاولة تجاوزنا لكثرة النظريات التي ترتكز على المفاهيم من جانبها المجرد، وحاولنا الاقتراب من جعلها أدوات عملية في تحليلنا لأنماط النصوص السردية والمقالية الجدالية والوصفية والاقناعية، وربطنا كل ذلك بقيم الجماعة وأيديولوجيتها، وموقع السلطة منها، كما حاولنا الاقتراب منها من جهة كونها مجالا لتناص الأنظمة السميائية الأخرى اللسانية، وغير اللسانية ويعني ذلك الجمع بين العلامة الصافية والممزوجة (نصوص كنائية مع نصوص كنائية، ونصوص كنائية مع نصوص إستعارية، ونصوص لسانية أيقونية، ونصوص لسانية أيمائية تمثيلية)
6 ـ لقد حولنا الوصول إلى تأصيل القراءة وتفاعلها النصي القومي والإنساني ،فكان التفاعل المركزي و الثانوي والتأويلي والمباشر والناسخ والمنسوخ، والتفاعل في الموقف الإبداعي الواحد، وفي المواقف الإبداعية المختلفة، والتفاعل داخل نسق واحد، وداخل انساق متعددة ، والتفاعل مع وحدات سمائية صغرى، والتفاعل مع وحدات سميائية كبرى، والتفاعل ضمن المستويات العمودية الصوتية والتركيبية والدلالية ،والتفاعل في محور عنقودي سميائي واحد أو محاور عنقودية متعددة متضافرة أو متضادة ،وتفاعل الناسخ والمنسوخ ضمن إطار أعمال مبدع واحد، أو مبدعين متعددين ، وعلى أية حال فإن الحيوية المستقطبة لدلالات مختلفة تعود إلى ثراء النص المغربي النثري في أنماطه ،وأشكاله ،وأنساقة ،ونظم، وسائطه السيميائية.
7 ـ كما توصلتا إلى أن النص النثري هو التاريخ الحقيقي للإنسان المغربي في ممارسة شؤون حياته ومعتقداته، وبمعنى آخر فهو بكل مكوناته يعكس تميز حسه الحضاري إزاء الأحاسيس الأخرى، ولكن هذا التميز لم يمنع من التفاعل مع الحضارات الأخرى، وأنساقها الثقافية بوعي يؤصل ما هو غير أصيل.
8 ـ ومن نتائج هذا البحث الأساسية جمع التراث النثري المغربي وتوثيقه وترتيبه ترتيبا تطوريا بحسب الأصول والاتجاهات والمناهج ،لفتح باب البحث أمامه بشكل يخدمه أكثر ،وينأى عنه من التفسيرات العقيمة والأحادية ،وبخاصة من جهة الدراسات الأكاديمية
9 ـ تفسير الروح العامة للعبقرية المغربية والوقوف على أسس تفكيرها والمنابع الأصلية لكل أشكال خطاباتها النثرية.
10 ـ ومن نتائج هذا البحث أيضا محاولته إزالة التناقض في فهم الأصول وصياغة قوانين تناسب القراءة التأويلية من داخل التراث وخارجه ، ومن ثم تصل إلى عمق النصوص ،وتتحرك داخلها لوصف ديناميكيتها في التحول من فعل الكتابة إلى فعل القراءة ومن فهم الواقع إلى تجاوزه.
11 ـ ومن نتائج هذا لبحث الجوهرية ،والتي تحاول توسيع بنيات النصوص لتنفتح على بنيات حركية المجمع في أسسه الحضارية ،ومن ثم الإصرار على تجاوز مفهوم الهوية المغربية من كونها شعارا من الخارج وفي الخارج إلى كونها خطابا أدبيا يستقطب حركة الفكر والروح، وهي تتشكل من عمق التاريخ والواقع.
12ـ تأطير خمسة طلبة في مذكرة تخرج في أشكال النثر المغربي وموضوعاته وخصائصه الفنية
13ـ المشاركة بمداخلة (التحليل السيميائي للحكايات القصيرة في النثر المغربي) في الملتقى الوطني بجامعة تلمسان في 7،8، /11/2001
ولاتساع هذا البحث وأهميته ، والمنهج الذي اتبعه في قراءته للنصوص التي تتجاوز تلك الأشكال المعروفة والمحددة بقوالبها المعهودة إلى رؤية تستقطب تلك النصوص التي يكن أن نطلق عليها النصوص التابعة في تكونها ووجودها أو الطفيلية ، وهذه النصوص لا تقل في حمولتها الدلالية و ثرائها الفني عن نصوص الواجهة الرسمية ،وهذه الإحاطة تطلبت منا جهدا وصبرا ووقتا ،و قد حاولنا الاتصاف بهذه الصفات فساعدتنا على إنجاز كل ما يتعلق بالمراحل الأولى حتى مرحلة التحرير النهائي لبعض الأجزاء لأنها تقتضي توفر الظروف المادية المدعمة لهذا الإنجاز الأخير في وقتها، وهذا ما توفر في هذا العام فاستكمل البحث وأخرج في صورته الكاملة الشاملة ،والتي تفتح آفاقا للبحوث الأكاديمية في الدراسات المغاربية ،وفي الحقيقة فإن تتبع كل التجارب الإبداعية النثرية المغربية تستدعي مواصلة البحث في أشكاله وعصوره المختلفة المغربية للباحثين، والمفعمة بتجارب إبداعية جادة ،ومن خلال القناعة العلمية التي تكونت عندنا أثناء إنجاز هذا لبحث وعلى أساسها قدمنا مشروعا مكملا للمشروع الأول للعامين 2005 -2006.
14– تأطير طالبين في الدكتوراه في الأدب المغربي القديم
15– تأطير طالبين في الماجستير في الأدب المغربي القديم
16ـ تأطير خمسة طلبة من الليسانس في مذكرة تخرج في أشكال النثر المغربي وموضوعاته وخصائصه الفنية
17ـ المشاركة بمداخلة (التحليل السيميائي للحكايات القصيرة في النثر المغربي) في الملتقى الوطني بجامعة تلمسان في 7،8، /11/2005
18- إعداد مداخلة عن حاضرة تيهرت ودورها الثقافي والفكري 8/9 أفريل 2005
وهكذا نكون قد أممنا البحث وحققنا جميع أهدافه المرسومة سواء بالبحث المنجز أم بالاستفادة منه في التأطير في الليسانس والماجستير والدكتوراه أم الأبحاث الموازية له والمقدمة للمجلات والملتقيات.





















التأشيرات




إمضاء رئيس المشروع تأشيرة رئيس المجلس العلمي للكلية










تأشيرة المخبر الملحق به :


فرقة البحـــث :
اللقـب الاســم الرتبـــــة الإمضاءات

حجيج معمر أستاذ محاضــر
قريري سليمان أستاذ مكلف بالدروس
ضيف عبد السلام أستاذ محاضر
عمراني عبد المجيد أستاذ التعليم العالي
ربوح عمر أستاذ مكلف بالدروس


توصيات ورأي الخــبراء :................................................. ................
.................................................. ...........................................
.................................................. ...........................................
.................................................. ...........................................
.................................................. ..........................................
.................................................. ..........................................
.................................................. ..........................................















إمضاء رئيس الجامعة













المقــدمة




























نقدم هذا البحث إلى الباحثين للاستفادة منه ،و إتمام ما يرونه نقصا فيه ،ويضم التمهيد وتحديد الإطار المكاني والزماني للبحث ، ثم بقية الفصول المتكونة من الفصل الأول الخاص بدراسة فن الإخبار السندي أو مقام الحال ،و الفصل الثاني الذي درسنا فيه فن الإخبار المشهدي(الرحلات –وصف الأمكنة) ،والفصل الثالث الذي بحثنا فيه فن الإخبار الاستذكاري (وصف الأحداث التاريخية)
ثم بقية الفصول التي درسنا فيها فن السرد العجائبي ، وتتفرع إلى ا لحكايات العجائبية (الكرامات) و الحكايات العجائبية (الخرافات)،و الحكايات العجائبية (الأبطال والأحداث )، وفن السرد التعليمي ، ويتفرع إلى الأمثال والحكم ،و السرد القناعي (على ألسنة الحيوانات والكائنات) ،و سرد المناسبات المأساوية والسعيدة ، ثم الخاتمة والفهارس المختلفة .
وهكذا نكون قد قدمنا البحث بجميع جوانبه الفنية ،ومن ثم فإننا وفينا بما ألزمنا به أنفسنا خلال المدة المخصصة للمشروع ،ونذكر بأننا قمنا في العام الأول والثاني بجمع المصادر والمراجع وتفحصها وتوثيق المادة الخاصة بالبحث فيها ،وبأصحابها ، وتبويبها بحسب الأشكال والقوالب الفنية ،ثم بحسب موضوعاتها ، ثم الوصول إلى تكوين مدونة لأشكال النثر المغربي بموضوعاتها وخصائصها الشكلية البنائية، وقد اعترضتنا صعوبات في إنجاز هذا البحث منها: تشتت مادته و تفرق مصادره في أمم الدنيا الأمر يجعل مسألة الإحاطة به نسبية ،وقد أخذ منا جمع المدونة معظم جهدنا ووقتنا و بعد أن أتممنا جمع المصادر والمراجع قمنا بتفحصها وتوثيق المادة الخاصة بالبحث فيها ،وبأصحابها ، وتبويبها بحسب الأشكال والقوالب الفنية ،ثم بحسب موضوعاتها ، ثم الوصول إلى تكوين مدونة لأشكال النثر المغربي بموضوعاتها وخصائصها الشكلية البنائية، وقد اعترضتنا إشكاليات تخص بناء مدونة حقيقية للنثر تعكس الملامح العامة لتاريخ الأدب المغربي منذ الفتوحات الإسلامية إلى القرن الرابع الهجري، وهذا البناء التاريخي لن يتم إلا إذا وثقنا وحدات بنائه توثيقا تاريخيا ،وهذه الوحدات لن تكون إلا شخصياته وأعماله،وإشكال التحقق التاريخي من هذه الشخصيات ،ومن أعمالها بتأطير حياتها إقليميا وزمنيا يعد من الإشكالات العامة التي لا تخص الأدب المغربي ،وإن كانت تبدو أكثر صعوبة وتعقيدا في هذا الأدب لزهد المغاربة في التأريخ لحياتهم ،وحتى وإن أرخوا فإن الزمان ونكباته لم يرحم تراثهم ،فضاع أغلبه ،ولم يصلنا منه إلا النزر اليسير ،وحتى هذا اليسير فقد وصلنا ناقصا .
والتشكيك في هذه الشخصيات ،وفي أعمالها الأدبية هي السمة الغالبة في تراثنا ،ونشير على سبيل المثال إلى شخصية طارق بن زياد وخطبته ،وشخصية سابق البربري وأشعاره ،ومجهوده العلمي في الحديث النبوي ..الخ ،و لم تسلم الكتب والأعمال الأدبية أيضا من هذا التشكيك والتشويه .
وقد حاولنا تجاوز هذا التشكيك على اعتبار أن المهم هي الأعمال الأدبية ،وما تقدمه من أفكار وفن ،ووجود أصحابها سينظر إليه على أنه وجود غير عادي ،وتاريخ الأدب لا يهمه من حياة الشخصيات تلك المحاور التي يشترك فيها مع الناس ،وتثبتها الدوائر الرسمية ،لكن يهمه منها أكثر تلك الجوانب المتميزة في حياتها ،والتي جعلت منهم أدباء ،وهذه الأبعاد الفكرية والأدبية الحقيقية في حياتهم لا تنفصل عن أعمالهم بل هي التاريخ الحقيقي لهم ولأمتهم ، وفي ضوء هذا التصور يجوز لنا أن نتكلم عن تاريخ أدب برؤية ومنهج متميز يعتق نفسه من الحركة الخارجية ، ويغوص في أمواج التاريخ الباطنية بجميع بنياته الفكرية والروحية والحضارية والثقافية ؛ومن ثم يصبح توثيق الأمواج الخارجية لتاريخ الشخصيات ليس مصيريا في قضية وجودها أو عدمها .
وهكذا أوصلنا هذا البحث من التأكد على أن دراسة أي أدب في أي أمة أمر في غاية الأهمية لما يتضمنه من قيم حضارية وفكرية ونفسية وجمالية، ولما يحمله من مبادئ الحق والعدل والخير، وبخاصة إذا كانت هذه الأمة تعيش صراع الوجود مع الآخر.
ونعتقد أن الأدب ما دام بهذه الأهمية، فهو الحصن الحقيقي لهوية الأمة وهو سلاحها في صراعها لاستمرار كيانها ، لهذا كان الاهتمام بدراسة الأدب المغربي القديم في مطلع هذا القرن في المدارس المغربية وجامعاتها يصب في هذا الاتجاه ،و يهدف أول ما يهدف إلى بعث ماضي هذه الأمة، وإلى التأكيد على تلك الخصوصية، وتلك المقومات المتشكلة من العقيدة، والتاريخ، واللغة، و ما يمت إليها بصلة من فكر قومي ووطني.
ولم يكن آنذاك الاستعمار في غفلة، فقد كان مدركا لطبيعة الصراع القائم بين استراتيجيته واستراتيجية الأمة المغربية في توجهاتها الفكرية نحو التحرر ونحو الدخول في نهضة حقيقية أصيلة تعمل في خطين متوازيين: إحداهما إحياء التراث الأدبي، وثانيهما تحرير العقول، وكلاهما للوصول إلى وعي يعمل على تحرير الأوطان.
وكان الاستعمار يدرك هذه الحتمية التاريخية، ويحاول تمديد وجوده باصطناع مبدأ الاحتواء، وقد استخدمه في ميدان الفكر والأدب، فكان يحاول الاضطلاع بمهمة بعث التراث الأدبي في أجواء الاستشراق لتوجيهه الوجهة التي لا تقلق وجوده.
وهكذا كانت المعركة الأدبية أشد من المعركة السياسية، لأن مصير الثانية مرتبط بالأولى، وبهذا التوجس خيفة من إحياء التراث المغربي الأدبي فإن المستعمر لم تغمض له عين في مراقبة الفكر والأدب، وملاحقة رجاله طوال وجوده فوق هذه الأراضي الطيبة.
ونأخذ كتاب عبد الله كنون: "النبوغ المغربي في الأدب العربي" الذي صدر في أوائل الثلاثينات من هذا القرن نموذجا لهذا الهلع الذي يصيب المستعمر ويفقده توازنه أمام أي حدث فكري أو أدبي أصيل .
وفي الحقيقة فإن هذا الكتاب على الرغم من اهتمامه بالأدب المغربي بمعنى المغرب الأقصى وحده، انطلاقا من إخضاع الأدب لنزعة وطنية ضيقة، وهذا ما نفهمه من مقدمة كتابه حيث يقول: « إني رأيت منذ نشأتي الأدبية إهمال هذا الجزء من بلاد العروبة في كتب الأدب وكتب تاريخ الأدب حتى لقد تذكر تونس، والجزائر، والحري القيروان، وتلمسان فضلا عن قرطبة وإشببيلية، ولاتذكر فاس و مراكش بحال من الأحوال » ).
وإذا كان هذا الكتاب بسيطا في منهجه محدودا في مادته، فإن الاستعمار الفرنسي آنذاك لم ينظر إليه على أنه كتاب يملأ الفراغ في هذا الاختصاص ويلبي حاجة الطلبة إلى هذا القسم من الأدب العربي في مستوياتهم الدراسية المختلفة، وإنما ينظر إليه على أنه حدثا في غاية الخطورة من حيث مستقبل وجوده في هذه الديار الإسلامية، فأصدر على الفور بلاغا عسكريا يقضي بمنع هذا الكتاب الصادر في تطوان من الدخول إلى المنطقة الفرنسية بالمغرب الأقصى.
ويعلق صاحب الكتاب على هذا القرار، ويعده دلالة على "كون الكتاب عملا وطنيا فوق كونه عملا أدبيا، ولذلك استحق أن يحظى من الاستعمار الفرسي الغاشم بهذا الجزاء الظالم.."( ).
وبهذا التوجه نفسه نحو تعميق الثقافة الوطنية ضد المستعمر آنذاك فإن هذا العمل لم يتخلص من القابلية لهاجس تكريس الأيديولوجية الوطنية الضيقة، ومن المنظور نفسه صدر كتاب آخر إبان الحرب العالمية الأولى للأديب والباحث التونسي حسن حسني عبد الوهاب بعنوان: "المنتخب المدرسي من الأدب التونسي"، وهو عبارة عن مجموعة أدبية منتخبة من نظم ونثر البلغاء التونسيين مرتبة حسب أدوار الأدب مع مميزات كل عصر"( )، ثم أعيد طبعه في وقت لاحق بعنوان: "المجمل في تاريخ الأدب التونسي".
وكان الدافع من تأليف هذا الكتاب هو الشعور "...بالفراغ الكبير الذي ألم بالأدب التونسي، ولم يزل به حتى تنوسي عهده، وانقطع رفده، وذبل رنده، وخبا زنده، واغمد فرنده، وقد كان رياضا ناضرة، وزهورا عاطرة، وظلالا وارفة، وأمثالا سائرة، وآيات ساحرة، ونجوما زاهرة"( ).
وإذا كان الدارس الأول حاول استعراض حالة هذا الأدب، وملامحه، ورجاله وخصائصه العامة، وفنونه منذ قيام الدولة الإدريسية في المغرب الأقصى إلى عصر الدولة العلوية في القرن الثالث عشر الهجري، فإن الدارس الثاني حاول تتبع نشوء الأدب المغربي في هذه الديار منذ الطلائع الأولى للفاتحين العرب.
وقد انتقلت دراسة الأدب المغربي في العقود الأخيرة من مرحلة القفص الذهبي التراثي، ونزعة التمجيد الوطني التي كانت له مسوغاته في فترة الاستعمار إلى مرحلة دراسة الأدب المغربي بلم شتاته من الكيانات السياسية الطائفية، ومن هذه الأبحاث: دراسات وصور من تاريخ الحياة الأدبية في المغرب لمحمد طه الحاجري، وهذا الدارس حاول إنشاء مركز بحوث للدراسات المغربية في ليبيا وفي جامعة الإسكندرية، ولكن مشروعه لم يجد له سندا من هيئات البحث في الوطن العربي، ومن الباحثين أنفسهم.
كما إن دراسات عباس الجراري عن الأدب المغربي قد خطت به خطوات نحو بروزه في الحياة الأدبية على المستوى العربي ، لكن ما يؤخذ عليه ـ وهو الباحث المالك للأدوات العلمية ـ أنه بقدر ما حاول تجاوز الحدود الوطنية الضيقة في قراءته للأدب المغربي القديم، فإن نزعة التقوقع في دراسة الأدب المغربي، وجعله شعارا من شعارات التمجيد بكل ماهو محلي مازالت تطبع أبحاثه الخاصة بإبراز أدبية المغاربة في المشهد الأدبي على المستوى العربي والعالمي وعلى أية حال فإن إحياء التراث المغربي وتحقيق نصوصه، وإبراز شخصياته قد أثرى الحياة الأدبية المغربية، وأضاف الحلقة المفقودة من الأدب العربي فاكتمل ،وأصبح لا يتفاعل في تواصله نحو العالمية إلا بجناحيه المشرقي والمغربي.
ولا يخفى أن تحقيق سير الشخصيات وأعمالها مرحلة ضرورية لبناء تاريخ أدب أية أمة. وهذا التأريخ هو بطاقة هويتها، وهو سلاحها في معركتها لتقليص عمر الانهزام الفكري والثقافي أمام المستعمر ، والمغاربة لم يعدموا الإحساس بهذه الأهمية في العصر الحديث فبدأوا تحقيق هذا التراث منذ بداية القرن الحالي بأعمال ابن شنب، وحسن حسني عبد الوهاب، وعبد الوهاب بن منصور.
وفي الوقت الحالي ظهرت مراكز حقيقية لإحياء التراث المغربي في الجامعات المغربية والتونسية، و الجزائرية بعد أن كانت في السابق تعتمد على الجهود الفردية .
وقد حاولنا في دراستنا هذه إضافة اجتهاد إلى جانب الاجتهادات السابقة في إبراز المظاهر المعنوية و الفنية الأسلوبية من حيث التشاكل الصوتي،والتركيبي والدلالي الدائر في فلك القيمة الحضارية لهذه النصوص ،وبهذا التصور المنهجي الوظيفي أمكن لهذا البحث أن يكتسب قيمتين أساسيتين في نظرنا:
1 - القيمة التاريخية الحضارية.
2 - القيمة الفنية الأسلوبية.
وأحاول أن أقدم النص المغربي النثري محملا بثراء محتواه الحضاري ومستجمعا للأدبية العربية في نثره المقالي الوصفي الجدالي الاقناعي، والسردي، ، كما أن الدراسة التطورية للنص المغربي تفرض علينا البداية من مرحلة ماقبل الفتح العربي ثم المراحل التي أتت بعده، كما أن الدراسة التزامية تقتضي البداية من المتن الأدبي المغربي بجميع بنياته الفنية والثقافية والفكرية الكبرى ،ولن يتأتى هذا إلا بالجمع بين بداية الأدب المحلي قبل الإسلام الشفوي منه والمكتوب في لمحة تاريخية قصيرة جدا، ثم الأدب المغربي العربي بعد الفتح الإسلامي، فهذا الثراء الثقافي والتنوع اللساني يجعل الإلمام بكل تفاصيل هذا الأدب وتنوعه وفنونه أمرا في غاية الصعوبة إن لم يكن من قبيل الاستحالة.
لهذا حاولنا الاختصار الشديد لمرحلة الأدب العربي المغربي بعد الفتح الإسلامي، و حاولنا تلمس بعض ملامح هذا الأدب في القرون الأربعة بعد الفتح الإسلامي، ثم نتعمق أكثر في إبراز أشكال النثر وخصائصه الأسلوبية الفنية .
والتشكيك في الوجود التاريخي لهذه الشخصيات ليس هو الإشكالية المهمة التي تعوق الباحث في اصطناع فرضيات توثيقية علمية ضرورية لانطلاق البحث حتى وإن تحامل على التاريخ المجهول ،ولكن أمامه إشكاليات أخرى تخص فرضية الوجود أيضا ،ومن رؤية محاولة تطبيق المنهجية الإقليمية ، ويعني ذلك استهداف الدراسة تمييز ما هو مغربي عن غيره ، واصطناع المكان والركون إليه منهجيا له ما له من تحامل أيضا على الأدب اللاهج بلسان واحد ،والذي لا يمكن تصور الحدود بينه ـ مفصلة بحسب الحدود الإقليمية السياسية ـ إلا من قبيل تصور التقاء مياه بحرين ،وكذلك الأشخاص لا يمكن الحكم على سجنهم الأبدي في مكان واحد سجنا وهميا لا أسوار له ولا جدران ولا أقفال .
ومادمنا قد قبلنا لهذا البحث أن يكون منهجه إقليميا فلا مناص من الاعتداد بالنصوص ومكان إبداعها ومضمونها ، ونتجاوز قليلا مكان ميلاد الشخصيات الأدبية أو مكان ترحالها واغترابها ووفاتها ،وعلى هذا الأساس فلا نهتم بتوثيق مغربية الشخصيات بقدر الاهتمام بمغربية النصوص ، وبهذا الصنيع ستكون الدراسة أرحب أفقا ،وتتسع لكل النصوص التي قالها المسلمون الفاتحون الأوائل التي تركوها أمانة في صدور الناس بعد أن ألجتهم الضرورة إلى العودة إلى موطنهم الأول، أو شدهم نشر الإسلام في بقاع الدنيا فلم يستقر لهم قرار .
وبهذا الفهم لمغربية النص الأدبي العربي تكون فرضية بدايات الأدب العربي في المغرب صحيحة إذا جعلناها متزامنة مع الطلائع الأولى لهؤلاء الفاتحين ، ونعدها فترة رحلة الأدب العربي إلى المغرب،و هذا بالنسبة للعرب الفاتحين ،وأما السكان المحليون ،فإن هذه الفترة تعد بالنسبة لهم مرحلة التلمذة .
والتأسيس الثاني للأدب لن يتحقق إقليميا و تاريخيا وواقعيا إلا بتأسيس مدينة القـــيروان سنة 50هـ ،وتأسيس أول مدينة إسلامية في المغرب ،وما كانت تتمتع به من قداسة ،إذ هي في نظر البعض المدينة الإسلامية الرابعة المقدسة بعد مكة والمدينة وبيت المقدس ،ومن هذه المنزلة المنوطة بها لن تكون مجرد فضاء مشيد حصين يحتمي به الناس ،ولكنها ستكون ذات رسالة حضارية شاملة ،ولايختلف اثنان في الارتباط على الأقل بين وجود المسجد والخطابة المسجدية الدعوية ،أو القصص الديني الذي شاع عند أهل الصفة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم .
لكننا إذا لم نتغاضى عن العناصر الأخرى المكونة للإبداع والمحددة لهوية النصوص بصفة إجرائية فإننا نستطيع آنذاك أن نتبين ثلاث درجات لمغربية النصوص : نصوص تامة المغربية إن كان أصحابها قد ولدوا وعاشوا ونبغوا وماتوا في المغرب ،ونصوص قريبة من التامة إن كان ينقصها عامل من العوامل السابقة ،ونصوص ناقصة في مغربيتها إن كان ينقصها أكثر من ذلك .
وقد استطعنا أن نجمع من تلك النصوص أشكالا قديمة تدخل في أدب الواجهة الرسمية ،كالخطابة ،والوصايا ،والمناظرات ،والمساجلات،والأدعية ،والرسائل الدعوية ، والسياسية ، والعلمية ،والأشكال السردية بقوالبها القديمة المعروفة ،كالحكايات القصيرة ،والسير، والتراجم ،والكتابات التاريخية الكرونولوجية ...الخ .
، كما درسنا "قضية تفاعل النصوص" من حيث محاور التفاعل التأويلي ،والتفاعل الأمامي الثنائي المتضافر المكثف ،والتفاعل الأمامي المتعدد المتضافر الخفيف ،وتفاعل التضاد ، والتفاعل الخلفي ،وتفاعل لإلغاء أو النسخ ، وكل ذلك يتم ضمن مفاهيم "الشكل النثري الخطابي الجدالي العقلي"،و"الشكل النثري المشهدي السردي"،و"الشكل النثري التعبيري الوجداني"
ويتحدد منهج هذا البحث من خلال الغاية المرجوة منه، وطبيعة المادة المدروسة، لهذا اخترنا منهج التحليل السميائي الأنتروبولوجي، لأننا نحاول في الحفريات الثقافية المشكلة لإنساق النثر المغربي القديم ترميم هذه الثقافة، ومحاولة البحث عن أصولها الروحية والفكرية وشعائرها الطقسية ، ودلالة ذلك وأثره واضح في تأصيل الأنتروبولوجية التأسيسية للإنسان، وربما نصل إلى الكشف عن العلاقة بين هذا الإنسان وبين كائنات أخرى ذات نشاط احتفالي طقسي أيضا.
كما أن الاعتماد على منجزات السميائية يذهب بنا بعيدا لاكتشاف لانهائية وسائل التواصل الإنساني، و لا نهاية إمكانية الاختيار والمزج بين العلامات السميائية المختلفة لتشكيل أنماط لا حصر لها من الرسائل، وهذه الرسائل تتكامل لتكشف أكثر عما هو مجهول في هذا الكائن المفكر والناطق والفنان.
وبهذا يتضح أن منهجنا يجمع في أهدافه وأدواته بين التوثيق والتصنيف والحقائق السميائية والأنتروبولوجية ،ويجمع بين أشكال قديمة تدخل في أدب الواجهة الرسمي ،كتاريخ الملوك وأخبارهم والأشكال السردية بقوالبها القديمة المعروفة ،كالحكايات القصيرة ،والسير، والتراجم ،والكتابات التاريخية الكرونولوجية ...الخ .
وقدحاولنا الإلمام بـ "المفاهيم وتفاعل النصوص" ،و " إشكالية تحديد القوالب المفتوحة للنثرالمغربي"،من حيث المحاور المعرفية لمفاهيم : التراث ،والأشكال، والأنساق ،والبنـــيات ،
و "قضية تفاعل النصوص" من حيث محاور التفاعل التأويلي ،والتفاعل الأمامي الثنائي المتضافر المكثف ،والتفاعل الأمامي المتعدد المتضافر الخفيف ،وتفاعل التضاد ، والتفاعل الخلفي ،وتفاعل لإلغاء أو النسخ،وقضية « أصول المكونات الروحية في بنية التراث النثري المغربي» ،و تناصها مع دائرة القرآن الكبرى التي لا دائرة بعدها ،وقضية "الشكل النثري التعبيري الوجـــداني"
و "الشكل النثري المشهدي السردي"
هذه الجولات الفكرية والجمالية تحاول الإلمام بالروح العامة التي أبدعت فيها هذه النصوص ،كما تحاول في الوقت نفسه الإجابة عن بعض الأسئلة ،وفي كل هذه المحطات الكبرى للعبقرية المغربية تحاول الدراسة تجاوز بعض الرؤىوالأحكام التي قيلت عن التراث المغربي القديم سواء ما يخص منه مصادره أم أصوله أم مستوياته أم أنماط أساليبه ،وأنواع خطاباته .
كما تحاول الرد العلمي المنهجي المرجعي على من شكك في هذا التراث أو تحامل عليه في ما
يدعو إليه أو ما يؤمن به أصحابه ،ويسلمون به سواء في خلفياتهم الفكرية والإيمانية أم في أذواقهم الجمالية .
وربما أول من يستحق الرد عليه ألئك المستشرقين الذين يقرؤون التراث المغربي من خلال المركزية الأروبية ،أو ألئك العرب الذين تبنوا مواقف فكرية خاطئة حاولوا من خلالها تبني قراءات دوغماتية جامدة تغلق أفق الإبداع ،أو ألئك الذين كسروا كل الحدود الفكرية والتاريخية والمنهجية ،وتنصلوا من مرجعياتها ، فأولوا الخطاب المغربي تأويلا لا قيمة علمية له غير التبشير والترويج لإفكار غيرهم يوهمون بها غيرهم بالتحرروالمثاقفة ،وكانت النتائج كارثية فلا هم خدموا التراث ولا هم أ عتقوا أنفسهم من العبودية الفكرية لغيرهم .








التمــــهيد







أولاـ الأبعاد الفكرية والثقافية للأدب المغربي القديم حتى القرن السادس:
إن مفهوم البعد(Distance) الذي يعني لغويا ما هوضد القرب ؛ ويعني ما يفصل بين نقطتين في المكان ،ونادرا ما يدل على فاصل زمني بين لحظتين ،كما يعني امتدادا قائما في الجسم أو نفسه ثم القائلين بوجود الخلاء وأبعاضه المجلتب أساسا من الفكر الفلسفي والحقل الهندسي الذي يفترض للوجود أبعادا ثلاثة ، ثم أضيف البعد الزمني الرابع في نظرية أنشتاين النسبية ، ثم أدخل إلى العلوم النفسية والاجتماعية والأدبية فأصبح يعني :" ...درجة التفاهم الوجداني أو درجة التداخل أو الود التي يشعر بها طرفان كل إزاء الآخر ،وهذان الطرفان قد يكونان فردين أو جماعتين..."
و في تحديد نمطيه يمكن التمييز بين درجة الود التي تتم بين شخصين من طبقة اجتماعية واحدة ،ويطلق عليه اسم البعد الاجتماعي الأفقي ، والتي تتم بين شخصيين من طبقتين غير متكافئتين ،ويطلق عليها البعد العمودي .
ويبدو أننا نعني بالأبعاد الحضارية تلك الأطراف الأساسية المندمجة من جراء جدل ناتج عن تجربة اجتماعية إنسانية تاريخية كاملة تتجه إلى تحرير الإنسان من كل ما يعوقه في استكمال كرامته ،وأنصع صور لهذا التحرر المعنوي والحسي يظهر في ذلك الترسيخ الروحــــي و الفكري الذي لا فاعلية لهما خارج التشكيل المستمر لأنساق جمالية،وأكمل صور جدليتهما تبدو في هذا الإصرار لإثبات وجودهما ضمن صيرورة أدبية خلاقة تتدرج بالإنسان في مدارج الحضارة بجميع أبعادها ، والتي تمثل خيارات الإنسان لرموزه لتبقى شاهدة عليه بنبضها التاريخي الحضاري المفترض بعد غيابه الجسدي عن هذا الوجود ،لأن الرموز تتولد من العلاقات الخلاقة بين الكلمات ،وهي في الوقت نفسه تمثل كما يقول سبتسر: " علاقات حضارية وروحية " وأي حضارة كاملة هي جدل بين الانتماء و اللانتماء تبدأ من دائرة فضائية منتمية لتنتهي إلى دائرة لا دائرة بعدها بحيث يتوحد فيها الأنا والآخر، ويبدو هذا خاصة في إبداعات سابق البربري
وإبداعات هذه الشخصية كانت في بداية القرن الثاني الهجري،وهي كلها في الزهد والحكمة والموعظة من وجهتها الإنسانية والإسلامية في بعدها الحضاري الذي يبدأ من المنتمي لينتهي إلى اللامنتمي .
1.1 ـ البعد المكاني والتاريخي :
1.1.1. البعد الترابي للمكان :
لا يخفى أن عنصر المكان من المكونات الرئيسة في تشكيل هوية الحضارة وتميزها في بعديها الإنساني والمحلي ،ويمكن تبين دور المكان في المركب الحضاري بالاكتفاء بالإشارة إلى معادلة مالك بن نبي الذي لا يرى في الحضارة غير تجميع تفاعلي عقائدي فكري للإنسان والتـــراب والزمن ،ولانستغرب ذلك فإن هذه المكونات لايتحقق وجودها الا بكيفية عضوية ،وبهذا يكون فهمنا للزمان على أنه التحقق التاريخي المستمرلفاعل ما في فضاء وزمان معين،ولا وجود لزمان خارج المكان ،ولا وجود لهما خارج مدرك لهما ،ومحقق لكينونته فيهما ؛ لأن الحضارة ليست إلا "نتاج فكرة حية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تجعله يدخل التاريخ ،فيبني هذا المجتمع نظامه الفكري طبقا للنموذج المثالي الذي اختاره ،وعلى هذا تتأصل جذوره في محيط ثقافي أصيل يتحكم بدوره في جميع خصائصه التي تميزه عن الثقافات الأخرى والحضـارات الأخرى"
وما دام للحيز هذه المكانة في تحديد هوية الأنساق الثقافية للجماعة التي تنتمي إليه أصبح من الواجب الإلمام بملامح الأدب المغربي القديم من حيث الفضاء المكاني وعلاقته بالأنماط الثقافية وبشخصية الإنسان المغربي الذي شكل بها أنساقا فنية وأدبية .
ويتمثل الوجود المكاني لهذا الأدب في هذا الجزء من العالم المتوسطي الإفريقي القديم الذي كان يطلق عليه إسم (ليبيا) قبل الفتح الإسلامي وبالضبط منذ سبعة قرون قبل الميلاد، والمؤرخون ينسبون هذه التسمية إلى اليونان، وقد استمدوها من اسم مدينة "لوبية" القديمة عاصمة الإقليم الشرقي الواقع وراء الإسكندرية غربا ، ثم أطلق اسم "إفريقية" في عهد الفينيقيين على القسم المتاخم للأول غربا. كما قسمته بعض الكتابات الإغريقية، واللاتينية والفنيقية، إلى مناطق كل منها يحمل اسما خاصا بها؛ فكانت هذه المناطق عند البونيقيين واللاتين هي: ليبيا وإفريقية، ونوميديا، وموريطانية الشرقية، وموريطانية الغربية .
وجاء العرب أثناء الفتوحات الإسلامية فأطلقوا على كل هذه المناطق اسم المغرب بالمقارنة إلى وطنهم الأول في الجزيرة العربية، أو الشام في العهد الأموي، أو العراق في فترة الخلافة العباسية.
وإذا كانت تسمية هذه الأقاليم الجديدة التي تم فتحها في غرب بلاد العرب، والتي تضم من القارة الإفريقية: إقليم المغرب الأدنى أو إفريقية والمغرب الأوسط، والمغرب الأقصى ، ومن قارة أوربا بعد القرن الأول الهجري، إقليم الأندلس، وجزيرة صقيلية، فإن الحدود الفاصلة بين مغرب بلاد الإسلام ومشرقه لم تكن واضحة بالقدر الكافي عند معظم المؤرخين والدارسين القدامى، وفي رأينا، فإن ما جاء به كتاب البيان المغرب لابن عذارى المراكشي، والذي يتخذ من النيل حدودا طبيعية بين مغرب بلاد الإسلام ومشرقها نقلا عن مروان في كتابه "المقياس" وابن حمادة في كتابه "القبس" وغيرهما من المؤرخين أن حد المغرب هو ضفة النيل بالإسكندرية التي تلي بلاد المغرب إلى آخر بلاد المغرب...وتنقسم أقساما: قسم من الإسكندرية إلى طرابلس، وهو أكبرها وأقلها عمارة، وقسم من طرابلس ...إلى مدينة تيهرت، ويليها بلاد
المغرب، وبلاد الأندلس أيضا من الغرب وداخلة فيه لاتصالها به..." .
هذا الفضاء الجديد للأدب كان من أثاره هذا التوتر الدلالي بين الانتماء القبلي المحلي والانتماء الحضاري الإسلامي الإنساني الذي هو نفي وجدل للأول في رؤية مازالت تطمح إلى تجاوز ثنائية الأنا والآخر
ويلاحظ أن الوجود الواقعي للإنسان في أي فضاء هو انتماء لذلك المكان ،وما استخدامه لعبارة "بلاكم" إلا من قبيل هذا الفهم الذي يعني قابلية الخلط في الانتماء المكاني في حين ينتفي هذا الخلط في الانتماء الحضاري في بعده لإنساني ،فالمكان بهذا التصور ليس سوى بعدا للصراع بين الانتماء وانتفائه.
ونصل من هذا الاستعراض إلى تقرير بعض الحقائق، ومنها أن أبعاد البيئات الجديدة التي رحل إليها الأدب العربي، وتأصل وتطور فيها لم تكن مخالفة لأبعاد بيئاته الأصلية، ولا عجب في ذلك فهي تضم أكبر فضاء صحراوي على المعمورة، بالإضافة إلى ملامح طبيعية أخرى مناقضة للأولى تضفي تنوعا وثراء لروح الأدب فكرة وأسلوبا وجمالا.
2.1.1. البعد الروحي والوجداني للمكان :
إن الإحساس بالانتماء للمكان الترابي لا يملك كل الفاعلية التي تجعل منه محرك إبداع يشكل واقعه تشكيلا حضاريا ينم عن إحساس بمسؤولية خلافة الإنسان لخالقه فوق هذا الكوكب،ومن ثم لكي يكون المكان الترابي معبئا ومبرمجا للفاعلية الحضارية لابد من شحنه عقائديا وروحيا وفكريا، والحيوية الحضارية لأي أمة إذا لم تجد ما تملأ به المكان من إسقاط روحي وفكري وجمالي ثابت ومؤصل تلتجيء إلى المخيلية التي لا تعجز في جميع الأحوال عن جبركل نقص أو غياب ،وهذا ما يفسر الاتجاه إلى اختلاق أحاديث نبوية لإضفاء القداسة على بعض الأماكن والمدن المغربية ،على غرار الأحاديث التي تبين فضل المنستير مثلا وغيرها
كما ذكروا الأحاديث التي تبين فضل أهل المغرب وبعض المدن مثل القيروان التي اختطها عقبة بن نافع وقال عنها مخاطبا أصحابه "أرى لكم يا معشر العرب أن تتخذوا بها مدينة يجعل به عسكر ،وتكون عزا للإسلام إلى آخر الدهر" ،وهذه تعد عند أهل المغرب المدينة المقدسة الرابعة بعد مكة والمدينة وبيت المقدس .
و المكانة الوجدانية الروحية لهذه المدينة تظهر أكثر حين يتوجه الإنسان بالدعاء مناجيا خالقه ،وبخاصة إن كان من شخص له ما له من المنزلة الأيمانية الربانية ،وهذا شأن عقبة في دعائه على القيروان بقوله : "اللهم املأها علما وفقها ، واعمرها بالمطيعين والعابدين واجعلها عزا لدينك ،وذلا على من كفر ،وأعز بها الإسلام ،وامنعها من جبابرة الأرض"
وسيصبح هذا المكان انتماء وجدانيا ،ومن ثم يتحول الارتباط بالمغرب كلية بعد أن كان في جدل مع المشرق،ويظهر أدب الحنين ببلاد المغرب على غرار ما أتى به عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري من شعر يحن فيه إلى القيروان ،وهو آنذاك ببغداد :
ذكرت القيروان فهج شوقـــي وأين القيروان مــن العراق
وهكذا نلحظ تحول المكان إلى بعد وجداني منتج لتجارب أدبية ذات نزعة إنسانية من منطلق المحلية ،وهذه من أنصع الصور الأدبية التي تبقي على أطراف الانتماء الأدبي في حالة توتر بين أبعادها الوطنية والقومية والإسلامية والعالمية الأمر الذي يزيد من حيوية هذا الأدب وتميزه
ويستمر الشاعر بهذا التغني بفضائل القيروان وأهلها ،وكلها تصب في تميزها بالتزام أهلها بالإسلام الصحيح في تفاعل حضاري أصيل .
،وبهذه القداسة يتحول الحيز الترابي إلى أكثر من وطن جديد للعرب الفاتحين ، ويأخذ أبعادا من وجدانهم فيصبح مؤهلا ليكون إطارا حضاريا لأرقى التجارب الإبداعية الأدبية .
2.1. البعد التاريخي:
أما البعد الحضاري التاريخي لفترة ما بعد الفتح الإسلامي فإن أغلب المصادر القديمة التي وصلتنا تجمع على أن فتح إفريقية لم يكن سهلا ميسورا، ولم يتم دفعة واحدة، بل مر على الأقل بمرحلتين أساسيتين: مرحلة أولى تنحصر بين سنة 22 هـ و 50 هـ ولم يصلنا من أدبها غير رجز لعبد الله بن الزبيرفي ابنة جرجير وخطبة له في المدينة يشرح فيها ما فتح الله لهم من أرض إفريقية ،وبعض الأقوال والأخبار والأدعية والخطب .
وما وصلنا من نصوص تشترك كلها في خصائصها اللغوية والأسلوبية ولكنها تتفاوت في درجة مغربيتها بحسب المعايير السابقة، ومن الخطب التي نراها تفتقد إلى بعض المقومات المغربية تلك الخطبة التي ألقاها عبد الله بن الزبير في المدينة أمام جمع من الصحابة رضوان الله عليهم بمناسبة فتح قسم من إفريقية، وأمره عثمان أن يقوم خطيبا في مسجد رسول الله، حتى يسمع الناس بهذا الفتح فاعتلى المنبر وقال:
"الحمد لله الذي ألف بيننا بعد الفرقة، وجعلنا متحابين بعد البغضة الذي لا تجحد نعماؤه، ولا يزول ملكه، له الحمد كما حمد نفسه، وكما هو أهله، انتخب محمدا واختاره لعلمه، وائتمنه على وحيه، واختار له من الناس أعوانا قذف في قلوبهم تصديقه ومحبته، فآمنوا به، وعززوه، ووقروه وجاهدوا في الله حق جهاده، فاستشهد الله منهم من استشهد، وبقي من بقي لا تأخذه في الله لومة لائم.
أيها الناس أرحمكم الله تعالى، إنا خرجنا للوجه الذي علمتم فكنا مع وال حافظ حفظ الله أمير المؤمنين فكان يسير بنا الأبردين، ويحفظ بنا الظهائر، ويتخذ الليل جملا، يتعجل الرحيل إلى المنزل المقر، ويطيل اللبث من المنزل الخصب، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا حتى انتهينا إلى إفريقية فنزلنا حيث يسمعون صهيل الخيل، ورغاء الإبل، وقعقعة السلاح، فأقمنا أياما ننجم كرعنا، ونصلح سلاحنا، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه فابعدوا منه، فسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح فكانت أبعد، فأقمنا ثلاث عشرة ليلة ننظر بهم وتختلف رسلنا إليهم، فلما يئس منهم قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر فضل الجهاد وما لصاحبه إذا صبر واحتسب ثم نهض إلى عدوه فقاتلناهم يومنا ذلك، وصبر الفريقان، فكانت بيننا وبينهم مقتلة كبيرة [يريد المقتلة واقعة سبيطلة ] واستشهد الله رجالا من المسلمين، فباتوا وبتنا وللمسلمين دوي كدوي النحل، وبات المشركون في ملاهيهم، وخمورهم، فلما أصبحنا أخذنا مصافنا كالذي كنا عليه بالأمس فزحف بعضنا إلى البعض، فأفرغ الله علينا صبره، وأنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر النهار، فأصبنا غنائم كثيرة، فتركت المسلمين قرت أعينهم وأغناهم النفل، وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين أبشره وإياكم بما فتح الله تعالى من البلاد وأذل من الشرك، فاحمدوا الله عباد الله على آلائه وما أحل على أعدائه من بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين " .
هذه الخطبة طويلة وهي تقرير عسكري، وتتضمن خطبة في خطبة، وتتناص مع الرسالة الشفوية، فهذا الثراء في تناص الأشكال النثرية وفي تركيبتها النصية المتعددة (تقرير ـ أخبار ـ رسالة ـ خطبة في خطبة) يعد جانبا من البراعة في اصطناع ازدواجية الإبلاغ بين خطابه وخطاب سعد بن أبي سرح في فتحه سبيطلة، كما أنها تحمل مؤشرا يؤكد حقائق التاريخ الأدبي المغربي بكون أي فتح يصاحبه نص خطابي.
وعرفت هذه الفترة عدة غزوات منها:الطلائع الأولى التي قادها عمرو بن العاص نفسه في الشمال بعد فتحه الإسكندرية، ووصل برقة وطرابلس، ومر بالقبائل المنتشرة في هذه المنطقة، ومن أهمها قبيلة لواتة البربرية، وقد فرض عليها الجزية، كما تولوا رعاية أبنائهم الصغار، هذه العملية خدمت الدعوة الإسلامية والعربية، وهؤلاء سيصبحون من الرعيل الأول المستعربين الذين ساهموا في نجاعة الخطاب الأدبي والديني بين آبائهم والعرب الفاتحين، بالإضافة إلى المصريين الذين لا يجهلون اللهجات البربرية وفي الوقت نفسه تمكنوا من امتلاك ناصية العربية بعد معاشرتهم الطويلة للعرب في مصر.
كما قام أيضا عقبة بن نافع بغزوة أخرى في جنوب ليبيا الحالية في الفترة نفسها، وقد وجد سهولة في فتح الصحراء، ووصل إلى زويلة، ثم برقة مرة أخرى، واشتهرت برقة بحسن الطاعة حتى إن الأمر لم يكن يتطلب ذهاب الجباة إليها لتحصيل ما عليها من الأموال التي كانت تبعث بها إلى مصر وقت استحقاقها، وبلغ الاطمئنان والأمن في برقة إلى درجة جعلت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: "لولا مالي بالحجاز لنزلت برقة فما أعلم منزلا أسلم ولا أعزل منها".
ثم توالت فتوحات المدن المغربية الليبية، ففتحت طرابلس بمحض الصدف، ثم مصراتة ثم بقية الأقاليم الحصراوية في فزان " .
وإذا كانت هذه الأقاليم والمدن قد تم فتحها دون مقاومة فإن التفكير في مواصلة الفتح غربا نحو إفريقية أو ما يعرف الآن بالبلاد التونسية لم يكن عملية ميسورة كسابقاتها، ولم يكن أمام عمرو بن العاص خيار غير استئذان الخليفة عمر بن الخطاب الذي لم يوافقه على مواصلة الفتح غربا للحفاظ على قوة المسلمين في هذه الديار الإسلامية الجديدة.
وننتظر إتمام ذلك بعد تولي عثمان الخلافة ومن ثم تبدأ المرحلة الثانية للفتح من سنة 50 هـ إلى سنة 72 هـ، ويعزل عثمان عمرو بن العاص ويولي مكانه عبد الله بن سرح الذي أذن له من جديد في غزو إفريقية، ويورد المالكي في رياض النفوس القصة الكاملة لهذا الحدث فيقول:"لما عزل عمرو بن العاص من مصر...وولي مكانه عبد الله بن سرح سنة (25 هـ) بعث المسلمين في جرائد النخيل كما كانوا يعملون في ولاية عمرو فأصابوا من أطراف إفريقية، وغنموا، فجاؤا بالغنائم إلى عبد الله فكتب إلى عثمان يخبره بما نال المسلمون من عدوهم، ويروى أن عثمان استخار الله في غزوه لإفريقية، وشاور أصحابه، فأجمعوا على الغزو... وقام فخطب في الناس، وندبهم إلى الغزو...فخرج جماعة من الصحابة بينهم عبد الله بن الزبير، وأبو ذر الغفاري، وابن عباس، ومسور بن زهرة، ومقداد بن الأسود، وعبد يغوث، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن بن صبيحة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأخواه عبيد الله وعاصم، وعبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب بن السايب، والشايب بن عامر بن هشام، وبشر بن أرطأة، ومع كل واحد منهم جماعة من قومه " ، وكانت هذه الغزوة تدعى "غزوة العبادلة". ثم توالت الفتوحات لاقاليم المغرب الأخرى، إذ استطاع عقبة بن نافع أن يفتح إفريقية من جديد سنة (46 هـ)، ثم بنى القيروان سنة (50 هـ)، وواصل فتح الأقاليم الغربية إلى أن استشهد في سيدي عقبة سنة 63 هـ.
وفي سنة (86 هـ) تولى الوليد بن عبد الملك الخلافة ففضل فصل إفريقية وسائر المغرب عن ولاية مصر، وولي عليها موسى بن نصير، وكان آنذاك قد فرغ من فتح المغرب كله في سنة 72 هـ، ثم شرع في فتح الأندلس سنة (92 هـ).وبعد هذه الرحلة التاريخية التي اختزلت مراحل، وتجاوزت حقبا وأزمانا يمكننا مع ذلك تقريرا بعض الحقائق:
أ ـ إن المغرب تشكل تشكلا حضاريا نهائيا بعد الفتح الإسلامي ،وتوحد في مقوماته التاريخية والدينية واللغوية والثقافية .
ب ـ إن المغرب ارتبط بالنسق الحضاري المشرقي بمعناه الواسع العربي وغير العربي ،ولهذا كان تأثره بالنسق الحضاري الغربي محدودا على الرغم من طبيعة الجوار التي تصل في بعض الأحيان إلى حد التداخل بين أداء الحضارتين .
2.1 – البعد الإنساني :
لا يخفى دور الإنسان المغربي و مميزات شخصيته في تشكيل ملامح الأدب المغربي ،ولا يشك أي باحث في حقيقة التلازم بين شخصية الإنسان المغربي وملامح أدبه وهذه الجدلية بينهما طبيعية لأنه لا يمكن تصور استقلال ماهية الأدب وخصائصه عن ماهية أصحابه أو بيئته المكانية التي تنفس فيها، لأن قدرا من روح هذا الإنسان وفلسفته ستبقى هي المشكل الأساسي لمقوماته الفكرية والروحية والفنية، والإنسان في أي فترة تاريخية هو مصدر لكل العبقريات الحضارية والأدبية، وتاريخ أي نص أدبي هو استمرار لتجارب الأمة منذ تاريخها السحيق، ولإشعاعاتها الفكرية والفنية.
وإذا كان الفضاء المكاني الجديد نسخة من الموطن الأصلي لهذا الأدب، فإن الأنساق الثقافية في البيئة الجديدة وجمالياتها والشخصيات المنتجة لها لا تكون غريبة عما هي عليه في البيئة الأصلية، وهذه النتيجة تعكس ذلك التحول العظيم الذي عاشه المغرب لينسجم مع الواقع الجديد وما يحمله من مقومات عقائدية وحضارية وجمالية.
وفي الحقيقة فإن الملامح الصافية الناصعة للأدب المغربي وشخصياته يثير فينا إعجابا لهذا التزاوج السريع بين مكونات البيئة الجديدة والإنسان المغربي من جهة، وبين العرب الفاتحين وأدبهم من جهة أخرى،الأمر الذي جعل بعض المؤرخين يرجعون الصورة الثرية الناصعة لهذه البيئة قبل الفتح الإسلامي وبعده إلى تركيبته البشرية المتعددة المنتمية لثقافات وحضارات وأديان متباينة ومنها في رأيهم ثلاث مجموعات كبرى هي:
المجموعة الأولى: وهي أكبر المجموعات وتعد كل المجموعات الأخرى إلى جانبها مجرد أقليات شأن أي أمة متحضرة تستقطب مجموعات بشرية إلى كيانها بتجربتها الثقافية المختلفة الأمر الذي ينجر عنه تعدد في الثقافات والتركيبة البشرية المبدعة لها.
وعرفت المجموعة الأولى عند المؤرخين باسم "البربر" لكنهم يرفضون هذه التسمية التي تحمل تمييز الآخر المخالف واحتقاره إلى حد التعصب السلالي والثقافي العنصري، ويسمون أنفسهم (إيمازيغ) أي الأحرار، وينعتون وطنهم ببلاد (إمازيغن) أي الوطن الحر.
والمتتبع لتاريخ تسمية "البربر" يجدها قد أطلقت على الأقل بأربع إطلاقات في أربعة عهود مختلفة، أطلقت في عهد (هومير) على القبائل المعقدة اللغة واللهجة حيثما وجدت.
وأطلقت في عهد (هيرودوت) على الأمم الغريبة عن لغة اليونان وحضارتهم، وأطلقت في عهد (بلتوس) على ماعدا سكان روما، وأطلقها العرب في عهدهم على الأمة التي تسكن الساحل الإفريقي لأنهم يتكلمون بلغة ليست مفهومة للعرب، وهم شعوب وقبائل أكثر من أن تحصى.
وقد تغير الوضع بعد الفتح الإسلامي، إذ ذكر ابن خلدون أن إفريقية كلها إلى طرابلس كانت ديار لنفزاوة، وبني يفرن، ونفوسة، ومن لا يحصى من قبائل البربر، وكانت هذه المنطقة في عهد ابن خلدون مجالا للعرب من بني سليم...وبني يفرن وهوارة، وقد تبدوا معهم، ونسوا رطانة الأعاجم، وتكلموا بلغات العرب وسكان المدر » أي البيوت.
كما أن المؤرخ الفرنسي (جوتتيه) حاول تفسير هذا بانقسامهم إلى جماعة (البتر)، وجماعة (البرانس)، وهكذا يكون البتر عنده هم أصحاب البداوة والرحل، والبرانس هم أهل الحضارة والاستقرار.
كما يقسم المغرب القديم إلى نوميديين (أي جزائريين)، وموريطانيين (أي مراكشيين)، ويقسم السكان بعد ذلك إلى عرب، وقبائل.
ونترك الآن هذه التقسيمات الخاصة بتركيبة سكان المغرب القبلية وتوزيعها الجغرافي ونمطها الحضاري، وحساسيتها الأدبية لنقف عند تحديد أصول سكان المغرب الأمازيغ.
وينقل ابن خلدون أن بعض الروايات التاريخية ترجع أصولهم إلى "...ولد كنعان بن حام بن نوح، وأن اسم أبيهم، مازيغ...".
ثم نقل أيضا في معرض كلامه عن أصول "البربر" عن جمهرة الأنساب لابن حزم حيث يورد أقوالا ترجع نسبهم إلى "اليمن ومن حمير، وبعضهم ينسبهم إلى برد بن قيس عيلان..."، ويزعم ابن قتيبة أنهم من ولد جالوت، وأن جالوت من ولد قيس عيلان.
ثم يعلق ابن خلدون فيقول: "ولا خلاف بين نسابة العرب بأن شعوب البربر كلهم من البربر إلا صناهجة وكتامة، فإن بين نسابة العرب خلافا بينهم، والمشهور أنهم من اليمنية، وأن إفريقش لما غزا إفريقية أنزلهم بها...ويختتم كلامه بقوله:"إن أمة العرب لم يكن لها إلمام بالمغرب لا في جاهلية ولا في إسلام، لأن البربر يمانعون عليه الأمم، وقد غزاه إفريقش بن صيفي، الذي سميت إفريقية من ملوك التبابعة، وملكها، ثم رجع عنها، وترك كتامة وصنهاجة من قبائل حمير، فاستحالت طبيعتهم إلى البربر، واندمجوا في أعدادهم، وذهب ملك العرب منهم".
لكن هناك من نسابة البربر من يزعم كما يقول ابن خلدون:"أن لواتة من حمير، وهوارة من كندة...وزناتة من التبابعة أو العمالقة...وفروا أمام بني إسرائيل ...كما أن غمارة، وزواوة، ومكلاته من حمير" .
وقد تضمن المغرب أقليات أخرى بديانات وثقافات مغايرة للمجموعة الكبرى الأولى، ومنها الأفارقة وهم أقليات، ويعدون من أهل البلاد الذين اختلطوا بالروم فأصبحوا من المولدين، ودخلوا في خدمتهم، وانصبغوا بالحضارة الرومانية، كما اعتنقوا الديانة المسيحية، ويتقنون اللغة اللاتينية ويكتبون بها أدبهم وفكرهم.
ثم يأتي بعدهم السوريون واليهود، وقد وجدت هذه الجالية طريقها إلى المغرب منذ هجرة الفينيقيين إلى السواحل الإفريقية، وهي تمزج في لغتها بين لسانها واللسان المحلي واللاتيني وهي مؤثرة أكثر في الحياة الاقتصادية وهذا ما أنتج عنه ملامح متميزة تخص الحياة الثقافية والأدبية .
ثم تأتي بعد ذلك أقلية أخرى يطلق عليها "السودان"، وهم يتكونون من الذين هاجروا إلى المغرب من الحبشة، وبلاد السودان، وهذه الجالية تذوب في السكان الأصليين ولا تشكل مجموعة متميزة بلسانها وأدبها وثقافتها.
وانضاف إلى هذه العناصر السكانية عنصر جديد فعال يحمل مشروعا حضاريا متكاملا يتمثل في العرب الفاتحين، وما انصهر معهم من الفرس والأتراك والمصريين والروم، بالإضافة إلى زحف بني هلال وبني رياح وبني سليم التي غيرت تركيبة السكان تغييرا جذريا وأثرت في حياتهم الثقافية ،وكثير ما كان النسب وفلسفة القوة هي جوهر الانتماء لروح حضارية لا تعترف إلا بامتلاك أسباب التسلط يقول أبو العباس الأغلبي :
أليس أبي وجدي أوطــاني وجد أبي وعماي الرقـــابا
ورثت الملك والسلطان عنهم فصرت أعز من وطئ الترابا
إلى أن يقول :
أنا الملك الذي أسمو بنفسي فأبلغ بالسمو بها السـحابا
إذا نقبت عن كرمي ومجـدي وجدتني المصاصة واللبابـا
أنا الملك الذي أيدت ملــكي بسيفي إذ كشفت به الضبابا
وفي مقابل ذلك نجد تيارا شعريا ونثريا يتجاوز الانتماء ليذوب في صوفية علوية مثالية لا تعترف بالمشاهد والمحسوس حتى ولو كانت أوطانا وأنسابا وسلطانا .
وربما أكبر تيار يعكس الشخصية المغربية هو الاستعداد الدائم للثورة ؛وربما هذا مايفسر كثرة الشعر التحريضي على الثورة والعصيان متى أحس بالظلم في أي صورة من الصور .
1. 3 ـ البعد الديني والاجتماعي :
























كانت ديانات المغاربة قبل الفتح الإسلامي المشهورة هي: الوثنية، والمجوسية، وهيرودت يخبرنا في نصوصه التاريخية بأن الليبيين القدامى عبدوا الشمس والقمر، وكانوا يقدمون لهما القرابين والضحايا، كما أن بعض القبائل الأخرى كانت تعبد آلهة الإغريق أثينا، وبعد اختلاطهم بالفينيقيين اعتنقوا ديانتهم الكنعانية " .
وربما كان لهذه التأثيرات دورها في ربط المغرب بالمشرق قديما أو أنها حافظت على تواصل هذه الصلة منذ فجر التاريخ وثبتها الفاتحون العرب تحت راية الإسلام .
أما الديانة اليهودية فقد عرفت طريقها بعد هجرة الجاليات اليهودية منذ عهد الفينيقيين، وبعدهم الرومان "ثم إن انتشار اليهودية عبر مناطق البحر المتوسط مرتبط تاريخيا بأحداث التاريخ اليهودي، خاصة منها حروب الاضطهاد والطرد التي مارستها الدول الكبرى ضد اليهود، مثل الضغط الروماني، الذي أرغمهم في عدة مناسبات على ترك ديارهم، ومنها ما فعله بهم القائد تيتوس خلال سنوات 66-70م، وفي عهد تراجانوس بين سنتي 115-117م، وخلال عهد هادريانوس بين عامي 132-135م، وذكر التلمود بعض الحاخاميين في قرطاجة، مما يدل على أنهم كانوا هناك خلال القرن الثاني بعد الميلاد على أقل تقدير، ذلك أن التلمود لم تدون نصوصه الأولى سوى في القرن الثالث من طرف الحاخام يوحنا.
أما النصوص الأدبية المتعلقة بالطائفة اليهودية في إفريقية فأشهرها نص ترتوليانس (Tertulians) الذي اتهم فيه صاحبه يهود إفريقية بأنهم تسببوا في إثارة حركة الاضطهاد ضد المسيحيين بتعريضهم للوثنيين عليهم، وهو ما يؤكد صفة الايعاز المتأصلة في اليهود منذ القدم ، أما المسيحية وانتشارها في المغرب، فقد أرجعها بعضهم إلى زمن متقدم وربما ارتبط بانتشار حواريي عيسى عليه السلام، ولكن الفضل الأكبر يرجع إلى التجار القادمين من مدن سواحل المتوسط، كما أن معابد اليهود كانت المراكز الأولى التي احتضنت حركة التنصير.
وحكاية تنصير المغرب طويلة، ولكننا سنشير فقط إلى الحركة الدوناتية نسبة إلى أحد أعلامها الكبار الذي حمل راية الرفض للخضوع لإرادة الإمبراطور ومقاومة أساقفة كنيسة قرطاجة الذين رضوا بالانطواء تحت لواء الدولة وقبلوا شروطها، تلك الشروط التي رأى فيها دوناتوس (Donatus) نيلا شديدا من مبادئ المسيح، وتحطيما لقوة المؤمنين المخلصين بالنصرانية، وهذا الانقسام هو صورة للانقسام السياسي والاجتماعي بين الموالين للسلطة والرافضين لها، وبين الفقراء والأغنياء" .
ونشير إلى بعض الحقائق التي تجمع بين الحياة الروحية والفكرية و السياسية والاجتماعية و الأدبية للمغاربة ومنها:
1 - أن منطقة المغرب كانت منذ القدم ملتقى لحضارات وثقافات وديانات العالم القديم، فهي المعبر للتجارب الثقافية بين مشرق هذا العالم ومغربه، كما كانت أيضا الممر الذي يجمع بين تجربة الإنسان الإفريقي، وتجربة الإنسان المتوسطي الأوروبي، وبهذا الموقع وبهذه المركزية كان مؤهلا لأن يكون موطنا لتفاعل الحضارات والثقافات والأفكار والأذواق والأمزجة.
وهذا التفاعل لم يكن سطحيا بل كان يتم برهافة حس، وبعمق فكر، وبعد نظر، ويقظة وعي ونبض إنساني، وتقبل الآخر، ومع هذا الثراء المتعدد فإن المغربي لم يتخلى عن هويته الحقيقية الأصيلة، وخصوصيته المتميزة المتفردة، وهذا ما جعله لا يؤدي دور الناقل للتجارب واستنساخها ، الأمر الذي قوى وجوده الحضاري وأبعده على أن يكون نسخا مشوهة ، ولكنه كيانا متكاملا لا يفقد دينامكيته في حركة التاريخ العالمي، وما فيه من صراع وهيمنة.
2 - إن دور المغاربة في هذه المنطقة كثيرا ما تجاوزا مرحلة التلمذة إلى مرحلة الأستاذية للبشرية جمعاء، وهذا ما تثبته شخصية أبوليوس بكونه أول روائي عالمي، وشخصية القديس أوغسطين بوصفة صاحب أول إبداع في السيرة الذاتية، وحازم القرطاجني تجاوز النقاد العرب في كتابه منهاج البلغاء، وابن خلدون أول مؤسس لعلم الاجتماع، فهذه الشخصيات ورياداتها العالمية في فنون وعلوم تؤكد بما لا يدع مجالا للتردد والشك بأن المغاربة لم يكونوا مجرد نقلة لتجارب الحضارة الإنسانية بل كثيرا ما كانوا في موقع الأستاذية للبشرية قاطبة.
3 ـ إن المغرب في مراحل تشكل ملامحه الفكرية بعد الفتح الإسلامي لم يكن أبدا معزولا عن المشرق في حياته الفكرية والأدبية والسياسية، إذ نجد المذاهب والفرق والحركات السياسية في مراحل نشأتها في المشرق تمتد مباشرة إلى المغرب وتتجسد فيه تجسيدا واقعيا في كيانات سياسية مذهبية قد تتجاوز المغرب نفسه ،وتجد سندا لها في أدب يتسم بجدلية من الطراز الأول بين النسق الفني والرؤية العقائدية لهذه المذاهب ، ويبدو خاصة في ازدهار فن المناظرات .
وهكذا عرف المغرب منذ القرن الثاني الهجري فن المناظرات السياسية المذهبية والعقائدية وكلها تطمح إلى تجسيد خلفيتها لأيمانية في دول، وأهم هذه المناظرات كانت بين مذهب الخوارج بفرعيه الإباضي والصفري والواصلية، ثم بين المذاهب الفقهية ومنها: المذهب الحنفي والمالكي، ثم بين السنة والشيعة التي جسدت عقيدتها في دولة ظهرت في المغرب ثم امتدت إلى المشرق.
ويذكر الذين أرخوا للحياة العقلية للمغرب أن الصراع كان على أشده بين الأحناف وهم أصحاب رأي وبين المالكيين،، وهم أصحاب نقل، يقول ابن فرحون في كتابه (الديباج المذهب): "وغلب مذهب أبي حنيفة رحمه الله على الكوفة والعراق وما وراء النهر وكثير من بلاد خراسان إلى وقتنا هذا، وظهر بإفريقية ظهورا كثيرا إلى قريب من أربعمائة عام، فانقطع عنها" .
ويصف المقدسي هذا الصراع بين المذهبين. في كتابه (أحسن التقاسيم) فيقول: "ما رأيت فريقين أحسن إتفاقا وأقل تعصبا من أهل القيروان، وسمعتهم يحكون عن قدمائهم حكايات عجيبة، حتى قالوا إنه كان القاضي سنة حنيفيا وسنة مالكيا" .
أما عن فرق الكلام فيورد الجاحظ قصيدة لصفوان الأنصاري شاعر المعتزلة يمدح بها واصل بن عطاء، وجاء فيها ذكر امتداد دعوتهم إلى المغرب .
ويذكر البكري أن حركة الواصلية في الدولة الرستمية المغربية بلغت من النفوذ والعدد الذي يصل إلى نحو ثلاثين ألفا يسكنون "في بيوت كبيوت الأعراب يحملونها" .
ويذكر أيضا صاحب كتاب سير الأئمة وأخبارهم أن قوتهم ونفوذهم في تيهرت بلغت حدا أصبحت تهدد به كيان الدولة الرستمية، فكانت الحرب بينهم وبين الإمام عبد الوهاب وللحرب مع المعتزلة طقوسها الخاصة فقد تبدأ بالمناظرة وتنتهي بالقتال .
عاش المغرب محنة خلق القرآن بعد أن تبنى إبراهيم بن أحمد الأغلبي مبدأ خلق القرآن أسوة بالخلافة العباسية في المشرق، وفرض على العلماء القول بخلق القرآن؛ ومنهم سحنون الذي هرب من قبضة هذا الأمير، وبقي متخفيا عند أحد العباد والزهاد في قصر زياد" إلى أن توفي هذا الأمير فانزاحت هذه الكربة عن المغرب"
أما في العهد العبيدي فقد عرفت الحياة العلقية نشاطا أكثر وتركت لنا مناظرات بين السنيين والشيعيين وأشهرها، مناظرة سعيد بن الحداد .
وإذا استثنينا الأدب الشيعي الذي كان صورة صادقة دقيقة ومفصلة لأفكار الشيعة ومعتقداتهم وفقههم السياسي ومصادرهم الفلسفية، وبخاصة فكر إخوان الصفا، فإننا في مقابل ذلك نجد تأثير أفكار المذاهب الأخرى في الأدب محدودة بالقياس إلى الصورة التي كانت عليها في المشرق.
4.1 ـ البعد الفني:
النموذج الأول من التكامل يكشف عن نوع آخر من التواصل الشعري بين حقلين فنيين : حقل الغناء وحقل الشعر، والمغنون في الغالب يؤدون وظيفة النقاد باستحان أشعار واستهجان أخرى، وبخاصة منهم من يركزون على جانب الأداء الشعري المناسب للأنشاد والغناء، ويعني ذلك فهم يتذوقون الأشعار التي تتضمن أنغام إيقاعاتها ألحانا معينة، وهذا يشكل تواصلا بين عالم الفنون ،كما يشي في الوقت نفسه بأن التطور الأدبي والحضاري بلغ مستوى من التكامل بين هذا الكل الفني المتجاوب في كثير من جوانبه الفنية ، ونورد قصة وقعت في القرن الثالث الهجري بين أمير وأكبر شاعر في تلك الفترة والجواري المعنيات، إذ جاء في الحلة السيراء:
"إن بكر بن حماد التاهرتي كان ينتجع هذا الطاغية (يقصد الأمير إبراهيم بن أبي إبراهيم ابن احمد الأغلبي) ويمدحه، فغدا يوما، بمديح له على "بلاغ" الخادم فقال له: "الأمير عنا مشغول في هذا اليوم"، فقال: "فالطف بي في إيصال رقعة إليه "، قال: "إنه مضطجع في الجنان مع الجواري، ولا يصل إليه أحد" فكتب بكر في رقعة، واحتال "بلاغ" في توصيلها مساعدة له، وفيها أبيات منها: (الطويل)
خلقن الغـــــواني بلــية فهن موالينا ونحن عبيـدها
إذا ما أردنا الورد في غير حينه أتتنا به في كل حين خدودها
وكتب تحت الأبيات: (الوافر)
فإن تكن الوسائل أعــوزتني فإن وسائلي ورد الــخدود
فلما قرأها أنشدها الجواري، فأظهرن له سرورا بها وشفعن إليه إلى أن خرج بصرة فيها مائة دينار، ووصل منه إلى بكر مال عظيم " .
فهذه القصة تكشف عن كيفيات تواصل النص الشعري في محيط الملوك والقصور، وكأن وظيفة الشعر هي كسر الحواجز التي تمنعه من الوصول إلى هذه الأجواء التي يبدو أن الشعراء يروقهم أن تتنفس فيها، كماتكشف لنا هذه القصة أيضا عن الأطراف التي تستقبل النص الشعري، ومنهم المغنيات من الجواري التي تستحسن نصوصا وتستقبح أخرى، فهذا التواصل بين الفنون والتكامل بينها هي دليل آخر على وصول الأمة إلى مستوى حضاري وثقافي معين.
ولعل أقرب الفنون إلى الشعر هما:الموسيقى والرسم، ومازال الشعراء يحاولون رسم ألواح بألفاظ ينا فسون بها الرسامين، وقد قيل منذ القدم أن الشعر رسم ناطق، وقال الجاحظ: "الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير" ،كما حاول الشعراء أن يجعلوا قصائدهم سنفونيات وقطعا موسيقية، وعلى العموم فإن الشعر الغنائي كبر وترعرع في أجواء الحداء والغناء والعزف على آلات موسيقية سواء كانت بسيطة أو معقدة، والشعر لن يتطور إلا في هذا التكامل بين الفنون كلها وبخاصة فن الموسيقى والرسم.
أما عن دور الموسيقى في تطور جوانب الأداء الغنائية ، فقد عقد حسن حسني عبد الوهاب فصلا للموسيقى في إفريقية قبل الإسلام وبعده، فهو يرى أن الموسيقى عند السكان المحليين كانت بسيطة "فالأمم البربرية ليس لها من الأدوات إلا مزمار وهي (الشبابة) تتخذ في الغالب من القصب، أو نوع من الرباب ذي وترين لا غير، وهو عين ما يوجد عند الزنوج البدائيين، وهذا من أكبر الشواهد على تأخر التلحين عندهم" .
كما يرى حسن حسني عبد الوهاب أن العرب أدخلوا إلى إفريقية طريقهم في الحداء منذ القرن الأول وصدر الثاني، "فلقنها عنهم أبناؤهم، وكذا أبناء مسلمة البربر، فصاروا يرجعون الأصوات بأبيات من شعر الجاهليين أو المخضرمين
وظل أبناء إفريقية من عرب وبربر يرددون تلك الأصوات وأضرابها ويحدون بها في فترة ما بين استقرار السلطة الأموية وبين ظهور دولة بني العباس" .
وهكذا نلاحظ بأن مرحلة التأسيس يسود فيها تداول النص الأصلي تداولا يقتصر على الوظيفة الغنائية، وهي ألصق بالاستمتاع الانفعالي، وأبعد ما تكون عن الاستمتاع التأملي الذي يتطلب تلقينا من نوع خاص هو من منتوج حضاري.
ونلاحظ أن أغلب هذه النصوص التي كانت ذات وظيفة أدائية في تواصلها ترجع في أوزانها العروضية إلى ثلاثة بحور هي الطويل تكرر خمس مرات والكامل ثلاث مرات والسريع مرة واحدة.
ويختار المغنون هذه البحور المشهورة ويستعذبها الناس ويترنمون بها في حياتهم الخاصة والعامة، وهذا من شأنه أن يزيد من ترسيخ ألحانها في الذاكرة الجماعية، ويخلق تذوقا عاما لها، فتفرض نفسها على إبداعاتهم الشعرية.
أما في الدورة الثانية فإن المغرب اطلع على تقدم فن الغناء في المشرق وبخاصة في العراق، وفي هذه الآونة قدم عليهم رئيس المغنيين (زرياب، علي ابن نافع) في طريقه إلى قرطبة وكان ذلك في أواخر سنة 205 فنزل بأهله وحشمه بالعاصمة الإفريقية، وعلم زيادة الله الأول بمقدمه فاستدعاه وأدناه واستضافه أشهرا في أحد قصور (العباسية) وتمتع هو وحاشيته بألحانه الفنية وإيقاعه البديع، وكان خروجه من القيروان في خلال سنة (206هـ) ولا يبعد في تلك الفترة أن يكون بعض فتيان الأمير وجواريه قد أخذوا عن زرياب .
والاستماع بالغناء يتجاوز أوساطه إلى العلماء والفقهاء، ويعني ذلك أن هناك روحا عامة بدت تسري في المغرب وتغير الطباع، وتقترب أكثر إلى هذه المتع الفنية التي لا يتذوقها إلا من كانت لهم حساسية فنية خاصة تتميز برقة المشاعر ورقي الطباع في قيم حضارية جديدة تتجاوز في بعض الأحيان حتى منطق الفقهاء، وهذا ما يفسر هذه القصة التي وقعت لأحد الفقهاء مع المغني المشهور أبي الشرف قال التيجيبي رواية عن أبي شرف: "أصبحت يوما مع بعض إخواني في الربض المعروف بالبقرية، فبينما أنا أغني وأرفع صوتي عند بعض أصحابي، إذ قرع علينا الباب، فخرج صاحب المحل، وإذا بالشيخ (أحمد بن معتب) الفقيه قال: "أردت أن أدخل عليكم"، فاستحى منه صاحب الدار واعتذر إليه، ولما ألح عليه سبقه صاحب المحل وغيب ما كان تحت أيدينا من الآلة والشراب، ثم أذن له فدخل علينا وسلم وسأل: "من كان منكم يقول؟ فأشير إلى أبي شرف، فقال له الشيخ: سألتك بالله إلا أعدت الأبيات، فأنشد أبو شرف:
لا سيما العفو عمن ليس ينتصر (بسيط) العفو أولى بمن دانت له القدر
فقام بين يديه، وهو يعتـــذر أقر بالذنب إجلالا لسيـده
فتأثر الشيخ مما سمع حتى بكى… إلى آخر الحكاية"
ولكن هناك رواية أخرى للمالكي عن ابن اللباد الفقيه وغيره من الرواة عن سبب موته أنه حضر مجلس الذكر "بمحلة المرضى" وكان له بكاء ونوح، وكان القراء إذا علموا أنه جاء تحركوا له وأقروا واعرفوا له بالحزن.
فلما كان يوم السبت(*) حضر جماعة [من القراء]، وذكر غير أبن اللباد: أنه مر في ذلك اليوم قبل دخوله المسجد بموضع فسمع قائلا يقول: (وذكر الأبيات السابقة في رواية التجيبي)، فبكى وخشع ودعا للقائل وللذين حضروا، فانتفعوا بدعائه، ثم تمادى أحمد بن معتب، فدخل المسجد فسمع بعض القوالين يقولالوافر)
فقد خسر المحب لها وخابا دع الدنيا لمن جهل الصوابا
كبلقعة رأيت بها ســرابا وما الدنيا، وإن راقتك، إلا
قال ابن اللباد، فلما انتهى منها إلى قوله:
ويطوي الليل بالأحزان دابا يظل نهاره يبكي يشــجو
تحرك وبكى، قال: ثم قرأ القارئ آيات من القرآن، فخر صعقا، فاحتمل إلى داره فلم يزل منازعا إلى مغيب الشمس، فتوفي بعد العشاء الآخرة، رحمه الله تعالى .
وكيفما كانت القصة سواء بحسب الرواية الأولى، وإن كانت تبدو غريبة، وإليها مال حسن حسني عبد الوهاب، أو القصة الثانية التي هي أقرب إلى الصواب فإن الروايتين تؤكدان على حقيقة أساسية هي تداول الأشعار بطريقة الأداء، وهذا من شأنه أن يساعد على تنوع الأداءات، ومن ثم ظهور الخصائص العامة والنوعية لموسيقى هذه الأشعار بالإضافة إلى تجاوز المكونات العروضية التي تحافظ على الطابع العام للإيقاع ولكن الأداء ينوع من جوانبها الميلودية أكثر من العروض الخليلي فهي تستغل كل ما في النص من مواقع إيقاعية نبرية وتنغيمية وجرسية للأصوات والألفاظ والتراكيب.
أما فن الغناء والموسيقى فقد وصل إلى الفاطميين بعد أن طوره مؤنس في آخر أيام الأغالبة وأدخل فيه الطريقة المشرقية وعلم جيلا من المغنيين والمغنيات، وما يلاحظ أن الأشعار القصيرة الوزن بدأت تنافس الأشعار الطويلة، ويقال أن زيادة الله إذا غلب عليه هم أخبار الشيعي أخذ حاشيته، واتجه إلى قصر البحر وفي أحد المرات دخلت عليه جارية ممن تعلمن على مؤنس فغنته وقد ضمت العود إلى صدرهامجزوء الكامل)
ك فهكذا مضت الدهور اصبر لدهر نال منـــــــــــ
لا حزن دام ولا سـرور فرح وحزن مــرة
وهذا المغنى انضم إلى خدمة عبيد الله المهدي في قصور رقادة، ولا شك أنه طور فن الغناء في هذا العهد أيضا .
ويلاحظ أن المتداولين للأشعار بدأوا يستعذبون الأشعار القصيرة الأوزان كالبيتين السابقين وهما من مجزوء الكامل إلى جانب البحور الطويلة الأوزان، ويعني ذلك تأثير الأداء الفني والموسيقى في تغيير أذواق الناس.
يقول حسن حسني عبد الوهاب عن مؤنس هذا: (قضى من عمره ثلاثين حولا في التطريب والتدريس، والتلقين، والإنتاج، ولم يقتنع بإيقاع ما تعلم في صغره في المشرق، بل طالما لحن أغان مخترعة، وأهازيج مبتدعة، على أشعار الأدباء الوطنيين في الغزل، والنسيب والحماس، لاسيما ما كان منها من أقوال الأمراء والوزراء مثل عبد الحميد الصائغ) .
ثم يعود مرة أخرى فيقرر بأن "هؤلاء المنشدين والمغنيين أصحاب الأصوات الشجية المستوية كانوا كثيرين في خلال القرن الثالث والرابع" .
فهذا التطور الفني المتكامل يدل على تغير الأحاسيس وتطور الأذواق والاتجاه بها نحو الجمالي في النغم والكلمة والرسم، فالشعر والموسيقى والرسم من الفنون التي تتكامل، والشعر يجمعهما فيتناص مع هذا الفن وذاك، وحتى الفنون الأخرى تتقاطع في مضمونها، وربما أحسن ما يمثل هذا التناص والتقاطع تلك الألواح الخشبية التي احتفظ بها متحف القاهرة، وتشتمل على "مناظر منقوشة فيها رسوم مطربين ومطربات وعازفات على آلات موسيقية وراقصين وراقصات، ورأيتم الأمير جالسا على أريكة وفي يده اليمنى كأس، وفي اليسرى زهرة، وعلى رأسه عمامة. وإلى يساره الساقي يصب الخمر في كأس، وإلى يمينه تابع يقدم إليه صينية ذات غطاء…الخ" .
وقد روي لنا قصصا عن التواصل الفني بين المشرق والمغرب وبخاصة من العراق مركز الخلافة والثقافة والفن في تلك الفترة.
هذا التواصل أدخل أذواق جديدة أو رسخها ومن الحكايات التي تروى عن هذا الجانب حضور أحد العراقيين في مجلس غناء وطرب للحاجب عبد الوهاب" في عهد الخلافة الفاطمية، فلما سكتوا أخذ في الغناء لهذه المقطوعة:
لســكانك من شــاني ألا يا دار ما الـــــهجر
وإن هــيجت أشـجاني سقيت الغيــــث من دار
قيت غــيثا غير أجناني ولو شئت لما استســـــ
على تشتيـــت خلاني وما الدهر بمأمــــــون
فطرب عبد الوهاب وطرب الجميع من أدائه وشعره وهذا الشعر من بحر الهزج، الذي كان غائبا من شعر المدونة في هذه المرحلة، ولكن في أشعار المغنيين يحضر وهذا يحتاج إلى تفسير، وربما في تلك الآونة يفرقون بين ما يصلح للغناء وما يصلح للأداء في أوساط رسمية أو شبه رسمية
ويبدو هذا التميز أكثر بين الحضارتين :الشيعية والسنية في نظرة كل منهما إلى الفنون ،وبخاصة فن الرسم. يقول على اللواتي: "ليس أدل على تأثير الآراء المالكية وفاعليتها في ندرة التصاوير ببلاد المغرب والأندلس، من انفراد العصر الفاطمي في شمال إفريقية بتقاليد تصويرية نكاد لا نجد مثيلا لها قبل حكمهم وبعده. فقد انتهت التنقيبات الأثرية في مختلف حواضر أفريقية إلى ملاحظة أن أهم القطع الخزفية المزينة بتصاوير أدمية وحيوانية وإنما ترجع إلى فترة الفاطمي الشيعي,وقد وجدت نماذج منها في حفريات قرب القيروان. كما عثر على نحت بارز يمثل مجلس شراب و طرب بالمهدية العاصمة الأولى للفاطميين وهو نموذج فريد من نوعه لا نجدله إلى اليوم أمثلة أخرى من العصور السابقة واللاحقة "
ولاشك أن أي ازدهار لأي فن يكشف عن تغير الذوق العام الذى يتجاوز حدود العقائد،والشرئع الدينية ،والوضعية ،وكل أنواع المنع ،والقهر ؛كما يحرك آفاق الانتظار ،ويفتح تيارا قويا للجمالية تتناص وتتفاعل فيه أنواع الفنون ،ومن ثم تحدث فى الغالب مؤشرات تغييرالحياة الشعرية لما تتميز بها من حساسية أكثر من غيرها ،وبخاصة إن كان فى منزلة يسود فيها نوع أدبي عن سائر الأنواع الأخرى كما هو شأن الشعر في الأدب العربى.
ثانيا ـ مراحل نشأة الأدب المغربي :
إنه لا يمكن الكلام عن استقلال أنساق الأدب المغربي عن هوية أصحابه ،أو واقعه الاجتماعي ،وفضائه الطبيعي، وكيفما كانت طبيعة هذه العلاقات ،و تنوعت تجاربها الإنسانية فإن ما يتميز به المغربي سرعة تمثله لمقومات حضارية جديدة عند تشكيله لأنساقه الفنية ،وهذا التميز يفسر ذلك التحول العظيم الذي عاشه المغرب في انتقاله من أدب غير عربي إلى أدب عربي منسجم مع واقعه الحضاري الجديد المؤسس على مقومات دينية وجمالية وفكرية، ومن ثم أصبح الأدب المغربي من الآداب التي عاشت مرحلتين أدبيتين كبيرتين لحضارتين مختلفتين لسانا ومعتقدا؛ ومن ثم أصبح للأدب العربي بيئة جديدة ،ويفترض فيها ألا تكون مجرد نسخة من الـبيئة الأصلية ؛ويعني ذلك أن المغاربة ستكون لهم خصوصية ،وحساسية أدبية متميزة بقدر معين عن أدبية المشارقة، ونلمسها في هذه الروح ذات الاستجابة السريعة في استيعاب التجارب الإنسانية الأصيلة الصحيحة القريبة من شخصيتهم المحبة للحرية ،وهذه الميزة كانت بفضل موقع بـلاد هم، و تمرسهم في خضم التجارب الحضارية العريقة.
ولا يخفى أن منطقة المغرب كانت منذ القدم ملتقى لحضارات، وثقافات، وديانات العالم القديم ،فهي من الفضاءات الحيوية للتجارب الثقافية بين مشرق هذا العالم، ومغربه ،كما كانت أيضا فضاء للتبادل بين تجربة الإنسان الإفريقي الحضارية، و تجربة الإنسان المتوسطي، و بهذا الموقع ،وبهذه المركزية كان مؤهلا لأن يكون موطنا لتفاعل الحضارات، والثقافات ،والأفكار ،والأذواق، والأحاسيس ،و لم يكن هذا التفاعل سطحيا بل كان يتميز بحس حضاري رسالي في محتواه و مغزاه ، وفكر أصيل في ثباته متزن في تفتحه ،و روح نقية طا هرة في أيما نها وعقيدتها ، ورؤية كونية إنسانية في شموليتها وأبعادها تربط بين الماضي و الحاضر والمستقبل في صيرورتها، ولكن هذا لم يؤد به إلى التخلي كلية عن هويته الحقيقية الأصيلة، وخصوصيته المتميزة، فهو ليس ناسخا، أو نا قلا للتجارب، ولكنه كان مبدعا ضمن كيان حضاري متكامل لم يفقد حيويته في خضم ما عرفه من صراعات وغزو وحروب ؛فكان دوره في هذه المنطقة لم يقتصر على التلمذة على الغير بل كان صاحب ريادة في أكثر من علم وفن .
وما دام الأدب المغربي من الآداب التي عرفت مرحلتين أدبيتين كبيرتين لحضارتين مختلفتين وبلسانيين مختلفين ،و المرحلة الأولى هي مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي،وتنقسم بدورها إلى عصور متباينة في لغتها، وطبيعة حضارتها، ومكونات ثقافتها، ومعتقداتها وتاريخها، ومن ثم بالضرورة في أدبها، ويمكن حصر هذه العصور في الآتي:
1 - عصر الأدب التاسيلي
2 - عصر الأدب البونيقي
3 - عصر الأدب اليوناني واللاتيني
أما ملامح هذا الأدب في هذه العصور الطويلة فيمكن تقديمها من خلال بعض الشخصيات وأعمالها في إيجاز شديد حتى نتفرغ للمرحلة الثانية الكبرى.
وهذه المرحلة لم تخلف لنا إلا بعض النصوص التي تعبر عن نمط حياة المغاربة وطريقة تفكيرهم ، وبخاصة عصر الأدب التاسيلي، والشواهد على هذا الأدب تكاد تنحصر في تلك الرموز المنقوشة على صخور تاسيلي، وجبال عمور في الأطلس الصحراوي.
وقد حاول مجموعة من الباحثين التاريخيين، والانتربولوجيين، والاثنولوجيين والاجتماعيين والفنانين في العصر الحديث الاهتمام بهذه النصوص أو الرسائل الرامزة، وبخاصة الرسامين والشعراء، وقد اتجهت أبحاثهم منذ البداية إلى تفسير دلالاتها، وفك رموزها، واستأنسوا بجميع الوسائل بما فيها علم تفسير الوشم لما له من علاقة دلالية رمزية بهذه النقوش لتفسير محتواها، وترجمة نصوصها العاكسة لحياة أصحابها وثقافتهم، ونمط تفكيرهم وتصورهم للكون ولقضايا عصرهم وتسجيلهم لأهم أحداث تاريخهم منذ آلاف السنين.
وفي الحقيقة فإنه لم يبق من ذلك الماضي السحيق الذي يساعد على فك رموز تلك النقوش غير بعض السجلات المكتوبة بلغة الأمازيغ واتخذت من حروف تيفيناغ وسيلتها في التدوين والتعبير.
2 - عصر الفينيقيين:
كان الفينيقيون يجوبون البحر الأبيض المتوسط، ويستقرون في المناطق الساحلية، ويحاولون نشر لغتهم وثقافتهم وآدابهم.
وقد استطاعوا أن يغيروا الصورة الحضارية للمغرب،و ساعدهم في ذلك سهولة انتشار لغتهم، وثقافتهم، وامتزاجها بلغة وثقافة السكان المغاربة، ولكنه لم يبق من ذلك الفكر والثقافة إلا بعض الإشارات التاريخية أو بعض الآثار التي تحمل رسوما ونقوشا تحمل مضامين تعبر عن روح عصرهم.
3 - العصر اليوناني واللاتيني:
إن الأعمال الأدبية والفكرية وأصحابها التي وصلتنا عن هذه المرحلة من السكان الأصليين كانت مكتوبة بلغتين أجنبيتين هما: اللغة اليونانية واللاتينية.
ومن الكتب التي وصلتنا باللسان اليوناني نذكر على سبيل المثال مؤلفات يوبا الثاني في المسرح واللغة والقواعد، والرسم، والجغرافية، بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك كتبا أخرى كثيرة وصلتنا باللغة اللاتينية، وفترة سيادة اللغة اللاتينية من أطول الفترات في تاريخ المغرب العربي القديم، فهي تبدأ من القرن الأول الميلادي إلى غاية الفتح الإسلامي في نهاية القرن السابع الميلادي، ويرى "جون عميروش" يوغرطا نموذجا للشخصيات الأدبية المتميزة التي تعبر وتكتب باللغة اللاتينية، بل تبدع بها وتتحكم في أساليبها الأدبية الرفيعة، وتستعذب لغتها الرقيقة المحملة بشحنات من الانفعال، وبطاقة من التصوير الجمالي، والاهتزاز الشعري.
وهذا المزاج الفني هو ما دفع بعض الباحثين إلى التمييز بين الكتاب والأدباء النوميديين، وبين غيرهم من اليونان والرومان.
يقول أحد الباحثين عن هذا الأدب: إن هؤلاء الأدباء والمفكرين ظلوا متميزين بأساليبهم ولغتهم العاكسة لواقعهم والمعبرة عن شخصياتهم لكونهم قرطاجيين، وموريطانيين ونوميديين .
وقد ظهر أدباء ومفكرون وشعراء في هذه الفترة يكتبون باللغة اللاتينية ومنهم فرنتون (Franton) الذي ولد في (سيرتا) قسنطينة الحالية، وهو معلم ومربي لمارك أوريل، وكانت له مقالات وتقاريظ أخرى، ومنهم أبوليوس المدوري المشهور الذي ولد في مداوروش، ويعد من رواد كتاب فن الرواية في العالم بتأليفه لروايته الخيالية تحت عنوان: "تحولات أو الجحش الذهبي" يقول عنه علي فهمي خشيم في مقدمة ترجمته لهذه الرواية من الانجليزية: "كلما ذكر اسم "أبوليوس" في مصدر من المصادر...قفزت إلى الأذهان مباشرة صورة ذلك "الجحش الذهبي"، وفي الأصل اللاتيني تميزت هذه الرواية بثلاثة أشياء: لغتها، وأحداثها، وأفكارها. وهي نقلت إلى أغلب اللغات الحية من أهمها الانجليزية التي نقلت عنها إلى العربية، أما في اللاتينية فقد كانت مبعث اهتمام الأقدمين والمحدثين، لغرابة ألفاظها، وتركيب عباراتها وجملها، وكان الكاتب مغرما بالوحشي من الكلمات واللعب بالمعاني عن طريق التلاعب بالألفاظ، حتى صارت عباراتها أمثالا مشهورة في أدب اللاتين...
إن أبوليوس قد اتبع في كتابتها أسلوب القصاصين الذي ينتحي أحدهم جانبا من السوق ويصيح لجمع المستمعين: "اعطني قطعة من النحاس، وسأقص عليك حكاية ذهبية " فكلمة "الذهبي" أو "الذهبية " إذن كانت وصفا للقصة فصارت وصفا لجحش أبوليوس.
كما وصلتنا آثاره الأخرى مثل: الأزاهير (Florida) وهي مجموعة محاضرات ومقالات في الفلسفة والأدب، ثم الدفاع (Apologia). وهو مرافعة بليغة ألقاها في مدينة صبراتة الليبية حين اتهم باستعمال السحر ليتزوج أرملة ثرية في مدينة أويا (طرابلس حاليا) ويستحوذ على ثروتها، ثم قرين سقراط (De Déo Socratis)، وهوكتاب في الفلسفة السقراطية.
ومنهم ترتيليان الذي ولد في قرطاجة، وكتاباته في أغلبها يدافع فيها عن العقيدة المسيحية (النصرانية)، ومنهم أيضا منيبويس فليكس الذي ترجع أصوله إلى مدينة تبسة وهو كاتب حوار الثمانية.
وفي القرن الثالث الميلادي نجد أيضا من هؤلاء الأدباء: أرنوب ولاكتانس، وسبريان القرطاجي، ويوغرطا.
كما نجد في القرن الرابع من أويتا الميلي وفرانتون وتارك أوريل، وبخاصة القديس أوغسطين الذي ولد في سوق اهراس سنة 354م وتوفي في عنابة 430م، وهو مفكر وعالم لاهوتي متميز، وخطيب، ومؤلفاته كثيرة، وأشهرها على الإطلاق، اعترافاته، وكتبه من أكثر الكتب انتشارا في العالم وبخاصة في العالم المسيحي.
كما نجد أيضا في القرن الخامس كل من فلجانس (Fulgence) المولود في تبسة. وفي عهد الاحتلال الوندالي والبيزنطي، نجد أيضا مجموعة من الشعراء واللغويين مثل: بريسيان (Priscien)، وكوربيوس (Coripuis) وسواء أكان هؤلاء الكتاب من الوثنيين أو من رجال الكنيسة الإفريقية، فإنهم يكتبون كلهم باللغة اللاتينية، ويمثلون طابعا أدبيا حقيقيا خاصا بهم، لا باعتبارهم افريقيين في الأوساط الأدبية، ولكنهم من أدباء ما وراء البحر.
كما أن بلاد المغرب كانت مفتوحة أمام الأدب اللاتيني، واليوناني بالإضافة إلى تأثيرات الثقافات الأخرى وبخاصة الثقافة الشرقية، وبهذا الانفتاح كان المثقف الإفريقي لا يقل شأنا من غيره من ذوي الثقافات العريقة الرفيعة، ولم يكن المغاربة يأخذون فقط، بل قدموا بعبقرياتهم للثقافة الإنسانية أعمالا أدبية خالدة.
والمغاربة في عهد الاحتلال الروماني كانوا يتميزون بالقدرة على الإبداع الخيالي السحري ويحسنون الخطابة، وأساليب الإقناع والجدال، وتستهويهم الأساليب الجميلة والاستعارات البعيدة الأخاذة، ويمتلكون المهارة والبراعة في فن الهجاء والمدح والهزل.
كما أنهم يمتلكون اللغة الأدبية الرفيعة، ويبدو ذلك واضحا في أغلب ما كتبوه من أدب وفكروتاريخ، لكنهم لضرورة التواصل مع كل مستويات أقوامهم يلتجئون إلى اللغة الشعبية في كتاباتهم الموجهة إلى وعي الناس، وجعلها سلاحا في كفاحهم ضد المستعمرين، والتاريخ يشهد أن الدونانتيين كانوا يؤلفون مزاميرهم وأهازيجهم باللغة الشعبية إبان صراعهم مع الكنيسة الرسمية.
والمرحلة الثانية هي مرحلة الأدب العربي بعد الفتح الإسلامي،وهي تنقسم كغيرها إلى العصور الآتية:
1 -عصر الفتوحات
2 - عصر الولاة
3 - عصر الدول والمماليك، وينقسم بدوره إلى الفترات الآتية:
أ ـ فترة الدولة الأغلبية والرستمية والإدريسية
ب ـ فترة الخلافة العبيدية
جـ ـ فترة الزيريين والحماديين
د ـ فترة المرابطين
هـ ـ فترة الموحدين
و ـ فترة الحفصيين والزيانيين والمرينيين
ز ـ فترة الحكم التركي
ص ـ فترة الأدب الحديث.
ويقسم رابح بونارالأدب المغربي في مرحلته الثانية إلى عصر النشوء الذي يمتد من ( 50هـ إلى184هـ) ثم يدمج هذا العصر مع عصر النهضة الذي يمتد إلى غاية 296هـ وهو التاريخ الذي سقطت فيه الدول السنية الأولىالهرمة أمام بروزأول دولة شيعية فتية،ثم يأتي أدب الدول اللاحقة .
ودراسة الأدب المغربي في مرحلته الكبرى الثانية بعد الفتح الإ سلامي يثير بعض الإشكاليات التي يمكن التخفيف من حدتها المنهجية من خلال تناولنا لقضيتين من رؤية أخرى ،وهما :
1 ـ حدود الأدبية المغربية:
تواجهنا في قضية تحديد الأدبية المغربية في فترة تستوعب إبداع أقاليم عديدة بلسان واحد،وهذه الإشكالية تتمثل في كيفية فرز المادة الأدبية المغربية عن غيرها بحدود إقليمية، وليست لسانية، ومن شخصيات متحركة، ومن حركات متداخلة، ولم يتيسر لنا ذلك إلا بالالتجاء إلى تحليل مقومات أطراف نظام الإبلاغ التي تنحصر في المرسل والرسالة، والمتلقي، ولا مشاحة بأن صاحب الخطاب تكونه مقومات صغرى هي: الميلاد، والنشأة، والنبوغ.
والخطاب الأدبي تحدده مقومات : لغته ومكان إنشائه، ومضمونه، ومرجعياته ، الحضارية والواقعية والنفسية ،وجنسية صاحبه.
و تتحدد هوية المتلقي من مقومات جنسيته، ومكان التلقي، وزمانه، ونوعه؛ ومن تقاطع مقومات هذه الأطراف الثلاثة، وتفاعلها يمكن تحديد ثلاث درجات لمغربية النص الأدبي وكل درجة من هذه الدرجات تكشف عن العناصر المشكلة لهوية النص المغربي.
والدرجة الأولى تمثلها تلك النصوص الكاملة في مغربيتها، ويعني ذلك أن جميع مقومات أطرافها مغربية ،وأغلب نصوص الأدب المغربي المشهورة من هذا النوع .
والدرجة الثانية تمثلها تلك النصوص التي تفتقد إلى مقوم واحد من مقومات النص والمبدع والمتلقي، ويندرج في هذا النوع أ شعار ابن هاني التي قالها في المغرب بمعناه الضيق
والدرجة الثالثة تندرج فيها تلك النصوص التي يعوزها أكثر من مقوم من مقومات الأطراف الثلاثة المكونة للحركة الأدبية .
وهذا الإجراء يستأنس بأسلوبية المقام التي تقبل بإدخال عناصر غير لفظية ترى بأن لها دورا ما في تحديد طبيعة الأسلوب سواء من حيث الإبداع أم التلقي أم كلاهما معا ،وهذا المقام ليس إلا مجموعة الحالات الظرفية ،والنفسية ،والاجتماعية والجمالية التي أنتج فيها النص الأدبي أو التي يتم فيها تلقيه بجماليات العصر.
كما أن أهمية هذه المقومات ليست على درجة واحدة ، وتأتي اللغة الأدبية والانتماء الإقليمي للشعراء في المقام الأول، والافتقاد إلى إحداهما يفقد الأدب هويته المغربية العربية بالنسبة للمقوم الأول، وهويته المغربية بالنسبة للمقوم الثاني، وقد أبعدنا النصوص التي تفتقد إلى واحد منها أو الاثنين من أدبية المغاربة.
2 ـ تقسيم مراحل الأدب المغربي على أساس التطور الأدبي المحض :
وفي الحقيقة فإن هذا التقسيم الطويل والكبير للأدب المغربي العربي الذي يربط الحياة الأدبية بالأسر الحاكمة يمثل إشكالية منهجية لأن التاريخ الأدبي غير التاريخ السياسي، فالأول هو تاريخ للأفكار والأحاسيس والعواطف والأذواق والمشاعر الأمر الذي يضفي على النصوص الأدبية تفردها في ظواهرها، وتميزها في كينونتها وعوالمها، ومن ثم فهي بقدر ما تتقاطع مع الواقع وسياقاته فهي تسمو عليه وتتجاوزه لذا بات من آكاد المهمات البحث عن نظام آخر يتفق مع طبيعة الأدب في سيرورته التاريخية من علاقاته الداخلية ودوراته الكاملة في الإبلاغ والتداول والتحقيق، ويمكن تقسيم الأدب على ضوء ذلك ثلاث دورات لأن تاريخ تطور الأدب المغربي كأي أدب يبدأ من وحداته الأساسية وعلاقتها ونظامها، أو هي لا تشذ عن نظام الظواهر الكونية، والسيميائية، واللسانية التي لها قابلية التوزيع على وحدات صغرى في المستوى الواحد ،وقابلية الاندماج في وحدات كبرى حين الانتقال إلى المستوى الأعلى.
وتعتمد الدراسة التاريخية التطورية أساسا على الشخصيات، و تهبط إلى الأنواع،والأنماط والخصائص، والظواهر، وتصعد إلى الأجيال، والمراحل ،والعصور؛ وفي ضوء هذا التدرج الخاضع لطبيعة الأدب نفسه يمكن تجاوز ربط التاريخ الأدبي بالتاريخ السياسي، وجعل تطوره منذ الفتح الإسلامي في ثلاث دورات:
الدورة الأولى:
تمثل بدايات الأدب المغربي التي كانت معنية أكثر بمهمة تأسيسه في البيئة الجديدة، وكانت الوظيفة الإبداعية في هذه الفترة تقتصر على إنتاج نصوص أدبية تتلوها عمليات التلقي في اتجاه واحد، و الدورة الأدبية الكاملة ـ في هذه الحالة تبدأ من النص ،وتنتهي عند المتلقي غير الفاعل أو السلبي، وبه تكتمل الدورة الأدبية، ولا تعود مرة أخرى في دورة جدلية أو حوار مستمر بين النص وتواصله الجمالي الذي يؤدى بدوره إلى بروز دوامات من النشاط الإبداعي الخلاق، وهكذ ا كانت الدورة التأسيسية الأولى لأدب المغربي الذي لم يكن جديدا من حيث الوجود الأول بقدر ما كان إعادة لتأسيس أدبي في فضاء جديد.
وتستغرق هذه المرحلة القرن الأول الهجري ،والنصف الثاني من القرن الذي يليه، وهي فترة تعد طويلة بالقياس إلى مراحل التأسيس المعادة، والمسبوقة بتأسيس أصلي تم منذ قرون.
وأدب هذه الدورة لا يشكل حركة أدبية متكاملة تتجاوز، أو تكون في مستوى نصوصه الأصلية كما حدث في بيئات أخرى كالعراق والشام، ويعود هذا إلى أسباب منها:
إن فترة فتح المغرب تعد من أطول الفترات بالنسبة للأقاليم الأخرى، فهي تتجاوز نصف قرن، وهذه الوضعية لم تساعد على استقرار المغرب، ومن ثم علىازدهار الأدب فيه. إن فترة حكم الولاة لم تكن خالية من القلاقل، والثورات، والصراعات القبلية بالإضافة إلى الخلافات السياسية المذهبية التي نشأت في المشرق وانتقلت إلى المغرب.و اختلاف اللسانين العربي والمحلي ، وهذا من أهم العوامل التي أخرت تأسيس حركة أدبية مغربية تكون موازية لتأسيس مدينة القيروان سنة (50 هـ)، وكان يفترض فيها أن تكون إحدى المراكز الأدبية المنافسة للمراكز الأخرى في العراق والشام.
كما يمكن إرجاع جفاف الإبداع الأدبي المغربي –كما يقول إبراهيم الدسوقي- إلى "أن فاتحي المغرب كانوا يمنيين ،وأن اليمنيين أضعف في مضمار الشعر من المضريين، فلا عجب أن سدت سوق الشعر هناك، فلم ينظم منه غير القدر الهين الذي لم يستطع أن يطاول الزمن، ويقاوم عوامل الفناء ليصل إلينا عبر القرون" .
كما يعود ضعف تطور الأدب المغربي إلى "بعد الشقة بين المغرب ،والمراكز لأدبية القوية في العراق والشام، والضعف النسبي لكثير من شعر الفتوح، وأولوية شعر البلاط لدى كثير من المهتمين به في محافله آنذاك"
غير أن هذه الأسباب لم تقف عائقا في نبوع بعض المغاربة في نهاية القرن الأول الهجري أو بداية القرن الثاني وأحسن مثال على ذلك ظاهرة طارق بن زياد و سابق البربري المطماطي الذي يعد شخصية مغربية متميزة بالنظر إلى غزارة إنتاجه الأدبي ومستواه الفني ومتانة لغته، وبعض اللغويين يحتج بأدبه و شعره بالإضافة إلى تأسيسه لتيار الشعر الزهدي قبل أبي العتاهية.
الدورة الثانية:
وتمتد من النصف الثاني من القرن الثاني إلى نهاية القرن الثالث، وتتميز بالتفاعل بين عمليات الإبداع والتلقي، الأمر الذي يؤدي إلى إنتاج معرفة أدبية عامة، لكن هذه المعرفة لا تتجاوز المقولات المعمقة للفهم والتذوق، والمؤدية إلى حساسية تتناسب مع روح العصر، يشارك فـيها الأدباء و الشعراء واللغويون والعلماء والفقهاء ويروى أن احمد ابن أبي سليمان لما سمع قول بكر بن حماد ( الوافر):
وأوتــدهـا علـى السبع الشـداد فيــا سبحــان مـن أرسـى الرواسـي
فقال له أحمد ابن أبي سليمان: "رفعت الجبال فوق السموات، وأنزلت السموات تحت الجبال" فقال لي: "وكيف ذلك؟" فقلت له: "إقرأ سورة عم يتساءلون" فقرأها حتى انتهى إلى قوله تعالى "وبنينا فوقكم سبعا شدادا" فقال لي: "والله لقد أنشدته بالعراق ومصر وتهرت والقيروان فما فهمه، وقد كسرته أنت فأصلحه" فقلت له: "أفلا قلت فأوتدها مع السبع الشداد؟" قال: فقال لي: "قد أصلــحت ما أفسدت" .
ونموذج آخر من قصة حبس فيها إبراهيم بن أحمد الأغلبي كاتبه محمد بن حيون المعروف بابن البريدي فكتب له من السجن (البسيط):
إذ قادني نحـوك الاذعــان والنـدم هبني أسأت فأيــن العفـو والكــــرم
ترثـى لشيخ نعـــاه عنـدك القلم يا خيـر مـن مـدت يـدي إليــه أمــا
إن الموك إذا استرحموا رحمــــوا بالغت في السخط فاصفح صفح مقــــتدر
فلما قرأ إبراهيم بن أحمد أبياته قال: "يكتب إلي هبني أسأت" وهو قد أساء أما إنه لو قالالوافر)
ونحن الكاتبون وقد أسأنا فهبنا للكرام الكاتبينا
وكذلك حكاية توبة أبي عقال عن قول شعر المجون، والتي رواها الشيخ أبو الحسن فقال
" إن أبا عقال أنشد شعرا يصف فيه أحواله التي كان يفعل قبل توبته، فقيل للشيخ هل يجوز مثل هذا، أن يذكر الإنسان أفعاله القبيحة؟ أما يدخل هذا في حديث ابن عمر الذي قال فيه "من المجانة أن يعمل الإنسان عملا بالليل فيصبح يخبر" فقال الشيخ أبو الحسن:" إن أفعاله كانت ظاهرة غير مستترة عليه، فقيل له "وقد أخبر بها هو في شعره لمن لم يكن يعلمها منه ، فقال: "إنه لو لم يخبر بها هو من يعلمها بلغته من غيره" .
ويلاحظ على النماذج الثلاثة السابقة مدى تفاعل النص الابداعي مع المتلقين ونوعه،وقد وقعت العملية الأولى بين فقيه شاعر وبين شاعر آخر؛ وما يهمنا من هذا التواصل بينهما جعل النص الشعري يناص بالدرجة الأولى النص القرآني.
وفي النموذج الثاني كان التواصل بين كاتب شاعر وبين ملك، وهذا التواصل جعل الأبيات الشعرية تتناص مع تقاليد الحكم وفلسفته المتسلطة ، والمعنى الحقيقي يكمن في إعلاء سلطة السياسة فوق سلطة النص الشعري.
والنموذج الثالث يقع التناص فيه بين التداول الأدبي والفتوى الشرعية وبين الفعل الكلامي والسلوك الواقعي، ولا معنى للنص خارج التناص مع النص الديني، ومن ثم جعل سلطة الدين والأخلاق فوق سلطة النص الشعري، فالأدب في هذه الدورة تخلى عن عفويته وبساطته التي كان عليها في الدورة الأولى في عملية التواصل الأدبي، وأصبح النص وسط شبكة معقدة من العقائد والمفاهيم والأفكار والأمزجة تدل كلها على أن المغرب دخل في روح حضارية ثقافية جديدة.
الدورة الثالثة:
وهذه الدورة الممتدة من القرن الرابع إلى القرن الخامس ،و هي دورة (ابن هاني وابن رشيق و أبو الحسن الحصري)، وهي قمة الدورات ،وفيها تجاوزت الحركة الأدبية المغربية المتلقي السلبي، إلى خطاب أديى شامل منتج للمعرفة الأدبية تفسيرا،وتنظيرا،وحوارا ،ومنهجا ،واستقطابا لكل المعارف الإنسانية، و أصبح الأدب، فعلا نتاجا حضاريا شاملا بأنظمة سمائية متحاورة ،ومتناصة مع التراث والواقع والفكر والوجدان، وفي هذه المرحلة أصبحت "إشكالية أي نص هي إشكالية الإنسان نفسه، ولا يمكن فصل أحدهما عن الأخر، وحين الكلام عن أحدهما نجد أنفسنا نتكلم عن الآخر، بل كثير ما يتبادلان الأدوار لأن خصائص النصوص هي امتداد لطبيعة ذات الإنسان،و في هذه الحالة تسمح بإيجاد علاقات بين الناس، وتصبح بمقتضى ذلك تجربة اجتماعية من الطراز الأول،وبهذا يتمكن الإنسان من بناء أي معنى ،كما يستقبل كل المعاني ويرسل أخرى ،كما يمكن تحويلها،وكل المعاني تتشكل في النصوص، وكل الحقائق يمكن البحث عنها فيها .
وقد حقق الأدب المغربي في هذه المرحلة تراكما معرفيا لم يسبق له مثيل في تاريخه سواء قبل الإسلام أم بعده،وفي هذه الدورة انتقل المغرب من مرحلة المعرفة المروية إلى مرحلة المعرفة المكتوبة.
كما ظهر في هذه الدورة شعراء ونقاد وكتاب تجاوزت شهرتهم المغرب، ومنهم ابن هايى، وأبو إسحاق الحصري، وعبد الكريم النهشلي، وابن رشيق، وابن شرف،وأبو الحسن الحصرى.
وعلى العموم فإن الأدب في هذه المرحلة قد تجاوزمرحلة التأسيس الأدبي، كما عرف تحولا في عقيدته من السنة إلى الشيعة، ومن ثم تغيرت ملامح المغرب كله.
وعلى الرغم من هذا التحول العميق للبنيات الفكرية، والفنية فإن النص الأدبي بقي مهيكلا في ثلاث جبهات متضادة، أو تحت التضاد.
وأول هذه الجبهات تلك التي تبنت العقيدة الشيعية، وجعلت أدبها سلاحا يرسخ كيان السلطة الجديدة، ومن هؤلاء ابن هاني، وعلي الإيادي، وكثير من الشعراء المقلين الذين يزيدون عن (60) شاعرا جمعهم محمد اليعلاوي في كتابه "الأدب بإفريقية في العهد الفاطمي".
والجبهة الثانية كانت معارضة بأدبها ولم تعرف الثبات في مواقفها ،بل كانت في مد وجزر في علاقتها مع الســـلطة ،و الفزاري أحسن من يمثل هذا التذبذب إذ كان في بداية الأمر معارضا للسلطة ثم أنجذب إليها مكرها بعد أن أهدر دمه ،ويشارك الأدباء في مباركتهم أو معارضتهم للسلطة الشيعية العلماء والفقهاء، والشعراء، وهؤلاء كانوا أكثر ثباتا في رفضهم القيام بتأويل النص النقلي بما يخدم العقيدة الشيعية الوافدة على المغرب، ووصل بهم حد الرفض إلى الانظمام إلى ثورات مناهضة للسلطة الشيعية
والجبهة الثالثة هي جبهة النص الأدبي المحايد ؛ وكانت موضوعاته في كون غير الكون السلطوي أو أنها لا تتقاسم معه الفضاء في استراتيجية وجوده، وهؤلاء الأدباء كانوا يعيشون في غربة عن واقعهم،وأغلبهم من الزهاد والمتصوفة .
وهذ ه الجبهات تكشف عن البنية الفكرية للمغرب في القرن الرابع الهجري المولدة لسائر البنيات الأخرى الثقافية، والحضارية.
والبنية الأولىـ من هذه البنيات ـ تمثلها نصوص ذات توجهين: توجه تحريضي بأسلوب مباشر لقتال المخالفين للمذهب، وهذا التوجه تمثله بعض النصوص الأدبية والشعرية
أما المرحلة الثانية فكانت أيضا نتيجة تحول عقائد وفكري وثقافي وحضاري وإجتماعي، والمغرب في هذه المرحلة قد تخلى عن المذهب الشيعي، ورجع مرة أخرى إلى المذهب السني فتحولت بهذا التغيير الحياة الأدبية، والفكرية والثقافية، والحضارية، ويبدو هذا التحول في ازدهار النقد الأدبي، والنثر الإبداعي والتأليفي، ويعني ذلك قلبا لترتيب الجبهات السابقة بحيث يصبح النص السني هو الغالب في الحياة الأدبية بينما تراجع النص الشيعي إلى حد الندرة ,كما أن التغيير في البنية الأدبية المغربية ترجع إلى العلاقة بين النثر والشعر، وحجم ازدهار كل منهما، وإذا كانت الغلبة للشعر في الدورات السابقة فإن الغلبة في هذه الدورة للنثر الإبداعي والتأليفي؛.وهكذا يبدو الاختلاف بين المرحلتين في هذا التعاكس الأسلوبي بين الجنسين الأدبيين ومدى سيطرة كل واحد منهما على الحياة الأدبية، والعلاقة بين الأسلوبين مجال لكثير من النظريات الأسلوبية منها نظرية اعتبار الشعر انحراف عن النثر من حيث الكثرة والجود .
كما أن سميولوجية التعبير الأدبي الحديثة لا ترى فيه غير انزياح أو عدول –بحسب قيرو، وسبيتسر، وبالي -تتمثل فيهما سيمات الأثر الأسلوبي، ومن ثم فإن الأدبية تحدد بوصفها أسلوبية النوع التي تدرس وتقيس عدولات خصائص ليست لفرد وإنما هي لنوع أدبي، ومفهوم أسلوبية الأنواع يقترب من مفهوم الكتابة عند بارت .
ويبدو أن البنية الأدبية بقدر ما تتعدد أنواعها، وتتشابك علاقاتها تزيد من حيويتها، وبخاصة إذا كانت هذه البنية متضمنة لمدرج نوعي، وتقويمي، وأسلوبي، وثابت في قمته، ومتباين في أسفله، وهذا المدرج بهذا التصور خاص بالأدب العربي لأنه يضم في قمته القرآن والحديث، ثم يأتي بعد ذلك الشعر، والنثر، ويعني ذلك كما يرى بعض النقاد والبلاغيين أن جيد الشعر يقابله رديئه، ورديء الشعر يساوي جيد النثر،ثم يأتي بعد ذلك رديء النثر، لكن القرآن في المدرج الترتيبي يفتقد إلى الحلقة الوسطى بينه وبين غيره، لأنه جيد كله.
ومظهر آخر من مظاهر تغير البنية الأدبية، وحساسية الأدباء نتيجة تغير روح العصر ومقوماته التي تلت العهد الشيعي، وتبدو في انزياح الأدب المغربي في بنيته الدلالية نحو موضوعات جديدة لم تكن رائجة من قبل، ومن هذه الموضوعات وصف الأشياء، والكائنات ، بمنهج فني وصفي جمالي ،وأحيانا يكون ساخرا تهكميا قصد اشباع النهم الفني أو الفكري المذهبي .
،ونختم دراستنا بهذه الملاحظات :
1 ـ لا يخفى أن التأطير الجغرافي للظاهرة الأدبية يمزق وحدتها وكيانها، لأن الانطلاق من المنهج الإقليمي في دراسة الأدب الواحد لا يسلم من الزلل العلمي المنهجي، وهذا يعود من الوجهة الإجرائية إلى صعوبة فرز المادة الأدبية المغربية من غيرها من الخطابات من خلال فضاء أدبي واحد متحرك، ويتمرد عن كل الحدود والقيود إلا الحدود اللغوية والقيود الفنية.
2 ـ إذا كان أمر فرز المادة الأدبية المغربية من غيرها يمثل إشكالية منهجية حقيقية فإن فرز المادة الأدبية نفسها من غيرها، وإن اشترك الكل في اصطناع الكلام يمثل اشكالية أخرى تدخل في صميم النظريات الأدبية وعلومها بدءا بنظرية الأنواع الأدبية الثلاثة، وانتهاءا بنظريات الانزياح على المستوى الأسلوبي، الصوتي والنحوي والبلاغي.
3 ـ إن الإشكالية الأخيرة يمكن التغلب عليها بالتسليم بقوالب الأدب العربي القديمة المشهورة التي اعتمدها النقاد القدامى للتمييز بين النص الأدبي وغير الأدبي، أو النصوص التي لا تخضع لأي شكل من أشكال قولبة إطارها العام، ولكنها في مقابل ذلك تحقق قالبها من خلال تضمنها لقدر من الجدارة الأدبية في شكلها وخصائصها العامة والخاصة. ويمكن حصر الشكلين فيما يأتي:
الأشكال الأدبية ذات القالب الصافي :
وتتمثل في الشعر غير التعليمي ببنياته المكانية والزمانية سواء ما حافظ منه على النظام التناظري الموحد في وزنه وقافيته أم لم يحافظ، وأغلب الشعراء المغاربة في القرون الأربعة الأولى لم يحاولوا الخروج عن النظام التناظري للقصيدة بالإضافة إلىمحافظتهم على وحدة الوزن والقافية.
وبدأ الشعراء المغاربة يزاوجون بين هذا الشكل والأشكال الأخرى المقطعية في القرن الخامس الهجري، فنظموا المخمسات، والمربعات والمسمطات والموشحات.
أما الفنون النثرية ذات الشكل الأدبي الواضح فيمكن لنا إدراج الخطابة بجميع أنواعها وأغراضها وأساليبها، والرسائل بجميع أشكالها سواء كانت سلطانية أم ديوانية أم إخوانية، أم علمية، والقصص والحكايات بجميع أساليبها وبنياتها السردية وشخوصها.
ب - الأدب المتحرر من القوالب الصارمة:
ويشمل هذا النوع من الأدب والأخبرو التراجم العامة والسير العامة والذاتية، وقد شاع هذا النوع من النثر وازدهر في القرن الرابع وما بعده، ويدور حول سير الفقهاء والعلماء والشعراء، والمتصوفة والكتاب، والنقاد، كما يشمل أيضا أدب الرحلات الذي شاع في القرن السادس والسابع وما بعدهما وهي فترة تتجاوز إطار بحثنا .
ويمكن تصنيف النثر المغربي لا بحسب شكل قالبه وبنيته الفنية العامة ،ولكن بالنظر إلى نظام تداوله ،ووظيفته الإبلاغية ،وعلى هذ الأساس يمكن حصر أنماطه في ثلاث مجموعات كبرى هي :
أولا مجموعة الخطابات ذات الوظيفة الاقناعية الانفعاليةالوصفية وتضم ما يعرف بالنصوص الأدبية النثرية التي تتجه في نظام تواصلها إلى المتلقي الخاص أو العام في العالم المنظور وتضم الخطب والوصايا والمناظرات ...الخ .
ثانيا مجموعة الخطابات ذات الوظيفة الوجدانية التعبيرية وتضم الخطابات الأدبية التي تركز في نظام تواصلها على المتلقي الخاص وتضم الأدعية والرسائل ...الخ .
ثالثا مجموعة الخطابات ذات البنية السردية وتضم كل ما انتج من نثر في فن الأخبار والسير والتراجم والحكايات القصصية ...الخ .
هذه أهم أنماط النثر الأدبي التي تمثل واقع الأدب المغربي و التي اعتمد ها هذا البحث بحسب ما جمعناه في هذه المدونة من مصادر الأدب المغربي المتاحة لنا إلى حد الساعة .
































الباب الأول
فن الإخبار






























الفصل الأول
فن الإخبار السندي في النثر الثقافي الجغرافي والتاريخي



















لا يمكن أن نستعرض كل الآراء التي قيلت في فن الإخبار في النثر الثقافي من حيث طبيعته ومفهومه ومكوناته ومركباته وظواهره ووظيفته ومجالاته وعلاقته بالحضارة ؛ فهو عند أبن خلدون البعد الفكري من الشق الأساسي للعمران ،وعند الأمركيين لا فرق بينهما، وعند الألمان كل معقد يشتمل على المعارف والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون وجميع القدرات الأخرى التي يستطيع الإنسان أن يستخدمها بوصفه عضوا في جماعة ،وهي عند "توماس مان " تتعلق بالنواحي الروحية والجمالية والفنون،وهي عند " شاس منتاجو (Montagu)" استجابة الإنسان لإشباع حاجته كالرغبة في التعلم والمعرفة ،ويستند الإنسان على عقله ليبدع له وسائل وطرقا ينظم بها هذه الحاجات ويهيئها للاستفادة منها ،كما يستطيع بالتعلم عن أجيال سابقة إنشاء تلك الوسائل وتغييرها ونقلها إلى الخلف بعد أن نقلها عن السلف . وهذه الطرق أو النظم يطلق عليها في الغالب النماذج الثقافية سواء كانت نماذج معيشية أم نماذج للفكر ، و على أية حال فإن المنظرين في مجال الدراسات الثقافية يرون بأنها تتميز بثلاث خصائص رئيسية أ-أنها اختراع أو اكتساب إنساني محض دون غيره من الكائنات الأخرى التي تحتكم إلى الغريزة أنها تنقل من جيل إلى جيل ...كما تنقل من وسط اجتماعي إلى وسط اجتماعي آخر .
ج-أنها قابلة للتعديل والتغير
وفي الحقيقة فإن لفظ الخطابات النثرية السندية الثقافة ،وإن ارتبطت دلالتها اللغوية بالمجتمع الزراعي في بعض المجتمعات ؛ فإن الأصل يعود أساسا إلى المنحى الديني ،إذ كل الثقافات والحضارات مبنية بصفة جوهرية على الأديان المتلاحقة ،والتي جاءت كلها لتنقل البشرية نقلة نوعية من وضع إلى وضع أقوم وأحسن ،ومن ثم يمكن تحقيق خلافته فوق هذه البسيطة على الوجه الأمثل والأكمل.
والعلاقة بين الخطاب السندي التاريخي والجغرافي في الثقافة العربية هي علاقة الدال بمدلوله إذ الثقافة روح التاريخ وهو فعلها المتحرك يعمل على استحضار الماضي ويكسبه الديمومة والتواصل بين صانعيه والأجيال فيصبح ذلك الكل المعقد الذي يقبل التراكم ولا يقبل الإلغاء أو التجزئة على المستوى الوطني والقومي للأمة من الأمم أو حتى على المستوى الإنساني .
ونتجاوز هذا البعد الفلسفي للتزاوج بين الثقافة والتاريخ اللذين يشكلان الدائرة الكبرى للهوية الحضارية المجردة لنحصر بحثنا في الدائرة الصغرى التي ترى في تاريخ الثقافة وقائع معرفية تحددها مقاطعها الأساسية الفكرية والتاريخية والمكانية سواء كانت على مستوى شخصياتها الصانعة لها بمقاطعها الصغرى و الكبرى ولن تكون الأولى غير الأعمال الثقافية التي قد تكون تأليفا أو إبداعا في فن من الفنون ولن تكون الثانية غير التراث الفكري والعلمي والأدبي لجيل أو عصر أو أمة أم كانت على المستوى المكاني الذي تصنعه الدول والحواضر العلمية.
كما يؤدي التفكير في فلسفة الثقافة التي لا تنفصل عن فلسفة حياة المجتمعات وتاريخها وتناقضاتها، ومقتضيات متطلباتها المعرفية ورغبات نفسياتها، وكل ذلك يؤدي إلى البحث عن سبل التواصل الناجح والملائم الذي يمثل تحقيق كل تلك الميول والنزعات، و يشترط في السياق نفسه في هذا التواصل أن يكون واضحا ومعبرا ومهذبا،ومن ثم فإن الأشخاص الذين يتحاورون ثقافيا ينطلقون من مواقف فكرية ودينية وفلسفية وصيروراتها الحضارية ومقتضاياتها الواقعية الراهنة ، وفي الوقت نفسه فهم يخضعون لمتغيرات تاريخية تطورية متشابكة ومعقدة ، تحركها مجموعة من المعتقدات والإيديولوجيات ،والروحانيات والعقليات والممنوعات، والمباحات والعواطف والأهواء ، والتصورات للوصول إلى اختيار أنساق ثقافية تعبر عن هذا الكل المعرفي المعقد الناتج عن سيادة نمط للحياة السياسية للأمة لأن الذوات المتكلمة تخضع لضرورات تراعي كل هذه الحقائق السالف ذكرها ، والتي قد تتأثر أيضا من التقاطعان والتفاعلات بين الثقافات على أساس التغاير والتصارع أو على أساس الأخذ والتكامل ،ومن هذا المنطلق يفترض فيها أن تكون معركة فكرية تدفع إلى تحريك روح التاريخ لأن أي تحريك هو تطور و تغيير لمحتوى التفكير ومنهجه ووظيفته يتم باختيار نمط ثقافي وجعله يسود ويفرض تجد يدا معرفيا مستمرا لأن هذا التجديد نفسه يتحول بدوره إلى ثاني وثالث ورابع وبهذه الكيفية المتسلسلة والمتلاحقة تتكون النظرية التطورية الاجتماعية النفسية الفكرية الجمالية التي تتأصل بحسب قواعد ومنطق فلسفة التاريخ والثقافات والحضارات .
وفي الحقيقة فإن الثقافة بوصفها تصرفا وسلوكا و إبداعا وفكرا محضا وجدت منذ أن وجد الإنسان وصرخ صرخته الأولى بأول حرف ليبعث الأنس في نفسه وفي الأشياء غداة استقباله لواقعه الجديد ومحنته الطارئة لتبدأ قصة المعرفة والاستمتاع والكشف عن حقائق هذا الوجود ، فهذه مرجعية تاريخية لتأصيل الثقافة في بعدها الإنساني المطلق
أما الثقافة في بعدها التاريخي الإسلامي المغربي فقد وجدت منذ الطلائع الأولى للفتح الإسلامي وعرفت مراحل كبرى في تطورها .
وجماع القول فإنها كانت في المرحلة الأولى مجرد أشكال خطابية لمعارف مختلفة تحقق وجودها ضمن متلقي بقي حبيس الضمنية الفكرية و السلبية، بإرادته واختياره وفطرته ، وفي هذه الحالة فإن الثقافة تستقبل جملة ولا تتجاوز إلى الدخول في حوار تاريخي شامل لتفشي كل أسرارها أو بعضها، وفي المرحلة الثانية كانت الثقافة ضمن ثنائية غير متكافئة بين تجارب ثقافية كاملة وإدراك ناقص ، وبمعنى آخر فإن إدراك الفعل الثقافي أصبح مثيرا لمفاهيم غائمة نتيجة التفاعل الناقص وغير المتكافئ بين الخطاب الثقافي والمتلقي،وغياب فضاء فكري نوعي وفي المرحلة الثالثة نشأ نوع من التكافؤ بعد النجاح في التعرف عما هو مدرك من هذه الثقافة وتحديد هويتها الأمر الذي يحدث نوعا من الألفة المتنامية التي تصل إلى حد إلغاء كل ما هو مضاد لها ومضاد لشحن التاريخ والحضارة بمحتواها ويصبح لا شيء غيرهما ؛فهذا التزاوج الثنائي بين الإنسان الفاني والثقافة الباقية واحد من القضايا الكبرى لفلسفة تاريخ الثقافة عامة، وفلسفة تاريخ الثقافة الإسلامية خاصة ،ومن هذه الثنائية ينطلق التفكير في التعرف على هذا الباقي في غياب الفاني.
ثانيا - الخطاب السندي في نسق ثقافية الحواضر المغربية
أولا-تحديد المفاهيم :
نبدأ كلامنا بتحديد ثلاث مصطلحات عند اجتماعها تصبح بنية ونسقا معرفيا ،وفهمه وتحليله يمثل إشكالية لها مجال قابل للبحث ؛ وأعني بها الثقافة والفكر والحاضرة ، والأول قد حدد سابقا ،وسنحاول فهم المصطلحين الأخيرين على كل منها على حدة ،ثم مجتمعين من وجهات نظر نرى بأنها تقدم البحث بأبعاده الفكرية ، ومراميه الثقافية والحضارية.
1- مفهوم الحاضرة ونثر السند المكاني :
إن مفهوم الحاضرة ليس من اليسير الإلمام بدلالاته سواء معجميا أم معرفيا ،وذلك لتعقده وارتباطه بتطور المجتمعات ونظمها واختلاف النظرة إليها وفهمها سواء من حيث المرجعيات الدينية أم الفكرية أم الاجتماعية أو السياسية أم كلها مجتمعة ،ونعود إلى المعاجم لنستأنس بها لكون اللغة الأساس والأصل والجوهر الحامل للقيم الحضارية والدينية والفلسفية للجماعة وعبقريتها في رؤيتها للأشياء والكائنات والظواهر ،وهكذا فقد جاء في متن لسان العرب بأن "الحاضرة " جاءت من الحضر: خلاف البدو، والحضارة والحضارة: السكون بالحضر، كالبداوة والبداوة، ثم جعل ذلك اسما لشهادة مكان أو إنسان أو غيره، فقال تعالى: {تجارة حاضرة تديرونها بينكم} " …والحضيرة: جماعة من الناس يحضر بهم الغزو، وعبر به عن حضور الماء، والمحضر يكون مصدر حضرت، وموضع الحضور.
ومن نزل البادية ، أو جاور البادين وظعن بظعنهم ، وانتوى بانتوائهم : فهم أعراب ؛ ومن نزل بلاد الريف واستوطن مدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب : فهم عرب ، وإن لم يكونوا فصحاء...
وفي الحديث: لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ؛ الحاضر: المقيم في المُدُنِ والقُرَى، والبادي:المقيم بالبادية ...ويقال: فلان من أَهل الحاضرة وفلان من أَهل البادية، وفلان حَضَرِيٌّ وفلان بَدَوِيٌّ. والحِضارَةُ: الإِقامة في الحَضَرِ؛ عن أَبي زيد. وكان الأَصمعي يقول:الحَضارَةُ، بالفتح؛ قال القطامي:
فَمَنْ تَكُنِ الحَضَارَةُ أَعْجَبَتْه، فأَيَّ رجالِ بادِيَةٍ تَرانَا
والحَضَرُ والحَضْرَةُ والحاضِرَةُ: خلاف البادية، وهي المُدُنُ والقُرَى والرِّيفُ، سميت بذلك لأَن أَهلها حَضَرُوا الأَمصارَ ومَساكِنَ الديار التي يكون لهم بها قَرارٌ، والبادية يمكن أَن يكون اشتقاقُ اسمِها من بَدا يَبْدُو أَي بَرَزَ وظهر ولكنه اسم لزم ذلك الموضعَ خاصةً دونَ ما سواه؛ وأَهل الحَضَرِ وأَهل البَدْوِ.والحاضِرَةُ والحاضِرُ: الحَيُّ العظيم أَو القومُ؛ وقال ابن سيده:الحَيُّ إِذا حَضَرُوا الدارَ التي بها مُجْتَمَعُهُمْ؛ قال:
في حاضِرٍ لَجِبٍ بالليلِ سامِرُهُ، فيهِ الصَّواهِلُ والرَّاياتُ والعَكَرُ
فصار الحاضر اسماً جامعاً كالحاجِّ والسَّامِرِ والجامِل ونحو ذلك. قال الجوهري: هو كما يقال حاضِرُ طَيِّءٍ، وهو جمع، كما يقال سامِرٌ للسُّمَّار وحاجٌّ للحُجَّاج؛ قال حسان:
لنا حاضِرٌ فَعْمٌ وبادٍ، كَأَنَّهُ قطِينُ الإِلهِ عِزَّةً وتَكَرُّما
الأَزهري: العرب تقول حَيٌّ حاضِرٌ، بغير هاء، إِذا كانوا نازلين على ماءٍ عِدٍّ، يقال: حاضِرُ بني فلانٍ على ماءِ كذا وكذا، ويقال للمقيم على الماء: حاضرٌ، وجمعه حُضُورٌ، وهو ضدّ المسافر، وكذلك يقال للمقيم: شاهدٌ وخافِضٌ. وفلان حاضِرٌ بموضع كذا أَي مقيم به. ويقال: على الماء حاضِرٌ وهؤلاء قوم حُضَّارٌ إِذا حَضَرُوا المياه، ومَحاضِرُ؛ قال لبيد:
فالوادِيانِ وكلُّ مَغْنًى مِنْهُمُ، وعلى المياهِ مَحاضِرٌ وخِيامُ
والحَضِيرَةُ: موضع التمر، وأَهل الفَلْحِ (* قوله: «وأهل الفلح» بالحاء المهملة والجيم أَي شق الأَرض للزراعة). يُسَمُّونها الصُّوبَةَ، . ورجل حَضْرٌ: ذو بيان...وفي الحديث: من بَدَا جَفَا أَي من نَزَلَ البادية صار فيه جَفاءُ الأَعرابِ.
كما يقال :؛قُرَيش الأَباطِح أَشْرف وأَكْرَمُ من قُرَيش الظَّواهِر لأَن البَطْحاوِيِّينَ من قُرَيشٍ حاضِرَةٌ وهُمْ قُطَّانُ الحَرَمِ، والظِّواهِرُ أَعْرابُ باديةٍ.
وفي حديث أَبي بكر: والقارِيةُ والقاراةُ: الحاضرة الجامعة. ويقال: أَهل القارِية للحاضرة،وأَهل البادية لأَهل البَدْوِ. وجاءني كل قارٍ وبادٍ أَي الذي ينزل القَرْية والبادية.
والدلالات اللغوية تركز كلها على وجود تقابل ثنائي بين نمطين من الحياة ،أحدها يخص الحاضرة التي تعني الاستقرار والقوة والتجمع وتوفر أسباب الحياة من ماء وغذاء بالإضافة إلى مظاهر الرفاه والرخاء ،والتعلم والتثقف والتميز في الفكر والسلوك.
وهكذا فإن الحاضرة مرادفة للمدينة المذكورة في القرآن بصيغة المفرد والجمع في اكثر من آية ،ويرجع اشتقاقها إلى أصل سامي قديم ؛ وكانت تعني سلطة الحكم والقضاء،وهذا التحديد امتد إلى هوية الحاضرة الإسلامية التي من شروطها وجود حاكم وقاضي وإمام عالم للمسجد الجامع، إضافة إلى وجود قوة لحمايتها والدفاع عنها ،وحركة اقتصادية تضمن العيش الرغيد باستمرار لسكانها ،وهذه الجوانب والمظاهر من حياة المدينة ونظامها يمثل أرقى صور الثقافة ،وأنضجها ابتكرها الإنسان ،وتمثل تمدنه وتحضره .
2-مفهوم الفكر :
جاء في تعريفات الجرجاني للفكر بأنه " ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول" ،وهذا التعريف على الرغم من اختصاره؛ فهو يحل كل الإشكاليات المتعلقة بأي نشاط لأي أمة في تجربة حياتها الحضارية مهما كان نوعها وحجمها ومكانها وقوتها واستمرارها بعد زوال أصحابها، وانتقالها الانتظامي بالتوارث من جيل إلى جيل ،ومن أقوام إلى أقوام أخرى ويعني ذلك وجود أصول لأي إبداع في أي فن من الفنون أو علم من العلوم أو أي نشاط آخر ،وهذا الأصل له فضاء مكاني انتظم وأبدع ورأى فيه النور لأول مرة ،وله جماعة متفقة في توجهها وأهدافها وملتزمة بمبادئي تؤمن بها ،ومرتبطة بمصير مشترك ماضيا وحاضرا ومستقبلا ،وهذه الجماعة تفرز قيادات تشكل المرجع واللحمة المتينة لها ،وتتميز عن بقية الجماعة بمواهب وعبقريات لها وحدها القدرة على الحفاظ عن خصوصية الجماعة، وبلورة هويتها المتميزة في التصور والابتكار والاجتهاد والوصول إلى المجهول في معارفها وحياتها الذي يحسب لها وحدها، وينتسب إليها قبل أن يصبح ميراثا إنسانيا .
3- تفاعل البنية الكلية الثلاثية :
إن تحديد التفاعل للإطار العام للبحث يتم من خلال تحليل مكوناته والمكون الأول باعتباره الفضاء العمراني السلطوي الذي يتحرك فيه الإنسان وينظم فيه نشاطه لخلق ظروف ملائمة لإنتاج نظام ثقافي وفكري متكامل يعبر فيه عن هويته الحضارية وطموحه وتوجهاته فهذا الامتداد بوسائط نسقية منظمة لكينونة الإنسان هو ما يميزه عن غيره ،فهو بمقدوره أن يمدد طاقته المعرفية العقلية والوجدانية والحسية للتواصل مع الوجود والظواهر من أبعد المسافات والأزمنة ،وفي جميع الظروف لتحقيق شتى الغايات المعرفية ضمن تواصل وجداني و عقلي وتجريبي واجتماعي ،يقول"ماك لوهان" عن هذه الوسائط المختلفة بأنها: " امتدادات لحواسنا ولوظائفنا :فالإطار هو امتداد للإنسان ،والكتابة امتداد للرؤية واللباس امتداد للجلد" ، ،والإبداع امتداد لأذواقنا وأروحنا ،وغالبا ما تتبدل علاقاتنا مع محيطنا وعلى هذا الأساس تبدو أهميته في تدعيم الموقف المعرفي العام فما بالك إن كانت هذه الوسائط الامتدادية تتحرك داخل وسيط الوسائط أو رسالة الرسالات أعني الرسالة السماوية.
الحاضرة تعني ثقافة وفكر متمدن في مقابل ثقافة وفكر غير ذلك ،وتعني ثقافة وفكر سلطوي رسمي في مقابل ثقافة وفكر غير ذلك ،وتعني ثقافة وفكر تحكمه قواعد وقوانين التمدن في مقابل ثقافة وفكر تحكمه البداوة ،والحاضرة تعني ثقافة وفكر الاستقرار في مقابل ثقافة وفكر الترحال .
الحاضرة أو المدينة هذا الفضاء الاجتماعي النفسي السلطوي الآمن والمخيف والظالم والعادل والجامع لمشارب مختلفة تتقاطع فيها ثقافات وأفكارا تآلفا أوتخالفا لتتجه نحو المستقبل كالشعاع الحر فتتجاوز الحيز الترابي الفاني لتبقي على امتدادات حيزه الحبري الثقافي ، فيتحرر من أصحابها ونسبهم وجماعتهم وجيلهم ، ويصبح ميراثا للإنسانية متمردا على مكانه وزمانه .
فما هو هذا الفضاء وأصحابه ؟ وما هو امتداداتهما المتفاعلة في دوائر ودوامات ثقافية فكرية قبل و بعد التخلص من أصحابها وفضائها بكونهما الحيز الطيني الفاني لوجودهما ؟.
سنحاول تحليل هذه الإشكاليات من خلال تفكيك مظاهر الحاضرة التيهرتية في روافدها، ومصادرها الثقافية والفكرية، و بنياتها كالآتي :
أولا - الروافد الذاتية الداخلية المشكلة للملامح العامة لبنية الثقافة والفكر في تيهرت :
أ- تحديد فضاء هذه الروافد:
فضاء صناعة الثقافة والفكر هي مدينة تيهرت بناها عبد الرحمن بن رستم على موضع تاهرت القديمة وجعلها عاصمة الدولة الرستمية لأول دولة إسلامية في المغرب الأوسط ، التي دامت 152سنة في حين دامت الجارات المنافسة لها أي الدولة الأغلبية 112سنة ، و الدولة الإدريسية 139سنة ،و لا تدانيها في الصمود أمام نكبات الدهر من تاريخ الدول المغربية إلا الدولة الموحدية ، وبفضل هذا الاعتناق المذهبي السياسي الإباضي أضحت تاهرت من المراكز الثقافية الكبرى في بلاد المغرب ،ووفد إليها طلاب العلم من سائر أنحاء المغرب ،وبخاصة في عهد حكم الرستمييين ،وقد تعددت فيها اللغات واللهجات ،وجاب علماؤها مدن الشرق والمغرب رغبة في طلب العلم وتحصيله ، كما خرج منها أيضا طلاب العلم إلى القيروان وقرطبة.
ويجب علينا أن نقرأ التاريخ الثقافي والفكري لهذه الحاضرة الإسلامية الإباضية المغربية قراءة دلالية للبحث عن المغزى البعيد لكل صور من صور النشاط العلمي من خلال رسائل تتضمن الكيفات الخاصة لتفاعل فضاء وإنسان وزمان أنتجوا هذا الإرث الباقي الذي سنذكر بعضا من صوره ،ونصف جوانب من مظاهره في هذا البحث ،وما قيل عن حاضرة تيهرت يمكن تصنيفه إلى ثلاثة أنماط:
الأول خطابي حين تكون المدينة الموضوع والمرجع ،وفي هذه الحالة يتمازج الوجود اللساني بالوجود الطيني الفاني ؛وهذا يمثل أغلب كلام الجغرافيين والرحالة والمؤرخين لأن هذا الفاني لا يمكن أن يحقق وجوده الفعلي في الفضاء الخطي ،وإنما سيكون وجوده نسقا دلاليا مستنسخا من وجوده الفعلي الواقعي، وقلما تتفق حوله الملاحظات، و هذا لا يعني تناقضها لأن الذي تقع عليه الذات المدركة لهذا الوجود الطيني ؛ فهو هذا التتابع الذي لا ينقطع من حالات التصورات للمنظومات النسقية الدلالية الثقافية والفكرية ، أي حياة المدينة في حركتيها، ومظاهرها المتنوعة بحسب مزاج أصحابها.
والصنف الثاني يمزج بين الفاني والباقي بمعنى ينقل الشق الأول في شكل رموز لخلق وجوده الثاني ،ثم يعنى بالوجود الباقي الذي لا كيان له غير الكيان الورقي والخطي .
والصنف الثالث يركز مهمته على الخطي الرمزي بمعنى لا ميراث له غير بياض الورق ولا كيان له غير التشكيل الحبري ولا مرجعية له غير العقل والروح .
ونستعرض بشيء من الاختصار نماذج من النمط الأول كما هو في ولادته الورقية التي لا وظيفة له غير استنساخ الواقع الطيني ، وإعطائه إمكانية تداوله ومنها :
1- يصف ابن حوقل حاضرة تيهرت فيقول عنها بأنها:"مدينتان كبيرتان ،إحداهما قديمة ،والأخرى محدثة .والقديمة ذات سور ،وهي على جبل ليس بالعالي ،وفيها كثير من الناس ،وفيها جامع ،والمحدثة مدينة أيضا فيها جامع كتاهرت القديمة ،وإمام وخطيب ..."
2-ويصفها الإدريسي ا في كتابه "نزهة المشتاق " فيقول عنها بأنها: " ..كانت فيما سلف من الزمان مدينتين كبيرتين
إحداهما قديمة والأخرى محدثة . والقديمة من هاتين المدينتين ذات سور وهي على قنة جبل قليل العلو .وبها ناس وجلهم من البربر .ولهم تجارات وبضائع وأسواق عامرة .وبأرضها مزارع وضياع جمة . وبها من نتاج البراذين والخيل كل حسن وأما البقر والغنم فكثيرة بها جدا وكذلك العسل والسمن وسائر غلاتها كثيرة مباركة,وبمدينة تاهرت مياه متدفقة وعيون جارية .تدخل أكثر ديارهم .ويتصرفون بها .ولهم على هذه المياه بساتين وأشجار تحمل ضروبا من الفواكه الحسنة . وبالجملة إنها بقعة حسنة "
3-وقال عنها ابن خلدون : اجتمعت طوائف البربر الإباضية من لماية ،ولواته ،ورجالة ،ونفزاوة ، فنزل بها (تاهرت)، واختط مدينتها سنة مائة وأربعة وأربعين من الهجرة ،وهو موافق لما ذكره الشماخي في سيره وأبو زكريا في تاريخه ،والدرجيني في طبقاته والبرادي في جواهره رحمهم الله والله أعلم بالحقائق
ومن المحدثين قال عنها سليمان الباروني : مدينة من مدن المغرب الأوسط (الجزائر) .. وتذكر الروايات أن عبد الرحمن بن رستم ،والي القيروان من قبل الإمام أبي الخطاب بن الأشعث بعد هزيمة أبي الخطاب عام 144هـ/761 ,وقد بناها على بعد خمسة أميال في الجنوب الغربي لمدينة تاهرت القديمة الرومانية التي ترجع إلى العصر الروماني كما ذكر مصادرها عند أهم المؤرخين القدامى الذين هم :
تاريخ أبو العباس الدمشقي المطبوع في الهند ذكر اسم تا هرت واعتبرها مدينتين
تاريخ ابن واضح العباسي الشهير باليعقوبي وهو من علماء الخمسين الأولى من المائة الثالثة
ومن الذين ألفوا في أخبار تاهرت وتاريخها من الأندلسيين محمد بن يوسف ،وأبو عبد الله التاريخي الوراق ذكره الحميدي في جذوة المقتبس فقال "ألف بالأندلس للحكم بن المستنصر كتابا ضخما في "مسالك إفريقية ومماكها" ،وألف في أخبار ملوكها ،وحروبهم ،والغالبين عليهم ،كتبا جمة ، وكذلك في أخبار تيهرت ووهران وتنس وسجلماسة ونكور والبصرة هنالك وغيرها من تواليف حسانا..أندلسي الأصل ... وإن كانت نشأته بالقيروان .
وقالت عنهادائرة المعارف بأنها هي (تنغرتيا) التي كانت كرسي أسقفية في القرن الخامس للميلاد وقال عنها علي دبوز :"أما مدينة تيهرت فقد أخذت في الأدبار ،وجلت عنها الطبقات الراقية التي كانت تعمرها ،وكسفتها الذلة ،وقدصيرها الشيعة ،ومن جاء بعدهم من دول المغرب :الصنهاجيون والحماديون والموحدون ...إلى أن وقعت فتنة ابن غانية الميورقي في القرن السابع الهجري آخر عهد الموحدين .فكان يجلب على تيهرت من قابس ويوالي عليها الغارات ،فارتحل منها في سنة 620هـ فبقيت خالية ،وخربها الميورقي،وأتى الزمان على مابقي منها "
وهذا الكلام الذي اخترناه من القدامى والمحدثين يكرر بعضه بعضا لأنه يحاول استحضار هذا الفضاء العمراني الحجري وينظر إليه في غالبه على أنه مجمع للحياة في جانبه المادي وبطله الإنسان ومادته أمشاجا دلالية لها قيمة تاريخية حضارية تصويرية رمزية تأويلة من الدرجة الأولى.
والنمط الثاني هو الاقتراب من هذا الفضاء الحجري بنمط خطابي يجمع بين الوسائط المباشرة وغير المباشرة ذات الصبغة الجمالية بمعنى يتم وصفها بنمط خطابي إيقوني كنائي بارد وبنمط آخر استعاري شعري حار .وفي الغالب نكون أمام أداء لساني نوعي تتحول من خلاله الحاضرة إلى أسطورة وهاجس شعري في محاولات اسنتساخ تجربة مدن لها قداستها، ولها دورها غير العادي الذي استطاع تحويل مجرى التاريخ الإنساني مثل مكة والمدينة ،وكانت المدينة العامل الأساسي والرئيسي لأي تغيير للتوجه والتحول العام للإنسانية برسالات ومعتقدات وأفكار تجدد للناس حياتهم.
وشيوع فكرة المدن المقدسة في المغرب أو المشرق من الظواهر المميزة لثقافة المدينة ،وهذا واضح في قصة بناء القيروان ،واعتبارها المدينة المقدسة الرابعة بعد مكة والمدينة وبيت المقدس .
ثم توالت هذه الموتيفات القدسية الواحدة المنسوجة حول قصص بناء حواضر المغرب لتضفي شيئا من الكرمات ، ومن ثم تكتسب المدينة نوعا من القدسية هكذا كان الشأن بالنسبة لفاس وكذلك تاهرت وغيرها ،ومن حكاية بناء تاهرت أنهم أمروا مناديا بأعلى صوته قائلا ،يا من بها من الوحوش والسباع أن أخرجوا وارتحلوا ،فإنا نريد عمارتها ونازلون بها ،ولكم أجل ثلاثة أيام ،أو ما في معنى هذا الكلام ،قال أبو زكريا ،وذكروا أنهم رأوها تحمل أولادها في أفواهها وهي خارجة من تلك الأشجار الخ القصة
ومن هؤلاء من جمع بين وصفه بلغة الجغرافيين والرحالة والمؤرخين ، وبين وصف الشعراء، كما في قول بكر بن حماد يصف جو تاهرت :
ما أخشن البرد وريعانه وأطراف الشمس بتاهرت
تبدو من الغيم إذا بدت كأنها تنشر من تــحت
فنحن في بحر بلا لـجة كأنها تنشر من تــخت
نفرح بالشمس إذا ما بدت كفرحة الذمي بالسـبت
فنحن في بحر بلا لجة تجري بنا الريح على سمت
ولايختلف ما جاء في وصف تيهرت في نسق نثري في خاصية من خاصياتها ،وتروي لنا الروايات بأن رجلا من أهل تيهرت نظر إلى توقد الشمس بالحجاز فقال :"أحرقي ما شئت .فو الله إنك بتاهرت لذليلة"
وربما نعد بعض النصوص أوغل في التواصل السيميائي المشبع بالدلالات الوجدانية في جمعها بين المدينة الحنين، والمدينة السر، والمدينة الحقيقة ،والمدينة الغربة ،والمدينة النحس، وهذا ما عبر عنه سعد بن أشكل التاهرتي الذي قال قصيدة في مرض وفاته ،وجمع بين مدينتين وواقعين وهاجسين:
نأى النوم عني واضمحلت عرى الصبر وأصبحت عن دار الأحبة في أسر
وأصبحت عن تاهرت في دار غربة وأسلمني مر القضاء من القدر
إلى تنس ذات النحوس فإنها يساق إليها كل منتقص العمر
هو الدهر والسياق والماء حاكم وطالعها المنحوس صمصامة الدهر
بلاد بها البرغوث يحمل راجلا ويأوي إليها الذيب في زمن الحر
يرجف منها القلب في كل ساعة بجيش من السودان يغلب بالوفر
ترى أهلها صرعى دوي أم ملدم يروحون في سكر ويغدون في سكر
وهذا النوع من التلاقح بين الوجود الشعري والعمراني يمثل صورا من صور الثقافة والفكر، وبخاصة إذا كان نابعا من تأمل تلقائي يسمح للذات المدركة أن تشيء مدركاتها داخل ذاتها، فهي لا تراها في ذاتها كما يمكن أن ترى موضوعا خارجه ،أو على الأصح إنه لا يرى من هذا الوجود إلا النتائج والرموز، في شكل أفعال وحركات وأقوال الخ، وقد تؤول هذه الرمزيات تأويلا صحيحا – لا يكشف من هذه الحياة إلا مواضع انتقالها، كما لو حكمنا على فعل ما بحسب نتائجه، لا بحسب مقصده الثقافي والفكري الذي صدر عنهما ،ومع ذلك يبقى دائما لهذه الملاحظة الخارجية قيمتها، ولكنها تحتاج إلى ضبط كل ما يتعلق بهذه الرموز، فأولا: يندر أن يختص رمز ما بواقعة حياتية واحدة، كما يندر أن تترجم واقعة حياتية ما برمز واحد.
وثانيا: إن الصورة التي نحصل عليها، بهذه الطريقة، تكون صورة تخطيطية مسرفة في التبسيط؛ ولكن هذه الصورة وإذا كانت صادقة- تظهر السمات العامة للثقافة والفكر التي كونها الإرث التاريخي في هذه الحاضرة أو تلك هذا الحيز الوجودي بعوامله الأخرى، والجهد الذي يتطلبه تفسير الرموز يستلزم أن تبدو الخصائص- على ما فيها تفيدنا علما بواقع ما ندرسه، فإن استغرقنا في الحركة الدائمة التي هي استحضار لتراثنا؛ فهذا قد يحجب عنا السمات الجوهرية للحقيقة ،وتصبح آنذاك تكييف هذه الحياة الثقافية والفكرية بحسب فهمنا الجديد لهما والذي يتحكم في تشكيل وعينا المستوعب للماضي استيعابا نقديا يمنع تكرار الصور السلبية اللاعقلانية ،و هذه الطبيعة المزدوجة لإرث هذه الحواضر بإمكانه أن يقوي ملكة إعادة بعث و فهم وإبداع وتمديد ماضينا المثالي في الوجود القابل لبقاء جواهره بعد فناء عوارضه .
النمط الثالث هو اختفاء الوجود الحجري والمادي للحاضرة وهيمنة الوجود الثقافي والفكري ،وفي هذه الحالة فإن نظاما آخر أكثر حرية وأقل ارتباطا بالمكان وأوغل في التجرد من شخوصه ،وفي الحقيقة فإن الحاضرة بمثل حجم تيهرت ورسالتها، والهدف من إنشائها من البداية لم تكن مجرد تجمع سكاني يلجأ إليه نشدانا لسلطان السيف والعدل والبيان والرفه وتحقيق المصالح الحياتية الرغيدة والقوة والأمن ،ولكن كانت بدافع تهجير ثقافي وفكري نحو خلق وجود يضمن له الحماية ليسود ويبدع ويبني حضارة بمعنى تجمع من أجل مشروع حضاري متميز ،وكل ذلك يعد تكرارا للتجربة المحمدية في هجرته إلى المدينة ،و يتولد من هذا الوضع مجموعة من الدوائر تحاول أن تتسع ما أمكن في شكل فتوح أو دعوات أو معاملات مصحوبة بنية إمداد وهيمنة ثقافية وفكرية إلى مجال أوسع وأشمل،ومن هذا التصور يمكن تحديد الامتداد الثقافي والفكري التيهرتي على الأقل في خمس دوائر :
أولا- الدائرة الأولى:
هي التي تجمع بين نفوذ السلطان ونفوذ البرهان والبيان ،ويذكر المؤرخون مجال هذه الدائرة التي تكون تاهرت فيها أما وشمسا والباقي توابع وكواكب، وهذا ما يطلق عليه الإشعاع الثقافي والفكري ،وهذا الإشعاع هو الذي يحدد أهمية أية حاضرة في بعدها الذاتي و الإقليمي والمغربي والعربي والإسلامي و الإنساني.
1-جدلية الحركية الثقافية والفكرية التيهرتية بين البعد الديني و الذاتي :
ونقصد به المنطلق الإسلامي وخصوصية ذات الجماعة لحركية التوالد والإبداع الثقافي والفكري ونظامه وطبيعته وقوته ومنطقه المعرفي ومجالاته في هذا الحيز حين ينتج فيه نمطا حضاريا يكون المجتمع التيهرتي هو البطل ،ومن جراء ذلك تنشأ دافعية حقيقية تتجه نحو النبوغ الثقافي والفكري ،ولا يخفى أن أول ما أسس من هذه المدينة مسجدها الجامع " انتخبوا أربعة مواضع ،ورموا القرعة فجاءت في المكان الذي خصصوه لصلاتهم أيام إقامتهم في تنقية الأشجار ... أصبحت عروس تلك المنطقة ووصفها المؤرخون من أنها عراق المغرب ،وأنها بلخ المغرب ،وأنها قاعدة المغرب الأوسط ،لما كان بها من الحضارة الإسلامية ورواج سوق المعارف والتجارة الواسعة ، إذ كانت ترد إليها وتصدر منها أنواع البضائع إلى السودان وأقصى المغرب وبلاد الأندلس ومصر والشام والحجاز واليمن وبغداد وغير ذلك من البلاد ..مما سيأتي في أقوال المؤرخين من إخواننا المالكية والحنفية "
وهذا يعني الانطلاق مما يمثل أساس هوية المدينة الحضارية والثقافية والفكرية بوصفها أهم المكونات الأساسية في نفسية و فكر المجتمعات البشرية التي تخشى فراغ الانتماء ،وتبقى الأنساق الثقافية والفكرية بأشكالها المختلفة أهم مجال يمتص هواجس الهوية وبخاصة أن هذه الأنساق لها قابلية خلق مجالات للهوية المضادة الانفصالية المتولدة أساسا من الهوية الأصلية ؛لكن بنية هذه الأنساق الدينامكية تخلق فيها عناصر التجاذب نحو الهوية الحقيقية الأصلية الإنسانية ؛ وهي الأقوى إذا وضعت في مدرج تقويمي يبرز عناصر الإبقاء على الدائرة المركزية الواحدة الأصلية بالإضافة إلى الدوائر المتفرعة التي لا تقبل التمرد ؛ وهذا التصور سيبقى حيويا في مجال الثقافة المتعددة التي تتجاوز إطار اللسان الرسمي الواحد ـ بكونه الدائرة المركزية الحارسة لوحدة الجماعة ؛و يتجاذبها قطبان محلي وإنساني ويحتويهما البعد الإسلامي؛ومن ثم فإن هذا الإصرار على تجاوز مفهوم هوية الحواضر من كونها وجودا في الخارج و من الخارج إلى كونها خطابا أدبيا يستقطب حركة الفكر والروح، وهي تتشكل من عمق التاريخ والواقع؛ وهوية الحاضرة بهذا المفهوم الحضاري الاجتماعي الإنساني تمثل الوجه الدلالي المتمنطق بمرجعيات تأصيلية عقلية ذهنية وواقعية غير أن الوجه الآخر الأرحب في دلالته يبقى الوجد الروحي الجمالي والفكري المتمظهر بمظاهر لاحصر لها ،وهذا ما يحاول المسجد الجامع تحقيقه من خلال التعدد والتنوع والجمع بين مختلف الأفكار والفرق والمذاهب ،فالمسجد في تصور ه الأمثل لا تقتصر وظيفته على أداء الشعائر الدينية فقط ،وإنما تتجاوزه إلى الإبداع الفكري والأدبي ،ولا عجب في ذلك فإن المسجد الجامع يعني خلق نشاط حركي أدبي يبدأ بالخطابة المسجدية والمناظرات وأدبيات الدعوة بتنوع خطابها ، وينتهي بالأنساق الثقافية الأخرى اللسانية وغير اللسانية؛ فهذه الحاضرة كانت تعج بالعلماء والأدباء ،ولا عجب في ذلك فإن فقهها السياسي لم يكن مبنيا على أساس عرقي وراثي ،ولكنه مبني على أساس الأعلم والأصلح والأتقى .
2- جدلية الحركية الثقافية والفكرية التيهرتية بين البعد اللغوي العربي والمحلي :
هذا العامل الثاني هو الصانع لحركية الدفع الثقافي والفكري في هذه الحاضرة ،وتقول المصادر الثقافية والفكرية بأن العربية كانت هي اللغة العلمية ،والأدبية ،والرسمية في الدولة الرستمية ،فبها ينظم الشعراء ،ويكتب الكتاب ،ويسكب أهل تيهرت فن عقولهم ،ووجدانهم المشبوب في القصائد والأناشيد ،وفي الزجل والأراجيز "
و إذا كانت اللغة العربية هي السائدة والرسمية في الدولة الرستمية في التدريس والخطابة والتأليف والدواوين ،ويعني أن هذه الدولة كانت في الإجمال عربية اللسان ...غيرأنها لاتستنكف من استخدام أي وسيلة أخرى لنشر الثقافة والفكر والوعي بالانتماء الحضاري ،ويقول بعض المؤرخين للشؤون الفكرية الرستمية أن " الوعاظ والخطباء في القرى النائية وفي رؤوس الجبال التي لم تنتشر فيها العربية انتشارها في المدن ،فصار أهلها لا يفهمون الفصحى .كان الوعاظ في هذه البيئات يلقون دروسهم ومواعظهم بألسنة أخرى ،ويؤلفون لهذه النواحي كتبا بالبربرية في العقيدة الإسلامية ،وفي الشريعة،وفي تاريخ الرسول [ صلى الله عليه وسلم]،وفي كل ما يجب عليهم أن يعرفوه لأنه دينهم ، أوغذاء ضروري وثقافة لازمة لعقولهم ."
3- جدلية الحركية الثقافية والفكرية التيهرتية بين البعد التراثي العربي المشرقي والمحلي:
إن الحركية الثقافية والفكرية في بعدها التراثي المشرقي تمثله تلك العلاقات العضوية الثقافية والفكرية بين المشرق والمغرب ولعل المؤرخين في الشؤون الثقافية والفكرية يذكرون بأن أول إرسالية علمية فقهية مذهبية إلى المشرق وإلى البصرة بالضبط قد تمت مبكرا في الدعوة على يد سلمة نفسه لأخذ العلم على زعيم الحركة بالبصرة من الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي ،وكان أشهر هؤلاء الأشخاص أبا عبد الله محمد بن عبد الحميد بن مغيطر الخباواني ،وقد أصبح ابن مغيطر مقدم الإباضية في منطقة طرابلس ،كما كان عبد الرحمن بن رستم أحد تلامذة أبي عبيدة مسلم بن كريمة من حملة العلم إلى المغرب
والإنتاج المحلي تمثله أساسا مكتبة المعصومة العامة وما تحويه من تراث ذاتي وإقليمي وعربي وإسلامي ؛ و" بلغت محتويات مكتبتها العامة في تيهرت ثلاثمائمة ألف مجلد ، هذا غير الكتب التي ألفت في أطراف الدولة كغدامس وفزان و زويلة فلم تصلها ،والكتب الجديدة التي لازالت خاصة بمؤلفيها لم يبثوها فتصل المعصومة .
وكان أغلب ما في مكتبة المعصومة في تيهرت هو من انتاج الدولة الرستمية لذلك حرقها العبيديون." ،وما وصلنا من كتب تلك العهود ككتاب (نوازل نفوسة) للإمام عبد الوهاب كان باللغة العربية الفصيحة ،ومارأيناه من الكتب التي ألفت بعد الدولة الرستمية بزمن قليل كتفسير الشيخ هود بن محكم الهواري ، فهذا الفضاء الذاتي لهذه الحاضرة أنبت أول مفسر للقرآن الكريم وصلنا تفسيره الهواري وأول شاعر مكتمل الشاعرية هو بكر بن حماد ،وإن كانت لم تصلنا كل أشعاره .
4- جدلية الحركية الثقافية والفكرية التيهرتية في بعد ها السياسي :
كما أن قوة الدائرة الأولى وفاعليتها تتمثل في تركيبتها البشرية المؤهلة لاحتضان أرقى التجارب الثقافية والفكرية ،فهذا التعدد في الأعراق يعني التعدد في الخلفية التراثية الفكرية المحركة للحاضر لإعادة إنتاجه برؤية قرآنية مكتملة تأويلية متميزة بحسب المقاصد الكبرى للشريعة الإباضية المغربية الجديدة وعقيدتها .
أما البعد الإقليمي فيكون على مستوى الإمارة وبالضبط من البيت الرستمي حيث كان بيتا للعلوم جامعا لفنونها من علوم التفسير والحديث وعلم اللسان وعلم النجوم والأصول والفروع والفرائض ؛فعبد الرحمن بن رستم بويع بالإمامة لعلمه وفضله وحسبه أنه من حملة العلم الخمسة إلى المغرب وعبد الوهاب كانت له خلواته العلمية الخاصة إلى جانب مجالسه العامة التي كان يرتادها طلبة العلم من سائر جهات الدولة
وكان اليقظان محمد يدرس في حلقات ثلاث ،ثلاثة أنواع من العلم وكانت مكتبة الأسرة الرستمية المعروفة بالمعصومة تحوي أمهات الكتب الدينية إلى جانب مصنفات الفنون والرياضيات والصنائع
ويذكر المؤرخون الدائرة الإشعاعية الثقافية والفكرية التابعة للمركز التاهرتي بأنها تضم بحسب ما يذكر المؤرخون القدامى والمحدثون ومنهم البشاري و والإدريسي والبكري وابن حوقل والحموي وسليمان الباروني ومن هذه المدن تنس و ووهران والشلف ومدينة الخضراء وإفكان وغزة ،وسوق إبراهيم وأريفن ،وأزكي والغدير وزلاغ ويلل وقصر الفلوس وكرا كما يدخل أيضا في دائرة تيهرت عدة مدن أخرى أقل شأنا من الأولى في تلك الفترة منها : أنكاد ومازونة وهوارة ومليانة وتاجنة وأشير والمعسكر
الدائرة الثانية هي الدائرة المغربية وتتمثل في إسهام الحركية الثقافية والفكرية التيهرتية في ظل السلطة الإباضية أو بعدها في الفضاء الحضاري الثقافي المغربي ككل
و تتقاطع في هذا البعد حركتان :حركة مد نحو خارج الدائرة الأولى وحركة جذب تتجه نحو مركزها ،والعلاقة بين الحركتين هو ما يميز فكر عن آخر ،وأرقى صوره ما يحكمه التوازن بين الحركتين،ويعني هذا التوازن الإبداعية والتفتح والقوة،وهذا ما نلاحظه في العلاقة الفكرية والثقافية بين حاضرة تاهرت والحواضر المغربية الأخرى: القيروان وفاس وقرطبة وسجلماسة وغيرها .
وفي الحقيقة فإن أسباب الازدهار الثقافي والفكري والعلمي في تيهرت – كما يرى دبوز - ترجع إلى كون هذا النشاط الحضاري فريضة دينية وقوة للدولة والمنافسة بين الدولة الرستمية من جهة والدولة العباسية والأغلبية والأموية الأندلسية من جهة أخرى وتمجيد الدولة الرستمية لهذا المسلك العظيم .
والحركة تتم على مستوى الأعمال الثقافية والفكرية وعلى مستوى الشخصيات الصانعة لها لذا نجد كثيرا من الشخصيات التاهرتية شاركت في صنع الحياة الفكرية والثقافية في الحواضر المغربية الأخرى والعكس أيضا صحيحا،فهذا يعني الحركية الثقافية المختلفة التي تعيش جنبا إلى جنب وقد ذكر المؤرخون مجموعة من الشخصيات العلمية غير الإباضية في تيهرت وهم : زكرياء بن بكر بن أحمد الغسالي التاهرتي يعرف بابن الأشج والأشج هو أحمد والده ويكنى أباجعفر دخل الأندلس مع أخيه وأبيه سنة 326 ولد بتاهرت 310 وتوفي سنة 393هـ
ومنهم أبو الطيب محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي بردة الشافعي البغدادي ذكره الفرضي وحدد وصوله على الأندلس بسنة 361هـ وكان ينسب إلى الاعتزال فأخرج من البلد في رجب سنة 373هـ فرجع إلى الإقامة عند إبنته في تيهرت ومن العلماء الذين ذكرهم ابن الأبار في معجمه وفي صلته العلامة ابن الدقاق وهو محمد بن عيسى بن حنين التميمي القاضي والحسن بن علي بن طريف أبو علي النحوي التاهرتي و عبد الله بن محمد بن عيسى بن حسين التميمي التاهرتي وهما نزلاء سبتة
ومن العلماء الذين ذكرهم صاحب البغية :العلامة قاسم بن عبد الرحمن تلميذ ابن حماد ونسبه إلى تيهرت وكان من جلساء بكر بن حماد وتتلمذ عليه عند دخوله الأندلس أبو بن حزم ومنهم إبنه العلامة أبو الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التاهرتي البزاز ذكره ابن بشكوال في الصلة إذولد يوم الثلاثاء في أول ربيع الأول سنة 309هـ بتاهرت
ومنهم الشاعر ابن الخراز التيهرتي .سافر إلى البصرة المدينة المغربية فمدح أبا العيش عيسى بن إبراهيم بن القاسم
والبعد العربي أو الدائرة الرابعة وهذا واضح في العلاقة بين الحياة الثقافية والفكرية المشرقية والتيهرتية وتتمثل أساسا في توافد الشخصيات العلمية والآثار الثقافية والفكرية من المشرق إلى المغرب ،والبعثات العلمية وبخاصة بين بغداد وتيهرت وقصة نفاث وما جرى له في سبيل جلب كنوز ديوان الإمام جابر بن زيد، وقصة سجن أبي اليقظان ، وقصة رحلة بكر بن حماد إلى بغداد ومدحه للمعتصم واجتماعه بحبيب وصريع ودعبل وعلي بن الجهم وغيرهم وهذه القصص كلها معروفة ومتواترة في كتب السير والتاريخ .
ومن العلماء الذين كان لهم دور فعال في نقل التجربة العبقرية التيهرتية إلى الأقاليم الإسلامية الأخرى يذكر المؤرخون وكتاب السير أحمد بن القاسم بن عبد الرحمن التاهرتي البزاز ، وأبو الفضل الذي ولد بتاهرت ،وأتى مع أبيه صغيرا إلى الأندلس ،وكان أبوه من جلساء أبي بكر بن حماد التاهرتي ،وممن أخذ عنه . وقد روى عنه أبو عمران الفاسي موسى بن عيسى بن أبي حاج ، فقيه القيروان.
وقال أبو عمر بن عبد البر : سمع أبو الفضل التاهرتي من ابن أبي دليم ، وقاسم بن أصبع ،ووهب بن مسرة ،ومحمد بن معاوية القرشي ،وأبي بكر الدينوري ، وكان ثقة فاضلا ،اختص بالقاضي منذر بن سعيد ،وسمع منه تواليفه كلها .وقال أبو عمر :وقد لقيته وسمعت كثيرا منه
أخبرنا أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري ،قال: حدثني أحمد بن القاسم التاهرتي بكتاب "صريح السنة " لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ،وبكتاب "فضائل الجهاد" له ،وبرسالته إلى أهل طبرستان المعروفة بـ"التبصير" عن أبي بكر أحمد بن الفضل الدينوري ،عن الطبري . فهذا التفاعل والتكامل بين الفكرالتيهرتي وغيره يلغي أي مسوغ لأي مفاضلة بين المشرق والمغرب .
والبعد الخامس هو البعد الإفريقي ولا يخفى أن انتشار الإسلام في دول الساحل الإفريقي كان بفضل المد الثقافي الفكري الديني المذهبي التيهرتي على الرغم من أن أي وقفة تحليلية نقدية لمصادر الثقافة والفكر لحاضرة تيهرت تؤكد بأنه قد ضاع في أغلبه ،منه ما اتلف أو احرق بسب عقائدي سياسي ؛وإلا فبماذا نفسر اختفاء مكتبة المعصومة التي كانت تحوي أغلب التراث الأدبي التيهرتي ، وقد بقي منه النزر اليسير نجده مبثوث في كتاب (نفح الطيب ) والكتب المغربية الأخرى التي حفظت لنا شيئا من أدب الدولة الرستمية وشعرائها أكثر مما نعرف لقضاء العبيديين على تراثها الأدبي ،ومطاردتها لعلماء الدولة الرستمية وأدبائها ،فاضطر كثير منهم إلى تغيير أسماء الأشخاص والبلدان الرستمية في قصائدهم واستبدالها بغيرها خوفا من العبيديين ، كما اضطر الكثير منهم إلى مجارات العاصفة العبيدية فتظاهروا بالتنكر للدولة الرستمية والانتساب إلىالعبيديين ،أو الهجرة إلى الأندلس فنسبوا إلى الدولة الأموية في الأندلس ،أو إلى العبيدية والصنهاجية وهم أبناء الدولة الرستمية ،نبغوا في حجرها ،وأشرقوا في سمائها .
5ـ الإبداع الثقافي والفكري المغربي التيهرتي والعقدة المشرقية:
في هذه القضية القديمة المتجددة التي تذهب إلى أن شرعية أي نشاط فكري أو أدبي أو تأصيلهما يستلزم العودة إلى المشرق ، ويمكن تأكيد ذلك بذكر بعض الوقائع ومنها الآتي :
يحكى أن سعيد بن أحمد بن خالد لما رحل إلى مصر لقيه بعض الأدباء وبعد أن تداولا الحديث حول أدب المغاربة والمشارقة تعصب المشرقي للمشارقة فما كان من المغربي إلا أن احتال عليه في الجدل فذكر شيء من الشعر المغربي في وصف الخمر والغزل ونسبه إلى أبي نواس فطرب له المشرقي وأظهر إعجابه به وزاده ذلك احتقارا للمغاربة فما كان من المغربي إلا أن كشف له عن صاحبه المغربي ففحم من جرائه المشرقي وضعفت حجته وانكشف تعصبه المبني على التهوين من الآخر أو تجاوزه إن لم نقل إلغاؤه
-الشعر:
يبدو أن الحياة الأدبية في حاضرة تيهرت تختلف في توجهها العام وتشكلها عن غيرها من حواضر المغرب مثل القيروان وفاس ،ويعود هذا إلى ضعف الحياة الأدبية فيها وبخاصة الزهد في الشعر على الرغم من أن بعض أمراء هذه الدولة كانوا شعراء ومنهم مثلا أفلح بن عبد الوهاب وبخاصة قصيدته الوعظية التي يصل نفسها الشعري إلى أكثر من أربع وأربعين بيتا
وعلى الرغم من ذلك فقد نبغ في حاضرة تاهرت مجموعة من الشعراء ،و البلغاء ،منهم بكر بن حماد التاهرتي الذي أدخل أسماءالقبائل البربرية في الشعرية العربية لأول مرة إذ لا نجد ذكرا لهذه القبائل في أشعار سابق البربري المطماطي بينما يلاحظ تكرار هذه القبائل في شعر بكر بن حماد مثل زواغة ونفزة ومغيلة وجراوة وعلى العكس من ذلك نجد حشدا كبيرا لذكر القائل العربية في القصيد ة الفزارية المشهورة .
وبكر بن حماد هذا روى عنه أبو العرب وسمع من هارون بن الحاسب ومحمد بن رزين . قال أبو العرب ولقد حدثني بكر بن حماد عندما أورد سيرة بكر بن حماد وكذلك حين كلامه عن البهلول بن عمر بن صالح بن عبيدة التجيبي وعند كلامه عن عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقري وكذلك نجده عند ذكره ليزيد بن مجالد وكذلك لزرارة بن عبد الله وعبد العزيز بن يحي
ا ومن الشعراء والأدباء أيضا "أحمد بن الفتح بن خزار ،وسعد بن أشكل التاهرتي ،والأديب بن هرمة ،وغيرهم كثير "
ومن الشعراء أيضا الذين ينسبون إلى تاهرت ما جاء في أنموذج الزمان لابن رشيق عن الشاعر ابن الربيب القاضي ،وهو الحسن بن محمد التميمي القاضي التاهرتي المعروف بابن الربيب قال عنه ابن رشيق :"أصله من تاهرت وطلب العلم بالقيروان ،وكان أبو عبد اله محمد بن جعفر النحوي والمعروف بالقزاز معنيا به محبا له فبلغ به النهاية في الأدب وعلم الخبر والنسب ،وله في ذلك تأليف مشهور ،وكان خبيرا باللغة شاعرا مقدما قوي الكلام يتكلفه بعض التكلف حدثني جماعة من أصحابنا قالوا : سألنا عبد الكريم : من أشعر أهل بلدنا في الوقت ؟فبدأ بنفسه وثنى بابن الربيب . توفي بالقيروان سنة عشرين وأربعمائة وقد جاوز الخمسين وتولى القضاء
النثر
لمعرفة مدى ازدهار النثر في تيهرت يكفي أن نعرف أن الدولة الرستمية هي الدولة الوحيدة التي يغلب على نشاطها الثقافي الكتابات النثرية أكثر من الإبداع الشعري ،ولا عجب في ذلك فكما يقول دبوز :"بأنها كانت دولة العلم ،فعلماؤها أكثر من أدبائها ،والأدب فيها ضعيفا .ولم تكن في درجة الدول العربية الشرقية التي عاصرتها في الأدب.. " ،ويمكن أن نوافقه على الحكم الأول لكن لانوافقه على الحكم الثاني لكون علماؤها هم أنفسهم أدباؤها ؛ومن ثم فليست أقل شأنا من دائرة أخرى من دوائر الأدب العربي ،ويكفي أنه ينسب لها في مجال النثر مجموعة من الرسائل والخطب والمناظرات والسير والمؤلفات في الشريعة والعقيدة والفكر والتاريخ واللغويات ،وغاب النقد أو غيب فلم يصلنا منه أي مخطوط يضاهي ما كان في القيروان .
"ومن علماء تيهرت ابن أبي إدريس ،وأبو العباس بن فتحون ،وعثمان بن الصفار ،وأحمد بن منصور ،وعثمان بن أحمد بن بجباج، وأبو عبيدة الأعرج."
"ومن علماء الدولة الرستمية في جناحها الغربي محكم الهواري ،وأبنه الشيخ هود بن محكم .وكانا في جبال أوراس التابع للدولة الرستمية ،وأبو عبد الله محمد ابن عبد الله قاضي الإمام أبي اليقظان ،وعبد الله بن اللمطي ،ومحمد بن بكر ،وزكريا بن بكر الغسالي ،وإبراهيم بن عبد الرحمن التنسي ،وأبو سهل الفارسي .ومنهم أبو يعقوب يوسف بن سيلوس السدراتي . "
ومن علماء الدولة الرستمية أبو صالح جنون بن يمريان ،وأبو مرداس مهاصر السدراتي ،وأبو زكرياء التوكيتي ، وعبد الحميد الجناوني ،ومعبد الجناوني ،وعبد الخالق الفزاني ،وإدريس الفزاني ،وسعد بن أبي يونس ،ونفاث بن نصر ،وأبو الشعثاء السنتوتي ،وماطوس بن هارون ،وماطوس بن ماطوس ،وأبو الربيع سليمان بن زرقون ،وغيرهم كثير يعدون بالمئات تجد تراجمهم في كتب الطبقات التي ذكرنا ،وفي سير الشماخي،هذا وما نجهل من أسماء العلماء الذين كانوا في تيهرت وفي المغرب الأوسط ،وجنوب إفريقية أضعاف ما نعلم ،إن العبيديين قد قضوا على كتب الدولة الرستمية في المغرب الأوسط وفي جنوب إفريقية ،فلم يصلنا منها إلا النزر اليسير الذي حفظ في الجبال والصحراء .فلو بقيت مكتبة المعصومة ،ومكاتب المدن الرستمية لعلمنا أسماء مئات من العلماء كانوا نجوم المغرب وأقماره وشموسه وحياته.
ومما يدل على كثرة العلماء في الدولة الرستمية أن إبراهيم بن الأغلب لما غزا في حرب مانوا مدينة قنطاطرة في جبل نفوسة أسر ثمانين عالما .واستشهد أربعمائة عالم من جنوب إفريقية . "
ويذكر صاحب كتاب :" المفسرون الجزائريون عبر القرون " أن عبد الرحمن بن رستم أول المفسرين الجزائريين في القرن الثاني الهجري لكن تفسيره ضاع كما ذكروا له ديوانا للخطب ربما كانت خطبا للجمعة والأعياد والمناسبات ،وذكر له أيضا مجموعة من الرسائل كان يرسلها إلى إخوانه ،وأصدقائه
كما يذكر بأن هود بن محكم الأوراسي الهواري هو أول المفسرين في القرن الثالث الهجري لاكما ذكرته بعض المصادر بأنه من القرن السابع الهجري ،وهو مفسر فقيه وأباضي من أقدم مفسري كتاب الله العزيز في المغرب الأوسط نشأ وتعلم بتيهرت وكان والده قاضي تيهرت في عهد الإمام أفلح ابن رستم سنة 240هـ،وهوم أول من فسر .. أمام الناس وكتابة وهذا من آثار تفسير القرآن الكريم خاص بالإباضية منه نسخة مخطوطة بالعطف
وقسم الباروني هؤلاء العلماء إلى ثلاث طوائف بحسب الانتماء المذهبي إلى مجهول النسب وإلى إباضيين وغير إباضيين وغير الإباضيين الذين ينسبون إلى تاهرت هم :العلامة زكرياء بن بكر الغسالي التاهرتي
ودور العلماء المنسوبين لتاهرت في غيرهم من علماء الأمصار الأخرى واضح يورد صاحب جذوة المقتبس أبو الفضل أحمد بن القاسم التاهرتي الذي هو شيخ من شيوخ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري
5ـ الإبداع الثقافي والفكري المغربي التيهرتي والتركيبة البشرية والتنوع المذهبي:
إن الحياة الثقافية والفكرية يشكلها أساسا طبيعة الإنسان وبنيته الاجتماعية ،والبنية البشرية لحاضرة تاهرت متنوعة منها البدوي الذي يسعى ليتأقلم مع المناخ الثقافي والفكري والعلمي لمدنية الحواضر، وتتكون تركيبة المجتمع التيهرتي المعقدة من البربر و البدو المدنيون والفرس والعرب والأفارقة والسودان واليهود ؛ وهذا ما جعل هشام بن عبد الملك يقول من وجهة نظر عرقية جعلها مقابلة أساسا للمغربية في هزيمة العرب أمام البربر في موقعة الأشراف " والله لأغضبن غضبة عربية "
وما يتميز به التركيب الاجمالي التيهرتي خلوه من الصراعات العرقية إذ الكل انصهر وذاب بفعل القوة الفكرية الثقافية التي تتجاوز الصراعات التي عرفها المشرق واصطلح عليها بالشعوبية
وهذه التركيبة تشكلت من جماعات جاءت وافدة إما طلبا للحرية التي تنشدها لتعيش بأفكارها وجماعات الفرق الأخرى ،والتنوع المذهبي منهم ما قامت عليه الدولة وهم الإباضيون وبقية فرق الخوارج الأخرى ،ومنهم السنيون ،ومنهم المعتزلة وبالضبط الواصلية .
أما عن مصادر الزهد في المغرب فيقول شارل أندري جوليان : "يظهر أن الزهد في مظهره البسيط تطور ابتداء من سنة 830م تحت تأثيرات واردة من العراق ثم دخله الجدل وأخذ المشرق والأندلس يبعثان بعلمائهما إلى إفريقية حيث كثر مريديهم .وكان العرب وخاصة أهل القيروان يسافرون إلى العراق أو المدينة للجلوس إلى حلقات العلماء المشهورين ثم يقفلون راجعين ونفوسهم تفيض حماسا بما نهلوه من علوم جديدة وهي تواقة إلى نشرها في أوطانهم،وهكذا نشأت طبقة من العلماء ورجال الدين والفقهاء أثاروا بمناظراتهم حماس الناس...
" سلمة بن سعد الحضرمي أول شخصية تذكرها المصادر الإباضية مقرونة بالدعوة الإباضية في شمال إفريقية ،وقد ارتحل إلى شمال إفريقية بعد عام 95هـ /713م .وقد استقر في جبل نفوسة في منطقة طرابلس وقال قوله المشهور : ووددت أن يظهر هذا الأمر بأرض المغرب يوما واحدا من غدوة إلى الزوال فما أبالي أن ضربت عنقي "
واختيار هذا الداعية للمغرب لنشر هذا المذهب الصارم يخالف ما يذهب إليه بروكلمان من "أن قبائل البربر ،من أهل الصحراء الكبرى ،شرعت تدخل ، شكليا في الدين الإسلامي منذ القرن التاسع وما بعده ،فالحق أن وضعهم الديني كان لا يزال على مستوى منخفض جدا ،وإننا نعرف من النقوش الرومانية ،في شمال إفريقية ،مثل،أن الاله "باكة" ظل يحتل عند قبيلة برغواطة مقام الله حتى الربع الأول من القرن الثاني للهجرة. ليس هذا فحسب بل إننا نجد إلى اليوم أن بعض قبائل البربر في شمال إفريقية لا تزال أمينة للدين الذي وجدت عليه آباءها ،ولعاداتهم وتقالدهم ،على الرغم من اعتقانها للإسلام اسميا.
وما يميز المجتمع التيهرتي هو حركية الانتقال بوتيرة متزنة من حياة البداوة إلى حياة التمدن والحضارة والاستقرار والعلم والفكر العقائدي والمذهبي ،غير أن في ما بعد كان الحماس أكثر على مظاهر التمدن والتحضر للمجتمع والدولة ،وهذا ما يذهب إليه ابن الأثير وابن خلدون إذ كل منهما يرى أن انصارف معظم الرستميين إلى حياة الترف والدعة والولع بالفنون والآداب
كما برزت المرأة في الحياة الثقافية والفكرية في تاهرت حبث كانت أخت الإمام عبد الوهاب تفوقت عليه في علم الفلك وتفوقت عليه في قراءة الطوالع والنجوم وكانت غزال زوجة أبي اليقظان محمد مالكة لأمره ولا يخفى دور دوسر ابنة أبي حاتم يوسف في إحداث العصر الرستمي الأخير
إن الحياة الفكرية في المغرب عموما بما في ذلك الأندلس تتميز عن المشرق بالتزامها الحدود الإسلامية في أبسط صورها الفطرية بخلاف المشرق الذي كثيرا ما يتميز بإقصاء الحدود الشرعية ،وربما هذا جعل المغرب يعرف هذه المذاهب من قواسمها المشتركة والواقعية ،وربما نورد بعض الشواهد للوقوف عند هذا الاختلاف يذكر صاحب جذوة المقتبس في سيرة أحد علماء الذي عاش في المشرق والمغرب واطلع على الندوات والحلقات والمجادلات بين الطوائف والفرق والأديان والإلحاد والمتعلقة بأبي عمر أحمد بن محمد بن سعدي سأله أبي زيد بالقيروان عن حالة المشرق وبالضبط عن حلقات الجدل في بغداد في حياة أبي بكر بن عبد الله الأبهري فسئل عن رأيه في هذه المجالس فأجاب بأنه حضر مرتين ولم يعد إليها لأنها تجمع الفرق كلها المسلمين من أهل السنة والبدعة والكفار من المجوس والدهرية والزنادقة واليهود والنصارى وسائر أجناس الكفر ،ولكل فرقة رئيس يتكلم على مذهبه ،ويجادل عنه ،فإذا جاء رئيس من أي فرقة كان ،قامت الجماعة إليه قياما على أقدامهم حتى يجلس ،فيجلسون بجلوسه ،فإذا غص المجلس بأهله ،وراوا أنه لم يبق أحد ينتظرونه ،قال قائل من الكفار :قد اجتمعتم للمناظرة ،فلا يحتج علينا المسلمون بكتابهم ،ولا بقول نبيهم ،فإنا لانصدق بذلك ولا نقر به ،وإنما نتناظر بحجج العقل ،وما يحتمله النظر والقياس ثم ذهب إلى مجلس فوجده مثل الأول فتعجب أبي زيد القيروني الفقيه المشهور ولم يجوز هذا النوع من المجالس بل هي في نظر الشرع حرام على المسلمين
ويمكن لهذا البحث أن يجمل نتائجه في الحروف الأخيرة من كيانه ومنها :
1-إن تيهرت حاضرة علمية وثقافية وفكرية وحاملة لمشروع حضاري يقبل التمديد زمانيا ومكانيا لسطان البرهان والبيان ،على الرغم من غياب سلطان القوة .
2-إن تيهرت كانت لها شخصيتها المتميزة في الإنتاج الثقافي والفكري ،ولعل هذا التميز يتمثل أساسا في غلبة سلطان النثر على سلطان الشعر ، وسلطان العلم والعقل على سلطان الخرافة والوجدان .
3- إن تيهرت أول عاصمة لدولة إسلامية في المغرب الأوسط (الجزائر حاليا) عرفت الاستقرار ،وتعميق السلطة الساسية الشورية ،والتسامح الديني مع تطبيق صارم للشريعة الإسلامية، فأي عبقرية هذه التي توفق بين هذه التوجهات التي تبدو من الخارج غير قابلة لتقاسم فضاء حضاري واحد ،وهذا مظهر من مظاهر تميز المغربي عن المشرقي .






























الفصل الثاني
الخبر الاستذكاري الذاتي والغيري
(سرد السير العامة والذاتية والذكريات)















نحاول في هذه الفصل تحديد أدبية السير الذاتية والمذكرات ونظام السرد فيها، ومدى تكوينها لأنساق لسانية ذات طبيعة سميائية تواصلية في وظيفتها تكافئ أي نظام سميائي تواصلي آخر طبيعي.
وإذا كان من السهل تجاوز إشكالية تصنيف هذا النوع من الأدب في عائلة السرديات، فلا يمكن تجاوز إشكالية وضع هذا النوع في الدرجة الأدبية نفسها مع الأنواع السردية الأخرى، وهذا دون شك يرجع إلى الاختلاف في نظامها السردي وبرنامجه ومساراته وأنماطه ومستوياته ومكوناته، وهذا ما سنحاول الكشف عنه في المداخلة التي ستركز على الكتب الآتية:
- سير لشعراء من كتابين: أنموذج الزمان لابن رشيق
- سير للكتاب من كتاب أعتاب الكتاب لابن الأبار.
- سير من كتب التاريخ والأخبار.
وفي الحقيقة فإن نظام السرد ونمطه في السير العامة و الذاتية والمذكرات يحدده موقعه من بقية أنماط السرد الأخرى التي تشكل مدرجا تصنيفيا بحسب هيمنة المرجعيات التاريخية أو الإبداع التخييلي وتكون كالآتي:
الدرامة والملحمة وفنون السرد الحديثة { يهيمن عليها الإبداع التخييلي

الدرامة والملحمة وفنون السرد الحديثة التاريخية
وسط بين التخييلي والتاريخي
السير الذاتية والمذكرات

السير العامة والتراجم
يهيمن عليها التاريخي
التاريخ

أولا – الشعراء من أنموذج الزمان :
أنموذج الزمان يضم الترجمة العامة لمائة شاعر بالإضافة إلى السيرة الذاتية الوحيدة للشاعر نفسه، وفي الحقيقة فإن هذه السير ليست كاملة لكون النسخة الأصلية للكتاب ضاعت ، ولهذا جاءت كلها مبتورة ومختصرة جدا ،وقد اخترنا مجموعة من السير لدراستها ، ونبدأ بالسيرته الذاتية التي كتبها الشاعر لنفسه بضمير الغائب يقول عن نفسه :"هو حسن بن رشيق، مولى من موالي الأزدولد بالمحمدية سنة تسعين و ثلاثمائة. و نشأ بها [و تأدب بها يسيرا]و علمه أبوه صنعته و هي الصياغة، و قال الشعر قبل أن يبلغ الحلم، و تاقت نفسه إلى التزيد من ذلك و ملاقاة أهل الأدب. و قدم إلى الحضرة سنة ست و أربعمائة و مدح سيدنا-خلد الله دولته-سنة سبع عشرة و أربعمائة بقصيدة ذكر فيها بناء ابتناه بمنزله بصبرة، و هي منظرة جليلة أنيقة، أولها:[الكامل]
ذمت لعينك أعين الغـزلان قمر أقر لحسنه القمران
و مشت فلا و الله ما حقف النقا مما أرتك و لا قضيب البان
و ثن الملاحة غير أن ديانتي تأبي علي عبادة الأوثـان
يقول فيها:
يا ابن الأعزة من أكابر حمير و سلالة الأملاك من قحطان
من كل أبلج آمر بلسانه يضع السيوف مواضع التيجان
و ذكر بناء المنظرة بصبرة فقال:
و حللت من علياء صبرة موضعا أكرم به من موضع و مكان
زادت بناه على الخورنق بسطة و حوت أعز حمى من النعمان
و غدا ابن ذي يزن بسفل دونه همما نزلن بت على غمدان
و أما تحقق مكانته من الأدب و محله من قول الشعر قر به، فامتدحه بقصيدة صار بها في جملته و نسب لأجلها إلى خدمته ، و لزم ديوانه و أخذ الصلة منه، و حمل على مركب يميز به ،فمن قوله في مديحها: [البسيط]
لدن الرماح لما تسقي أسنتها من مهجة القيل أو من مهجة البطل
لو أورقت من دم الأعداء سمر قنا لأورقت عنده سمر القنا الذبل
إذا توجه في أولى كتائبه لم تفرق العين بين السهل و الجبل
فالجيش ينفض حوليه أسنته نفض العقاب جناحيها من البلل
يأتي الأمور على رفق و في دعة عجلان كالفلك الدوار في مهل
و له من قصيدة في العتاب: [الوافر]
أجدك لم أجد للصبر بابا فتدخله على سعة و ضيق
بلى و أقل ما لاقيت يسلي و لكن لا أرى عتب الصديق
نهضت بعبء إخواني فزادوا و أثقل ما يرى حمل المطيق
و لكن رب إحسان و بر دعا بعض الرجال إلى العقوق
فان صبر فعن إفراط جهد و إن لأقلق فحسبك من قلوق
يقول فيها:
حصلت من الهوى في لج بحر بعيد القعر منخرق عميق
سأعرض عنك إعراضا جميلا و أبدي صفحة الوجه الطليق
و لا ألقاك إلا عن تلاق بعيد العهد بالذكرى سحيق
لتعلم أنني عف السجايا عزوف النفس متبع البروق
و إني مذ قرت يدي طالت إليك يد العدو المستفيق
و له في الرثاء قصيدة يرثي بها قاضي بلدة المحمدية طاهر بن عبد الله و قد بلغته و فاه بالقيروان، منها [البسيط]
العفر في ذاك الصارخ الناعي و لا أجيبت بخير دعوة الداعي
فقد نعى ملء أفواه و أفئدة و قد نعى ملء أبصار و أسماع
أما لئن صح ما جاء البريد به ليكثرن من الباكين أشياعي
يا شؤم طائر أخبار مبرحة يطير قلبي لها من بين أضلاعي
ما زلت أفزع من يأس الى طمع حتى تربع يأسي فوق أطماعي
فاليوم أنفق كنز العمر أجمعه لما مضى واحد الدنيا بإجماع
توفي الطاهر القاضي فوا أسفا إن لم يوف باريحي و أوجاعي
فللديانة فيه لبس ثاكلة و للقضاء عليه قلب ملتاع
و له في الهجو أبيات يهجو بها رجلا اسمه فرات و هي:[البسيط]
قالوا رأينا فراتا ليس يوجعه ما يوجع الناس من هجو به قذفا
فقلت: لو أنه حي لأوجعه لكنه مات من جهل و ما عرفا
و ما هجوت فراتا غير تجربة و ذو الرماية من يستصغر الهدفا."
ويلاحظ اختصار سرد وقائع من حياته ، والاهتمام أكثر بالاستشهاد بشعره بحيث يكاد تغيب صورة الشاعر ،وتحجب بشعره بكونه البطل الرئيسي في هذا السرد .
ونأخذ سير لشعراء من مذهب ديني غير مذهب الشاعر ومنهم بخاصة من كان على مذهب الشيعة ، ونأخذ الشاعر الرافضــي يقول عنه :"كان رافضيا سبابا ، عليه لعنة الله .و قتله سيدنا –أطال الله بقاءه-سنة عشرين و أربعمائة احتسابا. و كان اعتماده في الشعر على أبي القاسم بن هانئ. و له كان يتعصب. و إن جانب طريقته فلم يسلكها.
جمعني و إياه مجلس طيب ، و كان ممقوتا،فعزمت على خلافه مضايقة له و اهوانا إلى ما يأتي به ، و الجماعة قد فطنوا لي ، فاستدرجوه ، و ذكر بعضهم أبا الطيب و أثنى عليه إسحاق.و قال: به و بأبي القاسم ختم الشعر.
ـــ فقلت:ليس إليه و لا منه في شيء، ذاك صاحب معان. و هذا طالب لفظ على تفاوت ما بين الكوفة و لأندلس.
ــــ قال: من تكون -ويحك- أما سمعت قوله:[الكامل]
ما كان أحسن من أياديها التي توليك إلا أنها حسناء
ــــ قلت:أنا من يضركه جهلك ، و لكن قول البحتري:[الكامل]
ما الحسن عندك يا سعاد بمحسن فيما أتيت و لا الجمال بمجمل
أفضل من هذا ألف ضعف . و منه أخذه لا محالة ، و ألا تعصب لابن هانئ و لا تعرف شعره حق المعرفة فتورد منه ما تخار كهذا الذي أنشدت ،و أنشدته من قصيدة لي حاضرة نسختها في مجلسنا ذلك:[السريع]
أقول كالمأسور في ليلــة رخت على الآفاق كلكالها
يا ليلــة الهـجر التي ليتـــها قطع سيف الوصل أوصالها
ما أحسنت جمل و لا أجملت هذا و ليس الحسن إلا لها
فاستحسن ما سمع و قال : ما لرأيت له هذه القصيدة قط.
- قلت: الشعر لمنشدك إياه ، فتلجلج و استحي.
و لا أعرف من شعر إسحاق إلا قوله –أول مكاتبة إلى بعض إخوانه يقول فيها-: [المتقارب].
ثناؤك كالروض في نشره وجودك كالغيث في قطره
يقول فيها:
و ما أنا من يبتغي نائـــلا بمدحك إذ جاء في شعره
و لكن لساني إذا ما أردت مديحا خطرت على ذكره
فخانـت عدوك أيامــه و لاقى الحوادث من دهره
و لا عاش يومـا به آمنـا و لا بلغ السؤل في أمره"
يلاحظ بأن التخالف الذهبي أدى إلى كتابة السيرة بتصوير هجائي مقضع ساخر .
ونأخذ شاعر آخر يخلف في مذهبه أيضا عن كاتب سيرته ، فهو إباضي من تيهرت ،غير أن الشاعر سرد حياته وذكر شيئا من شعره بنبرة أخرى لايظهر فيها الكره الشديد والمقت ومن التصوير السلبي لصاحب السيرة، وهذا ما نلاحضه في كلامه عن ابن الربيب القاضي ، يقول عنه "الحسن بن محمد التميمي القاضي التاهرتي المعروف بابن الربيب.أصله من مدينة تاهرت. و طلب العلم بالقيروان. و كان أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي معنيا به محبا له فبلغ به النهاية في الأدب و علم الخبر و النسب. و له في ذلك تأليف مشهور.
و كان خبيرا باللغة شاعرا مقدما قوي الكلام يتكلفه بعض التكلف.
حدثني جماعة من أصحابنا قالوا: سألنا عبد الكريم: من أشعر أهل بلدنا في الوقت؟ فبدأ بنفسه و ثنى بابن الربيب.
توفي [بالقيروان] سنة عشرين و أربعمائة [و قد جاوز الخمسين. و تولى القضاء].
صحب بني أبي العرب على يد عبد المجيد بن مهذب و أبي البهلول بن سريج فتقدم تقدما كثيرا. و له من قصيدة يمدح بها محمد بن أبي العرب: [الطويل]
و لما التقى الجمعان و استمطر الأسى مدامع منا تمطر الموت و الدما
لدى مأتم للبين غنى به الهـــوى بشجو و حن الشوق فيه فأرزما
تصـدت فأشجت ثم صدت فأسلمت ضميرك للبلوى عقيلة أسلما
[قال مؤلف الكتاب]: كفى بهذا الشعر شاهدا بالحذق، لما فيه من القوة و الاندفاع،و جزالة اللفظ ، و المجانسة بين “تصدت“ و “صدت“ و بين “أسلمت“و “أسلم“. و منها:
ألا إنما أودى بصبري حاجة لدى رأس نيق للتعذر أبهما
جعلت إليها إذ تناءى محلها ندى ابن أبي العرب المؤمل سلما
ضمنت لنفسي نجحها عنه واثقا و أخلق براج ضامن إن تذمما
و منها:
يفل الخميس المجر مصلت رأيه إذا رأي ثب القوم قال و أحجما
إذا اشتجرت فيه الأسنة خاضها إلى الموت حتى يترك الموت أعصما
و [منها]:
أبت لهم أن يرضوا الضيم أنفس كرام رأت رميا بهـا الموت أحزما
فهبوا و ما هابوا الردى فتدرعوا على خطر قطعا من الليل مظلما
فأرسل باديس الهمـام إليــهم مع الخاتل الغدار جيشـا عرمرما
فسار على جرد يصب لثـــاته و لم يدر حيـنا أي حتــف تيمــما
و منها:
و أودى “علي“حين أودى حسامه و أقدم حتى لم يجد متقدما
و لو لم يعاجاه الحمـام أبـادهم و لكن رجال أسلموه فسلما
و ما أن نجا من غمرة الموت“قاسم“ باحجامه لكنما الموت أحجما
تقدم كي يسقى بما سقيــا بــه فأخره المقدار لما تقدمــا
وهون وجدي أنهم خمسة مضوا و قد أقعصوا خمسين قرما مسوما
و كان عظيما لو نجوا غير أنـهم رأوا حسن ما أبقوا من الذكر أعظما
أبوا أن يفروا والقنا في نحورهم و أن يرتقوا من خشية الموت سلما
و لو أنهم فروا لفروا أعـزة و لكن لرأوا صبرا على الموت أكرما
[و من شعره]يرثي المنور بن محمد بن أبي العرب:[الكامل]
يا قبر لا تظلم عليه فطالما جلى بغرته دجى الإظلام
أعجب بقبر قيس شبر قد حوى ليثا و بحر ندى و بدر تمام
و من: [البسيط]
انظر إلى صورة“الجوزاء" قد طلعت كأنها قانـص بالـدر منشمـر
شيحان منتطق عنت له حمــر صحر قبيل غروب الشمس أو بقر
فأغرق النزع في قوسة براحته قصدا و ظل لدى الناموس ينتظر
قال صاحب الكتاب: هذه صفة مستوفاة جدا يجوز أن يكون جعل “الدبران “ قوسا و “الذراع الجنوبية“يدا و كذلك ذكر الاغراق. و تمكن له وصف الجوزاء بقوله: شيحان. و هو الطويل من الرجال، و قيل:الحذر المتحير لما يريبه أو يخافه، و قيل: الجاد. و أكثر الناس في الحذر و الجاد على أنه الشيح. و قوله“منتطق“ لأن في وسطها نجوما تسمى “المنطقة“ و قوله“حمر أو بقر“ من أحسن شيء لبياض متونها. و “الصحرة“ القريبة من البياض عن البعد مع ما يقتضي ذلك من عظم النجوم المشبهة بها إذا كانت آرام الغزلان داخلة في هذا الباب و ليست الأشخاص سواء لا سيما أن هنالك نجوما تسمى “ البقر“ جوار “الثريا “من برج “ الثور“. و ذكر الاغراق مع قوله: “قبيل غروب الشمس“ عجيب يدل على الحرص و خوف الفوت. و يجوز أيضا أن يكون جعل “الهنعة“ قوسا و إن كانت من نجوم الجوزاء لأن النجوم عندهم إنما هي علامة. و إلا فليست هي صورة الجوزاء حقيقة. و يشد ذلك قوله:
* و ظل لدى الناموس ينتظر*
أي اختفى فليس يرى. و الناموس بيت الصائد.
والشاعر الثالث من أهل السنة فهو على مذهب الشاعر يقول عنه هو :"يعلى بن إبراهيم بن |عبد الخالق| الأربسي أصله من مدينة الأربس و تأدبه بالقيروان.
كان شاعرا مجودا [مليح الكلام، حسن النظام، لألفاظه حلاوة و عليها طلاوة. يذهب إلى الفلسفة في شعره، و يغرب في عباراته. و ربما تكلف قليلا . و كانت له وفور من الخط و الترسل و علم الطب و الهيئة]
اجتمعت به مرة و أنا حديث السن-و لم أكن قبلها رأيته- فأخذ في ذكر الشعراء و غض من عبد الكريم و قال: هو مؤلف كلام غير مخترع. فأغلظت له في الجواب، فالتف إلي منكرا علي، و قال :
و أنت و ما دخولك بين الشيوخ يا بني؟
فقل: و من يكون الشيخ أبقاه الله؟
فعرفني بنفسه. ثم أخرج رقعة بخطه فيها من شعره: [البسيط]

اياة شمس حواها جسم لؤلؤة تغيب من لطف فيها و لم تغب
صفراء مثل النضار السكب لابسة درع مكللة درا من الحبب
لم يترك الدهر منها غير رائحة تضوعت و سنا ينساخ كاللهب
إذا النديم تلقاها ليشر بها صاغت له الراح أطرافا من الذهب

فقال: كيف رأيت؟
فقلت:- و أرد الاشتطاط عليه-: أما البيت الأول فناقص الصنعة، مسروق المعنى، فيه تنافر.
قال:و كيف ذلك.
قلت: لو كان ذكر الياقوتة مع اللؤلؤة كما قال أبو تمام: [الكامل]
أو درة بيضاء بكرا أطبقت حبلا على ياقوتة حمراء

لكان أتم تصنيعا، و أحسن ترصيعا. و لو ذكر روح الخمر مع ذكرك حب اللؤلؤ-يعني الكأس- لكان أوفق للمعنى. و لو قلت مع قولك:
“اياة شمس“حواها نهار ... و عني به الكأس كما قال ابن المعتز، و يروى للقاضي التنوخي:[المتقارب]
و راح من الشمس مخلوقة بدت لك في قدح من نهار
لكنت قد ذهبت إلى شيء غريب عجيب.
أما قولك:
*تغيب من لطف فيها و لم تغب*
فمن قول البحتري:[الكامل]

يخفي الزجاجة لونها فكأنها في الكف قائمة بغير إناء

و أما البيت الثاني فأكثر من أن ينبه عليه:
و أما البيت الثالث فمن قول ابن المعتز: [البسيط]

أبقى الجديدان من موجودها عدما لونا و رائحة في غير تجسيم

و أما البيت الأخير فمن قول مسلم بن الوليد:[الطويل]
أغارت على كف المدير بلونها فصاغت له منها أنامل من ذبل
و من قوله أيضا:[الطويل]
إذا مسها الساقي أعارت بنانه جلابيب كالجادي من لونها صفرا
و فيه عيب يقال له: التوكؤ و هو تكريرك ذكر الراح و أنت مستغن عنه.
قال فبماذا كنت أنت تسد مكان الراح؟
قلت: كنت أقول : [البسيط]
صاغت ليمناه أطرافا من الذهب
و أنشدته لنفسي دون أن أعلمه: [الطويل]
معتقة يعلو الحباب جنوبها فتحسبه فيها نثير جمان
رأت من لجين راحة لتديرها فجادت لها من عسجد ببنان

ثم أنشد يصف بستانا:[البسيط]
تفيض بالماء منه كل فوهة لكل فوارة بالماء تنذرف
كأنها بين أشجار منورة ظلت بمستحلس البلاب تستجف
مجاور تحت أثواب مخلبة على مساحبها دخانها يهف

و قال: هل تعلم في هذا المعنى شيئا ؟ و لم أرد بعد مكاشفته-فأضربت عن أبيات علي بن العباس الرومي في تشبيهه المجمرة بالفوارة. و إنما عكسه يعلى و كتب قريبا منه. و أنشدته لنفسي:[الخفيف]
و كأن الأشجار في حلل الأنــ ـــوار و الغيث دمعه غير راق
غانيات رششن من ماء ورد فخبأن الوجوه في الأطواق
فقال : لمن أنشدتني بدءا و عودة؟
قلت: للذي أنكرت عليه أن يدخل بين الشيوخ.
و عرف بي فاستصحبني من ذلك اليوم.
و من قصيدته التي في البستان:[البسيط]

و تنبذ الماء من أفواهها صور فيه فتحسبها و الماء مرتدف
تثاءبت في أوان القر فاخلطت أنفاسها و الهوا في جسمها كثف
و أول هذه القصيدة:
نشر الصبا بأريج المسك مؤتنف أم ريح بالسفح روض نبيه أنف
مازال تسترق الأنداء نفحته و الليل قد هلهل أثوابه السدف
و حدثني بعض أصحابنا قال: حضرت مجلس أبي محمد عبد العزيز بن أبي سهل البقال-و قد احتفل- إذ دخل يعلى بن إبراهيم بن عبد الخالق مغضبا تظهر عليه الوجمة. فقال له الشيخ: ما بالك يا أبا الحسن وجما؟
قال: أتيت أخانا أبا الفضل جعفرا كاب المعز- يعني المعز بن سيف العزيز بالله- زائرا، فحجب. و والله لولا المحافظة لكانت قطيعة.ثم قال لأحد التلاميذ: امدد لي

فكتب:[الوافر]
أتيتك زائرا فحجب عني و لم يعرف مكانك بالحجاب
فلا تحسب بأني ذو اغتنام لأكل عند مثلك أو شراب
فلي نفس إذا اللأواء هزت جوانبها تقنع بالتراب
و تطمح في ذرى الخيلاء كبرا إذا سميت بضيق الاكتساب
و لولا أن في خلقي اتئادا تركتك بعدها خلق الاهاب
و لكني رأيت الصبر أولى بمثلي فانصرفت إلى العتاب

فأشفق الشيخ من ذلك اشفاقا شديدا ، و خشي عادية جعفر و بادرته، لأنه كان شاعرا حاذقا، صاحب معاني و توليد. و بلغته الأبيات فاعتذر من الحجاب و لم يجب عنها بحرف موزون تقاية من شر يعلى و قطعا للسانه.
و سايرت يعلى مرة فأكثر من الاجتياز بمكان لم أكن أعهده يمر به إلا صفحا.
ثم وقف فأنشدني:[الطويل]
إذا كلل الإكليل كلة ليله و أومض برق بالسراة قليل
فأسعد أنفاسي بنفسي صبابة إليها و طورا بالدموع تسيل
و من كان هذا شأنه في دنوه فكيف تراه إن ألم رحيل
فمن عاش حتى يبصر البين طرفه فلا بشرته باللقاء قبول
و لي رمق يا ملك فيك وقفته على مطمع لولا كان يزول
و قد آن أن يقضي يحبك حسرة فهل لي إلى التوديع منك سبيل

ثم عزم علي: لتنشدن لنفسك، فأنشدته في الوزن و الروي، و لم أكن عملت أوله عليه: [الطويل]

بنفسي من سكان صبرة واحد هو الناس و الباقون بعد فضول
عزيز له نصفان: ذا في ازاره سمين و هذا في الوشاح هزيل
مدار كؤوس اللحظ منه مكحل و منبت ورد الحسن منه أسيل

فحالت علي حاله ساعة حتى أدركني عليه الجزع. ثم أفاق خجلا فأنشدني بديهة: [الكامل]
يا ظبية الأكناف من أمد ذي الأثل كيف ظفرت بالأسد
لو أنني في النوم أرشفها و هوى الهواء بها إلى كبدي
ما كنت إلا خائفا حذرا من فجعة الأيام بالبعد
فعلمت أن له خبرا . ثم كشفت عن القصة بعد ذلك فاذا دار عشيقته هنالك.
و صحبته إلى تلك الناحية فأنشدني لنفسه أيضا:[الطويل]
و ما بي أن أفنى عليك تأسفا و لا أن قلبي في هواك يذوب
و لكنني أخشى بهجرك تنقضي حياتي و مالي من رضاك نصيب
و يبعد عني حسن منظرك الذي به تحسن الدنيا لنا و تطيب
ألا فاحكمي يا “ملك“ فيمن ملكته فاني أسير في يديك غريب
[و قال في مدح شيخنا أبي عبد الله محمد بن جعفر النحوي]:[الطويل]
نسجت شعاعا بيننا فكأننا منها جميعا تحت ثوب مذهب
فمزجتها من فيه حين شربتها و لثمته لرضاب ثغرأشنب
في ليلة للدهر كانت غرة يرنو اليها الخطب كالمتعجب
فت الأنام بها كما فت الورى سبقا، محمد ، بالفخار الأغلب
أبدا على طرف السؤال جوابه فكأنما هو دفعة من صيب
يغدو مساجله بعزة صافح و يروح معترفا بذلة مذنب
فالأبعد النائي عليه في الذي يفتر كالداني إليه الأقرب
و كان شيخنا أبو عبد الله معجبا بهذه الكلمة و يقول: “ما مدحت بأحب إلي منها“.
و توفي يعلى بمصر سنة ثمانية عشر و أربعمائة و قد أربى على الستين. "
وننتقل الآن إلى نوع آخر من السير الخاصة بالسياسيين من كتاب المقفى الكبير والمعجب ، ونأخذ سيرة عبد الله الداعي ، وعبيد الله المهدي ، وحباسة بن يوسف الكتامي ، قالوا عن
أبي عبد الله الشيعي ( - 298) ،هو [أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي :من أهل صنعاء. و قد صار إلى ابن حوشب النجار ، و صحبه بعدن، و صار من كبار أصحابه، و كان له علم و فهم، و دهاء و مكر. فلما أتاه خبر وفاة الحلواني و أبي سفيان قال لأبي عبد الله الشيعي ، ان أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني و أبو سفيان ، و ما، و ليس لها غيرك، فبادر! فإنها موطأة ممهدة لك .
فخرج أبو عبد الله، و أعطاه ابن حوشب مالا، و سير معه عبد الله بن أبي ملاحف. فلما قدم أبو عبد الله مكة سأل عن حجاج كتامة فأرشد إليهم، فاجتمع بهم و لم يعرفهم قصده. و جلس قريبا منهم فسمعهم يتحدثون بفضائل ] أهل البيت، فأظهر استحسان ذلك و حدثهم بما لم يعلموه، ففرحوا به.
و كان رأس الشيعة من كتامة رجلان هما الحرث الجميلي و موسى بن مكاد و هما اللذان جلس أبو عبد الله إلى جانبهما و تحدث معهما في فضائل آل البيت. فلما أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته و الانبساط معه ، فأذن لهم في ذلك. و سألوه عن مقصده في سفر و قالوا له: أين تريد؟
فقال : مصر.
ففرحوا بصحبته، و سرهم ذلك منه و قالوا: الطريق واحدة.
فرحلوا، و هو لا يخبرهم بغرضه. و أظهر لهم العبادة و الزهد، فازدادوا فيه رغبة و خدموه. و كان يسألهم عن بلادهم و أحوالهم و قبائلهم، و عن طاعتهم لسلطان ، و بيننا و بينه عشرة أيام.
قال: أتحملون السلاح ؟
قالوا: هو شغلنا.
قال: فأقرب المدن إليكم؟
فالوا: ميلة.
فلم يزل يتعرف أحوالهم حتى وصلوا إلى مصر. فقال لهم: أستودعكم الله.
قالوا: أي شيء تطلب بمصر ؟
قال : أطلب التعليم بها.
قالوا:إذا كنت تطلب هذا فبلادنا أنفع لك و نحن أعرف بحقك.
قال : بلادكم بعيدة.
قالوا: و ما عليك من بعدها، ونحن نسير في عمران و بلاد؟ فإذا وصلت بلادنا نرفع قدرك عن التعليم و تكون لنا سيدا.
فلم يطمعهم و علق الأمر معهم على الاستخارة. و كان جلدا محتالا قد علم الحيل. ثم أظهر لهم الإجابة بعد المسألة. و سار معهم حتى انتهوا إلى سوجمار حيث تلقاهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبر أبي عبد الله الشيعي. فنظروا غالى تعظيم المتاميين إياه فرغبوا في نزوله عندهم حتى رموا عليه القرعة[في]من يضيفه.
ثم رحلوا حتى دخلوا حد كتامة يوم الخميس النصف من ربيــع الأول سنــة ثمــان و مائتين [8 مارس 901]. فسأله قوم من خيارهم أن ينزل عندهم فقال: أين يكون فج الأخيار؟
فنظر بعضهم إلى بعض تعجبا، و كانوا لم يذكروه في طريقهم و لا سموه له، و إنما أخده من كلام صبيانهم .
فقالوا:عند بني سكتان.
فقال: إليه نقصد! ثم نأتي كل قوم منكم في موضعهم و نزورهم في بيوتهم في بيو تهم فأرضي بذلك قلوب الجميع.
و سار إلى جبل يقال له“ايكجان“ و فيه فج الأخيار. فقال: هذا فج الأخيار. و ما سميا لا بكم، لقد جاء في بعض الروايات أن للمهدي هجرة تنبو [به]عن الأوطان ينصره فيه الأخيار من أهل ذلك الزمان: قوم مشتق اسمهم من الكتمان. فأنتم هم كتامة، و بخروجهم من هذا الفج يسمى فج الأخيار.
و تسامعت به القبائل و تتحدث[ــت]بفضله و علمه في المحافل. و أتته البرابر من كل فج فأظهر ما أذهل عقولهم. و عظم أمره إلى أن تقاتلت كتامة عليه مع قبائل البربر، و سلم من القتل مرارا، و هو مع ذلك لا يذكر لهم المهدي. و اجتمع أهل العلم على مناظرته يريدون قتله.فمنعه كتامة من مناظرتهم. و كن اسمه عند الناس “أبو عبد الله المشرقي“.
و بلغ خبره إلى إبراهيم بن الأغلب أمير افريقية، فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة يسأله عن أمره . فصغره، و ذكر له أنه يلبس الخشن و يأمر بالخير و العبادة فلم يعرض له و سكت عنه.
ثم انه قال للكتاميين: أنا صاحب البذر الذي ذكره [ه]لكم أبو سفبان و الحلواني.
فقالوا: صدقت.
و ازدادت محبتهم له و إعظامه و قوي امره و أطاع[ـتـ]ـه قبائل البربر.
هذا و ابن حوشب يواصله و يسأله فيعرفه ضعف بني العباس ببغداد.
فاتفق أن البربر و كتامة اختلفوا بسبب أبي عبد الله و هم بعضهم بقتله فاختفى. و وقع بين الفريقين قتال شديد. فأخذ الحسن بن هارون ، أحد كبراء كتامة، أبا عبد الله إليه، و دافع عنه، و مضى به إلى مدينة تازروت فأتته القبائل من كل مكان، و عظم شانه. و صارت الرئاسة للحسن بن هارون، و سلم إليه أبو عبد الله أعنة الخيل، و ظهر من لاستتار و شهد الحروب و كان الظفر له فيها و غنم الأموال.
و انتقل إلى مدينة تازروت و خندق عليها . فزحفت قبائل الغرب اليها و قاتلوا اهلها عدة وقائع كثيرة ظفر بهم فيها أبو عبد الله ، و ارتاليه أموالهم فاستقام له أمر البربر عامة.
و زحف إلى مدينة ميلة و قاتل أهلها قتالا شديدا حتى طلبوا الأمان، فأمنهم و دخلها. فبعث إليه إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير افريقية ابنه الأحوال في اثني عشر ألفا و تبعه مثلهم فقاتلهم أبو عبد الله فهزموه و كثر القتل في أصحابه و تبعه الأحول، فسقط ثلج عظيم حال بينهم و بينه، و سار إلى جبل ايكجان، و أحرق الأحول مدينة تازروت و مدينة ميلة.
و بنى أبو عبد الله بايكجان دار هجرة فقصده أصحابه. و عاد الأحول إلى افريقية فسار أبو عبد الله بعد رحيله.
و اتفق موت إبراهيم بن الأغلب و قتل ولده أبي العباس و ولاية زيادة الله و اشتغاله باللهو. فخرج الأحول بجيش كبير يريد أبا عبد الله فهزمه.
و عاد فقتله زيادة الله . فقوي شأن أبي عبد الله و انتشرت جيوشه في البلاد و قال:المهدي يخرج في هذه الأيام و يملك / الأرض. فطوبى لمن هاجر إلي و أطاعني!
و جعل يغري الناس بزيادة الله و يعيبه. و كان مع ذلك وزراء زيادة الله شيعة لا يسوءهم ظفر أبي عبد الله، بل كانوا قد تشوفوا إلى ظهور المهدي ، و أبو عبد الله يرسل إليهم و يعدهم.
و بعث برجال من كتانة يثق بهم إلى عبيد الله المهدي و هو بسلمية من بلاد الشام ليخبروه بما فتح الله و أنهم ينتظرونه . فساروا إليه و أخبروه بما كان من أمر أبي عبد الله . [فهرب هو و ولده أبو القاسم ، و خرج معه خاصته] و أمواله و مواليه . و مر بمصر في زي التجار حتى انتهى إلى سجلماسة فقبض عليه صاحبها اليسع بن مدرار و حبسه.
و خرج أبو عبد الله في العساكر ففتح ميلة و غيرها من المدائن فجهز زيادة الله العساكر لقتال أبي عبد الله ، و قدم عليها إبراهيم بن حبشي أحد أقربائه، فتوجه إليه في نحو من ثمانين ألفا، و أبو عبد الله متحصن في الجبال لا يخرج إليه. فطمع فيه إبراهيم و زحف إليه بالعساكر. فأخرج أبو عبد الله خيلا انتقاها فعاجلها إبراهيم بالحرب، و لم يصحبه أحد من أصحابه، و كانت أثقال عسكره كما هي على ظهور الدواب و الجمال .
و نشبت الحرب فزحف أبو عبد الله بالعساكر على إبراهيم فوقعت الهزيمة [عليه] و على أصحابه، و جرح إبراهيم و عقر فرسه و لم ينج الا بعد الجهد. و استمرت الهزيمة عليه فأسلموا الأثقال و الأموال و العدد و السلاح، و أبو عبد الله في طلبهم يومه ذلك و إلى الغد، فقتل منهم خلقا كثيرا . و كان هذه الواقعة قاصمة الظهر ، و بها تم لأبي عبد الله أخذ المغرب و استقرار دولته.
و كتب إلى المهدي [و هو] بسجنه في سجلماسه يبشره بالفتح ، و أنفذ الكتاب مع أبي الحسين جد بني الحسين ولاة صقلية ، و بعث معه نفقة . و دخل أبو الحسين السجن في لحام و على رأسه لحم يبيعه للمحبـ [ــو]سين و ثياب دهنة، فاجتمع به و عرفه ذلك.
ثم سار أبو عبد الله و أخذ عدة مدائن بالسيف. فحشد زيادة الله و بعث العساكر لقتال أبي عبد الله ، فلقيـ[ــتــ]هم خيل لأبي عبد الله و أوقعوا بهم حتى أتوا على معظمهم قتلا. فاشتد ذلك على زيادة الله و خرج بنفسه في سنة خمس و تسعين [و مائتين – أكتوبر 907] . ثم عاد ، و بعث إبراهيم – من بني عمه- فواقعه أبو عبد الله و قتل منهم خلقا كثيرا ، و مضى كل منهما . فجمع أبو عبد الله عساكره فبلغت مائتي ألف فارس و راجل. و جمع زيادة الله مع ابن عمه إبراهيم ما لا يحصى . و سار أبو عبد الله في أول جمادى الآخرة سنة ست و تسعين [و مائتين-25 فيفري 909 ] فلقبه إبراهيم و اقتتلوا قتالا عظيما طال زمانه و جرت فيه أمور آلت إلى هزيمة زيادة الله في مصر، و نهبت قصور بني الأغلب.
و وصل إبراهيم إلى القيروان، و جمع الناس عليه فلم يستقم له أمر و خرج. و نزل أبو عبد الله برقادة و أمن الناس و لم يتعرض لأحد. و خرج إليه الفقهاء و وجوه البلد فلقوه و سلموا عليه و هنؤوه بالفتح. فرد عليهم ردا حسنا و حدثهم و أمنهم، فأعجبهم ذلك و سرهم. و أخذوا في ذم زيادة الله و ذكر مساوئه، فقال لهم: ما كان إلا قويا و له منعة و دولة شامخة، و ما قصر في دفاعه، و لكن أمر الله لا يعاند و لا يدافع.
فأمسكوا عن الكلام و رجعوا إلى القيروان.
و كان دخول أبي عبد الله رقادة يوم السبت مستهل شهر رجب [296/26 مارس 909].و عندما نزل بالقصر فرق دورها على كتامة . و كان قد خرج منها الناس فنادى بالأمان ، فرجع الناس إلى أوطانهم. و بعث العمال إلى البلاد، و تتبع أهل الشر و الفساد فقتلهم. و جمع ما كان لزيادة الله من الأموال و السلاح و غيره، فاجتمع كثير من ذلك. و كان فيما وجد عدة جوار لهن حظ من الجمال فسأل عمن يكفلهن فدل على امرأة صالحة كانت لزيادة الله ، فأحضرها و أحسن إليها و سلم الجواري إليها، و مرها و سلم الجواري اليها، و أمرها بالقيام عليهن ، و أمر لهن بما يصلحهن [م لم ينظر إلى واحدة منهن] . و أمر بضرب السكة و أن لا ينقش عليها اسم، و نقش عليها من وجه:
بلغت حجة الله
و من الوجه الآخر:
تفرقت أعداء الله
و نقش على السلاح:
عدة في سبيل الله
و رسم على أفخاذ الخيل:
الملك لله
و أقام على ما كان عليه من لبس الدون الخشن و تناول القليل نمن الطعام الغليظ.
و قدم عليه أخوه ابن العباس برقادة فسربه. و خرج في شهر رمضان من رقادة و استخلف على افريقية أخاه /أبا العباس و أبا زاكي . و سار في جيوش عظيمة فاهز الغرب لخروجه و خافته زناتة و تنح القبائل عن طريقه و أته رسلهم بالطاعة له.
فلما قارب سجلماسة بعث إلى اليسع صاحبها يتلطف به و يقول: "لم أقصد حربك ،و لكن لي حاجة مهمة عندك ".و وعده بالجميل. فلما أتته كتبه رمى بها و قتل الرسل. فعاوده بالملاطفة خوفا على عبيد الله المهدي- و لم يذكره له – فقتل الرسول أيضا ، و خرج فقاتل أبا عبد الله يومه على ظاهر سجلماسة، فلما جنهم الليل افترقوا ، و هرب اليسع و أصحابه. و بات أبو عبد الله في غم عظيم لا يدري ما صنع بالمهدي و ولده. فلما أصبح خرج إليه أهل سجلماسة و أعلموه بهرب اليسع، فدخل أبو عبد الله بأصحابه المدينة، و قد المكان الذي فيه عبيد الله المهدي ، و أخرجه و ولده و أركبهما ، و مشى هو و رؤساء القبائل بين أيديهما، و أبو عبد الله يقول للناس: "هذا مولاكم"و هو يبكي من شدة الفرح، حتى وصل إلى الفسطاط الذي ضرب له،فنزل فيه.
و حصل في الناس من المسرة ما كاد يذهب بعقولهم. و أمر أبو عبد الله بطلب اليسع فأخذ و ضرب بالسياط ثم قتل.
و سار بالمهدي إلى رقادة. فلما قاربهما مشى أبو عبد الله و جمع القبائل في ركاب المهدي حتى نزل القصر و سلمه الأمر كله. فتصرف فيه على ما اقتضاه رايه.
فحسده أبو العباس أخو أبي عبد الله، و أخذ يزري عليه في مجلس أخيه. و ما زال بأخيه أبي عبد الله حتى غيره، و كان المهدي لم يترك لأبي عبد الله و لا لأخيه أمرا . فواجه أبو عبد الله المهدي بما في نفسه و قال له : يا مولانا ، لو كنت تجلس في قصرك، و تتركني مع كتامة آمرهم و أنهاهم على حسب ما عودتهم ، لأني عارف بأخلاقهم ، لكان ذهب أهيب لك في أعين الناس.
و كان المهدي قد بلغه ما كان من مفاوضة أبي العباس مع أخيه أبي عبد الله ، فعندما واجه أبو عبد الله بهذا ، تحقق صدق ما نقل إليه ، غير انه رد ردا لطيفا ، و لم يظهر له شيئا.
و كثر القول من أبي عبد الله و أخيه. و أخذ أبو العباس يغري بالمهدي سرا فيصل ذلك إلى المهدي و يتغافل. و زاد الأمر حتى اجتمعوا على قتل المهدي غدرا. و كان غزويه بن يوسف يدخل معهم و يخبر المهدي جرى، فاتفق أنهم اجتمعوا في دار أبي زاكي و معهم أبو عبد الله . فلما كان الصبح خرج أبو عبد الله على عادته، و قد لبس ثوبه مقلوبا، فدخل على المهدي فسلم عليه و خرج. فلم يذكر له المهدي شيئا. ثم دخل عليه في اليوم الثاني و الثالث و ثوبه مقلوب على حاله. فقال له المهدي: ما هذا الأمر الذي أذهلك و شغلك عن أمر نفسك يا أبا عبد الله؟
قال: يا مولانا، و ما هو؟
قال : أرى ثوبك مقلوبا عليك منذ ثلاثة أيام فعلمت أنك ما نزعته عن بدنك.
فنظر أبو عبد الله إلى ثوبه فرآه مقلوبا فقال: و الله ما علمت بذلك إلا ساعتي هذه .
فقال المهدي: إن لهذا لشغل عظيم،فأين كنت البارحة بائتا و الليالي التي قبلها؟
فسكت أبو عبد الله.فقال المهدي: أليس بت هذه الليالي في دار أبي زاكي؟
قال:بلــى .
قال: و ما الذي أحوجك أن تبيت في غير دارك؟
قال:يا مولانا،خفت.
قال:و هل يخاف الإنسان إلا من عدوه؟
قال: أعوذ بالله !
قال المهدي:إن المؤمن لا ياف وليه.
فسكت أبو عبد الله و علم أن عورته قد ظهرت للمهدي. ثم انصرف و أخبر أصحابه بالقصة،فخافوا على أنفسهم من المهدي حتى فرقهم في البلاد.
و خرج أبو عبد الله و أخوه أبو العباس يوما يريدان القصر . و كان المهدي أمر غزويه و رجالا معه أن يرصدوا أبا عبد الله و أخاه. فلما وصلا إلى قرب القصر حمل غزويه على أبي عبد الله و حمل آخر على أخيه فقال أبو عبد الله: لا تفعل يا بني!
قال: الذي أمرتنا بطاعة أمرنا بقتلك.
فقتلاهما يوم الاثنين النصف من جمادى الآخر سنة ثمان و سعين و مائتين [/ 18 فيفري 911] . فخرج المهدي و صلى عليهما و قال: رحمك الله يا أبا عبد الله و جزاك خيرا بجميل سعيك ! و لا رحمك الله يا أبا العباس فانك صرفته عن الحق."
وقال عن حباسة بن يوسف الكتامي ( - 307)أحد قواد المهدي عبيد الله ،و بعثه المهدي على الجيوش لأخذ مصر ، و جهز معه مائتي مركب. فسار الى برقة، و بها أبو النمر أحمد بن صالح من الأبناء على جيش كبير من قبل أبي منصور تكين أمير مصر . فخرج إلى سر و لقي حباسة فاقتتلا و انتصف كل منهما و امتنع من صاحبه. فعزل تكين أبا النمر بخير المنصوري.
و بلغ ذلك حباسة ، فبعث الى أبي النمر و هو موافقه: " ما يحملك على حربنا و انت معزول؟"و بعث اليه بكتاب ورد عليه من مصر بذلك . فانصرف أبو النمر إلى برقة، و تبعه حباسة،و مضى أبو النمر الى مصر فملك حباسة برقة.
و خرج منها فلقي خير المنصوري و هزمه، و أقبل بجيوشه بالإسكندرية فدخلها يوم السب لثمان خلون من المحرم سنة اثنتين و ثلاثمائة [/ 26 نوفمبر 914] و خرج تكين في تاسعه فعسكر بها.
و خرج حباسة من الإسكندرية فعسكر بمشتول من أرض الجيزة. و نودي بالنفير في الفسطاط لعشر بقين من جمادى الآخرة فلم يتخلف عن الخروج الى الجيزة أحد من الخاصة و العامة، إلا نفرً[ا] يعذرون بعلة أو حال عجز عن الحركة. ثم انصرفوا عشاء و لم يكن لقاء .
ثم نودي بالنفير يوم الخميس بعد ذلك بيومين. فخرج الناس خروجا لم ير مثله قط في الاجتماع و النشاط و حسن البصيرة. و أتاهم حباسة في جيشه يومئذ فما بين الظهر و العصر فالتقوا فكثرت القتلى بينهم، و قتل أكثر رجال حباسة و انهزم باقيهم، فبعهم جمع من الرعية ، و عبروا خلفهم خليج بوهة ، و قد دخل الليل ، فخرج عليهم كمين لحباسة بعد الغروب فقتل منهم نحوا من عشرة آلاف.
و أصبح الجند على مصافهم بالجيزة يوم الجمعة، و فيه نودي بالنفير وقت صلاة المغرب، فاضطرب الناس لذلك اضطرابا شديدا ، و خرجت الرعية الى الجيزة ليلهم كله كخروجهم بالأمس.ثم عادوا الى الفسطاط غداة يوم السبت و لم يكن لقاء.
و عاد حباسة الى الغرب. فعند وصوله الى المهدية قتله المهدي.
و قال نافع بن محمد بن عمرو في واقعة حباسة (طويل):
ألا شق جيب الصبر إن كن موجعا و لا يلف لاح فيك للعذل مطمعا
لما دهم الإسلام من فجع حادث تهم له أركانه أن تضعضعا
لمصرع اخوان على الدين صرعوا لنصرة دين الله يا لك مصرعا
فماتوا كراما ما استضيموا أعزة يلاقون في الله الأسنة شرعا
ألم ترهم يوم الخميس ، و قد غدا عدوهم فيمن أعد و أجمعا؟
و قد صاح فيهم بالنفير أميرهم فجاؤوا سراعا ، حاسرين و درعا
فصادمهم في الناكثين فأيدوا و كان حماة الدين أعلى و أمنعا
فولى بخزي طوقته كتامة و قد سقيت كأسا من الموت مرعا
ألوف أباد القتل جم عديدهم فأمسوا طعاما للكلاب و مرتعا
ترى القوم صرعى في الحلافي جواثما كأعجاز نخل بالبقيع تقلعا
/ و طيف بهام الفاسقين على القنا و بضع من لحماتهم ما تبضعا
و كان لحزب الكفر اذ ذاك عطفة فقتل من أشياعنا من تسرعا
فصلى على تلك النفوس مليكها و عوضها أبقى ثواب و أنفعا!
و قال ابن مهران ( وافر ):
و أي وقائع كانت بسفط ألا بل بين مشتول و سفط
و قد وافى حباسة في كتام بكل مهند و بكل خطي
و قد حشدوا لمصر ، و دون مصر له خرط القتاد و أي خرط
و أقبل جاهلا حتى تخطى و جاز بجهله حد التخطي
بكتب جماعة قد كاتبوه من أقباط بمصر و غير قبط
و كل كاتبوه و نافقونا و كل في البلاد له موطي
و وافانا سليمان بن كافي يخط الأرض في غير المخط
و حفت بالأمير له رمــاة من الأتراك ممن ليس يخطئ
و لا سيما و عن قسي صلاب و فتيان و مد بالتمطي
فوافى الخائن المخذول منا سهام للمقاتل ليس تخطئ
فكم بالجسر من رأس و كف و مصلوب و مشدود بشرط
و مر لنا مع الإقبال يوم شفى ما في القلوب لكل ملط
فقل لحباسة:ان كنت عنا مضيت، فان قتلك ليس يبطي
بحول الله ذاك، فصدقوني و هذي رقعتي لكم بخطي
فكان الأمر كما قال ابن مهران، و قتل حباسة. ، أما فقيل عنه أهو
المهدي عبيد الله ( - 322 بالله الإمام أمير المؤمنين أبو محمد بن محمد الحبيب بن جعفر المصدق بن محمد المكتوم بن الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن الإمام أمير المؤمنين عاي بن أبي طالب رضي الله عنه.
و قد اختلف الناس في نسب عبيد الله هذا اختلافا كبيرا: منهم من أثب نسبه و صحح انتماءه إلى علي بن أبي طالب و نسبته إلى بنوته. و منهم من نفاه عن العلوية و طعن ف نسبه. و منهم من زعم أنه من اليهود.

[حقيقة اسمه]
و الذين أثبوا نسبه و الذين نفوه اخلفوا في اسمه و من ينسبو [نـ]ـه اليه اختلافا زائدا. فقال قوم: هو عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي ابن موسى بن جعفر الصادق. ذكره صاحب تاريخ القيروان.
و قال غيره: هو عبيد الله بن محمد بن سعيد بن جعفر المذكور.
و قيل: هو علي بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد ابن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
و قيل: هو عبيد الله بن التقي بن الوفي بن الرضي، و هؤلاء الثلاثة يقال لهم "المستورون في ذات الله تعالى" . فالرضي هو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. و التقي اسمه الحسين. و اسم الوفي أحمد. و اسم الرضي عبد الله. و إنما استتروا لأنهم خافوا على أنفسهم لأنهم كانوا مطلوبين من جهة بني العباس، فإنهم علموا أن فيهم من يروم الخلافة أسوة [بـ]ـغيرهم من العلويين.
و إنما تسمى المهدي عبد الله اتقاء. و يقال أن اسمه سعيد، و لقبه عبيد الله، و زوج أمه اسمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح، و انه كان يقال لعبيد الله "اليتيم" من أجل أنه ربي يتيما في في حجر زوج أمه. و قيل : بل ربي يتيما في حجر عمه. و يقال له أيضا" المعلم".
و قيل :بل هو أبو محمد عبيد الله ، و هو سعيد بن الحسين بن محمد بن عبد الله بن عبيد الله.
و قيل : هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق. و هذا قول شيخ الشرف النسابة.
و قيل:و بل خرج من الكوفة الحسين بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إلى الشام و سكن سلمية فصدف بها أبا عبد الله الشيعي و أخويه، فوسوسوا به حتى أجابهم إلى القرمطة. و كان له بنون أربعة ، و ادعى الإمامة و قال: أنا ولي عهد أبي، محمد بن إسماعيل ، و أنا داع لأبي إلى أن يخرج.
فالأمر لابني أبي القاسم أحمد . فان حدث به الأمر الذي لابد منه، فلأمر لأخيه صاحب الخال. فان حدث به أمر ، فلأمر لأخيه عبد الله.
فخرج أبو القاسم بدمشق و عرف بصاحب الجمل و قل في الحرب ظاهر دمشق.
و قام من بعده أخوه أبو الحسن علي صاحب الخال، و ظفر به و حمل إلى بغداد فقتل بها .
و سار أبو عبد الله الشيعي إلى بلاد الغرب و دعا لعبد الله هذا حتى استقام له الأمر فلحق به.
و خرج أبوهم الحسين و معه ابنه الرابع ، و اسمه القاسم ، و جمع الناس و طرق الكوفة وخرج . فأتته العساكر من بغداد و قاتلته فقتل في الهبير و قل ابنه و زوجته المؤمنة.

[القول في نسبه : مطاعم ابن رزام و أخي محسن]

و قال الشريف العابد أبو الحسين محمد بن علي المعروف بأخي محسن الدمشقي في كتابه الذي ألفه في الطعن على الفاطميين خلفاء مصر أولاد عبيد الله هذا ، كلاما طويلا، ، و ليس هو منشئه ، و إنما هو كلام أبي عبد الله بن رزام في كتابه الذي رد فيه على الإسماعيلية ، أخذه الشريف و لم يعرض إليه ، و تناقله مؤرخو الشام و العراق و المغرب حتى انتشر في الآفاق إلى اليوم و امتلأت به التصانيف. و أنا أبرا إلى الله منه، و لولا خشية الظن أني لم أقف عليه لما سطرته.
(قـال): هؤلاء القوم من / ولد ديصان الثنوي الذي تنسب إليه الثنوية،وهو مذهب يعقدون فيه اثنين أحدهما يخلق النور والأخر يخلق الظلمة . فولد ديصان ميمون القداح ، واليه تنسب الميمونية، وكان له مذهب في الغلو – يعني في التشيع – فولد لميمون عبد الله بن ميمون ، وكان أخبث من أبيه وأمكر وأعلم بالحيل ، فعمل أبوابا عظيمة في المكر والخديعة على بطلان الإسلام ، وكان عارفا عالما بجميع الشرائع والسنن وجميع علوم المذاهب كلها. فرتب سبع دعوات يتدرج الإنسان من واحدة إلى أخرى فإذا انتهى إلى الدعوة الأخيرة جعله معرى من جميع الأديان لا يعتقد غير تعطيل الباري تعالى وإباحة أمة محمد عليه السلام و غيرهم من الأمم، و لا يرجو ثوابا و لا يخشى عقابا ، و ما هونت نفسه لا يرجع عنه . و يقول إن أهل مذهبه على هدى و أن المخالفين لهم في ضلالة و غفلة. و كان يريد بهذا أن يجعل المخدوعين أمة له و يستمد من أموالهم . و في الظاهر يدعو إلى الامام من آل الرسول، محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ليجمعهم عليه. و قد كان طلب أن يتنبا قبل ذلك بشعوذة فلم تتم له الحيلة.
(قال) و أصل عبد الله بن ميمون و آبائه من موضع بالأهواز. و نزل عبد الله عسكر مكرم، و اكتسب بهذه الدعوة مالا. و كان يتستر بالتشيع و العلم، و صار له دعاة. ثم هرب من المعتزلة و معه من أصحابه الحسين الأهوازي.
و نزل بالبصرة و قال: أنا من ولد عقيل بن أبي طالب، داع إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر.
فلما انتشر خبره طلبه العسكريون، فهرب و معه الحسين و نزلا سلمية من أرض الشام . فأقام بها عبد الله بن ميمون ، و خفي أمره حتى ولد له أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح. فقال بعد موت أبيه في رتيب الدعوة ، و بعث الحسين الأهوازي داعيته إلى العراق فلقي حمدان بن الأشعث قرمط بسواد الكوفة فدعاه حتى استجاب له – و كان منه مذهب القرامطة على ما ذكرته في ترجمة أحمد بن الحسين بن أبي سعيد الجنابي من هذا الكتاب.
(قال) ثم ولد لأحمد بن عبد الله بن ميمون القداح الحسين و محمد المعروف بأبي الشلعلع، و هلك فخلفه ابنه الحسين في الدعوة حتى مات.
فقام بالدعوة أخوه محمد بن أحمد المعروف بأبي الشلعلع. و كان للحسين ابن اسمه سعيد تحت حجر عمه أبي الشلعلع. فبعث أبو الشلعلع بأبي عبد الله الشيعي / و أخيه أبي العباس حتى نزلا في قبلتين من قبائل البربر بأرض المغرب المغرب يدعوان الناس.
و اشتهر أمرهم بسلمية و اشروا و صار لهم أملاك كثيرة. و بلغ السلطان خبرهم فبعث في طلبهم ففر سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان الأهوازي الثنوي إلى مصر و هرب إلى المغرب و صار صاحب الأمر. فلم يلبث إلا يسيرا حتى قتل أبا عبد الله و تسمى بعبيد الله و تكنى بأبي محمد و تلقب بالمهدي و صار إماما علويا من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر.
(قال) و أصلهم من المجوس، و عيد هذا الذي استولى على المغرب و تسمى بعبيد الله كان يتيما بعد أبيه في حجر عمه محمد أبي علي ، و يلقب محمد هذا بأبي الشلعلع ، و كان على ترتيب الدعوة بعد أخيه يرتب أمرها لسعيد. فلما هلك و كبر سعيد و صار على الدعوة و ترتيب الدعاة و الرئاسة،هرب، لما ظهر أمره و طلبه المعتضد ، إلى المغرب. و لما هرب من سلمية ترسم بالتعليم ليخفي أمره ، و كان يقول انه تربى في حجر أبي الشلعلع و أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر . و كان يقال له “يتيم المعلم“ .
[جريدة الأنساب العلوية ببغداد]
(قـال) و حدثني أخيه أحمد بن علي أنه نظر في الجريدة الكبرى في بغداد التي فيها أنساب الطالبيين في جميع الأقطار ، فوجد فيها ذكر هذا الدعي الذي هرب من سلمية إلى المغرب و خبر دعواه. و هذه الجريدة هي أبين ما في وقتنا . و لم يدع سعيد هذا المسمى بعبيد الله نسبا إلى علي بن أبي طالب إلا بعد هروبه من سلمية، و آباؤه من قبله لم يدعوا هذا النسب، و إنما كانوا يظهرون التشيع و العلم، و أنهم يدعون إلى الإمام محمد بن إسماعيل ، و أنه حي لم يمت . و هذا القول باطل و مكر و خديعة. و باطنهم غير ظاهرهم، و ليس يعرف هذا القول إلا لهم، و هم أهل تعطيل و إباحة، و إنما جعلوا علقهم بآل البيت بابا للخديعة و المكر. و لم يم لسعيد أمره بالمغرب إلا أن قال:“أنا من آل رسول الله“. فتم له بذلك الحيلة و الخديعة ، و شاع بين الناس انه علوي فاطمي من ولد إسماعيل بن جعفر ، و إباحة أنفس أممهم و أموالهم و حرمهم. و أطال من التشنيع.

وأما سير القضاة والعلماء فنأخذ [قول القاضي النعمان]

و قال القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد في "افتتاح الدولة الزاهرة":
بدانا بذكر صاحب دعوة اليمن و هو أبو القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب بن زادان الكوفي، و تسمى بــ"منصور اليمن" لما أتيح له من/النصر و الظفر. و كان من بيت علم و تشيع ، و قد قرأ القران و طلب الحديث و الفقه على مذاهب الامامية الاثني عشرية أصحاب محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق الذين كانوا يرون انه المهدي و انه يظهر . قال أبو القاسم: فعرضت لي فكرة يوما في ذلك و ذكرت قول الفهري "هزج":

ألا يا شيعة الحق ذوي الإيمان و البر
أتتكم نصرة الله على التخويف و الزجر
فلا تدعوا إلى الداعيــ ـن أهل النكث و الغدر
فلو قد فقد العاشـ ــر أو زيد على العشر
لدارت عصب الضر على الدائر بالشر
فعند الست و التسعيـ ــن قطع القول و العذر
لأمر ما يقول النا س : بيع الدر بالبعر
و صار الجوهر المكنـــو ن علقا غير ذي قدر
يتيم كان خلف البا ب فانقض على الوكر

- قوله في اليتيم ههنا رمز على المهدي. (قال أبو القاسم)فرأيت الوقت
قد قرب على ما قاله الفهري. فخرجت إلى دجلة ثم أخذت في قراءة سورة الكهف فإذا شيخ يمشي معه رجل ما نظرت إلى أحد يملأ قلبي هيبة قبله.
فجلس ناحية و جلس الرجل بين يديه. و أقبل غلام فقرب مي، فقلت:

من أنت؟
فقال: حسيني.
فاستعبرت و قلت:بأبي الحسين المضرج بالدماء،الممنوع من هذا الماء!
فرأيت الشيخ نظر إلي و كلم الرجل الذي بين يديه فقال لي الرجل: تقدم إلينا!
فقمت و جلس بين يديه. فقال لي: من أنت؟
قلت: رجل من الشيعة.
قال: ما اسمك؟
قلت: الحسن بن فرح بن حوشب.
قال: أعرف أباك من الشيعة الاثني عشرية.
قلت: نعم.
قال: و أنت منهم؟
قلت:كنت على ذلك إلى أن بطل الأمر في أيدينا.
فقال: سمعتك تقرأ، فاقرأ كما كنت تقرأ!
(قال) فبدأت من حيث وقفت حتى بلغت {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله} (الكهف،74). قال: أنت ممن يقول بالعدل و التوحيد؟
قلت:نعم.
قال: فمن أي وجه العدل إن تقتل نفس زاكية بغير نفس إلا لقوله:{فخشينا إن يرهقهما طغيانا و كفرا}(الكهف،80)؟
قلت: و الله لكأنني ما قرأتها قط، و إنني إلى علم الوجه في ذلك لفقير.
فقال: دون ذلك ستر رقيق.
ثم تحرك للقيام و تركني . فلما غاب ندمت إذ لم أكن تبعته حتى عرفت مكانه. و عظم موقع كلامه من قلبي حى إذا كنت في حد الاياس منه، مر بي الرجل الذي كان معه فسلمت عليه و سألته عن / الشيخ،فعرفني انه الإمام و جمع بيني و بينه. فصار يقويني و يرمز بقرب الأمر و دنو العصر، و يقول في كلامه: البيت يمان و الركن يمان و الدين يمان و الكعبة يمانية، و لن يقوم هذا الدن و يظهر امره الا من قبل اليمن.
ثم قال لي يوما: يا ابا القاسم، هل لك في غربة في الله؟
قلت: الأمر إليك.
فقال : ما لليمن إلا أن! اصبر، كأني برجل يقدم من اليمن.
فقدم رجل من أهل جيشان مدينة باليمن، يشار إليه يقال له أبو الحسن علي بن الفضل، قد خرج حاجا في سنة ست و ستين و مائتين. فلما قضى حجه أتى قبر الحسين بن علي عليهما السلام زائرا في جملة أهل اليمن. فاجتمع برجل من أصحاب الإمام فحمله إليه . فلما رآه و اختبر حاله قال لأبي القاسم: "هذا الذي كن ننتظره، فاعزم على اسم الله!"و دعا بعلي بن الفضل و سأله عن أخبار اليمن و قا له: أتعرف عدن لاعة؟
قال: لا.
فقال لأبي القاسم: عدن لاعة فاقصد ، و عليها فاعتمد،ففيها يظهر أمرنا.
و قال لعلي بن الفضل: إنني مرسل أخاك هذا داعيا إلى اليمن، و أنت معه.
و تقدم إلى كل واحد منا ناحية و أوصاه.
و أعطى أبا القاسم كتابا فيه أصول و رموز، كان افتتاحه :"باسم الله الرحمان الرحيم. من أبي المسلمين و أمير المؤمنين و وارث الوارثين، و سماء الطارقين، و شمس الناظرين،و قمر المستضيئين ، و قبلة المصليين، و أمان الخائفين، و قاتل إبليس اللعين، ركن الإسلام، و علم الأعلام،و قلم الأقلام، و يوم الأيام، و نور التمام، رسالة من عبد مسكين يعمل في البحر منذ سنين لعل سفينته نجو من الغرق فينجو من العطب ".
ثم أفسح الكلام الذي أله و المعنى الذي أراده و قال له في عهده اليه: ان لقيت من هو ألحن بالحجة منك ، فانغمس له في الباطن.
قال: و كيف ذاك؟
قال: بقطع الكلام. و تريه أن تحت ما يريد الجواب به باطنا لا يمكن ذكره، فتحتجزه بذلك منه إلى أن تتهيأ لك الحجة عليه.
و أوصاه بعلي بن الفضل خيرا و تقدم إلى علي و أوصاه. و ودعهما و دعا لهما.
قال أبو القاسم: و لما ودعت الأهل و خرجت إلى القادسية سمعت حاديا يقول (رجز):
يا حادي الليل مليح الزجر بشر مطاياك بضوء الفجر
(قال) فسررت به و استحسن ذلك الفأل، و وافيت مكة.
ثم دخل أبو القاسم- و أبو الحسن اليمن في أول سنة ثمان و ستين و مائتين. فأقاما باليمن سنتين مستترين . ثم ظهرت الدعوة باليمن سنة سبعين و مائتين.
قال أبو القاسم: و اجتمعت بقوم يقال لهم بنو موسى ، من الشيعة، فأخذت عليهم العهد. فقالوا لي: إن لنا إخوانا من الشيعة بعدن لاعة.
فقلت: إليها أرسلت.
و سرت معهم فأصبت دار شيعة.
و تزوج أبو القاسم: ابنة أحمد بن عبد الله بن خليع [و كان] داعيا للمهدي.
قال أبو القاسم:و بعثت بكاب و مال كثير و طرائف و طراز إلى المهدي.
فلما وصل إليه و قرأ الكتاب ، تمثل بهذه الأبيات (رجز):
الله أعطاك التي لا فوقها و كم أرادوا منعها و عوقها
عنك، و يأبى الله إلا سوقها إليك، حتى طوقوك طوقها

و فشا أمر الدعوة باليمن، و ابتنى أبو القاسم حصنا بجبل لاعة و ملك صنعاء و فرق الدعاة في نواحي اليمن و إلى سائر البلدان إلى اليمامة و البحرين و السند و الهند و ناحية مصر و المغرب.
[ وأما ابن شداد الصنهاجي]فقال الأمير عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز ابن باديس الحميري في كتاب "الجمع و البيان في إخبار القيروان و من كان فيها و في سائر المغرب من الملوك و الأعيان":
أول من أظهر الزندقة في الإسلام أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، و أبو شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان صاحب كتاب "الميدان"في نصرة الزندقة ، و أبو سعيد... من أهل رامهر مز من كورة الأهواز، و كان من خرمية المجوس.
فألقى هؤلاء إلى من اختصوا به أن لكل شيء من العبادات باطن، و ان الله ما أوجب على أوليائه و من عرف الأئمة و الأبواب لاة و لا زكاة و لاصوما و لاحجا، و لا حرم عليهم شيئا من المحرمات، و أباح لهم نكاح الأمهات والأخوات . و قال : إنما هذه العبادات عذاب على الأمة و أهل الظاهر، و هي أقطة عن الخاصة، و إن آدم و جميع الأنبياء كذابون محتالون طلاب الرئاسة.
و لما كان في أيام بني العباس اشتدت شوكتهم مع أبي الخطاب و أصحابه لانتحالهم التشيع لبني هاشم، و حماهم بنو العباس . فلما قامت البينة عليهم في الكوفة، و أن أبا الخطاب أسقط العبادات / و حلل المحرمات، أخذه عيسى بن موسى الهاشمي مع سبعين من أصحابه فضرب أعناقهم.
و تفرق باقيهم في البلاد فصار منهم جماعة في نواحي خراسان و الهند و صار أبو شاكر ميمون [بن ديصان] بن سعيد الغضبان إلى بي المقدس مع جماعة من أصحابه و أخذوا في تعليم الشعبذة و النارجات و معرفة الزرق و صفة النجوم و الكيمياء، و اظهار الزهد و الورع. و نشأ لأبي شاكر ميمون ابن يقال له عبد الله القداح، و عرفه هذه النحلة و إظهار التشيع. و كان قد ثار في أيام المأمون مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب و ادعوا التشيع في الكرج و في أصبهان. و كان من جملتهم رجل يعرف بمحمد بن الحسين بن جهار لختان و يلقب بديدان، و كان بنواحي الكرج و أصبهان له حال واسعة، و كان يبغض العرب. و سمع عبد الله بن ميمون القداح فصار إليه . و كان عبد الله يتعاطى الطب و علاج العين و يقدح الماء النازل بها، و يظهر أنه يفعل ذلك حسبة و و قربة إلى الله تعالى ، فطار له بهذا اسم في نواحي أصبهان و الجبل.
و سمع به ديدان فأحضره، و أظهر له عبد الله مساوئ العرب فأحبه، و أخذ منه مالا عظيما. و خرج عبد الله القداح أي سواد الكوفة و معه المال ، و بث الدعاة و مات . و قام ابنه أحمد مقامه و بث الدعاة ، و استدعى رجلا من أهل الكوفة يقال له رستم أبو الحسين بن الكرخين بن حوشب ابن زادان النجار، و كان هذا الرجل من الامامية يقول بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق، فنقله إلى القول بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق. و كانوا يرصدون من يرد المشاهد بالعراق و كربلاء ، فمن كان لهم فيه طمع استدعوه. و ورد عليهم أبو الحسن محمد بن الفضل من أهل جيشان من أرض اليمن فدخل، و هو يبكي، على الحسين بن علي رضي الله عنه، فصبروا عله حى خرج من زيارته، و أخذ الداعي بيده فقال له: قد رأيت ما كان منك من البكاء و القلق على صاحب هذا القبر. فلو أدركته ما كنت تصنع؟

قال: كنت أجاهد بين يديه و أبذل مالي و دمي دونه.
فقال: أتظن أنه ما بقي لله حجة بعد صاحب هذا القبر؟
قال: بلى، و لكن لا أعرفه بعينه.
قال: فتريده؟
قال: أي و الله.
فسكت عنه الداعي.فقال له: ما قل لي هذا القول الا و أنت عارف به.
فسكت / الداعي ، فقوي ظن ابن الفضل بأن الرجل يعرف الامام و الحجة، فألح عليه، فقال له: دعني أفكر، و اطلب و اصبر و لا تعجل، و أقم، فان هذا الأمر لا يتم بالعجلة، و لا بد له من صبر.
(قال) فمضى الداعي إلى ابن القداح و عرفه حال ابن الفضل فأخذه و جمع بينه و بين أحمد ابن القداح. و كان أحمد أبدا يقول للحسن بن حوشب:"هل لك في غربة في الله؟" فيقول: "الأمر إليك يا سيدي".
فلما اجتمع بابن الفضل، قال له:"قد جاء [ما] كنت تريد يا أبا القاسم:
هذا رجل من أهل اليمن، وهو عظيم الشأن كثير المال و من الشيعة، وقد أمكنك ما تريد، و ثمة خلق من الشيعة فاخرج و عرفهم أنك رسول المهدي ، و أنه في هذا الزمان يخرج من اليمن ، و اجمع المال و الرجال، و الزم الصوم و الصلاة و التقشف ". و جمع بينه و بين ابن الفضل و أخرجه معه و قال:"يا أبا القاسم ، الزم الباطن و قل لكل شيء باطن. و ان ورد عليك شيء لا تعلمه فقل: لهذا من يعلمه و ليس هذا وقت ذكره".
و خرجا إلى أرض اليمن، و نزل ابن حوشب بعدن، و فيها قوم يعرفون ببني موسى ، و و خبرهم عند ابن القداح . فلما قدم ابن حوشب اجتمعوا به و قالوا له: أنت رسول المهدي و نحن إخوانك .
و لم يزل ابن حوشب يقوى و أخباره ترد على من بالكوفة من الامامية فيبادرون إليه و يقول بعضهم لبعض : دار الهجرة . فكثر عددهم و اشتد بأسهم. و كانوا قد نفذوا إلى المغرب رجلين أحدهما يعرف بالحلواني و الآخر يعرف بأبي سفيان . و تقدموا إليهما بالوصول إلى أقاصي المغرب و البعد عن المدن و المنابر ، و قالوا لهما: ينزل كل واحد منكما بعيدا عن صاحبه و قولا: قد قيل لنا :اذهبا اذهبا فالمغرب أرض بور فاحرثاها و اكرياها حتى يجيء صاحب البذر.
فنزل أحدهما بأرض كتامة بمدينة تسمى مرمجنة، و الآخر بسوجمار، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما . و ماتا على قرب بينهما.
فقال ابن حوشب لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا الشيعي –و قد هاجر إلى ابن حوشب - : "يا أبا عبد الله ، أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني و أبو سفيان ، و قد ماتا، و ليس لها غيرك. فبادر فإنها موطأة ممهدة لك!" فخرج أبو عبد الله.
فذكر قدومه إلى أرض المغرب مع كتامة و اقامة دعوة عبيد الله بها.
(قال) و كان ولد عبد الله بن ميمون القداح لما قوي أمره و كثرت أمواله و مات عبد الله / ادعوا أنهم من ولد عقيل بن أبي طالب و هم مع هذا يستترون و يخفون أشخاصهم و يغيرون أماكنهم و أسماءهم و أسماء دعاتهم. و كان لعبد الله القداح جماعة من الولد فخلفه منهم أحمد. و مات أحمد فخلفه محمد . و كان لمحمد ولدان: أحمد و الحسين. فمات أحمد، و هو الذي نفذ ابن حوشب و ابن الفضل إلى اليمن . و صار الحسين إلى سلمية من أرض حمص و له بها أموال من ودائع جده عبد الله القداح و وكلاء و غلمان و أتباع.
و بقي ببغداد من أولاد القداح أبو الشلعلع و كان مؤدبا بآداب الملوك . و كان الذي بسلمية يدعي أنه الوصي و صاحب الأمر دون بني القداح و يكاتب الدعاة.
و اتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية. فوصفوا امرأة رجل يهودي حداد، ما عنها زوجها، و هي في غاية الجمال. فقال لبعض وكلائه: زوجني بها.
فقال: يا سيدي، هذه فقيرة و لها ولد.
فقال: ما علينا من الفقر ! زوجني بها و أرغبها و ابذل لها ما شاءت.
فتزوجها و أحبها و حسن موقعها منه. و كان ابنها يماثلها في الجمال فأحبه و أدبه و علمه و أقام له الخدم و الأصحاب. فمن العلماء من أهل هذه الدعوة من يقول إن الإمام الذي كان بسلمية من ولد القداح ما و لم يكن له ولد ، فعهد إلى ابن اليهودي الحداد و هو عبيد الله و عرفه أسرار الدعوة و أين الدعاة و أعطاه الأموال و العلامات، و تولى على الأعمال و تقدم إلى وكلائه بطاعته و أنه الإمام و زوجه ابنة عمه أبي الشلعلع محمد بن أحمد. و هذا قول أبي القاسم الأبيض العلوي و غيره من العلماء بهذه الدعوة و رواة أهلها . و بعض الناس –و هو قليل- يقولون: لا، و لكن عبيد الله هذا من ولد القداح.
وسيرة ابن تومرت ذكرها صاحب المعجب ج: 1 ص: 178 فقال عنه هو محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس ولما كانت سنة 515 قام بسوس محمد بن عبد الله بن تومرت في صورة آمر بالمعروف ناه عن المنكر ومحمد هذا رجل من أهل سوس مولده بها بضيعة منها تعرف بإيجلي أن وارغن وهو من قبيلة تسمى هرغة من قوم يعرفون بأيرغينن وهم الشرفاء بلسان المصامدة ولمحمد بن تومرت نسبة متصلة بالحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وجدت بخطه وكان قد رحل إلى المشرق في شهور سنة 501 في طلب العلم وانتهى إلى بغداد ولقي أبا بكر الشاشي فأخذ عليه شيئا من أصول الفقه وأصول الدين وسمع الحديث على المبارك بن عبد الجبار ونظرائه من المحدثين وقيل إنه لقي أبا حامد الغزالي بالشام أيام تزهده فالله أعلم وحكى أنه ذكر للغزالي ما فعل أمير المسلمين بكتبه التي وصلت إلى
المعجب ج: 1 ص: 179
المغرب من إحراقها وإفسادها وابن تومرت حاضر ذلك المجلس فقال الغزالي بلغه ذلك ليذهبن عن قليل ملكه وليقتلن ولده وما أحسب المتولي لذلك إلا حاضرا مجلسنا وكان ابن تومرت يحدث نفسه بالقيام عليهم فقوى طمعه وكر راجعا إلى الأسكندرية فأقام بها يختلف إلى مجلس أبي بكر الطرطوشي الفقيه وجرت له بها وقائع في معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضت إلى أن نفاه متولي الإسكندرية عن البلاد فركب البحر فبلغني أنه استمر على عادته في السفينة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن ألقاه أهل السفينة في البحر فأقام أكثر من نصف يوم يجري في ماء السفينة لم يصبه شيء فلما رأوا ذلك من أمره أنزلوا إليه من أخذه من البحر وعظم في صدورهم ولم يزالوا مكرمين له إلى أن نزل من بلاد المغرب بجاية فأظهر بها تدريس العلم والوعظ واجتمع عليه الناس
ومالت إليه القلوب فأمره صاحب بجاية بالخروج عنها حين خاف عاديته فخرج منها متوجها إلى المغرب فنزل بضيعة يقال لها ملالة على فرسخ من بجاية وبها لقيه عبد المؤمن بن علي وهو إذ ذاك متوجه إلى المشرق في طلب العلم فلما رآه محمد بن تومرت عرفه بالعلامات التي كانت عنده وكان ابن تومرت هذا أوحد عصره في علم خط الرمل مع أنه وقع بالمشرق على ملاحم من عمل المنجمين وجفور من بعض خزائن خلفاء بني العباس أوصله إلى ذلك كله فرط اعتنائه بهذا الشأن وما كان يحدث به نفسه
فخرج هو وأصحابه متوجها إلى سوس فنزل بموضع منها يعرف بتينمل بدء دعوة الموحدين من هذا الموضع قامت دعوته وبه قبره ولما نزله اجتمع إليه وجوه المصامدة فشرع في تدريس العلم والدعاء إلى الخير من غير أن يظهر إمرة ولا طلبة ملك وألف لهم عقيدة بلسانهم وكان أفصح أهل زمانه في ذلك اللسان فلما فهموا معاني تلك العقيدة زاد تعظيمهم له وأشربت قلوبهم محبته وأجسامهم طاعته فلما استوثق منهم دعاهم إلى القيام معه أولا على صورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا غير ونهاهم عن سفك الدماء ولم يأذن لهم فيها وأقاموا على ذلك مدة وأمر رجالا منهم ممن استصلح عقولهم بنصب الدعوة واستمالة رؤساء القبائل وجعل يذكر المهدي ويشوق إليه وجمع الأحاديث التي جاءت فيه من المصنفات فلما قرر في نفوسهم فضيلة المهدي ونسبه ونعته ادعى ذلك لنفسه وقال أنا محمد بن عبد الله ورفع نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصرح بدعوى العصمة لنفسه وأنه المهدي المعصوم وروى في ذلك أحاديث كثيرة حتى استقر عندهم أنه المهدي وبسط يده فبايعوه على ذلك وقال أبايعكم على ما بايع عليه أصحاب
المعجب ج: 1 ص: 188
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صنف لهم تصانيف في العلم منها كتاب سماه أعز ما يطلب وعقائد في أصول الدين وكان على مذهب أبي الحسن الأشعري في أكثر المسائل إلا في إثبات الصفات فإنه وافق المعتزلة في نفيها وفي مسائل قليلة غيرها وكان يبطن شيئا من التشيع غير أنه لم يظهر منه إلى العامة شيء طبقات الموحدين وصنف أصحابه طبقات فجعل منهم العشرة وهم المهاجرون الأولون الذين أسرعوا إلى إجابته وهم المسمون بالجماعة وجعل منهم الخمسين وهم الطبقة الثانية وهذه الطبقات لا تجمعها قبيلة واحدة بل هم من قبائل شتى وكان يسميهم المؤمنين ويقول لهم ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم وأنتم العصابة المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام لا تزال طائفة بالمغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وأنتم الذين يفتح الله بكم فارس والروم ويقتل الدجال ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى بن مريم ولا يزال الأمر فيكم إلى قيام الساعة هذا مع جزئيات كان يخبرهم بها وقع أكثرها وكان يقول لو شئت أن أعد خلفاءكم
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صنف لهم تصانيف في العلم منها كتاب سماه أعز ما يطلب وعقائد في أصول الدين وكان على مذهب أبي الحسن الأشعري في أكثر المسائل إلا في إثبات الصفات فإنه وافق المعتزلة في نفيها وفي مسائل قليلة غيرها وكان يبطن شيئا من التشيع غير أنه لم يظهر منه إلى العامة شيء طبقات الموحدين وصنف أصحابه طبقات فجعل منهم العشرة وهم المهاجرون الأولون الذين أسرعوا إلى إجابته وهم المسمون بالجماعة وجعل منهم الخمسين وهم الطبقة الثانية وهذه الطبقات لا تجمعها قبيلة واحدة بل هم من قبائل شتى وكان يسميهم المؤمنين ويقول لهم ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم وأنتم العصابة المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام لا تزال طائفة بالمغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وأنتم الذين يفتح الله بكم فارس والروم ويقتل الدجال ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى بن مريم ولا يزال الأمر فيكم إلى قيام الساعة هذا مع جزئيات كان يخبرهم بها وقع أكثرها وكان يقول لو شئت أن أعد خلفاءكم
خليفة خليفة فزادت فتنة القوم به وأظهروا له شدة الطاعة وقد نظم هذا الذي وصفناه من قول ابن تومرت في تخليد هذا الأمر رجل من أهل الجزائر مدينة من أعمال بجاية وفد على أمير المؤمنين أبي يعقوب وهو بتنيمل فقام على قبر ابن تومرت بمحضر من الموحدين وأنشد قصيدة أولها
سلام على قبر الإمام الممجد سلالة خير العالمين محمد
ومشبهه في خلقه ثم في اسمه وفي اسم أبيه والقضاء المسدد
ومحيي علوم الدين بعد مماتها ومظهر أسرار الكتاب المسدد
أتتنا به البشرى بأن يملأ الدنا بقسط وعدل في الأنام مخلد
المصامدة فلما حضروا بين يديه قام وكان متكئا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم ثم أنشأ يترضى عن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم ويذكر ما كانوا عليه من الثبات في دينهم والعزيمة في أمرهم وأن أحدهم كان لا تأخذه في الله لومة لائم وذكر من حد عمر رضي الله عنه ابنه في الخمر وتصميمه على الحق في أشباه لهذه الفصول ثم قال فانقرضت هذه العصابة نضر الله وجوهها وشكر لها سعيها وجزاها خيرا عن أمة نبيها وخبطت الناس فتنة تركت الحليم حيران والعالم متجاهلا مداهنا فلم ينتفع العلماء بعلمهم بل قصدوا به الملوك واجتلبوا به الدنيا وأمالوا وجوه الناس إليهم في أشباه لهذا القول إلى هلم جرا ثم إن الله سبحانه وله الحمد من عليكم أيتها الطائفة بتأييده وخصكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده وقيض لكم من ألفاكم ضلالا لا تهتدون وعميا لا تبصرون لا تعرفون معروفا ولا تنكرون منكرا قد فشت فيكم البدع واستهوتكم الأباطيل وزين لكم الشيطان أضاليل وترهات أنزه لساني عن النصق بها وأربأ بلفظي عن ذكرها فهداكم الله به بعد الضلالة وبصركم بعد العمى وجمعكم بعد الفرقة وأعزكم بعد الذلة ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين وسيورثكم أرضهم وديارهم ذلك بما كسبته أيديهم وأضمرته قلوبهم وما ربك بظلام للعبيد فجددوا لله سبحانه خالص نياتكم وأروه من الشكر قولا وفعلا ما يزكي به سعيكم
ويتقبل أعمالكم وينشر أمركم واحذروا الفرقة واختلاف الكلمة وشتات الآراء وكونوا يدا واحدة على عدوكم فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس وأسرعوا إلى طاعتكم وكثر أتباعكم وأظهر الله الحق على أيديكم وإلا تفعلوا شملكم الذل وعمكم الصغار واحتقرتكم العامة فخطفتكم الخاصة وعليكم في جميع أموركم بمزج الرأفة بالغلظة واللين بالعنف واعلموا مع هذا أنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا على الذي صلح عليه أمر أولها وقد اخترنا لكم رجلا منكم وجعلناه أميرا عليكم هذا بعد أن بلوناه في جميع أحواله من ليله ونهاره ومدخله ومخرجه واختبرنا سريرته وعلانيته فرأيناه في ذلك كله ثبتا في دينه متبصرا في أمره وإني لأرجو ألا يخلف الظن فيه وهذا المشار إليه هو عبد المؤمن فاسمعوا له وأطيعوا ما دام سامعا مطيعا لربه فإن بدل أو نكص على عقبه أو ارتاب
ومن سير الكتاب داود القيرواني كتب لمحمد بن مقاتل العكي ، ثم لإبراهيم بن الأغلب، في إمارتهما على افريقية من قبل هرون الرشيد ، باستمراره على ولايته بعد عزله بابن الأغلب ، و خاف بسبب ذلك من إبراهيم، عند افتضاح الأمر و اتضاح ما مالأ عليه من النكر، فاستخفى إلى أن كتب إليه مستعطفا :
“ أما بعد –أعز الله الأمير- فلو كان أحد يبلغ بحرصه رضا بشر ، بصحة مودة و تفقد حق، و إيثار نصيحة لرجوت أن أكون ، بما جبلني الله عليه ، من تفقد ما يلزمني من ذلك ، أكرم الناس عند الأمير منزلة ، و ألطفهم لديه حالا ، و أبسطهم أملا ، و لكن الأمور تجري على خلاف ما يروي العباد في أنفسهم ،و إن من ساعده الدهر حظي في أموره كله، و استحسن القبيح منه ، و أضهرت محاسنه ، و سترت مساوئه ، و من خالفه القضاء و أعان عليه الدهر ، لم ينتفع يحرص ، و لم يسلم من بغي ، و قد كنت – إذا افتخر الناس بساداتهم-للأمير- أطال الله بقاءه- ذاكرا، و بيومه مسروا ، و لغده راجيا ، إلى أن أتانا الله من ذلك بما كنت أبسط له أملي، و أعظم فيه رجائي ، و كان مني في إجهاد نفسي بالقيام بما يلزمني من نصيحة الأمير – أيده الله- حسب الذي يحق علينا ،فبينا أنا مشرف على ادراك كل خير ، و بلوغ نهاية كل فضل ، إذ رماني الدهر بفرقته ، و لزمني من ذلك ما كنت أشد الناس زرية به ، فوجد أهل البغي و الفرية إلي سبيلا ، و قد صر –أعز الله الأمير- لمكان الخوف الذي ملكني نازع أمكنة ، و غرض ألسنة ، فلو تحقق الأمير سيء حالي ، و كنت العدو ، لأشفق علي ، و رثى لي، و ذنبي –أيده الله- عظيم ، و خناقي ضيق ، و حجي ضعيفة ، و عفو الأمير و طوله أعظم من ذلك كله ، فان تداركني الأمير بما أؤمل فذاك الذي يشبهه و ينسب إليه و أرجوه منه ، و إن يعاقب فبالذنب الذي احترمته ، و هو أحق من انتشلني من زلتي ، و أقالني [من] عثرتي ، و رجا ما يرجوه مثله من أهل المنة و الطول من مثل ما عظم المنة عليه ، و الأمير أولى بي، و أنظر مني لنفسي، أعلى بما سألته و رغبت إليه |فيه عينا و يدا و الله ولي توفيقه فيما عزم عليه من ذلك ، و عليه التوكل لا شريك له ؛ و أنا أرجو-أطال الله بقاءه- [أن أكون] ممن يتعظ بالتجربة ، و يقيس موارد أموره بمصادرها ، و لا يدع تصحيح النظر لنفسه ، فيما يستقبل منها إن شاء الله ، أتم الله على الأمير نعمه، و هناه كرامه ، و البسه أمنه و عافيته في الدنيا و الآخرة“. فأمنه و استكتبه و كان يشاور في أموره.
حكى صاحب كتاب “المعرب عن المغرب“ أن إبراهيم [بن] الأغلب شاور القواد في الخروج إلى ابن رسم الاباضي ، فأشار عليه أكثرهم بالخروج ، فشاور داود الكاتب ، و قال يا أبا سليمان- و هو أول يوم كناه فيه- ما تقول؟ فقال له : هؤلاء الجند قد تجنبت عنهم و تحصنت منهم ، فما يؤمنك من غدرهم إذا خرجت معهم ! و إنما بينك و بينهم خرق المفازة؛ فتبين له الحق ، فأقام و بعث ابنه أبا العباس عبد الله و الجيوش إلى طرابلس.
و قال محمد بن نافع لداود : إنما أن صاحب قلم ، فمالك ولهذا! فقال له :أنا أقتل بقلمي جلفا مثلك ! ثم كتب ابنه إبراهيم بن داود لمحمد بن [إبراهيم] بن الأغلب ، و بعده لابن أخيه أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب.
والكاتب أبو بكر بن سليمان الزهري أراده زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير افريقية على كتابته، و كان عالما أديبا شاعرا مترسلا ، مع دين و صيانة ، فأبى عليه و استعفاه ، فلم يعفه ، فاشترط عليه ثلاثة شروط ، قال زيادة الله: و ما هي ؟ قال : لا أخلع ردائي ، و أجلس في مجلسك بغير إذن ، أنا شيخ و مجلسك لا يجلس فيه إلا بإذنك ، و لا أكتب في دم أحد و لا ماله ! قال: لك ذلك ؛ و وفى له بهذه الشروط.
و روي أنه قال له يوما : يا زهري أصليبة أنت أم مولى؟ فقال: صلبني القدم أعز الله الأمير ! فقال زيادة الله: إني لأسر بصدقه مني بعلمه.
و مر زيادة الله [يوما]و هو يصلي فناداه: يا زهري يا زهري، فلم يجبه ، و تمادى في صلاته،فغضب عليه و عاتبه و قال : دعوك فلم تجبني ، فقال : كنت بين يدي من هو أعظم منك ! قال:صدقت!
و يشبه هذا ما حدث به عبد الصمد بن المعذل قال: ركب أبي إلى الأمير عيسى بن جعفر و كان على البصرة ، فوقف ينتظره ، فلما أبطأ عليه أقبل يصلي ، و كان المعذل إذا دخل في الصلاة لم يقطعها ، فجعل عيسى يصيح : يا معذل ! يا أبا عمرو . . و المعذل على صلاته لم يعرج عليه ، فغضب عيسى و مضى ، فلما أتم صلاته لحق عيسى و أنشأ يقول:
قد قلت إذ هتف الأمير يا أيها القمر المنير
حرم الكلام فلم أجب و أجاب دعوتك الضمير
فلو أن نفسي طاوعت ني إذ دعوت و لا أحير
لباك كل جوارحي بأنامل و لها السرور
شوقا إليك و حق لي ولكدت من فرح أطير
فرضني عنه عيسى، و أمر له بعشرة آلاف درهم. و روى هذه القصة أبو علي البغدادي في نوادره عن أبي بكر بن الأنباري عن أبيه عن عبد الصمد بن المعذل ، و بينهما خلاف يسير.
وأبو جعفر البغدادي لحق بالمهدي عبيد الله الشيعي في أول تغلبه على افريقية و اثر البيعة له برقادة ، فولاه أمورا خفيفة ، ثم صار البريد و كتابة السلطان إليه ، و فسد ما بينه و بين عروبة الكتامي ، و هو حينئذ المستولي على المملكة العبيدية ، و أغراه به جماعة ، فصار البغدادي إلى خوف شديد ،و كان يتوقع الموت في كل يوم ، إلى أن قتل الكتامي منافقا ، و جيء برأسه إلى رقادة ، و قل أخوه و أهل بيته ، و تمكن البغدادي من أعدائه ، و جلت حاله عند عبيد الله حين انتقاله إلى المهدية ، و انقطع السعاية به،و تمادت حظوته إلى آخر أيامه، و ولي ابنه القائم ، فأبقاه على حاله مدة.
و محمود بن علي بن أبي الرجال نكبه المعز بن باديس الصنهاجي ، و كان هو و أبوه و أهل بيته برامكة افريقية ، و في علي منهم يقول أبو عبد الله محمد بن شرف:
جاور عليا و لا تحفل بحادثـة إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل
اسم حكاه المسمى في الفعال فقد حاز العليين من قول و من عمل
فالمـاجد السيد الحــر الكريـم لـه كالنعت و العطف و التوكد و البدل
زان العلا و سواه شانها و كــذا للشمس حالان في الميزان و الحمل
و ربما عـابه مــا يعجــزون به يشنا من الخصر ما يهوى من الكفل
سل عنه و انطق به و انظر إليه تجد ملء المسامع و الأفواه و المقل
و توفي علي مستورا، و كان في حياته ينذر بنكبة ابنه محمود هذا [في] السن التي نكب فيها فوافق ذلك ما قال !ثم قال:شفعت أخ المعز فيه فعفا عنه و خلع عليه و أعطي للوقت بعض ضياع أبيه،و في هذه النكبة يقول محمود :
و إخوان اتخذتهم دروعـــا فكانوها و لكن للأعــادي
حسبتهم سهاما صائبــات فكانوها و لكن في فــؤادي
و قالوا قد صفت منا قلوب لقد صدقوا و لكن من ودادي.
وم سير العلماء محمد بن سحنون مرّ نسبه في ذكر أبيه.تفقه بأبيه وسمع من ابن أبي حسّان، وموسى ابن معاوية، وعبد العزيز بن يحي المدني، وغيرهم. ورحل إلى المشرق فلقي بالمدينة أبا مصعب الزهري، وابن كاسب ، وسمع من سلسلة بن شبيب.
قال أبو العرب: وكان إماما في الفقه، ثقة. وكان عالما بالذبّ عن مذاهب أهل المدينة، عالما بالآثار، صحيح الكتاب، لم يكن في عصره أحذق بفنون العلم منه فيما علمت.
قال ابن أبي دليم: وكان الغالب عليه الفقه والمناظرة، وكان يحسن الحجّة والذب ّ عن السنّة والمذهب.
قال ابن الحارث: كان عالما فقيها مبرزا متصرّفا في الفقه والنظر ومعرفة اختلاف الناس والردّ على أهل الأهواء والذّب عن مذهب مالك. وكان قد فتح له باب التأليف، وجلس مجلس أبيه بعد موته.

قال يحي بن عمر : كان ابن سحنون من أكثر النّاس حجّة وأقنهم لها. وكان يناظر أباه. وكان يسمع بعض كتب أبيه في حياته ، يأخذها الناّس عنه قبل خروج أبيه ، فإذا خرج أبوه قعد مع الناس يسمع معهم من أبيه.
وقال سحنون : مأشبه إلاّ بأشبه /.وقال : ماعنيت في إبني محمد ، إلاّ أنيّ أخاف أن يكون عمره قصيرا. وكان يقول لمِؤدبه إلاّ بالكلام الطّيب والمدح، فليس هو ممن يؤدّب بالتعنيف والضرب ، واتركه على بختي ،فإني أرجو أن يكون نسيج وحده وفريدأهل زمانه.
قيل لعيسى بن مسكين: [من خير من رأيت في العلم ؟ -فقال : محمد بن سحنون . وقال أيضا [مرة] : (( مارأيت بعد سحنون مثل ابنه )) ، وكان رأى جماعة [ من العلماء] بالمشرق وغيره.
قال حمديس القطّان : رأيت العلماء بمكة والمدينة ومصر ، فما رأيت فيهم مثل سحنون . ولا مثل ابنه بعده.
وذكر ابن متعب أنّ القاضي إسماعيل بن إسحاق ذكره له فقال له فيه : الإمام بن الإمام . وذكر مرّة ماألّفه العراقيون من الكتب ، فقال إسماعيل: (( عندنا من ألّف في مسائل الجهاد عشرين جزءا )) ، وهو محمد بن سحنون ، يفخر بذالك على أهل العراق.
قال ابن الحارث: كان من الحفّاظ المتقدّمين المناظرين المتصرفّين. وكان كثير الكتب ، غزير التأليف، له نحو ماءتي كتاب في فنون العلم.ولمّا تصفّح محمد بن عبد الله بن عبد الحكم كتابه وكتاب ابن عبدوس ، قال في كتاب ابن عبدوس : هذا كتاب رجل أت ى بعلم مالك على وجهه. و [قال] في كتاب ابن سحنون : هذا كتاب رجل سبح في العلم سبحا.
قال ابن الجزاّر :كان ابن سحنون إمام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب ، جامعا لخلال قلّمااجتمعت في غيره من الفقه البارع، والعلم بالأثر ، والجدل ، والحديث ، والذبّ عن مذاهب أهل الحجاز ، سمحا بماله، كريما في معاشرته ، نفّاعا للناّس ، مطاعا، جوادا بماله وجاهه، وجيها عند الملوك والعامّة، جيّد النظر في الملمّات.
قال حمديس : جئت يوما إلى محمد بن سحنون فأخرج إليّ كتاب الرجوع عن الشهادة ، فقال لي : خطّ من هذا؟ - فقلت : خطّ سحنون وكان ابناعبدوس أنكرا أن يكون لسحنون. فقال لرجل : امض بالكتاب إليهما ، ولايمساّه ، وأرهما إيّاه ورقة ورقة، وقل لهما : خطّ من هو ؟ ففعل الرجل ذلك، فقالا : خطّ سحنون ، وما ظنّنا ذلك . فقال [له]: قل لهما يامساكين! يكون مقامي مقامكما [و] أنا معه في الدار والمائدة

[ذكر تواليفه]
وألّف ابن سحنون كتابه المسند في الحديث ، وهو كبير ، وكتابه الكبير المشهور : الجامع ، جمع فيه فنون العالم والفقه ، فيه عدة كتب نحو الستّين ، وكتابا آخر في فنون العلم . ومنها : كتاب السير، عشرون كتابا ، وكتابه في المعلّمين ، [ ورسالة في / السنة]، وكتاب في تحريم المسكر ، ورسالة فيمن سبّ النبي ، صلى الله عليه وسلمّ ! ورسالة في أدب المتناظرين ، جزءان ، وكتاب تفسير الوطّأ، أربعة أجزاء، وكتاب الحجة على القدرية، وكتاب الحجة على النصارى، وكتاب الإباحة،وكتاب الردّ على الفكرية، وكتاب الورع،وكتاب الإيمان والردّ على أهل الشرك ، وكتاب الرذّ على أهل البدع،ثلاثة كتب ، وكتاب في الرد على الشافعي وعلى أهل العراق ، وهو كتاب الجوابات ، خمسة كتب ، وكتاب طبقات العلماء ، سبعة أجزاء ، وكتاب الأشربة، وغريب الحديث، ثلاثة كتب ، وكتاب التاريخ، ستّة أجزاء،.
قال بعضهم: ألف ابن سحنون كتابه الكبير، مائة جزء: عشرين في السير، وخمسة وغشرين في الأمثال ، وغشرة في أدب القضاة ، وخمسة في الفرائض، وأربعة في الإقرار ، وأٍبعة في التاريخ والطبقات ، [والباقي ] في فنون العلم .قال غيره: وألف في أحكام القرآن.

[ذكر] بقية أخباره وفضائله:

قال ابن سحنون : دخل علي أبي وأنا أِِِؤلف كتاب تحريم النبيذ،فقال : يابنيّ ! إنّك تردّ على أهل العراق، ولهم لطافة أذهان وألسنة حداد ، فإيّاك أن يسبقك قلمك لما تعتذر منه.
وذكر أبو القاسم اللبيدي أنّ ابن سحنون أتى بعد موت سحنون هو وأصحابه زائرا إلى عبد الرحيم بن عبد ربّه الزاهدي ، فيلّم عليه فردّ عليه السلام، وتركه جلس حيث انتهى به المجلس [ ولم يقبل عليه] حتى انصرف.
[ فلمّا كانت الجمعة الأخرى استنهض محمد أصحابه لزيارته ثانية فقالوا له : رأيناه لم يقبل عليك ]- فقال:ليس هذا بغيتي . هو رجل صالح ترجى بركة دعائه ، وقد كان سحنون يأتيه ويتبرّك بدعائه ويلجأ إليه عند المهمّات . فعاد إليه ابن سحنون وأصحابه ، فلمّا رآه قام على رجليه ورحّب به وأجلسه في موضعه ولم يزل مقبلا عليه حتى انصرف.
فقيل له في ذالك مع فعله الأوّل، فقال: والله! ما أردت بذلك إلاّ الله .
رأيت اجتماع الناس عليه فخفق فتنته ، فعملت ماعملت لأجرّ به ،فرأيت في ليلتي قائلا يقول لي : مالك لم تقبل على ابن سحنون وهو ممّن يخشى الله ؟ - ورواية [أخرى] – وهو ممّن يحبّ الله ورسوله . فبلغت ابن سحنون فبكى بكاء شديدا وقال : لعلّه لذبّي عن سنّه رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم!

ولمّا خرج إلى الحجّ نزل بمصر على أبي رجاء بن أشهب بن عبد العزيز ، فقصده علماء مصر ووجهوها يسلمون عليه. وأتى المزني فأطال الجلوس معه ليخلو به، فلمّا خرج ، قال أبو رجاء سألته عنه فقال : لم أر- والله!- أعلم منه ولاأحدّ ذهنا على حداثته .[ وكان إذّاك ابن خمس وثلاثين سنة وكتب إذّاك كتابي الإمامة بماء الذهب ووجه بهما إلى الخليفة قال عيسى بن مسكين : ومألف في هذا الفنّ مثلهما.
[ قال سليمان بن سالم : واختلف إذّاك المزني وهارون بن سعيد الإيلي في مسألة ، فتحاكما فيها إلى محمد بن سحنون ].
قال سليمان بن سالم : قدم رجلان من كنانة ليسمعا العلم ويقصدا * لأبي * المنهال ، أو ابن قادم فباتا على ذلك ، فرأى أحدهما [ في المنام ] أنّ سائلا سأله ، فأخبره عن قصدهما ولمن قصد . فقال لي جئ أكما ممن تطلبان . قال * الرائي*: فأخذ بي على طرق منحرفة حتى أوقفني على مسجد فيه شيخ والناس حوله ، فقال لي : هنا أطلب العلم من هذا ولا تعده فلمّا أصبح الرائي قال لصاحبه: (( سر بنا إلى حيث سير بي البارحة)) وأخبره بالرؤيا . فمضى معي وسرت على المواضع التي رأيتها في المنام ... حتى أتى مسجد ابن سحنون فعرفه بالرؤيا التي رأى في المنام ، لاشكّ فيه فسلّم عليه ، ثم جلس هو صاحبه ولزماه.
وحدّث بعض سكان القصر أنّه خرج ليلة [ في القصر ]بعد العشاء الآخرة، فإذا بقارئ يقرأ في بعض البيوت:وقاسمهما إنّي لكما لمن الناصحين فدلاّهما بغرور، ويردّد الآية .فرجع الرجل إلى صلاة الصبح، وهو على حالته ، قال : وأسمع وقع الدموع على الحصير ، إلى أن خرج لصلاة الفجر مستور الوجه، فلم أزل أرتقبه فإذا به محمد بن سحنون.
قال عيسى بن مسكين : قلت لابن سحنون : كيف الرشّ؟ يعني النضج-قال تبسط الثوب ثم ترشّ عليه، ثم تقلبه ثم ترش عليه ،ثم تجفّفه قيل لعيسى : الطارق الوحيد من الناحيتين ؟ - قال نعم .
قال المؤلف – رصي الله عنه! –يحتمل- والله أعلم! أن يكون هذا فيما يشكّ في نجاسته من الناحيتين ، أو من أحدهما ولم يتيقّن ، أو شكّ أنّ النجاسة داخلته. قال: وقد رأيت لأبي الحسن القابسي في صفة النضج ، قال : يرشّ الموضع المتهوم بيده رشّة واحدة ، وإن لم يعمّه لأنّه ليس عليه غسل يحتاج أن يعمّه. قال : وإن رشّه بفيه.أجزاه . قال المؤلف – رصي الله عنه!- لعلّه بعد غسل فيه من البصاق وتنظيفه ، وإلاّ فإنّه يضيف الماء ويغلب عليه.
قال عيسى[ بن مسكين ]:كنت قد أخذت منه كتابين أمّهات ، فحضرت الصلاة فقدّمني ، فأخرجتهما / من كمّي ووضعتهما [ وتقدمت] ، فأخذهما محمد وأدخلهما في كمّه وصلىّ،فأخجلني بفعله.
قال ابن اللبّاد : حجّ محمد بن سحنون سنة خمس وثلاثين ، فغلطوا في يوم غرفة ، فرأى محمد أنّ ذلك يخرج من حجّهم ، واختلف فيها قول أبيه . قال المؤلف – رحمه الله!- حكى الطائي عن أبي أسلم المالكي إجماع مالك ، وأبي حنيفة و الشافعي على إجزاء هذه المسألة.
قال بعضهم :كنت عند محمد بن سحنون فجاءه يعقوب الجزري فأنشده:
محمد ياابن من بالعد ل قد نفذت قضاياه
وياابن مناصح لله يرجوه ويخشاه
أبوك أب أهان لجنـة الفردوس دنيـاه
فمن والى أبوك بو دّه فالله مولاه
مناي ، وقد ينال المر ء عفــوا ما تمناه
كتاب منك تنجح حاجتي إن كنت أعطاه
فطل وامنن عليّ به وحطني حاطك الله
فقال له محمد بن سحنون : نعم ، وكرامة! وكتب له في جاجته.
[ وذكر القابسي أنّ بعض [ الـ] ـسكّان خرج ليلة إلى المقابر فإذا القارئ يقر أ:وقاسمهما إنّي لكما من الناصحين فدلاّهما بغرور...ويردّد الآية حتى أصبح ويبكي ...فرمقته حتّى إذا خرج فإذابه محمد بن سحنون ]
قال أبو العرب: كان ابن سحنون من أطوع الناس في الناس، سمحا كريما نفّاعا للنّ س إذا قصد.
قال ابن حارث : كان كريما في نفسه ، جوادا بما له وجاهه ، يصل من يقصده بالعشرات من الدنانير ويكتب لمن يعني به إلى الكور فيعطي الأموال الجسيمة ، مقدّما عند الملوك ، وجيها عند العامّة، نهّضا بالأثقال،واسع الحيلة ، جيّد النظر عند الكلمّات . وهو كان السبب المقيم بسليمان بن عمران وعبد الله بن طالب .وذلك أنّه عني بسليمان حتى أستكتبه ابوه ، ثم ولاّه قضاء باحة.فلمّا مات سحنون وولي سليمان بن عمران قضاء القيروان مكانه أساء صحبة محمد بن سحنون وفسدت الحال بينهما إلى أن وجّه فيه سليمان، فأتاه محمد في خلق ممن تبعه، فأغلظ سليمان له في القول ،فحفظ من كلامه :مااحوجك إلى من يمضغك قطن قلنسوتك هذه ؟ولم يجسر عليه بمكروه.
وكان سليمان يلقّبه ويؤذيه بالقول.وجاء رجل إلى ابن سحنون فقال له :ياأبا عبد الله!الرسول يبلّغ ولايلام.ابن الميار يقرأ عليك السلام ويقول لك: (( أتيت أقواما/ قالوا إنّ السماء أمطرت عليهم أربعين خريفا ما نبتوا )) ،يعّرض بسليمان بن عمران.فقال ابن سحنون : هذا جزاء من فعل شيئا لغير الله/.
ولم تزل الحال تتزايد في فساد ما بينهما إلى أن توارى ابن سحنون خوفا على نفسه فكتب في تواريه إلى الأمير محمد بن الأغلب بما كتب به عثمان إلى عي ، رضي الله عنهما!:
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي وإلاّ تداركني ولّما أمزّق
فقال [ ابن الأغلب ] : ومن يمزّقه ؟ مزّق الله جلده! ثم رفع يد سليمان عنه وأمّنه منه.وقيل إنّ ابن سحنون لما طال تواريه لجأ بنفسه إلى الأمير ، فركب متنكرا إليه ولقيه مِِؤدب أولاد الأمير [ فسأله ابن سحنون أن يستأذن له الأمير في الخروج عن القيروان ففعل ذلك فقال له الأمير]: إذا أذنت لابن سحنون في الخروج مع من أبقى ؟ أخبره أ،نّي قد رفعت يد سليمان بن عمران عنه فظهر ابن سحنون وشقّ السماط الأعظم حتى أتى الجامع فصلّى فيه فبلغ ذلك سليمان فعلم أنّه أمّن ورفعت يده عنه .
وظهر محمد بن سحنون وقامت رئاسته * وشجي* به سليمان وجماعة العراقيين ورد سليمان غيظه على أصحاب ابن سحنون ، فأخذ فرات بن محمد فضربه بالسياط.
وبينما محمد بن سحنون يمشي يوما ، لقيه صاحب الصلاة بالقيروان ، المعروف بابن الحواجب ،وكان من أعدائه ، فأومأإلى أذنه فأمكنه ابن سحنون منها، فقال له سرّا : (( يا كذا ، ياابن كذا )) ، سبّا قبيحا فأجابه سحنون جهرا : (( تقضي حاجتك)) ، يغالط من حضره وسار ابن أبي الحواجب فأخبر سليمان بن عمران بذالك ، فقال له : إن صدقت فتحنّط .وركب ابن سحنون إلى أحمد بن محمد الحضري فسأله أن يزيّن للأمير تولية ابن طالب على الصلاة .فأجابه الأمير إليه ، فخرج الحظري بذلك إلى ابن سحنون [فسأله ابن سحنون ]
كتم ذلك إلى وقت الخطبة .ووجّه ابن سحنون ابن سحنون في ابن طالب فأعلمه بذلك وقال له : تهيأ ، فإذا رأيت ابن أبي الحواجب قد خرج إلى المقصورة ، فقم بين يديه وارق المنبر واخطب . فلمّا كان يوم الجمعة هجّر ابن أبي طالب فركع إلى جانب ابن سحنون ، وسليمان بن عمران عند المنبر . فلمّا خرج ابن أبي الحواجب إلى المقصورة – وهي حجرة بقبلي الجامع- ورفع رجله إلى درجة المنبر ‘ صعد ابن طالب على المنبر وقد تقلّد السيف ، ومدّ القيّم يده إلى ثوب ابن أبي الحواجب فجبذه . وكان سليمان ابن عمران قد نعس حينئذ ، فما راعه إلاّ صوت ابن طالب وكان فصيحا ، يقول (( الحمد لله الذي شكر على ما به أنعم!والحمد لله الذي عذّب على ما لو شاء منه معصم! والحمد لله الذي على عرشه استوى ، وعلى ملكخ احتوى ، وهو في الآخرة / يرى! )) فعلت سليمان بن عمران كآبة وتهللّ وجه ابن سحنون ،واستمر ابن طالب في خطبته وتمّت الصلاة. فلما انصرف ابن سليمان ألى منزله جمع شيوخ القيروان وأمرهم أ، يسيروا إلى الأمير ليزكوا عنده ابن أبي الحواجب ، ويسألوه ردّه على الصلاة . فبلف الخير ابن سحنون فوجّه إلى الحضرمي فأعلمه بالأمر . فلمّا أطلّ القوم على القصر أرسل إليهم الحضرمي : أما تستحيون أن تسألوا الأمير أن يحطّ ابن عمه ومن أراد التنويه به ويشرّف صاحبكم !- وكان ابن طالب من بني عمّ الأمير – انصرفوا ، فإنّا لم نسألكم عن تزكية ولاجرحة . فانصرف القوم . فكانت تلك أوّل نكبة سليمان ثم لم تزل أمور ابن طالب تنمي إلى أن عزل سليمان وولي ابن طالب قضاء إفريقية مكانه.
ووجه ابن الأغلب في ابن سحنون فسأله : ما تقول في يزيد ؟- فقال : أصلح الله الأمير ! لاأقول ماقالت الإباضية ولاما قالت المرجئة-قال: وما [قالتا ؟- قال ] : قالت الإباضية : إ،ّ من أذنب ذنبا فهو من أهل النار. وقالت المرجئة: لاتضرّ الذنوب مع التحيد . أتى يزيد عظيما جسيما، ويفعل الله في خلقه ماأحبّ . ثم انصرف.
وذكر أنّ رجلا من أصحاب محمد دخل بمصر حمّاما عليه رجل يهودي ، فتناظر معه الرجل فغلبه اليهودي لقلّة معرفة الرجل .فلمّا حجّ محمد بن سحنون صحبه الرجل . فلمّا دخل مصر قال له: امض بنا – أصلحك الله!- إلى الحمام . [ فأتى به إلى الحمّام] الذي عليه اليهودي . فلمّا دنا خروج محمد ، سبقه الرجل وأنشب المناظر ة مع اليهودي حتى حانت الصلاة. فصلّى محمد الظهر ثم رجع معه إلى المناظرة حتى حانت العصر . فصلاّها محمد ، ثم كذلك [ إلى] العشاء [ ثم [ إلى ] العشاء الآخرة ، ثم إلى الفجر ، وقد إجتمع الناس وشاع [الخبر بمصر ] : الفقيه المغربي يناظر اليهودي . [ فلما حانت صلاة الفجر انقطع اليهودي ] وتبيّن له الحقّ وأسلم . فكبّر الناس وعلت أصواتهم ، فخرج محمد وهو يمسح العرق عن وجهه ، وقال لصاحبه : لا جزاك الله خيرا ! كاد أن تجري على يديك فتنة عظيمة . تناظر يهوديا وأنت ضغيف ! فإن ظهر عليك اليهودي لضعفك افتتن من قدّر الله بفتنته أو كما قال .
وذكر أن رجلا عراقيا كان يِذي محمد بن سحنون وينال منه ، فاشتدّ عليه مرّة الفقر فقام بباله قصده ، فنهته امرأته لما عرفته منه فلم يقبل منها ووصل إليه فقال : جئت * استعفيك* واستفيد – فقال : اذكر حاجتك – فقال :إلاّ لهذا – قال لابدّ أن تذكر حاجتك . فشكى إليه حاله ، فاسترجع محمد وقال : يا أخي! بلغ منك هذا وأنا في الدنيا ! وكتب له رقعة إلى صيرفي بعشرين دينار ، وقال : اشتر بها لأهلك ما يحتاجون . ففعل الرجل وأخبر بذلك ابن سحنون فسرّ ، ثم قال له : تقدر على السفر ؟- قال : نعم فكتب له كتبا وقال له : تمصي بها إلى قسنطينة. فمضى الرجل بها وأوصلها إلى أصحابه، فأكرم وأضيف وأعطي ثلاثمائة دينار. فظنّ الرجل أنّها لمحمد بن سحنون وأنّه وجّهه وراءها . فلما وصل إلى القيروان دعها لمحمد بن سحنون وأجوبة القوم .فقال محمد : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ! حال الناس ! – فقال له الرجل : ياسيدي ! إن كان بقي شيء رجعت إليه اقتضيه لك – فقال: ليست لي ، إنّما هي لك ، وما عهدنا هم كذلك ، يستقلّها له.
في حكاية أخرى أنّ رجلا من العراقيين كان يغرى به من قبل أصحابه يشتمه علانية وسرّا إذا وجده مع الناس. فشتمه يوما في أذنه وهو في أصحابه، فقال[ له محمد] : نعم ، وكرامة ! إذا تفرغت نقضي حاجتك . وبلغ ذلك العراقيين فاتّهموا صاحبهم وأضاعوه . فشكى حاله إلى بعض الصالحين فدلّه على محمد بن سحنون ، فسار إليه ، فأصغى إليه محمد أذنه وهو يظنّ أنّه يجري على عادته ، فقال له : والله! ماجئتك إلاّ تائبا منيبا. فأجلسه ، فلما مجلسه أخذ بيده وحمله إلأى منزله ودفع إليه عشرين دينارا . ثم كتب له ثلاثين كتابا إلى ثلاثين رجلامن أصحابه بالساحل ، يسأل كل واحد [منهم] أن يشتري له جارية .فوصلت إليه ثلاثةن جارية فأمر ببيع خمس منهن وأصلح بثمنهن حال خمس وعشرين ودفعهن إلى الرجل.
وحكى المالكي قال : كانت لمحمد بن سحنون تسعة أسرّة – يريد لكل سرير سرّية – وكانت له سرّية يقال لها أمّ مدام . فكان عندها يوما، وقد شغل تأليف كتاب إلى الليل. فحضر الطعام فاستأذنته فقال لهل: أنا مشغول الساعة . فلمّا طال عليها جعلت تلقمه الطعام حتى أتى عليه. وتمادى هو على ما هو فيه إلى أن أذّن لصلاة الصبح فقال [ لها] : شغلن عنك الليلة يا أمّ مدام . هات ما عندك- فقالت : قد – والله! –
قال سليمان بن سالم : قال لي محمد بن سحنون : دخلت مسجد مدينة النبي – صلى الله عليه وسلّم ! – فإذا بحلقة عظيمة فيها شيخ متّكي . فجلست كما نزلت من المحمل بثياب السفر، فوجدتهم يتنازعون في مسألة من أمّهات الأولاد .فأدخلت عليهم فيها / حرفا فنبّههم الشيخ عليه و استوى جالسا. ثم زدت حرفا آخر فقال لي : أين بلدك ؟ - قلت : أصلحك الله ! رجل حاج – فقال : أين بلدك ؟- قلت إفريقية – فقال لي : ينبغي أن تكون ابن سحنون أو ابن أخي سحنون . [ بالله ! من أنت ؟- قلت : ابن سحنون ] .فقام الشيخ مع جميعهم فسلموا عليّ وعتبوني إّ لم أعلمهم بنفسي . فوالله !ما خرجت من المسجد إلاّ والشيخ يمشي يكتب المسألة وأنا أمليها عليه.
ذكر مذهبه في الإيمان:
كان محمد بن سحنون لا يستثني في مسألة الإيمان ، وخالف ابن عبدوس وغيره، وكان يقول : أنا مؤمن عند الله . وكان ابن عبدوس وأصحابه وأهل مصر والمشرق ينكرون ذلك عليه وعلى من يقول ، وينسبون مسائله إلى الإرجاء .وتكلّم بذلك مرّة بمصر رجل في حلقة أبي الذكر الفقيه ، فأنكروا عليه، فقال * لأبي * الذكر : وعندنا فرقة بالمغرب يقال لها (( السحنونية))، تقول ذلك . وكان ابن سحنون يقول : المرء يعلم اعتقاده ، فكيف يعلم أنّه يعتقد الإيمان ثم يشك فيه؟
وبقي بين أصحابه بعده وبين أصحاب ابن عبدوس وغيرهم في المسألة تنازع ومجادلات ومطالبات . وكانوا يسّمون من خالفهم ((الشكوكية))لاستثنائهم ، وسيأتي من أخبار بعضهم وما جرى بينهم بعد [هذا في موضعه] ما يليق بالكتاب[ إن شاء الله ، تعالى!]
قال المؤلّف ، رحمه الله!: والمسألة قد كثر الخوض فيها ، وكلام الأمّة عليها. والحقيقة فيها أنّه خلاف في الألفاظ لا[في] حقيقة. من التفت إلى [ مغيب الحال والخاتمة وما سبق به القدر ، قال بالاستثناء ، ومن التفت إلى ] حال نفسه وصحّة معتقده في وقته ، ولم يقل به.
ثم نشأ بينهم بعد اختلاف آخر بعد ثلاثمائة سنة في القول في الغير ، هل يقال : هو مِمن عند الله [أم لا]؟ [وجرى بين الناس فيه كلام ] ،وجرى بين ابن التبّان ، وابن أبي زيد ، * والمميسي*، وأبي ميسرة ، والداودي وغيرهم في ذلك* رجوف* ومطالبات ومهاجرة سنذكر منها في أخبارهم ، عند ذكر طبقتهم ، [شيئا] والصحيح في هذا أيضا ماقاله أبو محمد بن أبي زيد : إن كانت سريرتك مثل علانيتك، فأنت مؤمن عند الله. زاد الداودي : وختم لك بذلك وأمّا ابن التبّان وغيره فأطلق القول : فأنت مؤمن .
قال محمد بن أبي زيد – وكان يقول بقول بن سحنون –[ كان ابن سحنون ] ورعا، لم ينسب هذا القول إلى أبيه.
ذكر وفاته:
توفي محمد بن سحنون – رحمه الله ورضي عنه! – بالساحل ، سنة 256 ستّ وخمسين ومائتين ، بعد موت أبيه بستّ عشرة سنة. وكانت وفاته بالساحل، وجيء به إلى القيروان فدفن بها وسنّه أربع وخمسون سنة.
مولده سنة 202 اثنين ومائتين فيما قال أبو العرب. وقال ابن حارث: مولده على رأس المائتين وفي رثاء أحمد بن ل[أبي ] سليمان له : وقد عاش خمسا بعد خمسين حجّة يحامي عن الإسلام إلاّ ثمانيا وصلّى عليه الأمير ، حينئذ إبراهيم بن أحمد بن الأغلب . وضرب على قبره قبّة ، وضربت الأخبية حول قبره ، وأقام الناس فيها شهورا كثيرة حتى قامت الأسواق والبيع والشراء حول قبره [ من كثرة الناس] ، حتى خاف من ذلك بن الأغلب وبعث إلى ابن عمّ سحنون المعروف بابن لبدة ففرّق الناس .
ورئي في النوم فشل فقال : زوّجني ربي خمسين حورا لما علم من حبّي للنساء ورأى بعضهم حين مات سحابة تظلّ القيروان والناس يعجبون من حسنها ، إذ قال قائل : أتدرون من فوق هذه السحابة – قلنا له : لا – قال : محمد بن سحنون ويده بيد الله ، تعالى!
ورثاه الشعراء بمراثي كثيرة ، من ذلك قول محمد بن [أبي ] داود وكان من أصحابه :

اذر الدموع على أغرّ محجّل بسطت له أيدي المنون حبالها
ما ضرّها لو أمتعت بمحمد هيهات! ربّ العالمين قضى لها
يا عين جودي بالدموع على الذي نشرت عله المكرمات ظلالها
ولقد رأيت الأرض ، يوم رأته فوق المناكب ، زلزلت زلزالها
قل للمنيّة بعد موت محمد تكسو الخليقة بعده أحبالها
يا صاحب القبر الذي لبس البلا ورّثت نفسي همّها وخبالها
لمّا رأت تعطيل مسجدك الذي بإزاء قبرك غالها ماغالها
ذاك المحلّ الأرحب العالي إذا أعطى البرية ربّها أعمالها.
و قال آخر:
فقد مات رأس العلم و انهد ركنه و أصبح من بعد ابن سحنون واهيا
فمن لرواة العلم بعد محمد لقد كان بحرا واسع العلم طاميا
بنى لك سحنون من المجد مفخرا وورثك العلم الذي كان قانيا
وأصبحت مخصوصا بكل فضيلة وشيدت ما [قد] كان شيخك بانيا
وكنت لأهل العلم و ملجأ فأصبح منك اليوم حصنك خاليا
وقال احمد بن أبي سليمان :
ألا فابك للإسلام إن كنت باكيا لحبل من الإسلام أصبح واهيا
تثلم حصن الدين وانهدّ ركنه عشية أمسى في المقابر ثاويا
إمام حباه الله فضلا وحكمة و فقهه في الدين كهلا و ناشيا
وزوده التقوى وبصره الهدى فكان بلا شكّ إلى النور هاديا
وهي طويلة.
[ قال بن اللبّاد: حج محمد بن سحنون سنة خمس و ثلاثين ، وترك محمد ابن سحنون ابنا ، وسمي محمدا أيضا ، ويكنى بابي سعيد ، له سماع من أبيه وغلب عليه العبادة. يأتي ذكره عن شاء الله ،تعالى !
وخلاصة القول فإن نمط السرد يختلف في السير العامة و الذاتية والمذكرات في الجهات الحاضرة في عملية السرد والتي تتكامل في تكوينها.
والسرد قد يتم بالانفصال في مساره بين الشخصية والراوي والناسخ، وقد يتم بالتطابق التام بين هذه الأطراف الثلاثة، ولا يخفى أن نمط السرد في السير المامة و الذاتية والمذكرات يكون بحسب النوع الأول الثاني وفي بعض الأحيان يدمج بين النوعين.
كما أن من خصائص بينات السرد في هذه المدونة التماثل في تواليها الزمني، وفي محتوى ملفوظها السردي، وحياة الشخصيات وتاريخ المغرب، وهكذا يكون:
- النموذج الأول: متماثلا مع سير الشعراء التي نسخت في مرحلة الشباب، والتي تماثل
بدورها هيمنة الروح الانفعالية الاندفاعية على الحركة التاريخية والاجتماعية
- النموذج الثاني: متماثلا مع سير الملوك ، نسخت في مرحلة الكهولة، والتي تماثل هيمنة العقل والحكمة على الحركة التاريخية والاجتماعية.
- النموذج الثالث: متماثلا مع سير الكتاب والعلماء ، والتي نسخت في مرحلة
الشيخوخة، وهي تماثل بدورها دخول الحركة التاريخية في مرحلة التآكل والعجز عن
التجديد.
هذا الاختلاف في زمن النسخ أدى إلى الاختلاف في محاور الصراع بحسب التحليل السميائي لكريماس ، وهكذا يكون:
- النموذج الأول يكون الصراع فيه نفسي وموضوعه الحرية، والأبطال هم الشعراء،
أما المناوئون لهم فهم كل من هو ضد الحرية والانطلاق إلى الآفاق الرحبة الإنسانية،
وستكون السلطة، والمجتمع، وتقاليده هم: الأبطال المضادون في محور الصراع
في هذه السير.
- النموذج الثاني: ويكون محور الصراع فيه فكري حضاري، وموضوعه الأصالة،
والأبطال فيه هم رجال الفكر الأصلاء ، وستكون السلطة في الطرف المضاد من محور الصراع في هذه السير.
- النموذج الثالث: ويكون محور الصراع فيه سياسي، وموضوعه الإقناع بالبرامج
الحضارية، والأبطال فيه هم الدعاة والمناوئون لهم هم أهل الباطل
كما أن توالد السرد في هذا النوع من الأدب يغلب عليه الحركة والديناميكية النفسية والمكانية والعقائدية، ومن ثم فإن السرد يكون ذو طبيعة اتصال أو انفصال في علاقات نفسية أو فكرية أو عقائدية أو مكانية أو زمانية.
كما أن هذه النماذج تختلف في لغة كتابتها وفي ثقافة مبدعيها بحيث أن النموذج الأول والثالث كتبا بلغة راقية وأصحابهما ينتمون إلى الثقافة العربية التقليدية، في حين أن النموذج الثاني كتب باللسان غيرسليم وصاحبها يجمع بين الثقافةالدينيةوفكرها والثقافة العربية وفكرها الأدبي.
كما أن هذه النماذج تختلف في بنيات تركيبها النصية، وفي حجم كتابتها وهذا يتوافق مع زمن الكتابة، وطبيعة القوة العقلية المبدعة، فالنموذج الأول لا يتعدى مجموعة صفحات في كل سيرة ذاتية، فهو أقل هذه النماذج حجما، وهذا يتوافق مع مرحلة الشباب، ومكونات النص السردي في الغالب من الملفوظ النفسي وما يتعلق بها من ذكريات.
أما النموذج الثاني فقد كتب في فصل أو أكثر ، والنص السردي تغلب عليه التصورات الفكرية وما يتصل بها من أحداث وشخصيات وحجمه يناسب مرحلة الكهولة.
أما النص الثالث فقد كتب بحجم أكبر ، وهو نص مركب من نصوص، والبطل فيه ذاكرة الأديب إذ استطاعت استرجاع أنساق من النصوص كما هي في شكل بيانات دعوته وولائه وتعليمات وخطب ورسائل وأشعار وغيرها، وكل هذه الأنساق أصبحت عناصر أساسية مشخصة في المسار السردي العام في هذه المذكرات الأرشيفية التي ركبت لتشكل نصا سرديا كاملا.
كما أن اختيار المراحل والأحداث والأشياء والأشخاص والأفكار التي يقف عندها صاحب السيرة أو المذكرات أمر في غاية الأهمية، فهو الذي يحدد لنا هوية النص واتجاهه الفكري ومحيطه الحضاري وكل هذه السير كتبت على أساس التقطير والتصفية التامة لأبطال هذه السير لتساير في مسارها السردي النماذج الآتية:
1-النموذج الأخلاقي.
2-النموذج الديني.
3-النموذج الاجتماعي.
4-النموذج السياسي.
5-النموذج الفكري.
6-النموذج الحضاري.
7-النموذج الجمالي.
هذه أهم الجوانب التي سيطرحها هذا الفصل ، فإن كنتم ترون ما يفيد فيها، وإن لا أمكنكم الاستغناء دون حرج أو اعتذار، فلكم الخيار، وفي جميع الحالات نقدر اجتهادكم
ملاحظة عامة هذه الفصول مازالت قيد التعديل والإضافة في منهجها ودراستها ونماذجها ، وبخاصة الفصل الأخير ، وهذه النواقص ستستكمل في العام القادم بالإضافة إلى إنجاز بقية الفصول












































الباب الثاني
فن السرد في التراث النثري المغربي



























الفصل الأول
عالم السرد في الخطاب النثري وتقنياته

















إن الدراسات النقدية النظرية والتطبيقية للسرد بمختلف نصوصه وأشكاله وعصوره في الثلث الأخير من القرن الماضي قد استنفذ مجهودها شيئان : البحث عن المنهج الملائم لطبيعة النص الأدبي السردي والذي بمقدوره النجاح في تأويل وتفسير المعنى الحقيقي للنص الأدبي السردي و جمالياته بعد اختراق بنياته الكبرى والصغرى ،وتحديد وظائفها ،وأساليبها ، والبحث عن العمق الفكري والضبط المعرفي والعلمي ،و في الغالب لن يتحقق ذلك إلا بتوجيه الدراسات للإلمام بكل الجوانب النظرية والتطبيقية لجنس أدبي ،وربما أكثر الأجناس الأدبية استحواذا على الدراسات النقدية الحديثة السرديات بجميع أشكالها الفنية،وبنياتها،وتقنياتها وأساليبها وجهة النظر والتقنيات السردية: بعض التمييزات الأساسية: إن أول جانب أساسي يميز النص السردي عن غيره ؛هو ما يعرف في النظريات القصصية بوجهات نظر تقنيات السرد، ولفهمها في سياقها النقدي الصحيح لا بد من استعتراض بعض التمييزات الأساسية ؛ونستهل كلامنا بالسؤال المفتاحي الجوهري عن الأقوال السردية في التراث النثري المغربي ؛وهو:من المتكلم بالضبط حين يقصد من الكلام سرد حكاية ما ؟
المؤلف يقول لنا بأن:من يتكلم (في السرد) ليس الذي يكتب (في الحياة الحقيقية) ،ومن يكتب ليس من هو صاحب الكينونة العادية، وهذا السارد قد يأخذ تسميات مختلفة فهو عند الحصري مثلا في كتابه جمع الجواهر هو المسامر و المنادر ،فالأول يحكي قصصا في جلسات السمر ليلا والثاني يحكي عن الأشياء والأحداث النادرة المضحكة ، ويشترط في كل منهما "أن يكون خفيف الإشارة ، لطيف العبارة ،ظريفا رشيقا ، لبقا رفيقا ، غير فدم ولا ثقيل ، ولا عنيف ولا جهول ؛قد لبس لكل حالة لباسها ، وركب لكل آلة أفراسها " ،ثم يحدد طبيعة النص السردي الذي هو من جنس النوادر أو ما عد منها للسمر فحصره في صنف الهزل ،وقد يتجاوزه إلى الجد على غرار حكاية الإمام الشافي مع عوام الناس ، وقد تكون حكايات ذات بعد مأساوي على غرار حكايات الحجاج مع الأعراب
الخيال والحكي:
أي سرد يتضمن قصة محكية من طرف ما ؛لكن هناك مفهومين أساسيين لا يجب الخلط بينهما:وهما الحكاية، والقصة من حيث هي حكي لقصة خيالية، ندرك محتواها الحكائي بالتخيل ،ونحدد نوع السرد بالأعتماد علىأسلوب الحكي ، وبعضهم يطلق عليها "الخطاب".
ويبدع الكاتب دائما وينظم السرد بطريقة ضمنية ،وهذا يعدمن أصول كتابة النثر القصصي ، ولكن يبقى مفهوم الكاتب المؤلف غامضا ، ويمكن توضيحه بالمميزات الأساسية:وفي ضوء ذلك يكون المؤلف هو الشخص الحقيقي الذي يحيى ويعيش في أزمنة وأمكنة معطاة ،والراوي هو الذي يحكي القصة ؛وهناك ثلاثة أوضاع للعلاقة بين الشخص الكاتب والصوت الراوي:



1 2 3

والوضع الأول يمثله الاندماج التام بين الراوي والكاتب،ويتضح أكثر في السيرة الذاتية بحيث يختلط فيها مهمة الراوي مع أدوار الشخصية الرئيسية،وهذا واضح في نماذج السير الذاتية المغربية لابن رشيق ، وابن خلدون ...الخ
والوضع الثاني يتقاطع فيه الراوي والكاتب في درجات مختلفة ،وقارئ السرد في هذه الحالة لا يمكن أن يميز بدقة بين ما هو صادر من الكاتب ، أو الراوي،وما هو واقعي، أو خيالي، وهذا واضح في كثير من السرود التي جاءت في كتب أبي إسحاق الحصري "زهر الآداب، وثمر الألباب" وكتاب "المصون في سر الهوى المكنون " وكتاب "جمع الجواهر في الملح والنوادر "
أما الوضع الثالث ففيه يقع التمييز التام بين الكاتب والراوي؛ ويكون دور الراوي هنا متوافقا في ميدان الكتابة مع دور المروي له المستقبل داخل الرواية وأيضا مع كلام الراوي.
القارئ: ينتسب أيضا إلى العالم الواقعي ويعيد تحقيق الخطاب الموجه إليه عند كل قراءة ، ودوره غير محدد بحسب بعض الترسيمات المستوحاة من نظرية التواصل التي تريد أن تخلق الاعتقاد لمن يستقبل الرسالة.
القارئ الضمني: هو كل شخص له قابلية القراءة بأي لغة كانت لأي نص سردي مهما كان شكله .
الناسخ: هو كل كاتب من كتاب السرد ؛مثل: الحصري ، والتادلي ، والمالكي ، والدباغ …الخ
القارئ الحقيقي: كل شخص حقيقي متضمن في قراءة السرد ،والذي يعمل علىالتحقيق المتجدد في كل مرة للنص السردي.
السارد: يكون في مجرى الخطاب وهوالذي يسرد القصة Narrateure للمسرود له Narrataire المستقبل والمسجل للنص الذي يوجه له السارد؛وبهذا نرى أن مختلف الأدوار المتكونة من عملية القراءة لنص سردي لا تتموقع في مستوى واحد ،ولكنها تتجاوب في مواقع الانزياحات والتي نستطيع إجمالها في هذا التمثيل:
1 - العالم الواقعي الكاتب ……… القراء الضمينيين
2- عالم الكتابة والقراءة الناسخ ……… القارئ الفعلي
3 - عالم الأداء الحكائي الراوي ……… المروي له
4 - عالم التخيل (النبوة) النص
5- عالم الملفوظ الحكائي الفواعل السرد / الخطاب
إن اختيار الراوي تابع لوجه النظر بحسب الأفعال التي قدمناها، ومن ثم يجب التمييز بين صنفين من وجهات النظر بحسب الراوي المؤهل لنظرة غير محدودة أو محدودة
النظرة غير المحدودة: لا يقدم الراوي في المتخيل السردي الذي تسيطر عليه الحكاية والشخصيات إلا بكون معرفته بهذه أو بالأخرى غير محدودة ،ومن ثم فهو عالم بكل شيء omniscients مثل الإله يعرف خبايا الكلام وقلوب خلقه التي لا تخفى أسرارها عنه . فالراوي العارف معرفة كلية في مقدوره أن يقدم للقارئ الأفكار السرية،كما هو الحال في رواية اللاوعي، وينجر عن ذلك أن الشخصيات تصبح بمقدورها أن تدفع بالتحليل إلى ما فوق طاقة البطل نفسه ، وهكذا فإن الرؤية غير المحدودة في إمكانها أن تقدم للراوي إمكانية تواجده في أماكن متعددة في آن واحد مثل الإله الذي يملك كلية الوجود ،و القدرة على الحضور في كل مكان في آن واحد،وهذه القدرة الكاملة للراوي تسمح بحسب الأهداف والغايات استيعاب ، و تقديم في وقت واحد أفكار مجموعة من الشخصيات ،أو تكشف لنا مختلف المظاهر لشخصية ما بحسب نظرية الشخصية الشاملة التي تحوز على بعض الامتيازات
النظرة المحدودة: وهذه النظرة هي على عكس بعض المتخيلات السردية التي تقدم بحسب وجهة نظر الراوي ممزوجة بالحدث، وهذا النوع من الروايات نجدها محدودة بالضرورة بما يراه الراوي ويسمعه أو يدركه وتقدم مختلف التركيبات التي سنفحصها بحسب التحليلات الآتية: الراوي – المساعد "أنا" كيف يقدم الراوي في المتخيل السردي ؟:يقدم على أنه هو الذي يحكي الحكاية بحسب وجهة نظر الراوي المساعد الذي يتكلم إليه الراوي الرئيسي بالضمير الأول "أنا" ،ونعرف مباشرة وبدون أي خطاء ممكنة ماهيته.
هذه الرؤية تتضمن تقييد الحقل فلا يظهر إلا ما تراه عينا البطل ،ولكن الحكي يزيح بالإجراء المرعي ،و المصداقية التي نجدها متحدة مع قدر الشخصية ؛وبها نستطيع الكشف الراوي الرئيسي يمكن له أن يصف خبراته ،وهو مختبئ خلف الشخص الثالث ،أو ضمير الغائب "هو" . وبهذا يسمح بإعطاء تقديم الأحداث بشكل أكثر موضوعية ،ويرجع إلى الخلف بحسب الفعل الذي نجده في حكاية المأمون مع الأعرابي .
ج- الراوي الشاهد: يوجد شكل آخر من الروايات تستخدم الشخص الأول وضمير المتكلم هنا شخصية تقول "أنا Je".ولكن في هذه الحالة فإن الراوي ليس هو بطل القصة بل هو شخصية ثانوية تقص كملاحظ بشكل أكثر أو أقل ضمنية تاريخ الشخصية الرئيسية كما هو الحال في كثير من السرود التي جاءت في النثر المغربي ،وهذا النمط من الرؤى يطرح إشكالية حساسية الراوي الذي نجده في مكان الحدث في كل مرة متى كان شيئا مهما سيقع.؟ وتجرى بكل سهولة الحوارات الطويلة وتلميحات ….. هنا أو هناك وخطورة إعطاء انطباع بالاصطناع الراوي الشاهد يستطيع أن يشترك في مفعول تقنية: ونمر بسرعة إلى الرؤية من جديد ،ونستعرض مختلف أصناف وجهات نظر في كل عمل، ولماذا القارئ يبحث عن رواية الأحداث التي تبد وفيها الرؤية أحادية أو متنوعة في أثناء الأداء الحكائي ؟ولأي غرض؟ومن أي تأثير يختار وجهات نظر حول الأداء الحكائي؟ الناسخ يحترم الحدود المقدمة عن اختياره (ماذا تقدم الامتيازات لهذه وماذا تتضمن التضحية بها؟)،وفي النهاية فإن وجهة النظرلما تظهر في الموضوع المدروس؟ الأداء الحكائي في فانتازيا عند ضروب التقديم Modes de presentations ما هي مختلف الصور التي يعالج بها الراوي الوقائع؟ هنا نجد تمييزا كلاسيكيا يناقض الذي يظهره لنا (التقديم) الذي ندعوه "العلاقة"؛فما دور هذه العلاقة:التي تجعل ما يقع يرويه بتفصيل كلام الراوي ،و تدخل عناصر جديدة في تطور الحدث دون الالتجاء إلى طريقة الحدث المبنية على حركية المواجهة بين الشخصيات نفسها ،و أفكارها توصف من الراوي أو عن طريق أي نوع آخر من أنواع الوسائط. ويستفيد الراوي من الظروف، وتطور الأحداث والأحاسيس التي تكابدها الشخصيات ويختصرها للربط بين زمنين مليئين بالحركة . التقديم: تقول الأشياء وتفعل أمام أعيننا، وتساعد على تقديم مشهد ويكشف الكلام، والأفعال، والأفكار، السمات ، وهذا يتم بفضل حوار شخصيتين، أوبالمونولوج إذا كان خطاب شخص لم يلازمه مستمع، وتكشف أغلب المونولوجات الداخلية لنا عن الفكرة لحظة تشكلها.
إن ضروب هذا التقديم لا نجدها أبدا في حالة تطبيق تقنيات القصص المحضة،لكنها تظهر حين الانحراف إلى المشهد على غرار ما هو في الحوارات ،وهو عبارة عن متوالية من النقاش والجدال. وحوار المونولوج ينقطع بمؤشرات تخص الحوار والوصف وتحليل الأحاسيس وشروح الراوي. وهذا التكرار لضروب التقديم يعطى للرواية إيقاعها الحقيقي.
ويلتجئ الناسخ إلى مسرحة الحكاية لتسجيل لحظة مهمة في السرد.. وتطور محقق للفعل، وهذا ما نلاحظه في الحكايات البطولية أو حكايات المغامرات التي تقفز من مشهد إلى مشهد بأقل الوصلات الوصفية الذي تضر بإيقاع السرد ،وفي مقابل ذلك فإن أعمال الاستبطان النفسي، والمشاهد تعتني بتسجيل تصارع الخصائص ،وتعطى مكانا للشروح الطويلة والتحليلات المفصلة.
وينتقل القارئ في جميع الحكايات من مشهد إلى سرد ومن ملخص إلى موقف جديد ولا نلاحظ انزلاقا سريعا جدا من منظر سردي لآخر في أغلب الأحيان حين انتقال وجهات نظر النص، ، وتوالي الصفحات المخصصة لمسرحة القصص من جهة ،وللوصف من جهة ثانية.
بلاغة الكتابة وبلاغة القراءة:
إن مختلف ضروب الرؤى لم يعتن بها إلا مؤخرا جدا عند القصاصين والمنظريين؛لما في اختيار وجهة النظر من أهمية قصوى، ونلاحظ بصفة أكيدة مدى أهميتها في فهم الأحداث، وأهميتها التي تضفيها على الأفعال التابعة لضروب التقديم في الحكى، لأن الغاية والفعل لا يمكن إدراكهما مباشرة في القصة ولكنهما تقدمان لنا عن طريق وسيط الراوي.
ويبدو أن النقد الجديد في السنوات العشرين اهمتم أكثر بمسألة تقنيات الحكي، ويذهب إلى حد التفكير في أن الأساس في نجاح الأعمال خاضع لوجهات النظر المعتمدة من الخطاط أو الناسخ.
كثير من القصص والنقاد يقدرون بأن لا شخصا نية الملاحظة في الحكي وموضوعية الراوي أمام الشيء المرو تضمن نجاح الحكاية. وفي أثناء ذلك فإن براعة الناسخ لا نستطيع أن نمنع الاعتراف بأن وجهة النظر ليس في نهاية التحليل سوى طريقة تقنية ضمن مجموعة أخرى من التقنيات وبأن صناعة الحكاية التي ستبدو للقارئ أكثر طبيعية، تمر عن طريق الاختيارات البلاغية التي ترجع إلى ميدان الحيلة الفنية والاتفاق.
نقرأ الحكاية بمتعة ومع ذلك كل شيء سيرويه لنا راو عالم بكل شيء كما سيبينه النقد اعتماد على شهادته وبأن التخيل المشهدي يستحق الصيغة المحكمة
الشخصية القصصية:
يبدو تقديم الشخصية له معنى أساسي للتحليل القصصي يكون في جميع الحالات بلا منازع واحد من الثوابت التقليدية في النقد القديم أو الحديث وفي نظرية الأدب ؛والشخصية ليست إلا علامة ذات قيمة بصفة خاصة من التراث ومن التصور الأدبي الداخلي لسنن سيميائية أدبية معطاة.كما أصبح من المناسب أيضا فحص المبادئ التي تكتسبها الشخصية القصصية التقليدية ثم تغيير وجهة النظر المقدمة داخليا لإشكاليات مختلفة ،وهذا ما يسمع بدوره بالتفكير في قوام آخر للشخصية
الإدراك التقليدي للشخصية القصصية :
وفي الحقيقة فالشخصيات ليست إلا علامات منتزعة من الواقع وليست مخلوقة لأن الخلق يرتكز على وجود شيء من العدم؛وفي جميع الحالات فإن الزعم بالخلق يشكل عنصرا مأخوذ من الواقع، تؤلف بشكل أكثر أو أقل بحسب توجيه ما تمدنا به ملاحظة الناس الآخرين أو معرفتنا بأنفسنا.
ملاحظة عامة:
الشخصية العارفة بكل خبايا الأمور والعالمة بالأسرار ،ويبقىعلمها بالضرورة دون علم الله،وأ حسن من يمثلها شخصية سيدنا الخضر عليه السلام والعلم بأ سرار الناس والكون بعد علـم الله الذي ليس بعده ،ولا قبله علم آخر ،ومنحه العلم لخلقه يتدرج بحسب مشيئته ،"وفوق كل ذي علم عليم"
االشخصية = الراوي وتباين علمها :
الراوي يعلم أكثر من الشخصية نفسها النبؤات المستقبلية
االراوي علمه تابع لعلم شخصية أخرى مثلما هو واضح في قصة موسى عليه السلام مع سيدنا الخضر عليه السلام
اوهكذا نجدتدرج علم الشخصيات المنتمية للإنس تبدأ بطبقة مميزة من الأنبياء ثم الأنبياء
ثم العلماء ثم الناس العاديون
وفي كل الأوضاع فإن البطل يولد بالتزاوج الذي يعقده الراوي مع الواقع ،وعلى هذه الحقيقة
عبر الكاتب فرنسوا مورياك في قوله :"إذا كان تفكيرأي أديب والهدف منه أن يصبح روائيا يجب عليه أن يخترق الحياة ،ويقبض على الحقيقة الإنسانية ،ويخبر القلوب،ويصل إلى معرفة الآلام،ويطرح مجمل المشاكل التي يجدها قارئي الرواية حينما يتخيل شخصية؛ويكون بطل الرواية قويافي حضوره في متحف خيالنا إذاكان مرتبطا بالحياة دائما.
الإنسان والشخصية:
نطلق عادة على الفرد من النوع الذي نحن منه إنسان في القصص ،وشخص الإنسان يقدم بحسب مجموعة من الضروب تحت صفات الشخصية ،وقبل كل شيء فإن كل بطل من أبطال العمل السردي يتجسد في المشهد في ممثل أو ممثلة، وعن طريق التماثل فإن هذه الكلمة تحدد بالتبعية شخصية الرواية.
ويقدم هذا الكائن الإنساني سواء كان رجلا أم امرأة في عمل تخييلي، وعلى هذا الأساس يمكن تحديد شخصية القصة بأنها إنسان تخييلي يؤدي دورا في تطور الفعل السردي.
ويمثل البطل أو البطولة في الأعمال السردية ذلك الذي يواجه ما تحكي عنه المغامرة، ويمكن التمييز بصفة عامة بحسب المعايير التي تبقى غير واضحة بين الشخصية الرئيسية؛أو البطل ؛ أو الشخصية الأساسية ،وبين الشخصيات الثانوية أو المشهدية التي تظهر خلف التخطيط أو من زمن إلى آخر ، أو الممثل الصامت وأخيرا نجدها في الشخصية التي لها دور مختصر إلى الحد الأدنى.
ومن الواجب الأكيد على القارئ ألا يخلط بين الإنسان الحي بلحمه وعظمه ،وشخصية أخرى: ليست إلا كائنا ورقيا في السرود .
العقدة القصصية والنظام الحكائي:
عموميات: مجموعة الترتيبات السلمية لعناصر الحكي
ا الخرافة: هي القسم الأساسي لستة أقسام مكونة للتراجيديا ، وعرفها أرسطو في كتابة الشعرية انطلاقا من تحليله للمسرح الإغريقي.
. وتتجاوز أهميتها بالنسبة إليه الشخصيات وهذا المفهوم ينطبق على جميع الأفعال المنجزة ،ويظهر تنسيق الأفعال بحسب حركة تنطلق من البداية وتمر عبر محيط وتفضي إلى نهاية.
ومن الوجهة نفسها فإن الحبكة يمكن عدها عنصر تكويني أساسي للرواية وبأن القارئ، وفي الواقع إذا كانت الرواية تحكي قصة فما يتعرض له البطل ( نسميه الفعل).
غير أن هذا لا يحل مشكلة مواجهة نصوص معقدة وكريماس نفسه أشار إلى أن الوسائل المنهجية ا وصفتها السيميائية المقالية إلى حد الساعة غير متجاوبة أو مازالت لم تكن في مستوىمتطلبات تحليل النصوص الأدبية المعقدة .
و بهذا التصور والطريقة نفسها تبقى العقدة عنصر تكويني أساسي في الحكايات ،وفي الواقع فإذا كانت القصة تسرد حكاية ما ينتاب الشخصيات وما تتعرض له وما تبديه من مواقف وما تقوم به من ( أفعال) فإنها لا تقدم العناصر الحكائية إلى القارئ كيفما اتفق.
ضروب الخصائص المميزة:
الخصائص المميزة تصنع نفسها بصفة مباشرة أو غير مباشرة ،وتوجد الخصائص المباشرة إذا كانت المعلومات التي نتلقاها عن الشخصية تصلنا عن طريق الراوي أو عن طريق شخصية أخرى أو عن طريق البطل نفسه.
قوام جديد للشخصية:
التحفضات التي تأتي من الكائن المستحضر في الأشكال السردية تتضمن انزياح المقاربة التي تستدعي النظر إلى الشخصية بوصفها علامة داخل نظام من العلامات.
ووهكذا فإن شخصية تيراس ليس أكثر من جراح روائي وجوده لا يطرح إلا داخل الخطاب الذي يظهر فيه وليس له وجود آخر بالقياس إلى مرجع خارج عما هو لساني..
هذاوتركزالوثيقة الإشارية (اللقب، والعمر، والمظهر) على وجود الشخصية القصصية بنزعتها في عملها إلى إخفاء الدور الذي تؤديه في اقتصاد السرد، ومن المناسب لهذه النتيجة إجراء عملية آنية لتحريك الإشكالية التقليدية المتمثلة في المرور من الوصف النعتي إلى الوصف الوظيفي.
وأصبح بعض الدارسين حديثا يعنيهم البحث في هذا الميدان - وينظرون في أثناء تعاونهم مع باحثين آخرين بكونهم قدماء وآخرين معروفين مؤخرا في بلدان اللغة الفرنسية ،ويهتمون أولا وقبل كل شيء بالبحث في الرواية عما يمثل شهادة عن المجتمع أو الكاتب أو نفسية الشخصية .
ويعني هذا من منظور صناعة مضادة للتوازن المتفرد فإن مفهوم المثالية الملهمة في الأعمال التقليدية لمفهوم الشخصية.
ونأخذ من هذا التشكيل لمواقف ممكنة على سبيل التمثيل الموقف التقليدي الحب هي و هو الآخر () فإن الوظائف الستة التي رفعها سوريو تقرأ كالآتي:
ـالقوة الموضوعاتية الموجهة =الحب
ـ تقديم الخير المرجو (الفتاة المحبوبة)
ـ المستفيد الممكن من هذا الخير (المحب)
ـاالمضاد = الآخر
ـ الحكم على الخير = أبو الفتاة
ـ الهجوم والتوطئ في أي من الوظائف الأربعة السابقة
ونشر كتاب فلاد مير بروب " Valdimir propp" منذ 1928 ،ولم يترجم إلى اللغة الفرنسية إلا بعد أربعين سنة ، وقدم فيه دراسة وصفية عن وظائف (100)قصة عجيبة روسية ، ويعد هذا الكتاب كلاسيكيا ،ومفهوم الوظيفة عنده هي: " فعل شخصية محدد من وجهة نظر دلا لتها في أدوار الحبكة " ،وساعده هذا التحديد على التمييز بين (31)وظيفة .
و يمكن تقليصها إلى سبعة وظائف وفق محور الفعل ،وتكون كالآتي :
ا ـ المعتدي (الشرير)
ـ المانح
ـ المساعد
ـ الأميرة
ـ المتعاقد
ـ البطل
ـ البطل المزيف
وندرك جيدا أن عمل بروب طبقه على نصوص خاصة ،وليس لائقا محاولة تطبيقه مكانيكيا على الرواية، وحتى على الحكايات المنتخبة من كتاب ، فهذا بدوره يطرح إشكالية الانتقال من "الأشكال البسيطة" إلى الأشكال العلمية المعقدة.
والآن ننتقل من التساؤل عن الذي يفعل أي فعل ، إلى التساؤل عن كيف يفعل ولماذا ؟ وفي الحقيقة فإن كل ما تفعله الشخصية يسمح لنا بالمرور إلى المقاربة النفسية للشخصية المتصورة بمفهوم جوهري من حيث شكلها.
وبعد هذا أعاد كريماس تشكيل ما طرحه بروب وسوريو وكون لمتطلباتها التركيب الأولى للوصف منوال وفواعل بصفة عامة متمحورة حول محور موضوع الرغبة موجة بفاعل.
بفرضية.
وهل لا تتقاطع مرة أخرى واحدة مع الأخرى بعض الأصناف المقترحة من الناقد ؟
وإذا كان هذا التصنيف يسمح تتجلى في التخيل القصص فلا يبدو هذا كافيا……ها في كونها أكثر نظرية، وهذه التأملات يعوزها تقديم معطيات أساسية حول المتغيرات الحقيقية للسرد ويجب علينا بالعكس الذهاب إلى افتراض نظرية في مقدورها لتوحيد التقرب من المتخيل وأيضا مختلف المظاهر في الرواية.
التاريخي الحب أنثوي
المغامراتي الحرب الصداقة الحميمبة
الشعري بروليتاري شيطاني
حدس تقديم جنسي قروى
الطرح بوليس شعباوي

يبدومن النظرة الأولى أن عدد الحبكات مرتبط بعدد الروايات المنشورة ، وهذه كثيرة، ومن فإن تحديدها غير قابل لإن يكون مجرد عمليات حسابية لأن كل حكاية قصصية متميزة بخصائصها إذاكانت أصيلة .
وعلى أية حال فتنسيق الفعل في أغلب الروايات المنشأة وهو ما نسميه اليوم بالروايات المقروءة يتجاوب مع تخطيط قريب من الذي نعرفه قديما في الأعمال الدرامية الكلاسيكية ،ويتضمن :
ـ العرض (exposition l) .
ـ العقدةle noeud) ) .
ـ الحل le douenement)).
ويرى روبير بأن العرض يشتمل على القسم الاستهلالي للعمل الأدبي بحيث يعرفنا الكاتب فيه بظروف وشخصيات الفعل، والأعمال الأساسية المهيئة لهذا الفعل ،بينما وتشتمل العقدة على التغير الفجائي لوضع الفعل الدرامي ،والحل يقوم بحل الحبكة .
4-2 لتحديد منوال حكائي:
ويبقى الطرح إلى حد الساعة غامضا ،ومن المناسب تحديد وإبعاد المسالك الكبيرة لنحو السرد أو تركيب الحكاية ،وهي ليست خاصة بالرواية بالتأكيد ،ولكنها ستسمح لنا بالإحاطة بموضوع دراستنا بشيء من الانضباط ؛ويعني هذا ضرورة تأسيس عمل القراءة لنص قصصي انطلاقا من نظرية النص .
4-2-1 فرضيات:
من البداية نلاحظ أن النص سواء كان حكائيا أو غيره يبقى مجموعة من الكلمات والجمل مركبة بحسب نظام معطى يضمن التماسك ؛ والسؤال الذي يهمنا هنا هو معرفة ماإذا كان في الإمكان تمييز نظام حكائي نوعي مشترك داخل مجتمع معطى ومؤلف من جهة لتنين طريقة الكتابة وقارئ من جهة أخرى لفك سنن القراءة ؟.
الفرضية النظرية التي سنعتمد عليها تستند إجمالا على طرح ضمن كفاءة حكائية مشتركة بين الناسخ والقارئ داخل مجموعة ثقافية معطاة ،وهذه الكفاية هي التي تسمح في وقت واحد بالفهم والتذكر والاختصار لقصة ما.














الفصل الثاني
فن السرد العجائبي















إن الكلام عن قصص المعجزات وحكايات الكرامات و أبطالها من الأنبياء والأولياءوالمنجمين والسحرة و والملائكة و الإنس ومردة الجن والشياطين ،يعد من أخصب الأبحاث عن الأنساق الثقافية التي ترجع في أسسها المعرفية إلى الدراسات الحضارية والدينية والروحية و الثقافية والفكرية ومخيلة الجماعة البشرية ،كما ترجع إلى الدراسات الأنتروبولوجية بوصفها تمثل نمطا من التفكير المعرفي المحدد للهوية التاريخية لمرحلة مرت بها البشرية ،وفي مرحلة من المراحل نضجت هذه المعرفة في الثقافة العربية فظهرت في علوم تهتم بدراسة هذا النوع من الأفعال والسلوكات والظواهر ومنها : علم التصوف وعلم التنجيم والسحر والطلاسم و الكيمياء ،وكل منها يحاول الاقتراب من العالم الغيبي والسحري المتجاوزللوقع المنظور الذي يظهر في وقائع محررة من قوانيها المعتادة ،وكلها تندرج في المعجزات والكرامات والتنجيم والسحر .
يقول التادلي في تمييزه بين الكرامة والمعجزة " اعلم أن كرامات الأولياء جائزة عقلا ومعلومة قطعا .وممن قال بها إمام المتكلمين القاضي أبو بكر بن الطيب فقال : إن المعجزات تختص بالأنبياء والكرامات تكون للأولياء .وقال إمام الحرمين :المرتضي عندنا تجويز خوارق العادات في معارض الكرامات .وذكر الإمام أبو حامد ، رحمه الله تعالى كرامات الأولياء فقال :ذلك مما لا يستحيل في نفسه لأنه ممكن لا يؤدي إلى محال " (1)
2 ـ العجائب :
إن العجائب تختلف عن الكرامات بحيث يمكن أن تكون حدثا أو ظاهرة حسية من صنع الإنسان وإبداعه أو من إبداع الطبيعة ،وإذا كانت الكرامة تتضمن عند التلقي هذا الانفعال الذي نطلق عليه التعجب من شيء غير مألوف ،فهي في الأدب العجائبي تهيمن فيه أكثر،وتصبح المهمة الأساسية للمنشئ في إثارة أكبر قدر من انفعال الإعجاب عند المتلقي ؛ومن ثم الإتجاه كلية إلى اختيار الأحداث والأشخاص والكائنات والظواهر والأجواء والأزمنة العجيبة التي تثير مباشرة الدهشة والاستغراب إلى حد الإنكار ، و تنتج نمطا أدبيا يشبع تعطش الإنسان في العودة إلى طفولته وبدائيته .
وهذا النوع من الحكايات العجيبة مرتبطة أكثر بالأدب الشعبي ،وكانت مجالا للدراسات الوظيفية السيميا ئية ،وبخاصة عند بروب وكريماس وتودوروف ...الخ.
كما أن قدرا من التراث النثري العربي يتضمن أحسن نماذج للأدب العجائبي وبخاصة حكايات ألف ليلة وليلة ،وأدب الرحالات وكتب الأخبار والسير والتاريخ ،والأنواع الأخيرة يزخر بها الأدب المغربي وتمثل الأدب الفصيح الهامشي في مقابل أدب الواجهة التي تفرضه الجماعة النافذة إشباعا لذوقها .
وأحسن من توسع في العلوم المهتمة بالظواهر الخارقة للمعتاد القنوجي في موسوعته " أبجد العلوم" والتي تشكل الخلفية المعرفية لأدب الكرامات والعجائب ومشكلات الانسان الكبرى في وجوده النفسي والكوني ؛فهو يقول مثلا في‏‏المجلد الثاني: المعنون بـ " السحاب المركوم، الممطر بأنواع الفنون وأصناف العلوم" في باب التاء.عن علم التصوف :"وأما الكلام في كرامات القوم، وأخبارهم بالمغيبات، وتصرفهم في الكائنات، فأمر صحيح غير منكر، وإن مال بعض العلماء إلى إنكارها، فليس ذلك من الحق، وما احتج به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني من أئمة الأشعرية على إنكارها لالتباسها بالمعجزة، فقد فرق المحققون من أهل السنة بينهما بالتحدي، وهو: دعوى وقوع المعجزة على وفق ما جاء به، قالوا: ثم إن وقوعها على وفق دعوى الكاذب غير مقدور: لأن دلالة المعجرة على الصدق عقلية، فإن صفة نفسها التصديق، فلو وقعت مع الكاذب لتبدلت صفة نفسها، وهو محال، هذا مع أن الوجود شاهد بوقوع الكثير من هذه الكرامات، وإنكارها نوع مكابرة، وقد وقع للصحابة، وأكابر السلف كثير من ذلك، وهو معلوم مشهور..‏"(1)
‏ وجاء أيضا قوله في ‏المجلد نفسه في باب الظاء المعجمة عن علم الظاهر والباطن:"من ذلك قصة أصحاب كهف فقد قص الله علينا فيها أعظم كرامة، وقصة آصف من برخيا حيث حكى عنه قوله: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ،وغير ذلك مما حكاه عن غير هؤلاء والجميع ليسوا بأنبياء، وثبت في الأحاديث الثابتة في الصحيح مثل حديث الثلاثة الذي انطبقت عليهم الصخرة، وحديث جريج الراهب الذي كلمه الطفل، وحديث المرأة التي قالت سائلة الله عز وجل أن يجعل الطفل الذي ترضعه مثل الفارس فأجاب الطفل بما أجاب، وحديث البقرة التي كلمت من أراد أن يحمل عليها وقالت إني لم أخلق لهذا .‏(2)
وجاء أيضا في المجلد نفسه في باب السين المهملة عن علم السحر قوله : "وأما التفرقة عندهم بين السحر والطلسمات، فهو: أن السحر لا يحتاج الساحر فيه إلى معين، وصاحب الطلسمات يستعين بروحانيات الكواكب، وأسرار الأعداد، وخواص الموجودات، وأوضاع الفلك المؤثرة في عالم العناصر، كما يقوله المنجمون.ويقولون: السحر اتحاد روح بروح.والطلسم: اتحاد روح بجسم.
ومعناه عندهم: ربط الطبائع العلوية السماوية بالطبائع السفلية ، والطبائع العلوية هي: روحانيات الكواكب، ولذلك يستعين صاحبه في غالب الأمر بالنجامة.
والساحر عندهم: غير مكتسب لسحره، بل هو مفطور عندهم على تلك الجبلة المختصة بذلك النوع من التأثير.
والفرق عندهم بين المعجزة والسحر، أن المعجزة إلهية تبعث في النفس ذلك التأثير فهو مؤيد بروح الله على فعله ذلك، والساحر إنما يفعل ذلك من عند نفسه، وبقوته النفسانية، وبإمداد الشياطين في بعض الأحوال.
فبينهما الفرق في المعقولية، والحقيقة، والذات في نفس الأمر، وإنما نستدل نحن على التفرقة بالعلامات الظاهرة، وهي: وجود المعجزة لصاحب الخير، وفي مقاصد الخير، وللنفوس المتمحضة للخير، والتحدي بها على دعوى النبوة، والسحر إنما يوجد لصاحب الشر وفي أفعال الشر في الغالب من التفريق بين الزوجين، وضرر الأعداء، وأمثال ذلك، وللنفوس المتمحضة للشر.
هذا هو الفرق بينهما عند الحكماء الإلهيين، وقد يوجد لبعض المتصوفة وأصحاب الكرامات تأثير أيضاً في أحوال العالم، وليس معدودا من جنس السحر، وإنما هو بالإمداد الإلهي، لأن طريقتهم ونحلتهم من آثار النبوة وتوابعها، ولهم في المدد الإلهي حظ على قدر حالهم، وإيمانهم، وتمسكهم بكلمة الله، وإذا اقتدر أحد منهم على أفعال الشر فلا يأتيها، لأنه متقيد فيما يأتيه ويذره للأمر الإلهي، فما لا يقع لهم فيه الإذن لا يأتونه بوجه، ومن أتاه منهم فقد عدل عن طريق الحق، وربما سلب حاله.
ولما كانت المعجزة بإمداد روح الله والقوى الإلهية، فلذلك لا يعارضها شيء من السحر، وانظر شأن سحرة فرعون مع موسى في معجزة العصا، كيف تلقفت ما كانوا يأفكون، وذهب سحرهم واضمحل كأن لم يكن! .
وكذلك لما أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في المعوذتين (ومن شر النفاثات في العقد) قالت عائشة رضي الله عنها: فكان لا يقرؤها على عقدة من العقد التي سحر فيها إلا انحلت فالسحر لا يثبت مع اسم الله وذكره.
وقد نقل المؤرخون أن زركش كاويان وهي راية كسرى، كان فيه الوفق المئيني العددي منسوجا بالذهب في أوضاع فلكية رصدت لذلك الوفق، ووجدت الراية يوم قتل رستم بالقادسية، واقعة على الأرض، بعد انهزام أهل فارس وشتاتهم، وهو الطلسمات والأوفاق مخصوص بالغلب في الحروب، وإن الراية التي يكون فيها أو معها لا تنهزم أصلا إلا أن هذه عارضها المدد الإلهي من إيمان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتمسكهم بكلمة الله، فانحل معها كل عقد سحري، ولم يثبت، وبطل ما كانوا يعملون.‏"(1)
‏ وأخيرا فقد جاء في باب الكاف في المجلدنفسه عن علم الكيمياء قوله :" ... وتحقيق الأمر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها كما تزعم الحكماء المتكلمون، فيها مثل جابر بن حيان، ومسلمة بن أحمد المجريطي، وأمثالهما فليست من باب الصنائع الطبيعية، ولا تتم بأمر صناعي، وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات، إنما هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية، وسائر الخوارق وما كان من ذلك للحلاج وغيره، وقد ذكر مسلمة في كتاب الغاية ما يشبه ذلك، وكلامه فيها في كتاب رتبة الحكيم من هذا المنحى وهذا كلام جابر في رسائله، ونحو كلامهم فيه معروف ولا حاجة بنا إلى شرحه
وبالجملة فأمرها عندهم من كليات المواد الخارجة عن حكم الصنائع، فكما لا يتدبر ما منه الخشب والحيوان في يوم أو شهر خشبا أو حيوانا فيما عدا مجرى تخليقه، كذلك لا يتدبر ذهب من مادة الذهب في يوم ولا شهر، ولا يتغير طريق عادته إلا بإرفاد مما وراء عالم الطبائع وعمل الصنائع.
فكذلك من طلب الكيمياء طلبا صناعيا، ضيع ماله وعمله، ويقال لهذا التدبير الصناعي: التدبير العقيم، لأن نيلها إن كان صحيحا فهو واقع مما وراء الطبائع والصنائع، فهو كالمشي على الماء، وامتطاء الهواء، والنفوذ في كثائف الأجساد، ونحو ذلك من كرامات الأولياء الخارقة للعادة، أو مثل تخليق الطير ونحوها من معجزات الأنبياء قال تعالى: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني).
وعلى ذلك فسبيل تيسيرها مختلف بحسب حال من يؤتاها، فربما أوتيها الصالح ويؤتيها غيره فتكون عنده معارة.
وربما أوتيها الصالح ولا يملك إيتاءها فلا تتم في يد غيره، ومن هذا الباب يكون عملها سحريا، فقد تبين أنها إنما تقع بتأثيرات النفوس وخوارق العادة، إما معجزة، أو كرامة، أو سحرا، ولهذا كان كلام الحكماء كلهم فيها ألغاز لا يظفر بحقيقته إلا من خاض لجة من علم السحر واطلع على تصرفات النفس في عالم الطبيعة.‏"(2)
إن هذا الفكر وأنساقه الأدبية يتوزع بين الظاهرة الحقيقة الواقعية والواقعة الغيبيةالحقيقية والنسج الخيالي الأسطوري ،وكل هذه الأنماط تمثل المادة الأساسية للفنون السردية ،وهي من وسائل التواصل السيميائي الناتجة عن الملكة الفطرية التي يشترك فيها كل البشر والكفاية المكتسبة التي يتفاوت فيها الناس .
1.4 ـ الرؤية التوصيفية العامة للحكاية :
إن هذا النمط من الحكايات(1) التي تتسم بالقصر والبساطة و تمثل شكلا من أشكال التواصل السيميائي في مدارج تعرف الإنسان على نفسه ،وعلى الكون .
وإذا كان البعض يغلب نظرية مجازية اللغة الأولى فالأجدر به تغليب التواصل السردي على التواصل المقالي الوصفي و الجدالي الاقناعي لأن مواقف الإنسان العقائدية والمعرفية والنفسية والاجتماعية الماضية تسيطر على الإنسان أكثر ،ويعني حضور الماضي بكثافة ،ومن ثم هيمنة المخيلة الاستذكارية على سلوك الإنسان لا تنتج إلا خطابا سرديا ،لأن هذا النوع من النشاط العقلي الإبداعي يميل إلى التشكل السردي أكثر من أي تشكل آخر .
كما أن محاولات الإنسان المعرفية الاستشرافية التي يتجاوز فيها الواقع إلى عوالم وجدانية روحية أو غيبة أو سحرية يسيطر عليها الشكل السردي عن غيره من أنوا ع الأشكال الأخرى .
ومما يجانب الصواب الاعتقاد بأن التفنن في اختلاق الأحداث والكذب كان المولد الأساسي لهذه الألوان من السرديات بمختلف أشكالها؛ بل إن فطرية الميل إلى اختراق المجاهيل وحب التعرف علىمنشأ وأصل الكون ومسيره ومخلوقاته ،أو الإلحاح على التعرف على المنابع الحقيقية الكاشفة لماهية الإنسان ستبقى هي المهلم الفطري لهذ ا الشكل من النشاط المعرفي سواء كان مصدره من الإنسان نفسه أومن رب الأكوان أو من أي قوة أخرى غيبية .
وقد كانت الأشكال السردية النثرية من أهم الإبداعات الأدبية في الأدب العربي بل تذهب بعض النظريات الثقافية العرقية إلى ربط الفنون السردية بالكذب ، ثم ربط ذلك بالجنس السامي ، وقد لانميل إلى هذا التفسير بالنظر إلى عالمية الظاهرة السردية التي تميز النشاط المعرفي والأدبي للإنسان ولاختياراته النسقية والأسلوبية التي يشكل بها عالمه .
وقد ورد في كل الكتب السماوية ألوان من القصص تطول وتقصر وتتضمن أكثر من وظيفة وترتبط بأشخاص حقيقيين غير عاديين من الأنبياء والرسل والحواريين والأتقياء والمؤمنين والعصاة والمنافقين والمشركين والطغاة ...إلخ .
كما أن الشكل النثري كان من الأشكال المفضلة عند بعض الجماعات والمذاهب التي تفضل الرزانة والروية في التبشير بما تعتقده الأنسب والأمثل للانقطاع لتقوى الله وطاعته التي لاتشوبها أي شائبة ، وقد ذكر الجاحظ (1)وغيره انتشار ظاهرة القصص عند أهل الصفة في المسجد النبوي في العهد النبوي نفسه .
2.4.الرؤية التوصيفية للحكايات المغربية القصيرة:
إن المغرب لاينفصل من الوجهة الأنتروبولوجية الحضارية عن الفضا ء المحوري المنتج للثقافة الهورموسية بجميع أنساقها المعرفية والجمالية منذ التواصل الامتزاجي التناصي الفنيقي المغربي ثم التواصل الإسلامي بكل أتى به من زخم أدبي وفكري وروحي،وما صار إليه في توالد أنساق ثقافية تجمع بين المعقول الديني واللامعقول العقلي (2)، بالإضافة إلى التلاقي الحضاري الثقافي الإفريقي المتوسطي اليوناني اللاتيني الزاخر الذي يتسع لضفاف قارية من التجارب الانسانية في ملاحمها الوجودية والحضارية والسياسية والدينية ، فهذا الوجود المتلاحق في فضاء واحد للوثنية واليهودية والمسيحية ثم الاسلام لا بد أن يؤدي إلى اختزان كل هذا وحضوره ضمن ظواهر تشاكل أنساق ثقافية لا يمكن الوصول إلى فك شفراتها الدلالية السيميائية إلا إذا حركناها ضمن سياقها التاريخي الثري المكتنز بكل هذا الرصيد الحيوي من البنيات الحية الرامزة
إن الدراسة التي سنقدمها تعتمد على صنف من الحكايات تمت ـ بأقل ما يمكن قوله هنا بعد القراءة ـ إلىحكايات تامة مستخرجة من سيروتراجم لأناس غير عاديين من الأولياء و النساك والعباد والزهاد والصوفية والعلماء والعشاق في لمغرب ،و هذه الحكايات مختصرة جدا،ولا تشتمل إلا على بعض أسطر أو صفحة أو أكثر بقليل، هذه الخاصية هي التي أدت بنا إلى تفضيلها عن غيرها ،و لا نربط بين تفضيل الاختصار وأي قيمة خاصة بها ،ولكننا نعدها عنصرا مهما مقبولا للتحليل الشامل، وما يسهل المقارنة بين هذه الحكايات بصفة عامة هو اتصافها بما يسمح تيسيرها لغاية الفعل، وهذه الحقيقة تؤكدها كل الأبحاث الحديثة حـول الوظائف السردية وقراءتها سيميائيا .
وحول عملية انتخاب النصوص فقد طرحنا منذ البداية معيار سهولة استعمال هذه الحكايات ،وهي ترجع إلى أنواع أدبية تقليدية تتميز باختلاف تسمياتها بين كرامة وحكمــة،
و مثل،ورؤيا، ودعوة وتنبؤ ،وعشق وغرابة وبطولة ، ومع هذه التسميا ت المختلفة فإن كل حكاية من هذه الحكايات تماثل وتلائم أختها في نهاية تحليلها ،و يمكن أن تظهر بعض القواعد التي تتكئ على المشابهة أو المخالفة بين هذه الحكايات .
وقد حاولنا تقسيم هذه الحكايات في التراث النثري المغربي بحسب مضمونها الذي لاينفصل عن منشيء النص ومستقبله وبنية الخطاب السردي وأحداثها وأبطالها وبنيتها الزمكانية بالإضافة إلىما يعتقده ويرمي إليه من وظائف وأهداف ،وهذه الحقائق المتحكمة في اختيارات المبدع المغربي لأنساقه وأساليبه أوصلتنا إلى قسمة ثلاثية لأنواع الحكايات وهي :
أولا ـ حكايا ت كرامات الأولياء والزهاد والنساك في اشفاء المرضى والسير على الماء ونزع الكربات والإمداد بالغيث عند الجدب والاتصاف بالحكمة وتأويل الأحداث لتجنب الكوارث والتنبؤ بماسيقع في المستقبل والدعوة المستجابة بالنفع أو الضرر ...الخ .
وومصدر هذه الحكايات وناسخها المالكي في رياض النفوس ، والتادلي في التشوف إلى رجال التصوف ...الخ .
ثانيا ـ الحكايات العجيبة في التراث النثري التاريخي المغربي ،وهذه الحكايات يغلب عليها الجانب الملحمي ،وتكون من صنع أبطال وأحداث غير عاديين بحيث تخلط بين الحقيقي والخيالي
وبين الواقعي والغيبي ، وبمعنى آخر بين التاريخي والأسطوري ...الخ .
ومصدر هذه الحكايات وناسخها أبو زكرياء في كتاب سير الأ ئمة وأخبارهم ... الخ .
ثالثا ـ حكاية العشاق ،وهذ ه الحكايات تتميز بالغرابة في سلوك أبطالها والنهايات المأساوية في بنياتها والذاتية في أسلوبها بحيث يتناص فيها الخطاب الغنائي بالخطاب السردي الموضوعي .
ومصدر هذه الحكايات أبو إسحاق الحصري في المصون في سر الهوى المكنون ... الخ .
ويمكن تصنيفها من حيث أبطالها إلى حكايات الإنس من النساك والزهاد والمتصوفة و الملوك والحكماء والخواص والعوام والتقاة والعلماء والعشاق والفجار والغلمان والملائكة والجن والحيوانات والعصا والرقية والدعاء .
ومن حيث أثرها الفعلي الواقعي فيمكن تقسيمها إلى منتهية ودائمة ،ونماذج هذه الأخيرة قليلة وتقصر على على تخصيص الأمصار بأدعية البركة في الأموال والأرزاق التي تستمر إلى غاية نسخ هذه الحكاية (راجع الحكاية رقم 9)
أما بنياتها العامة النمطية فهي تختلف عن بنيات أخرى لاشتمالها على قسمين أساسين السند والمتن ،وهذا طبيعي يعود إلى منهجية الثقافة العربية المروية التي تتحرى الايهام بالوثوقية حتى في النصوص الأكثر عجائبية ،وتقدم من الراوي الأساسي الأخير ـ الناسخ على أنها قد وقعت تحقيقا من سلسلة الشهود الرواة ،وهذه إشكالية الخطاب العربي السردي الإخباري.
وفي الحقيقة فإن الأيهام بالمهمة التداولية من الناسخ الأخير يطرح إشكالية الخلط والتمازج بين حدود الرواية والخطاب ، ومن ثم التداخل في العلاقة بين الراوي والناسخ الأخير تتجاوز العلاقات الثلاثية كما حددها (J- P- Goldenstein)(1)
.المقاربة التوصيفية المنهجية السيميائية
لقداستفدنا في بحثنا هذا من الدراسة القيمة السيميائية للحكايات الإنجيلية في معالجة المكفوفين التي قام بها فريق من الباحثين بإدارة بارط وكريماس وغيرهما في عدد خاص لهذا النمط من الحكايات في مجلة “Langages”(1)
1. ـ نحو تحليل الأداء :سنحاول دراسة هذه الحكايات انطلاقا من التمييز السوسيرى بين اللغة والكلام الذي كان له دور في توجيه وتطوير الأبحاث اللسانية بطريقة متميزة أدت إلى استثمار بعض الأدوات المنهجية البداغوجية . لكن طبيعة هذا التقسيم قاد إلى وضع لسانيات الكلام .
كما أن نظرة بنفونيست كان لها أثرها في توجيه دراستنا لهذه الحكايات في تفريقه: " بين اللسان بوصفه نظاما من العلامات ،واللسان بوصفه تدريبا للأفراد ، وحين يملكه الفرد ينقلب في اللحظة إلى خطاب "(3)، وكما نلاحظ فإن بنفونيست عوض تصور الكلام بتصورالخطاب .
وهذا التمييز بين اللغة والخطاب يمكن من دراسة النشاط الذي يحول اللغة إلىخطاب ،ويضعها في استعمال وفعل ؛و يؤدي إلى تصور نظرة جديدة للنص ، وهذا النص يمكن اعتباره من وجه آخر بكونه متوالية إحصائية للعلامات دون ربطه بفعل إنتاجه ؛ وهكذا يصبح بالإمكان النظر إليه على أنه أسلوب لامتلاك اللغة ،وتدريب إنتاجي للخطاب . وسيصبح بمقتضى ذلك إدراك النص على أنه أثر للأداء لا للملفوظ .
ويمكن تحديد الأداء بأنه :أسلوب يجعل العلامات اللسانية تكون متحققة ومتحملة من الذات المتكلمة في ظروف مكانية وزمانية خاصة ، وهكذا تصبح كلمة الخطاب مترادفة لكلمة الأداء
لأن طريقة تحقيق اللغة ومحصلتها (النص في عمله) يختلطان .
هذا التحديد يساعدنا في دراسة هذا النمط من الحكايات المغربية من حيث أسلوب الأداء الذي يوهمنا الراوية ـ الناسخ الذي يجمع بين المهمتين لتحقيق تا ريخية الأحداث وواقعيتها على الرغم من غرابتها وعجائبيتها ، ولتحقيق هذه المهمة يمزج بين مهمةالرواي والمخطاب بحيث لا نتبين الحدود بينهما ،وهذا السعي إلى ا لوفاء بهذه المهمة تجعل تحقيق الخطاب يتجرد من الذات المتكلمة ،ويبدو الكاتب الذي نقل هذه الحكايات من مداها الزمني الذي حدثت فيه والتي تتفاوت بين معاصرة بعضها وابتعاد البعض الآخر عن زمن الخطاب بقرون ، فهذا الموقف الباحث عن الموضوعية المحضة يحيل النص الأدبي من وجهة نظر الناسخ إلى مجرد علامة سيميائية ذات دلالة مرجعية تجعل ما هو غير معقول معقولا، وهذا من حيث علاقة التواصل بين الناسخ والمتقي لكن بنية هذا النوع النصوص السردية المغربية من أحداث وشخصيات وأمكنة وأزمنة غير معقولة في بعض الأحيان تحدث اضطراب بين مقصدية الكاتب وهوية الخطاب المعرفية والجمالية
2.. مؤشرات الأداء .
وحضور فواعل الحكايات في صيغ الضمائر وبخاصة في هذا النوع من الخطابات الكنائية التي يبدو كل شيء فيها فاقد لطبيعته ،فهو لا يحضر في النص إلا في أصوات لسانية مقنعة في وظيفتها الدلالية ،وهذا المنهج الفني تساعده طبيعة اللغة السيميائية التي يقول عنها بنفونيست بأنها تملك عناصر ذات امتياز تحول اللغة مباشرة إلى خطاب : وهي "مؤشرات" أشخاص مثل ضمائر الأشخاص والظروف الزمانية والمكانية نحو :هنا والآن …إلخ
,وهي عناصر لا يتغير معناها إلا حين تطعيمها بمتطلبات الخطاب : "إن دورها يتمثل في تقديمها كأداة للتحويل ،والذي نسميه تحويل الكلام إلى خطاب ، وإذا أردنا تجسيد الشخص الوحيد المعلن بـ "أنا"فإن كل القراء بالتناوب يصبحون فواعل؛ فالاستعمال على هذا الأساس من أجل ظرفية موقف الخطاب ،وليس شيئا آخر "(1) .
وما يجب الإشارة إليه أن رومان جاكبسون ـ وقد تابعه أ . جسبرسن ـ عرف هذه المؤشرات
بكلمة إنجليزية (shifter) ،والتي ترجمت إلى اللغة الفرنسية بمصطلح "embrayeur" لأنها تحدد "وحدات السنن التى تحرك الرسالة نحو موقف" (2).وهذه العلامات هي في جميع الأحوال تتناسل من جديد في كل مرة حيث يلفظ الملفوظ ،وفي كل مرة تتعين من جديد .
وبحسب بنفونيست فإن نوع المؤشرات لا يدرك معناها إلا بمرجعية فورية ضرورية لفعل الأداء هذه المؤشرات تغطي ضمائر المتكلم والمخاطب والظروف والصيغ الظرفية .
ويكشف تحليلنا لهذه الحكايات عن دور بعض أصناف العلامات "المؤشرات" بالإضافة إلى الأداء الذي يقدم عوامل ضرورية إلى الوظائف الكبرى التركيبية ،وفي الواقع فإن الناسخ لهذه الحكايات يكيف اللغة بطريقة نوعية بواسطة الاختيار الذي ينجز في كنف الأصناف التركيبية والمناويل .
وزيادة على الأشكال التي تقود ،فإن الأداء يعطي شروطا ضرورية للوظائف التركيبية الكبرى
ويبدو نمط الأداء لهذه الحكايات انطلاقا من تصور اللغة بأنها تتحقق بكلام متحدث وفي هذه الحالة يصبح في إمكان كل معبر تحقيق اللغة بحسب وجهتين :
فهو إما أن يحاول أخذ الأحداث التي يريد تقديمها بدقة ،واستبعاد كل تدخل شخصي ،وإما بالعكس تقديمها بوصفه معبرا عنها ،ومنظما نصه في المقولات الشخصية ؛وبوجه آخر يمكن افتراض مسلكين لامتلاك اللغة سواء بالعرض بـوصفه "أنا" أوبوصفه " كان "والأحداث تحكي نفسها بنفسها ،وهكذا يمكن التمييز بين الأداء الحكائي ،وأداء الخطاب. وفحص كيفيات التمييز
الذي لا يتوافق مع التضاد المعــتاد بين اللغة المكتوبة و الشفوية ،وفي الوقت نفسه يكشف على التداخل بين نمطين من الأداء في هذه النصوص ؛وهذا التلاقي بين الخطاب والحكاية نستطيع ملاحظته في استعمالهم لصيغة الشخص الأول والثالث ، كما أن الماضي يظهر في الحكاية مع الثالث ،ومع صيغة الشخص الأول في الخطاب .
كما أن أسلوب الأداء في هذه الحكايات يتمحور حول المتحدث في مواجهة ملفوظه والمحاوروالمرجع ؛ وهذا يتسق مع ما تذهب إليه دراسات الخطاب الحديثة من أن "تحويل اللغة إلى خطاب" يضع الذات المتكلمة في موقف التعبير وفي أثناء ذلك تتمظهرألوانا من الموقف الحرة وغير الحرة ،والمتحدث يتكلم مركزا دائما على المحاور ،ويتبنى قليلا أو كثيرا ما يتكلم عنه: ويتحمل قليلا أو كثيرا أداءه الحقيقي .
أنا الأداء
أنا المرجع
أنا المحاور
هذذه الوضعية الثلاثية لـ "أنا" بالتأكيد مسجلة في الملفوظ نفسه ، ويمكن الكشف عنها بتحليل
عدد من السمات اللسانية ،وتظهر أكثر في النوع من الحكايات التي تتعدد فيها المهمات سواء من حيبث بنية النص وعلاقته بنصه الأصلي الحاضر أو النصوص الغائبة أو المغيبة أو علاقات التداول في مقام واحد أو مقامات أفتراضية غائبة ، فهذه الإ شكالا ت لهذه الحكايات لا تساير بساطتها ،ومحدودية أحجامها .
لكن في مقابل هذه الإشكالات نلا حظ أن مفهوم النموذج الذي تقول به بعض الدراسات الحديثة يمكن أن يفسر جوانب أساسية في هذه النصوص التي تسعى لإ قناعنا بأن المتحدث يكون مؤهلا أكثر بالإ لمام عما يتكلم عنه .
وهكذا تكون هذه الحكايات ملفوظات تتضمن سيمات موقف اللافظ بالنسبة للذي يرسله ،ويمكن لنا التمييز بين وضع موقف الذات المتكلمة بالنظر إلى التأكد أو الشك في ما تقوله ؛وما يحق لنا الإ قتناع به لكونه يمثل خطابا نموذجيا من منطقه الخص به وبقارئه .
ومن جهة أخرى يمكن لنا تمييز الأحكام التي يصدرها الناسخ لهذه الحكايات بالنظر إلى جوانبها الإيجابية أو السلبية ؛وهو يسعىفي جميع الأحوال إلى جعلها نماذج للتقدير والإعجاب المحضين .
3 ـ التقطيع المقطعي والوظائفي
ويمكن لنا في الأخير الإشارة إلى مراحل العمل تبدأ من تحليل تقدم مفاصله في خمس مقاطع والمقصود هنا-المقاطع الصغرى أو المقاطع الأولية بحسب مصطلحات كلود بريموند
والوظائف ما هي إلاوظائف أصلية أو بؤرية والمقطع ما هو إلا متوالية منطقية للبؤرة متوحدة فيما بينها بعلاقة تضامنية
وسنبين وجهة كل وظيفة والفواعل المتطابقة معها ،و هذا الفصل بين الوظائف والفواعل ضروري لتطوير عملية التحليل وهذا يعني المرور من مستوى إنساني الشكل إلى المستوى المنطقي ؛ و هو النص وتقطيعه ،الاتصال،العقد ، القبول ،الإنجاز ، النتيجة البرهنة على العقد ،والمجازات ،والاحترازات ،و التسبيح، والتمجيد ،والانفصال، والاتصال .
والمدونة المختارة من هذه الحكايات يمكن تقسيمها من حيث هذه الوظائف المشكلة لمفاصلها إلى أربعة أنواع :وهي ماكانت وظائفها كلها ظاهرة وذات طرفين ، مثل حكايات معالجة المرضى بالرقية ،والعلاج بالتداوي (ح .5 1.2) ، واستحضار الأشياء المسروقة ، واستحضار الطعام من جهة خفية ،ورد الأذى بالعصا ،وإطعام من القليل للكثير ،وتقويم السلوك ، وإزالة الخطر بالتراضي، والمنافسة العلمية ...الخ
(ح. .16 .4.15.3.612.19)
ومنها ما كانت وظائفها غير معلنة بين طرفين ،وتتم في حيز خفي ولاتكتشف إلا براوي يحضر صدفة ،ومن هذه الحكايات ،السير في الفضاء والماء وعلى قوس قزح ،وقهر الزمن ،والنوم الطويل ،وتمثلها (ح14.15 .10.7.)
وهذه القصص من أبسط ألوان القصص ، وتستخدم البنية السردية في عناصرها الأساسية: وكل جملة ،وكل مقطع فيها أحيانا يتساوق مع وظيفته الأصلية:و التوسع نادر الورود:وعلى سبيل المثال فمن المطلع و المقطع و الاتصال ندرك من جانب المرسل مفاهيم: اللحوق-الوصول-الاقتراب ، ويتبع بالمقطع تالي:
4- بروز مفعول مزدوج واحد: المرسل (م 1) والمستقبل (م 2)
وتدرس علاقتهما: ويمكن تسجيل مزدوج آخر: المرسل وفي الوقت نفسه الفاعل الذي يحول فعل (الرؤية) إلى المستقبل،وهذا المزدوج للفواعل هو بالتأكيد ليس مهما مباشرة لتحليلنا ؛وفضلا عن ذلك فإنه مادام لم يتم تحليل مجموع النصوص فلن نستطيع إلا التوجه إلى جرد الفواعل والأفعال
5 ـ تقطيع مقطع المجزاة ، وهذا أساسي في هذه الحكايات، ويمكن أن تكون مادية ومحسوسة (ح 5.9.15.16..19) ،كما يمكن أن تكون معنوية وجدانية نموذج (ح 20.6. ) وفي تكون فعل إيجابي ونادرا ما تكون ذات فعل سلبي نموذج (ح 14) ، وهذا المفصل بإمكانه أن يحدث الارتياح المدهش وهذا ما يفسر ارتباطه بأفعال التمجيد والتسبيح بوصفه قمة المجازاة من المتلقي ،وهذا المسلك يعد تنظيما لهذه الوظيفة ،كما يميز المربع السيمياء بين وظيفة ، إثبات التسبيح وإنكارها أو تكاملها أو تحييدها في هذه الحكايات.
6- نفكر بأن وجوب تخصيص نتيجة لمقطعي الاتصال و الانفصال ،وهما يتقابلان ،و وجودهما ضروري لوجود الحكاية وتمامها قبل الذهاب ،ولكنهما مقطعان مصاحبان لأشكال أخرى من الخطاب ،وهذه مقاطع ضرورية لفتح أو غلق السرد،و لا نأخذ بها في تحليل جسم الحكاية .
أهم مفصل في جسم حكايات الكرامات هو انفصال الكائنات والأشيا ء عن طبيعتها المعتادة وبهذا ينفتح مسار السرد وبالعودة إلى السيرة الأولى يغلق السرد ،وأما الحكايات العجائبية فيستمر انفصالها عن المعتاد ،ومن ثم يستمر عند المتلقي حتى وإن انتهى السرد.
وأما حكايات البطولة فيتداول فيها الإتصال والإنصال لهذه الخصلة ،ولكن في تتأكد بالإيجاب وأحسن نموذج لها (ح 19 )
7 ـ نحو السرد:
و نستطيع مقارنة المقاطع المركزية الثلاثة بترسيمة الاختبار الذي أخذه كريماس من القصص الشعبي الروسي ؛وهذه الترسيمة تظهر بكونهامعادلة حسابية للوظائف على النحو الآتي : A+F+C بحيث أن " A" تحدد العقد بوظيفتيه: وتضم التعليمة وتقابلها الموافقة .
F- تمثل المواجهة أو صراع الوظيفتين:وتضم المواجهة و يقابلها الانتصار أو النجاح .
C- تمثل النتائج.
وفيما يخص سرد الاتفاق نجد :
العقد: ويشتمل على الطلب والجواب بالموافقة في النهاية التي لم يعبر عنها تعبيرا واضحا ولكن فحوى ذلك متضمنا في الانتقال إلى الإنجاز .
بينما يمثل موقف الشرط بين الاثنين مسرحا للعقد ، ونعد هذا توسيعا للوظائف الأساسية (حيث العقد مازال أكثر تطورا .
8- المواجهة: ليس صعبا معرفة الوظيفتين المرتبطتين بها و الأولى منهما سنسميها طبية خاصة تتمثل في "المعالجة بالرقية" والأخرى نسميها النجاح (وهذا يتأكد من حكايات 1.2.)،وتسبعد الحكايات الافتراض المنطقي الذي يشكله المربع السيمياء من المعالجة الفاشلة،أو إدامة بين الاثنين فلا هي من وظيفة الفلاح ولا هي من وظيفة الاخفاق ، وفضلا عن ذلك فإن هناك من النوع نفسه تبنى في وضوح حول معركة ،و الفرق بين حكاية الصراع وحكاية العمل اليدوي يتمثل في زيادة قوة البطل بزيادة مييزات قوته ومن ثم فإن الصعوبات تتلاشى ،لكن هذا لايمنع كما لاحظ كريماس بأن الاختبار الترشيحي قد تكون المعركة فيه أحيانا رمزية أو مظهرية ،وفي جميع الأحوال فلكي تكون المقارنة ممكنة و تكون الوظيفة الإنجاز تأخذ مكانها في المجابهة ضمن ترسيمة الاختبار .
9- النتيجة: هي مضاعفة نجاح عملية النفع المحسومة ، و هذا يعني صرف الافتقار (عن طريق التضاد في الحكاية أو في الموقف الأصلي ثم العودة للتوازن والحكاية تغلق في سعادة .
وفي أثناء ذلك نلاحظ ظهور وظيفة أخرى هي: التسبيح والتمجيد أو إظهار البطل وبمعنى آخر فإن مقومات الحكاية متضاعفة ،ويجب أن تقرأ في مستوى المقاطع نفسها ومن جانب آخر الاستفادة من تحويل شيء من أجل فعل خير في مستوى النص الصوفي أو العجائبي أو العاطفي ومن جانب البطل يكون بتحويله لفعل الرسالة.
10-منطق العقد:
من المفروغ منه أن السرد غيبي صوفي ،أو يجمع بين التاريخي والأسطوري أو بين المعقول وغير المعقول ،و بهذه البنية فإن مرجعيته دقيقة ،ويبدو من المفيدالآن النظر إلى الكيفية التي تبدأ بها البنية نفسها المنتجة لحكايات مختلفة أو متضادة؛والامكانات المنطقية للعلاقات التعاقدية تسمح لنا بالتنبؤ بها.
ونتبع التعليمات التي قدمها كريماس حول القصة الشعبية الروسية مميزا بين نوعين من التعاقد المرتبطة بمستوى المفاعيل :الأول بالنظر إلى المرسل والثاني بالنظر إلى المستقبل .
11ـالخلاصة:
وما يلاحظ أيضا عن هذه النصوص أنها بعيدة عن السرد في القصصة الشعبية الروسية ،لكن تنظيم الوظائف متماثلة والحكي هو نفسه .
ويمكن لنا أن نضع بين قوسين الفواعل التي تجعل هذه المماثلة قابلة للمشاهدة ، ويمكن لناأن نميز بين تحليلين سقناهما تباعا حول السرد نفسه يندمج أحدهما في الآخر ؛والأول يظهر وكأنه تغطية سطحية للسرد والثاني يبدو بأنه يذهب أبعد وسيحاول بفاعله التكلم عن البنية العميقة.
ولقد ترددنا في استخدام مفهوم البنية السطحية والبنية العميقة ونتبنى ملاحظة أ.كيليولي A culioli التي يؤكد فيها بأننا (لا نستطيع التقرير مسبقا بأنه لا يوجد غير مستويين : سطحي وعميق، اللهم إذا كان القصد منه طرح تمييز أولى)(1)
ونقول ببساطة : إن مستويات التجريد ـ حيث تتموقع هذه البنيات ـ هي متنوعة، والثانية هي أكثر تجريدا من الأولى، في حين أن هذه الصيغة مازالت غير مقنعة.
وهذا التشكيك في ثنائية البنية يؤكده نمط حضور هذه الحكايات التي لا تكون إلا جسما نصيا ضمن جسم نصي أساسي ، ويمكن تصورها بحسب كتابات القدامى من المغاربة وغيرهم بأنها كائن طفيلي في كائن آخر ،وبهذا فهي لا تشكل إلا بنية تابعة للبنية النصية الكبرى ،وتمثل بالنسبة له بنية ثالثة تؤدي وظيفة التنفيس أو الاسترواح عن البنيتين الأساسيتين للنص الأصلي ،ومن ثم فهي بكينونتها الاستطرادية لا تملك هوية مستقلة على الأقل في نظر ناسخها ، وهذه التبعية نفسها تفتح آفاقا لسانيا في النظر إليها في دلالتها السيميائية على أنها لاتشكل دالا مستقلا عن دال آخر فهي كغيرها من الدوال اللسانية لا تستقل في دلالتها عن غيرها ،وهذا في نظر المنشيء للنص أما القارئي فله شأن آخر يمن له أن يفتح أي نص من أي مستوى على تصورات أخرى تندرج ضمن منطقية النص المقروء .
12ـ أما دلالية المكان في هذه الحكايات فهي ثرية بكثافتها الرمزية ،وغنية بأجوائها الطقوسية ومتنوعة في ملامحها وقسماتها الظاهرة والخفية ،والجامعة بين المدن والبراري والكهوف والبحار، كما تجمع بين العالم الحسي والغيبي ،والحيز المكاني يؤدي وظيفة التسليم بإمكانية التحول من حالة إلى حالة أخرى يؤجل حتمية الحيز المكاني والزماني لاستمرار السرد ،وفي الغالب فإن لامقولية الحكاية هي نتيجة طبيعية للتحرر من المكان والزمان ،وفتراض وجود أقرب منه إلىالحلم والخرافة،
وهذه إحدى الإشكاليات الجوهرية لهذه الحكايات التي تتحرى الدقة الموضوعية للأحداث والاخبار بالشكل الخارجي للحكاية لكن دلالة عناصر بنائها تذهب في الإتجاه المعاكس ،وهذا يمثل تناصا ذاتيا متضادا .
وفي فإن هذا الحكايات غنية في مكوناتها ووسائل دلالتها وأشكلها وعلاقاتها بسياق البنيات الأخرى الثقافية والنفسية والاجتماعية والفكرية والروحية والسياسية ،وهي بهذا تحتاج إلى وقفات أخرى أكادمية وغيرها .
نماذج من مدونة النثر القصصي المغربي حتى القرن السادس الهجري
1. المعالجة بالرقية عن بعد : وهي من حكايات أبي إسحاق بن أحمد السبائي المتبعد (1)
كان الشيخ أبو إسحاق [رضي الله عنه] مستجابا. ولقد رأيت من استجابة دعوته
أشياء كثيرة وذلك أنه كانت لي بنت فأصابها في عينها شيء وكرهت السير بها[إلى] عند ابن أعين، وعند انصرافي من مجلس الشيخ أبي إسحاق – ( رضي الله عنه)- قلت له: ابنتي أصابها شيء في عينها اردت أن تدعو لها، فقال لي: ولم لم تمض بها إلى ابن أعين؟ فقلت له إني كرهت أن يراها، فقال لي: ابعث بها إلي أرقها ثم رجع فقال: لا تمض (بها) إلى ابن أعين ولا تبعث بها إلي. من هنا أرقيها لك، فلم يزل يرقها حتى أفاقت.
2 ـ المعالجة بالرقية عن قرب : (2) وهي من حكايات السبائي :
قال أبو محمد أيضا: كان موسى اليهودي عند معد، وعنده وجوه رجاله، فقال معد: رجل بيت في بيت من قصب بقرب الفحص يشتمنا وما قدرنا له على شيء، فقال له ابن الإفرنجية: من هو يا مولاي؟ نقطع رأسه ونفعل به كذا وكذا، فقال له معد: اسكت يا عبد السوء، فقال موسى اليهودي لمعد: إنك لن تطيقه، فسكت عنه معد، فلما خلا المجلس قال معد لموسى اليهودي: ما ذاك الخطاب الذي خاطبتني به؟ فقال له: نعم. أنا أخبرك، كانت عندي ابنة وكان بعينها بياض، فما بقي شيء مما أمر به الأوائل إلا وقد عملته لها، فلم تنتفع بشيء [منه] حتى إني وجهت إلى مصر فاشتريت لها مثقال توتية بمائة مثقال ذهبا، وعملته لها، فما نف عها شيء وابيضت عيناها. فكانت لا تبصر. وكانت تدخل إلينا امرأة فقيرة من المسلمات فقالت
أعطوني هذه الصبية أمضي بها عند السبائي ، فمضت بها إليه فرقاها في جملة من يرقي فجاءت وهي تبصر وزال ما بها في الوقت.
3ـ حكاية بطلها العصا :قال أبو السرى واصل المتعبد (1)
لك رعي البقر، هاتها وأخذها وقال: أتدرون شأن هذه العصا؟ قلنا: لا، فقال: كنت أكثر السياح منفردا عن الناس فبينما انا يوم سائر في بعض الفلوات إذ بصرت برجل جالس على شفير بئر [و] قد ركب طوق البئر وإحدى رجليه خارج البئر والأخرى يلعب بها في مائه فقصدت نحوه وقد أضناني العطش فوصلت إلى البئر من ناحيية ظهر الرجل، فنظرت فإذا ماؤه قد عاد في أسفله وكانت معي ركوة فيها خيط فألقيتها في البئر فلم ادرك الماء، فلم أزل أحل الخيط شيئا بعد شيء حتى فنى الخيط من يدي ولم أصل إلى الماء. قال: وسمع الرجل حسي من خلفه فالتفت إلى ثم سلم بعضنا على بعض وقال لي: ما حاجتك؟ قلت: الماء، قال: أطو حبلك، فطويته ثم قال[لي] هلم ركوتك، فأسلمتها إليه فمد يده في البئر فأخرجها مملوءة ما، فناولنيها ثم قال[لي] اشرب، فشربت حتى رويت ثم قال لي: هل لك في طعام؟ قلت: نعم، فقال: امض إلى خلف الرابية – يعني كدية أشار إليها- فكل ما تجد هناك ولا تدخر منه شيئا، فمضيت، فإذا بتمر برني وبرازق تفور حرارة ما كنت أقدر على أكلها من شدة حرارتها، فسميت الله عز وجل وأكلت حتى أخذت حاجتي ثم قمت وفي ركبتي فضل ماء فأخذها من يدي واراق ما (كان) فيها ماء. فقلت له: لعلنا نحتاج إليه؟ فقال: أطعمك وسقاك وأنت تدخر عليه إذا احتجنا إلى شيء أتانا الله به.
ثم سار الرجل أماميي وأنا أتبع أثره وكان برد شديد وعلي أطمار رثة فأخذنا مطر فنظرت إليه وقد عوذ نفسه وأشار بعصاه يمينا وشمالا وأمامه وخلفه فكان المطر يقع حوله وهو معافى منه لاتصل إليه قطرة واحدة. قال: ونالنيي من البرد وأذى المطر ما لا لأصفه. قال: فما شعر إلا بتقعقع أسناني من شدة البرد فالتفت إلى وقال: ها هنا أنت؟/ قلت نعم. قال أدن مني فدنوت منه، فنظر إلى بللي وشدة قري، فوضع يده على رأسي وأمرها على ظهر، ثم قال: اللهم دفئ جسده وجفف ثوبه، فجف ثوبي، (قال): ثم عوذني وأشار بالعصا حولي كما فعل على نفسه، فكنا نمشي والمطر يقع على كل جانب من جوان بنا ولا تصل إلينا منه قطرة فما فوقها إلى أن كف المطر، ثم صحبته بعد ذلك يومين حتى انتهينا إلى موضع من الأرض فقال: شر في ودائع الله، فهذا العمران قد قرب منا، قال: وكنا نعرف قرب العمران بكثرة الوحش ( والصيد) وذلك أن المفازة والقفار لا يرى فيها وحش البتة، فقلت له: إني أريد صحبتك؟ فقال لي: لا تقدر على ذلك ومن تحلى بغير ما هو فيه استحق من الله عز وجل المقت عليه ولكني أرجو لك خيرا إنشاء الله تعالى. فقلت له: يا سيدي أحب شيئا أذكرك به، فقال لي: امن الدنيا تريد؟ فقلت: لا، قال: ما معي غير عصاي هذه فخذها بأمانة الله، فقد جعل الله تعالى فيها خير لي وللذي أعطانيها وللذي أعطاه إياها، نحن ثلاثة قد جعل الله تعالى لنا فيها خيرا كثيرا فاحتفظ بها، فأخذتها منه وهي عندي من ذلك الوقت. ثم عطف واصل على الذي كان أعطاه العصا فقال له وأنا رجوت الله تعالى[أن] يجري لكمن بركتها شيئا بانتفاعك بها فجعلتها لرعاية البقر. ثم قال الرجل: أعدها في الموضع الذي كانت فيه. فأعادها.
4 ـ حكاية بطلها من الجن :وهي من حكايات سعدون بن أحمد الخولاني (1)
ومشهور عن سعدون –رضي الله عنه – أنه كان يجتمع به رجل من مؤمني الجن يكتى بأبي عبد الله. حدثنا ابن اللباد قال: قال لي أبو عثمان سعدون [بن أحمد] :كان ييأتيني رجل من الجان إلى بيتي فيقظني من النوم فقلت له: ما اسمك؟ فقال لي: محمد، فقلت له: مسلم أنت؟ فقال لي: لو كنت غير مسلم ما أيقظتك إلى الصلاة، وكان يصافحني، فكنت أرى يده صغيرة فيها لين، قفلت له: أرني وجهك؟ فقال لي: وما تريد أن ترى ؟ وجهي ينكد عليك عيشك.
قال: وكانت قد ضاعت لي حمارة وولدها من المرسى، (فأتاني) فقال لي: يا أبا عثمان الذي سرق لك الحمارة وابنها مضى بهما إلى المهديةليبيعهما، فلقيتهه في بعض طرق المهدية، فتمثلت له في صفة رجل، فقلت له: هذه الحمارة وولدها للخولاني، فردهما عليه وإلا فضحتك في المهدية، فقال لي: نعم، أردهما (عليه) ، فمضى بهما وأنا أسايره حتى بلغ بهما إلى الحمى، فلما كان من الغد أتاني بعض السكان فقال لي: يا أبا عثمان قد جمع الله (الكريم) [عليك] الحمارة وولدها وهما في الحمى. 5 ـ حكاية بطلها القنفذ :
وهي من حكايات أبي زكريا الرجراجي ،وكان عبدا صالحا مجاب الدعوة :
حدثثوا عنه أنه أخذ ذات يوم منجله لقطع شجر السدر .فبينما هو يقطعه إذ صادف رجل قنفذ فكسرها .فآلمه ذلك وقال :اسمي يحي بن لاالأذى ،،فإذا أنا يحي بن الأذى،أوذي خلق الله ! فأخذ
القنفذ ،فربط رجله بجبائر وأدخله في خابية .فكان يسقيه الماء ويطعمه التين والزبيب إلى أن انجبر فذهب .(1)
6 ـ حكاية بطلها فاجر :وهي من حكايات أبي محمد عبد السلام التونسي :
وحدثوا عنه أنه كان بتلمسان رجل من أهل الدعارة .فشكاه الناس كثيرا .فلقيه عبد السلام فأخذ بأثوابه وضرب به الحائط وقال له : يا هذا آذيت المسلمين حتى أكثروا بك الشكوى !فانكب الرجل على رجليه يقبلهما وهو يقول : أتوب إلى الله عز وجل ! فأرسل عبد السلام يديه منه ولف كساءه على عنقه يعاتب نفسه ويقول : يا عبد السلام ، يا مسكين !ما عذرك عند الله تعالى فيما فعلت برجل مسلم ! والرجل يقول : ما أبرك علي هذا اليوم الذي أدبتني فيه !فتاب الرجل إلى الله وأقبل على العبادة إلى أن لحق بالأولياء .(1)
7ـ حكاية السير على قوس قزح : وهي من حكايات أبي عبد الله الرجراجي :
وحدثوا عنه أيضا أن أبا زكريا المليجي جاء إلى داره ليزوره ؛ وكان طرف قوس قزح عند باب داره والطرف الآخر في موضع آخر .فلما خرج أبو عبد الله من داره قال :بسم الله الرحمن الرحيم . وجعل رجله على طرف قوس قزح ؛ فلم يزل يمشي عليه إلى أن هبط من الطرف الآخر .فصاح أبو زكريا المليجي وقال : وصل الرجال إلى هذه المنازل وأنا هكذا !وخر مغشيا عليه .فلما أفاق هام على وجهه ثم أقبل على الجد والكد إلى أن لحق بالأفراد .(1)
8ـ حكايات الاستسقاء : وهي من حكايات واجاج بن زلو اللمطي :
وكان المصامدة يزورونه ويتبركون بدعائه وإذا أصابههم قحط استسقوا به .فسمعت الشيخ أبا موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي يقول : أصاب الناس جدب بنفيس فذهبو ا إلى واجاج بن زلو اللمطي وهو بالسوس .فلما وصلوه ،قال لهم :ما جاء بكم ؟ فقالوا له : قحطنا وجئناك لتدعو الله لنا أن يسقينا ,فقال لهم :إنما مثلكم كمثل قوم أبصروا جبح نحل فظنوا أن ففيه عسلا !
ولكن انزلوا عندي فانكم أضياف .فأضافهم ثلاثة أيام ، فلما عزموا على الانصراف وجاؤوه لوداعه ليرجعوا إلى بلادهمقال لهم :إياكم إن ترجعوا من طريقكم الأولى التي أتيتم فيها فارجعوا من طريق أخرى لتسكنوا في الغيران والكهوف من الأمطار فلما انصرفوا عنه أرسل الله عليهم السحائب بالأمطار ودامت عليهم الأمطار فلم يصلوا إلى بلادهم إلا بعد ستة أشهر .(1)
7 ـ حكاية دعوة الانتصار على الزمن :
و هي من حكايات أبي موسى عيسى بن سليمان الرفروفي :
حدثني عبد الله بن موسى قال : حدثني إبراهيم بن يحى بن البطان قال : أدركت شيخا من تلاميذ أبي موسى وقد أناف على مائة سنة وما سقطت له سن ولا شابت له شعرة وكان قد دعا له موسى بذلك .(1)
9 ـ حكاية الدعوة بالربح : وهي من حكايات أبي موسى عيسى بن سليمان الرفرافي :
وحدثوا أنه خرج ذات يوم فرأى الناس بسوق الأحد برفروفة وما كان رأى السوق قبل ذلك
فقال :ما بال الناس قد اجتمعوا هنا ؟ فقيل له :إنه يوم سوقهم .فدعا لهم بالربح في تجارتهم .فمن ذلك اليوم لا يشتري أحد في تلك السوق تجارة إلا ربح فيها .وهذا متواتر إلى ألآن ينقله الخلف عن السلف:ويقول التجار :هذه بركة دعوة أبي موسى .(1)
10 ـ حكاية السير على الماء : وهي من حكايات أبي عثمان سعد أبن ميموناسن الرجراجي :
حدثوا أن مؤذن مسجده طلبه ذات يوم بداره فلم يجد ه .فذهب في طلبه إلى البحر فوجده نائما على لجج البحر وفي حجره كتاب تعبث الرياح بأوراقه ولا يصل إليه من رشاش الموج شيء .فأراد المؤذن أن يصل إليه وشرع ففي دخول البحر ظانا منه أنالعبور إليه سهل فغلبه الماء وخاف على نفسه الغرق . فخرج وقعد على شاطيء البحر ينتظره .فلما أفاق أبو عثمان من نومه خرج من البحر .فلما علم أن المؤذن قد رآه قال له ، يا فلان ، عاهدني أن لا تحدث أحدا بما رأيت حتى أموت . فعاهده على ذلك ولم يحدث بذلك أحدا من أصحابه إلى أ، مات رحمه الله .(1)
11 ـ حكاية السير على الماء : وهي من حكايات أبي العباس أحمد المعروف بابن العريف :
وحكى أبو الحسن علي بن خلف بن غالب أن أحد أصحاب ابن العريف كان عقد على نفسه أن لا يتكلم وقت وضوئه إلا بذكر الله تعالى وألا يرد السلام على أحد حتى يفرغ من وضوءه .
فبينما هو يوما يتوضأ على ساحل البحر بالمرية إذ مر به رجل يمشي على الماء . فسلم عليه فلم يرد عليه السلام فكلمه فلم يجبه .فلما فرغ قال : متى يضع المريد أول قدم في الإرادة ؟ فقلت له :متى يضع المريد أول قدم في الإرادة ؟ فقال لي :إذاكانت فيه أربع : إذا مشى على هذه بلا وساطة ،وأشار إلى البحر ،وكان قريبا منه ،وصارت له هذه قدما واحدا ،وأشار إلى إلى الأرض ،وأكل من الكون ، واستجيب له الدعاء .فقال ابن العريف : فلما سمعت ذلك ،صحت وبكيت وقلت : أيستنا من الإرادة يا أبا القاسم وقطعنا عنها إذا كان أول قدم في الإرادة الــــذي
ذكرته . (1)
12 ـ حكاية بطلها الدعوة المستجابة :وهي من حكايات عقبة بن نافع رضي الله عنه :
قال :"وحدثني فرات [بن محمد]،عن عيسى بن محمد،عن عبد الله ابن وهب ،عن أبي لهيعة ،أن عقبة [بن نافع]،لما قدم إفريقية ،وقف على وادي القيروان ،فقال :"يا أهل الوادي اظعنوا،فإنا نازلون ،وإنا من وجدناه قتلناه " ،قال :"فرئن يخرجن من أحجارهن هوارب ،فلم يزالوا ينظرون إليها حتى أوجعتهم الشمس،ولم يروا منها شيئا ،فنزلوا الوادي " ،قال ابن لهيعة :"وكان يقال إن عقبة [بن نافع ] كان مستجابا " (1)
روى عبد الله بن وهب ،عن ابن لهيعة ،أن عقبة بن نافع وقف على وادي القيروان وقال :يا أهل الوادي ، اظعنوا فإنا نازلون ،وأن ما وجدناه قتلناه ، قال الراوي : فرأينا الحيات تخرج من أحجارهن هاربة حتى أوجعها حر الشمس ؛فلما لم يروا منها شيئا نزلوا الوادي .
(قلت ) : ذكره غيره بأبسط من هذا ، وهو أن السبع يخرج إليهم من الغيضة وهو يحمل أشباله ،والذئب يحمل أجراءه ،والحية تحمل أولادها ، والعقارب تدب دبيبا ،هاربة سمعا وطاعة لرب العالمين . ونادى في عسكره : كفوا عنهم حتى يرحلوا عنا ،فأقام عقبة ثلاثة أيام ينادي بأعلى صوته :يا أهل الوادي قد أجلناكم ثلاثة أيام .(1)
قال محمد بن أحمد بن تميم : وقد حدثني أحمد بن تميم :وقد حدثني أحمد بن أبي سليمان ،وحبيب [بن نصر]صاحب مظالم سحنون وغيرهما ، عن سحنون [بن سعيد]،عن ابن وهب ،/عن الليث بن سعد ،قال :"بلغني أن عقبة بن عامر،غزا قبل ذلك افريقية ـ يعني قبل عقبة بن نافع ـ فأتى وادي القيروان ،فبات عليه هو وأصحابه ،حتى إذا أصبح وقف على رأس الوادي ،فقال :"ياأهل الوادي ،اظعنوا فإنا نازلون ".قال ذلك ثلاث مرات ، فجعلت العقارب والحيات [وغيرها]مما لا يعرفون من الدواب ، تخرج ذاهبة ،وهم قيام ينظرون إليها ،من حين أصبحوا حتى أوجعتهم الشمس ،حتى لم يروا منها شيئا ،فنزلوا الوادي قال الليث [بن سعد]: وحدثني زياد بن العجلان ،أن أهل إفريقية أقاموا بعد ذلك أربعين سنة ،ولو التسمت حية أو عقرب بألف دينار ما وجدت .(1)
13 ـ حكاية بطلها الصرار:وهي من حكايات أبي زكرياء يحي ابن موسى المليجي :
انصرف يوما من الصلاة فلقي جماعة من المريدين مقبلين على المسجد .فأنكر عليهم تأخرهم عن الصلاة . فقالوا له :كنا قد تأهبنا للصلاة فسمعنا الآذان الأول ولم نسمع بعده أذانا من غلبة أصوات الصرار وكان الصرار كثيرا بذلك المكان لا يكاد يسمع منه كلام .فقال :اللهم ،إن هذا الصرار قد حال بين عبادك وبين طاعتك ،فاقطعه عنا فانقطع الصرار من ذلك المكان من حنئذ إلى الآن .
14 ـ حكايات النوم الطويل : وهي من حكايات أبي زكرياء يحي ابن موسى المليجي :
وحدثوا عنه أن أبا بكر المنادي شكا إليه الجوع في عام مجاعة وكان ذلك في أول الحرث
فأمره أن يدخل في صومعة جامع مليجة . فلما دخلها نام فلم يستيقظ إلا في زمان الحصاد وطيب الزرع .قال أبو بكر :فأنتبهت من نومي وقد نسيت القرآن وأكل السوس من كسائي من الجانب الذي يلي الأرض .(1)
15 ـ حكاية مركبة من مجموعة من الحكايات ( السيرالسريع على الماء ، وتفجير الماء من الصخر ،واستحضار الطعام من الغيب ،والسفر السريع في الفضاء بواسطة ملاك في صورة إنسان ) : وهي من حكايات أبي زكرياء يحي ابن موسى المليجي :
وحدثوا عنه أنه لما توجه إلى مكة ،شرفها الله لأداء فريضة الحج ركب في سفينة .فمكث بها أياما فرأى خدمة السفينة يعملون عمل لوط . فلم [يطق] الإقامة بها .فشمر أثوابه وحمل متاعه وابتدر الدخول في البحر .فقال صاحب السفينة : أجن هذا أم حمق ؟ فقال له :كل ذلك حق موجود .فدخل الماء حتى أن بلغ إبطيه وقال : أيها البحر : أنت خلق الله وأنا خلق الله ثم دعا الله تعالى فقال في دعائه : اللهم أنك تعلم أني فررت من مشاهدة معصيتك ، فأعني وكن معي حيث أكون .فأحس تحت قدميه مثل الأحاريش التي تكون بجانب البحر وبشاطئه [فارتفع] وقد وصل الماء إلى كعبيه أو نحو ذلك .فافتتح قراءة القرآن وهو يمشي على ذلك أحس تحت قدميه إلى أن
تأملت قدماه من الحفاء فخرج إلى الساحل وقد أجهده الجوع والعطش . فأبصر جثة كالابل .فأمها فلما وصل إليها وجدها صخرة فحفر عندها ،فنبع منتحتها ماء عذب فشرب وتوضأ منه وصلى ركعتين . فأذهب الله عنه الجوع والعطش .فمشى على الساحل إلى أن وصل الأسكندرية
فإذا به قد سبق السفينة التي كان فيها بأيام كثيرة .ففاته الحج ذلك العام فمر إلى الشام وجال فيه إلىأن دخل المسجد . فوجد فيه رجلين فما كلمهما ولا كلماه وكل واحد مقبل على صلاته . فلما صلوا المغرب خرج أحد الرجلين ثم دخل عليهما بصحفة فيها ثريد وعليه منديل فاستدعياه
للواكلة .فأكل معهما . فلما كان اليوم الثاني ،بعد أن صلوا المغرب خرج الثاني فأتى بمثل طعام صاحبه فأكلوا وردوا الصحفة . فلما كان اليوم الثالث بعد أن صلوا المغرب نظر أحدهما إلى الآخر . فقال أبو زكرياء : وصلتني النوبة وقد أكلت طعامهما [وأفرطت] .فخرج عن المسجد
وصلى ركعتين فدعا الله تعالى وساله أن لا يفضحه .فالتفت فرأى صحفة كحصفتيهما وعليها منديل ،فشكر الله تعالى فرفعها إليهما ووضعها بين أيديهما فقالا له :أنت يحي بن موسى ؟ فقال لهما : نعم .فسلما عليه ورحبا به .فأقام معهما أياما ،ثم قال لهما : إني راغب في المقام معكما ولكنني فاتني الحج وأريد أن أؤدي فريضة الحج وأزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم . فودعاه وقال له أحدهما : إذا قضيت مناسك الحج فسر إلى بئر زمزم تجد على البئر رجل أسود متحزما يسقي الناس ،فخذ بإصبعه الفلانية فإنها أمارة بيني وبينه .فلما قضى حجه فعل ما أمره به .فقال له الرجل الذي وجده على بئر زمزم : هل رأيت فلانا ؟ فال له : نعم .فأقبل علبه .فلما صلى معه العتمة قال له :من أي البلاد أنت ؟ فقال له : من المغرب الأقصى . فقال له : من بلد رجراجة .فقال له :من أي البلد منه ؟ فقال له : من وادي شفشاون .فجعل يكرر [ شفشاون ] ،ثم قام وتحزم وشد على نفسه ثيابه فأخذ بعضديه ورفعه فمال به ذات اليمين فوضعه ثم رفعه ،فمال به ذات الشمال .فوضعه ثم رفعه فمال به ذات اليمين فوضعه وتركه وغاب عنه .فانتظره أن يرجع إلى أن قرب طلو ع الفجر . فنظر فرأى سوادا كسواد الوادي ذي الشجر .فقصد ذلك السواد ،فإذا هو بالوادي .فلما انبلج الضوء رأى شجر الصفصاف وأنوع الشجر وعاين الجنات فقال في نفسه :ما أشبه هذا الوادي بوادي شفشاون ثم أبصر قرية فيها صومعة فقال : ما أشبه هذه الصومعة بصومعة مليجة ثم أبصر راعيا يسوق بقرا قد خرج إلى المرعى .فقال له :ما هذا الوادي ؟فقال له :هذا وادي شفشاون . فقال وما هذه القرية ؟ فقال له :قرية مليجة .فقال له : أتعرف يحي بن [أبي] موسى ؟ فقال له :هذه بقره وأنا راعيه وقد سافر إلى المشرق . فدخل أبو زكرياء القرية وقصد إلى أهله [فدخل عليهم ] فسروا به. وسمعت غير واحد يحدث بهذه الحكاية عن أصحاب أبي زكريا ء المليجي وهي صحيحة متواترة وقد قرأتها في أخبار صالحي رجراجة وعلمائها بعد أن سمعتها عن غير واحد .(1)
16 ـحكاية بركة إطعام الكثرة من القلة : وهي من حكايات أبي محمد مع الله ابن يحي بن يجاتن الزناتي :
كان له فدان بأرض [لاعوش][فاستحق ] الحصاد . فجاء إليه من قومه أربعون شابا . فشرعوا في حصاده متبرعين . فسمع بهم .فأمر أهله أن يصنع لهم غذاء .فصنع لهم أربعة أرغفة فحملها وحمل معه قربة لبن .فلما [وصل إليهم بذلك] استقلوا ماجاء به وقالوا :إنما جاء بغذائه خاصة فنصيب منه على وجه التبرك .
17 ـ الحكاية المثل : (1) وهي من أمثال أبي عبد الرحمن الحبلي :
ابن هبيرة قال: سمعت أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: ((مثل الذي يجتنب الكبائر ويقه في المحقرات كمثل رجل لقيه سبع فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل إبل فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل خيل، فكذلك حتى نجا، ثم لدغته نملة، [فأوجعته] فتهاون بها وقد أوجعته، ثم أخرى ثم أخرى، ثم اجتمعن عليه فصرعنه، فكذلك الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات.
18 ـ حكلية منارة الأسكندرية (1) وهي من حكايات أبي زكرياء يحي :
... إن أهل الأسكندرية كانوا ينظرون من المنارة التي عملها ذو القرنيين لهم في زمانه ، فيرون قلاع الروم في البحر أينما كانت ويحذرون من كان بحواليهم .
فلما بنى إبراهيم ابن الأغلب هذه القصور التي على الساحل ،أمر أهل الاسكندرية ،إذا نظروا في مرآة المنارة ورأوا قلاع العدو إن ينيروا فيبصر نارهم من كان قريبا منهم من القصور ،فينيروا هم أيضا ،فتتصل نيراهم حتى تبلغ في ليلة واحدة إلى سبتة ،فيحذر الموحدون الروم .فكانت الروم بعد ذلك دهرا طويلا لا يظفرون بالموحدين في شيء ،من سواحلهم ،ورجع الموحدون يغزونهم إلى أرضهم ( اغتم لذلك ملك الروم ،فجمع أهل مملكته فاستشارهم في الحيلة ،فوثب رجل يهودي ،فيما بلغنا ،فقال ،أيها الملك ،إن أنت أذنت لي (بالدخول)إلى بيت الأموال ،آخذ منها حاجتي ، أكفيك المؤنة إن شاء الله )
فقال له الملك : شأنك وما تريد .قال ،فعمد اليهودي إلى بيت المال ،فأخذ منها أموالا عظيمة من الجوهر والدرر واليواقيت والذهب المضروب على سكة الأولين .فوفر من ذلك أحمالا ،فقصد إلى أرض الإسكندرية ،فصار يحفر في كل جبل من جبالها ويجفن (الأموال ) في الأودية وعند المدينة ،ثم أظهر على نفسه مرتبة وزينة وزيا حسنا ،فأظهر أنه عالم بإخراج كنوز الأولين ،ثم اتصل خبره بالسلطان بمصر ، فبعث إليه ، فصار يخرج له الدفائن التي دفنها هو بنفسه ، فلما نظروا إلى أموال جسيمة وكنوز عظيمة ،اطمأنت نفوسهم إلى جهته وأعجبهم ما رؤا من ذلك .
فلما أحس اليهودي منهم (الثقة ) ،قال للسلطان ، ها هنا كنز أعظم من جميع الكنوز ، في المنارة ، تحت المرآة .فإن أذن لي السلطان في نزع المرآة التي في المنارة ونزعناها وأخرجنا ما تحتها، وصقلناها ، فإنها قد تصدت ورددناها .
فأذن له السلطان في ذلك ،رغبة في المال . فلما نزع المرآة أمر بعض القوم بالهدم تحتها وبعضا بصقالة المرآة ،انسل اليهودي فلم يروا له أثرا ،فعالجوا المرآة لردها على بنيانها الأول ،فلم يتجه لهم ذلك .
19 ـ حكاية نفاث وصراعها علمي 1) وهي من حكايات أبي زكرياء يحي :
وأرسل ابنه، سعيد إلى الإمام –رضي الله عنه- ليتعلم عنده العلم، ومع سعيد، نفاث بن نصر يتعلمان عند الإمام، فلما بلغا من العلوم ما قدر الله لهما، توجها نحو بلادهما، حتى توفي أبو يونس وسيم، والد سعيد، فأراد الإمام، -رضي الله عنه- أن يستعمل على قنطرارة، فاختبر الناس بذلك وميزهم، فوجد سعيدا لأحكام المسلمين أصلح، ولأمور الدين أحسن، ولحدود الله أصلب، فكتب سجلا باستعمال سعيد فطواه وختم عليه بخاتمه، لوم يبين لهما العامل منهما، فدفع لهما السجل فأمرهما ألا يفكا عن السجل حتى يأتيا إلى بلدهما ويصلا إلى قنطرارة.
فمضيا، فلما كانا ببعض الطريق، استخف بنفاث الشره و الخفة وسوء الخلق وحب الرسائة وإرادة الإمارة، واستغل سعيدا، فتخلف إلى رحلهما، ففتش وراء المكتوب فوجد وفض خاتمه وفكه وقرأ الكتاب ليعلم من استعمله منهما، فوجد (أن) سعيدا هو العامل، فظنت نفسه الظنون وأضمر في قلبه الغش و العداوة، حيث لم يستعمله الإمام.
فوصل سعيد إلى قنطرارة، فولي وأحسن السيرة وأقام بحق الله فيها وله منبر وجمعة ( )
ثم أن نفاثا، لما وصل إلى بلده، سئل عن الإمام، فأظهر الطعن فيه، فقال، أضاع أمر المسلمين، ويزيد في الخلقة ويلبس الطرطور ويخرج إلى الصيد، ويصلي بالأشابر، فبلغ ذلك الإمام، -رضي الله عنه- وما يقوله فيه، فأرسل إليه الإمام أن يأتيه، فما نقمة عليه نقضه بين يديه، وأن كان حقا، اعتبه الإمام من نفسه، وأن كان حقا، اعتبه الإمام من نفسه، وأن كان باطلا، فأيه…. ويواعده الإمام بقوله (إيه).
فلما سمع نفاث بذلك، قال: "إيه" من السلطان، هو القتل، و له مسائل انتحلها لا أصل لها: منها الخطبة، زعم أنها بدعة.
وسئل عن مسألة، فقيل له رجل مات وترك اخوته من الأب وبين اخوته و الأم، فقال بنو الإخوة من الأب و الأم أولى من الاخوة من الأب، فزاد ضلالا إلى ضلاله.
وذكر المشائخ أنه لو لم يفته إلا هذه المسألة لكفر بها وحدها.
وبلغنا أن نفاثا ابن أخت، فرأى ابن أخته ذلك ليلة رؤيا، فأتى إلى نفاث فقصها عليه، فقال: رأيت رؤيا، فعبرها لي، رأيت رجلا جمع عرمة شعير، فرقى على رأسها سنور فوقف عليها، فقال له نفاث، ذلك رجل يجمع العلوم، فيستولي عليه الشيطان.
فقال له الفتى، ابن أخته، فأنت هو، يا خالي
وبلغنا أنه دخل منزلا، فقصد إلى رجل فلم يجده في منزله، فخرج فجاء صاحب المنزل، فأخبره عياله بخبر نفاث، فأخذ دابة له فركبها وتبعه يريد أن يدركه ليكون على مذهبه، فجنة الليل فمشى حتى سمع صوته بليل مظلم وهو يقول: "ضللت وأضللت، يا نفاث" يريد نفيه (وراح) يردد ذلك.
فلما سمع الرجل ذلك منه، قال، كيف لي باتباع رجل يقر على نفسه بالضلال، فرجع عنه وتركه.
وبلغنا أنه أعطي في العلم منزلة عظيمة وفي الفهم، ولكنه أفسد ذلك كله بالحسد وحب الأمور.
وذكروا عنه أنه جاءته امرأة ذات مرة تستفتيه في مسألة، فقالت، ما تقول في بيض طاهر طبخ في ماء منجوس، فقال لها، قفي مكانك حتى أخرج إليك.
فقعدت المرأة ودخل إلى الدار فأخذ بيضة ونيلا وجعله في قدر وماء، فطبخها حنى أنضجها، فنزع فكسر منها، فوجد النيل قد سود القشرة وتغير داخل البيضة حتى صار كلون النيل، فعلم أن القشر لا يمنع النجس، فخرج إلى المرأة، فقال لها إن البيضة قد نجست.
وبلغنا أن سعيدا خرج متوجها في أثر نفاث، وهو بجبل نفوسه مخافة من يضل من الناس، فعمد سعيد إلى دار يحال، فأخذ في بنيانها، وكان نفاث بناء عظيما، فأراد نفاث معاونة سعيد في البنيان، وصار يبني له، ويجتمع الناس إلى سعيد في حوائجهم، فإذا نظر سعيد إلى الناس قد اجتمعوا عليه، وتخوف أن يتهموا أنه قد رضي على نفاث، صار يقول في ملأ من الناس: فإلى متى تترك كفرك يا نفاث، فيقول: معاذ الله من الكفر، يا شيخ
فإذا خلا سعيد بأصحابه، قال ليس جزاء من يخدمني ويبني لي أن أشمته في وجهه، إنما تخوفت من الفتنة على الناس، ولذلك فعلت ما فعلت، وإنما جزاؤه الخبز واللحم.
وذكر بعض أصحابنا أن نفاثا توجه إلى أرض المشرق، فلما وصل إلى بغداد مكث فيها زمانا وكان يستأنس برجل من أهل بغداد ويقعد معه في حانوته ويحدثه، فبينما هم كذلك، إذا سمع نفاث مناديا ينادي، فقال لصاحبه، ماذا (ينادي) المنادي؟ فقال له صاحب الحانوت، يقول من أجاب امير المؤمنين (في) مسألة، فله سؤله ومناه.
فقال له نفاث، أنا أجيب أمير المؤمنين (على) مسألته.
فقال به صاحب الحانوت، أسكت، لأنه (س) يقطع رأسك إن لم تجب أمير المؤمنين بعد تكلفك الجواب.
فقال له نفاث، أجيبه عن كل ما سأل.
فلما جاز أعوان السلطان على الحانوت، قال لهم (صاحبه)، إن هذا الرجل تكلف أن يجيب أمير المؤمنين (على) سؤاله.
قال: فابتدر الأعوان إلى نفاث، فأخذوه وحملوه ومضوا به إلى دار الإمارة، فاستأذنوا له على السلطان، فأذن لهم السلطان فدخله (عليه).
فلما مثل بين يدي السلطان، سلم سلام الإمارة، فقربه السلطان و أدناه فسأله عن أحواله وبلده ونسبه ومولده، فقال نفاث، يا أمير المؤمنين أنا رجل من البربر ليس معهم أدب، فأريد أن تأذن لي أن أتكم في مجلسك بما بدا لي.
فقال له السلطان: قل ما بدا لك.
ثم أن السلطان سأله عن مسألة، فأجابه (عنها) وزاد عليه السؤال فكلما زاد عليه أجاب، وقد اجتمعت وجوه بغداد وفقهاؤها وعلماؤها، فطفقوا يسألونه عن العلم حتى عيوا، فلم يقدروا على شيء، فنظر إليه السلطان وتأمله مليا، وتعجب مما حوى من العلم، مع سخافته ونسبه، وقلة أدبه، فقال: نعم العسل في ظرف سوء، ففطن له نفاث فقال، وهو يعرض به، كما فعل (هو): نعم الرجل في نفو سوء، يريد ديوان جابر بن زيد، -رضي الله عنه-( ) مالذي كان محصورا في الخزائن لا يتستنفع به أحد، واحتمى لذلك السلطان وغضب وأنف من قونله، وتذكر عهده وأمره بله أن يتكلم خفي مجلسه ما يريد.
ثم أن السلطان قال له، سل حاجتك، فقال له نفاث، حاجتي أن ختهب لي ديوان جابر بن زبد أن أنسخة، فأجابه السلطان إلى ذلك فلما خرج نفاث قال للسلطان بعض وزرائه، وكيف يا أمير المؤمنين عندك ديوان جابر بن زيد وفي لدلك وخزائنك وتجود به لغيرك وتخرجه من مدينتك، على انه يوجد في شيء من البلدان سوى بلدك، أولا ترى ما فعل الرجل وما بلغ من العلوم على فقد ما يتعلمه منه، فكيف لو أصاب ديوان جابر بن زيد، -رضي الله عنه-
فلما سمع السلطان ذلك من قولهم ندم على وعده لنفاث نسخة، وقال للوزير، إني قد وعدت له ذلك، وما الحلية، ومثلي لا ينبغي له أن يخلف وعده؟
فقال له الوزير؛ أرسل إليه وقل له الديوان الذي وعدتك أن تنسخه (لك) فاختر أي يوم شئت من أيام السنة وليلته، فتنسخ فيه ما قدرت عليه، وأما (بـ) غير ذلك، فلا تصيبه.
فقال له الوزير؛ أرسل إليه وقل له الديوان الذي وعدتك أن تنسخه (لك) فاختر أي يوم ئت من أيام السنة وليلته، فتنسخ فيه ما قدرت عليه، وأما (بـ) غير ذلك، فلا تصيبه.
ففطن نفاث أن بعض وزراء السلطان طعنوا فيه حعنده فقال نفاث للسلطان أفعل يأمير كالمؤمنين.
ثم أن نفاثا اشترى دنانير حبرا من عفص وزاج وصمغ ( ) وعمل أحواضا فحصها بالجير والشيد وهيأ للحبر أمكنة يمكن (معها) للوراقين الكتابة من أمكانهم.
فلما كان أطول يوم في السنة، أمر مناديا في الناس: ألا أن كل وراق كتب في يومه هذا فله دينار، وللمي نصف دينار، فابتدره الناس من كل مكان، فاتفق معهم.
فلما جاء اليوم الذي انتخبه للكتابة، أخذ الوراقون في الكتابة.
ولما كان عند غروب الشمس، أمر مناديا ينادي: ألا من يكتب لنا ليلته هذه بدينارين، للملي دينار.
فابتدره الناس من كل جانب يكتبون، فما طلع عليه (النهار) إلا وقد استكمل ديوان جابر بن زيد، -رضي الله عنه- ألا كتابا واحد، وكمل عنده سبعة أحمال، فدخل على السلطان يطلب إليه أن يدعه أن ينسخ ذلك الكتاب، فأبي عليه السلطان، فسأله أن يدعه يقرأ بين يديه مرة واحدة فأعطاه إياه، فقرأه مرة واحدة، فحفظه، فقال للسلطان: إني قد حفظته ظاهرا، وأن أردت أن أتلوه عليك غفعلت، فقال له السلطان، اتله علي قال فأخذ في قراءته حتى أتمه.
ثم أن السلطان، جمع وجوه أصحابه ووزرائه، فقال لهم، أن هذا الرجل قد غلبنا، فما ترك لنا من حيلة، وأراه يريد الخروج بهذا الديوان ولم أصب إليه سبيلا فانظروا بما تحولون بينه وبين هذا الديوان، فافعلوا.
ثم أن السلطان قال لهم، إذا أراد التوجه إلى بلده، فإني سأخرج إليه فأسأله، فأن وقف لي في مسألة قتله
وإلا، فاسألوه عما قدرتم عليه، فمن وقف منكم في مسألته قتلناه
فلما أزمع نفاث على المسير إلى بلادهن خرج إليه السلطان فتلقاه في عدة من أصحابه، فلما وصلو إليه وجدوه وقد أراد الركوب على بلغته له (و) قد وضع رجله غي الركاب فسأله السلطان عن مسألة، فطفق الناس يسألونه حتى قرب وقت الصلاة، فلم يقدر له على شيء.
قال: فتعرض نفاث لطريق، فأخذ غيره مخافة أن يتبعوه، فتوجه به إلى مكة، ثم مكة إلى أرض المغرب.
فلما وصل إلى حيز طرابلس، نظر إلى ضعف أهل مذهبه وتمغصت نفسه وساء وظنه مخافة أن يصير الديوان إلى أهل دعوة المسلمين، فأخذه فانتخب له موضعا، فحفر له فيه ودفنه، ولم يعرف موضعه إلى يومنا هذا وهذا كله حسد وبغي وسوء العاقبة، نعوذ بالله من حوادث الدهر وما يختلف به الليل و النهار
20 ـ الحكاية الحكمة 1) وهي من حكايات أبي إسحاق الحصري :
وقال اليمان بن عمر مولى ذي الرياستين الفضل بن سهل : كان ذو الرياستين يبعث بي وبأحداث من أهل بيته إلى شيخ بخراسان ،وكان يقول لنا : تعلموا منه الحكمة ، فكنا نأتيه فإذا انصرفنا من عنده اعترضنا ذو الرياستين فسألنا عما أفدنا ، فنخبره بذلك ،فصرنا إلى الشيخ يوما ، فقال لنا :أنتم أدباء،وقد سمعتم الحكم ،وفيكم أحداث ،ولكم نعم ،فهل فيكم أحد عاشق ؟
قلنا: لا ،قال : اعشقوا ،فإن العشق يطلق لسان العيي ،وينتج حيلة البليد ،ويسخي كف البخيل ،ويبعث على التنظف وحسن الملبس ،ويدعوإلى الحنكة والذكاء وشرف الهمة ،وأياكم والحرام .
قال فانصرفنا من عنده إلى ذى الرياستين ،فسألنا عما أفدنا في يومنا فهبنا أن نخبره ، فعزم علينا ، فقلنا له : امرنا بكذا وكذا ، فقال : صدق ، تعلمون من أين أخذ هذا الأدب ؟ قلنا: لا ،قال :"بهرام جور" كان له ابن رشحه للملك بعده ، فنشأ ساقط الهمة . خامل المروءة ،دنيء النفس ،سيء الخاطر ، كليل القريحة ، كهام الفكرة فغمه ذلك ،ووكل به من المؤدبين والمنجمين والحكماء من يلازمه ويعلمه ،وكان يسألهم عنه ،فيحكمون له ما يسوءه ،فقال له بعض مؤدبيه :
كنا نخاف سوء أدبه ،فحدث من أمره ما صرنا فيه إلى اليأس منه ،قال :وما ذاك ؟ قال :إنه رأى ابنة المرزبان ،فعشقها حتى غلبت عليه ،فهو لا يهذي إلا بأمرها ،ولا يتشاغل إلا بذكرها ، فقال بهرام :الآن رجوت صلاحه .
ثم دعا بأبي الجارية .فقال : إني مسر إليك سرا فلا يعدونك ،فضمن له ستره ، فأعلمه أن أبنه قد عشق ابنته ، وأنه يريد أن ينكحهاأياه ،وأمره أن يأمرها بإطماعه في نفسها ، ومراسلته من غير أن يراها ،أو تقع عينيه عليها ،فإذا استحكم طمعه فيها تجنت عليه وهجرته ،فإن استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلا لملك ،أو من همته همة ملك ،وأن ذلك يمنعها من مواصلته ، ثم يعلمه خبرها وخبره ، ولا يطلعها على ما أسر إليه ،فقبل أبوها ، فلما انتهت إلى التجني عليه وعلم الفتى السبب الطي كرهته من أجله أخذ في الأدب وطلب الحكمة ، والفروسية ،والرماية ،وضرب الصوالجة حتى مهر في ذلك ،حتى رفع إلى أبيه أنه يحتاج من الدواب والآ لات والمطاعم والملابس والوزراء فوق ما كان له ، فسر الملك بذلك ،وأمر له بما أراد، ودعا مؤدبه ، فقال : إن الموضع الذي وضع ابني فيه نفسه من حب هذه المراة ،لا يزري به عندي فتقدم إليه بأن يرفع أمرها إلي ،ويسألني أن أزوجه أياها ،ففعل ، فزوجها منه ، وأمر إلي ،ويسألني أن أزوجه أياها ، ففعل ، فزوجها منه ، وأمر بتعجيل نقلها إليه ، وقال له : إذا أنت اجتمعت وهي ،فلا تحدث شيئا حتى أصير إليك .
فلما اجتمعا صار إليه فقال : يا بني ،لا يضعن منها عندك مراسلتها أياك ،وليست في حبالك ، فإني أمرتها بذلك ،وهي من أعظم الناس منة عليك .بما دعتك إليه من طلب العلم والحكمة ، والتخلق بأخلاق الملوك ، حتى بلغت الحد الذي تصلح معه للملك ، فزدها في تشريف والإكرام بقدر ما تستحقه منك ، ففعل الفتى ذلك ،وعاش مسرورا سعيدا بالجارية ،وزاد في إكرام المرزبان ،ورفع مرتبته ،وشرفه لصيانته لسره وطاعته لأمره ،وأحسن جائزة المؤدب ، لامتثاله أمره ،وعقد لابنه الملك من بعده .
















































الخاتمـــــة







من نتائج هذا البحث أننا حاولنا تبني استراتيجية ذات بعدين :
1ـ تجاوز تلك المقاربات التي حاولت التركيز في تأصليها لهذا التراث لجعله يتنفس في أجواء وثنية الفرس أو اليونان أو اللاتين .
2 ـ إعادة الاندماج بين الحلقة الكبرى والصغرى لهذا التراث ،وفهم هذه الاخيرة على أنها تمثل فضاء الشحن الفكري والروحي والفني من الأولى التي تمثل بدورها أصل الأصول ،وفي ضوء هذا الفهم يمكن تفسير كثير من حقائق التأصيل والتفسير .
3-كما يحاول هذا البحث تفسير هذه النصوص ضمن المنهج السميائي الأنتروبولوجي للوقوف على أسس التفكير الخيالي والخرافي عند الإنسان.
4-ويسعى هذا البحث أيضا إلى إزالة التناقض بين هذه الفنون وصياغة قوانين لتناصها تناسب القراءة التأويلية من داخل هذه الفنون وخارجها.
5-كما يهدف هذا البحث إلى وصف دينامكية الخطاب السردي المغربي القديم وتحوله من الأداء الشفوي إلى الحركة، أو الصورة الإيقونية، أو الإشارة الإيمائية ودور كل هذا التنوع السميائي في الكشف عن هوية الإنسان وواقعه.
6 ـ ومن نتائج هذا البحث محاولة تجاوزنا لكثرة النظريات التي ترتكز على المفاهيم في جانبها المجرد، و الاقتراب من جعلها أدوات عملية في تحليلنا لأنماط النصوص السردية والمقالية الجدالية والوصفية والاقناعية، وربط كل ذلك بقيم الجماعة وأيديولوجيتها، وموقع السلطة منها، كما حاولنا الاقتراب منها من جهة كونها مجالا لتناص الأنظمة السميائية الأخرى اللسانية، وغير اللسانية ويعني ذلك الجمع بين العلامة الصافية والممزوجة (نصوص كنائية مع نصوص كنائية، ونصوص كنائية مع نصوص استعارية، ونصوص لسانية أيقونية، ونصوص لسانية أيمائية تمثيلية)
7 ـ كما حاولنا الوصول إلى تأصيل القراءة وتفاعلها النصي القومي والإنساني ،فكان التفاعل المركزي و الثانوي والتأويلي والمباشر والناسخ والمنسوخ، والتفاعل في الموقف الإبداعي الواحد، وفي المواقف الإبداعية المختلفة، والتفاعل داخل نسق واحد، وداخل أنساق متعددة ، والتفاعل مع وحدات سيميائية صغرى، والتفاعل مع وحدات سيميائية كبرى، والتفاعل ضمن المستويات العمودية الصوتية والتركيبية والدلالية ،والتفاعل في محور عنقودي سيميائي واحد أو محاور عنقودية متعددة متضافرة أو متضادة ،وتفاعل الناسخ والمنسوخ ضمن إطار أعمال مبدع واحد، أو مبدعين متعددين ، وعلى أية حال فإن الحيوية المستقطبة لدلالات مختلفة تعود إلى ثراء النص المغربي النثري في أنماطه ،وأشكاله ،وأنساقة ،ونظم وسائطه السيميائية.
8ـ ونحاول أن نتيقن من أن النص النثري هو التاريخ الحقيقي للإنسان المغربي في ممارسة شؤون حياته ومعتقداته، وبمعنى آخر فهو بكل مكوناته يعكس تميز حسه الحضاري إزاء الأحاسيس الأخرى، ولكن هذا التميز لم يمنع من التفاعل مع الحضارات الأخرى، وأنساقها الثقافية بوعي يؤصل ما هو غير أصيل.
9 ـ ومن نتائج هذا البحث الأساسية جمع التراث النثري المغربي وتوثيقه وترتيبه ترتيبا تطوريا بحسب الأصول والإتجاهات والمناهج ،لفتح باب البحث أمامه بشكل يخدمه أكثر ،وينأى عنه من التفسيرات العقيمة والأحادية ،وبخاصة من جهة الدراسات الأكاديمية .
10ـ تفسير الروح العامة للعبقرية المغربية والوقوف على أسس تفكيرها والمنابع الأصلية لكل أشكال خطاباتها النثرية.
11ـ ومن نتائج هذا البحث أيضا محاولته إزالة التناقض في فهم الأصول وصياغة قوانين تناسب القراءة التأويلية من داخل التراث وخارجه ، ومن ثم تصل إلى عمق النصوص ،وتتحرك داخلها لوصف ديناميكيتها في التحول من فعل الكتابة إلى فعل القراءة ومن فهم الواقع إلى تجاوزه.
12 ـ ومن نتائج هذا لبحث الجوهرية ،والتي تحاول توسيع بنيات النصوص لتنفتح على بنيات حركية المجمع في أسسه الحضارية ،ومن ثم الإصرار على تجاوز مفهوم الهوية المغربية من كونها شعارا من الخارج وفي الخارج إلى كونها خطابا أدبيا يستقطب حركة الفكر والروح، وهي تتشكل من عمق التاريخ والواقع.



فهرس الموضوعات
مقدمــــة .................................................. ........................1
التمهيـــد .................................................. ..........................8
الباب الأول
فن الإخبار .................................................. ............................45
الفصل الأول
فن الإخبار السندي في النثر الثقافي الجغرافي والتاريخي .....................................46
الفصل الثاني
الخبر الاستذكاري الذاتي والغيري .................................................. ......70
(سرد السير العامة والذاتية والذكريات)
الباب الثاني
فن السرد في التراث النثري المغربي .................................................. ...118
الفصل الأول
عالم السرد في الخطاب النثري وتقنياته .................................................. .119
الفصل الثاني
فن السرد العجائبي .................................................. ...................130
الخاتـــمة .................................................. .......................160

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-11-2009, 05:40 AM   #2
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,973
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: فن الإخبار والسرد في التراث النثري المغربي (من القرن الرابع إلى السادس الهجر

تقبل الله عملكم هذا...وجعله ثقيلا في موازين حسناتكم

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-01-2011, 01:15 PM   #3
محمد أحمد المصري
مشرف ( وفقه الله )
 
الصورة الرمزية محمد أحمد المصري
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
الدولة: مصر
المشاركات: 4,662
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: فن الإخبار والسرد في التراث النثري المغربي (من القرن الرابع إلى السادس الهجر

جزاك الله خيرا، جهد محمود

__________________
محمد أحمد المصري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
الاتجاه الإسلامي في المقامات المشرقية من القرن الرابع حتى القرن السادس الهجري - رسالة علمية إبراهيم أمين رسائل في الأدب العربي 11 09-04-2014 12:40 AM
أثر القرآن في تطور النقد العربي إلى آخر القرن الرابع الهجري أبو يوسف المكتبة الأدبية المصورة 7 21-07-2013 03:38 AM
شعر المتون في التراث العربي من القرن الهجري الثاني حتى نهاية القرن الهجري الثامن أبو ذر الفاضلي رسائل في الأدب العربي 5 30-06-2013 02:45 AM
التراث النقدي والبلاغي للمعتزلة حتى نهاية القرن السادس الهجري أبو ذر الفاضلي المكتبة الأدبية المصورة 9 12-11-2012 11:28 AM
المآخذ على فصاحة الشعر إلى نهاية القرن الرابع الهجري أبو ذر الفاضلي المكتبة الأدبية المصورة 9 13-01-2011 04:24 PM


الساعة الآن »04:27 PM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd