روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > المكتبات الشاملة والمتكاملة والمعارف العامة والدوريات > المجلات والكتب الدورية > مجلات مصورة
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-12-2009, 05:42 PM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي مقالات مجلة " الموافقات "





الموافقات


مجلة علمية أكاديمية محكمة تعنى بالبحوث و الدراسات الإسلامية

تصدر دوريا عن المعهد الوطني العالي لأصول الدين

- مولود قاسم نايت بلقاسم - بالجزائر


***************************************



العدد الخامس ، السنة الخامسة محرم 1417هـ جوان 1996م


ملف العدد ( الشيخ إبراهيم أبواليقظان)


الوظيفة عند إصدار المجلة المؤلف عنوان البحث
أستاذ بمعهد اللغة و الأدب العربي بجامعة الجزائر د. محمد ناصر الشيخ أبواليقظان هكذا عرفته
أستاذ بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين - مولود قاسم نايت بلقاسم -بالجزائر د. عبد القادر قسوم إبراهيم أبواليقظان خطورة التحدي... و صلابة الاستجابة
أستاذ بالمعهد الوطني العالي للشريعة الإسلامية بباتنة -الجزائر- د. أحمد رحماني رؤية أبي اليقظان إبراهيم الشعرية
أستاذ بالمعهد الوطني العالي للشريعة الإسلامية بباتنة -الجزائر- أ. محمد زغينة على هامش الفكر النقدي لأبي اليقظان
أستاذ بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين - مولود قاسم نايت بلقاسم -بالجزائر أ. محمد الدراجي المقال التفسيري الهدائي من الأفغاني إلى أبي اليقظان
أستاذ بمعهد اللغة العربية وآدابها ، جامعة باتنة - الجزائر- د.محمد ناصر بوحجام السخرية في أدب الشيخ إبراهيم أبواليقظان
أستاذ بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين - مولود قاسم نايت بلقاسم -بالجزائر أ.يوسف حسين أسلوب الدعوة ووسائلها عند الشيخ أبي اليقظان
أستاذ بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين - مولود قاسم نايت بلقاسم -بالجزائر أ. عزيز سلامي قراءة تربوية في فكر الشيخ أبي اليقظان
أستاذ بمعهد التاريخ بجامعة قسنطينة - الجزائر أ.إبراهيم بحاز الشيخ أبو اليقظان و كتابه [ملحق السير]
أستاذ بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين - مولود قاسم نايت بلقاسم -بالجزائر أ.محمد الهادي الحسني الشيخ أبو اليقظان و كتابه [سليمان الباروني]
أستاذ بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين - مولود قاسم نايت بلقاسم -بالجزائر أ.محمد عيسى منهج التفقيه في تصور أبي اليقظان من خلال[سلم الاستقامة]
الأمين العام لجمعية التراث بالقرارة ،غرداية -الجزائر- أ. محمد موسى بابا عمي أبواليقظان حياته و مصادر ترجمته من :[ معجم أعلام الإباضية]
طالب بالدراسات العليا، قسم أصول الدين ، بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين - مولود قاسم نايت بلقاسم -بالجزائر أ. قاسم الشيخ بلحاج الشيخ أبواليقظان و معالم في جهاده الإسلامي
طالب بالدراسات العليا، قسم أصول الدين ، بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين - مولود قاسم نايت بلقاسم -بالجزائر أ.محمد بابا عمي المراسلة عند أبي اليقظان

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-12-2009, 05:45 PM   #2
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

إبراهيم أبو اليقظان

خطورة التحدي ... وصلابة الاستجابة

د. عبد الرزاق قسوم

المقدمة : وجاء من أقصى المدينة، بواد غير ذي زرع، على ضفاف وادي ميزاب، ومن واحة القرارة الخصيبة بالجنوب الشرقي من الوطن الجزائري جاء رجل معمم، يرتدي الزي الجزائري العربي الإسلامي، ويحمل "قوت الأرواح" ممثلا في كتاب الله وسنة رسوله، وخلق السلف الصالح.

رجل أوتي من علامات النبوغ والعبقرية ما جعل جوانب العظمة فيه تتخذ ميادين شتى، وهو ما يربك الدارس له، لأنه لا يستطيع أن يختصر ما يجب أن يقال عنه، فخطورة التحدي الطبيعي، السياسي والثقافي، شحذت عزيمة أبي اليقظان، وقوّت إرادته وجعلت صلابة الاستجابة لديه تستهين بكل مخاطر التحدي، فانفلقت، فكان "القلم المدفع" و"الكلمة القنبلة" و"الثقافة الذخيرة" و"الروح الفولاذية".

إن هذه الخصائص هي التي ألانت قسوة الطببيعة الصحراوية أمام أبي اليقضان، فحوّلها إلى ينبوع واحة، يستوحي منها شعره المقاوم، وشعوره الوطني، وإن هذه الطبيعة الصحراوية هي التي أكسبته صلابة الإيمان بربه، ودينه، ووطنه، فاستهان بكل أنواع الشرك العقدي أو السياسي فكان يواجهه بسبابته "البلالية" "أحد..أحد" وبشعاره الإصلاحي الوطني "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا".

ذلك هو إبراهيم أبو اليقظان الشاعر، والصحفي، والداعية، والمصلح، الذي يخوض في كل ما يمت إلى قضايا عقيدته، ووطنه وأمته بصلة، فقد وهبه الله ثقافة الأقدمين الموسوعية، فجعله يعالج الظاهرة الإنسانية، والمجتمعية، بكل ميادينها المعقدة... ولعل الصعوبة المنهجية في دراسة فكر أبي اليقظان، إنما تتجلى في تداخل هذه الظواهر الإنسانية في فكره، فكل ظاهرة منها تغري بالدراسة والبحث، وتفرز جوانب تصلح لأن تكون محطات وقوف وتأمل، فالانتماء الوطني، أو القومي، أو الإسلامي، هو أكبر الدعامات التي يقوم عليها فكر الرجل، فإذا عمقت النظرة في أبعاد هذا الانتماء، انكشفت لك أدوات وآفاق كلها تسلمك إلى هدف مجتمعي نبيل.

إنه لا مندوحة إذن لمن رام دراسة فكر أبي اليقظان، من أن يعمد إلى محاور كبرى، تخفي كلها في -طياتها- معاني الخطاب الذي قصد مفكرنا تبليغه. لذلك سنحاول في هذه الدراسة "العينية" أن نفرد وقفات تأملية لأبرز المحاور التي بدت لنا بمثابة المحطات التي طبعت رحلته الجهادية من المنطق إلى المصب.

ويمكن باختصار كبير، أن نجمل هذه المحاور في المحطات التالية: الوطنية، الإصلاح، الصحافة، السياسة، الدين، اللغة، العروبة، فلسطين، الاقتصاد، العلوم... إلخ.

وإن في ثنايا هذه المحاور تنطوي مواقف، واستجابات تعكس كلها منهجية التحليل، وطريقة التشخيص، وسبل العلاج لمختلف أدواء القطر الجزائري، والوطن العربي، والأمة الإسلامية، وهو ما جسدته قصائده الشعرية في ديوانه، وسنابله الفكرية المزروعة في واحته الإعلامية، وقد تعددت عناوينها مثل: "المنبر" و"الاتحاد" و"لسان الشعب" و"مرشد الأمة" و"الفاروق" و"النجاح" و"الإقدام" و"المنتقد" و"الصديق" و"وادي ميزاب" و"ميزاب" و"المغرب" و"النور" و"البستان" و"النبراس" و"الأمة" و"الفرقان".

إن مجرد تأمل هذه العناوين لصحافة ذلك العهد، نجدها ترمز إلى دلالات شتى، فهي الجغرافيا والتاريخ، وهي الإشارة والتنبيه، وهي المقاومة والتصميم، وحسبنا في ذلك أن نسوق عينة واحدة لبعض معاناة الرجل في ذلك الوقت من طرف المحتل الفرنسي. فقد كان سيف الرقابة الغاشم مصلتا على الصحافة العربية آنذاك عموما، وصحافة أبي اليقظان بصفة أخص، لما اتسمت به من حرارة الروح، وصلابة المقاومة، وهو ما أدّى بصاحبها إلى أن يوظف شعره للتعبير عن صحافته المقيدة... ومن ذلك قصيدته الرائعة، على لسان صحيفته المعلقة "وادي ميزاب المقيد يتكلم" ضمنها رسالته الإعلامية، وأهدافه الإصلاحية، ونماذج من مقاومته للقمع الاستعماري، ومما جاء فيها الأبيات التالية:
يكن له الإخلاص في حبه الصدر
تهدد بالويلات يرقبها القبر
وأخلاق سوء ما لِحُرٍ بها صبر
ولما أجلت الفكر في شعبنا الذي
رأيت شرورا بالجـزائر جمـة
فجهل وفقـر مدقـع مع نفرة


إلى أن يقول :
حديدية يخشى صلابتها الصخر
يخاف قواه من به نحوه مكر
لأن مذاق الحق في فهمهم مرّ
وجاء الفنا يحبو ، هنا قضي الأمر
مضى تاركا في الناس ذكرا له عطر
وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر))
وقاومت أنواع الضلال بعزمـة
وقد كنت حصنا حارسا لكيانهم
ولكن هذا لم يرق ذوق معشـر
ولما طغى التيـار حولي منهـم
ذهبت شهيد الحق أنشد قول من
سيذكرني قومي إذا جد جدهم


فإذا مددنا الخطى قليلا مستعرضين المحطة الأولى من وقفات التأمل ولتكن هي الوطنية، تجلت لنا محاور كبرى: هي المصير، وهي الوحدة، وهي المقاومة للتجنيس، والاندماج... إلخ.

1- الوطنية في فكر أبي اليقظان:

لم يكن المثقف الجزائري في مستوى أبي اليقظان في حاجة إلى أن يرحل عن بلده، أو أن يلتقي بأي زعيم كان لكي يتعلم منه الوطنية أو يزكي فيه الإحساس الوطني، إن الوطنية تولد مع كل ذي إحساس وشعور، منذ أن تكتحل عيناه بشمس بلاده، وتستنشق رئتاه هواء وطنه العزيز، فالظلم المرسوم على كل صورة من صور الإنسان الجزائري، في حكمه، وقوانينه ، وثقافته، واقتصاده، كلها توحي بالمعاناة المريرة التي يعانيها المواطن الجزائري بسبب القوانين الاستعمارية المجحفة.

إذن لا مراء في أن التفاعل، قد يحدث بالاحتكاك مع ضحايا نفس الظلم، وقد يجد المرء متنفسا لدى المصاب مثله على اعتبار ((أن المصائب، تجمعن المصابين)) ولكن أسباب الجرح تبقى كامنة في الواقع المحلي، والجمر مبثوث على سطح الأرض الواقعة تحت نار ونير الإستعمار.

ومن هنا فإن جذور الوطنية ، قد نبتت في فكر أبي اليقظان منذ خطا أول خطوة في ربوع مسقط رأسه بوادي ميزاب، حتى إن الوطنية في شعره لتوحي أحيانا لعقل الدارس بنوع من الغموض، حيث يختلط عليه التغني بوادي ميزاب كموطن، والتغني بالجزائر كوطن نلمس هذا على الخصوص فيما لا نجد له تعليلا في بداية الرحلة عند أبي اليقظان أي في عهد الثلاثينات، عندما نجده يتغنى بالنشيد الوطني لميزاب. وماذا يعني النشيد الوطني لميزاب؟

ويزداد ذهول الدارس حين يقف في هذا النشيد على التغني بمعالم الأصول المذهبية لا الوطنية، ومن ذلك قول أبي اليقظان :
في جبين الدهر شامة
كل أس ودعامة
واسألوا عنـا الإمـامـة
وعـمـان وتـهـامـة
بين أربـاب الـزعـامة
المحسوس أو يبـدي الملامة
فأضحـى كالمنـامـة
ونحن أحفـاد جـدود
قد بنـوا للمجد قدما
فاسألو "تاهرت" عنا
ثم ما في زنـجبـار؟
كم رفعـنا لك ذكرا
أي شخص ينـكـر
غـير غرّ مسه الجبن


وعلى نفس المنوال نجد نشيده الآخر "نشيد الشعب" ففي هذا النشيد كذلك يستخدم كلمة "وطن" ليطلقها على ميزاب فيقول:
نفديه بما تحويـه أيادينـا
من قبل على واديه معالينا
لبوا وطنـا يبكي بمآقيـنا
ما فتئوا غرا ميامينـا
مقـاما بيـن أساطيـنـا
مـيـزاب لنـا وطـن
لم لا ، وقـد نبــتت
يا نسل أسود الشـرى
ثق يا وطني بشبـاب
لسنا برجالك إن لم تعل


وأيا كان ما قد توحي به مثل هذه التورية، فإن السياق العام لفكر أبي اليقظان لا يسمح بوضع وطنيته ضمن زاوية ضيقة كالتي قد يوحي بها مثل هذا النشيد، ذلك أن الوطنية عنده، تحكمها مفاهيم أخرى غير التغني بالأرض، والجدود لأنها قضية تتسع لتشمل التغني بالثورة الجزائرية، وبجبال الأطلس، وبرفض قضايا التجنيس والاندماج، وما يصاحب ذلك كله من معنى أشمل لمفهوم الوطنية.

ربما جاز أيضا القول بأن شعر أبي اليقظان في الثلاثينات، قد شمله تطور أشمل في الخمسينات، وذلك تحت وطأة ظروف وعوامل عديدة، وهو ما يعطي لمعنى الوطنية في فكره بعدا أعم وأشمل ولكن حتى هذه الأطروحة تبطلها الحقائق التاريخية، ففي ربيع الثاني من عام 1353 الموافق لجويلية 1934 نجد أبا اليقظان يتغنى بالوطنية بمفهومها الجزائري الشامل، وذلك من خلال قصيدته في مهرجان جمعية العلماء التي جاء فيها :
بنشيـد الوطنــية
ن لحـيـاة العربـيـة
مجـد قـدمـا أخـويه
آمال والفـصحـى سويه
ئـر بالحـمـيا البابليـه
ناء قحطـان الفـتيـه
دي على أحسـن نيه
أهزار الـروض غـرد
أحمـام الأيـك غنـ
ثم قـولـي إننا في الـ
نحـن فـي الآلام والـ
كيـف لا تزهـو الجزا
وبنـو مازيـغ مع أبـ
أصبحوا في ردهـة النـا


وتأخذ الوطنية بعدا آخر أعمق وأدق في قصيدة أبي اليقظان "هذي الجزائر" حين يقول على الخصوص:
تبغـي لهـا بين السماك قصورا
وألجموا صدع القلوب وأفعموها النورا
يـا صائـغين من الجزائر أمة
روضوا النفوس على الوئام


إلى أن يقول :
تدعو بها بين الأنام ثبورا
هذي المدارس لا تزال قبورا
فغدا بذلك حقها مهدورا
يستوجب التضييق والتحجيرا
يرى مضلا يلزم التكفيرا
كاللص أصبح في الورى محذورا
سود الليالي تركه مستورا
هذه الجزائر تصطلي نار الشقا
هذه المساجد أغلقت عن أهلها
أما صحافتها النزيهة ألجمت
أما العروبة فهي ضيف ثاقل
والمصلح الداعي إلى الله العظيم
والحر يطرد من هناك وها هنا
هذا قليل من كثير أوجبت


أرأيت يا قارئي الكريم كيف أن ظروف العسف، والقمع، وسود الليالي قد تضطر الشاعر أو الأديب أحيانا إلى أن يفصح عن كثير مما يختلج في صدره، أو أن يلجأ إلى التورية أو توظيف مفهوم لتأدية معنى آخر، وهذا ما يشفع لنا فيما قد نلحظه من لبس أو غموض في ما نجده من نثر أو شعر.

على أن أبا اليقظان يلجأ في مواطن كثيرة إلى التصريح، بدل التلميح غير مبال بما قد يجر عليه ذلك من وبال. ففي افتتاحية جريدته "وادي ميزاب" يؤكد على التلاحم الوطني ضمن الوحدة الوطنية فيناشد ابن وطنه قائلا: ((أيها الجزائري الماجد... اعلم أن القطر الجزائري مدينة واحدة تاريخية، مسورة بسور واحد وهو الإسلام، وسكان دورها هم سكانه، فلا يمنع انحياز كل في داره، ومحافظته على مميزات عائلته فيه، سائر سكان المدينة من التعاون، والتعاضد على جلب المصلحة لها ودرء المضرة عنها. فإن مصلحة المدينة هي مصلحة ديارها، ومضرتها هي مضرتها، إذا أقبل النهار فإلى الجميع. وإذا هجم الليل فعلى الجميع)).

هكذا يتجلى لنا بوضوح أن الوطنية جهاد، ومعاناة وابتلاء وعلى حد قول أبي اليقظان: ((ليست الوطنية في تعديل القوام وتحسين الهندام، والجري وراء القصف والمجون، إنما الوطنية شرارة نارية يقذفها الله في النفس فيلتهب بها الدماغ، ويرسل أشعة نورها إلى القلب، فتحرك حرارتها الأعضاء وتنير الأشعة الساطعة أمامها طريق العمل..

إن الوطنية الحقة يشقى الإنسان ليسعد وطنه، ويذل ليعز، ويفقر ليستغني، ويموت ليحيا)).

ومن التحديات الخطيرة المرتبطة بالقضية الوطنية تبرز مسألة التجنس والاندماج، فهذا المشروع الخبيث الذي خرج به على الناس في العشرينات أحد الولاة الاندماجيين وهو "فيوليت" الذي ارتبط المشروع باسمه، هذا المشروع الذي يهدف إلى تشجيع الجزائريين على التجنس بالجنسية الفرنسية، مقابل حصولهم على الحقوق السياسية التي يتمتع بها باقي الفرنسيين. وفي مقابل هذا الخطر الداهم انبرى أبو اليقظان بقلمه الصلب لتوعية بني وطنه بخطورة هذه المؤامرة رابطا إياها بحكم الشريعة الإسلامية... ولقد تجلى حكمه من خلال مقال عنيف صدر له بعنوان "رأينا في التجنيس".

ومن أحكامه في هذا الموضوع، وضع المتجنس وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية في وضعية المرتد عن دينه، يجري عليه ما يجري على المفارق لدين الجماعة ذلك ((أن الكلام عن مسألة التجنيس، وبيان فسادها وخطورتها من الوجهة الدينية والوطنية، كالكلام على ظلام الليل، ومرارة الحنظل، وسم العقرب وفرقعة الدينامت)).

لقد كانت مواقف أبي اليقظان من التجنيس، صريحة لا مواربة فيها، وهي أن المتجنّس مرتد عليه لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين، وأن التجنيس في لغة مفكرنا مرادف لكلمة تنجيس، ولله دره في هذا الاقتباس حين يصف الحكام المحليين المباركين للتجنيس بـ "القواد" مستخدما التعبير الجزائري الشعبي بأبشع مدلولاتها وأدقها... يقول عن هذا: (جمعوا إليها في صباح مراحهم كلا من الضَمَان و"القود")). وكان قبل هذا قد مهد لهذه الفرية بهذا الوصف البليغ:
فيها فأمسى سعيهم كرماد
والتشويه والإبـعـاد
أحبولة التجنيس للأولاد
خطوا لهم خطط الفساد فأخطأوا
لاذوا هناك بفرية التجنيس
فأذاع بالتلفون رائد لهوهم


2- أبو اليقظان المصلح: لعل من مآثر العظمة في فكر إبراهيم أبي اليقظان، تأصيله لمعنى الوطنية، بحيث تحصن عنده بثوابت الوطنية من دين، ولغة ووحدة. وفي هذا التوجه كل الدلالات العميقة التي تؤمن للوطنية نموها السليم، وحصانتها، حتى تكون بمنأى عن كل أنواع الهزات والزعازع.

ولقد سجل التاريخ أن الدعوة الميزابية للنهوض بالجزائر قد ارتبطت دوما بالحركة الإصلاحية الجزائرية الباديسية، بامتدادها الإسلامي الرحيب.

وإنها لحكمة بالغة أن يمنح الإصلاح في فكر أبي اليقظان هذا الامتداد الصلب والخصيب، ففي ذلك إذكاء لروح المقاومة لكل عمل شيطاني يريد بالجزائر أن تنأى عن خطها الإسلامي -العربي- ذلك أن الشعب الجزائري كما يقول أبو اليقظان (أصيل في وحدته، وأن معدنه ذهبي نقي، ولكن الاستعمار أهال عليه التراب، وبدد نثراته الذهبية هنا وهناك، وإن التراب والتبديد لم يغيرا من عنصره شيئا)).

لذلك فإن كل محاولة للنهوض بالجزائر من كبوتها، وتوحيد شتاتها لا ينبغي أن تتم خارج العودة إلى عقيدتها وعبادتها، وأخلاقها ومعاملتها وسائر شؤون حياتها إلى منبع الإسلام الصافي.

وأبو اليقظان في توجهه الإصلاحي هذا، ينحو منحى إخوانه المصلحين في الشمال، أتباع المدرسة الباديسية، فهم جميعا بشمالهم وجنوبهم يجمعون ((على أن كل سعي لتوحيد الأمة الجزائرية المسلمة من غير هذا الباب هو فيما نرى من باب إتيان البيوت من ظهورها، أو هو ضرب في حديد بارد، لا يكون مآله إلا الفشل والإخفاق)).

ويضع أبو اليقظان لخطة الإصلاح هذه دعائم أساسية لضمان نجاح المنهج الإصلاحي فيوجزها في العناصر التالية:

أ- مكافحة الآفات الاجتماعية.

ب- مكافحة الخرافات والأوهام.

ج- تحرير النفوس من الأوهام والأغراض والأنانية.

د-تحلي المسؤولين بالنزاهة والاستقامة ليكونوا قدوة.

هـ- عناية العلماء ببرنامج التعليم بما يكفل للنشء الإسلامي الجديد نشأة قوية.

و- فقه الدعوة من جانب الدعاة والمرشدين.

ز- تبوأ للصحافة دورها الريادي، في أن تصبح منارة هدى.

ح- توحيد الجمعيات والأحزاب على ميثاق عمل واحد لتكوين جبهة واحدة، مهما اختلفت وسائلهم في العمل.

إن التأمل الدقيق في هذا المنهج الإصلاحي كما يقدمه أبو اليقظان، بالمقارنة إلى ما يحتويه برنامج الحركة الباديسية يقودنا إلى التسليم بحقيقة كبرى، وهي أن الإصلاح في الجزائر إن هو إلا حلقة متينة في سلسلة الصراع من أجل الخلاص ضد العدو، ومن ثم هذا الإصلاح بالعمل السياسي بمفهومه الإسلامي الذي يعلو عن الحزبية الضيقة، ويسير في الخط الجهادي الشمولي الأكبر.

فلا غرابة إذن أن مصلحا كأبي اليقظان عندما يعمد إلى تشخيص الواقع الجزائري بحثا عن العلاج الناجع، يقرر أن رأس الداء إنما هو الاستعمار، وإن الأوبئة التي أصاب الاستعمار بها أمتنا تتمثل في ثالوث امتد إليها في شكل أخطبوط متمثلا في أمراض ثلاثة هي الجهل، الفقر، الإخفاق.

((فالجهل أفقدها الشعود بوجودها وكيف ثدب عليه، والفقر أقعدها عن العمل، وشل أعضاءها عن الحركة، والافتراق أذاب قوتها وذهب بريحها، فبقيت والحالة هذه عرضة للتلف والهلاك، والاضمحلال)).

إنه لا منجاة لنا -للقضاء على الجهل- من الإقبال على التعليم. وإن السياسة التعليمية في المفهوم الإصلاحي لأبي اليقظان، تتمثل برنامجا ينبغي أن تتكاتف للنهوض به كل القوى الحية في الوطن، ((رجال الشرع الرسميون بالهيمنة على العامة وضبط سيرها. والدعاة والمصلحون بالقيام بوظيفة الدعوة، ووضع خطط للإصلاح. والكتّاب والأدباء بقيادة النفوس وسيادة العقول. ورجال القضاء بإقامة ميزان العدالة بين الناس. والموظفون الإداريون لتسيير دفة الإدارة على قواعد العزم والحزم والنظام. ونواب المجالس البلدية بالذود على مصالح منوبيهم. رؤساء القبائل والعائلات بالسهر على مصالح من عليهم حقهم. والأغنياء بمواساة الفقراء وتشييد المشاريع الخيرية. والطبقة العاملة بإتقان عملها وإجادته وترقيته)).

إنه متى ضمنت هذه التعبئة الوطنية للقوى الحية أمكن بناء جيل جزائري، عربي اللسان، إسلامي العقيدة جزائري الانتماء، فيكون بذلك محصنا من سموم المدرسة الفرنسية التي تحشو عقول أبنائنا بكل أنواع الزيغ والإلحاد، بالانتقاص من قيمة الحضارة الإسلامية والإشادة في مقابل ذلك بالحضارة الغربية، وإشعار التلميذ بأنه ينتمي إلى (الأم الحنون) فرنسا، وأن أجدادهم هم (الغاليون) les gauloisإلى غير ذلك من السموم الفتاكة.
على الخير قاموا كلهم وتساندوا
أولي قوة فيها، فتمت مقاصد
وأخلاقهم ما كان تصفو الموارد
وغيرهـما ممن له الحق قائـد
رعى الله عهد الشباب إذا هم
فقاموا بأعمال تنوء بعصـبة
أولئك قوم قد صفا من نفوسهم
كما كان من عبد الحميد وصحبه


هذه إذن هي معالم الإصلاح في فكر أبي اليقظان تقوم على دعامة أساسية هي العلم. وتتفرع عن قضية الجهل، والتعليم قضية التخلف الاجتماعي، وتبرز في هذه القضية قضية المرأة الجزائرية. وتأتي أهمية المرأة مرتبطة بتعليم الناشئة لأن المرأة كأم، وكزوجة، هي المؤتمنة على الناشئة، وعلى أسلمة البيت، فصيانة الشخصية الجزائرية العربية المسلمة، لا يمكن ضمانها في جو التيارات والعواصف الجارفة، ما لم يقيض لها الله تعالى المرأة المسلمة المؤمنة بدينها، ولغتها ووطنها.

لذلك عمدت المدرسة الإصلاحية في الجزائر إلى منح المرأة كل ما تستحقه من عناية وأولوية في إطار النهوض بالمجتمع، والمحافظة على الشخصية وأصالتها.

وإذا كان موضوع الحجاب، والعفة، والشرف، هو من المسلمات التي لا مجال لمناقشتها في أخلاقيات المرأة الجزائرية، فإن التربية والتعليم على العكس من ذلك كانت من أولويات المدرسة الإصلاحية.

يجسد هذا ما حفل به فكر المصلحين الجزائريين، شعرا ونثرا في حقها، ومن أرق ما قاله شاعر الجزائر محمد العيد آل خليفة في هذا الموضوع مخاطبا المرأة قوله:
وتعلمي، فالجهل لا يجديك
في السعي خير شريكة لشريك
سيري إلى العلياء مثل أخيك
وتعاونا في ذي الحياة فأنتما


وقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي عن واقع المرأة: ((المرأة الجزائرية تنتحب والحكومة الجزائرية تريد لها أن تنتخب)).

في هذا السياق جاءت عناية أبي اليقظان بالمرأة للحث أولا على تعليمها وتربيتها، ثم لصد هجمات المغرضين عنها، سواء من الصحفيين الفرنسيين الذين يغمزون في الإسلام، من زاوية المرأة، أو ما كانت تثيره بعض الأقلام العربية في دعوة المرأة المسلمة إلى السفور، وتمزيق الحجاب، ويذكر لنا التاريخ المحاولات التي قام بها في هذا المجال، كل من قاسم أمين في مصر، والطاهر الحداد في تونس، وإذا كانت دعوة قاسم أمين قد ظلت محصورة في مصر، ولم يكن لها تأثير يذكر في الجزائر، نظرا للحصار الإعلامي المضروب على الجزائر آنذاك، فإن كتاب الطاهر الحداد تحت عنوان: "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" قد أثار ضجة كبرى في الجزائر، وتصدى "الكتّاب والدعاة، والمفكرون له، لما حفل به هذا الكتاب الخطير، من ترويج ودعاية من لدن الصحافة الفرنسية ودعاة التغريب، والإلحاد من الاندماجيين في مجتمعنا.

وخطورة الكتاب تكمن في جرأته على نصوص الشريعة الإسلامية، حيث تطرق إلى قضية الحجاب، وتعدد الزوجات، والإرث، وهي القضايا التي ما تزال تثيرها في مجتمعنا المعاصر، جمعيات الأمهات العازبات اليوم.

وقد دخل معركة النقاش مصلحون كثيرون على رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس، كما شارك أبو اليقظان هو الآخر بمقال مطول عنوانه: "قنبلة الإلحاد في تونس" جاء فيه على الخصوص ما يلي: ((إن من يقرأ سطرا أو سطرين من الكتاب... يجده عند التأمل... تشكيكا في الدين والتشريع الإسلامي ونقضا لما أبرمه الله في كتابه الكريم. كأنما يقول لنا "سي الحداد" أنا الرسول المجدد للإسلام، الناسخ لكثير من آياته البينات، المعدل لكثير من مسائله وأحكامه العادلة كمسألة الميراث، والطلاق، وتعدد الزوجات، والحجاب وشهادة المرأة، ومنزلتها من الرجال إلى غير ذلك... كأن الإسلام لم يفرغ من تقرير حكمه فيها من ثلاثة عشر قرنا ونصف)).

ولم يكتف أبو اليقظان بمقالة واحدة في تناوله لقضية المرأة بل إنه كتب مقالات أخرى انبرى للرد فيه على مقال جرئ نشر في صحيفة "النديم" التونسية، زعم فيه صاحبه أن سفور المرأة المسلمة، لا يتنافى والشريعة الإسلامية... وقد حملت المقالات العناوين التالية: "تأبط خيرا... همسة في أذن ناقد النديم" ، "تأبط... أردنا نصيحة فأراد فضيحة" ، "المرأة الجزائرية والحجاب"، "ما هكذا الدفاع عن الحجاب"... الخ.

غير أن الوقفة التي تستحق منا تأملا أكثر، هي المتمثلة في غضبة أبي اليقظان عما نشرته الصحيفة الاستعمارية الناطقة باسم غلاة الفرنسيين "ليكـو دالجي" ((l’echo d’alger))، فقد دعا صاحب المقال المرأة الجزائرية ((إلى نزع حجابها، والالتحاق بركب الحضارة، والحياة المعاصرة، (والأنكى من هذا) أنه يقترح على الجزائريين أن يلبسوا زوجاتهم القبعة الأروبية فهي "أحسن" للمرأة "وأنسب" لها حتى تستطيع الذهاب إلى المسرح، وإلى غير المسرح)).

لذلك نجد أبا اليقظان يضرب الجميع في قضية المرأة عندما يهتدي إلى أن قضية الحجاب والسفور، لا ينبغي أن ينظر إليها بمعزل عن جوهر الصراع الدائر بين الإسلام وأعدائه الغربيين وتلاميذهم السذج المنبهرين... يقول بهذا الخصوص: ((إن مسألة السفور والحجاب، ليست مسألة جمود وحركة، ورقي وانحطاط، وعلم وجهل، بل هي مسألة تدين وتجرد، عفاف وتهتك، عقل وطيش، وجملة هذه فتنة من فتن أروبا خدعت بها أغرار المسلمين، لينصرفوا عن واجباتهم الدينية والوطنية الحقيقية)).

هكذا تجلت لنا منهجية الإصلاح عند أبي اليقظان، وهي تقوم على دعامتين هما ما يعبر عنه في لغة الفلاسفة بعملية الإخلاء ثم الملء، أو بلغة المتصوفة التخلية ثم التحلية.

فهدف الإصلاح في مفهوم مفكرنا يبقى هو البناء الوطني بكل مقوماته، وخصوصياته، ولكن هذا البناء الوطني لابد له كي يتم، من التصدي لكل مظاهر التخلف، والجمود التي يصنعها الجهل، وقد رأينا كيف أن العلم هو الباب الكبير الذي ينبغي الولوج منه إلى البناء الوطني على أن العلم لكي يؤتي ثماره المرجوة، لابد من أن يكون علما إصلاحيا، يأخذ بمقومات الأمة، وثوابت الوطن، فالعلم والإصلاح إذن هما العاملان الصلبان الموصلان إلى الخلاص الوطني.. لكن العلم والإصلاح في حاجة إلى منبر يعرضهما، ويدافع عنهما، وما ذلك المنبر إلا الصحافة..

وقد هدى الله المصلحين الجزائريين إلى التفطن لهذه الأداة العصرية الفتاكة، التي هي لسان الجماهير الصامتة، فتأتي الصحافة لتكون الترجمان عما يختلج في نفوس هذه الجماهير من آمال وآلام. وكذلك فعل أبو اليقظان حينما وجد أن من أنجع الوسائل للدفاع عن قضايا شعبه وأمته وسائل الإعلام، ولا سيما الصحافة المكتوبة التي هي في متناول قدرته المادية والعلمية، فكان "جهاده بالكلمة"...

3- أبو اليقظان وجهاده الصحفي: يمكن أبي اليقظان رائدا فريدا في مجال الصحافة المقاومة وسرّ عبقريته تكمن في عصاميته في هذا الميدان لم يتخرج من كلية الإعلام، ولا من معهد الدراسات الصحفية، وإنما تخرج من "مدرسة الحياة"، فأثبت قدرة في الميدان لا تضاهى، كما أنه لم يعتمد على حزب أو مؤسسة تسنده ماديا أو سياسيا، وإنما كان اعتماده على الله، ثم على ثلة من الخيرين القليلين المحيطين به، إلى جانب إيمانه بشعبه وعدالة قضيته.

وأخيرا، فهو، رجل صامد في ميدان الجهاد الصحفي، لم يضعف له عود، ولم تلن له قناة، فبالرغم من تساقط صحفه الواحدة تلو الأخرى، كأوراق الخريف، ظل مواصلا للجهد، شعاره ((على الظالم أن يستبد وعلينا أن نستعد)).

وحسب القارئ أن يقرأ تاريخ صحفه وعناوينها وتاريخ الصدور وتاريخ التعليق ليدرك مدى صلابة هذا القلم الجزائري الشهم، وهذه قائمة بعناوين صحفه مع تاريخ صدورها وتاريخ تعليقها من المستعمر.

وادي ميزاب: 1926-1929.

ميزاب: 1930-1930. (صدر منها عدد واحد).

المغرب: 1930-1931.

النور: 1931-1933.

البستان: 1933-1933.

النبراس: 1933-1933.

الأمة: 1933-1938.

الفرقان: 1938-1938.

تنوعت وسائل التبليغ لدى أبي اليقظان، فاستخدم النثر والشعر، والمقالة، والفكاهة، والتصريح، والتلميح، بل إنه ما ترك حيلة للتمويه بها على الاستعمار إلا استخدمها ناهيك أنه لجأ إلى الطلاسم، والشعوذة، والسخافات وهي من أعجب الابتكارات الإعلامية في تاريخ الصحافة المقاومة. فعندما أصدرت الحكومة الاستعمارية قانونا رسميا "يتعطيل كلّ ما يصدر من قلم أبي اليقظان" يقول أبو اليقظان: ((بعد هذا أصدرت مجلة (عفوا جريدة) "ميزاب" فعطلت في أول عدد منها، ثم أصدرت جريدة أخرى باسم "المغرب" فسارت في 28 عددا وفي العدد 29 سمعت بأن الحكومة تستعد لتعطيل الجريدة فأصدرت العدد مملوءا بالسخافات والشعوذة مثل "حرز مرجانة" مملوءا فملأت به الجريدة وأكملتها بكلمات متقطعة مثل "الحمار الفطوس" "الفار" و"نخلة" والشجرة...الخ. فلما صدر العدد 29 حاولت الحكومة تعطيل النشر، وأرسلت مناشير إلى دوائرها الرسمية بذلك، فلما كان التعطيل صادف عدد "حرز المرجانة" فكانت ضحكة طويلة عريضة في سائر النوادي والمقاهي بالجزائر)).

ما من شك في أن الميدان الصحفي في جهاد أبي اليقظان سيحظى بدراسة مستفيضة من المتخصصين، ولكن حسبنا هنا هذه المعاني المستفادة من هذه المعركة الإعلامية التي خاضها مفكرنا في جهاده من أجل العودة إلى الذات العربية المسلمة.

وما نحب أن نستخلصه كنتيجة كبرى، هي أن العمل الصحفي، لم يكن إلا حلقة في سلسلة حلقات عديدة، وأداة تندرج ضمن الكفاح السياسي لفرسان الكلمة، في عهد الظلام الاستعماري الدامس. لذلك نعتقد أن معركة أبي اليقظان الإعلامية، لا يمكن فهمها بعمق، إلا إذا هي أدرجت ضمن الخريطة السياسية لمعركة الخلاص الوطني... فما هي إذن أبرز المحاور التي تضمنها الصراع كي تكون الصورة أكمل وأوضح؟

4- القضية الوطنية في فكر أبي اليقظان: إن إبراهيم كان أمة... يمكن ببعض التجاوز اعتبار القضية الوطنية هي الهاجس الأكبر الذي كان يستبد بفكر أبي اليقظان سواء في شعره، أو في مجاله الصحفي، أو دعوته الإصلاحية، وأبو اليقظان في هذا يقتدي بكبار المصلحين في المشرق العربي، والمغرب العربي، منذ جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، إلى عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي... فالجميع وإن ركبوا مطية الدعوة الإصلاحية، باسم الدين إلا أن الهدف الأسمى، والأقصى إنما كان تحرير الوطن بتحرير العقل، كي تكون فيه القابلية لخوض غمار المعركة المصيرية، وهو ما تحقق في أكثر من وطن عربي مسلم، بدءا بالجزائر وثورتها النوفمبرية المباركة.

لذلك نجد السياسة في مفهوم المصلحين الجزائريين مؤصلة أكثر، لأنها تقوم على دعائم هي الدين، واللغة، والوحدة الوطنية، في إطار وحدة أشمل تتخذ العروبة ببعديها الثقافي، والحضاري، جسرا موصلا إلى الأمة الإسلامية الممتدة من طنجة إلى جاكرطة، بتنوعها العرقي، وتباينها الجغرافي، واختلافها المذهبي، وكلها تجسد التنوع داخل الوحدة الكبرى.

فإذا عدنا، بهذه النظرة إلى فكر أبي اليقظان، وجدناه لا يشذ عن قاعدة المدرسة الإصلاحية التي هو أحد حوارييها.

فماذا تعني السياسة عنده، وهي التي أفرغها الاستعمار من محتواها الصحيح، وشوهتها الحزبية بمفهومها الضيق فجعلت الناس ينفرون منها.

ذلك ما نجده بارزا في فكر أبي اليقظان عندما خرج على الناس بعنوان غريب هو: "أعوذ بالله من السياسة".

ويمنح المصطلح تحديدات شتى، فيها الجد وفيها الهزل. فيخلص في النهاية إلى هذه الحقيقة ((تلك هي ٍ[السياسة] التي أخاف منها... فإنها لاذعة ولاذعة حقا، ويعاقب عليها القانون عقوبة كبرى، وربما بالضرب بالسياط من فوق الثياب أو بمباشرة الجسد، ولو سالت الدماء... وربما بالسجن لمدة أو مدد، وقد يكون ذلك في الحبس (الابتدائي) وقد يكون في (الثانوي) الذي يحصل فيه الإنسان على لقب (الكبران) أو (الكونطرولور)).

ويمضي أبو اليقظان، بهذا الأسلوب الخفيف في إبراز مخاطر الاشتغال بالسياسة في الجزائر، وما تجره على أصحابها من ويلات فيرفع صوته بهذا التحذير: ((لا أنطق بها ناسيا، ولا أتعمده، ولا أظنه، ولا أشك فيه، ولا أتوهمه، ولا أحدث به نفسي... فإن أرغمت وأجبرت، وألجأتني الضرورة -لا قدر الله- واللهم يا لطيف على النطق به، فإني استبدله (بـال...بو.. لي...تيك)، إذ أن لهذا اللفظ معناه الخاص في دائرته الضيقة المحدودة، وحدّة الفاصل بين ما هو من السياسة -أستغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزلة- وما ليس منها...)).

إن بين السياسة والبوليتيك، إذن حداًّ دقيقا ورفيقا، ولكنه بون عميق أيضا لا يدركه إلا ذوو المشاعر المرهفة من أمثال أبي اليقظان، الذين اكتووا بنار السياسة، وعذاب البوليتيك. وقد حاول مفكرنا أن يستنجد بفقهاء العلم من العارفين بعلم السياسة، وقواعد نحوها، وتصريفها، عله يجد "قطرا يبل الصدى" فما خرج حتى بخفي حنين.

يقول باثا شكواه إلى قرائه: ((وقد راجعت معيار العلوم للغزالي، والسلم وحواشيه [في المنطق] فوجدت أن لفظ "البوليتيك" جامع مانع، ومطرد منعكس، يدخل فيه ما هو سياسي أو يخرج به أو عنه ما ليس بسياسي، بخلاف اللفظ الآخر المشؤوم [السياسة] فإنه يمتد ويسترخي ويتمدد مثل الكاوتشو (أي المطاط)، ويتمطط كليل امرئ القيس [من شدة المعاناة] لما تمطي بصلبه..)).

وينتهي الكاتب إلى هذه الحقيقة المفزعة في تعريف السياسة، وفقا لقاموس المستعمرين الفرنسيين من خلال تعاملهم مع "البيكو" (العرب المسلمين الجزائريين) فيقول: ((فقراءة الآجرومية سياسة، لما فيها من الأحكام الاستثنائية، وابن عاشر كذلك بنواقض وضوئه، وحكمه العقلي، وقراءة [الأربعين حديثا النووية]... كذلك سياسة، الحاصل أن [مفهوم السياسة] واسع رحيب، كريم المائدة، موطأ الأكتاف، لا يخيب سائلا، ولا يرد مستجديا...)).

ولقد صدق أبو اليقظان في استنباطه، وحدسه فحتى هذه الإشارات والتنبيهات والملح والفكاهات لم تعصمه من التعليق على حبل المشنقة، وهكذا كان جزاء "البستان". فما أن صدر العدد العاشر منه فقط، حتى عطل وهو لم يمتع بشبابه، وجاءه الإعدام بتهمة الاشتغال بالسياسة.

وللدارس أن يدرك ما تضمنه البستان من "أزهار الشوك".. فهو يقدم باقات ورد، ولكنها محشوة بالشوك، وذلك هو ثمن المسؤولية. ولنا أن ندرك هذا الحس النضالي الذي يكتب به أبو اليقظان، والذي لا يترك شاردة ولا واردة إلا تناولها بقلمه "البوسعادي الماضي" (نوع من السكاكين يصنع في مدينة بوسعادة الجزائرية) من ذلك هذه "الطرفة": "ارتقاء صادف محله". ومما جاء فيها: ((ارتقت جمعية السيارات التي تكفلت بحمل المسجونين من السجن إلى المحكمة، بجعل سيارة عصرية، كما ذكرت الجرائد الفرنسية. ونحن نقول لهؤلاء المساجين، أما آن لهم أن ينزقوا في أفعالهم حتى لا يكون سجنهم عن قتل، ونهب، وسلب، وضرب، إنما يكون من أجل الذود عن وطنهم المقدس)).

إن هذه الطريقة في التوعية، بواسطة الجناس، والتوليد تمثل منهجا أدبيا، أصبح شائع الاستعمال... وعلى سبيل المثال يمكن أن نسوق نفس الأسلوب المستخدم من القاص المصري المعروف إحسان عبد القدوس.. فهو في قصته الرمزية "في بيتنا رجل" نجده يلجأ على لسان أبطال قصته إلى نفس منهج أبي اليقظان فيسوق على ألسنتهم الرسوم التالية ((يمثل المشهد شبابا سياسيا مصريا، داخل السجن، وهم يتبادلون النكت، فيضيق بذلك حارس السجن "الشاويش" الذي ينهرهم مطالبا إياهم بالكف عن التهريج، ولكن أحد المساجين يرد على "سيادة الشاويش" بعبارة واحدة بكرة ياشاويش تترقى، وتصبح سجين مثلنا)).

إن الأمثلة على هيام أبي اليقظان بالقضية الوطنية هي من الكثرة بحيث يصعب إحصاؤها، لأنها لا تكاد تخلو منها أية مقالة من مقالاته، وإن الدارس المنقب عن ذلك لا يجد عناء في الوقوف عندها فهي تتخذ الكناية الرمزية أو التلميح أحيانا، ولكنها في معظم الأحيان تلجأ إلى الإبانة والتصريح. وهل أدل على ذلك، من عناوين قصائده، وخاصة في ليل الاستعمار الحالك مثل: "السجن مجمرة تفوح بها قيم الرجال"، "في الجهاد الوطني"، "ألا هل من نهضة"، "الشعب يستغيث"، "ماضاع حق وراءه طالب"، نكبة الجزائر المسلمة في صحافتها الحرة" وغيرها كثير.

ولنأخذ أبياتا من قصيدته "في الجهاد الوطني" واصفا فيها معاناة دمشق، على أثر ضرب الجنرال الفرنسي ساراي لها بالقنابل في عام 1926.. ومما جاء في القصيدة:
وأشد عرش العلا رغم البلايا
يومه، داسته أقدام الرزايا
حكم بالشنق لـه إلا مطايا
لم يقـدم سلفا تلك الهدايا
وهو لم يطلع لها تلك الثنايا
ابن صرح المجد عن اس الضحايا
إنما الدنيا جهاد مــن ينم
ليس حكم النفي والسجن ولا الـ
أيّ شعب نال مــا نال إذا
أيّ شعــب نـال حريته


إلى أن يختم قصيدته بهذه الحكمة الخالدة:
فرّ منه الخصم في قعر الزوايا
خفـقت رايته أبدى المزايا
إن للحــق زئيــرا إن دوى
إن للحــق لسلطـانا إذا


على أن للسياسة الجزائرية في مفهوم أبي اليقظان، مقومات وخصوصيات، لا تستقيم إلا بها، وهي مـا أصبح يعرف في لغة العصر بالثوابت، وأهمها الدين، واللغة، والوحدة الوطنية... فكيف عالج هذه الثوابت، في ظل الظروف السائدة آنذاك؟

5- الإسلام: يتخذ الإسلام في مفهوم أبناء المغرب العربي، المعنى الحضاري الشمولي للدين، فهو لا ينحصر في طقوس، أو معاملات خاصة، أو عبادات محصورة في أزمنة معينة، وإنما الإسلام يأخذ هذا البعد الثقافي الذي تنصهر فيه العروبة والإسلام فتغدوان لحمة واحدة. وذلك ما نجده عند علماء الإصلاح في الشمال، وهو ما وجدناه أيضا عند علماء الإصلاح في الجنوب. وهذا أبو اليقظان، يتبنى نفس المنهج، حين يربط بين الإسلام، واللغة، والجزائر مقتديا في ذلك بشعار:
وإلى العروبة ينتـسب
شـعـب الجـزائر مسلـم


لذلك نجد أبا اليقظان، يؤكد على مبدإ كون الإسلام هو الاسمنت الذي به تلتحم القومية بالوطنية، وهو العامل الأساسي في صيانة الوحدة الوطنية، وإنقاذها من الشتات، والفرقة. من هذا المفهوم نجده، ينحى باللائمة على أبناء وطنه وعقيدته فيتعجب من فرقتهم في حين يجتمع أعداؤهم أعداء الإسلام ضدهم ((... يـا لله العجب، أيتألب أعداء الإسلام، ويتحدون على تقويض معالمه، وبينهم فراسخ من اختلاف اللغات، والأديان، والمذاهب، والمنازع، والمشارب. ونختلف نحن على صيانته، وحمايته، والذود عن بيضته، ودفع الكيد والأذى عنه، وقد جمعت بيننا روابط الوطن، واللغة والدين، ووحدت بين أهوائنا علائق المصالح والآلام؟ وحدوا صفوفكم رعاكم الله، وأجمعوا جهودكم، وضموا قواكم، وسيروا إلى الأمام بقلوب مفعمة إيمانا ونفوس طافحة صدقا وإخلاصا، فإن الحالة حرجة للغاية، والأمر في شدة الخطر)).

وعندما يجيل أبو اليقظان بصره في واقع الأمة الإسلامية، لا يضره أن تأتي الزوابع والعواصف ضد الإسلام والمسلمين من أعداء الإسلام الفرنسيين، كصحيفة "ليكو دالجي" (صدى الجزائر) ومن كاتبة فرنسية كـ "مدام سـيلاربي"، وإنما هو يشهر سيفه على أقوام من بني جلدتنا ((تحدروا من أصلاب يجري فيها دم الإسلام، ولكنهم ينحازون إلى صف أولئـك الخصوم، يتكالبون معهم ضد الإسلام باسم التجديـد العصري)).

إنهم "رواد" العلمانية اللائكية الإلحادية في الشرق والغرب الذين يصفهم أبو اليقظان بقوله: ((وقد تـولى قيادة الكتائب مصطفى كمال وأشياعه في "الأناضول" فبدأ أولا بإلغاء الخلافة الإسلامية من أصلها، ثم ثنى بإعلان اللاتينية، وتبديل أحكام الإسلام بأحكام سويسرية، ثم هبت هذه الزوبعة في مصر يثيرها علي عبد الرازق، وطه حسين، وسلامة موسى وغيرهم... وأصبح دعاة التجديد يحدثون كل يوم حدثا في الإسلام من مسألة تعدد الزوجات إلى الطلاق، إلى الحجاب، إلى الإرث، إلى التجنيس، إلى الطعن في القرآن واللغة العربية)).

وبالرغم من أن الحادثة التاريخية لا تتكرر كما يقول علماء الاجتماع، وأنك لا تستحم في النهر مرتين على حد قول الفلاسفة، فإن التاريخ قد يعيد نفسه طبقا لمقولة الحكمة العربية.

فالذي يقرأ تاريخ الجزائر المعاصر، وتاريخ الأمة العربية الإسلامية، يدرك، بلا مشقة تشابه الطروحات، وتماثل دعاة العلمانية فهم يمثلون مشكلا قديما متجددا من حيث الكيد للإسلام، والضيق بالمؤمنين به والعاملين في حقل دعوته. غير أن القراءة المتأنية للأحداث، ومحاولة الغوص في مدلولاتها ومعانيها، تكشف ببساطة عن الملقنين المتوارين خلف ستار المسرحية.. الماسكين بخيوط الستائر.. إنهم شرذمة من بقايـا الاستعمار، كانوا وما يزالون يراهنون على القضاء على كل المقومات الروحية للإنسان المسلم حتى يسهل عليهم إفراغه من مضمونه الصحيح ولقد تنبه إلى هذا أبو اليقظان في الماضي، فرفع قلمه محذرا ((بأن الاستعمار الفرسي خطر كله.. ولكن أي خطر أشد من ذلك الذي يهدف أساسا إلى [القضاء على] المقومات الروحية دينا وجنسية)).

وعلى غرار ما كان في الماضي من المؤامرات الخارجية على الإسلام، والتي ما تزال خيوطها تنسج إلى اليوم، فإن الصورة القديمة تغدو نفسها في مجتمعنا المعاصر، حيث أن الإسلام لا يعاني من العدو الخارجي فحسب، وإنما يعاني أيضا من العدو الداخلي وهو ما عبر عنه أبو اليقظان بالجمود الفكري. لذلك نجده يجهر بالكتابة، بأنه إذا كان ((مفروضا على الصحفي المصلح أن يلاحق كل أنواع الانحراف، فإن مقاومته تكون أوكد وأشد، لذلك الانحراف الذي يتستر بتعاليم الإسلام، ويتخذ من كتب السلف حجة يقف عندها مشلول التفكير والإبداع.. إن هذا النوع من الانحراف المتمثل عند طائفة من المتعصبين المتزمتين أضحى في بعض وجوهه أشد خطورة على الجزائريين من المبشرين المسيحيين)).

ويمضي أبو اليقظان مفصلا ما غمض في هذا المجال فيذكر بأن ((العامة من طبعها الحذر من غير المسلمين لاعتقادها فيهم أنهم أعداء الإسلام دائما وأبدا، في حين قد لا تتفطن [العامة] -جهلا أو حسن نية- لما يمليه عليها أولئك المتعصبون من أفكار وآراء ولما يروجونه في حلقاتهم من خرافات عصور الانحطاط، والجمود على ما تركه الآباء والأجداد، والرضى بالواقع والركون إليه دون تغيير أو تحوير)).

هكذا تبدو المعركة التي خاضها المصلحون قديما على جبهتين جبهة الكيد الخارجي، وجبهة الكيد الداخلي تبدو هذه المعركة ذات امتداد طويل ما تزال خيوطها تحاك اليوم، وبدهاء أكبر، وبوسائل أحدث وإذا كان الإسلام قد خص بهذه "العناية" من طرف خبث أعدائه، وجهل أبنائه، فإن لغة الإسلام لم تكن أحسن حظا من الإسلام في النيل منها، والكيد للقضاء عليها.. وذلك مجال آخر خاضه أبو اليقظان وباقي المصلحين في إطار جهادهم الوطني المصيري.

6- اللغة العربية: حظيت اللغة العربية في فكر أبي اليقظان بمكانة متعددة الجوانب.. فقد وقع تناولها كمفتاح للعقيدة الإسلامية، فأضفى عليها نوعا من القداسة، وعولجت بوصفها لغة حاملي الحضارة الإسلامية للعالم، فاكتسبت بذلك طابعا شموليا إنسانيا خلصها من كل نزعة عصبية شعوبية ضيقة.

ووقع الاهتمام بها أيضا كأداة خطاب بلاغي جعل الكاتب يهتم بمحسنات أسلوبها، وتجديد مقومات بنائها، ثم كانت عملية الذب عنها، والعمل على تحصينها من محاولات الانتقاص أو الاختزال، أو الإذابة..

من هذه الجوانب كلها يمكن تناول علاقة فكر أبي اليقظان باللغة العربية، وهي جوانب تبرز مدى سعة الفكر اليقظاني، بيانا وتبيينا، لتكون العربية فيه هي واسطة العقد.

ولا عجب إذن أن تكون جلّ مقالاته حاملة لهذا المعنى، الذي يجعل من العربية أداة وصل بين الإسلام بمفهومه الحضاري، والعروبة بمعناها الثقافي والعقدي، لتصوغ كلها مفهوما أعمق وأدق لمدلول الوطن الجزائري ذي البعد التاريخي الحضاري الخالد...

نقرأ هذه المعاني كلها في مقالاته العديدة، مثل "بشرى لكم يا عشاق اللغة العربية" و"اللغة العربية غريبة في دارها" و"الوحدة العربية وكيف تكون" و"التمدن الممسوخ" ففي مقالة "اللغة العربية غريبة في دارها" يؤكد أبو اليقظان على فكرة أساسية هي أن من أبرز مظاهر الاعتزاز باللغة العربية أنها لغة القرآن الكريم فهي عنصر أصيل في تكوين هذه الشخصية، لا يقوم بنيانها بغيرها، ولا تكتمل ذاتيتها إلا بها، ولكنها غريبة في ديارها. مضيق عليها بين أهلها، حتى أصبحت لغة القوم رطانة غريبة تختلط فيها مفردات من الفرنسية والبربرية، والعربية، والعربية أقل الثلاثة حظا.

ويعزو أبو اليقظان سبب هذا الاهتزاز في الشخصية، إلى عوامل ثلاثة هي:

1- جهل المسلمين بقيمة لغتهم، وعدم اعتزازهم بها أمية وتخاذلا.

2-عدم رغبة الحكومة في وجودها والعمل على قتلها لأسرار تعلمها هي.

3- وهن القومية العربية واندماجها في القومية البربرية وعدم اعتبار هذه اللغة العربية مما يجب للإسلام من اعتبار.

وفي مقال آخر عن اللغة العربية يخرج أبو اليقظان بتبيان حقيقة اللغة العربية في الجزائر فينتهي إلى هذه النتيجة: ((إن اللغة العربية -كما لا يخفى- ليست لغة قومية خاصة، ولا لسان فئة ممتازة، بل هي لغة عالمية عامة، لأنها لغة دين عالمي عام ألا وهو الدين الإسلامي فهي لغة القرآن، ولسان السنة القويمة، وترجمان بليغ بين الأسلاف والأخلاف.. وأن مقاومتها، والسعي في إماتتها ليس مقاومة لها، ولا للعنصرية العربية فحسب، بل مقاومة للبشر كافة، وبني الإنسان أجمعين إذ لا سعادة حقيقية للبشرية بغير الإسلام ولا للإسلام حقيقة بغير اللغة العربية)).

بهذه النظرة الشمولية، عالج أبو اليقظان قضية اللغة العربية في الجزائر، فخلصها بذلك مما يحاول بعض المغرضين حصرها فيه، وهي أنها لغة قوم أو قومية ضيقة، نازعين منها أقدس مقوم ألا وهو المقوم الإسلامي، ومحررا إياها أيضا من الخانة الاستعمارية التي تحاول أن تقدمها للناس على أنها لغة عبادة في المسجد لا تراوح ذلك. في مواجهة هذه الأباطيل كلها جاءت صرخات أبي اليقظان لتخرس ألسنة المفترين، ولتوقظ عزائم النائمين.

ولعل مما نسوقه من شعره هو كثير في هذا المجال أبيات نقتطعها من قصيدته العصماء التي ألقاها في تدشين مدرسة الحياة الجديدة والتي مطلعها:
وفوزا خالدا بعد الممات
بنجلك نحو مدرسة الحياة
وحفظ كتابنا ذي المعجزات
وهل بسواه ساد بنو الشراة
إذا ما رمت عزا للحـيـاة
فخذلك سلما للعلم وانهـض
تعلم ديننا الحنفي سـمـحا
وعلم لساننـا العربي طبـعا


ولا نغادر مجال اللغة عند أبي اليقظان دون التطرق إلى أسلوبه الأدبي، وتوظيف هذا الأسلوب في حمل المعاني، وبث الوعي بطريقة ذكية جدا في ضمائر بني وطنه وأطرف ما يساق في هذا الصدد، نقتطفه مما جاء على لسان عصفوره وبإمضاء فلاح البستان: ((سألت عصفوري ذات يوم عن أمر جاش في صدري وكان العصفور ذكيا، شيطانا، فأجابني عنه بما أقنعني وتركني باهتا لإصابة نظرته وهو: لماذا تكره النياشين، إذا رأيتها معلقة على صدور ذوي اللحى والبرانيس بأنواعها...؟ أرأيتم كيف أن مقدمة السؤال توحي بنوع معين من الإجابة، وإنما توضع المقدمة المنطقية التي يتفق عليها الجميع، وهي "كره هذه الشرذمة الممزقة من الأهالي" التي تمثل مسخرة اجتماعية تتجلى في النيشان الفرنسي، واللحية الإسلامية، والبرنوس الجزائري.

ويكون الجواب -على لسان العصفور- من نفس السؤال:

- عصفوري: نعم أكره هذا أكثر من رؤيتي الصياد وعلى كتفه بندقية ليقتنصني.

- ولماذا؟

-عصفوري: لأن هذه النياشين بلونها الأحمر تذكرني بجريان الدم في رقاب وحواصل إخوتي العصافير المذبوحة بيد الصياد، ولهذا أتشاءم منها كلما رأيتها أو سمعت عنها.

فقلت: صدقت -والله- أيها العصفور الحر، فلتعش حرا طليقا رغما عن الإنسانية المعذبة)).

هذه سبحات في قضاء فكر أبي اليقظان، وقد حقق بنا فيها عبر محطات متعددة الأرصاد لنحط أخيرا في المحطة الوطنية الكبرى ذات الأبراج العديدة: الإسلام، العروبة، الجزائر.

الخاتمة: وبعد.. فمهما منح الدارس لفكر أبي اليقظان من طول نفس، ومهما استخدم من منهجية علمية، فستتمرد على قلمه أفكار ومقالات، ومؤلفات شتى من انتاج هذا الرجل.

فقضايا اهتمامه أوسع من أن تحدها دراسة كهذه أو ملف كملف "الموافقات"... ذلك أنه بالرغم من قضايا الدين، واللغة، والوطن التي عبرنا عنها بثوابت القضية الوطنية والتي أبانت لنا الدراسة فيها عن جوانب المقاومة المختلفة وأساليب الخطاب المعرفي البليغ، إلا أن مواضيع أخرى هي أيضا جديرة بالبحث والدرس، لم يسعفنا الفضاء الزمني، ولا المساحة المكانية من إعطائها حظها من التحليل. فقضية فلسطين التي خصص لها كثيرا من إنتاجه، وقضايا المغرب العربي التي لا تكاد تخلو منها صحيفة من صحفه.

إلى جانب الآفات الاجتماعية كقضية التفرقة الجهوية والقبلية التي دبت في أوصال المجتمع الجزائري قديما على غفلة من حماة الثغر، وهاهي تطل اليوم برأسها كالأفعى في غياب الأطباء الحاذقين وكبار السحرة من آل موسى، كل هذه القضايا وغيرها كالاقتصاد الإسلامي، تحتاج إلى دراسة تحليلية مفصلة، لأنها بمثابة المشرحة التي عليها يمكن تشريح فكر أبي اليقظان، وتحليل نبوغ عبقريته. وحسبنا في ما نستخلصه كخاتمة أن نسوق نماذج من فكره في هذه الميادين، لنضيف إلى الصورة التي حاولنا رسمها عنه، جوانب مضيئة ومكملة للصورة الشاملة.

لنأخذ القضية الفلسطينية هذا الجرح الدامي في جسم الأمة العربية والإسلامية... إننا سنكتشف مدى صدق تنبؤات أبي اليقظان التي أوحى بها شيطان شعره منذ أكثر من ثلاثين سنة فما تزال القدس إلى اليوم في أيدي العابثين بمقدساتها:
ربوع القدس بين العـابثـــينا؟
تساومها جفاة مفلـسونا
يخالف خصمه فـي المـــسلمينا
للسلام بمجلس يدعى أمينا
ألا يا ليت شعري كيف تـــغدو
أيـرهقـها هزال الـضعف حتـى
وإن تعجب فاعجــب مـن عدو
وواطـأهـم على هـذا بغـاة


إلى أن يقول:
يعيش بجنـب قسمتها قرينا
ورهـطا من كبار الفاسقينا
لمائـدة الصفـاء يفاوضونـا
بعصر النور، أحيا يرزقـونـا
عن الأوطان ناس آمنـونـا
على طمس الحقيقة مجمعونا
ويعلن في فلسـطين سـلامـا
فنادى صفـوة العرب الكـرام
على أن يجلسـوا جنبـا لجنب
وأين دعاة حفظ الأمن هل هم
أباسم الرفـق بالإنسان يقصى
أباسم الحق والإنصـاف أنتم


إن هذه القصيدة لم تلق في حق اتفاق الحكم الذاتي، ولا في مجزرة الحرم الإبراهيمي، ولا في زمن حصار الفلسطينيين، وإنما ألقيت في عام 1965 أي منذ ثلاثين سنة، ومع ذلك ما تزال وقائعها ماثلة للأعين أمامنا إلى اليوم.

إن الروح اليقظانية الحارة التي كتبت بها قصيدة مأساة فلسطين، هي نفسها التي عالجت قضايا المغرب العربي. ولم يكتف أبو اليقظان بفتح أعمدة صحفه لكتّاب من المغرب العربي، كرمز لوحدة الجهاد، ووحدة المصير، بل راح بقلمه يبث الوعي في ضمائر أبناء هذا الجزء من الوطن العربي الكبير مبينا ضرورة توحيد الجبهة المقاومة للاستعمار الموحد القوى والصفوف.

في هذا المجال نجد الكاتب يوجه خطابه إلى زعيم الحزب الدستوري الشيخ عبد العزيز الثعالبي بعد أربع عشرة سنة قضاها في المنفى يقول له: ((لا يعزب عن مدارككم العالية أيها الأستاذ أن الشمال الإفريقي بعدكم قد تطور أطوارا، وخطا خطوات، وسار أشواطا... وفي وجودكم على رأس قوتيه [قوة الشيوخ وقوة الشباب] كفالة تامة لجمع أشلاء هذا الجسد وصيانته من عوادي التبديد والتمزيق، وجعله صفا متماسكا، متراصا، وقيادته إلى حيث المجد، والعظمة والكمال في دائرة العروبة والإسلام. ولكن نيل مطلب الوحدة، وبلوغ أمل توحيد النضال يبقى طريقا مزروعا بالأشواك وأولها أشواك التفرقة الجهوية والقبلية، والتي لابد من اقتلاعها للوصول إلى الهدف المنشود)).

لذلك يعبر أبو اليقظان عن هذه الأمة بمقال عنيف يحمل عنوان "نحن وأنتم" استهله بقوله: ((كفى..كفى.. أيها السادة من نحن.. ومن أنتم.. فقد جعل من قوتنا ضعفا، من كثرتنا قلة، ومن عزتنا ذلة، ومن غنانا فقرا، ومن علمنا جهلا. كفى كفى من قولكم هذا مالكي، هذا حنفي، هذا إباضي، هذا تيجاني، هذا قادري، هذا عربي، هذا قبائلي، هذا شرقي، هذا غربي... فقد فتح هذا بين صفوفنا المتراصة للغير ثغرات واسعة نفذ منها إلى نفوسنا، فأججَ نارها على بعضها وإلى قلوبنا فأفعمها حقدا على بعضنا، وإلى ألسنتنا فأنطقها ضد بعضنا، وإلى جموعنا فشتت شملها وإلى أموالنا فبددها، وإلى أخلاقنا فأفسدها، وإلى قوميتنا فأهانها، وإلى بلادنا فجاس خلالها وإلى ديننا فهتك حرمته أفبعد كل هذا نبقى في "نحن وأنتم")).

وما ينتهي إليه أبو اليقظان من كل هذا التشخيص هو الوصول إلى علاج ناجع يمكن به القضاء على كبرياء اليهود، انتقاما للشعب الفلسطيني، وتحقيقا للتضامن الوطني الاجتماعي والسياسي، ويتمثل هذا الدواء في إحداث اقتصاد إسلامي، يعيد للتاجر حريته باسم الإسلام، وللتضامن الوطني لحمته ويقضي على البنوك الربوية الاحتكارية، ويعيد للمسلم ماله، وحقه في المتاجرة والملكية، بعيدا عن الاحتكار اليهودي، والاستغلال الرأسمالي...

ولنتصفح مجرد عناوين المقالات، لندرك عمق الأزمة الاقتصادية التي حلت بالشعب الجزائري آنذاك، من ذلك مثلا: "تأثير الأزمتين السياسية والاقتصادية"، الأنانية وحب الذات وخطرهما على المجتمع"، "الانتحار التجاري"، "النفوس المائعة"...إلخ.

ربما كان أبو اليقظان من المصلحين القلائل الذين تفطنوا إلى أهمية العامل الاقتصادي الإسلامي في حياة مجتمع مسلم، مكبل بسلاسل الاقتصاد الاستعماري، ومن هنا كانت طريقة الطرح جديدة، على المجتمع وعلى العدو أيضا.

إن هذه الطريقة في المعالجة لكبريات القضايا الوطنية والعربية والإسلامية، هي التي بوأت أبا اليقظان هذه المكانة في تاريخ الجزائر الثقافي والإعلامي، وجعلت منه رائدا من رواد النهضة الإصلاحية في الجزائر، مع ما جلب له كل ذلك من قمع، وقهر، وتعسف، ولعل ذلك هو ما حدا بشاعر آخر هو رمضان حمود إلى مخاطبته بقوله:
في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
من جمرة الجوّ، أو من فتكة السفل
فسر ودع قول من خست مقاصده
شر البلاد، بلاد خاف ساكنـهـا


ورحم الله أبا اليقظان في الأولين والآخرين، وجعله مع النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا

مجلة الموافقات/ إصدار: المعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر. من ص303 إلى ص325.

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-12-2009, 05:48 PM   #3
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

على هامش الفكر النقدي

لأبـي اليقظـان

(1888-1973م)
أ. محمد زغينة

إن المتأمل في ديوان أبي اليقظان لا يملك إلا أن يقف متأنيا إزاء ذلك المدخل الذي صدر به ديوانه في الثلاثينيات من هذا القرن، حيث كانت النخبة الفكرية الجزائرية آنذاك تسير في فلك الغرب أو الشرق، بينما نجد شيخنا في هذا المدخل قد تميز، وتفرد عن أقرانه بما تناوله من أفكار -نزعم أنها جريدة- بالنسبة لفترته على الأقل، وبخاصة في الجزائر، وليس هذا الكلام مدحا للشيخ وإنما ننطلق من إنتاجه الذي ينطق بما نذهب إليه -حسب فهمنا- لهذا المدخل، إن تفحصناه، وتقصينا ما فيه من أفكار نقدية، نجد الرجل ينطلق في تعريفه للشعر من منطلق إيماني، فالشعر عنده ((وحي من الخيال على النفس)) فهو إلهام علوي "يثير النفس فإذا بها تهتز لا تستطيع حبس ما بداخلها، فتدفعه إلى اللسان الذي يرسله بدوره إلى الخارج -المتلقي- فإذا به نور مرسل من الشاعر ليضئ به بطون الليالي المقبلة -عبر العصور- مستشرقا المستقبل. فالشعر إذن روح يودعها الشاعر في شعره، ولا يتأتى لهذه الروح أن تتجلى إلا بقوة البيان "السحري" الذي يمتلكه الشاعر لقوله: ((الشعر نور يرسل الشاعر أشعته من نوافذه فيضئ بطون الليالي))، ولا يمكن أن تكون هذه العملية شعرا إلا إذا حركت "المتلقي" وهزته من الأعماق، وأحدثت فيه استجابة وتغييرا، سواء أكان ذلك العمل الإبداعي شعرا أم نثرا، أما "الشعر" الموزون المقفى الذي لا يقوم بتلك المهمة فهو نظم حسب رأيه.

ونستخلص مما سبق أن شيخنا يرى أن ماهية الشعر هي الروح أو الوحي، وأن منبع الشعر هو الخيال العلوي وليس الواقع أو إعادة تشكيل الواقع كما يذهب البعض، أي أن الرجل ينظر إلى الشعر نظرة مثالية من جهة، ومن جهة أخرى فإن شاعرية الشاعر لا يمكن أن تبرز إلى الوجود إلا إذا سبكها الشاعر بأسلوبه الخاص أي "بالبيان السحري".

ولعل شيخنا يريد أن يقول بأن الشعر من حيث الفكرة هو من قوى خارجية علوية، وأن ما يملكه الشاعر هو الصياغة الفنية، وهذا التعريف يشبه تعريف علماء الحديث للحديث القدسي ((أما المعنى من عند الله عز وجل يلقي إلى الرسول بكيفية من كيفيات الوحي، والألفاظ والصياغة من عند رسول e))، ومن جهة ثالثة فإن شيخنا -حسب فهمنا- يذهب إلى أبعد من ذلك، فالشعر في رأيه لا يتمثل في الوزن، والقافية فحسب، بل إن كل ما أثارك وحرك وجدانك، وجعلك تستجيب له، فهو الشعر، أم المنظوم الذي يقوم بتلك المهمة فليس بشعر.

أما وظيفة الشعر كما يراها شيخنا فهي تتجلى في ذلك الشعور الحي والإحساس الرقيق، والاهتزاز القوي الذي يحدثه هذا الشعر في المتلقي، مما يجعل جوارحه (المتلقي) تمتثل وتستجيب له، فالشعر إذن محرك، وموجه للإنسان، لأن الشاعر صاحب رسالة ربانية كما يراها صاحبنا، ولأن الشعر ميزان توزن به الأقوال، ومعرض تعرض فيه جلائل الأعمال، وحافظة لمآثر الإنسان على مر الأزمان.

فإذا كان ذلك هو الشعر، وتلك وظيفته فكيف يتلقاه المتلقي؟

يقول شيخنا: ((إن ذلك يكون عن طريق السمع، ومنه إلى النفس التي تستجيب له فيكوّن فيها إحساسا رقيقا، وشعورا حيا، ومنها ينتقل إلى القلب، فيحرك أوتاره، فتهتز أعصاب المتلقي، مما يجعل الجوارح تمتثل لهذا الشعر)).

يتبين لنا أن هذا التعريف لعملية التلقي، تعريف نفسي إذ يعتمد على الإثارة والاستجابة وهذا دليل على عمق ثقافة الشيخ وإلمامه ببعض العلوم والمناهج الحديثة. وبعد ذلك ينتقل بنا الشيخ إلى مذاهب الناس من الشعر، أي النقاد، حيث يستعرض جملة من الآراء وفق منهج نقدي محدد، مناقشا هذه الآراء بالحجج والبراهين، مما يدل على أنه متمكن من مادته، مستوعب لمنهجه، مسيطر على الموقف.

فالنقاد بالنسبة للشعر -حسب رأيه- أصناف، فالصنف الأول "منهم من يحكم بفساده -الشعر- ويرى أنه مظهر من مظاهر اللهو والغناء، والسخف والمجون ولأنه ينافي المروءة والفضيلة ولو كان حسنا لما تنزه عنه مقام الرسالة، فيرد صاحبنا على هذا الصنف ردا مقنعا ممنهجا إذ يقول: ((فإذا كان مافيه من سخف دليلا على فساده فالأولى أن يفسد النثر، ولنفضل العي على الفصاحة، والخرس على الكلام، لأن في النثر من ذلك ما يربو على مافي الشعر أضعافا من السخف والمجون... كما أن الحكم بفساد الشعر غير حجة على الشعر نفسه، وإنما نشأ عن عدم تثقيف الشعراء وتربيتهم تربية صحيحة، كما أن الحكمة من نفي الشعر عن الرسول e، ليست راجعة لفساد الشعر أو الكتابة، وإنما هي لإقناع البشر بأن ما جاء به الرسول e ليس شعرا وليس نثرا، وإنما من عند الله، إنه القرآن المعجز... وإن الذي يستروح بقوله تعالى: }فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي{ لفساد الكتابة، ومن ثم تعطيل وتوقيف دولاب حركة العالم.

أما الصنف الثاني حسب أبي اليقظان ((لا يحكم بفساد الشعر ولكنه يرى أنه فضل واشتغال بما لا يعني، ومدعاة للرياء، والفخفخة، فالزهد فيه أجدر، والتنزه عنه أولى))، وهكذا ينبري صاحبنا لهذا الصنف مناقشا إياه مناقشة علمية بحجج دامغة، قائلا: ((لو كان الشعر فضلة لكان النثر كذلك ولفضلنا كسر الأقلام، وكم الأفواه، وبذلك نصادر غريزة من غرائز الإنسان الطبيعية... ولأنهم إما عاجزون وإما حاسدون، فأولى أن يسكتوا وأن يبتعدوا عن هذا المجال فالرياء لا ينشأ من قول الشعر إنما يعود إلى قلة الإيمان وقلة اليقين، وأن الفساد لايزول بالهروب منه بل يزول بقطعه واستئصال جرثومته)).

وبعد هذا يخلص الشيخ إلى نتيجة حول هذين الصنفين فيرى أن هؤلاء ما ذهبوا هذا المذهب إلا لعجزهم في هذا المجال، ولا يدلوا بدلوهم فيما لا يحسنون، لأن الناس مواهب كل حسب ما أعطاه الله سبحانه وتعالى.

أما الصنف الثالث والأخير: فهو الذي يستحسن الشعر ((ويراه فنا من الفنون الجميلة التي لا تكتمل حياة الأمة إلا بها مادام القصد منه: إيقاظ الإحساس وتهذيب الشعور وتنمية العاطفة وتربية الوجدان وتنوير العقل، وتهذيب النفس وكبح جماحها وحملها على أغراض شريفة بأقصر طريق وألطف إشارة)).

وهذا الرأي الأخير هو رأي الشيخ في الشعر إلا أنه يختلف مع بعض المغالين الذين يوظفونه توظيفا لا أخلاقيا، مستغلين ذلك في إيقاد الفتن وزرع الإحن، ونشر الرذيلة؛ لأن شيخنا يرى أن الشعر ما وافق الفطرة الإنسانية فالأولى بهؤلاء أن يشكروا الله على النعمة التي أنعمها عليهم بدل الجحود والكفران لأن الله تعالى ((ما جعل في يده -الشاعر- دون سواه ذلك السلاح القوي الحاد إلا ليستعمله في درء مفسدة، ودفاع عن مصلحة، وكذلك قوله: ((الشعر فطرة فطر الله الناس عليها ونعمة جزيلة ما أسبغها عليهم إلا لمثل تلك الأغراض الشريفة، فاستعمالها في غير ما خلقت لها كفران وجحود بالنعمة واستعمال لقوة هائلة ضد المصلحة)).

وبهذا نرى الشيخ يقر بما يسمى بمذهب "الفن للفن"، -كما نرى في مجال التنظير- لكن نراه يشترط الالتزام بالفطرة السليمة، لأن هذا الالتزام في حد ذاته إيمان ذاتي لا يؤثر على حرية التعبير لأن مجرد هذا الالتزام هو خدمة للمصلحة العامة، وبتعبير آخر فلابد أن يراعي الشاعر ما يسمى بالمصالح المرسلة، وهذه نظرة من الشيخ لها مايبررها كمصلح ملتزم بشرع الله. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فهذه النظرة هي التي يدعو إليها كثير من الكتاب والنقاد المعاصرين: أمثال محمد قطب في كتابه منهج الفن الإسلامي، وسيد قطب في معظم كتبه وبخاصة في التاريخ فكرة ومنهاج، مهمة الشاعر في الحياة، ولا ننسى الدكتور عماد الدين خليل، ومن جهة ثالثة فهذا الفهم يجعل للشاعر رسالة اجتماعية إنسانية لأن ((المصلحة الاجتماعية في حاجة أكيدة إلى سكون هؤلاء وراجة أولئك)).

وبذلك ناقش الشيخ في هذا التعريف الأخير عدة مسائل -حسب فهمي- من أهمها مسألة الفن للفن، والفن للأخلاق، ومسألة الالتزام والغاية من الفن، وكان في مناقشته هذه صاحب فكر إيماني، إذ ينطلق من المصلحة العامة التي حددها الشارع ورسمها الشارع الحكيم للمؤمن، وبذلك يكون بمثابة معْلم بالنسبة لهذا الموضوع في مدخله، حيث يعترف بالفن للفن -كما قلنا سابقا- وذلك حين يقول عن أصحاب الأدب المكشوف: ((فهم وإن أصابوا من حيث الفن لكنهم أخطأوا من حيث الغرض))، كما يعيب على هؤلاء الذين يستعملون شعرهم في الانحلال وإشاعة البغضاء والفاحشة، بعدم الالتزام بفطرة الله لأنهم يستعملونها في غير محلها.

أما إذا تجاوزنا هذه النقطة ودخلنا مع أبي اليقظان إلى أقسام الشعراء فإننا نرى الرجل يعتبر الفروق الفردية من حيث المواهب والملكات حكمة إلهية، إذ بواسطتها ((يعلم الإنسان أنه ضعيف بنفسه محتاج لأخيه فيتكافل معه...وإن بلغ ما بلغ فهو عاجز ناقص، والمقدرة المطلقة والكمال المطلق له سبحانه وتعالى)) لأن هذا التفرد ما وهبه الله للإنسان اعتباطا، وإنما منحه لكي يكون في خدمة الآخر، ومن هنا يتم التكافل الاجتماعي؛ وبهذا نرى أن شيخنا يتفق مع علماء الاجتماع من حيث التكافل الاجتماعي ولكنه يختلف معهم من حيث المبدأ.

وبعد هذا يتعرض إلى عدة قضايا من أهمها قضية المطبوع والمتكلف، إذ يرى أن المتكلف ولد ميتا فنحن في غنى عنه، أما المطبوع فهو ((الذي يجد صاحبه من طبعه ميلا غريزيا للشعر واستعدادا فطريا للقريض فيحلق في سماء الخيال حتى يناجي الأفلاك، ويغوص في بحور كما تغوص الأسماك، يسيل الشعر من مخيلته منحدرا على الصفحات كما تسيل المياه من رؤوس الجبال إلى الرياض الزاهرات)).

فصاحبنا يؤمن بتدفق الشعور الحر، ومن جهة ثانية فهو يؤمن بصفاء الخيال والذهن والفطرة، والتفرد. فهو يؤمن أن يكون للشاعر طابع شخصي يلمسه القارئ ومن ناحية أخرى فإن الشاعر الموهوب يرى بأنه يقع له المد والجزر، وذلك حسب الظروف والأحوال النفسية، مما يدل أن الرجل يعترف كذلك بأثر المحيط في النفس وأثر ذلك على شعر الشاعر رغم أنه يرى من الوجهة الفكرية أن الشعر وحي لا دخل للشاعر فيه -كما قلنا سابقا- كما يلح من جهة أخرى على رسالة الشعر في الحياة مادام هذا الشاعر مطبوعا موهوبا، ليقوم بمهمة إنسانية في الحياة، لأن الله سبحانه وتعالى ما خلقه مهبط حكمته، وكشف له من الحقائق ما أخفاه عن غيره إلا ليعيش حرا عزيزا ومرشدا أمينا، لا عبدا مهينا ومضلا خائنا معطلا. فالشاعر عنده (بمثابة الرسول) إذ أن الله كشف له بعض الأسرار وخصه دون خلقه ليكون قائدا للأمة ومرشدا أمينا ومحررا لها من ربقة الاستعباد، فالشاعر ينافح عن الحق، ويُمكن له مما يتطلب منه الصدق والنزاهة وجمال الاستقامة، وأنه كلما بهذه الصفات كلما ازدادت قريحته نبوغا وانكشفت له أسرار العالم، فهو كالتقي الورع الذي يرى ما يراه غيره، بهداية من المولى عز وجل، يقول أبو اليقظان: ((بهذا تنمو ملكاته وتغزر مادته وتفيض قريحته كما يبشر به قوله تعالى: }لئن شكرتم لأزيدنكم{ ، وقوله: }والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا{ ، فالشعر عند شيخنا مقاصده نبيلة شريفة تقرب صاحبها من قمة الجلال والكمال الإنساني، والشعراء ((لو استقاموا في تعاطيه واتقوا الله في سلوك مناحيه مع أوتوه من البراعة الفائقة والخيال النادر والبيان الساحر لبلغوا به غاية الجمال ولرقوا به قمة الجلال والكمال، ولكانوا هم ملوك الشعوب والقلوب))، وهكذا نرى أن الاستقامة من أهم شروط الشعر عند شيخنا فهي ترفع الشاعر إلى عليين في رأيه.

ولعل هذا ما جعله يقسم الشعراء في أغراضهم الشعرية إلى أقسام ويعيب على أولئك الذين جعلوا من هذا الشعر وسيلة للتكسب أو الجاه أو الغريزة أو إيقاد الفتن، إذ يرى أن هؤلاء هبطوا بالشعر من عليائه، وجعلوا الإنسان في منزلة الحيوان، والحيوان في منزلة الإنسان المكرم، لأن هؤلاء (هم الذين شوهوا وجه هذه الصناعة الشريفة وفتحوا فيها ثلمة لنقد الناقدين، وطعن الطاعنين، وصاروا حجة عليها لا لها في نظر بعض الناقمين)).

ونتيجة لما سبق نراه يشترط في الشاعر العفة، والنزاهة وعلو الهمة والشهامة، وسعة الاطلاع، وصحة الخيال، وسلامة الذوق، وراحة البال والعقل، وصفاء الذهن، واجتماع الهمة، وإقبال النفس مما جعله يلتقي مع الأقدمين وبخاصة أبي تمام في وصيته للبحتري، وكذلك آراء محمد تباطب في كتابه عيار الشعر، غير أن شيخنا يضيف شرطا أراه ذا أهمية وهو اطمئنان الخاطر وراحة البال لكي تستقبل مرآة خياله هذا (الوحي الخارجي) ويرتسم فيها، وكأن بمخيلة الشاعر -في رأيه- (ردارا) مستقبلا يستلزم الأحوال الجوية الصافية، ومن ثم يقوم بتحويلها إلى الجمهور، يقول الشيخ: ((أن يكون مطمئن الخاطر مرتاح البال، غير مشغول بما يشوه مرآة خياله التي يجب أن تكون في غاية ما يكون من النقاوة والصفاء لترتسم فيها الحقائق وتترآى له فيها اللطائف والدقائق حتى يتسنى له أن يولد من دماغه العرائس الغواني من المعاني ويكسوها حللا شفافة من المباني، ويزفها للقلوب قبل الآذان وللنفوس قبل اللسان)).

وهذا ما جعله ينصح بالابتعاد عن قول الشعر في حالات الغضب والهيجان والمشاحنات والحوادث المهولة المؤثرة ((لأن قوة الخيال ترسب تحت مطاوي هذه الأمواج المتلاطمة العظيمة)).

فشيخنا عمم أكثر مما يجب إذ أن بعض الشعراء تهزهم الأكدار والهموم فيقولون الشعر في أحرج الأوقات، وتكون قصائدهم أقرب إلى الصدق منها إلى التكلف لأن الباعث على قول الشعر ليس شرطا أن يكون في حالة الراحة النفسية فحسب، وإنما قد يكون في حالات أخرى، وهذا ما يذهب إليه الشيخ في مكان آخر إذ يقول: ((وهو لايكتب إلا في موضوع له باعث نفساني وداع إليه وجداني... فإن خير الكتابة ما كانت عن شعور وإحساس وتأثر وحماس... لأن ما يخرج من القلب يدخل في القلب)).

ثم يناقش قضية أخرى وهي ما يمكن أن نسميها الواقعية في الفن حيث يقول عن الشاعر الموهوب الملتزم ((يجسم الحقائق بمنظار مكبر ومسمع مجهر برائع الخيال، وأقرب تشبيه وأحسن استعارة، وأدق كناية وألطف إشارة حتى يجعلها كأنها ترى بالعين وتسمع بالأذن وتلمس باليد))، فحالات الصفاء هذه تجعل الشاعر يعيش الواقع فيصوره أحسن تصوير بحيث يجسم بخياله الخلاق المبدع تلك المعاني، ويكسوها بأسلوبه الجميل فتغدو من عرائس الشعر، لأن الشاعر تنعكس في مرآة خياله حقائق علوية أو واقعية لايراها كل الناس فيدخل عليها من خياله وصياغته لتخرج مولودا جديدا يهز القلوب ويدهش العقول بانسجامه وتوازنه. وحيويته حين تتشابك الألوان لتجسم لنا تلك الصور الشعرية الصافية حسب رأيه.

وخلاصة القول: إن شيخنا يرى للشعر جناحين أساسيين لا ينهض إلا بهما معا وهما: جناح علوي وجناح إنساني ميكانيكي، فالجناح العلوي هو ذلك الإلهام الإلهي الذي خص الله تبارك الشاعر به دون غيره، وهو نعمة تلهم الشاعر دقائق الأمور وجلائل الأعمال، حيث يكون منارة تلتقط تلك الأمواج والصور الموحاة إليه، وجانب ثان هو الجناح الإنساني الميكانيكي؛ وهي تلك الألوان التي يضفيها الشاعر على هذا الوحي من حيث الصياغة والانسجام والتنسيق وإقامة الوزن، فيكون الشعر روحا من حيث المنبع صنعة من حيث النظم؛ ورحانية الشعر تستلزم من صاحبها القدوة الحسنة والعفة والطهارة مما يجعله يرتفع إلى القيم الجمالية الكبرى، وبذلك يحرك الشعر الأعصاب الهامدة ويهز الأنباض الخامدة ويلحم ما تصدع من قلوب، ويداوي جروح المجتمعات والأفراد، وينمي عاطفة الصداقة والوداد ويحي النفوس الميتة ويصون الكرامة ويبعث على الاعتبار والاستبصار، لأن الشعر حسب شيخنا غريزة الإنسان وقبسة من نور الله لذا على الشاعر أن يكون شكورا لهذه النعمة.

وبذا نرى صاحبنا قد استطاع أن يرسم لنفسه منهجا محددا واضحا يعتمد على التحليل والتعليل والتفسير، مما أكسب منهجه النقدي سمة علمية مقبولة لدى المتلقي، على الرغم من تلك الظروف التي كان يعيشها الشعب الجزائري عامة والمثقفون منه بخاصة، كما لا نغالي إذا قلنا إن شيخنا يعد من الرعيل الأول الذين استطاعوا أن يضعوا أيديهم في عصر النهضة على ما تعارف عليه فيما بعد الدارسون (بالأدب الإسلامي)، حيث نظر لهذا الشعر منطلقا من الأصالة التراثية، ملتزما بالمناهج الحديثة مما جعله رجلا من رجالات الأمة التي استطاعت أن تواجه الغزو الفكري الاستعماري بكل أشكاله يوم كانت اللغة العربية في الجزائر شبه غريبة عن أهلها وديارها؛ تلك إحدى الخصال الحميدة التي تحسب لشيخنا وإخوانه الرواد الذين بذلوا الجهود المضنية في الذود عن حياض الأمة مما جعلهم معرضين لسهام المستعمر، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن البحث في مثل هذا الموضوع يكشف لشبابنا هذا الزاد الذي يقيهم من الغزو الثقافي ويرشدهم إلى سواء السبيل، ومن جهة ثالثة نرجو من مثقفينا أن يعودوا إلى كنوزنا فيستخرجوها لتكون معلما لبعض التائهين الذين تنكروا لهذا التراث أو للذين يجهلونه.

الموافقات/ع5/س5/1417هـ-1997م، من ص359 إلى ص366

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-12-2009, 05:57 PM   #4
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

المقـال التفسيـري الهـدائـي

من جـمال الدين الأفـغاني
إلى إبراهيم أبي اليقظان
أ‌. محمد دراجي

تمهيد: إن القرآن الكريم هو مصدر الهداية، وسبيل النجاة وطريق السعادة، من تمسك به نجا ومن أعرض عنه فإن له معيشة ضنكا، وهو مصدر التشريع الأخلاق، والعلم والعمل يقول أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات في أصول الشريعة: ((هو كلية الشريعة وعمود الملة وينبوع الحكمة وآية الرسالة ونور الأبصار والبصائر، وأنه لاطريق إلى الله سواه، ولانجاة بغيره ولاتمسك بشيء يخالفه)) وإذا كان هذا هو موقع القرآن الكريم بالنسبة لبنية الفكر الإسلامي العامة فإن الشاطبي دعا إلى ضرورة تدبر آياته والعمل بأحكامه خصوصا لمن رام الانخراط في صفوف أهل العلم فقال رحمه الله: ((وإذا كان كذلك لزم من رام الاطلاع على كليات الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي، نظرا وعملا لا اقتصارا على أحدهما، فيوشك أن يفوز بالبغية وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول)).

ولقد أدرك الراسخون في العلم سلفا وخلفا، قديما وحديثا مكانة هذا الكتاب الكريم في العملية التجديدية التي تستهدف بناء الشخصية الإسلامية المتكاملة وبناء المجتمع الفاضل القائم على الخير والحق والعدل، وبعث الحضارة الإسلامية التي تزاوج بين المادة والروح، بين الفردية والجماعية.

والسبيل إلى هذا كله حسن الفهم لهذا الكتاب وحسن التفهيم ولكي يصل الإنسان إلى حسن الفهم فلابد من تحصيل جملة من الشروط العلمية والتحصيلية، وهي التي يسميها العلماء بالشروط التي يجب توفرها في المفسر وقد بلغ بها بعضهم إلى سبعة عشر علما.

وأما حسن التفهيم فيشترط له حسن الفهم أولا ثم مراعاة حال المخاطبين وحال العصر (الزمكانية) وهذه هي وظيفة العلماء المجددين الذين أخبر عنهم رسول الله e فيما رواه عنه أبو داود في سننه وغيره أنه قال: {إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها}.

الحركة الإسلامية السلفية الحديثة والدعوة إلى التجديد في علم التفسير: إذا كان علم التفسير في الاصطلاح كما عرفه العلماء هو: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية بمعنى أنه العلم الذي يعنى أصحابه بالمعاني التي تضمنتها آيات الوحي، على قدر الطاقة البشرية.

فإن هذا العلم له مرتبتان، المرتبة الأولى لا يجاوز أصحابها حل الألفاظ وتفسير غريبها وإعراب الجمل وبيان ما يحتويه هذا القرآن من نكت البلاغة وقواعد النحو، وأما المرتبة الثانية، فيتجاوز أصحابها هذه الحدود، ويجعلون هدفهم الأعلى تجلية هداية القرآن وتعاليمه، وحكمة الله فيما شرع للناس من أحكام على وجه يجتذب الأرواح ويفتح القلوب، وهذه المرتبة هي الخليقة باسم التفسير.

والحركة الإسلامية السلفية الحديثة قد أدركت بأن المسلمين قد ابتعدوا كل البعد عن هداية القرآن وتوجيهاته في السياسة والاقتصاد، والاجتماع والتربية، والفكر والتشريع، وجهلوا سننه الاجتماعية في تغيير المجتمعات، وبناء الحضارات، وهذا كله سر الركود الحضاري الذي عاشه المسلمون قرونا طويلة، فشاع التخلف وتعددت مظاهره، فانبرى السلفيون المحدثون لتغيير الأوضاع وتجديدها والأخذ بأيدي المسلمين من أجل الخروج بهم من دائرة التخلف.

وفي مقدمة هؤلاء المصلح المجدد، والسياسي الثائر، السيد جمال الدين الأفغاني باعث الشرق وزعيم الحركة الإسلامية الحديثة، الذي وإن كان قليل التأليف فإنه بث في النفوس روحا حية، انتفع الشرق وأهله ببعضها وسوف ينتفع بأجمعها فإنه قد جعل القرآن الكريم محور مشروعه الحضاري المتميز فقال رحمه الله: ((القرآن وحده سبب الهداية والعمدة في الدعاية أما ماتراكم عليه وتجمع حوله من آراء الرجال واستباطاتهم ونظرياتهم فينبغي ألا نقول عليه كوحي وإنما نستأنس به كرأي... ولا نحمله على أكفنا مع القرآن في الدعوة إليه وإرشاد الأمم إلى تعاليمه... وتفسيره وإضاعة الوقت في عرضه)) ولكن كيف يكون القرآن سبب الهداية والمناهج المتبعة لفهمه تحول دون المسلمين وانتفاعهم بهذه الهداية، ولذا عاب السيد جمال الدين الأفغاني على المفسرين القدامى اعتناءهم بالمماحكات اللغوية والكلامية، وابتعادهم عن النظر في القرآن من حيث هو صالح لقيادة الحياة واحتواء الحقائق الكونية والاجتماعية والأخلاقية فيقول رحمه الله: ((القرآن القرآن وإني لآسف إذ دفن المسلمون بين دفتيه الكنوز وطفقوا في فيافي الجهل يفتشون عن الفقر المدقع... وكيف لا أقول وا أسفاه وإذا نهض أحد لتفسير القرآن فلا أراه يهيم إلا بباء البسملة ويغوص، ولا يخرج من مخرج حرف صاد الصراط حتى يهوي هو ومن يقرأ ذلك التفسير في هوة عدم الانتفاع بما اشتمل عليه القرآن من المنافع الدنيوية والأخروية -مع استكماله الأمر على أتم وجوههما- فعم الجهل وتفشي الجمود في كثير من المتردين برداء العلماء حتى تخرصوا على القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية الثابتة والقرآن برئ مما يقولون)).

وإنها لثورة على المناهج التفسيرية التي تحجب على المسلم نور القرآن وهدايته، لأنها تغرقه في مباحث لفظية وكلامية، ومصطلحات غريبة يصعب عليه فك مغاليقها وحل رموزها، تحول دون الوصول إلى هداية القرآن والانتفاع بتعاليمه، فقال مستنكرا: ((انصرفنا عن الأخذ بروح القرآن والعمل بمعانيه ومضامينه، إلى الاشتغال بألفاظه وإعرابه والوقوف عند بابه دون التخطي إلى محرابه، وإنما نحن اليوم حملنا مع القرآن ألفاظا ومناقشات حول أحكامه فرضية، واستنتاجات ليس في مصلحة البشر ولا هي من وسائل هدايتهم إلى الإيمان به، وأضفنا إليه من الشرح والتفسير مالا يحصل له سوى الإغراب وإرضاء العامة)).

فالمفسر في نظر السيد جمال الدين الأفغاني لايقوم بدرس تطبيقي لقواعد الإعراب أو نكات البلاغة على نصوص القرآن الكريم، وإنما وظيفته الحقة أن يقتلع مارسخ في عقول المسلمين من أفكار خاطئة ومفاهيم مزيفة عن الحقائق الدينية، وأن يحيي تلك التعاليم في نفوس المسلمين، أو بعبارة أخرى يجب أن نبني الشخصية الإسلامية المتكاملة والمجتمع الإسلامي الفاضل المتوازن، فقال رحمه الله: ((إن حركتنا الدينية هي كناية عن الاهتمام بقلع مارسخ في عقول العوام ومعظم الخواص من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها، مثل حملهم نصوص القضاء والقدر على معنى يوجب عليهم ألا يتحركوا إلى طلب مجد أو تخلص من ذل، ومثل فهمهم لبعض الأحاديث الشريفة الدالة على فساد آخر الزمان أو قرب انتهائه فهما يثبط هممهم عن السعي وراء الإصلاح والنجاح في نظير ذلك مما لاعهد للسلف الصالح به فلابد من بعث القرآن وبعث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور وشرحها لهم على وجهها الثابت من حيث تأخذ بهم إلى مافيه سعادتهم دنيا وأخرى)).

وإذا كانت ظروف التنقل بين حواضر العالم الإسلامي وعواصم العالم العربي واشتباكه المباشر مع الاستعمار على أكثر من جبهة، ومقارعته للاستبداد السياسي الذي كان جاثما على صدر الأمة الإسلامية، قد حالت دون أن يكتب السيد جمال الدين الأفغاني تفسيرا للقرآن على ضوء قواعد المنهج الذي أكثر من الدعوة إليه وبيان أسسه وفوائده، فإنه اكتفى بكتابة مقالات في العروة الوثقى هي كلها تفسير وشروح لآيات من الكتاب العزيز، تعكس إلى كبير المنهج الذي يريد توضيحه كل التوضيح، لأنه كان يأتي إلى تلك الآيات ويتحدث عن السنن الإلهية فيها، ويربط بينها وبين واقع المسلمين ليبرز البون الشاسع بين ما دعا إليه القرآن وما يعيشه المسلمون، وعدد هذه المقالات سبع عشرة مقالة منها:

1- }ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير{.

2- سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا{.

3- إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد{.

وهذه المقالات (السبع عشرة) يتجلى فيها المنهج الهدائي في التفسير بوضوح فهي دعوة لفهم القرآن كما يجب من أجل تحقيق الاستخلاف في الأرض الذي وعد الله به عباده المؤمنين الذين يعبدونه ولايشركون به شيئا وهي كذلك دعوة إلى بعث مجد الإسلام الضائع واسترداد سلطانه السليب، فكانت أثرا إيجابيا في شخذ الهمم وصقل المواهب للانطلاق من القرآن لبناء حضارة القرآن، ويحدثنا العلامة محمد رشيد رضا عن الأثر الإيجابي الذي أحدثته مقالات العروة الوثقى في نفسه، وكيف أنها أخرجته مما كان يعيش فيه من حيرة واضطراب كبيرين. كما رسمت أمامه طريق العمل الإسلامي واضحا لذي عينين فقال رحمه الله: ((وفي أثناء هذه الحال الغالبة علي ظفرت يدي بنسخ من جريدة العروة الوثقى في أوراق والدي، فلما قرأت مقالاتها في الدعوة إلى الجامعة الإسلامية وإعادة وجه الإسلام وسلطانه وعزته، واسترداد ماذهب من ممالكه وتحرير مااستعبد الأجانب من شعوبه، أثرت في قلبي تأثيرا دخلت به في طور جديد من حياتي وأعجبت جد الإعجاب بمنهج تلك المقالات في لاستشهاد والاستدلال على قضاياها بآيات قرآنية من الكتاب العزيز، وماتضمنه تفسيرها مما لم يحم حوله أحد من المفسرين على اختلاف أساليبهم في الكتابة ومداركهم في الفهم)).

وإذا تبين لنا هذا علمنا بأن الدكتور فهد الرومي في كتابه "منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير" قد جانبه الصواب ولم يحالفه التوفيق في الحكم الذي أطلقه في حق هذه المقالات، إذ جزم بأنه لاعلاقة لها بالتفسير فقال: ((وقد صدر السيد جمال الدين سبع عشرة مقالة من خمس وعشرين مقالة بآية أو آيتين من القرآن الكريم اعتقدها بعضهم شرحا وتفسيرا وليس كذلك فقل أن يعرض في المقالة للآية المصدرة)).

وهذا الحكم رغم خطورته وبعده عن الصواب فإنه نتيجة طبيعية للصورة التي يحملها هذا الباحث عن السيد جمال الدين فهو في نظره: شخصية غامضة مليئة بالأسرار متآمر على الخلافة الإسلامية ماسوني، كاذب مخادع وغيرها من التهم المختلفة الباطلة التي يريد مروجوها النيل من شخصية السيد جمال الدين الأفغاني يتجاوب في ذلك الحمقى والمغفلون من مرضى التدين من المسلمين مع الحقد الصليبي الاستعماري ضد المناوئ الأول للاستعمار في العصر الحديث على المستويين السياسي والفكري ولانجد ردا أفحم لهذا الادعاء العاري عن الدليل من قول الأفغاني رحمه الله: ((فلابد إذن من بعث القرآن, بعث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور، وشرحها على وجهها الثابت، من حيث يأخذ بهم إلى مافيه سعادتهم دنيا وأخرى)).
وكمثال على تجلته للهداية القرآنية ودعوة المسلمين إلى العض عليها بالنواجذ، لأن صلاحهم الديني والدنيوي متوقف على الأخذ بها والوقوف عند حدودها، قوله معلقا على الآية الكريمة: }إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم{.

((أرشدنا الله سبحانه في محكم كتابه إلى أن الأمم ما سقطت عن عرش عزها ولا بادت ومحي اسمها من لوح الوجود إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنها الله على أساس الحكمة البالغة إن الله لا يغير مابقوم من عزة وسلطان ورفاهة وخفض عيش وراحة وأمن حتى يغير أولئك القوم مابأنفسهم من نور العقل، وصحة الفكر، وإشراق البصيرة، والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة والتدبير في أحوال الذين جاروا عن صراط الله فهلكوا وحل بهم الدمار، ثم لعدولهم عن سنة العدل وخروجهم على طريق البصيرة والحكمة، حادوا عن الاستقامة في الرأي، والصدق في القول والسلامة في الصدر، والعفة في الشهوات والحمية على الحق والقيام بنصره والتعاون على حمايته، خذلوا العدل ولم يجمعوا هممهم على إعلاء كلمته، واتبعوا الأهواء الباطلة وانكبوا على الشهوات الفانية، وأتوا عظائم المنكرات، خرات عزائمهم فشحوا ببذل مهجهم في حفظ السنن العادلة، واختاروا الحياة في الباطل على الموت في نصرة الحق، فأخذهم الله بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين)).

ولم يكتف السيد جمال الدين الأفغاني بهذا الجهد على أهميته في التفسير، وإنما تفطن إلى خطورة الاتجاه المنحرف في التفسير الذي لم يراع أصحابه القواعد المنهجية واللغوية في فهم نصوص القرآن الكريم، ويعتبر هذا الاتجاه المنحرف في التفسير نتاجا للغزو الثقافي المدمر الذي يمثل الواجهة الأخرى للاستعمار العسكري الذي اجتاح بلاد المسلمين واستعمرها، لأن من أهم الوسائل التي راهن عليها الاستعمار لإضعاف المسلمين واستذلالهم هي إيجاد جيل من المفكرين الممالئين له، وبما أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للفكر الإسلامي فقد ظهر هذا الاتجاه الفكري في ميدان التفسير على يد أحمد خان الهندي.

ولكن المناوئ الأول للاستعمار الحديث تفطن إلى هذه الخطة الخبيثة، فنبه المسلمين إلى خطورتها وفضحها وبين سوءتها، وحقيقة الداعين إليها فقال رحمه الله: ((فلما خاب أمل أولئك الحكام الجائرين في الوسيلة الأولى وطال عليهم الأمد في الاستفادة من الثانية نزعوا إلى تدبير آخر في نزع الإسلام من أرض الهند أو إضعافه لأنهم لايخافون إلا من المسلمين أصحاب ذلك الملك المنهوب والحق المسلوب فاتفق أن رجلا اسمه (أحمد خان بهادر) كان يحوم حول الإنجليز لينال فائدة منهم، فعرض نفسه عليهم وخطا بعض خطوات لخلع دينه، والتدين بالمذهب الإنجليزي وبدأ الأمر بكتابة كتاب يثبت فيه أن التوراة والإنجيل ليسا محرفين ولا مبدلين لينال بذلك الزلفى عندهم، ثم راجع نفسه فرأى أن الإنجليز لن يرضوا عنه حتى يقول: إني نصراني وأن هذا العمل الحقير لا يؤتى عليه أجرا جزيلا، خصوصا وقد أتى بمثل كتابه ألوف القسس والبطارقة وماأمكنهم أن يحولوا من المسلمين عن الدين إلا أشخاصا معدودة، فأخذ طريقا آخر في خدمة حكامه الإنجليز بتفريق كلمة المسلمين وتبديد شملهم فظهر بمظهر الطبيعيين ونادى بأن لاوجود إلا للطبيعة العمياء وليس لهذا الكون إله حكيم ((إن هذا إلا الضلال المبين... وكتب أحمد خان تفسيرا على القرآن الكريم فحرف الكلم عن مواضعه وبدل ما أنزل الله...)).

وقد نهج السيد أحمد خان في تفسيره للقرآن على مذهبه الطبيعي، فطبق آياته على أساس طبيعي يناقض تماما القول بالمعجزات وخوارق العادات ولهذا جعل النبوة غاية تحصل وتكتسب عن طريق الرياضة النفسية فهي غاية إنسانية طبيعية وطريقها طريق إنساني غير خارق للعادة، ومن باب ممالأة الأنجليز فقد أضعف فرضية الجهاد في الوقت الحاضر بل دعا إلى ما يسمى (إنسانية الأديان) التي تنمحي عندها كل الفوارق بين الأوطان والقوميات والمذاهب والأديان.

وأحمد أمين وهو من المعجبين بالسيد أحمد خان، إذ عده من زعمان الإصلاح في العصر الحديث وشبهه بالشيخ محمد عبده، لما تلكم عن منهجه في التفسير لم يتورع عن وصفه بالمتطرف فقال: ((وأخذ يفسر القرآن ويدعو إلى أن إذا فهم فهما صحيحا اتفق مع العقل، وأن النظر الصحيح فيه يوجب الاعتماد على روحه أكثر من الاعتماد على حرفيته وأنه يجب أن يفسر على ضوء العقل والضمير وتطرف أكثر من ذلك فقال إن الوحي كان بالمعنى دون اللفظ)).

وإذا تبين لنا هذا الأمر على حقيقته بوضوح وجلاء، فإنه لايهمنا وصف المستشرقين لأحمد خان بهادر بأنه كان مجددا وأنه قد طور حركة التفسير القديمة إذ يقول جولدزيهر: ((قد أدخل السيد أحمد خان تفسيرا شاملا للقرآن في مجموعة كتبه التي ألفها لتأسيس مذهبه الإسلامي الجديد، وقد دلنا ميلنا المذهبي في تفسير القرآن على اتجاهه إلى إثبات مبدأ النسخ في القرآن..)).

والخلاصة أن جمال الدين الأفغاني يعد مؤسس الاتجاه الهدائي في التفسير في العصر الحديث واتخذ لتحقيق ذلك الغرض قالبا يلائم روح العصر وهو طريقة المقال التفسيري، وهكذا كانت مقالات العروة الوثقى أول محاولة حديثة يستشهد فيها المفسر بالنص القرآني على فكرة سياسية واضحة وهي أن القرآن هو أساس وجود المسلمين ووسيلة انطلاقتهم نحو استرداد مجدهم الضائع فقال رحمه الله: ((وما دام القرآن يتلى فيهم وفي آياته مالا يذهب على أفهام قارئيه فلن يستطيع الدهر أن يذهلهم)).

وقد تبنى الاتجاه الهدائي في التفسير، من بعد الأفغاني رحمه الله تلامذته وعارفوه والمتأثرون بفكرة الإصلاح في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه، فأينع ذلك الغرس واشتد سوقه واستغلظ وآتى أكله وغاظ به الكافرون ففي المشرق تبناه الإمام المصلح المجدد الشيخ محمد عبده (1850-1905) والعلامة الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935).

وفي المغرب الإسلامي، تبناه العلامة محمد الطاهر ابن عاشور في تونس (1973) وفي الجزائر تبناه الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس (1889-1940) والشيخ إبراهيم بيوض (1899-1981) والشيخ إبراهيم أبو اليقظان (1973).

الشيخ أبو اليقظان إبراهيم: إنه من أبرز الشخصيات التي مثلت الاتجاه الهدائي في التفسير في الجزائر، وأبلت البلاء الحسن من أجل إيضاح الهداية القرآنية وربط الناس بها من أجل أن يخرجوا من نير الجهل، ودياجير الظلام، وجاهدت بالكلمة الصادقة -وأنعم بها من جهاد- خطابة وكتابة، من أجل بعث تعاليم القرآن في النفوس الخربة لتحيا بها، وتوجيه المجتمعات الميتة إلى توجيهات الكتاب الكريم لتحركها وتبعثها من خمودها وهمودها، ومقارعة الاستعمار وأسبابه التي أوجدته، وإفرازاته التي تمكن له من أجل البقاء، نجد العلامة أبا اليقظان إبراهيم رحمه الله تعالى.

أبو اليقظان والمقال التفسيري الهدائي: لقد كان إبراهيم أبو اليقظان كغيره من رجال الحركة الإصلاحية الحديثة، سلفيا يؤمن بأن الحل لكل المشكلات التي يعيشها العالم الإسلامي في القرآن الكريم وأن هذا الكتاب الذي أخرج خير أمة للناس في الماضي قادر على أن يكرر المعجزة اليوم بشرط أن يحسن فهمه وتطبيقه، فكتب في جريدته "النبراس" مقالا تحت عنوان "القرآن بين الأمس واليوم، واجب المسلمين العظيم نحو كتابهم الكريم".

أوضح فيه بأن القرآن الكريم هو روضة الأطفال ومدرسة الشباب وجامعة الكهول ودائرة معارف الشيوخ، والمستوصف المجهز بالآلات والأدوات المشخصة لجميع الأمراض، وهو مادة الواعظ، ونور المرشد والكاتب والخطيب، بل هو دستور الحياة لايخص نفعه مكانا دون مكان ولا يقصر فضله على زمان دون زمان، ثم أعطى صورة واضحة عن مكانة القرآن في نفوس السلف الصالح الذين وعوا هذا الكتاب فسادوا وشادوا وكانوا خير الأمم وأفضلها وهو بهذا يريد أن يبكت الخلف الذين زهدوا في الكتاب وهجروه، فقال رحمه الله: ((منذ نزول هذا الكتاب العظيم والمسلمون في مختلف البلاد والعصور يتسابقون لحفظه، يتباهون بتلاوته، يتفاخرون بالتجمل به، يتبارون في دراسته يتنافسون في حل مشكلاته وفك معضلاته، واستخراج كنوزه، والغوص عن جواهره ولآليه، وهم على ماهم عليه من العظمة والمنعة والعزة والثروة العظيمة من رجال العلم والحكمة والأدب والسياسة والاقتصاد.

ولكي يكون لكلامه هذا وقعا في النفوس وقبولا في العقول، فإن الشيخ إبراهيم أبا اليقظان قدم نماذج من تاريخ أسلافنا الأماجد تعبر بصدق عن مدى تعلق هؤلاء رجالا ونساء على حد سواء بهذا الكتاب وحبهم له وتفانيهم في تدبر آياته وتفهم معانيه فقال رحمه الله: ((ومما يحكى في هذا الصدد: أنه في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية بالأندلس، يوجد في حارة واحدة بقرطبة مائة وخمسون فتاة يحفظن القرآن عن ظهر قلب حفظا صحيحا لو نسخ من إملاء إحداهن القرآن من أوله إلى آخره لما كانت من إملائها نقطة من الغلط...)).

وما أورد الشيخ أبو اليقظان هذا المثال النموذجي على اعتناء السلف بالقرآن إلا ليبرز المفارقة العجيبة بين السلف والخلف في هذا الموضوع الخطير، ولذا طرح السؤال التالي: ماذا أصبح هذا الكتاب بيننا؟.

وهذا السؤال هو العنصر الرئيسي في مقال الشيخ أبي اليقظان، لأن هدفه هو تذكير الأمة الإسلامية بمدى تقصيرها في حق هذا الكتاب، وكيف أنها لم تبؤحه المكان اللائق به فقال رحمه الله: ((آه إنه ليجمد القلم، وتجف المحبرة، وتقف حركة الدم في العروق من بيان مبلغ العقوق الذي قابل به أبناء هذا الزمان كتابهم العظيم أمر والله يدهش العقول ويحير البصائر ويزلزل النفوس. أصبح هذا الكتاب المبين لدى جمهور المسلمين وحاشا القليل منهم كمصحف في بيت زنديق كأثقل ضيف في نفس مادر، وأشد لكنة في لسان باقل، وأكبر كلل في سف امرئ القيس بلغت زرايتهم به إلى أن يرمي به كمال الأرض قائلا: ما أخر المسلمين وأسقطهم في الحضيض إلا هذا وهو الذي استنصر بالأمس فنصره)).

ويصور الشيخ أبو اليقظان بأسلوبه الصريح الآثار السلبية الناجمة عن الإعراض عن كتاب الله تعالى فيقول: ((إن ظاهرة الزهد في القرآن والإعراض عنه، وصم الآذان عن عظاته، وتعصيب الأعين عن عبره، وعقد الألسن عن تلاوته وثني الصدور عن وعيه، وتنفير النفوس عن الورود عن حياضه، كل هذا دليل قاطع على قرب خراب العالم وفناء الأرض...) وكيف لا يكون خراب العالم ولا تفنى الأرض إذا أعرضت البشرية عن مصدر السعادة الأبدي وهو القرآن الكريم، وصدق الله تعالى إذ يقول: }ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ...{.

وخلاصة تفسير هذه الآيات أن المولى تبارك وتعالى توعد من خالف أوامره وما أنزله على رسله وأنبيائه من وحي وشرائع، وتجاوز حدود الله وتعداها، بالحياة الضيقة النكدة، قال العلامة ابن كثير: ((فلا طمأنينة ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره لبس ما شاء، وأكل ما شاء، وشكن حيث شاء، فإن قلبه مالم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة))، وما هذا الجزاء في الحياة الدنيا مضافا إليه جزاء الآخرة وهو حشره يوم القيامة أعمى إلا لأنه أعرض عن آيات الله الواضحات الباهرات، وهذا هو جزاء كل مسرف كذاب لآيات الله في الدنيا والآخرة.

ومما يؤكد الخط الإصلاحي الذي يستمد مفاهيمه من القرآن الكريم عند الشيخ إبراهيم أبي اليقظان، مقاله الذي نشره في صحيفة الفرقان تحت عنوان "ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا" وهو المقال الافتتاحي للعدد الأول، وفي تصدير أبي اليقظان للعدد الأول لهذه الصحيفة ب "الفرقان" أكبر دليل على إيمان أبي اليقظان بأن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، وهي الفكرة الأساسية التي آمن بها دعاة التجديد الإسلامي في العصر الحديث مشرقا ومغربا.

وكيف أنهم المصلحون- أرادوا توظيف القوة الروحية للمسلمين في مواجهتهم للعدو الصليبي الحاقد، وقد قال أبو اليقظان في هذا المقال مؤكدا هذه الفكرة موضحا لها مايلي: ((...بهاته الآية الكريمة أتوج هذه الجريدة، القوية في إيمانها الشريفة في غايتها... في هذه الآية لو عقلت البشرية دواء البشرية... ابسط أمامك خريطة الكرة الأرضية أمة أمة واستعرض مشاكلها ... مشكلة مشكلة .. وانظر أي قرار تتردى إليها الإنسانية وفي أي ظلام تتخبط فيه البشرية فهل تجد لديك من سبب غير فقدان ذلك الشرط الأساسي -تقوى الله- يجهد المفكرون، وجبابرة العقول نفوسهم وهم مزودون بثروة صائبة من الكليات والجامعات ومن الخزائن العقيدة فرادي ومجتمعين لحل مشاكل الإنسانية الحاضرة ولكنهم حيث فقدوا ذلك العقار الوحيد فهم لايخرجون من مشكل إلا إلى مشاكل، ولاينتهون من معضلة إلاإلى معضلات فمن تناحر الدول العظمى وتطاحنها، وتنافسها في التجهيزات الحربية، ومن فوضى اختلال التوازن بين الأمم، ومن تدهور في الأخلاق إلى أسفل من حضيض العجماوات ومن أزمات مالية خانقة مما ترك كل يوم يرحم أمسه ويلعن غده ولماذا هذا كله لفقدان ذلك العقار...)).

ومضى الشيخ أبو اليقظان في مقارنة وضع المسلمين اليوم مع وضع الصحابة حين اتبعوا النبي محمد e وهم قلة يخافون أن يتخطفهم الناس ولكن الفرق الكبير بين مسلمي اليوم وهؤلاء الصحابة الكرام، هو (تقوى الله) فهم الصحابة بها جعل الله لهم فرقانا خرجوا من الظلمات إلى النور، ومسلموا اليوم بمحاربتهم الله قيض لهم شيطانا أخرجهم من النور إلى الظلمات.

وهكذا فإن إبراهيم أبا اليقظان قد جعل من القرآن الكريم منطلق تفكيره الإصلاحي ورأىبأن أمراض المسلمين على تعددها وتفاقمها لايوجد حلها ودواءها الناجع إلا في هداية القرآن الكريم، ومن مجتهد في إبراز بعض مظاهر الهداية القرآنية عند الشيخ أبي اليقظان من خلال مقالاته الصحفية المتنوعة:

الدعوة إلى الوحدة ونبذ الفرقة: إن القرآن الكريم حافل بالآيات الكريمات، والتوجيهات الإلهية الداعية إلى أن يكون المسلمون يدا واحدة على من سواهم، يقوم بذمتهم أدناهم، وعد الله تعالى هذا من أكبر نعمهم عليهم، يقول الله تعالى:}واذكروا نعمة الله عيكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون{.

ويقول الحق تبارك وتعالى: }إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله{ ، ويقول تعالى: }ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم...{ ، وقال تعالى: }...لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم...{ ، وغيرها من الآيات التي تؤكد أن الأساس المتين الذي تبنى عليه دعائم المجتمع الإسلامي الفاضل هو أساس الإخوة والاتحاد، وأن منشأ الأمراض في المجتمع الإسلامي إنما هو داء الفرقة والعصبية، والنعرات المذهبية والطائفية.

ولذا فإن رسول الله لما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وشرع في إقامة المجتمع وبناء الدولة، فإنه أول ماقام به بناءه المسجد لتعميق الإيمان في القلوب، وتعليم العقول ما تحتاجه من الثقافة والعلم والفقه، وربط أرواح المؤمنين بخالقها وبارئها، لأن أحسن ضامن لحسن التطبيق للقوانين والشرائع هو وجدان الإنسان وضميره، كما آخى بين المهاجرين والأنصار وجعل هذا العقد أهم من رابطة الدم والنسب والقرابة، إلى درجة أن التوارث كان يتم بموجبه لاغير، ولم ينسخ هذا الحكم حتى نزل قوله تعالى: }وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا{ فأصبح التوارث بسبب القرابة والرحم.

ولقد تفطن المصلحون في العصر الحديث إلى أن داء الأدواء وعلة العلل إنما هو انقسام المسلمين وتفرقهم إلى طرائق قددا، ولذا فإن أساس الإصلاح الدعوة إلى التوحيد والوحدة لأن الإسلام يقوم على دعامتين لاتغني إحداهما عن الأخرى وهما: كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة، ولقد عبر المصلح الثائر جمال الدين الأفغاني بواقعية عن تحقيق الوحدة الإسلامية اليوم بقوله: ((لا ألتمس في قولي هذا في الدعوة إلى الوحدة أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا، فإن هذا ربما عسيرا، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهه وحدتهم الدين، وكل ذي مالك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائه)).

وفي الجزائر خاصة بعدما حط الاستعمار رحاله هنا، فإنه بذل قصارى جهده وفي شتى المجالات من أجل بعث النعرات الطائفية، والعصبيات الجهوية، لأضعاف هذا الشعب وإذلاله، واستنزاف خيراته وثرواته ولكن الله قيض للجزائر رجالا ردوا كيد الاستعمار في نحره وحموا هذا الشعب من شروره، ومن هؤلاء أبو اليقظان الذي كان مجاهدا بالكلمة من أجل الدين والوطن، فأنشأ عدة صحف من أجل بث الوعي الصحيح ومحاربة الأوهام ومقارعة الاستعمار، وكانت هذه هي رسالته الصحفية ولذا قال عن الصحافة: ((بأنه يجب أن لاتشحن أعمدتها بالفضول والسفاسف ومالا يفيد، أو تعمر الفراغ بالقذف والشتم، وقلب الحقائق وغش الأمة والتزلف لأرباب الوجاهة لغايات سافلة)).

وبالمقابل يجب على الصحافة ((السعي في تكوين الأمة تكوينا صحفيا من حيث الأخلاق الفاضلة، والتفكير الصحيح، وذلك بمقاومة الأوهام، والرذائل، وبث روح الوئام والتفاؤل بين المتساكنين على خطة الإسلام ضمن الكتاب والسنة وآثار السلف)).

وفي مقدمة الوعي الصحيح نجد مسألة الوحدة الوطنية التي سعى الاستعمار إلى القضاء عليها، لأنه إذا وفق في القضاء على هذا المقوم الخطير من مقومات هذه الأمة تأتي له تحقيق بقية الأهداف بسهولة ويسر، ولما كانت وسيلته في ذلك بث النعرات والعصبيات، هاهو الشيخ أبو اليقظان يحذر أبناء هذا الشعب من مغبة السير في ركاب الاستعمار فيقول: ((أيها الجزائري الماجد، اعلم أن القطر الجزائري مدينة واحدة تاريخية، مسورة بسور واحد وهو الإسلام، وسكان دورها هم سكانه، فلا يمنع إنحياز كل في داره، ومحافظته على مميزات عائلته فيه سائر سكان المدينة من التعاون والتعاضد على جلب المصلحة لها، ودرأ المضرة عنها، فإن مصلحة المدينة هي مصلحة ديارها، ومضرتها هي مضرتها إذا أقبل النهار فإلى الجميع وإذا هجم الليل فعلى الجميع)).

فالعقلاء قديما وحديثا لايرون في المميزات والخصائص الخاصة بكل طائفة من مجموع الطوائف المكونة لشعب أمة من الأمم معولا من معاول الهدم والتفريق، وإنما يعتبرون ذلك مصدر ثراء وتنوع في الكل الموحد، وهذه نظرة قرآنية صميمة إذ يقول الحق تبارك وتعالى: }وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا{.

وفي مقال للشيخ أبي اليقظان تحت عنوان "نحن وأنتم" أوضح بأنه ما أجج نار الفتنة إلا الاستعمار وما استفاد من فرقتنا أحد سواه فقال مناشدا الجزائري بالكف عن الدعوة إلى التفرقة ((كفى، كفى أيها السادة من ، نحن وأنتم، فقد جعلتم من قوتنا ضعفا ومن كثرتنا قلة، ومن عزنا ذلة، ومن غنانا فقرا، ومن علمنا جهلا، كفى، كفى من قولكم هذا مالكي، هذا حنفي، هذا إباضي، هذا تيجاني، هذا قادري، هذا عربي، هذا قبائلي، هذا شرقي، هذا غربي، فقد فتح هذا بين صفوفنا المتراصة للغير ثغرات واسعة، نفذ منها إلى نفوسنا فأجج نارها على بعضنا، وإلى قلوبنا فأنعمها حقدا على بعضنا، وإلى جموعنا فشتت شملها، وإلى أموالنا فبددها وإلى أخلاقنا فأفسدها، وإلى قوميتنا فأهانها وإلى بلادنا فجاس خلالها، وإلى ديننا فهتك حرمته... أفبعد كل هذا نبقى في "نحن وأنتم".

فنحن وأنتم يجب أن يزول من الأذهان وأن ينمحي من الذاكرة، لأن مصلحة الوطن فوق جميع المصالح، ومصلحة الوطن في اتحاد جميع طوائفه ضد المحتل الأجنبي الدخيل، ولما كان اليهود وراء كل جريمة وهزيمة، فإن اليهود في الجزائر في ظل الاحتلال كانوا وراء الفتنة التي حدثت بين الإباضية والمالكية في مدينة قسنطينة عام 1934م، فكتب أبو اليقظان فاضحا دسائس اليهود، وسعيهم الدؤوب لايقاد نار الفتنة بين أبناء الدين الواحد والبلد الواحد، فقال رحمه الله: [حذار أيها المسلمون من استغلال اليهود لحسن نيتكم، ولشده حاجتكم واختلاف منازعكم فيضرب بعضكم بعضا، ويركب بعضكم رقاب بعض، فيرقص اليهود على مصائبكم ومناحتكم سرورا وطربا، ويضحكوا شماتة وسخرية من بلاهتكم وغفلتكم.

... نحن على يقين بأن اليهود ولاسيما يهود قسنطينة منهم، لن يهدأ لهم بال ويلذ لهم عيش إلا عندما يرونكم تخربون بيوتكم بأيديكم مبددي الشمل، مفرقي الكلمة، مهدمي الشرف، مداسي الكرامة، ولبلوغكم هذه الغاية السافلة تراهم هذه الأيام يجزون بين المسلمين بمجامر من الفلفل)).

وهكذا ظل الشيخ أبو اليقظان في كل مقالاته الصحفية يدعو إلى محاربة أسباب الفرقة، وإلى الأخذ بأسباب الوحدة، لأنه كان -كغيره من المصلحين- شديد الإيمان بأنه لن تقوم للأمة قائمة إلا إذا كانت الوحدة شعارا لها وهدفها الأسمى الذي تسعى لتحقيقه.

ولم يكتف أبو اليقظان بالدعوة إلى الوحدة الوطنية فحسب، وإنما كان من دعاة الجامعة الإسلامية، لأن المسلمين وإن تباعدت أوطانهم واختلفت ألسنتهم وأجناسهم فهم أمة واحدة ، يقول تعالى : }وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون...{، فكان يتألم كثيرا لتفرق شمل المسلمين واختلاف كلمتهم، فكتب جملة مقالات ضمنها شحنة من آلامه ومعاناته تلك واختار لها عناوين موحية، تشد القارئ إليها وتجعله يوم بعملية مراجعة ذاتية من مثل:

1- "الإسلام يحتضر، والمسلمون يهزلون".

2- "الإسلام بين شقي المقراض".

3- "أمات الرجال أم رفع القرآن".

4- إنما المؤمنون إخوة".

وفي مقاله الأخير هذا استنفر المسلمين عامة الوقوف في وجه أعداء الإسلام، وتعجب كيف يتحد أعداء الإسلام على ضرب الإسلام والمسلمين على ما بينهم من اختلافات وتناقضات، ويختلف المسلمون على حقهم بالرغم من أن أسباب الوحدة كلها قائمة ومتوفرة فقال رحمه الله: ((يا لله العجب أيتألب أعداء الإسلام ويتحدون على تقويض معالمه وبينهم فراسخ من اختلاف اللغات والأديان والمذاهب، والمنازع والمشارب، ونختلف نحن على صيانته وحمايته والذود عن بيضته، ودفع الكيد والأذى عنه وقد جمعت بيننا روابط الوطن واللغة والدين ووحدت بين أهوائنا علائق المصالح والآلام؟ وحدوا صفوفكم رعاكم الله، وأجمعوا جهودكم، وضموا قواكم، وسيروا إلى الأمام بقلوب مفعمة إيمانا ونفوسا طافحة صدقا وإخلاصا، فإن الحالة حرجة للغاية، والأمر في شدة الخطر)).

وإذا كان كيد الأعداء أمرا مفهوما فالأمر المثير للدهشة والاستغراب عند الشيخ أبي اليقظان هم دعاة التجديد العصري الذين رموا مسخ أحكام الشريعة باسم التجديد وضرورة تتبع سنن الأوروبيين في كل شيء، شبرا بشبر وذراعا بذراع، من أمثال مصطفى كمال أتاتورك، وطه حسين، وعلي عبد الرزاق، وسلامة موسى، وأمثالهم أصحاب الأقلام المسمومة والأفكار القاتلة والصحف المأجورة التي تهدد الكيان الإسلامي فقال في مقال له: ((وقد تولى قيادة الكتائب مصطفى كمال، وأشياعه في (الأناضول) فبدأ أولا بإلغاء الخلافة الإسلامية من أصلها، ثم ثنى بإعلان اللاتينية وتبديل أحكام الإسلام بأحكام سويسرية ثم هبت هذه الزوبعة في مصر يثيرها على عبد الرزاق، وطه حسين وسلامة موسى وغيرهم… وأصبح دعاة التجديد يحدثون كل يوم حدثا في الإسلام من مسألة تعدد الزوجات إلى الطلاق، إلى الحجاب، إلى الإرث، إلى التجنيس إلى الطعن في القرآن واللغة العربية..)).

فالوحدة السياسية لاتتحقق إلابالوحدة الفكرية والشعورية والسلوكية، والإسلام هوقوام الوحدة الفكرية والشعورية والسلوكية، وهذا ما يفسر محاربة الشيخ أبي اليقظان لدعاة التجديد على الطريقة الأوروبية ويفسر لنا تعلقه الكبير بالمصلحين دعاة الجامعة الإسلامية ولذا فإنه لما بلغه نعي العلامة الشيخ رشيد رضا سنة (1935) حزن عليه كثيرا وكتب مقالا مما جاء فيه: ((...كيف لا يحزن كل فرد من أفراد أربعمائة وخمسين مليونا من المسلمين وقد سقط ذلك المنار الذي كان يرسل أشعته إلى قلب كل مسلم. نحن إذا بكينا رشيدا فلسنا نبكي لموت شخصه فإن الشخص إذا لم يمت اليوم مات غدا ولكننا نبكي ونرتجف لموت مؤسساته الكبرى، ونحن معاشر المسلمين قد أصبنا بمرض التواكل والاعتماد في جليل أحوالنا وحقيرها على الغير، نحيا حياة الانفراد لانكترث بالمؤسسات العامة حتى إذا مات أحدنا ماتت مؤسساته معه واكتفينا في فقدانه بقولنا ثغرة لاتسد إلى يوم القيامة)).

وهكذا عاش أبو اليقظان هموم العالم الإسلامي بكل مشاعره إيمانا منه بالوحدة الإسلامية، ولذا قاوم جاهدا الاستعمار كما قاوم التيارات الفكرية الملحدة التي غزت العالم الإسلامي وبلاد المسلمين عن طريق بعض المفرنجين أو المنبهرين بالغرب، وتجاوب بكل مشاعره مع التيار الإسلامي الإصلاحي ورأى فيه المخرج لكل البلايا والرزايا التي يئن تحتها المسلمون.

مقاومته التبشير المسيحي: إن الاستعمار أحقاد وأطماع تلك حقيقته التي لامرية فيها، وعليه فلا يمكن نفي البعد الصليبي عن الاستعمار الحديث، وعن الاستعمار الفرنسي للجزائر خاصة، إذ صح قادة الحملة الاستعمارية أن من جملة أهدافهم التي جاءوا لتحقيقها نشر المسيحية في الجزائر، إذ قالوا للقسيس الذي وافق حملة الغزو: ((إنكم جئتم معنا إلى هنا لتفتحوا من جديد أبواب المسيحية في إفريقيا)).

وكان الجنرال BUDGE يجمع الأطفال الأيتام ويذهب بهم إلى القسيس ويقول له: ((حاول يا أبت أن تجعل منهم مسيحيين وإذا فعلت فلن يعودوا إلى دينهم ليطلقوا علينا النار)) ، وقد قام الكاردينال لافيجري بحملة واسعة في هذا النطاق وقد حدد سياسته بالقول: ((علينا أن نجعل من الأرض الجزائرية مهدا لدولة مسيحية تضاء أرجاؤها بنور مدينة منبع وحيها الإنجيل...تلك هي رسالتنا)).

وعند احتلال مدينة قسنطينة عام1837م فقد حول قادة الحملة الاستعمارية أجمل مسجد فيها إلى كنيسة وقال سكرتير الجنرال بيجو في كلمة له: ((إن أيام الإسلام قد دنت وفي خلال عشرين عاما لن يكون للجزائر إله غير المسيح، ونحن إذا أمكننا أن نشك في أن هذه الأرض تملكها فرنسا فلا يمكننا أن نشك بأي حال من الأحوال أنها قد ضاعت من الإسلام إلى الأبد، أما العرب فلن يكونوا رعايا لفرنسا إلا إذا أصبحوا مسيحيين جميعا))، وقال لافيجري: ((علينا أن نخلص هذا الشعب ونحرره من قرآنه، وعلينا أن نعنى على الأقل بالأطفال لننشئهم على مبادئ غير التي شب عليها أجدادهم فإن واجب فرنسا تعليمهم الإنجيل)).

وقد اعتمدت فرنسا في سبيل تحقيق هذا الهدف على المبشرين الذين تسموا "بالآباء البيض"، ولقد تفطن المصلحون ومنهم الشيخ أبو اليقظان إلى خطورة ما يقوم به المبشرون فأخذتهم الغيرة على قرآنهم ودينهم ولغتهم وقوميتهم فانبروا لهؤلاء المبشرين يفضحون خططهم ويكشفون دسائسهم ومكرهم.

فالشيخ أبو اليقظان بذل قصارى جهده من أجل إقناع عموم الناس بأن هؤلاء هم يد الاستعمار بل هم وجهه الآخر، فكتب جملة مقالات فضح فيها مكايدهم واختار لها عناوين دقيقة من مثل "يتقمصون في تبشيرهم"، "تنبهوا أيها الغافلون" ، "حركة التبشير في العالم الإسلامي" ، "الإسلام بين شقي المقراض" ، "ماذ يريد المبشرون بالمسلمين؟".

حاول فيها إيقاظ النائمين وتنبيه الغافلين من المسلمين عن الخطر الذي يحدق بهم، وعن الشر الذي تكيله تلك الجمعيات التبشيرية للناشئة الإسلامية، إذ تستهدف القضاء على عقيدته ودينه ولغته عن طريق إثارة بعض الشكوك والشبهات حول صحة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وكذا نبوة محمد e.

كما أكد الشيخ أبو اليقظان مرارا على دعم الحكومة الفرنسية المادي والمعنوي لتلك الجمعيات التبشيرية، فقال: ((إن جماعات المبشرين مازالوا ولا يزالون يلهون ويمرحون دائبين في خططهم الماكرة من غير أن يلووا على شيء، وكيف يرجعون عن غيهم وهم يجدون من الحكومة كل مناصر وكل موازرة ويلاقون منها من وسائل التشجيع والتنشيط وهم على باطل، مالم يلاق منها المسلمون عشر معشار وهم على حق)).

ولكن أبا اليقظان أدرك جيدا بأن الخطط التبشيرية إنما تنتشر في ظل جهل المسلمين بدينهم وتقاعسهم عن نصرته، ولذلك وجه لومه اللاذع ضد النوم من المسلمين فقال: ((النوم العميق، والتخاذل المشين على السفاسف والخرافات بينما جامعتهم مشتة، وإسلامهم تهدده الأخطار من كل جانب، وتلك الطوائف تعمل عملها والدول تشجعها والقوة تحميها وجهل المسلمين وفقرهم وضعفهم يساعدها فإلى متى النوم؟ وإلى متى هذا الموت)).

ولقد جرت هذه المواقف على أبي اليقظان كثيرا من المتاعب والشدائد، وكلفته غاليا إذ كانت الحكومة وبإيعاز من تلك الجمعيات التبشيرية تسارع إلى تعطيل جرائده، والتضييق عليه، ولكنها تضحية الواجب التي يستمرئها المجاهدون من أجل المبادئ والقيم والأفكار.

هذه بعض النماذج الهدائية في المقالات الصحفية التي دبجها يراع الشيخ أبي اليقظان وضمنها الكثير من آرائه في إصلاح أوضاع المسلمين والسير بهم قدما لتجاوز مشكلاتهم المستعصية.

النموذج الموضوعي: وإلى جانب المقالات الصحفية التي تعد نموذجا رائدا للمقال التفسيري الهدائي، فقد كتب الشيخ أبو اليقظان كتابا في تفسير القرآن تحت عنوان "نوافذ القرآن" يصلح نموذجا للمنهج الموضوعي في التفسير، وقد تجلى فيه التركيز على الهداية القرآنية، وقد تحدث الشيخ أبو اليقظان عن دافع تأليف هذا الكتاب فقال: ((فإني لما رأيت أحوال الناس في العالم الإسلامي عامة، وفي غالب بلاد المسلمين خاصة، ورأيت موجة عارمة كادت تغمر المسلمين وترجع بهم إلى الجاهلية الأولى، من الزيغ والضلال في المشارق والمغارب، وتتبعت مذايع العالم الإسلامي وهي بإنعام القرآن الكريم آذانهم بأصواته الرخيمة وتقيم به الحجة النازلة من السماء على العباد)).

فراح أبو اليقظان يتساءل هل هذا القرآن الذي يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وتبثه الإذاعات في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه، هل وقف المسلمون عند حدوده، هل حكموا تشريعاته وشرائعه في الخصومات والمنازعات، هل نفذ نوره إلى قلوبهم وعقولهم فأثمر عقائد صحيحة، وأعمال مستقيمة، وأخلاق فاضلة، ولكنه وجد الأمر على خلاف ماتصور فقال رحمه الله مصورا مدى بعد واقع المسلمين عن القرآن: ((وبعد كل هذا التأمل والنظر اتضح ضلالهم بصورة مكبرة وأن هذا القرآن العظيم الذي يكررونه آناء الليل وأطراف النهار لايزيدهم إلا إمعانا في الضلال وفسادا في الخلق وتبين لي بواضح البيان أن نوافذه إلى أهوال الآخرة لاتزال محكمة الإغلاق فلا ينفذ نوره إلى بصائرهم، ولو شعاعا من نور الله إلا قليلا...)).

فواقع المسلمين ما زال بعيدا كل البعد عن أن يكون صورة صادقة، ونموذجا حيا للمجتمع الإسلامي الفاضل، إذ واقع المسلمين مليئ بالفواحش والمنكرات والمخالفات الشرعية، فكيف يرجو المسلمون بعد هذا التنكر لدينهم النصر من الله تعالى، وهو يقول: }ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور{.

ولذا قام الشيخ أبو اليقظان بتأليف هذا الكتاب وهدفه تقريب نور القرآن من بصائر المسلمين، ورام فتح نوافذه أمام عقولهم ونفوسهم ليتزودوا من كنوز القرآن وما أكثرها فقال: ((لما خشيت من هذه العاقبة إذا استمرت هذه الحالة بين المسلمين أن تحق كلمة الله عامة على المسلمين رأيت من الواجب علي ما دامت عيني تطرف وأنفاسي تتردد بين الحنجرة والحلقوم أن أشرع من تلك النوافذ ما أمكن لي فتحه حتى تشع أنوار القرآن منها إلى بصائرهم...)).

وفي هذا الكتاب سلك الشيخ أبو اليقظان المنهج الموضوعي الذي يعنى بتتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بموضوع واحد والتي تكون مبثوثة في ثنايا السور المختلفة، ويجمعها في موضع واحد ويبذل قصارى جهده في تحليل تلك الآيات وتفسيرها والخلوص إلى فلسفة القرآن والمنظور القرآني لذلك الموضوع.

وهنا حاول الشيخ أبو اليقظان أن يقدم صورة عن حال المؤمن الصادق وهو يعيش بالإيمان وكيف ينتقل إلى الحياة الآخرة، وكيف يبعثه الله وكيف يكون مصيره إلى الجنة وكيف يخلد فيها، وبالمقابل حاول كذلك أن يقدم صورة عن حال الكافر، وهو يعيش الكفر في الحياة الدنيا وكيف ينتقل إلى الحياة الآخرة في أسوأ حال، ويبعث على على أسوأ حال، وكيف يكون مصيره إلى النار، وكيف يعذب فيها، ويتأسف عما فرط في جنب الله، وكان يسمى كل محطة من هذه المحطات نافذة ويختار لها بعض الآيات المعبرة عنها أصدق تعبير، ثم يعقد مقارنة بين حال المؤمن وحال الكافر.

ولا شك وأن أبا اليقظان كان هدفه هو الترغيب والترهيب، ترغيب المؤمن في الحالة الأولى، وترهيبهم عن الحالة الثانية، ولهذا قال أبو اليقظان: ((لأجل أن يكون لهذه الرسالة معناها البليغ في نفس الأخ القارئ، يجب أن يتخذ في المقارنة بين مصير السعيد ومصير الشقي في سائر مراحلهما عبرة وذكرى ويختر العاقل له ما يختار مادام الاختيار)).

وهكذا نخلص إلى القول بأن الشيخ أبا اليقظان كان من ألمع كتاب المقال التفسيري الذي وظفه لإيصال أنوار وهدايات القرآن الكريم إلى عقول المسلمين وقلوبهم فيوقظهم من السبات الذي طال أمده، ومن الخرافة التي عشعشت في عقولهم، والتخلف الذي ضرب أطنابه وتعددت مظاهره في مجتمعاتهم فضاع الحق والعدل والخير والجمال وحل محلها الشر والظلم والفساد والفرقة والطغيان.

ولقد أدرك كبار المصلحين والمفكرين في العالم الإسلامي قدر الرجل وفضله ومكانته في دنيا الأدب والفكر، والدعوة والجهاد، فأدوا فيه شهادات قيمة هي في الحقيقة تاج فخر في جبين أبي اليقظان رحمه الله، ومن هؤلاء العلامة ابن باديس الذي يقول: ((وأبو اليقظان إلى جانب ميزابيته التي يفاخر بها وله الحق عربي يجاهد ويجالد في سبيل العروبة، ووطني يناضل في سبيل الوطنية، ومسلم أخلص لله دينه يجعل الإسلام في الصف الأول من كل أعماله)).

وأما العلامة أحمد توفيق المدني فيقول في حقه: ((والشيخ أبو اليقظان، لايتكلم إلا عن عقيدة، ولايكتب إلا عن إيمان، ولايجاهد إلا في سبيل الإسلام وبلاد الإسلام، وقد أظهرت الأيام من بعد أنه مقارع مجاهد، ومقاوم معاند، صرع الاستعمار ولم يصرعه الاستعمار، ضرب بسهم في الجهاد الصحفي والفكري مالم يبلغ أحد في الجزائر شأوه)).

وأما أحمد زكي الملقب بشيخ العروبة فقد قال في حقه: ((إن صاحب الجريدة من أبرع الكتاب وأشجعهم ولم أر جريدة كهذه وماكنت أظن أنها توجد بشمال إفريقيا تحت نير الفرنسيين، لأعدها من أكبر الجرائد التي عبرت عن رأيي وصورت مثل آلامي)).

وما كان لأبي اليقظان أن يبلغ الذي بلغه لولا إيمانه العميق وتجرده الكبير وإخلاصه وتفانيه واستماتته وجهاده من أجل هذا الدين، وخير ما نختم به هذا المقال هو تلك المساومة التي حاول الاستعمار أن يساومه بها، فحاول أن يغريه بالوعد ويثنيه بالوعيد، ولكن الشيخ رحمه الله وقف شامخا وصامدا أمام هذه الإغراءات والتهديدات فقال رحمه الله: (أرسلوا لي ذات يوم أحد أعوانهم السريين فقال لي: إنهم يقولون لك (أي السلطة الاستعمارية) ماهي غايتك من تلك الحملات العنيفة؟ إن كنت تريد بها قاضيا سميناك قاضيا، أو نيشانا علقناه في صدرك، أو راتبا عينا لك راتبا، ولكن بشرط أن تترك جانبنا. فقلت له: ليس لي شيء من هذه الأغراض التي تذكرها أريد. فقال إذا ماهي غايتك؟ فقلت له: غايتي هي الجنة. فقهقه حتى كاد أن يستلقي على قفاه سخرية واستهزاء وذهب ورجع بعد أيام فقال لي: إنهم يقولون لك: إذا كانت غايتك هي الجنة كما ذكرت فإنهم يمكنهم أن يطلعوك إليها في طيارة فتصبح فيها وهم يعنون بالطيارة المشنقة)).

رحم الله أبا اليقظان رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة، فبجهاده وجهاد أمثاله عاد للإسلام عزه في هذه الديار، وعاد للعربية مجدها ورونقها، وقد تنبأ الكثيرون بدنو أجل الإسلام في الجزائر، وقيض الله لهذا البلد الطيب رجالا صادقين يخدمونه بخدمة الدين، متحلين بالإخلاص واليقين.

الموافقات/ع5/س5 1417هـ-1996م، من ص368 إلى 388

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-12-2009, 06:02 PM   #5
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

أسلوب الدعوة ووسائلها

عند الشيخ أبي اليقظان
أ. يوسف حسين

مقدمة: لاشك أن المهتم بأمر الإسلام والمسلمين في العالم، الرامي إلى النهوض بالمسلمين من وهدتهم وتغيير حالهم نحو الأحسن والأفضل، يجد نفسه بحاجة إلى الاطلاع على جهود رجال النهضة في العالم الإسلامي حتى لا ينطلق في عمله من فراغ أولا، وحتى يستفيد من تجاربهم الناجحة فيأخذ بها ويقتدي بهم فيها، ومن تجاربهم الفاشلة فيتجنبها ولا يضيع وقته في الخوض فيها ثانيا.

فالمهتم إذن بهذا الأمر العظيم الشأن، أمر الإسلام والمسلمين، مطلوب منه أن يدرس دراسة عميقة وافية أعمال وجهود رجال النهضة في العالم الإسلامي أمثال الأئمة الأعلام محمد بن عبد الوهاب، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد إقبال، وحسن البنا، وعبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، وأبي الأعلى المودودي، ومالك بن نبي، وغيرهم كثير.

وفي هذا الجانب، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، عقدت مجلة "الموافقات" للمعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر عزمها على أن تخصص ملف عددها الخامس لعلم من أعلام النهضة الإسلامية في الجزائر هو "العلامة الشيخ أبو اليقظان إبراهيم" الذي بقي مغمورا إلى يوم الناس هذا، وبقيت معظم آثاره العلمية والجهادية والفكرية مخطوطة لم تعرف طريقها إلى المطبعة، على الرغم من كونه هو نفسه كان يملك مطبعة يصدر فيها صحفه في زمن ندرة المطابع العربية.

فحريٌ بتلاميذ الشيخ أبي اليقظان وطلبة العلم والباحثين أن يعملوا على نشر أعماله المخطوطة وإخراجها إلى الوجود ليستفيد منها كل مسلم، ففيها العلم الغزير والتجربة الواسعة، والمواقف الإسلامية الشجاعة، والإخلاص في النية والعمل، والأمل العريض في استعادة الإسلام مجده والمسلمين كرامتهم وعزتهم، والإيمان الثابت بأن الله عز وجل سيحقق وينجز وعده في إظهار الدين الإسلامي على الأديان كلها مصداقا لقوله: }هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا{.

ولا يفوتني هنا أن أقر بأني قبل أن أقرأ للشيخ أبي اليقظان إبراهيم كنت أسمع عنه بأنه مجرد صحافي وشاعر، وأنه كان في فترة ما عضوا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بوصفه نائبا لأمين المال، غير أني اكتشفت بعد اطلاعي على مؤلفاته المطبوعة منها والمخطوطة، وكذا ما كتب عنه وهو قليل جدا، أنه كان في الحقيقة داعية كبيرا عقد العزم على سلوك سبيل إنقاذ المسلمين مما هم فيه من زيغ وضلال في الدين وفساد في الأخلاق.

ويهدف هذا البحث المتواضع إلى بيان أسلوب الشيخ أبي اليقظان إبرهيم في الدعوة أولا، وإلى بيان الوسائل التي اعتمدها في تبليغ الدعوة إلى الناس ثانيا، وإلى بيان مدى ضيق دعوته أو رحابته في الخاتمة.

أولا: أسلوبه في الدعوة: يرى الشيخ أبو اليقظان: ((أننا كلفنا (في هذه الحياة) بوجوب العمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "مما يقتضي" تطهير المجتمع الإسلامي من أدران الخلق الفاسد وتوجيهه إلى وجهة السعادة الأبدية الخالدة الحقة، وهي حياة العزة والكرامة بحق))، خاصة وأن الشيخ أبا اليقظان قد درس واقع المسلمين في العالم فساءه ما آلوا إليه من زيغ وضلال في الدين وتدهور وفساد في الأخلاق.

ويصرح الشيخ أبو اليقظان أن هذا الواقع السيء للمسلمين هو الذي دفعه إلى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الناس: ((حملني حرصي على دفع إخواني المسلمين للاهتداء بهدي قرآنهم، لعلي أنقذ بعضهم من مخالب الشيطان من النار، وأدفع أفواجا منهم إلى الجنة، إذ أراد الله تعالى لهم السعادة في الجنة والنجاة من النار)).

وقصد القضاء على الخلق الفاسد عند الناس والحيلولة دون عودتهم إلى الجاهلية الأولى، فإن الشيخ أبا اليقظان اتبع أسلوب الترغيب والترهيب في الدعوة إلى دين الله. بل نجده يدعو العاملين في حقل الإصلاح والدعوة إلى سلوك سبيل الترغيب والترهيب فيقول: ((وكم كنت أتمنى أن يتخذ هذه الأهداف بالذات إخواني دعاة الإصلاح الديني في دعوتهم وإرشادهم المجتمعات فيمزجون في دعاياتهم أسلوب الترغيب في الجنة الترهيب من النار يدخلون به إلى قلوب العامة- والعامة في الفطرة كفطرة الطفل يستهويها ما يستهوي قلب الطفل من ترغيب أو ترهيب)).

وانطلاقا من هذا الأسلوب في الدعوة، أسلوب الترغيب والترهيب نجد الشيخ أبا اليقظان يقرر أن الغاية التي عمل من أجلها في هذه الحياة العاجلة ورسمها هي غاية آجلة: ((لست كأكثر الناس يعملون لغايات في هذه الحياة الدنيا -وهو متاع قليل وعرض زائل لا يوازي قيمة الإنسان الذي كرمه الله وحمله في البر والبحر ورزقه من الطيبات وفضله على كثير ممن خلقه تفضيلا- ولكني أعمل لغايات آجلة رسمت بخطوط من النور رقيقة في مخيلتي)).

إذن فالشيخ أبو اليقظان يجعل عمله في هذه الدنيا العاجلة مطية ومزرعة للدار الآخرة، ولذلك فإنه يحدد لعمله في هذه الحياة الدنيا، -وطبعا لعمل الناس- أهدافا ثلاثة خرجت فيما يخص أعمالي في هذه الحياة بأهداف ثلاثة:

أولا: الفوز بنعيم الجنة الخالد.

ثانيا: النجاة من النار وعذابها الخالد.

ثالثا: الفوز برضى الله سبحانه وتعالى)).

فالعمل الذي يقوم به الإنسان المسلم في هذه الحياة يجب أن يهدف به إلى الفوز بالجنة والنجاة من النار، ويبتغي به رضوان الله عز وجل.

ومن وضع نصب عينيه تحقيق هذه الأهداف المستقبلية فإنه لاشك ستكون عاقبته سعيدة، ذلك لأن هذه الأهداف الثلاثة قد رسمها القرآن الكريم ووضحها لكل من يريد سلوك هذا الطريق المستقيم المؤدي إلى السعادة الأبدية حيث قال الله عز وجل: }اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان{.

وقال تعالى أيضا: }زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب، قل أؤنبكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله..{.

وإذا عزم المسلم على تحقيق هذه الأهداف الثلاثة وعمل في اتجاهها فإنه سيجد من نفسه قوة عتيدة فلا يبالي بكل ما يحيط به من عدو وعتاد، ويواجه صعوبات الحياة والمحن بثبات وشجاعة، تماما كما أحس الشيخ أبو اليقظان وهو يطبق هذه الأهداف الثلاثة ويسير على ضوئها مما أكسبه آثارا إيجابية في مواجهة الحوادث كما يقر هو نفسه: ((لأجل تلك الأهداف المومإ إليها كنت أواجه المصائب الكبرى والمحن العظمى في الحياة بصدر رحب وصبر جميل ثم لا ألبث أن أواصل أعمالي وهكذا)).

وكأمثلة على تأثير تلك الأهداف في سلوك المسلم الآخذ بها أسوق مثالين عن المواقف الشجاعة الكثيرة للشيخ أبي اليقظان نفسه:

المثال الأول: اعتاد الخديوي عباس المخلوع قضاء عطلته الصيفية في أحد شطوط الجزائر، فقدم في أواخر العشرينات على يخته المسمى (نعمة الله)، فاستقبله الوالي العام استقبال الملوك بميناء الجزائر، وكان قد طلب من الفئات الجزائرية المختلفة الموجودة في الجزائر العاصمة أن تعين ممثلا لها يقوم بتقديم رمز أو شعار يمثل كل طائفة كهدية للخديوي تقديرا واحتراما له. فاتفقت الجماعة الميزابية على إيفاد الشيخ أبي اليقظان عن نفسها، فانطلق وهو يرتدي اللباس الرسمي لهيئة العزابة (الحولي) حاملا معه العدد الأول من جريدة "وادي ميزاب"، فتقدم الممثلون بهدايا متنوعة منحنين أمامه حتى إذا كان دور الشيخ تقدم وسلم عليه بتحية الإسلام، مصافحا إياه دون انحناء، وقدم له الجريدة كهدية، فانتهره الحاكم العسكري قائلا: ((لم لم تنحن كما فعل الآخرون؟))، فقال الشيخ: ((أنا مسلم جزائري إباضي -ومما يمتاز به الإباضية- أن لا حكم إلا لله، ولا سجود إلا لله))، ثم سأله الخديوي: ((وما هذه الجريدة؟))، فقال: (هي لسان الأمة الميزابية التي قطع لسانها، فصارت تصرخ بها)). فقال الخديوي: ((وأين تطبع هذه الجريدة؟))، فقال: (الإدارة في الجزائر، والطباعة في تونس، والتوزيع في شمال افريقيا))، فرد الخديوي في تعجب: ((الإدارة في الجزائر والطباعة في تونس، والتوزيع في شمال افريقيا، ما شاء الله، ما شاء الله، ما شاء الله)).

فقدم إليه علبة تبغ أمريكية من النوع الرفيع كهدية له، لكن الشيخ لم يمد يده ليتسلمها، فقال: ويد الخديوي ممدودة: ((نحن معاشر الإباضية نحرم كل مخدر ومسكر، وما أسكر كثيره فقليله حرام)).

فازداد الخديوي إعجابا بشجاعته وجرأته، وعندئذ تدخل الحاكم العسكري مغتاظا قائلا: ((وكيف تحسبنا وترانا أمامك؟))، فقال رحمه الله: ((أراكم مثل القطط)).

ثم وجه الخديوي كلامه للحاكم قائلا: ((كم عندكم من نوع هذا الرجل؟)).

فقال الحاكم: ((كنا نسمع قبله بشخص يدعى محمد بن يوسف اطفيش، كان يواجه بكل صلابة وشجاعة وجرأة الحكومة الفرنسية)).

فقال الشيخ أبو اليقظان: ((إنه شيخي وأستاذي، وعليه تخرجت وتتلمذت))، ثم غادر الحفل إلى حال سبيله.

المثال الثاني: يذكر الشيخ أبو اليقظان أنه لما نشر في عدد 17 من جريدة "وادي ميزاب" مقاله الموسوم "الاعتماد على النفس" الذي كان في الواقع دعوة صارخة إلى الثورة مما أقعد فرنسا وأقامها وهزها هزا عنيفا... ، استدعاه المسيو ميرانت مدير الأمور الأهلية في الجزائر العاصمة للتحقيق والتهديد، فجرى بينهما حوار حاد محرج للشيخ أبي اليقظان على النحو التالي: ميرانت: ((ألا تعلم أن جزاء من شاقق فرنسا هو السجن أو النفي أو الشنق؟)).

أبو اليقظان: ((بكل برودة أنا لا يهمني كل ذلك، سواء كان النفي أو السجن أو الشنق إذا قمت بواجبي من النصح لأمتي وللحكومة الفرنسية)).

ميرانت: ((إن الحكومة الفرنسية ليست في حاجة إلى نصحك، بل انصح نفسك (وتابع كلامه) أخْطِيكْ (دعكَ) من السياسة فإنها بحر من دخله يغرق)).

أبو اليقظان: ((لابد أن أن نتعلم شيئا من السباحة في هذا البحر)).

ميرانت: ((لا تلمنا إذا اتخذنا بحقك إجراء خاصا، فإن إدارة الأمن والضبط تهاجمنا بتقاريرها اليومية ضدك)).

أبو اليقظان: ((فتح ميرانت درج مكتبه، فأخرج منه تقريرا طوى مكان التوقيعات فقال لي اقرأ)).

أبو اليقظان: ((قرأت التقرير، فإذا هو كله ضدي وضد حركتي ونشاطي الذي أقوم به)).

ميرانت: ((أنت عالم وصحافي ومفكر، أظنك تعرف الكثير من توقيعات بعض المسؤولين)).

أبو اليقظان: ((نعم أعرف الكثير)).

ميرانت: ((هل تعرف توقيع فلان، وفلان، وفلان، ذكر عدة أسماء)).

أبو اليقظان: ((نعم)).

ميرانت: ((انظر إلى هذه التوقيعات تحت هذا التقرير)).

أبو اليقظان: ((فإذا هي كلها من بعض اللئام والمغرضين الذين يتربصون بي الدوائر، ويسعون لإحباط جهودي، فما أشد وقع الخناجر التي نطعن بها من خلف.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند





ميرانت: ((أنصحك: فكر كثيرا واكتب قليلا)).

أبو اليقظان: ((وفي الغد جاءني جاسوسهم البشير الفرقاني فسألني على لسان الفرنسيين: ماذا ترمي بهذه الحملة التي تقوم بها ضد فرنسا. إن كنت تبغي القيادة سميناك قائدا، أو كنت تريد قاضيا عيناك، أو كنت تريد وساما علقناه على صدرك، وإن كنت تريد راتبا قيضناه لك)).

أبو اليقظان: ((لم يخطر ببالي ولن يخطر أبدا ما ذكرت، ثم انصرف، وفي الغد عاد إلي وقال: ((إنهم (أي الفرنسيين) يطلبون منك، أن تحدد لهم مرادك بهذه الحملة)).

أبو اليقظان: (قلت له -أريد بها الجنة- فقهقه حتى استلقى على ظهره، ثم انصرف)).

أبو اليقظان: ((وفي الغد عاد إلي قائلا: إنهم يقولون لك إن كنت تريد الجنة فإنهم يطلعونك إليها في ليلة واحدة "يريد حبل المشنقة")).

ومن هذين المثالين المذكورين يتبين لنا إلى أي حد أثرت الأهداف الثلاثة التي اعتمدها الشيخ أبو اليقظان في عمله في هذه الحياة، في سلوكه ومواقفه فاكسبته شجاعة نادرة مكنته من مواجهة الحوادث والصعوبات والنكبات بصدر رحب. ولاشك أن هذه الأهداف الثلاثة سيكون مفعولها على الآخذ بها نفس مفعولها على الشيخ أبي اليقظان ونفس التأثير فليأخذ بها كل مسلم فإنها ستوصله إلى السعادة الأبدية بإذن الله.

وهكذا يبدو جليا أن دعوة الشيخ أبي اليقظان تعتمد على أسلوب الترغيب والترهيب، الترغيب في الجنة والترهيب من النار، ولذلك فإننا نجده يكتب رسالة سماها "نوافذ القرآن". وقصد بها العمل على أن ينفذ نور القرآن الكريم إلى بصائر الغافلين الضالين فيزيل عنهم غشاوة الزيغ والضلال والفساد الخلقي الذي هم واقعون وغارقون فيه وقد استهل هذه الرسالة بقوله: ((لما رأيت أحوال الناس في العالم الإسلامي عامة وفي غالب بلاد المسلمين خاصة. ورأيت موجة عارمة كادت تغمر المسلمين وترجع بهم إلى الجاهلية الأولى من الزيغ والضلال في المشارق والمغارب.. وأخذت أتأمل وأتساءل هل من تبدل في أخلاقهم وتحسن في دينهم من حسن إلى أحسن؟ سيما بعد تحرر أغلب بلاد الإسلام من نير الاستعمار البغيض. فلم أر ما كنت أرجوه -غالبا- إلا تدهورا في الأخلاق واستهتاراً بالدين واستخفافا بالقيم الإسلامية وحرمة المسلمين وكفرا بآيات الله... لما خشيت من هذه المعاقبة -إذا استمرت هذه الحالة بين المسلمين- أن تحق كلمة الله- عامة على المسلمين- رأيت من الواجب علي ما دامت عيني تطرف وأنفاسي تتردد بين الحنجرة والحلقوم أن أشرع من تلك النوافذ ما أمكن إلى فتحه حتى تشع أنوار القرآن منها إلى بصائرهم...)).

إننا نجد في هذه الرسالة مشاهد ترغيب في الجنة جاذبة، ومشاهد ترهيب من النار مرعبة. فمن منا يقرأ الآيات التالية التي ساقها إلينا الشيخ أبو اليقظان عن الجنة ونعيمها ولا يرغب في الفوز بها: يقول الله عز وجل: }وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم{.

ويعلق الشيخ أبو اليقظان على هذه الآية فيقول مفسرا لها: ((وعدهم... رحمان الدنيا ورحيم الآخرة بجنات تجري من تحتها لا ينالها -كجنان الدنيا- جفاق وحرق ولا طوفان وغرق، وأوضح أنها ليست كجنات الدنيا يخرج مالكها من حيث يدخل ونعيمها منغص دائما ولكنهم في هذه خالدون أبدا لا يشوب نعيمها ما قد ينغصهم فيه من الزوال كالدنيا.

وهذا النعيم في الجنة مقرون بمساكن طيبة لا توصف كما توصف المساكن في الدنيا بالبلاء والتصدع والانهيار... فهي جنات عدن ودار إقامة، عن أبي هريرة سئل رسول عن هذه الآية.. ومساكن طيبة في جنات عدن.

قال: قصر من لؤلؤ فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء من كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا في كل فراش زوجة من الحور العين وأعظم من ذلك كله رضوان من الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن ورضوان من الله أكبر وأعظم.

فإذا كان العبد السعيد مغمورا في نعيم الجنة وهو مع ذلك يشعر برضاء مولاه كان شعوره برضاء سيده ومولاه أكبر وأعظم بدرجات من شعوره بنفس النعيم المجرد وأقل إذا هو خلا من شعوره برضوانه عليه... ويؤكد الله ذلك الوعد بما ينطوي عليه من صنوف النعيم بقوله "ذلك هو الفوز العظيم" فهو لا يشبهه فوز من الدنيا مطلقا لاببنين ولابنساء ولا بمال ولابذهب وما إلى ذلك ولابسيادة ولاملك ولاسلطان فكل ذلك إنما هو متاع الحياة الدنيا.

ولو أن ابن آدم كان وحده ملك الدنيا كلها من لدن أبناء آدم إلى يوم القيامة ثم زال ملكه بموت أو غيره كان ملكه ذلك كله بالنسبة لملكه في الجنة متاعا قليلا. فاصحاب الجنة إذا كلهم ملوك في عروشهم خالدون لاينازعهم فيها منازع ولا ينالهم في حياتهم الخالدة أي منغص)).

وإذا كان هذا النعيم كله قد أعده الله عزّ وجل للمؤمنين في الجنة ورغبهم في العمل من أجل الفوز به وبها، فإنه من جهة أخرى قد رهبهم وحذرهم من الانحراف عن طريقه المستقيم وسلوك سبيل غير سبيل الإيمان والمؤمنين، ووعدهم إن هم ضلوا السبيل نارا وقودها الناس والحجارة، كما هو مبين في الآيات الكريمة التالية التي ساقها الشيخ أبو اليقظان: }ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. مهطعين مقنعي رؤوسهم لايرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء...{ .

ويعلق الشيخ أبو اليقظان على الآيات المذكورة من سورة إبراهيم فيقول: ((يفتح الله من هذه النافذة على الكافرين بهذه الآيات من الدنيا إلى الآخرة مشاهد الهول والفزع والعذاب التي أعدها لهم في يوم القيامة ألوانا كل لون لا يشبهه لون آخر يليه لو صب على الجبال لدكها وكل لون منها يزداد هولا وفزعا عما يليه.

إن هذه الآيات وأمثالها هي التي جعلت الشيخ أبا اليقظان ينشد الفوز بالجنة ويرتعد من هول النار، وجعلته يغشى الحدائق والبساتين الغناء من جهة، ويغشى أمكنة الحدادين ومصانع الحديد من جهة أخرى لأن الأولى تزيده رغبة في العمل من أجل الفوز بالجنة والثانية تزيده رهبة من النار فيتجنب كل عمل قد يقربه منها وفي الأولى يقول: ((فكنت مولعا بالتفسح في الحدائق الغناء من كل بلد زرته كبلد النخيل -بسكرة- وكالجزائر العاصمة وتونس ومروج الغوطة على ضفاف بردى بدمشق وأنا أشاهد بغرام ظلالها الوارفة وأشجارها الباسقة وأنهارها الدافقة وأسمع نغمات بلابلها الغريدة بألحانها وأستنشق أريج زهورها وعطورها العبقة، فأتذكر بذلك مامر بذهني من نعيم الجنة الخالد)).

وفي الثانية يقول: ((كنت أغشى أمكنة الحدادين ومصانع الحديد فأرى نارا تذيب قطعا من الحديد فترجع ماء.

وإن أنس فلا أنسى معامل الحديد -فيفر- الحامة في الجزائر التي تصهر الحديد، فقد زرتها يوما لإصلاح آلة تعطبت بمطبعتنا العربية فشاهدت هنالك مصهر الحديد تلتهب ناره كأنما هي جحيم النار يلقي فيها العملة قطعة غليظة من الحديد. فتذوب في النار كالماء حالا!!... فأتذكر كيف لو قوبل بهذه النار ضلوع الإنسان؟ هذه النار في الحياة الدنيا وهي أخف من نار الآخرة بأضعاف؟ كما ثبت ذلك في الأحاديث وكيف بالخلود فيها أبدا؟ فيكاد قلبي ينخلع من بين جنبي خلعا وأكاد أضعف من هول المنظر وتعجبت كيف لايؤمن بذلك العذاب في الآخرة أولئك العملة الذين يباشرون هذا الهول ليل نهار)).

وهكذا يبدو جليا أن الشيخ أبا اليقظان قد اتبع أسلوب الترغيب والترهيب في الدعوة إلى دين الإسلام، وكان هدفه بالعمل في هذه الحياة هو الفوز بالجنة وبرضى الله عز وجل، والنجاة من النار.

ثانيا: وسائل الدعوة: إن تغيير الفرد والمجتمع من حال إلى حال يقتضي توفير وسائل معينة تكفل تحقيق هذا التغيير المنشود.

ولما كان الشيخ أبو اليقظان واعيا بضرورة التغيير وأهدافه فإنه فكر في الوسائل الكفيلة بإحداث هذا التغيير في هذا الواقع السيء للمسلمين والنهوض بهم من وهدتهم. وقد استعمل الوسائل التالية قصد بناء مجتمع أفضل وحياة دنيا تكون مزرعة ومطية لحياة أخرى أسعد.

1- البعثة العلمية: يقول الشيخ أبو اليقظان: ((لما رأيت المستوى العلمي والفني منحطا في بلادنا وسجلت عروق قلبي بأن عواصف هوجاء تنذر بالخطر وتتقارب إلى بلادنا في أثناء الحرب الأولى شعرت بأن خطرا أخذ يحبو نحو بلادنا لاينجينا منه إلا الحصانة العلمية والفنية والخلقية بتكوين كتلة من الشباب متينة متراصة لتدرأ عن البلاد ما أتوقعه من الأخطار المهددة لها بأساليب عصرية لا التواء فيها)).

كان هذا الداعي القريب لانشاء البعثة العلمية بتونس.

أما الداعي البعيد المستقبلي فهو: "أما إنشاء البعثة العلمية بتونس فليست لتدعيم الغاية العاجلة الدنيا -كما تظهر- وإنما هي لتدعيم الغايتين العاجلة منها والآجلة معا لما فيها من التزود بالعلم والمعرفة وتنمية الملكات العلمية فيها لتساعد على تفهم القرآن ولغة القرآن...".

ونلمس هنا محاربة الشيخ أبي اليقظان للجهل ومحاولة محو الأمية عن المسلمين والنهوض بهم نهضة علمية حتى يتمكنوا من فهم دينهم الفهم الصحيح ومن تمة العمل به وفق ما أمر الله عز وجل.

ولاشك أن ابتعات الطلبة إلى الجامعات العريقة في تعليم العلوم الإسلامية سيمكن من تكوين عدد لابأس به من العلماء الذين تقوم على عاتقهم مسؤولية تغيير ما بأنفس الناس في مجتمعاتهم نحو الأحسن والأفضل ولاشك أيضا أن هذه وسيلة ناجعة من وسائل التغيير وتوعية المسلمين بضرورة التمسك بالأهداف الثلاثة التي حددها أبو اليقظان للعمل في هذه الحياة، لأن المتعلم وحده بعلمه يستطيع إدراك الأهمية العظيمة لهذه الأهداف.

2- الصحافة: يقول الشيخ أبو اليقظان: ((إن غايتنا منها (أي من إنشاء الصحافة) في توجيه المجتمع الإسلامي إلى وجهة الدين والاستقامة بتطهيره من أدران الأخلاق الفاسدة هي كذلك غاية شريفة)).

ويؤكد أبو اليقظان على أهمية الصحافة وضرورتها في عصرنا هذا فيقول: ((ومن المعلوم أن السلف الصالح كانوا ينظمون الأسفار ويؤلفون القوافل للبلاد للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر العلم وحل المشاكل وإصلاح ذات البين وغير ذلك من المقاصد النبيلة فرأينا نحن في هذا العصر أن الصحافة هي وسيلة ميسورة يقوم منها عدد واحد، مما لاتقوم قوافل عديدة بذلك النفع العام لما يتسنى لها من سهولة الذيوع والانتشار))، وفي نفس المعنى ينظم شعرا:
والشعب من غير اللسان موات
ببيــانه تتدارك الغــايات






إن الصحافة للشعــوب حياة
فهي اللسان المفصح الذلق الذي




وبما أن الصحافة قد جعلت من طرف الشيخ خادما للدعوة فإننا نجده يعلق على موقف الإخوة المشارقة من جرائده فيقول: ((... ومن أجل هذا كانت فصول أغلب صحفنا اجتماعية أكثر منها سياسية حتى ضج بعض إخواننا منها في الشرق وقالوا: إن فصول صحف أبي اليقظان هي أليق بعرصات المسجد منها بأعمدة الصحف)).

3- المطبعة العربية: يقول الشيخ أبو اليقظان: ((وأما إنشاء المطبعة العربية فهي كذلك غايتنا هي غاية الصحافة وهي غاية أدبية صرفة لامادية وهي وسيلة واسعة للنشر لا للصحافة فقط ولكن لها وللكتب أيضا وللوسائل حكم المقاصد)).

وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية الطباعة وضرورتها لنشر الأفكار والمساهمة في تبليغ الدعوة إلى الناس، وقد تمكن الشيخ أبو اليقظان بعد اقتنائه لمطبعة عربية خاصة من طبع صحفه الثمان، دون أن يقع تحت طائل المراقبة ومقصها، وتحرر من الطبع لدى مطابع أخرى قد تعرقل عمله الصحفي في أي لحظة.

4- التأليف: لجأ الشيخ أبو اليقظان بعد التضييق عليه من طرف الاستعمار الفرنسي إلى التأليف وفي هذا يقول: ((بعد أن رأيت الجو مكفهرا كما رأيت من تعطيلات جرائدنا وبعد أن أيست من الرجوع إلى مهنة الصحافة ورأيت نفسي (وفي الأجل بقية للعمل والحمد لله) حولت وجهي للتأليف..)).

ولا شك أن التأليف وسيلة أخرى من وسائل تبليغ الإسلام الصحيح إلى الناس، وحث المتعلمين على تبليغه إلى العامة، وقد ترك لنا الشيخ أبو اليقظان تآليف قيمة القليل منها تم طبعه، والكثير منها ما زال مخطوطا ينتظر من يقوم بطبعه حتى يعم نفعه.

وقصد الاستفادة من المؤلفات الغزيرة للشيخ أبي اليقظان، وحث الطلبة والباحثين على القيام بمهمة إزاحة الغبار عن تراث علمي إسلامي نافع أذكر أولا هنا ما ألفه الشيخ أبو اليقظان من كتب ورسائل (المطبوع منها والمخطوط) ذكرها هو في رسالة وجهها إلى الأستاذ عبد الرزاق قسوم بتاريخ (بريكة، يوم الجمعة 11/04/1969م) وأذكر ثانيا ما ألفه من رسائل بعد مراسلته السالفه الذكر للأستاذ عبد الرزاق قسوم، وقد أثبتها الأستاذ أحمد محمد فرصوص في كتابه "الشيخ أبو اليقظان إبراهيم كما عرفته".

أولا: المؤلفات والرسائل المطبوعة والمخطوطة كما ذكرت في الرسالة الموجهة للأستاذ عبد الرزاق قسوم:

أ- الكتب:

1- سلم الاستقامة: في ثلاثة أجزاء للأقسام الابتدائية مطبوعة وأربعة أجزاء ثانوية طبع منها الأول والثاني والباقيان تحت الطبع (طبعهما فيما بعد).

2-سليمان الباروني في أطوار حياته: في جزأين مطبوعين في المطبعة العربية بالجزائر.

3- ديوان أبي اليقظان: الجزء الأول مطبوع ويتكون الباقي من مقدار ما طبع مرتين (أي مقدار جزأين من المطبوع) وقد حدد اسمه بـ (وحي الوجدان من ديوان أبي اليقظان).

4- الإباضية في شمال إفريقيا: مخطوط في نحو جزأين.

5- ملحق السير: مخطوط في نحو ثلاث حلقات، أي من الخمسين الأولى من القرن العاشر إلى الخمسين الثانية من القرن الرابع عشر.

ب- الرسائل: أما الرسائل فهي تؤلف مجموعات في مواضيع مختلفة.

المجموعة الأولى هي:

1- إرشاد الحائرين: مطبوعة سابقا في تونس.

2- الإسلام ونظام المساجد في وادي ميزاب: مخطوطة.

3- الإسلام ونظام العشيرة في وادي ميزاب: مخطوطة.

4- أهدافي العليا بالعمل في هذه الحياة: مخطوطة.

5- الإنسانية المؤمنة بين حزب الله وحزب الشيطان: مخطوطة.

6- فتح نوافذ القرآن في 24 نافذة طبق صنيع سيد قطب في مشاهد القيامة في القرآن: مخطوطة.

7- أضواء على بعض أمثال القرآن: مخطوطة.

8- أطوار التكوين والفناء في القرآن: مخطوطة.

9- رحلتي للحج إلى بيت الله: مخطوطة.

10- خطبة العيدين: مخطوطة.

11- تحفة أبي اليقظان للصبيان: أرجوزة في 320 بيتا: مخطوطة.

المجموعة الثانية:

1- تاريخ الصحافة العربية في الجزائر: مخطوطة.

2- الجزائر بين عهدين عهد الاستغلال وعهد الاستقلال: مخطوطة.

3- طور جديد في الجزائر ووادي ميزاب: مخطوطة.

4- مأساة فلسطين: 325 بيتا- مطبوعة في مصر.

المجموعة الثالثة:

1-نظام امسطوردان في غرداية: مخطوطة.

2- أشعة النور من النور: مخطوطة.

3- مشاهد الزيارة في القرارة: مخطوطة.

4- رسالة العزابة: مخطوطة.

المجموعة الرابعة:

1- بيانات واضحة عن الإباضية، ووادي ميزاب: مخطوطة.

2- دفع شبه الباطل عن الإباضية المحقة: مخطوطة.

3- رد على جريدة (ايكودالجي) في شأن الخوامس الشبكة: مخطوطة.

4- بيان الحقيقة في مسألة العسكرية بوادي ميزاب عن لسان وكيل الأمة الميزابية السيد الحاج امحمد عمر بوعيسى: مخطوطة.

5- هل للإباضية وجود في سوف في الزمن القديم؟: مخطوطة.

6- لعْميَد: مدينة الغد: مخطوطة.

المجموعة الخامسة:

1- ترجمة الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني: مخطوطة.

2- ترجمة الإمام أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي: مخطوطة.

3- ترجمة الإمام أبي عمار عبد الكافي الوارجلاني: مخطوطة.

4- ترجمة الإمام أبي اسحاق اطفيش الميزابي: مخطوطة.

5-موجز عن حياة أبي اليقظان: مخطوطة.

ثانيا: المؤلفات بعد المراسلة الموجهة للأستاذ عبد الرزاق قسوم:

1- كلمتي في اللحية، مخطوطة وعدد صفحاتها 9.

2- أين الواقعيون، وجوه الشبه بين النخلة والإنسان، مخطوطة وعدد صفحاتها 10.

3- أقمار من سورة القمر، مخطوطة وعدد صفحاتها 10.

4- عناصر الفتح من سورة الفتح، مخطوطة وعدد صفحاتها 11.

5- كيف كان النظام الديني والاجتماعي بالقرارة، شكوى من جماعة القرارة إلى ملحقة غرداية، مخطوطة وعدد صفحاتها 9.

6- سبيل المؤمن البصير إلى الله مطبوعة من 32 صفحة.

7- إجابتي على أسئلة الأخ بكلي عبد الرحمن، في 21 صفحة.

8- بابا عمي الحاج أحمد كما عرفته، مخطوط.

9- الشيخ محمد الثميني كما أعرفه، مخطوط.

10- ترجمة الإمام عبد الله بن إباض المر التميمي، مخطوط.

11- من هو الشيخ إبراهيم بن بكير، مخطوط.

12- دليل السواح للقرارة، مخطوط.

13- مجموع الشذرات الحكمية، مخطوط في 17 صفحة.

14- جماعة الملاكين في لعميد. مخطوط في 39 صفحة.

15- كراس المؤسسات. مخطوط في 59 صفحة.

16- الكتاب المجيد: بشائره للمؤمنين، ونذره للكافرين، مقارنة بين هؤلاء وهؤلاء: مخطوط.

17- مكامن الآلام الوجيعة- مخطوط في 34 صفحة.

18- مجموعة المهمات: علمية وتاريخية عن الإباضية ووادي ميزاب. مخطوط في 54 صفحة.

19- اقتحام الصعاب. مخطوط في 58 صفحة.

20- خلاصة التاريخ الإسلامي للجزائر، في ثلاث حلقات.

21- نشأتي، رسالة في 97 صفحة.

22- فذات النساء الإباضيات في وادي ميزاب في العهد الأخير.

23- أفذاذ علماء الإباضية عبر العصور.

24- صبر يوسف يتجلى في محنه، ألطاف الله تكمن وراء تلك المحن في جميع أطوار حياته. مخطوط.

خاتمة: لقد رأينا كيف استعمل الشيخ أبو اليقظان أسلوب الترغيب والترهيب في الدعوة إلى دين الإسلام، وتغيير ما بأنفس الناس من زيغ وضلال في الدين وفساد في الأخلاق حتى يستقيموا على طريق الله عز وجل وأمره. ورأينا أيضا الوسائل التي سخرها من أجل تحقيق أهداف دعوته. وبقي في نظري أن نعرف مدى ضيق أفق دعوة الشيخ أبي اليقظان أو رحابته؟

إن الدارس المتعمق لمؤلفات الشيخ أبي اليقظان ومقالاته الصحفية يدرك أن الشيخ قد اهتم بخلاص وإنقاذ كل إنسان من النار، وها هو يثبت هذا بنفسه حين يعقد مقارنة بين دعوته هو (أبو اليقظان) ودعوة إبليس اللعين: ((إن هدفي هذا مناقض تمام المناقضة لهدف الشيطان –إبليس لعنه الله هو: الإكثار من سواد الأشقياء في النار. وأنا: الإكثار من سواد السعداء في حياة العزة والكرامة والخلود في الجنة)).

إن أمر دعوة الشيخ أبي اليقظان يتسع ليشمل ميزاب وهو ابنها البار والجزائر وهو المجاهد المخلص لوطنه، والعالم الإسلامي وهو المسلم الملتزم المهتم بأموره والإنسانية جمعاء، ذلك أنه يقصد بدعوته "تكثير المسلمين" ولعب دور المنقذ للإنسانية جمعاء عكس ما يفعل إبليس تماما من حيث دعوته وعمله، لتكثير الكافرين ولعب دور المكب للإنسانية في النار.

وإلى رحابة أفق دعوته يشير الشيخ أبو اليقظان: ((وقد لقنني الله في كتابه هذا المنهج القويم "أسلوب الترغيب والترهيب والأهداف الثلاثة المذكورة" وكما أعجبني وقد اقتنعت به تمنيته لإخواني في الإسلام خاصة وفي البشرية والإنسانية عامة)).

ويعني بهذا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الناس من مخالب الشيطان، بل تحدى الشيطان واغاظته حين يعاكسه فيعمل من أجل تكثير عدد السعداء في الآخرة، بينما يعمل الشيطان من أجل تكثير عدد الأشقياء في الآخرة.

وطبعا لايخفى على المطلع على آثار الشيخ أبي اليقظان أنه بدأ دعوته -أو بالأحرى عملية الإنقاذ- بالأقربين إليه من أهله وعشيرته، تماما كما بدأ الرسول e دعوته بأقرب الناس إليه، بزوجه الطاهرة خديجة أم المؤمنين، وأخلص أصدقائه أبي بكر الصديق، وابن عمه علي بن أبي طالب، ثم عممها تدريجيا على كافة الناس.

ويظهر أسلوب الأوليات في الدعوة وفي عملية الإنقاذ التي باشرها الشيخ أبو اليقظان من أول مقال نشره في أولى جرائده "وادي ميزاب" في العدد الأول منها الصادر في يوم الجمعة 23 ربيع الأول 1345هـ الموافق لـ01 أكتوبر 1926م، إذ يقول فيه: ((وأبشع من ذلك وأنكى أن تبقى أمة كأمتنا الميزابية ولها مركزها في الوجود، ومقامها في الحياة، ومكانتها في التاريخ ومنزلتها في الاجتماع ودرجتها في تحريك دواليب التجارة من القطر الجزائري، وهي بكماء خرساء لا لسان لها يعبر عن مقاصدها، في وقت هي أكثر الأمم اضطرارا إلى رفع صوتها، وإبلاغ رأيها إلى المراجع الإيجابية، وإلفات أنظار الأحرار إلى حالتها البائسة ولتلافي هذه الحالة الأسيفة عقدنا العزم بعون الله على إنشاء جريدة وطنية إسلامية باسم "وادي ميزاب"...وهي وإن كانت كلسان حال الأمة الميزابية إلا أنها قبل كل شيء لسان حال الفكر الإسلامي عموما والجزائر خصوصا)).

وهكذا يبدأ الشيخ أبو اليقظان دعوته بالميزابيين أولا وبالقطر الجزائري ثانيا وبالعالم الإسلامي ثالثا وبالعالم الإنساني رابعا وأخيرا. إنه يريد كما قال في أول عدد من جريدة وادي ميزاب: ((بذل الجهد في مقاومة الرذائل، ونشر الفضيلة قدر المستطاع)).

وهكذا يتضح جليا أن الشيخ أبا اليقظان قد سلك في حياته سبيل الدعوة إلى الله عز وجل وآمن إيمانا راسخا بقوله تعالى: }ومن احسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين{

لقد وقر في قلبه تعميم الدعوة إلى الله على الإنسانية بأسرها وتكثير سواد المسلمين وتقليص عدد الكافرين.

وإنها لنظرة ودعوة ذات بعد إنساني "وافق رحب، لا تبدو فيها -منذ البداية- أية نزعة مذهبية أو أدنى محاولة لحصر الدعوة في وادي ميزاب: ويبدو هذا المعنى جليا في تحديد الشيخ أبي اليقظان لأهداف إنشاء جريدته الأسبوعية "وادي ميزاب"، إذ يقول في أول عدد منها: ((أولا: تأييد الحق، الحرية والعدالة والمساواة بأتم معنى الكلمة بين كافة الأجناس المتساكنة.

ثانيا: السعي في بث روح الاتحاد والتضامن بين سائر المسلمين على اختلاف أجناسهم ومذاهبهم، بتأييد الصلات المتعددة بينهم، ومعاضدة الصحافة الأهلية الحرة في كل ما تراه من طرق الإصلاح، وبذل الجهد في إزالة الشحناء والبغضاء وسوء التفاهم بينهم بتتبع أصول الداء وتحكيم الدليل والبرهان والعقل بكل نزاهة وإنصاف...

ثالثا: بذل الجهد في مقاومة الرذائل ونشر الفضيلة قدر المستطاع.

رابعا: حث الأمة على اكتساب العلوم والمعارف وإحياء اللغة العربية وتربية أبنائها تربية إسلامية صحيحة)).

وهكذا كان الشيخ أبو اليقظان إبراهيم وهو الإباضي القح داعية للإسلام الصحيح دون تعصب لمذهب أو جنس، وكان هدفه بالعمل في هذه الحياة هو إنقاذ نفسه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الناس من النار بترهيب نفسه وترهيبهم منها، والفوز بالجنة وبرضى الله عز وجل بترغيب نفسه وترغيبهم فيها..

وهذا هو المنهج القويم الذي ينبغي أن ينتهجه الدعاة خاصة والمسلمون عامة إذا ما أرادوا لأنفسهم ولإخوانهم في الإسلام وفي الإنسانية النجاة من النار ومن سخط الله عز وجل وعذابه، والفوز بالجنة وبرضى الله عز وجل.

الموافقات/ع5/س5/1417هـ-1996م من ص416 إلى ص432

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-12-2009, 06:04 PM   #6
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

رؤية أبي اليقظان إبراهيم

الشعرية

د. أحمد رحماني



توطئة: من الشعراء من يرى الكون بحسه هو، ومنهم من يراه تقليدا لغيره، ومنهم من يراه بكل جوارحه الظاهرة منها والباطنة، وهذا أفضل الشعراء، ومن هنا حصل الاختلاف في الرؤى الشعرية.

إذ تختلف رؤى الشعراء للكون والحياة وباختلاف بنياتهم الفكرية والنفسية والروحية باختلاف قدراتهم ومواهبهم الفطرية، لذلك نجد من الشعراء من يرى الكون من خلال حس غيره وبنيته الفكرية والنفسية والروحية، وهؤلاء من أَرْدَإِ الشعراء؛ لأن أدبهم الذي ينتجون يقوم على التقليد ويقف دون الإبداع والتوليد، وهذا النوع من الشعراء كثير، وفي الغالب الأعم يكون مؤشرا من مؤشرات السقوط الحضاري للأمة والانهيار الأدبي للشعوب، وهذا ما يلاحظ في أدب العصر الحديث ولا سيما التغريبيين. وقد نجد من الشعراء من يرى الكون بحسه هو، ولكن زاوية النظر التي يرى الكون من خلالها لا تكاد تتجاوز الحسن الظاهر، فتراه يعمد إلى تصوير الواقع الذي يراه، ويعجز عن تفسيره وتعليل حركته، لأنه لا يملك القدرات التي تسعفه على تخطي الحواجز واختراق الحجب المادية التي تعطل رؤيته للكون لافتقاره إلى النظرة القلبية والروحية التي تملك تلك القدرة العجيبة التي تمكن الشعر والشاعر من الغوص في أعماق الأشياء والإنسان والكون والحياة لتعرف كنهها وتسبر أغوارها.

وهذا النوع من الشعراء وصّاف للظاهر، وقاف عند السطوح، لكنه لا يتجاوز ذلك إلى اللبّ والباطن، ومن هنا تراهم لا يدركون "الجمال" إلا في الصورة الظاهرة للواقع أو الطبيعة أو الكون ولاشك أن إدراك الطبيعة وجمالها بهذا الشكل المسطح مذموم لدى كبار المنظرين لمسائل الجمال في الفكر الإسلامي، مثل الغزالي وابن قيم الجوزية، وفي الفكر الغربي مثل هيجل.

إن أبا حامد الغزالي كان يرى أن الجمال ينقسم إلى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس وإلى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة، والأول يدركه حتى الصبيان والبهائم أما الثاني فيختص بدركه أرباب القلوب ولا يشاركهم فيه من لايعلم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا.

وإن ابن قيم الجوزية كان يرى أن: ((الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكل ذات جمال)). وإن هيجل كان يرى أن: ((الإدراك الحسي البحت هو أسوأ إدراك وأقله ملاءمة للروح وهو يكمن بصورة رئيسية في النظر، في السمع، في الإحساس)).

كل هذه الآراء تؤكد قلة شأن الرؤية الشعرية والجمالية التي تقف عند مجرد الظاهر وتعتمد -فقط- على الحس في تصوير الطبيعة ووصف الواقع، ولكن ذلك لا ينبغي أن يكون لهذا النوع من الرؤى الفنية قيمتها في الحياة، غير أن أصحابها لا يملكون ما يرفعهم لدرجة أعلى، ويعينهم على إدراك أعمق.

فنحن نجد نوعا ثالثا من الرؤى الشعرية يتميز أصحابها بعمق النظر، لأنهم يرون الكون والواقع والإنسان والطبيعة في أوضح الصور، ويدركون أعماق كل شيء إدراكا مكينا، فهؤلاء هم أرباب القلوب الذين يختصون بدرك الأشياء والناس والكون بالبصيرة والبصر معا يقول الغزالي: ((كل جمال وحسن فهو محبوب، والصورة ظاهرة وباطنة، والحسن والجمال يشملهما، وتدرك الظاهرة بالبصر الظاهر و الصورة الباطنة بالبصيرة الباطنة))، وأحسب أن هذا الصنف هو المستثنى في آية الشعراء.

ومعنى ذلك أن مستوى الإدراك يختلف باختلاف مجموعة من العوامل منها الفطري ومنها المكتسب، وعلى أساس هذا الاختلاف في القدرات تختلف الرؤى الشعرية بساطة وعمقا واتجاها، ويعظم هذا التفاوت بين الرؤى إلى أن يصل إلى درجة تصبح المقارنة بين الأنماط الشعرية نوعا من السذاجة.

وقد عملت العقيدة الإسلامية على تعميق رؤى معتنقيها كما عملت على إعطائها تصورا متميزا عن تصورات غير معتنقيها تمييزا واضحا سواء على المستوى التنظيري أو على المستوى التعبيري، يقول سيد قطب: ((لقد رفع الإسلام ذوق المجتمع الإسلامي وطهّر إحساسه بالجمال فلم يعد الطابع الحيواني للجمال هو المستحب بل الطابع الإنساني المهذب، وجمال الكشف الجسدي جمال حيواني يهفو إليه الإنسان بحس الحيوان، مهما يكن من التناسق والاكتمال، فأما جمال الحشمة فهو الجمال النّظيف الذي يرفع الذوق الجمالي ويجعله لائقا بالإنسان، ويحيطه بالنظافة والطهارة في الحس والخيال)).

وقد كان الشاعر -إبراهيم أبو اليقظان (1888-1973)- أحد هؤلاء الشعراء الذين تميز حسهم النقدي والتعبيري على حد سواء بأن صبغ برؤية إسلامية عميقة يدرك بها العلاقات الخفية والظاهرة بين الأشياء والناس والأفكار فيصوغها صياغة نظرية أو تعبيرية لها مذاق خاص، قال عنها عبد الحميد بن باديس وهو بصدد تقديم أحد دواوينه: ((هو الرجل الذي يجعل قلبه ولسانه في صف واحد فلا ينطبق هذا إلا بوحي ذاك ولا يشعر ذلك إلا وترجم عليه هذا وإن تكلم في موضوع محلي فأنت ترى تلك الروح الوثابة الحساسة تتجلى على كل مصراع، بل ربما على كل كلمة من كلماته)).

وقد تتبعت رؤيته الشعرية والنقدية تتبعا أوليا فوجدت رؤيته -فعلا- كما وصفها الشيخ عبد الحميد بن باديس، رؤية تخلو من التناقض وتتجلى بروح واحدة في جميع الموضوعات والأغراض التي كان له فيها شعر، فرؤيته كانت دائما رؤية إسلامية طاهرة من أي غبش فكري هجين كالذي نجده عند كثير من الشعراء الذين وقعوا تحت الضغط الفكري والإيديولوجي والنفسي الذي مرت به ولا تزال تمرّ به الثقافة في العالم الإسلامي كله.

ولكي نعطي هذا الحكم معناه العلمي علينا أن نسبر معا أغوار شعره مبتدئين الحديث عن البعد العقدي ثم السياسي ثم الإصلاحي لنصل إلى الأسلوب التفسيري المتبع في تفسيره لكل تلك القضايا والأبعاد.

لكن قبل ذلك كله لابد أن ندخل من خلال رؤيته النقدية لمهمة الشعر في الحياة الإنسانية لأن الوقوف على المعرفة النظرية عند شاعر ما، والوقوف على الطرق المتبعة في فهمه للحياة وطرق التعبير الشعري عنها يعين الدارس على توجيه النص الشعري توجيها سليما وعلميا إلى حد كبير.

أولا: رؤية الشاعر النقدية لمهمة الشعر: حينما عرف أبو اليقظان الشعر تجنب التعريفات التي تنصب على شكل الشعر مثلما فعل قدامة بن جعفر أو ابن طباطبا، بل تجنب حتى التعريفات التي تنبثق عن مفهوم الصورة كما الحال مع الجاحظ أو مفهوم الشعور كما عند ابن وهب، تجنب كل ذلك ليعرف الشعر من زاوية "الرؤية الشعرية" حينا والروح الشعرية أخرى، والمقاصد والأغراض ثالثة، وذلك كله دون أن ينسى وحي الخيال.

فهو حين يعرف الشعر بقوله: ((الشعر قالب عليه تسبك أغراض الإنسان وتصاغ غاياته وتفرغ مراميه))، لم يكن يضع نصب عينيه الجوانب الشكلية للشعر وإنما كان يركز على "المقاصد الإنسانية"، وقد يتبادر إلى الذهن أول الأمر التساؤل التالي: ما هي هذه المقاصد؟ وهل تكون واحدة لدى الإنسانية أم متغيرة بتغير الرؤى والمناهج والأعراف؟

حقا إن أبا اليقظان لم يفصح عن مراده هنا ولكن الأقرب إلى منطق أن تكون المقاصد التي يعنيها هي المقاصد والأغراض التي تشكل الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه الفكر الإسلامي كله وهي مقاصد الشريعة التي حددها قديما الشاطبي في دائرة: حفظ الدين من جانب الوجود وحفظ النفس والعقل والنسل والمال من جانب الوجود والعدم.

ومهما يكن المراد من "المقاصد والأغراض" التي ينبثق منها تعريفه للشعر فإن توجيه شعره ينبغي أن ينطلق من هنا، بغض النظر عن كون المقاصد التي يعنيها هي هذه أم المقاصد التي رسمت من بعد في نظرية الشعر عند طودوروف أو توماشفسكي.

إن الأمر لايتغير كثيرا لأن المهم عندنا هنا هو تحديد زاوية النظر لأبي اليقظان أهي جمالية إصلاحية أم جمالية جمالية؟ ثم تحديد نظرية المقاصد الشعرية.

إنه يعرف الشعر مرة أخرى بقوله: ((هي تلك الروح التي يودعها الشاعر في خلال بيته بقوى بيانه الساحر فيدخل بدون إذن في آذان السامعين فينفذ إلى قرارة نفوسهم فيكون فيها إحساسا رقيقا وشعورا حيا فتتدارك مافاتها من عز وسؤدد ويضرب على أوتار قلوبهم فتهتز لنبراتها أعصابهم وتشتعل بنيران الحماس أدمغتهم فتتسابق إلى الامتثال جوارحهم، ذلك هو الشعر وهذه ثمراته، وكل ما كانت هذه آثاره فهو شعر سواء أكان نظما أم نثرا ومالا فلا، والشاعر بالمعنى الأول يعد شاعرا حقيقة وبالمعنى الثاني يسمى ناظما وليس من [الشعر] في شيء)).

إن مفهوم الشعر هنا يتحدد بالرسالة التي يؤديها لا بالشكل الذي يظهر به لأن الشكل طعم وسحر من وظيفته فتح الشهية للتلقي أمّا ما بعد ذلك فهو الرسالة التي يحملها، فإن كوّن في النفوس إحساسا رقيقا وشعورا حيّا فانطلقت لتتدارك الشرف والعزّ والسؤدد فهو الشعر بغض النظر عن الصورة التي يظهر بها، فالأساس في تمييز الشعر من غير الشعر هو الفاعلية وليست الصيغة.

إن فهم الشعر من جهة الرسالة الفاعلية والمقاصد والغايات والمرامي قد أدى إلى أمر آخر مهم في تحديد الرؤية عند أبي اليقظان وهو أن الشعر نور، وله عندئذ فاعلية النور، بحيث يملك قوة إزالة الحجب أمام البشرية لترى الكون والحياة على حقيقتهما: ((الشعر في نفس الشاعر نور، مثل نوره كمشكاة... يرسل أشعته من نافذتها فيضىء بها بطون الليالي المقبلة مدى العصور)).

ولا شك أن كشف الحجب عن الكون والحياة هنا من شأنه أن يحيل بالضرورة إلى مسألة هامة هي الرؤية المستقبلية للأدب. حيث يصبح الشعر بمقدوره أن يزيل أحيانا الغموض على بعض الأحداث، وهذه في الواقع هي سمة الشعر الإسلامي الذي كما حدده غارودي بقوله: ((الأدب الإسلامي الذي كان يشكل الشعر الجزء الأساسي فيه هو شعر تنبؤي قرآني في جوهره)).

ومعنى كل ذلك أن أبا اليقظان كان قد اهتدى لمفهوم دقيق للشعر يحدد الماهية من خلال الوظيفة، ويحدد الوظيفة من خلال التصور، ويجدد التصور من خلال الإيمان، لأن الإيمان في النهاية هو الذي يضيىء كما تقول ندوة الأدب التي عقدت بأروبا بحضور الناقد الكبير ت.س. اليوت سنة 1935م.

ولاشك أن الذي يجعل الأدب كذلك هو كون رؤية الفنان للحقيقة هي وليدة الامتزاج الحقيقي المباشر بين قلب الفنان وعقله من ناحية ومظاهر الحياة من حوله من ناحية أخرى، ذلك لأن الخيال الشعري يركب بواسطة المزج بين المعطى الفكري والمعطى العاطفي الواقعي والتاريخي صورة تملك قوة الاعتبار من حال واقعة إلى حال مستقبلية يشوبها شيء من الغموض.

إن "الإيمان الذي يضيىء" هو نقطة الانطلاق في تحديد مفهوم الشعر عند أبي اليقظان، وآية ذلك أنه حينما يحدد الشعر الصالح ليميزه من نقيضه وهو الشعر الفاسد يرى أن: ((ذلك ليس ناشئا عن الشعر نفسه وإنما ينشأ عن ضعف الإيمان وقلة اليقين))، بل إن آية ذلك هو الربط بين الشعر والفطرة السليمة، فالشعر عنده فطرة فطر الله الناس عليها ونعمة جزيلة ما أسبغها عليهم إلا لتحقيق الأغراض الشريفة والمقاصد النبيلة، فاستعمالها في غير ما خلقت لها كفران وجحود للنعمة واستعمال لقوة هائلة ضد المصلحة، وعوض أن يستعملها الشعراء جميعا في منفعة أنفسهم ومنفعة أمتهم فقط أخطأ بعضهم واستخدمها في مضرتهم جميعا فأصبحوا بذلك جناة على المجتمع كما أنهم جناة على تلك الفطرة نفسها. من خلال هذا المفهوم النظري لروح الشعر ورسالته في الحياة، وهو مفهوم يتميز عن غيره من المفاهيم التي ألفناها عند كثير من النقاد يمكن أن ندخل إلى الرؤية الشعرية لهذا الشاعر.

ثانيا: رؤيته الشعرية للكون والحياة: فهم الشاعر للمكونات الأساسية للكون والحياة وعلاقة هذه المكونات بخالقها ومبدعها الأول هو الذي يحدد رؤيته الشعرية، ومن ثم كان الفرق واضحا بين رؤية العالم كما يحددها لوسيان قولدمان، ورؤية الكون كما يحددها التصور الإسلامي لكن في جميع الأحوال يكون المنظور الذي يكتب منه الفنان عمله هو الذي يحدد رؤيته للعالم.

وبمقدار ما تكون هذه الرؤية ارستقراطية أو بورجوازية أو بروليتارية أو ملحدة أو مؤمنة بقدر ما يكون فنه مصطبغا بتلك الصبغة، وقد استطاعت بعض الدراسات الإسلامية الجديدة التي تنطلق من الرؤية الأدبية أن تبين بحق مسايرة الشاعر محمود حسن إسماعيل لخصائص الرؤية الإسلامية في الأدب وتفرد رؤيته الإسلامية في تأملاته الغيبية والنفسية متخذا في ذلك وسائل غير وسائل الصوفيين.

من هنا نتساءل: فيم تتمثل رؤية الشاعر أبي اليقظان؟ وما طبيعتها؟ وما خصائصها؟

حقا إن الشيخ عبد الحميد بن باديس حين قدم ديوان أبي اليقظان كان قد وضع أصبعه على نقطتين هامتين في هذا المقام هما: صدق الشاعر إذ كان "يجعل قلبه ولسانه في صف واحد" وإخلاصه للإسلام إذ هو "مسلم أخلص لله دينه، يجعل الإسلام في الصف الأول من كل أعماله، وهاتان النقطتان تحددان في الواقع المنظور الشعري للشاعر، إذ تنسحب هذه الصفات على كل شعره لأنها تنبثق من رؤيته العميقة، أي من البؤرة النفسية التي تجتمع فيها كل مكونات الشخصية.

ولبيان ذلك لا محيد من أن نتوقف عند عدة مسائل تعد محطات أساسية في الرؤية الشعرية للشاعر هي:

مفهوم الإسلام وعقيدة المسلم: ينطلق هذا المفهوم من "التوحيد" ومن خلاله تشعّ بقية الأفكار الجزئية التي تحدد "مفهوم الإسلام"، فهو حينما ينشد بمناسبة تحويل الكنائس إلى مساجد سنة 1962 قصيدته "تطهير بيوت الله" قائلا:
في مسمع الدنيا يسيل حنانا
أن ينصرن فيعبد الرحمانا
جنباته وينكس الصلبانا
وحنوا لها بل قربوا القربانا
العزيز فحطم الطغيانا


الله أكبر يملأ الآذانا
والملك يومئذ له ولحكمه
فغدا يردد قولة التوحيد في
أين الذين تمسحوا عزا بها
الله أكبر حق وعد الله بالنصر




فإنما يعطي كان يحدد الفعل الثوري من المنطلق التوحيدي ويعطي الصراع بين الشعب والمستعمر (المستدمر) بعدا عقديا محددا يتمثل في "قولة التوحيد" إذ بها يأخذ الصراع معناه المقدس، فتصبح مصارعة أهل الكفر والصلبان والمتمسحين بالصليب -نشدانا للعزة في غير موضعها- هي المصارعة المقدسة التي يقبل عليها المرء وهو يشعر بأنه يقوم بالواجب الذي يستحق بسببه النصر وإنجار الوعد الرباني في تحطيم الطغيان.

والشاعر حينما يجعل نواة المنطق الفعلي هي "قولة التوحيد" ويبني عليها بعد ذلك السلوك البشري في مستوياته العليا والدنيا على حد سواء، فإنما يفعل ذلك بناء على سنة من سنن الله في إقامة السلطان وإدمة الملك وأو زلزلته . فالعدو لم ينهزم لأن الجيوش الإسلامية كانت أقوى عدة وعتادا وإنما انهزم لأن كلمة "الله أكبر" أقوى من كل قوة، وعليه فإن الطغيان قد حطم بالكلمة الصادقة قبل أن يحطم بالمدفع والدبابة، وفي ذلك في الواقع صياغة لمعنى قول الله تعالى: }وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى{ ويتجلى ذلك في قوله:

والله حفكم بنصر كامل وبفضله حطمتم العدوانا

فما يحدث من هزائم أو انتصارات لا يخضع دائما لقانون السببية في مستواه المادي الذي نفسر فيه النتائج دائما بمقدمات مادية، لأن لله في خلقه شؤونا نجهلها متى كان تفسيرنا للأحداث في غياب الوعي الروحي، لأن هذا الوعي حينما يحضر بخصائصه في أمة يصبح للتفسير التاريخي معنى مختلفا، نراه بارزا في غزوة حنين التي أعجب فيها القوم بقوتهم فانهزموا: }ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين{.

في مثل هذه الحادثة يتوقف تفسير الأحداث في صوء القانون المادي للأسباب، ليظهر القانون الروحي، ولذلك وجدنا رسول الله e ينادي وهو في المعركة والقوم فارون "أصحاب العقائد" بصفة خاصة يقول الغزالي: ((لقد هداه الحق أن يهتف بأصحاب العقائد ورجال العقائد عند الصدام فهم وحدهم الذين تنجح بهم الرسالات وتفرج الكروب، أما هذا الغثاء من العوام الحراص على الدنيا، السعاة إلى المغانم فما يقوم بهم أمر أو تثبت بهم قدم)).

إن الشاعر أبا اليقظان كان إذن ينطلق في رؤية عقدية توحيدية تجعل من التوحيد النواة التي تنبثق عنها تصرفات وسلوكات البشرية في الصغير من أمرها والكبير.

تلك هي القاعدة الأساسية في تصور الشاعر ورؤيته، ولكن ذلك لا يهمش جوانب هامة في هذه الرؤية، إذا يعد التمسك بكتاب الله وسنة رسوله أساسا من أسس استمرار في قصيدة "حياة النبي e يتساءل تساؤلا العارفين:
ويعلو صيتهم في العالمينا؟
كما كانت بعهد الراشدينا


متى يعتز شبان المسلمين
وتقوى شوكة الإسلام حقا




وهو تساؤل -كما ترى- يحمل دلالة عميقة لأنه السؤال الذي طرحه غير واحد من كبار مفكري السؤال الذي إما بصيغة: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وإما بصيغة: أين الخلل؟.

فهذه الأسئلة الكبرى كلها تنشد طريق النهضة ومنهج العودة إلى دولة العز التي لم يعرف التاريخ في أي لحظة من لحظاته دولة رضي الله عليها وصرح بذلك بما لا يدع مجالا للشك كما رضي عن تلك الدولة المحمدية التي وصف بناتها بأنهم ممن "رضي الله عنهم ورضوا عنه".

إن لشاعر يطرح هذا السؤال ثم يعمل فكره وشعوره في الطروحات الحضارية المختلفة فإذا هو يرفض مبدأ الصدفة وخلق الاستكانة والجمود والذوبان في الغير، يرفض كل ذلك كصيغة من الصيغ المطروحة في الفكر العربي المعاصر ثم يقرر ما يراه، في رؤية شعرية يتعانق فيها القلب والعقل لتكون رؤية شعرية لها مذاق الشعر الرسالي الحق.
ننال الظفر والعز المصونا
الحكيم فلم يزل حبلا متينا
وعن آثار خير المرسلينا
السعادة، كنزها دنيا ودينا
الحياة وشمسها في الآبدينا
لهذا الكون يحي الميتينا
لتحرير الشعوب البائسينا
وإنقاذ لهم من مرهقينا
نظاما لم يضعه الواضعونا
قواعد حار فيها الباحثونا
فتمت رغم أنف المفسدينا
وذاك نظامه للعالمينا
بأمتهم لصف الناهضينا؟
ويعلوا مجده متماسكينا؟
لنا أسمى مقام الكاملينا؟


خليلي لا بذاك ولا بهذا
ولكن بالرجوع إلى الكتاب
وتطبيق لحال العصر عنه
رسول الله سرّ الكون، رمز
رسول الله قلب الخلق روح
أتى كملقّح بذر الحياة
أبي يدعو إلى الإسلام حقا
ولخليص العباد من العباد
وأسس لاجتماع واقتصاد
وأنشأ في السياسة والحروب
ورسم خطة للكون فيها
وتلك حياته المثلى لدينا
فهل من مقتفين به فيرقوا
ويحييوا عزة الإسلام حقا
ألسنا خير أمة، خير قوم




إن الرؤية الشعرية هنا، وفي هذه الأبيات -التي اقتطعتها من قصيدة طويلة اقتطاعا يمكن أن يخل بالتصور والفكرة- تنقلنا إلى أجواء يتعانق في أحداثها نبض القلب مع حكمة العقل ليعطيا تفسيرا إسلاميا لمشكلة النهضة، وبذلك أضحت الفلسفة الغربية بكل مدارسها عاجزة عن تقديم الحل الأسمى والمنهج السليم لهذه الأمة في رأيه:

فمن "روسو" ومن "هوجو" ومن إذا قيسوا برأس المصلحينا؟

ورأس المصلحين هو محمد e وعليه فإن الرجوع إلى الكتاب الحكيم هو وحده الذي لا يزال الحبل المتين الذي متى كانت لنا عقول تقدر على تنزيله على الواقع المعاصر لتحلل أحداثه وحركة التاريخ فيه على ضوئه وضوء سنة الرسول e تحققت المعجزة المنتظرة كما تحققت زمن الخلافة الراشدة.

فالرسول لدعوته الربانية هو سر الكون، وهو رمز السعادة وهو مفتاح مااستغلق من أمور دنيانا وأخرانا، ذلك لأنه جاء من لدن الله ليبذر بذرة الحياة التي تحيي في هذا الكون الموتى حضاريا والموتى عقديا والموتى اجتماعيا وأخلاقيا وسياسيا واقتصاديا.

إن الرؤية الشعرية هنا ترى حركة التاريخ من خلال تقاطع الثابت المتغير ولذلك تمكن الشاعر من التيقن مبكرا من أن النظريات الغربية لا تملك أن تجيب عن التساؤل الحضاري الجديد، لأن "هوجو" و"روسو" ومن سار على دربهما قد ظلّوا الطريق حينما فرقوا بين الثوابت والمتغيرات ولم يتعاملوا معهما متظافرين في حلّ المشكلات الحضارية، في حين كان النبي e قد اعتمد في تأسيس المجتمع عليهما بحسب الوحي.

وأسس لاجتماع واقتصاد نظاما لم يضعه الواضعونا

هنا يكمن السر، هذا يضع قواعد تنزيلية جاءت من عليم حكيم، وأولئك يضعون قواعد يستنبطونها من الواقع وحده، والواقع يعجز عن تقديم البديل الأصلح، وإذا كان كذلك فإن في حياة الرسول e "المثل" الأكمل وفي نظامه نموذج الصالح لكل زمان ومكان.

ولهذا السبب تساءل الشاعر مرة أخرى في آخر هذه القصيدة التي تعد من الأدب الإسلامي الرسالي كما يلي:
بأمتهم لصف الناهضينا؟
لنا أسمى مقام الكاملينا؟


فهل من مقتفين به فيرقوا
ألسنا خير أمة، خير قوم




إن النهضة في هذه الرؤية الشعرية متوقفة على اقتفاء أثر الرسول ومعناه أن النهضة التي يتحدث عنها ويدعو إليها هي التي ترفضها بعض الرؤى التغريبية التي ترى في المشاريع الغربية مثلها الأعلى، وهنا يكمن سر الصراع في الوطن العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة. إذ ترى الرؤية الإسلامية الخيرية والتقدم والازدهار في التمسك بثوابت الأمة كما يصوغها الوحي قرآنا وسنة بينما ترى الرؤية التغريبية الخيرية والتقدم في الأخذ بمنهج اللائكية.

وهذا الصراع هو الذي جعل الشاعر يصوغ المسألة معتمدا على الآية القرآنية الكريمة التي تنص: }كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله{. وإذا أخذنا فعل الكينونة هنا على أنه قد صيغ في الماضي ليفيد استغراق الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل فإننا نستطيع أن نستنتج أن الشاعر يرمز إلى مسألتين من أهم المسائل المتعلقة بمشكلات الحضارة هما:

أ- الخيرية متوقفة على ثلاثة عناصر هي: الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه العناصر تعيدنا في الواقع إلى بداية الحديث عن الرؤية الإسلامية لهذا الشاعر وهي انبثاق الأفكار والأفعال عن التوحيد.

ب- النظرة المستقبلية التي يوحي بها فعل الكينونة تحولت بسببه الآية إلى الأسلوب الشرطي، بحيث يصبح المعنى كما يلي: من كان يريد أن يكون خير أمة فعليه أن يؤمن بالله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبذلك تنتهي القصيدة للحظة تنوير وتفاؤل يمثله الشطر: "لنا أسمى مقام الكاملينا"، ولكن ذلك ليس مطلقا فهو مقيد في نظره بمدى وعي الأمة بهذا الشرط، إذ أن النظرية لها عكسها لذا قال:

لا نهي بل لا أمر بل لا منهي وكذاك كان ختام كل الهالكينا

وبهذه الفكرة يلتقي تماما مع المفكر مالك بن نبي -رحمه الله- الذي كان يرى أن النهضة مشروطة بالتشبث بالمبادئ: ((وليس يكفي مجتمعا لكي يصنع تاريخه أن تكون له حاجات، بل ينبغي أن تكون له مبادئ ووسائل تساعده على الخلق والإبداع)).

والواقع أن تحديد "مقام الكاملين" بالضبط اعتماد على الإحالة إلى الآية السابقة بحمل دلالة كبيرة في التفسير الحضاري للأدب، إذ أن "الكمال" هو مطلب جميع المصلحين وهو غاية الأنبياء والمرسلين، ولئن كانت الطروحات الحضارية تختلف في الطريق إلى ذلك فإن الرؤية الشعرية هنا قد حددت الطريق إليها في مطلع القصيدة كما رأينا ورجعت إليه في خاتمتها، وذلك لتبين أنه: ((على هذا المنوال جاء الإسلام لينسج حضارته العظيمة حين وهب للعالم تماسكا وروحا جماعيا، خطّ له اتجاهه التاريخي بعد أن كانت تسوده الأهواء الفردية، لقد (جعل) القرآن من البدوي إنسانا متحضرا)).

إن رؤية هذا الشاعر إلى الحياة عميقة ومتماسكة ومنسجمة ولهذا تراه في قصيدة أخرى، وفي مناسبة أخرى يطرح الموضوع مقترنا بالمساجد باعتبارها مهد الحضارة الإسلامية ومنبرها الإعلامي الذي تعلن فيه عن أفكارها ومشاريعها، وتعمل من خلالها على تغيير النفوس والعقول والواقع.

ثانيا: مفهوم الإصلاح: من الطبيعي أن ينبثق مفهوم الإصلاح والتغيير من مفهوم الإسلام الذي يدور حول محور واحد هو الله وينطلق من نواة واحدة هي التوحيد.

وعلى هذا الأساس كانت الرؤية الشعرية في المجال الإصلاحي تتحرك بالعدسة نفسها التي كانت تتحرك بها في مفهوم الإسلام، وآية ذلك أنه قد قال في مقدمة قصيدة ألقاها في مهرجان جمعية العلماء سنة 1934: ((أيها السادة لا يخفاكم أن جمعية العلماء بمثابة الطبيب الحاذق والأمة الجزائرية بمثابة المريض، وقد انتابته العلل والأسقام من نواح مختلفة، فحص ذلك الطبيب هاتيك العلل فأرجعها إلى علة واحدة ألا وهي ضعف الإيمان ولهذا فقد وجه كامل جهوده لمعالجة هذا المرض قبل كل شيء)).

وهذا النص على قصره يعد مفتاحا أساسيا في الدخول للرؤية الإصلاحية في شعر أبي اليقظان، إذ كشف لنا أن العلل الإجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية، والأخلاقية مردها جميعا إلى سبب واحد هو "العقيدة" وعلى هذا فإن إصلاحها يتوقف على إصلاح العقيدة.

على أن المنهج الإصلاح يختلف عن منهج التغيير، لأن الأول يليق في مجتمع علته هي "ضعف الإيمان" أما الثاني فيعتمد في مجتمع لا إيمان له، ومن هنا وجد الطريق إلى العلاج في الإصلاح، بينما كان قد وجده في الموقف الخاص الذي نظر فيه إلى المستعمر في المنهج الثاني "الثورة" والتغيير الجذري" إذ كان قد دعا إلى تنكيس الصلبان وتحطيم الطغيان كما رأينا، ووصف لحظة الانتصار وصفا يعج بالألفاظ الثورية كالمدفع واللهيب والثوار والدماء والأنصار وغير ذلك مما يمكن أن يلاحظ في قوله:
ولهيبها يا أيها الثوار
تصبو لها يا أيها الأحرار
نحو المرام فهابكم فجار
ونجمة، وكذلك الأنصار


سكتت مدافعكم وخف دويها
من بعد ما أدت مهمتها التي
أجريتم سفنا على بحر الدما
بدلتم العلم المثلث بالهلال




إن المنهج هنا منهج تغيير ثوري يستهدف الجذور لاستئصال الاستعمار الذي كان يحس به دائما جسما غريبا على هذا المجتمع في كل مقوماته.

إن الرؤية الشعرية في مجال الإصلاح تختلف عن الرؤية التي رأيناها في مجال التغيير وسبب ذلك أن زاوية النظر كانت تختلف، باختلاف الإيمان الذي من طبيعته الزيادة والنقصان، والوجود والعدم، فالإيمان الذي يضيء للشاعر زاوية النظر هو نفسه الذي يستخدم مقياسا لاختيار المنهج الذي يتراوح بين الثورة والإصلاح.

على أن الإصلاح قد يعمد إلى الجزئيات فيجسمها ليفحصها كالطبيب الماهر لعل العلاج يكون أيسر، ومن هنا كانت الرؤية تتوقف أحيانا عند هذه الجزئيات لتبرزها.

ويأتي على رأسها فساد العلم والعلماء، إذ بفسادهم تفسد الأمة وبصلاحهم صلاحها، ومن ثم نجده يفرق بين نمطين من العلماء:

1- المصلحون، وهم الذين:
لها السبيل بحالك الأعصار


يستجلبون من المعارف ما يضيء




2- المفسدون وهم الذين:
أنوارها كاللص من إقمار
ويعاكسون مجاري الأنهار
يخشونه من قوة الجبار


يتأملون من العلوم إذا بدت
يقفون في سبل النهوض كعثرة
يخشون من ظل الموظف ضعف ما




وهذا يبين أن حجر الزاوية في الرؤية الإصلاحية لدى أبي اليقظان تتسم بالشمولية والتركيز على نقاط القوة والضعف، فهو لم يعمد إلى الإصلاح السياسي لأن ذلك يتطلب وسائل وإمكانات قد يعجز عن تحضيرها فضلا عن استحالة تحقيق الهدف بها في ذلك الوقت على الأقل، وإنما عمد إلى إصلاح العلماء أي إصلاح الثقافة، وبهذا يختلف بعض الاختلاف منهجه عن منهج المصلحين في المشرق إذ أن الشيخ محمد عبده قد واجه مشكلة الإصلاح من زاوية مختلفة فبعد أن أدرك حقيقة المأساة الإسلامية وجد من الضروري أن ينظر إليها كمشكلة إجتماعية على حين أن أستاذه جمال الدين قد تناولها من الزاوية السياسية، أما هو فيواجهها من الزاوية الثقافية، فمنهج أبي اليقظان يصب في منهج الشيخ عبد الحميد بن باديس، فكلهم رأى الإصلاح في العقيدة عن طريق إصلاح العلماء وربما لذلك السبب كانت الحركة الإصلاحية في الجزائر مطبوعة بهذا الطابع سواء في الشمال حيث كان يتحرك إمام النهضة أو في الجنوب حيث كانت تتحرك أقلام مثل الشيخ بيوض وأبي اليقظان والشيخ اطفيش، ففي الجزائر بصفة عامة كانت الجهود الإصلاحية منصبة على إصلاح العقيدة بإصلاح التعليم، ولذلك كانت الحركة "قد أفسحت المكان شيئا فشيئا لقيام مؤسسة عظيمة الأهمية هي مؤسسة التعليم الحرّ".

ولقد كان هذه الرؤية الجزائرية المتميزة خير سلاح يقاوم به الاستعمار الفرنسي الذي كان يتميز بحقد دفين على المعارف الإسلامية، ترجمته السلوكات العدوانية التي كانت تشن على العلم بضراوة ووحشية كبيرة.

إن الرؤية الشعرية الإصلاحية التي تميز أبا اليقظان كانت تتحرك في المجال الزماني والمكاني الذي صنعته الأجواء العامة للوطن، ومن ثم كان صورة لنشاط الجمعية الإصلاحية، ولكن ذلك لم يمنع الرؤية من أن تتجاوز مسألة "العلم" إلى مسألة أخرى هامة هي "التطور والتجديد" ولهذا نجد الشاعر يصوغ هذه القضية كمشكلة حضارية كما يلي:


برجالها الأخيار والأشرار
ورقيها في سائر الأطوار
فيه الصلاح ودفع كل طوار
المختار والإجماع والآثار


إن البلاد حياتها ومماتها
فالأولون مجددون لمجدها
يتطورون مع الزمان لجلب ما
بعد التمسك بالكتاب وسنة




الثابت والمتغير هو حجر الزاوية في الصراع الداخلي للشعوب والأمم، وبقدر نضج الوعي بهما وبحركة التاريخ في ظلهما وعدمه يتحدد الصراع في طبيعته وقوته وعنفه ولينه، وهذه المسألة الهامة هي التي تصوغها تلك الأبيات لتفرق بين الأخيار والأشرار، فالأخيار يفهمون الحياة فهما يتماسك فيه المتغير بالثابت، ومن ثم يصبح التمسك بالكتاب والسنة منسجما تمام الانسجام مع التجديد والتطوير والتحديث، لما كانا يمثلان الوحي الذي يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان لا من حيث هو عرق أو جنس من الناس يتميز بقومية أو بجهة أو بعنصرية معينة، وفي مثل هذه الحال التي يكون التصور قادرا على المزج بين الثوابت والمتغيرات تكون البلاد في أمن من السقوط وتكون الحضارة في أمن من الانحدار، ومن ثم كان التركيز على نوعية الرجال العلماء بمثابة قاعدة لضمان "حياة البلاد"، لأنهم يضعون عينا على الثابت وعينا على المتغير لئلا يتسبب تضييع أحدهما في موت البلاد.

أما الأشرار فهم أولئك الذين تقف بهم عقولهم دون إدراك حركة التاريخ في ظل ثنائية شرطية تجمع بين الثوابت والمتغيرات، ومن ثم تجدهم إما مضطرين لتقليد الغرب ظنا منهم بأن المتغيرات عندهم تتحرك في غياب ثوابتهم، وهذا جهل فظيع تقع فيه كثير من الذهنيات، إما مضطرين لتقليد السلف كيفما اتفق، دون قدرة تعينهم على التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير، ومن ثم يتعاملون مع الثراث تعاملهم مع الوحي وهذا عين الفساد في التصور.

إن هذين النمطين يعدهما الشاعر من "الأشرار" لأنهم في الحقيقة يلتقون في نقطة واحدة على اختلاف مذهبيهما وهي "تبديد الشمل"، وعلى حد تعبيره:
ولما لها من عزة وفخار
ويعاكسون مجاري الأنهار
يبدو من الإصلاح والأفكار


والآخرون مبددون لشملها
يقفون في سبل النهوض كعثرة
يتسابقون إلى إبادة كل ما




والواقع أن هذه الفكرة التي يتحدث عنها أبو اليقظان هنا هي من النضج الفكري بمكان، لأن هذه الأبيات في الواقع تطرح بشكل جيد وفني نظرية مالك بن نبي التي صاغها في المعادلة التالية: الحضارة= إنسان (الأخيار) + زمان + تراب (بلاد).

وأي تغيير في العناصر التي طرحت يؤدي حتما إلى تعطيل عجلة الحياة السعيدة ومن ثم كان التركيز على "الإنسان" بحيث يكون خيّرا لا شرّيرا، وعلى "الأفكار" بحيث تكون مستقاة من "الكتاب والسنة" وعلى "البعد الزماني" بحيث تميز المتغيرات من الثوابت لئلا نعاكس (مجاري الأنهار الزمنية).

ولا شك أن كل هذه العناصر لا يمكن أن تعطي ثمارها إلا وهي مركبة (تركيبا) سليما في حركة التاريخ "فالحياة لا تحلل الظواهر وإنما تركبها، فإذا ما كانت العناصر متوافقة قابلة للاندماج صاغت منها الحياة تركيبا، أما حين تكون متوزعة متضاربة، فإنها تجعل منها (تلفيقا) أي مجرد تكديس هو والفوضى صنوان".

إن هذه الوقفة التأملية التي صاغها الشاعر ليعبر عن رؤيته الشعرية الإصلاحية، لا تكتمل بالحديث عن هذه التركيبة التي تشير إلى اتحاد عناصر أساسية في البناء الحضاري هي [الأخيار + الأفكار + البلاد + الوعي بالثوابت والمتغيرات] وإنما تكتمل بضرورة "الأخذ بالأسباب" وعلى رأسها تحويل الأفكار إلى "إرادة" و"عزم"، وهذا ما يقصده بقوله:
ما شدتم له بالعزم دواوينا
ما خضتم له بالحزم ميادينا


العز لكم أبدا
المجد لكم حقبا




العز والمجد مرهونان بالإرادة والحزم والعزم، وفي غياب الإرادة يصبح ذلك مجرد فكرة وهمية ليس أكثر من الأماني والأحلام.

والحق أن الفرق بين الأبطال المصلحين والأبطال المفكرين هو فرق بين من يحوّل الفكرة إلى فعل يدفع به عجلة التاريخ، ومن يكتفي من الفكرة بالأماني، ولذلك نجد كثيرا من المفكرين الذين يسجل لهم التاريخ مآثر خالدة في المجال الثقافي قلما يدخلون التاريخ في الحركي، ولعله لذلك السبب صاغت الآية القرآنية مسألة "التغيير" بالتركيز على "النفس" دون "الفكر" فقال تعالى: }إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم{، وقال في موضع آخر: }ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم{، فذكر النفس في الحالين ولم يذكر "الفكر" لأن تغيير النفس يشمل الفكر والمشاعر والوجدانات والانفعالات، وهذه كلها مجتمعة هي التي تصنع الدافع القوي الذي يحرك إرادة الإنسان نحو الحدث الذي منه يعجن التاريخ ليسوّى منه إمّا الفعل الحضاري وإمّا الفعل المدني، بحسب طبيعة الفكرة التي توجه الإرادة، والفرق بينهما هو الفرق بين العمل الصالح المرتبط بالإيمان، والعمل الإيجابي الخالي من الإيمان، فكلاهما عمل ولكن الروح التي تسري فيهما هي التي تختلف، بحيث تضمن لأحدهما الاستمرار والخلود والبقاء، وتحتم على الثاني ليخضع لسنة السقوط والتدهور يقول سيد قطب -رحمه الله- : ((ولابد أن نقف قليلا عند نص هذه الآية... إنه من جانب، يقرر عدل الله في معاملة العباد فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم ويبدلوا سلوكهم ويقلّبوا أوضاعهم ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها... ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم حين يجعل قدر الله به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله، ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنيا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم، ومن الجانب الثالث يلقى تبعة عظيمة، تقابل التكريم العظيم، على هذا الكائن، فهو يملك أن يستبقي نعمة الله عليه ويملك أن يزاد عليها إذا هو عرف فشكر، كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر، وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه.

وهذه الحقيقة الكبرى تمثل جانبا من جوانب التصور الإسلامي لحقيقة الإنسان، وعلاقة قدر الله به في هذا الوجود، وعلاقته هو بهذا الكون وما يجري فيه، ومن هذا الجانب يتبين تقدير هذا الكائن في ميزان الله وتكريمه لهذا التقدير، كما تتبين فاعلية الإنسان في مصير نفسه، وفي مصير الأحداث من حوله فيبدو عنصرا إيجابيا في صياغة هذا المصير بإذن الله وقدره الذي يجري من خلال حركته وعمله ونيته وسلوكه وتنتفي عنه تلك السلبية الذليلة التي تفرضها عليه المذاهب المادية، التي تصوره عنصرا سلبيا إزاء الحتميات الجبارة، حتمية الاقتصاد، وحتمية التاريخ وحتمية التطور إلى آخر الحتميات التي ليس للكائن الإنساني إزاءها حول ولا قوة، ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تفرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول، كذلك تصور هذه الحقيقة ذلك التلازم بين العمل والجزاء في حياة هذا الكائن ونشاطه وتصور عدل الله المطلق، في جعل التلازم سنة من سننه يجري بها قدره ولا يظلم فيها عبد من عبيده)).

إن الإرادة هي التي تحول الفكرة إلى حركة، ولكن هذه الإرادة نفسها تقترن بالعقيدة اقترانا وثيقا، يصطبغ على أساسه ناتج الحركة ليكون بعد ذلك عملا صالحا أو عملا غير صالح في نظر التصور الإسلامي الصحيح، وهذا هو ما تريد الرؤية الشعرية التي انبثق عنها البيتان السابقان أن تعبر عنه لتربطه بعمل الأخيار في بناء الدولة أو تربطه بعمل الأشرار في هدم الدول والمجتمعات.

ولعل من المفيد أن نشير إلى النواة العقدية التي بني عليها هذا التصور الشاعري للحياة، إذ أن اختيار مصطلحي "الأخيار" و"الأشرار" للدلالة على أن دور هذه الثنائية الضدية في البناء الحضاري للمجتمعات لم يكن عملا اغتباطيا فرضته القافية الشعرية، وإنما هو اختيار مقصود تقتضيه البنية العقدية والثقافية التي يتحرك في أجوائها الشاعر شعوريا ولا شعوريا.

إن هذه الثنائية تحيل بكل تأكيد على قول الله تعالى: }إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البريئة، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة...{ الآية.

إن هذه الآيات هي التي بصمتها الرؤية الشعرية التي استوعبت الانسانية الضدية للبناء الحضاري التي يرمي إليها الشاعر أبو اليقظان، وتحدد بدقة متناهية البعد الحركي لعمل الإنسان في هذه الحياة بحيث ينقسم إلى منحيين تبعا لمصدر الحركة وبناء شخصية هذا المصدر، فإن كان المصدر من الذين كفروا فإنه يدمج في دائرة "شر البريئة" وهم الذين يعنيهم الشاعر بـ "الأشرار" أما إن كان المصدر من الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنه يدمج في دائرة "خير البريئة"، وهم الذين يقصدهم أبو اليقظان بـ "الأخيار"، وهم الذين رضي الله عن عملهم وحركتهم لأنهم حينما كانوا يعملون كانوا يستحضرون رقابة الله في سرهم وعلانيتهم فكانوا بذلك خير أمة أخرجت للناس لتعطي النموذج الحضاري الفريد الذي لم يتكرر في تاريخ البشرية كلها.

ومن الواضح أن الحكم بالخيرية للنمط الثاني والشّريّة للنمط الأول حكم قاطع لا جدال فيه، وذلك لأنه مهما يكن من صلاح بعض أعمال "شر البرية" وصلاح بعض آدابهم ونظمهم فإنها تبقى أعمالا خاوية من الإيمان، كما أن أعمال "خير البرية" هي أعمال صالحة ليس بسبب صلاحها في ذاتها ولكن إضافة إلى ذلك بسبب الإيمان الذي يزكيها ويباركها، إنه الإيمان الذي ينشئ آثاره في واقع الحياة، ومن ثم كان الكفر دلالة على الشر الذي لا حد له، وكان الإيمان دلالة على الخير البالغ أمده كما يقول سيد قطب.

هل يمكن أن نشك الآن في كون الشاعر قد اختار مصطلحي "الأخيار والأشرار" اختيارا وقصد إليهما قصدا ليعبر عن دورهما في إحياء البلاد وإماتتها حسب التصور الإسلامي للبناء والعمران؟

أجل ذلك هو الفهم الشاعري للحياة كما يراه أبو اليقظان الذي ينظر إلى الحضارة على أنها ناتج تفاعل العمل الصالح مع الإيمان وقوة الإرادة.

ولكن يضع مع ذلك شرطا أساسيا ومهما للغاية وهو تجنب "الجمود" لأن الجمود يفضي لكل دمار كما يفضي إلى ذلك عمل الأشرار، والسبب في ذلك هو أن العمل على إرساء قواعد المتغيرات كما لو أنها ثوابت هو مصارعة للزمان، ومن البديهي أن الزمان لا يصارع لأن حركته خاضعة للسنن الإلهية التي قضى الله أنها لا تتحول ولا تتغير يقول أبو اليقظان:
يمشي بنا" يفضي لكل دمار
إن لم تكن برضى فبالإجبار


وتيقنوا أن الجمود "وعصرنا
إن لا محيص لجيلنا من دورة




فالشاعر يرى بعين البصر والبصيرة أن الجمود يسوق الشعوب والأمم والحضارات إلى الدمار، ويؤكد هذه الفكرة في البيت الثاني ليدلنا على عجلة التاريخ التي تمضي بقوة بحيث لا يسلم من شرها إلا من اتخذ لذلك سببا، ولا يستفيد من خيرها إلا من اتخذ لذلك سبيلا.

وينبغي أن ننتبه إلى أن الشاعر يستخدم المصطلح بدقة فهو يعني الجمود بالضبط، لأن الثوابت كان قد أشار إليها من قبل وأصرّ على ضرورة التمسك بها لأنها بمثابة صمام الأمان للفعل الحضاري المفضي إلى رضوان الله الذي هو قمة "الحضارة"، وهذا الرضوان مرهون بالخشية من الله، ومظهر هذه الخشية هو الإيمان والعمل الصالح، وبعبارة أخرى هو الإيمان والاستقامة ذلك لأن الله قال وقوله الحق: }إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون...{ الآية.

إن الجمود هو الوجه المقابل للحركة، وهو من عوامل التخلف الذي تعاني منه الأمة الإسلامية، كما أن الثابت هو الوجه المقابل للمتغير، وهو أهم عامل للتطور، والسبب في ذلك هو أن تفاعل المتغير بإزاء الثابت يختلف عن تفاعل الجامد مع المتحرك، لأن الثابت صالح لكل زمان ومكان، ومن ثم يبقى منسجما مع المتغير الذي تستدعي عجلة الزمان وتغير المكان تحوله من حال إلى حال أكثر انسجاما، أما الجامد فقد تجاوزه المتغير لأنه ليس صالحا لكل زمان ومكان، وغدا هو والمبتور عن أصله سواء.

وهذا الأمر هو الذي أرّق الشاعر أبا اليقظان فصاغه في قصيدة أخرى كما يلي:
بين الزعازع تبتغون ظهورا
إن رمتم بعد الحياة نشورا


يا ناهضين من الرقاد ظهيرة
حثوا المطي إلى الأمام بسرعة




إلى أن قال :
من غير أن تسقي الحياة دهورا
والجذر منها قد غدا مبتورا


من ذا الذي يرجو الجنى من دوحة
من ذا الذي يرجو الجنى من دوحة




إن أبا اليقظان يعد بحث شاعر الرؤية الإسلامية الواعية لحركة التاريخ وعيا حضاريا متميزا عن غيره من الشعراء الجزائريين بحيث يمكن أن نصوغ الرؤية الشعرية التي صاغها أبو اليقظان في ديوانه بطريقة مالك بن نبي كما يلي:

الثابت + المتغير = التطورـــ الحضارة

الجامد + المتحرك = التخلف ــ السقوط.

التغريب (المبتور) + المتغير = الضياع ـــ (الذوبان في الآخر).

ولكن يبقى السؤال الذي يطرح بشكل تقليدي دائما هو: أين تكمن الجمالية في هذه الرؤية الشعرية؟ هل هي في البعد الشكلي الذي حافظ فيه على نظام القصيدة العمودية؟ أم هي في طبيعة المشاعر التي تثيرها في أعماق الإنسان السوي هذه الرؤية الشعرية بالذات؟.

التشكيل الجمالي للرؤية الشعرية: من حسن حظ الأدب أن يكون التلقي قسمة بين أذواق مختلفة، منها التي تستحسن الفن الذي يثير فيها عاطفة معينة كالحبّ، ومنها التي تشعر بالمتعة القوية حين تستمع لفن يكشف "الحق"، ومنها تلك التي تصاب برعشة كبيرة أو نشوة حادة عند ما يلمس العمل الفني كوامن لاشعورية تعود لأيام الطفولة وربما لآلاف السنين التي كان الإنسان يعيش فيها على فطرته النقية، ومنها التي يهزها ضجيج الموسيقى اللفظية في النص الأدبي وهكذا.

ولقد كان لهذا الاختلاف في الأذواق دوره الكبير في جعل مسألة الأحكام الجمالية مسألة نسبية تتأثر أساسا بالذوق الذي يهيمن على الإدراك الجمالي للمتلقي، وعلى هذا الأساس رأينا أن نركز على التشكيل الجمالي لهذه الرؤية الشعرية من جهتين: جمالية المضمون، وجمالية الشكل وهما جماليتان مترابطتان إذ لا يمكن للمعنى أن يقوم بغير صورة وصوت وكل ما هنالك أن في الموسيقى يطغى عنصر الصوت وفي الأسطورة يطغى عنصر المعنى، وما دام العلماء "على يقين بأن الطريقة التي يفكر ويكتب بها كل باحث أو كاتب تفتح رؤية جديدة صوب البشرية"، فإن ذلك يسمح لنا إذا لم يفرض علينا أن نقيّم الجمالي تبعا للرؤية المهيمنة للشاعر، إذ من خلال بيان طريقة الكتابة (الجمالية) في مستوييها نستطيع أن نفتح رؤية جديدة.

جمالية المضمون: إذا كانت طريقة التفكير تفتح الرؤية فإن "الوعي الروحي" هو الذي يوجه طريقة التفكير، ويتحكم في مبدأ "اختيار الأدوات التشكيلية"، ولكن مما لا شك فيه أن "الوعي الروحي" هو وليد تظافر عاملين: العقيدة والثقافة وذلك ما يفسر مسألة التركيز على إعادة كشف الرؤية الشعرية في ضوء العاملين السابقين من أجل تحقيق المتعة واللذة الجماليتين:

فإذا قرأنا للشاعر أبي اليقظان قوله:
وفطرته الحسنى وما كان صافيا
شرورا فيختار الشقا والدّواهيا


أخاطب في الإنسان حرّ ضميره
أحقا يرى الإنسان من نور عقله




ونكون كما لو أننا قد قرأنا للشاعر نزار قباني قوله:

أرواحنــا تشــكو من الإفـــلاس

أيامنا تدور بين الزار والشطـرنج والنعـاس

هـل نحن خير أمة أخـرجت للنــاس ؟

هذه الأسطر تحقق استفزازا قويا لدى المتلقي، لا يقل عن الاستفزاز الذي تحققه تلك الأبيات، ولكن ما حقق لا يعود إلى تلك النغمة الموسيقية العذبة أو إلى الاستفهام!!

فاللذة التي يحققها النصان من نمط واحد ترجع بشكل أساسي للمشاعر التي يثيرها فينا جوّ المضمون أكثر مما تعود إلى الجرس الموسيقي أو إلى البنية اللغوية التي ركبت عليها الأبيات، إن الذي يهزنا هو نضج الفكرة في عمق الفهم الشاعري للحياة وليس هو نضج الأداة التي عبر بها الشاعران، وإن كان من الصعب الفصل بين الصوت والمعنى كما سبق القول.

دعني أقل إن الذي يحتم عليّ الإنشاد هو جمالية المضمون قبل جمالية الشكل، ولذلك نجد أنه ليس من الضروري أن نتحرك طربا لما نسمع، وإنما من الضروري أن نفكر بعمق في أبعاد ما نُنْشِد، هذه هي الحقيقة في جمالية المضمون، ولهذا يعد هذا النوع من الجمال هو تذوق الخاصة إن لم نقل هو من تذوق خاص الخاص، وقد سبق أن بيّن في التوطئة هذه المسألة كما أسس لها ذوو النهى.

ولكي يتبين ذلك جليا يمكننا أن نقارن مرة أخرى بين أسطر أخرى من الشعر الحر لنزار قباني نفسه، وأبيات أخرى للشاعر موضوع الدراسة.

قال أبو اليقظان وهو يخاطب جمعية العلماء المسلمين:
ألهبي فينا الحميّه
لا دعاء الجاهليّه
للود قضيّه


انعشي الأرواح منا
غيرة الإسلام أعني
واختلاف الرأي لا يفسد




وقال نزار قباني ينتقد وضع العرب في العصر الحديث:

خــلاصـة القضيّـه

توجـــز في عبـاره

لقد لبسنا قشرة الحضاره

والــروح جاهليّـه

قد أكون على يقين من أن الشاعر نزار قباني لم يستسلم لهذه الرؤية الإسلامية بسهولة، وقد أكون على يقين كذلك من أنه لم يطلع على أبيات أبي اليقظان، ولكن مع ذلك فإن الروح التي تسري في النّصين واحدة، وعملية الاستفزاز التي يحدثها النصان واحدة، بل والمعجم الأساسي المستخدم واحد، ومن ثم كان الحس الجمالي الذي يحقق اللذة واحدا، وأؤكد أنه ليس بسبب الضجيج الموسيقي وإنما هو بسبب الروح القلقة التي هي عامل مشترك بين أفراد المجتمع الإسلامي المؤمنين بالقضية، نعم "القضية" ولعل في قول رولان بارط ما يعزز هذا الكلام إذ يرى: ((أن الفن لا يعرف الضجيج بالمعنى الإعلامي للكلمة فهو منظومة نقية)).

ومعنى هذا الكلام أن الذي يلمس فينا أرواحنا إنما هو الثابت في الإنسان فالشّاعران قد حركا فينا "المنظومة النقية" بفضل ما تضمنه النّصان من خصائص "الوعي الروحي"، الذي من طبيعته أن ينمو في الروح الجماعية ببطء لأنه جزء لا يتجزأ من الرؤية الشعرية التي وإن تميزت من شاعر إلى آخر ببعض العناصر فإنها تبقى محتفظة بالعوامل المشكلة للتصور الأساسي للأمة، ذلك لأن: ((كل شيء جديد للرؤية الفنية يتهيأ ببطء خلال قرون، والعصر لا يخلق سوى الشروط المثلى لتفتحه النهائي ولإنجازه)).

وقد لفت نظري وقفة سريعة وقفها الدكتور محمد ناصر بوحجام عند قصيدة عزيزة علي كثيرا لأنها تجسم بحق قمة الرؤية الشعرية عند الشاعر أبي اليقظان هي قصيدة "ذكرى الإمامة الإباضية بالمغرب"، وما لفت نظري في وقفة الدكتور إلا تعليقه على القصيدة بما يلي: ((من حيث استيحاء هذه الألفاظ والعبارات إذ نجد أنفسنا أمام كتابة تقريرية تعتمد السرد التاريخي وتسجيل الأحداث، خالية من المشاعر والعواطف، والتموجات النفسية والظلال والإيحاءات التي تهز القلوب وتطرب النفوس، وفق الشاعر في اختيار الروي الذي يدل على السرعة والخفة للتعبير عن الزيادة الخاطفة في مدتها، الخفيفة في مناسبتها، وهي فصل الربيع الجميل)).

لعل حكم الدكتور بوحجام على القصيدة حكم سريع، اكتفى بالنظرة العابرة على الناحية الفنية دون أن يتعمق في الناحية الجمالية، لذلك انتهى لحكمين متناقضين، تقريرية في الصورة وتسجيل للأحداث وسرد للتاريخ وخلو من المشاعر وتوفيق في الموسيقى، فالناقد من جهة يؤاخذ الشاعر على تغييب خاصية التصوير ومن جهة يثني عليه لتحقيق النسق الموسيقي، ولعله قد وقع فيما يشبه التناقض لأن هدفه من الدراسة كان وقفا على الجانب الفني الضيق، أما الجانب الجمالي فلم يكن يعنيه، والحق أن الفرق بين النظرة الفنية والنظرة الجمالية كبير لأن الفن يحلّل لخدمة الجمال، فإن توقف التحليل عند ملاحظة الجزئيات دون أن يعيد النظر فيها مرتبطة بالعناصر الأخرى يكون تحليلا فنيا وليس جماليا إذ "هناك نقطة ثابتة: إنها غاية الفن، الغرض الذي يهدف له ويصبو إليه ويحسب كل يوم أنه قد دنا منه وهذه الغاية هي الجمال".

وبمعنى آخر إن "الفن نشاط مبدع والجمال بديع"، إن الجمال جوهر الفن وسبب وجوده لذا يكون التركيز عليه.

ومن ثم كان من المفروض في الحكم الجمالي أن يتخذ منهجا غير المنهج المستخدم في الحكم الفني، وعليه فإن دراستنا للعمل الفني ولهذه القصيدة بالذات سيستهدف ((الحصول على معرفة أوسع وأعمق بالإنسان ثم الاستعانة بهذه المعرفة لنخلص من كل الالتباسات المفترضة إلى جوهر الفن وسبب وجوده وهو الجمال)).

مطلع القصيدة هو:
نجل في الفضاء ونجل النظر
وكم في التنقل، كم من عبر


خليليّ هيا بنا للسفر
فكم في المسير من الموعظات




لا تظنن أن الشاعر قد كتب هذه القصيدة وهو في سفر أو أنه يستعد للسفر المادي، إن الشاعر هنا يدعو القارئ ليسافر معه ليخوض به أهوال البحر العميق أهوال الزمن، وهي أهوال لأنه لا يدعو القارئ للمتعة البصرية وإنما يدعوه للتخيل والتأمل، إذ "كم من المسير من الموعظات، وكم في التنقل كم من عبر؟ ((وهذا التنقل لا يكون بالسيارة أو الطائرة لأنها وسيلتان ماديتان لا تقويان على اختراق حجب الزمان وحجب الكتاب، وإنما يكون بالعقل بالناضج الذي يفهم المقاصد ويستنبط النتائج ويستخرج العبر، إنه إذن لا يدعونا حتى لمجرد استعراض الحوادث التاريخية أو سردها كما رأى الدكتور بوحجام بسبب اعتماد المنهج الفني، وإنما يدعونا للتأمل في تاريخ الأمم لنقرأه قراءة سننية، وهذه القراءة لا تتوقف عند الحسّ فقط، وإنما تتجاوزه إلى الفهم، ذلك لأن "العمل الفني مصنوع أولا من الحس كيما يحس لكننا نحس بشكل أفضل ما نفهم))، ولاشك أن ما نفهمه من قصيدة أبي اليقظان شيء عظيم جدا كما سنرى.

إنه بعد أن يعرض أمثلة من تاريخ الأمم لا يتوقف عند مجرد العرض ولكن يشير إلى الأسباب السرية والجوهرية، التي أدت إلى الازدهار أو تلك التي أدت إلى الانحدار، ويبين أن الانحدار والازدهار عمليتان تمثلان المنحنى الحضاري، فإذا كان الدولة الرستمية قد ازدهرت، فلأن الذين أشادوها كانوا متمسكين بأسباب الرقي الحضاري فهم:
ونهج الرسول ونور الأثر


أشادوا الحضارة طبق الكتاب




ولكن حينما ضيعوا أسباب الرقي والازدهار كان لابد لسنة الله أن تنفذ فيهم كما نفذت في غيرهم:
نواميس لا تعتريها الغير
تخالف حكم القضا والقدر
ـر للموت عند تمام العمر


ألا إن لله في خلقه
ولن تتبدل يوما ولا
وما في الوجود سواه يصيـ



إلى أن قال :
لشعب تمكن منه البطر
د عنه ويتركه في خور
ويطمع فيه العدو الأضر
وحاق الخراب به واستمر
توالت عليها جميع النذر


إذا ما أراد الإله الفنا
فلا ريب يحجب نور السدا
ويغري الرؤوس على بعضها
فجاء العذاب وحلّ التباب
كذلك شأن الإمامة إذ




تأمل الآن هذه المقطوعة التي اقتطفت من قصيدة طويلة جدا تبلغ مائة وثلاثة وستين بيتا، ثم حاول أن تتأمل أحاسيسك ومشاعرك ووجداناتك فإن شعرت بهزة عنيفة تحرك كيانك كله فاعلم أنها من سلطان الجمال الذي يملك قوة غريبة في السيطرة على العقول والقلوب في آن واحد، حتى إننا لنجد الله سبحانه وتعالى ينبهنا لذلك بقوله: }ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون{، ويقول في شأن بقرة بني إسرائيل: }صفراء باقع لونها تسر الناظرين{، ومعنى ذلك أن الجمال ليس هو ما يعجب فحسب ولكن هو مايسر أيضا، ولا شك أن مايسر ليس قصرا على الجانب الصوتي للقصيدة أو على الجانب التصويري لها، ولكن هو القصيدة بأكملها إذ أن العمل الفني يقوم على التقاء شركاء ثلاثة هي عناصر أساسية، عالم الواقع وعالم الصيغة، وعالم الخواطر والمشاعر، ومن الخطأ أن نحكم على العمل الفني من زاوية من هذه الزوايا وحدها، لأن ذلك بنز للكمال، وبهاء الشيء في كماله وإن كان الطريق إلى فهمه لا يتم إلا بتجزئته وتحليله، فذلك ليس مبررا للحكم بالجزء على الكل.

إن جمال قصيدة أبي اليقظان هذه لا يكمن في جودة الروي، ولا في الحس التاريخي، ولا في التصوير الغريب الذي يهيمن على الفكرة بطريقة عجيبة، بقدر ما يكمن في الوعي الحضاري الذي لم أجد مثله إلا عند مفكرين اثنين: العلامة ابن خلدون، والعلامة مالك بن نبي -رحمهما الله- وأرضاهما.

إن الشاعر في هذه الأبيات كان يقدم رؤية حضارية وإن شئت فقل كان يعرض تفسيرا إسلاميا للتاريخ، لكن بدل أن يعرضه أفكارا قدمه مشاعر ملتهبة، وفي ذلك عمق الجمال الذي يتجاوز الفن حينما يفهم كبنية من التقنيات التي تعرض خالية من الروح.

إن الشاعر لم يكن يستلهم السور الثلاثة (القمر، المدثر والقيامة) فحسب كما ذكر الدكتور بوحجام، ولكنه وهو الأهم كان يتمثل تمثلا جيدا الآيات القرآنية التي تعالج السنن الحضارية كقوله تعالى: }فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا{، وقوله: }إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم{، وقوله: }وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا{.

ولا شك أن استثارة معاني هذه الآيات في النفوس التي تفاعلت معها قبل ذلك هو بمثابة مفاتيح يلج من خلالها النص إلى اللاشعور ليحدث تفاعلا مع النفس هو أعمق من أثر التصوير والتخييل والضجيج الموسيقي لأنه يؤدي إلى المشاركة الوجدانية.

وهو إذ يؤدي إلى المشاركة الوجدانية لا يؤدي إليها في هذا الموضع على الخصوص باستثارة قضايا جزئية صغيرة في حياة الإنسان وإنما بتثوير معاني الآيات التي تعبر عن الثابت في السنن الاجتماعية، وبذلك تميز جمال قصيدة أبي اليقظان: ((فالشاعر الذي يصلنا بالكون الكبير والحياة الطليقة من قيود الزمان والمكان، بينما هو يعالج المواقف الصغيرة، واللحظات الجزئية والحالات المنفردة هو الشاعر الكبير النادر... والشاعر الذي يصلنا بالكون والحياة لحظات متفرقات يتصل فيها بالآيات الخالدة والحياة الأزلية أو بالحياة الإنسانية خاصة والطبيعة البشرية هو الشاعر الممتاز... والشاعر الذي يصدق في التعبير عن نفسه، ولكن في محيط ضيق وعلى مدى قريب، ولا تنفذ وراءه إلى إحساس بالحياة شامل، ولا إلى نظرة كونية كبيرة هو شاعر محدود)).

يبدو لي أنه من الواجب حينما نعمد إلى تحليل نص أدبي لغرض تقييمه أن نسدد ونقارب في التمييز بين نوعين من النصوص الشعرية، يمثل أحدهما الفن حينما يكون لعبا، وثانيهما الفن حينما يكون جدا، ففي الأول يمكن أن نركز فقط على الخصائص التركيبية لنبرز ضجيجها الموسيقي أو طريقة الإسناد التي أبدعت بفضلها صورها البيانية، أما في الثاني فلابد من إبراز المشاعر التي تلابس الأفكار والكلمات وكل البناءات التي تشكل النص وإلا سقطت بلاغة النص، لأننا عندئذ نكون بمنأ عن دراسة الكيفية التي بنيت عليها خصائص التراكيب في استجابتها لمقتضى الحال.

وأحسب أننا حينما نصنع ذلك نكون قد شرعنا في تحليل النص بمنهج جمالي لا فني وحسب، وبذلك نكشف النص الجميل الذي يسمو بذوق الإنسان.

ب- جمالية الشكل: لست في الحقيقة ممن يهوى هذه الجمالية لأنها تعتمد فقط على المنهج التفكيكي والتجزيئي في أغلب أحواله، وتعجز عن أن تعيد النص إلى حالته الطبيعية التي كان يحقق بها "السرور" و "الإمتناع".

ولكن قد يفيد هذا المنهج في إبراز بعض الخصائص التي تعطي ظلالا معتبرة حينما تحلل في ضوء التصور الذي تنبثق عنه، وذلك لأن تكيف النفس البشرية بالتصور المعين هو وحده الذي سيلهمها صورا من الفنون غير التي يلهمها إياها أي تصور آخر.

ولبيان ذلك يمكن أن نتوقف عند هذه الصورة الشعرية التي قد تبدو لأول وهلة بأنها من الصور التقليدية البسيطة التي لا عمق لها ولا بعد، ولكن عند التأمل العميق الذي يربطها بالتصور الكلي للشاعر سينكشف لنا منها تقنيات تعبيرية راقية تَنِمُّ عن رؤية جمالية هادئة وناضجة، يقول:
كلماته طي السجل رنينه
ذكراه تبقى بالخلود رهينه
بين الليالي الحالكات عيونه
بين الشعوب ولا تزال حنينه


عمر الفتى عرض يزول وهذه
بل وردة بسامة وأريجها
بل ومضة الإيمان يبقى نورها
بل نبضة بين القلوب وهزة




جمال هذه الأبيات يكمن في أسلوب الإضراب على الصور واستبدالها بصور أخرى يشعر القارئ من خلال ذلك أنه يتدرج من صورة إلى صورة بينما هو في الحقيقة يكشف وجوها للصورة الواحدة كانت مقنعة، وهذا الأسلوب يستخدم في القرآن الكريم بدقة متناهية للتعبير عن الفكرة التي لا يملك العقل الإنساني القاصر أن يدركها بالتصوير المألوف، ومثاله قول الله تعالى: }وما أمر الساعة على كلمح البصر أو هو أقرب{، فقد فسرت أو هنا بمعنى "بل"، ومعنى ذلك أن هناك: ((إضراب عن التشبيه الأول بأن المشبه أقوى في وجه الشبه ثم يعرض عن التشبيه بأن المشبه أقوى في وجه الشبه وأنه لا يجد له شبيها فيصرح بذلك فيحصل التقريب ابتداء ثم الإعراب عن الحقيقة ثانيا)).

هذا النموذج من أساليب التصوير عن طريق الإضراب من شأنه أن يجعل الصورة غنية وفعّالة، إذ بهذا التدرج الذي يجعل المعنى يكشف شيئا فشيئا تحدث عملية التشويق للقارئ ليعرف ما وراء هذا التدرج.

ومعنى الأبيات يتحدد عندئذ طبقا لهذه الحركة الذهنية التصويرية، فإذا أعمار الناس أعراض بينما كلماتهم جواهر، ولما كانت الأعراض قليلة الأهمية في نظر الإنسان المسلم فإن التركيز لابد أن يتم على "الجوهر"، ولذلك تكرر المشبه به بالنسبة للجواهر (الكلمات) فهي وردة، بل هي ومضة إيمان، بل هي نبضة بين القلوب بل هي هزة بين الشعوب، وبذلك أكسب الشاعر الكلمة قدسية ورفعة، تجعلها أهم ما يترك الإنسان بعد رحيله، ومن الملاحظ أن القرآن الكريم يجعل للكلمة الأسبقية على الفعل في الشهادة غدا يوم القيامة، كما يتجلى من قوله: }يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون{، ومعنى ذلك أن الصورة التشبيهية التي اعتمدها الشاعر في تلك الأبيات لبيان فكرة محددة تبني شكلا ومضمونا من التصور الإسلامي للشاعر فمن جهة نجد أسلوب التدرج في التصوير عن طريق الإضراب من أساليب القرآن، ومن جهة ثانية نجد روح الصورة يندرج في صميم التصور الإسلامي الذي يهيمن على الأداة والمعنى على حد سواء.

إن هذه الظاهرة التصويرية نجدها تتكرر عند هذا الشاعر إما عن طريق الإضراب بالحرف (بل) أو بالحرف (لكن) التي تفيد الاستدراك. وهي ظاهرة تعبر عن التعانق اللطيف بين الشكل والمضمون، إذ نجد مثل هذه الصور المستخدمة في بيان أهداف الإصلاح تستخدم هذا الأسلوب الذي من شأنه طلب الترقي من الأدنى إلى الأعلى نحو المثل الأعلى، فالصورة تخضع للتصور لذلك تشرح أو تستدرك أو تضرب بحثا عن التعبير الأكثر بيانا.

وهذا يعني أن الشعر الذي ينشد الإصلاح والتعليم هو شعر يبحث عن الوسيلة التي توضح المقاصد وتبلغ المراد، وتنفر من الغموض الذي ليس إلا نتيجة أحد الأمرين، إما الخوف من بطش السلطان وإما التعقيد الذي ينبثق عن بنية نفسية غير سليمة، تجد اللذة في المعميات من التعابير، وقد كان أبو هلال العسكري يعد إخراج مالا يحس إلى ما يحس من أجود أغراض التشبيه وأبلغها، وما ذلك إلا لأنها تزيل اللبس وتقضي على الغموض الذي يستهلك المعنى، وتحافظ على ذلك الغموض الذي يثريه ويذكي جذوة الشوق إليه.

فهو حين يدعو الناس في عبارات مباشرة تخلو من الأسلوب الشعري المتميز الذي عهدناه يعبر عن الفكرة بالصورة والمجاز إلى الصلاة، تراه واعظا، ولكن حين يقدم بعد الدعوة المباشرة التعليل والأسباب تراه مفكرا وشاعرا حكيما، ويمكن أن تستمع معي إلى هذه الأبيات:
حتى تنالوا الفوز والرضوانا
ضاعت لكم هدمتم الأركانا
يحمي البلاد وينعش العمرانا
تهدي بإبرة ضوئها الحيرانا
دنيا العروبة فاعتلت أوطانا
ب وللنفوس ولا تزال حمانا


لا تقعدوا في الباب لكن ادخلوا
إن الصلاة عماد هذا الدين إن
وإذا المساجد هوجرت فمن الذي
فهي القلاع لها وخير منارة
من مهدها درجت حضارتنا إلى
وهي المصحة للعقول وللقلو




إن جمال هذا النوع من الشعر يكمن في رؤيته للكون والحياة لأن المتعة التي يقدمها لا تتوقف على إثارة المشاعر والأحاسيس فحسب ولكن تتجاوزهما إلى إمتاع الفكر والعقل، وهما عنصران أساسيان في الحياة البشرية، إذ هما طريق إلى استثارة العواطف والانفعالات ووسيلة إلى تخزين التصورات التي تحكم الأذواق.

حقا إن الشعر الجيد تكون: ((الصور فيه براهين عبقرية أصيلة، وما ذلك إلا لأنها خاضعة في صياغتها لسيطرة العاطفة))، ولكن ماذا تعني الصور إذا لم تكن تعبيرا عن أفكار سامية ومشاعر وأحاسيس نبيلة؟.

إن الصور الشعرية وظيفتها التمثيل الحسي للتجربة الشعرية الكلية ولما تشتمل عليه من مختلف الإحساسات والعواطف والأفكار الجزئية، ولذلك فهي في الواقع تكتسب شرعيتها من طبيعة التجربة الكلية، بحيث قد تستغني التجربة عن الصورة، وتفضل الأسلوب المباشر إذا كان ذلك يحقق الهدف الرسالي بمعناه الدقيق بحيث يغير الكيان النفسي للمتلقي ويدفعه لتكوين موقف.

في هذا الإطار ينبغي أن يقرأ الشعر الجزائري الذي يمثل مجال رؤية شعرية متميزة سيطرت على الأدب الجزائري في مرحلة الإصلاح على الخصوص (1914-1962) ومنه شعر أبي اليقظان، الذي يبدو لي أنه قد عبر عن الرؤية الإصلاحية بصدق مما جعل الشيخ عبد الحميد بن باديس يثني عليه كما رأينا.

مجلة الموافقات/ إصدار: المعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر.من ص328 إلى ص358.

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-12-2009, 06:08 PM   #7
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

قراءة تربوية

في فكر الشيخ أبي اليقظان
أ‌. عزيز سلامي

الشيخ إبراهيم أبو اليقظان علم من أعلام الجزائر يندرج اسمه ضمن سلسلة ذهبية من أعلام الفكر والدعوة، والإصلاح والتجديد، والتربية والتعليم، عرف بذكائه الثاقب وشخصيته البارزة ومكانته العلمية المتميزة، تعددت مواهبه، وتوسعت مداركه، ظهر إلى الوجود في الساحة العلمية الجزائرية في فترة حالكة وزمن مضطرب من تاريخ الجزائر وهي تئن تحت وطئة الاستعمار الفرنسي الصليبي المدمّر، فانطبعت نفسه بذلك الاضطراب فولد ثورة داخلية كان يشعر بها كل مسلم جزائري غيور على دينه وأمته وتاريخه وحضارته، فما كان منه إلا أن عاهد الله وعاهد نفسه وعاهد أمته على المضي في سبيل تحرير الإنسان الجزائري المسلم من ربقة الاستعمار وتسلطه وجبروته، والذي لا يتم له ذلك إلا بتحرير نفسه وفكره من القابلية للاستعمار على حدّ تعبير مالك بن نبي رحمه الله.

فقد عمل الشيخ أبو اليقظان في مضمار إثارة الوعي، وتحريك الطاقات، وتنسيق الجهود، وتشخيص الأخطار والأعداء، وليس ذلك بغريب على رجل كان يجمع في شخصيته بين المعرفة الواسعة، النابعة من كليات الدين وأصوله، وبين الحركة الدائبة، والنشاط المستمر نحو إثارة الوعي من أجل التغيير المنشود.

عرفت حياة أبو اليقظان بثرائها، وكثرة أحداثها، وتزاحم نشاطاتها، وتعدد جوانبها العلمية والعملية، فترك إنتاجا فكريا متنوعا جمع فيه بين مختلف العلوم والمعارف من شعر وتاريخ وتراجم ومقالة ودراسات وغيرها من مجالات المعرفة العلمية الملتزمة.

انطلاقا من ذلك كله وأمام هذا الثراء العلمي والتنوع الفكري الذي حظي به الشيخ أبو اليقظان تجيء هذه المحاولة المتواضعة لتكشف على جانب هام وحيوي من جوانب اهتمامات الشيخ التي كانت تشغل باله على المستوى العلمي والعملي، ذلك ما تعلق بميدان التربية والتعليم.

النموذج التربوي المنشود: شغل موضوع التربية والتعليم بال الشيخ أبي اليقظان فأولاه اهتماما متزايدا ومركزا، ذلك إدراكا منه لما لهذا الموضوع من أهمية وحيوية وتأثير في كل وقت وحين وفي كل زمان ومكان، خاصة في تلك الفترة التي كانت تمر بها الجزائر ومثيلاتها من المجتمعات العربية والإسلامية تحت السيطرة الاستعمارية.

إن المطلع المتمعن في جريدة الأمة وجرائد عديدة قبلها، يجدها قد حفلت بمجموعة لا يستهان بها من الموضوعات التي تصب في صميم المسألة التربوية والمشكلات التعليمية المطروحة في الساحة العلمية آنذاك، فكانت عنايته بهذا الميدان عناية شديدة، وكان اهتمامه منصبا على ما يشغل بال الفرد الجزائري المسلم في دينه ودنياه في معاشه ومعاده، يمكن أن نذكر بعض العناوين من هذه المقالات فيما يلي:

إلى رياض العلم ومناهل العرفان، إذا كان في الجوع موت الجسد ففي الجهل ممات الروح، هل يستقيم للمسلم أمر في هذه الحياة بغير التمسك بالدين، قبل أن نأخذ في التعليم يجب أن ننتبه، إذا قيل عنك نابغة فودع الراحة، التدرج سر النجاح، نبوغنا الضائع وكيف يجب حفظه واستثماره، مذكرة بطلب العناية بالتعليم الديني في مصر، ماذا أعددنا لموسم العقول، أين تقاس رغبة الأمة في العلم والتعليم، وغيرها من المقالات الجريئة والحيوية.

إن الناظر المدقق في هذه العناوين على سبيل المثال يتضح له أن الشيخ أبا اليقظان ناقش أهم التناقضات التي كان يعيشها المجتمع الجزائري على المستوى الفكري والتربوي والاجتماعي والحضاري، وما يجب أن يكون عليه وفق المنهج التربوي الإسلامي، وعلى الرغم من أن المشكلات التربية والحضارية التي تناولها الشيخ بالدراسة كانت تحمل خطورة وأهمية في تعدد عواملها وتداخل أسبابها، إلا أنه -بثاقب فكره وتميز شخصيته وذكائه المتوقد وعبقريته الفذة- استطاع أن يفك الكثير من ألغازها والعديد من عراقيلها، يعود ذلك بالدرجة الأولى إلى تبني المنهج العلمي الذي سار عليه المصلحون من قبله والذي تلخص في النظرية الخالدة التي تمثلت في المقولة الشهيرة على لسان إمام دار الهجرة مالك ابن أنس رحمه الله في قوله: ((لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)).

ومن ثمة تبدو الحاجة الملحة في نظر الشيخ أبي اليقظان لعرض الإسلام عرضا شاملا مأخوذا من مصادره الأساسية بعيدا كل البعد عن الشوائب المشوهة، والتصورات الفاسدة، والأفكار الخاطئة التي علقت به، ولن تتحقق هذه الصورة الشاملة للإسلام برأي الشيخ إلا بإعادة بناء الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمدرسة المسلمة والمجتمع المسلم والحضارة الإسلامية.

ولا يتم تحقيق ذلك كله في نظر الشيخ أبي اليقظان إلا بالعلم والمعرفة والخبرة والتجربة، خاصة والأمة الجزائرية كانت عندئذ مصابة بداء الجهل الوبيل، والأمية الفتاكة، وكانت على حدّ تعبير أبي اليقظان ((مريضة بالجهل مرضا مزمنا))، فكانت عناية الشيخ منصبة على بيان سلبيات الجهل ومخاطر الأمية، ومعوقات الرقي والتحضر وأسباب الانحطاط والتخلف، وقد عبر عن ذلك في العديد من المقالات كما في قوله: ((إن الجهل علة العلل وقد فشا فيكم في الوقت الذي نطق فيه الجماد، فيجب عليكم أن تحاربوا الجهل وتكافحوا الأمية وتقبلوا كلكم إلى العلم كما أوجبه الدين وقضت به سنن العمران)).

وأقوى عامل من عوامل التخلص من هذا الداء وغيره من الأدواء هو ((الاعتصام بالدين الإسلامي، رعاه الله لهذه الغاية عن طريق تقويم الأخلاق وتزكية النفوس وتوجيه البشر إلى اعتناق العقائد الراشدة، والمبادئ السليمة، والأعمال الصالحة المثمرة)).

ويذهب الشيخ أبو اليقظان في تحليله لذلك إلى عرض الأدلة العلمية التاريخية التي تؤكد ارتباط التمسك بالدين الإسلامي بالازدهار والتقدم ((ذلك أن التربية الإسلامية جربت وأعيدت تجربتها من الأمم المتبدية والمتحضرة على السواء، وكان لهذا النجاح دوي هائل في التاريخ، وروعة أخاذة في الوجود، وتحول مدهش في العالم، وانتقال سريع في حدود الممالك، وحياة جديدة صالحة لبني الإنسان في كل زمان ومكان)).

إن الناظر في هذا التحليل العميق والإحاطة الواسعة من قبل الشيخ أبي اليقظان يدرك أنه كان على دراية ومعرفة واطّلاع شامل على التاريخ الإسلامي والبشري عموما، لأن الحقيقة التاريخية والعلمية تؤكد ذلك الارتباط بين عوامل الثبات والأصالة، وعناصر التغيير والجدة، من حيث إن الأمة الإسلامية هي النموذج الأكمل لكل من أراد الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة في كل زمان ومكان، وسيبقى صلاحها هذا دليلا على إمكان إصلاح أي جيل من أجيالها في أي عصر من عصورها التاريخية، إذا ما وفّر أهل تلك العصور ما كان سببا في صلاح أولها ذلك باتباع كتاب الله وسنة رسوله e ، مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام : ((إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا : كتاب الله وسنة نبيه)).

ويذهب الشيخ أبو اليقظان في بيانه لهذه المقومات الأساسية للنهضة المنشودة، وتحليل عناصرها إلى أبعد من ذلك في تصوير بليغ لما تركه الإسلام من تأثير في الأفراد والجماعات فقال: ((...فإنه يتجلى فيما تركه من السمو المدهش بعقل المسلم الصادق، وضميره وعاطفته وخلقه وعمله وسلوكه مع الله ومع الناس، حتى لقد جعل من رعاة الشاة رعاة للأمم ، وأخرج من البادين في الأعراب والمدنية الراقية، وحول أشباه الشياطين في جزيرة العرب وغيرها، أشباه ملائكة يمشون على الأرض، فيملأونها بالهداية والنور، ويفتحونها بالعلم والخلق)).

على ضوء هذه التجربة التي أوضحها الشيخ أبو اليقظان يقرر أن المنهج الإسلامي اشتمل على كل المقومات الأساسية للأمة الإسلامية فمتى تمسك به جيل من أجيالها حقق صلاحه وفلاحه، وكلما ابتعد عن هذا المنهج إلا سارع إليه الوهن والضعف والضلال والانحراف والتخلف والانحطاط.

والتاريخ خير شاهد على صدق هذه الحقيقة، فالمتتبع للمد والجزر والامتداد والانكماش والنصر والهزيمة، في تاريخ هذه الأمة يتضح له بجلاء أن فلاح هذه الأمة مرهون بتمسكها بعقيدتها وشريعتها وأخلاقها، ((ذلك أن الإسلام تناول بالإصلاح كل ناحية من نواحي الإنسانية، فوفق بين مطالب الروح والجسد، وحد للإنسان حدودا في عقيدته وعبادته وأخلاقه ومعاملاته، ووضع أسس الإصلاح المالي والاجتماعي والسياسي، وهذّب الحرب والسلم، وأنصف النساء، ووضع قواعد تحرير الرقيق، وحافظ على كل عزيز لدى الإنسان، من عقله وعرضه وصحته وماله وحياته وأهله ووطنه ومستقبله العاجل والآجل)).

انطلاقا من هذه المعطيات التي حددها الشيخ أبو اليقظان في سبيل الإصلاح الاجتاعي والتربوي من خلال مقالاته المتعددة والتوجيهات العامة التي كانت تطبع جرائده المختلفة يتبين لنا أنه أخذ على عاتقه العمل في اتجاهين أساسين وفق خطة عملية إجرائية تمثلت فيما يلي :

1- عرض المشكلات التربوية المختلفة عرضا وافيا قصد رفع مستوى الشعور بها وإدراك أبعادها وخطورتها.

2- عرض الحلول عرضا أمينا قصد الإقناع والاقتناع بمبررات اختيارها وتبنيها وتطبيقها.

العلاقة بين الوعي التربوي والوعي الحضاري: عقد الشيخ أبو اليقظان مقارنة لطيفة وربط ربطا ذكيا وهو بصدد تحديد مفهوم التعليم وقيمته ومكانته في الأمم والحضارات بين قيمته ومكانته في الأمم الراقية المتحضرة، وبين قيمته ومكانته في الأمم الجاهلة المتخلفة فقال في ذلك: ((للتعليم قيمة عظيمة ومكانة كبيرة عند الأمم الراقية، حيث تراه هو العنصر الوحيد الذي يحميها، ويحفظ كيانها في هذا الوجود بين غيرها... أما الأمم الجاهلة المسكينة التي هي أشد الناس حاجة إلى هذا العنصر من الحياة فإنها بمعزل من هذا)).

وهذا الربط المنهجي من قبل الشيخ، إعلاء من شأن العلم والتعلم والتعليم من جهة، وإدراكا من الأمم الراقية لقيمته ودوره في الحياة من جهة أخرى، يؤكد تفطن الشيخ وإدراكه للعلاقة التي تربط درجة الوعي الحضاري بالوعي التربوي، من حيث هي علاقة وظيفية تكاملية متبادلة، فكلما كان شعور الأمة وإدراكها لحاجاتها وضرورياتها، واقتناعها برسالتها وبمبررات وجودها قويا متماسكا ثابتا، كلما كان شعورها بالحاجة إلى التغيير وتحقيق النوعية التربوية المطلوبة للتفوق الحضاري المرغوب، وعلى هذا الأساس تكون القضايا التي تواجه المنظومة التربوية قضايا مصيرية تتطلب مزيدا من الوعي الحضاري الذي ينتج عنه الوعي التربوي المطلوب بالضرورة، وعلى العكس من ذلك تماما فإن انعدام الوعي الحضاري في الأمة وفقدان شعورها بحاجاتها وضرورياتها ومبررات وجودها، يؤدي إلى عدم شعور الأمة بالحاجة إلى النوعية التربوية المنشودة.

وقد أوضح الشيخ أبو اليقظان ذلك في حديثه عن الأمم الجاهلة في قوله: ((وعبثا تحاول تنبيهها وإيقاظها، تفنن في الكلام ما شئت، وتنوع في أساليب الإنذار والتحذير ما أردت، فهي لا تفهمك ولا تعرف ما تقول، بل لا تسمعك إلا كما يسمع النائم صوت منبه وهو في أضغاث أحلامه... ومن أين يتسرب إليها إذاً بصيص من نور العلم أو تعرف قيمة التعليم، اللهم إلا ما يكون من قبيل المحاكاة، كما يكون من الصبي لا دخل للاقتناع فيه أصلا، ومالا يكون عن اقتناع فهو عرضة للتلف والضياع والآفات)).

ولا يتوقف الشيخ أبو اليقظان في تحليله للعلاقة التي تربط الوعي الحضاري بالوعي التربوي عند هذا الحد، بل يزيد ذلك شرحا وتشريحا، وتدقيقا وتفصيلا، ذلك أن شعور الأمة بذاتها يثير حاجتها إلى خبرات تربوية أعقد، ومستوى تحصيلي أجود، وقدرات أكثر نبوغا وتفوقا، باعتبار هذه الحاجات ضرورية بالنسبة إلى الأمة كي تحافظ على كيانها في ريادتها الحضارية وصدارتها التاريخية، من حيث إن الأمم المتحضرة على حد وصف الشيخ ((طارت بالتعليم في أجواز الفضاء، وغاصت أعماق البحار، وطوت القفار والبراري، وسخرت الأثير، وانطقت الجماد)) لأن أهل هذه الأمم ونوابغها ((نبتوا في أمة عرفت قيمة العلم والنبوغ، وعرفت كيف تستثمره، وكيف تحميه من الآفات)).

ويذهب الشيخ أبو اليقظان في تحليله العميق هذا، ومقارنته الوجيهة تلك، إلى أن أبناء هذه الأمم المتخلفة منها والمتحضرة، لايتفاوتون في القدرات العقلية والمواهب الفطرية والطاقات الذاتية ((فلا ينقص أولئك من هؤلاء شيء من المواهب والنبوغ، بل ربما يوجد بين الأولين من هو أذكى نفسا وأحد فطرة وأزكى فطرة)). إلا أن نبوغهم كان ضائعا وطاقتهم مهدورة وقدراتهم كامنة لأنهم ((نبتوا في أمة جاهلة لقيمة العلم والنبوغ، وإذا عرفت شيئا منه، فلا تعرف كيف تستثمره، وإذا عرفت شيئا من ذلك فلا تعرف كيف تحميه من الآفات والعاهات)).

وجوب العناية بالتعليم الديني والتربية الدينية: أثار الشيخ أبو اليقظان موضوعا حيويا ولّد جدالا حادا ولا يزال، هو ما تعلق بضرورة الاهتمام بمادة التربية الإسلامية والعناية بها في المدارس والمعاهد، وذلك في مقال له سماه (مذكرة بطلب العناية بالتعليم الديني والتربية الدينية في المدارس المصرية)) والحقيقة التي يجب أن نؤكدها في تخصيص الشيخ المدارس المصرية بهذه المذكرة ترجع إلى المناسبة التي اطّلع فيها على تقرير تقدم به وزير المعارف المصرية إلى المؤتمر الدولي للتعليم الثانوي الذي انعقد في روما سنة 1934م، وإلاّ فإنه لا يعني بهذه المذكرة المدارس المصرية فحسب وإنما يتضح منها أنها موجهة إلى كل البلاد العربية والإسلامية في ضرورة العناية بالتعليم الديني والتربية الإسلامية.

ويتضح ذلك بوضوح في قوله: ((إننا ننتهز هذه الفرصة السانحة لنقوم بواجبنا في استرعاء أنظاركم الكريمة إلى أمر لابد منه في إصلاح التعليم، ذلك هو ضرورة الإسراع بوضع سياسة على أساس العناية بالدين الإسلامي تربية وتعليما... حتى تظهر آثاره الجليلة في اعتدال أفكارهم، وسموّ أخلاقهم، ومتانة رجولتهم، وحسن انتفاعهم بالحياة ونفعهم إياها)).

ولا يتوقف الشيخ أبو اليقظان في مساهمته تلك في استرعاء الأنظار والدعوة إلى العناية بالتربية الإسلامية تعليما وتربية عند هذا الحد، بل يتجه إلى تشريح عيوب الثقافة الدينية في المدارس، وأول عيب يسجله في ذلك يتمثل ((في اعتبار الدين مادة إضافية، أي غير مهمة، أمرها موكول إلى رحمة الطالب إن شاء أقبل عليها وإن شاء أعرض عنها)).

على ضوء ذلك راح الشيخ أبو اليقظان يقدم جملة من التوجيهات للعناية بالتربية الدينية في المدارس، تلخصت في المقترحات التالية :

1- إجبارية تعليم التربية الإسلامية بإدخالها ضمن المقررات الرسمية والبرامج الدراسية فلا يبقى أمرها موكولا إلى الطالب ((وأن يقرر تعليم الإسلام في المدارس على أنه مادة أساسية مهمة بمعنى أن يكون داخل الجدول لا خارجه)).

وإذ يطرح الشيخ أبو اليقظان هذه القضايا، فإنه يتناولها من موقع رجل التعليم المتمرس، وخبير التربية المتضلع، الذي تنطلق ملاحظاته من معايشة واحتكاك وتجربة ودراية بخبايا العملية التربوية، في مناهجها وأساليبها ووسائلها، في سلبياتها ومعوقاتها وآفاتها، ومن معرفة عميقة للمتعلمين في قدراتهم النفسية والعقلية والجسمية والعاطفية، ذلك أن إهمال التربية الدينية في المدارس وعدم إجباريتها أدى إلى إهمال النشء لها، والتقليل من أهميتها ((لأنه ثبت بالتجربة الطويلة الصادقة أن الطلاب لا يعيرون المواد الإضافية أهمية، ولا يلتفتون إليها إلا بمقدار ما فيها من لهو ومتعة)).

لأن تعلم الدين ومعرفة واجباته وضوابطه وأخلاقياته، يكلف الإنسان ضبط نفسه وقمع هواه وتهذيب غرائزه، ويقيم على عرشه حكومة إلهية ذات رقابة دقيقة، ثم إن الجهل به يشعر الإنسان بتبرير نفسي لعدم الالتزام به تهربا من المسؤولية على حد تعبير الشيخ أبي اليقظان، فإذا عرفه الإنسان ألفه وعشقه، ومن ثمة يدعو الشيخ أبو اليقظان إلى وجوب ((دفع التليمذ دفعا إلى أن ينهل من مناهل الإسلام، بأن تفرض مادته فرضا... وإلا فكيف يهتم التليمذ بمادة يعتقد أنها في نظره ونظر رياسته ليست ذات أهمية...)).

2- أن يتوقف عليها نجاح التلميذ، وأن يكون لها أثر في النتيجة ((تشعر التلميذ خطورة هذه المادة دائما، وتحرك عزمه إلى العناية بها طول أيام الدراسة)).

3- أن يختار لها من الوقت المناسب ((فلا تدرس آخر الحصص حين يسأم التلميذ ويملّ، وفي الوقت الذي تتحفز نفسه إلى الخروج من المدرسة)). وإذ يحرص الشيخ على عدم تأخير درس الدين ذلك لما يحمله التبكير به وبرمجته في صدر النهار من أبعاد شرعية ونفسية، جسمية وعقلية ((ذلك أن أول اليوم هو وقت نشاط الذهن ووفرة الإقبال، ثم التبكير بحصة الديانة فيه إيقاظ لضمير التلميذ وتذكير له بالله تعالى في فاتحة عمله)).

4- أن يوكل تدريسها إلى ذوي الخبرة والاختصاص، والأمانة والخلق ((فلا يليق بحال أن تسند دراسة أبطال الإسلام ولو في ثنايا التاريخ العام إلى أساتذة لا يؤمنون بعظمة الإسلام وأبطاله، فإن هذا مؤذ لشعور المسلمين، ومضر بعقيدتهم، بعيد عن تحقيق الغاية المرجوة)).

5- أن يقرن التعليم الديني بالتربية الدينية، ذلك أن الشيخ أبا اليقظان فرق تفريقا عمليا بين التعليم والتربية، حيث إن هذه الأخيرة أهم من التعليم وأشمل منه مصطلحا وأوسع منه مدلولا ((لأنها هي التطبيق العملي الذي يربي النفس بالتمرن ويقوم الأخلاق بالتعود)). انطلاقا من ذلك يدعو الشيخ في إلحاح وجدّية إلى عدم العناية بالتعليم على حساب العناية بالتربية والتهذيب ((لأن حشو أذهان التلاميذ بالمعلومات لا يغنيهم غناء، إلا إذا ذاقوا فائدتها بالتطبيق)).

ومن ثمة ووفق هذه النظرة العلمية من قبل الشيخ، يتضح أن التربية بهذا المعنى تشمل كل تنمية وتهذيب ينصب على قوى الفرد واستعداداته ونواحي سلوكه بقصد توجيهها، أما التعليم فيقصد به نقل المعلومات من المعلم إلى المتعلم بقصد إكسابه ضروبا من المعرفة، وعليه فليست المعرفة في نظر الشيخ أبي اليقظان وفي نظر غيره من العلماء والمصلحين والمربين فوزا إلا إذا فهم معناها ومغزاها واستخدمت فعلا واستفاد منها صاحبها في حياته وسلوكه، واستفاد منها المجتمع، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا عني التعليم بعقلية المتعلم وميوله ونشاطه وقدراته وسلوكه، بما يحقق له إيجابية وفعالية في الحاضر والمستقبل، وهذا الاتجاه في التعليم هو الذي يقرب مفهوم التربية ويقرن بينهما.

6- إصلاح مناهج التعليم الديني وذلك بتوسيع أبوابه وشمولية برامجه على المحاور الأساسية الواجب التعرف عليها والالتزام بحقائقها وتطبيق مبادئها من عقائد وعبادات وأخلاق، وقد بيّن الشيخ أبو اليقظان ذلك في قوله: ((...يعنى بمنهج التعليم الديني فتتسع أبوابه وتشتمل على كل ما يحتاج إليه التلميذ في العقيدة والخلق والعبادة والحياة العملية)).

7- تعميم تدريس الدين في جميع المدارس وفي كافة مراحل التعليم، ذلك أن الدين هو الدعامة الأساسية في بناء المجتمع، منه تنبع الفضلية، ومن تعاليمه تتضح القيم الإنسانية، وعلى هدي فلسفته يتعامل الناس، وقد عبر الشيخ أبو اليقظان عن ذلك في العديد من مقالاته كما في قوله: ((إن الإسلام حاجة كل نفس، فيجب أن يتزود الجميع من ثقافته علما، وأن يعتصموا بهدايته عملا)).

على ضوء ذلك من وجوب تعميم تعليم الدين، يدعو الشيخ إلى ضرورة التركيز على تعليم الدين للناشئة والشبان على وجه التحديد، حتى يتمسكوا به وبفضائله، لأنه ينمي فيهم كل الصفات الطيبة، والأخلاق الفاضلة، فينشأ الشاب فاهما لأصول دينه مؤديا لشعائره.

وإذ تتجه عناية الشيخ أبي اليقظان إلى ضرورة تعميم تعليم الدين في مراحله المختلفة، وفي مرحلة الشباب والمراهقة على وجه الخصوص، ذلك إدراكا منه لما تحمله هذه الفترة من حياة الناشئة من أهمية وخطورة في آن واحد فقال في ذلك:

((ويجب توجيه عناية ممتازة إلى الطلاب والطالبات في سن المراهقة لأن هذا الدور هو أخطر الأدوار في حياة الناشئين والناشئات، بشهادة رجال التربية وعلم النفس، إذ هو دور الانتقال في حياة الإنسان، وأدوار الانتقال هي أخطر ما يكون في حياة الأفراد والأمم)).

ولا يتوقف الشيخ في بيانه خطورة المرحلة وأهميتها عند هذا الحد، بل يتجه في تحليل عميق وتفصيل دقيق إلى توضيح الخصائص العامة التي تتميز بها هذه المرحلة عن غيرها من مراحل حياة الإنسان، كما في قوله: ((والمرء في سن المراهقة وبدء الشباب تتنبه فيه الغرائز الجنسية، وتتيقظ فيه الشهوات الجامحة، ويكون مستعدا لاستجابات الطبيعة النازلة، فإهماله في هذا الحال من تقوية الوازع الديني والأدبي، لا يفسر إلاّ بأنه جناية عليه...)).

8- ضرورة تكامل التعليم الديني والتعليم الحديث، ويتمثل ذلك في أهمية تدريس العلوم الدينية في المعاهد والكليات الحديثة، وكذا أهمية تدريس العلوم الحديثة في المعاهد والكليات الإسلامية، فقد لاحظ الشيخ أبو اليقظان أن المؤسسات الجامعية التي كانت قائمة في البلاد الإسلامية في تلك الفترة الزمنية في جملتها تنقسم إلى قسمين أساسين:

أ/ جامعات ومعاهد إسلامية تقوم برامجها ومناهجها على تدريس العلوم الدينية من عقيدة وفقه وأصول وتفسير وحديث وغيرها، ونادرا ما تحتوي هذه البرامج على بعض المعارف التجريبية الحديثة.

ب/ جامعات ومعاهد علمية مدنية تقوم برامجها على تدريس العلوم التجريبية الدقيقة، وقلما تحتوي برامجها على وحدات دراسية دينية إسلامية.

انطلاقا من ذلك فإن هذا التقسيم الذي لاحظه الشيخ أبو اليقظان هو الذي يعكس بحق ازدواجية المعرفة العلمية وثنائيتها في المؤسسات الجامعية القائمة آنذاك، وقد نتج عن ذلك أن ظهرت في الساحة التربوية والاجتماعية فئتان متصارعتان لا تجتمعان أشار إليهما الشيخ في قوله: ((ذلك أن بعض أبناء هذه الأمة يتربون تربية دينية في الأزهر والمعاهد الدينية، أو على أيدي المتخرجين من الأزهر والمعاهد الدينية، فينطبعون بطابع الإسلام، وتتأثر حياتهم ومشاعرهم به، بينما البعض الآخر يتربون تربية مدنية فقط فينطبعون بطابع يجافي الدين، وتتأثر بهذا الطابع المجافي حياتهم ومشاعرهم أيضا)).

وكلتا الفئتين من أبناء الجامعات والمعاهد في البلاد الإسلامية، في خضم هذا الصراع القائم والازدواجية في التعليم، تعجز على خدمة المجتمع، ذلك أن ازدواجية المعرفة العلمية تمثل بالنسبة لحياة المجتمع مشكلة تتطلب علاجا حاسما من أجل سلامة وحدته وأمنه، إذ أن علما بلا دين ودنيا بلا علم كلاهما خطر على استقراره واستمراره.

ويذهب الشيخ أبو اليقظان في عرضه لهذه المشكلة التربوية الخطيرة إلى أبعد من ذلك، موضحا أنه على ضوء هذا الاختلاف بين الثقافتين في المبدأ والغاية والأثر ساء التفاهم واشتدّ بين الطائفتين من المتعلمين تعلما دينيا والمتعلمين تعلما مدنيا.

ولا يتمّ التوفيق بين الفئتين برأي الشيخ أبي اليقظان وبرأي غيره من المصلحين إلا بضرورة التقريب بين الثقافتين والربط بينهما وذلك في اتجاهين اثنين:

أ/ إدخال العلوم المدنية في برامج ومناهج المعاهد الدينية بمقدار مناسب بحيث لا تطغى على العلوم الدينية، لأن افتقار المؤسسات الجامعية -كما يؤكد على ذلك الكثير من المفكرين والباحثين- إلى المعرفة العلمية الحديثة يعني افتقار الفكر الديني الإسلامي إلى تلك الأنماط من المعارف، وهو أمر على غاية من الخطورة بالنسبة للمجتمع الذي أصبح التقدم العلمي التكنولوجي ركنا من أركان حياته لا تستقيم إلا به.

ب/ إدخال العلوم الدينية في برامج ومناهج المعاهد المدنية بمقدار مناسب بحيث لا تطغى على العلوم المدنية، لأن تعميم الدين ضرورة حيوية، وخطاب الشرع كما يؤكد الفقهاء والأصوليون يشمل كل المكلفين، لكن القدر الواجب هو ما تصحّ به العبادة ويرتفع معه الجهل بأسس الدين وهذا هو المطلوب من تعميم التعليم الديني، وبهذا وحده -كما يوضح الشيخ أبو اليقظان- تتوثق عرى الوحدة بين أبناء الأمة وتتحد مشاعرها ومطامحها.

غايات التربية الأساسية عند الشيخ أبي اليقظان: ممّا لا شكّ فيه أن أهم غاية من غايات التربية والتعليم حسب ما يذهب إلى ذلك أغلب العلماء والباحثين، هي إعداد الإنسان للحياة في حاضرها ومستقبلها، وتنمية قدراته المختلفة على مواجهة مشكلاته والمساهمة الفعالة في الحياة، بناء على ذلك يطرح الشيخ أبو اليقظان تساؤلا منهجيا دقيقا يصب في صميم الأبعاد التي تنشدها العملية التربوية الإصلاحية إذ يقول: ((إذا كان لكل أمة أن تكيف مناهج التعليم حسب غاياتها منه، فما هي الكيفية التي يجب أن نكيف بها مناهجنا في التعليم نحن معاشر المسلمين في شمال إفريقيا؟)).

ذلك أن مناهج التعليم السائدة في البلاد العربية والإسلامية في حاجة إلى تعديلات وتطويرات وتكييفات، بحيث تكون نابعة أصلا من الحاجة الحضارية للأمة وتصوراتها لما ينبغي أن تكون عليه، ومن ثمة يقرر الشيخ -في إجابته عن ذلك السؤال المنهجي- قاعدة أساسية ومبدء أوليا يتلخص في أن عملية التكييف لمناهج التعليم يجب أن تكون وفق ضرورياتنا وحاجاتنا، لا وفق ضروريات غيرنا وحاجاته.

ولا يتوقف الشيخ أبو اليقظان في بيانه لهذه المقومات والأسس والثوابت التي يجب أن تحفظ وتصان عند هذا الحد بل يتوسع في ذكر غايات التعليم الأساسية وأهداف التربية الكبرى التي تلخصت عنده فيما يلي:

- الحاجة إلى تعلّم أمور ديننا وشريعتنا.

- الحاجة إلى تعلم لغتنا وأدبنا.

- الحاجة إلى تعلم تاريخ بلادنا وجغرافيتها.

- الحاجة إلى تكوين رجال اختصاصيين.

وقد عبر الشيخ عن هذه الغايات مجتمعة في غاية أساسية وهدف سام في قوله: ((إعداد شبان نافعين يواجهون الحياة العملية بضمير وصبر، ويحلّون مشاكل الوجود بحكمة وشجاعة، ويصلحون لأن تتكئ الأمة عليهم في المهمات والنوازل، ولن يكون شيء من هذا إلا بتربية النفوس على آداب الإسلام وإشرابها من عهد الصغر ثقافة الإسلام)).

العوامل الأساسية المؤثرة في التربية والتعليم: من المقرر عند العلماء والمربين أن العملية التربوية لا تتم في فراغ بل تتم في جو اجتماعي وثقافي معيّن، ومن ثمة تصبح العملية التربوية ذات تأثر وتأثير في ذلك الجو الاجتماعي والثقافي، كما تتأثر من جهة أخرى بالعوامل الإنسانية الفردية منها والاجتماعية، سواء فيما يتصل بطبيعة المتعلم أو ما يتصل بطبيعة العلاقات الاجتماعية التي تربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض.

والشيخ أبو اليقظان في نظرته التربوية الإصلاحية لا يحيد عن هذه القاعدة الأساسية التي أكّدها العلماء فيقرر بدوره انطلاقا من فلسفته التربوية أن العمل التربوي التعليمي يتأثر بجملة من العوامل الأساسية والمؤثرات المختلفة التي تتدخل في تشكيل شخصية الإنسان وتربيته، وعليه يمكن إيجاز هذه المؤثرات والعوامل التي تتدخل في العملية التربوية برأي الشيخ أبي اليقظان فيما يلي:

1- الجهل: ذلك أن الجهل هو علة العلل ومكمن الداء وموطن الضعف والتخلف، ومن أجل كتب الشيخ أبو اليقظان العديد من المقالات التي عبر فيها عن الجهل كداء من الأدواء التي تواجه الأمم والشعوب وتقف في سبيل التحرر وبناء الشخصية الإنسانية المتميزة، ومن ثمة كرّس الشيخ أبو اليقظان جهوده لمقاومة الجهل والأمية، داعيا بكل إلحاح وتركيز إلى الاهتمام البالغ بالعلم والتعليم.

فقد كتب مقالا هاما في جريدة الأمّة عبّر فيه عن استيائه من الوضع الذي يعيشه المجتمع الجزائري في ظل السياسة الاستعمارية التي كانت متجهة نحو محو الشخصية الوطنية ومحاربة المقومات الأساسية للشعب الجزائري المسلم تحت عنوان: ((إذا كان في الجوع موت الجسد ففي الجهل ممات الروح)) احتار فيه بأي صوت يصرخ وبأي قلم يكتب عن هذا التصور الخاطئ الذي يعتقده الكثير من الناس من خلال التفريق بين الجوع من حيث هو موت للجسد، وبين الجهل من حيث هو ممات للروح فقال في ذلك: ((بأي صوت أصرخ وبأي قلم أكتب وبأي منفذ أدخل إلى نفوس الذين يخافون من موت الجسد، ولا يخافون من موت الروح... فبالجهل هتكت أعراض وبالجهل فسدت أخلاق، وبالجهل ديست كرامات وبالجهل أهينت أديان، وبالجهل أبيدت أمم، وبالجهل خربت البلاد، ولماذا إذاً هذا الخوف الشديد من الجوع؟ ولماذا هذا التهاون الفظيع من الجهل الخطير؟)).

إن الناظر في هذا التعبير الدقيق من قبل الشيخ وهو يصور لنا حقيقة الجهل تتأكد له قدرة الشيخ على المحاورة وعرض الآراء بطريقة ذكية يتقبلها القارئ لأنها تنطلق من تحليق عميق وتصور حسي بليغ ومقارنة وجيهة بين الحقائق المختلفة والتصورات المتنوعة والمفاهيم المتعددة؛ ذلك أن الكثير من الناس يخافون من الجوع ويتحرزون منه ويتخذون كل الوسائل الكفيلة بالقضاء عليه ومحاربته، ويبذلون في ذلك النفس والنفيس من أجل توفير المأكل والمشرب من حيث هما مطلبان أساسيان ودافعان أوليان من الدوافع الضرورية التي لا يمكن أن يستغني عنها الإنسان استمرارا لحياته البيولوجية وينسون في خضم ذلك الكثير من المطالب الأساسية الأخرى في الحياة التي لا غنى عنها هي الأخرى، والتي بدونها لا تستقيم حياة المجتمع ولا تتضح معالمه ولا تتحقق غاياته، ومن ذلك التربية والتعليم حيث التفريط فيهما وعدم إعطائهما ما يستحقان من العناية والرعاية والاهتمام يؤدي إلى حرمان أجيال الأمة من أهم ضروريات الحياة.

2- البيئة : والمقصود بالبيئة كما عبر عنها الشيخ أبو اليقظان هو الوسط الاجتماعي وما يحتويه من مرافق اجتماعية ومؤسسات ثقافية.

فإذا كان الإنسان هو المحرر الذي تدور حوله التربية، وإذا كانت طبيعته الفطرية مجبولة على خصائص معينة فإن ذلك يعني أنه يخرج إلى الحياة مزودا بقابلية للتأدب والتعلّم والتهذيب والتنشئة والتأثر بالبيئة المحيطة والوسط الاجتماعي.

وتبقى النتيجة التي تخرج بها العملية التربوية متوقفة على درجة الصلاح والفساد التي تعيشها البيئة الاجتماعية ((فإن البيئة إذا كانت فاسدة موبوءة تنبعث منها عفونات الأخلاق كما تنبعث المستنقعات فتسري عدواها إلى كل من يتعرض لها، وياما أسرع أصابتها لمن فيه استعداد للأمراض كالشبان، ولا يسلم من بلواها العامة إلا من عصمه الله بحصانة من الدين منيعة)).

3- الحرية : نظر الشيخ أبو اليقظان إلى الحرية كعامل مؤثر في العملية التربوية نظرة واقعية قائمة على أسس نفسية واجتماعية دقيقة فإذا كانت الحرية هي الأمر الذي يحتاج إليه كل إنسان تعبيرا عن وجوده فإن عملية التربية بهذا الاعتبار لا تتم بشكل سوي إلا إذا كانت مصحوبة بقدر كاف من الحرية المعتدلة تعطى للناشئ أثناء تربيته وتعلّمه من حيث إن الحرية حاجة من حاجات الطفولة الفطرية.

إلا أننا يجب أن نفرق أيضا أن هناك حاجة أخرى تقابلها ولا تقل عنها أهمية وهي الحاجة إلى السلطة الضابطة الموجهة خاصة في المراحل الأساسية من حياة الإنسان كالطفولة والشباب ((لأن عهد الشباب شعبة من الجنون فيه تثور العواطف الجنسية وفيه تجيش النزعات النفسية وفيه تشذ النزعات الشيطانية فإذا لم تضبط هذه العوامل النزاعة إلى الثورة والتمرد والعصيان طارت بصاحبها في الفضاء وأردته في هوة سحيقة)).

ومن ثمة فكل طفل أو شاب يشعر في قرارة نفسه إلى من يرشده ويوجهه فإذا لم يجد ذلك فإنه يبقى تائها قلقا حائرا مرتبكا لا يعرف قيمة الحرية ولا يدرك خطورتها فينشأ ضعيف الشخصية تعوزه الإرادة والقدرة على التصميم والأخلاق الثابتة المستقيمة والعزم والحزم والثبات.

ومن ثمة يوجه الشيخ أبو اليقظان أنظار الأولياء والمسؤولين عن الشباب إلى خطورة الحرية المطلقة التي تعطي للأبناء ((لأن الحرية في هذا العهد كالسلاح الحاد في يد الصبي لا يعرف صاحبها أين يستعملها ولا كيف يتعرف فيها فيضرّ بها نفسه وغيره من حيث إنه يظن أنه يقصد النفع)).

ويذهب الشيخ أبو اليقظان إلى أبعد من ذلك في تصويره لخطورة الحرية في مناقشة أنصار الحرية المطلقة حيث يظنون أن الحرية للشبان نعمة عليهم ومنفعة، وإن الضغط عليهم إماتة لشعورهم وقتل لوجدانهم وتنمية لروح الذلة والخنوع في نفوسهم ومن ثمة فالواجب هو تحرير الشبان من كل القيود والمعوقات التي تحول دون التعبير عن رغباتهم وعواطفهم.

والشيخ أبو اليقظان في ردّه على هذه المبررات الواهية التي ينطلق منها أنصار الحرية المطلقة لا يتوقف عند هذا الحد بل إنه يؤكد أن الإفراط في الضغط والتضييق هو بدوره محض غلط واتجاه سلبي في العمل التربوي ومن ثمة تصبح نظرة الشيخ أبي اليقظان نظرة واقعية معتدلة ((لأن الواجب في هذا العهد نحو الشبان مراعاة درجة فورانهم فيتخذ إزاءهم من التدابير الحازمة على قدر تلك الدرجة مسلكا بين طرفي الإفراط والتفريط)).

ولأن المربي الحكيم والمعلم المتمرس والمؤدب الذكي كسائق السكة الحديدية كما يعبر عن ذلك الشيخ أبو اليقظان تارة ينفس عن فرجيتها من ضغط البخار، وتارة يزيد حتى ينظم سيرها.

4- المال : من حيث هو عامل مؤثر آخر لا يقل خطورة عما سبقه من العوامل والمؤثرات لأن المال سلاح ذو حدين إذا استعمل في الخير كان نعمة وبركة وإذا استعمل في الشرّ كان نقمة وخسارة.

وأشد ما تكون خطورة المال كما عبّر الشيخ أبو اليقظان عن ذلك في يد الشباب لأن فيهم طاقة دافعة إلى تحقيق الرغبات والنزعات والغرائز والشهوات وغرائز الشباب يخمدها الفقر ويلهبها المال.

لأن المال في يد الشباب كالبارود والذخائر الحربية في يد الثائر فقد يقلب بها نظام العمران ويهلك به الحرث والنسل وعليه فالواجب على الآباء والمربين الاعتدال في الإنفاق على الأبناء وأنه ليس من الرحمة والسماحة والكرم أن نعطيهم من المال دون حسيب ولا رقيب.

وختاما لهذه القراءة التربوية المتواضعة في فكر الشيخ أبي اليقظان التي أستسمح فيها القارئ الكريم في أنها لم تأخذ حقها المطلوب من البحث القائم على المنهجية العلمية المطلوبة فإن ذلك يعود في الجملة إلى مجموعة من الأسباب الذاتية والموضوعية التي منها قلة المراجع والوثائق التي يمكن الاعتماد عليها في محاولة إبراز كل الجوانب التربوية التي اهتمّ بها الشيخ أبو اليقظان وتحليلها تحليلا علميا دقيقا وتفسيرها تفسيرا منهجيا وقراءتها قراءة واعية من أجل إبراز هذه الشخصية العلمية التي لم تحظ باهتمامات الباحثين والدارسين إلا عند القليل النادر منهم.

انطلاقا من ذلك كله فإنه يمكننا أن نخرج بجملة من النتائج التي يمكن استخلاصها من هذه القراءة المتواضعة فيما يلي:

1- إن جملة الأفكار التي جاء بها الشيخ أبو اليقظان تتطابق إلى حدّ كبير مع دراسات العصر بل وسبقت في كثير من الأحيان هذه الدراسات ذلك أنها تناولت جملة من الموضوعات التربوية ذات الأهمية والخطورة.

2- ما ورد في فكر الشيخ أبي اليقظان يساهم في دفع التيار الفكري التربوي، إلا أن الرجل مثله مثل الكثير من المفكرين والعلماء والمربين لم ينل حظا كافيا من الدراسة والعناية في هذا الجانب.

3- فكر الشيخ أبي اليقظان تتضح فيه جوانب أصيلة وتعكس الروح العربية الإسلامية التي كان يشعر بها ويعبر عنها ويدافع عن مقوماتها وقواعدها وأسسها ومنطلقاتها وأبعادها.

وأخيرا لا أعتقد الكمال في هذا الجهد البسيط، ولكن أعلم أن فيه من الهنات والهفوات ما قد يلاحظه القارئ.

أرجو من الله تعالى أن يوفقني إلى ما فيه الخير والصلاح والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

مجلة الموافقات/ ع5/س/ 1417هـ (1996م). من ص435 إلى 449

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-12-2009, 06:09 PM   #8
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

الشيخ أبو اليقظان

إبراهيم وكتابه [ملحق السير].

أ. إبرهيم بحاز



ليس من اليسير تناول شخصية مثل شخصية أبي اليقظان إبراهيم بالدراسة، لأنها شخصية موسوعة لا تضمها ورقات كتاب بل مجلة أو مقال في مجلة، ولكن كما يقال، مالا يدرك كله لا يترك جله.

إن أبا اليقظان كانت ولادته إرهاصا لعام العباقرة إذ ولد في خريف سنة 1888م، قبل العباقرة بشهر أو شهرين ولا يقل عنهم عبقرية، توفي في سنوات الغيبوبة الثقافية بمسقط رأسه القرارة بالجزائر مثلما يموت أي مواطن عادي وهو الذي قوم النفس والنفيس للدين وللوطن وللعربية وللعلم، توفي عام 1973م.

إن هذا الرجل الذي ألف في مختلف العلوم والفنون وواجه الجهل والاستعمار بصحفه الثمان، هو الأديب وهو الشاعر وهو الفقيه وهو المفسر وهو الداعية وهو الصحفي وهو الاجتماعي وهو السياسي وهو المؤرخ:

هذه الموسوعية الفكرية وهذه العبقرية تتجلى في أبرز مظاهرها عندما نعلم أنه قضى سبعة عشر عاما في آخر حياته مشلولا طريح الفراش... فهذه المعارف التي كانت تتزاحم في شخصية أبي اليقظان لا نقوى على الإلمام بها جميعا في هذه العجالة، وحسبنا هنا أن نتحدث عن شخصية أبي اليقظان التاريخية وكتابه ذي الأجزاء الثلاثة [ملحق السير] أو بالتدقيق كما هو على المخطوط [ملحق لسير الشماخي: من رجال 135هـ إلى رجال 1350هـ].

إن أبا اليقظان الذي اشتهر باسم عميد الصحافة الجزائرية) عن جدارة واستحقاق هو كذلك مؤرخ ذكي ونبيه؛ كتب في التاريخ كثيرا من الكتب منها: بالإضافة إلى الكتاب الضخم المذكور:

1- أفذاذ علماء الإباضية عبر العصور.

2- فذات النساء الإباضيات في وادي ميزاب في العهد الأخير.

3- الإباضية في شمال إفريقيا دراسات ثانوية (في ثلاث حلقات).

4- خلاصة التاريخ الإسلامي للجزائر العربية (في ثلاث حلقات).

5- عنوان الحضارة فيما يتعلق بأحوال بلدة القرارة.

6- الإمام عبد الله بن إباض المري التميمي.

7- الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي الفرسطائي.

8- الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني.

9- الإمام أبو عمار عبد الكافي.

10- الشيخ أبو زكرياء يحي بن صالح.

11- الشيخ الثميني كما أعرفه.

12- الإمام أبو إسحاق إبراهيم اطفيش.

13- سليمان الباروني باشا في أطوار حياته.

14- بابا عمي الحاج أحمد كما أعرفه.

15- هل للإباضية في الزمن القديم وجود في سوف؟

16- حياة أبي اليقظان (السيرة الذاتية).

هذه الكتب والرسائل والمقالات جلها مخطوط، يقول عنها وعن غيرها من مؤلفات أبي اليقظان تلميذه الأستاذ أحمد فرصوص: "إن من كتب ورسائل الشيخ ما يصلح للنشر وما لا يصلح وذلك لأسباب منها: أن بعضا من تلك المؤلفات لم تكتمل لحلول أجله -رحمه الله- ؛ ومنها ما لا يصلح للنشر لعدم انسجام أسلوبه المنهجي وخاصة ما ألفه في آخر أيام حياته، ثم يضيف، وسقنا هذه الملاحظة حتى لا يحرج أهل الفقيد بطلب كل ما سمع من تأليفاته".

رغم هذه الملاحظة فإن أغلب ما ألفه الشيخ من كتب ورسائل في التاريخ يظل مهما ربما لا تمسه ملاحظة التلميذ... ثم إن ما بدأه الشيخ ولم ينهه لا يعني التوقف حيث توقف بل العكس تماما هو ما يجب القيام به، فينبغي مواصلة جهوده وإتمامها.

إن الشيخ أبا اليقظان انطلق من هذه القاعدة بالذات لما اهتم بكتابة [ملحق السير] إذ يقول عن سبب تأليفه: "...رأيت إذ ذاك تاريخهم (الإباضية) منقوصا منذ وفاة الإمام البدر الشماخي سنة 928هـ (هو صاحب كتاب سير الإباضية) ومنذ وفاته توقفت الكتابة عند الإباضية إلى تاريخهم هذا.

وهي فترة متطاولة نشأت فيها علماء ومرشدون ومؤلفون من الغبن أن يجهلهم التلميذ (يقصد الطالب الجامعي) إذا تصدى لتحرير أطروحته، لأجل هذا تصديت لسد هذا الفراغ له، إنارة للسبيل أمامه، فوضعت كتابا باسم [ملحق السير] فجاء يتألف من ثلاث حلق من الخمسين الأولى من القرن العاشر إلى الخمسين الثانية من القرن الرابع عشر".

هكذا إذن يتصدى أبو اليقظان للتأليف في سير الإباضية إتماما لعمل الشماخي وإلحاقا بسيره التي توقفت في القرن التاسع الهجري. ولقد كان لهذا الملحق، عند أبي اليقظان أهمية بالغة واهتمام خاص، لذلك نجده يذكره ضمن تآليفه التي انتقى منها عددا قليلا ليجيب على سؤال الصحفي.

وقبل الخوض في محتويات ملحق السير ومنهجه، لابد من كلمة -ولو موجزة- عن التأليف في السير عند الإباضية، ولعل آخر ما يندرج في هذا السياق، التأليف الجماعي الأكاديمي [لمعجم أعلام الإباضية] الذي نقرأ فيه هذه الفقرات: "والبديهي أن جمعية التراث بمعجمها هذا لم تأت بجديد من حيث الفكرة لأن الأوائل اهتموا بهذا النوع من التأليف في التراجم لكن بدون منهج المعاجم. ولقد ألف الإباضية في تارجم أعلامهم مؤلفات معتبرة، خاصة المغاربة منهم، وتعاقب على هذا النوع من التأليف علماء أجلاء حرصوا على المحافظة على مآثر رجال المذهب مثلما حرص غيرهم في المذاهب الإسلامية" ونذكر من بين هذه المصادر:

1- [السيرة وأخبار الأئمة] لأبي زكرياء يحي بن أبي بكر الوارجلاني المتوفى سنة 474هـ/1081م.

2- [سير] أبي الربيع سليمان الوسياني (ق6هـ/12م) ولا تزال هذه السير مخطوطة رغم أهميتها.

3- [سيرة أهل نفوسة] لمقرين بن محمد البغطوري النفوسي من مشايخ القرن السادس الهجري. لا تزال هذه السيرة مخطوطة وهي من المكتشفات الحديثة.

4- [طبقات المشايخ بالمغرب] لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني المتوفى حوالي عام 670هـ/1271م (مطبوع في جزأين).

5- [كتاب السير] لأبي العباس أحمد الشماخي المتوفى سنة 928هـ/1521م (مطبوع طبعة حجرية).

هكذا تلاحظ ابتداء من القرن الخامس الهجري، الحادي عشر للميلاد حتى القرن التاسع الهجري /15م ظلت المؤلفات في سير الإباضية تتعاقب، يتمم بعضها بعضا فتوقفت ابتداء من القرن العاشر الهجري /16م حتى منتصف القرن العشرين لما انتبه إلى التوقف وهذا الفراغ الخطير الشيخ أبو اليقظان بحسه التاريخي وملاحظته القوية فجاء كتاب [ملحق السير] إتماما لحلقات سير الإباضية إلى عهده، ثم ختم التأليف في هذا النوع [بمعجم أعلام الإباضية] الذي يأتي بأسلوب جديد ومنهج جديد يساير القرن العشرين ومشارف القرن الواحد والعشرين.

ومن الجدير بالذكر أن أبا اليقظان ختم تحرير كتابه هذا يوم الإربعاء 9 شوال 1348هـ/10 فيفري 1965م، ولا شك أن البداية كانت منذ أمد ليس بالقصير، راسل مختلف زعماء وأعيان مناطق الإباضية في الشمال الإفريقي ليوافوه بتراجم أعلامهم وعلمائهم ثم عمل على جمع ما جاءه وترتيبه وتصنيفه وتحريره، فهذا عمل يتطلب الكثير من الوقت والجهد.

إن المؤلفات المذكورة في السير الإباضية والتي سبقت [ملحق] أبي اليقظان، إنما هي في تاريخ العصور الوسطى للمغرب الإسلامي خصوصا وذلك من خلال تراجم أعلام الإباضية، وتشاء الصدف أن يكون [ملحق السير] للشيخ أبي اليقظان في التاريخ الحديث والمعاصر للمغربين الأدنى والأوسط خاصة "ليبيا-تونس-الجزائر" وكل ذلك من خلال علماء وأعلام الإباضية الذين كانوا يتحركون هنا وهناك ويصنعون التاريخ السياسي والثقافي والاقتصادي وحتى العسكري لهذا المغرب العربي الكبير بل تحركوا حتى في المشرق العربي وقدموا مساهماتهم وتفاعلوا وانفعلوا مع معاصريهم من العلماء والأعلام في المذاهب الأخرى.

إن أهمية [ملحق السير] في التاريخ تكمن هنا بالضبط فهو يتناول العهد الأخير للحفصيين في كل من ليبيا وتونس ثم عهد الأتراك العثمانيين بمختلف مراحله في كل من الجزائر وتونس وليبيا ثم أخيرا الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتونس والإيطالي في ليبيا.

هذه الفترات السياسية المتنوعة تتجلى من خلال التراجم من خلال علاقة الحكيم بالمحكوم، علاقة العالم بالسلطة أو علاقة المجتمع بالغزاة ودور النخبة في مختلف مناحي الحياة...

إن [إن ملحق السير] كما أسلفنا يقع في ثلاثة أجزاء غير متساوية الحجم، يحوي الجزء الأول 138 صفحة من صفحات الكراس المدرسي ويضم 137 ترجمة تعود في تاريخها إلى القرون العاشر والحادي عشر والثاني عشر للهجرة الموافق للسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر للميلاد.

ويبدأ الجزء الثاني من صفحة 147 وينتهي في صفحة 312 يبدأ بالترجمة رقم 138 وينتهي في الترجمة رقم 198.

ونلاحظ هنا صغر حجم الجزء من حيث عدد تراجم الأعلام التي تعود خاصة إلى القرن 13هـ/19م.

أما الجزء الثالث فإنه يبدأ من صفحة 313 إلى صفحة 193 ويضم تراجم الأعلام من رقم 199 إلى رقم 318 وهو العدد الإجمالي للتراجم في هذا الملحق. وأعلام هذا الجزء من القرن 14هـ/20م.

إن [ملحق السير] بأجزائه الثلاثة مكتوب بخط جميل وواضح في أغلبه 14هـ/20م فالشيخ أبو اليقظان يعتمد في هذا الجزء تاريخ الميلاد وليس الوفاة معيارا لذكر الترجمة...

ولا شك أن أبا اليقظان قد عانى الكثير من أجل جمع شتات تراجم القرون من التاسع إلى الثالث عشر للهجرة وهي القرون التي لم يعشها، ثم هي القرون التي لاحظ أن أحدا لم يهتم بها وطالت المدة وكادت تكون حلقة مجهولة لولا أن تداركها هو بعنايته، ومن هنا فإنه عز عليه أن يترك أعلام القرن 14هـ/20م دون عناية، فهم أقرب إليه زمانا، إنهم أساتذته أو أترابه أو معاصروه وتلاميذته وهم أبناء الصحوة الإصلاحية والنهضة العلمية الكبيرة... ثم إنه لم يضمن الاهتمام بهم من بعده فخاف أن يقع لهم مثل ما وقع للقرون السابقة (10-13هـ) لذلك خصص الجزء الثالث لهم دون سواهم وذكر تراجم بعض الشباب الصاعد الذين تفاءل منهم خيرا في مستقبل الأيام.

ومن الملاحظات التي يجب ذكرها في هذه العجالة أن أرقام الصفحات مضطربة اضطرابا كبيرا ولكن تسلسل المعلومات ظل صحيحا في الأجزاء الثلاثة من الملحق.

ونلاحظ كذلك أن الشيخ غلب عليه في الجزء الأخير ذكر التاريخ الميلادي دون التاريخ الهجري رغم أنه صنفه في عناوينه إلى الخمسين الأولى من القرن 14هـ والخمسين الثانية من نفس القرن مثل ما فعل مع القرون السابقة.

ويبدو أن الشيخ أبا اليقظان كان في هذا التقسيم والتصنيف متأثرا بمنهج الدرجيني في طبقاته دون سواه من أصحاب السير والتراجم الإباضية، فالدرجيني هو مبتكر منهج تقسيم التراجم في القرن الواحد إلى خمسين أولى وخمسين ثانية وكل خمسين سنة يسميها طبقة، والحقيقة أن هذا المنهج وهذه الطريقة كثيرا ما ضبطت وفيات الأعلام القدامى ضمن فترة ضيقة تشكل الحيز الزماني لهذا العالم أو ذلك.

إن هذا المخطوط المهم [ملحق السير]، لما وصل بين يدي جمعية التراث بغرداية قبل عامين تقريبا، وجد العناية من أول وهلة، إذ تصدى الأستاذ محمد بابا عمي: الأمين العام للجمعية له، فوضع له مقدمة ومجموعة فهارس مفاتيح لبعض محتوياته ويقول في هذا الصدد: "...إن العجز والضعف الصحي الذي أصاب أبا اليقظان وهو يضع هذه السير، حال دونه ودون الوصول إلى نهاية العمل بالتحقيق والطبع، وهذا ما يفسر بقاء المخطوط في عداد المجهول لمدة ثلاثين سنة تقريبا وهو ينتظر الباحث المحقق ليخرجه في أحسن وجه. وبعد مطالعة الملحق بأجزائه الثلاثة، تيقنت أنه بحر وفي إمكان الباحث الغوص فيه واستخراج الكنوز منه، ورأيت أن أشرع في السباحة على شاطئه واستخراج بعض جواهره عسى الله أن ييسر من يحسن الغوص فيواصل المسيرة. وهكذا وضعت ما يشبه الفهارس التقنية".

وهي كالتالي:

1- قائمة العناوين الوارد ذكرها سواء أكانت لكتب أو وثائق أو رسائل أو مجلات أو جرائد وهي بمثابة إحصاء للنتاج العلمي لهذه المرحلة.

2- قائمة لأسماء المكتبات وخزائن الكتب.

3- قائمة بأسماء النساخ والموثقين.

4- قائمة بأسماء القضاة والباش عدول.

5- قائمة الطلبة وتلاميذ الشيخ اطفيش "قطب الأئمة".

6- قائمة طلبة وتلاميذ الحاج عمر بن يحي "نور القلب".

7- قائمة أسباب وفيات الأعلام.

ويعلق الأستاذ على هذه الفهارس قائلا: "ومن المؤكد أن كل قائمة تصلح مصدرا لبحث أو بحوث حسب الاختصاص".

ومن الملاحظات التي ينبغي الإشارة إليها كذلك أن التراجم كلها تقريبا للعلماء دون سواهم من الأعلام، يبدؤها الشيخ أبو اليقظان بقوله "ومنهم" أي من جيل هذه الخمسين من هذا القرن لخمسين سنة معينة وقرن معين، ونجد هذا الاصطلاح "ومنهم" في أغلب كتب السير الإباضية تقريبا. وبعدها يأتي باسم العالم وكنيته ومشايخه وعلمه وصفاته الخلقية والخلقية وإنتاجه إن كان له إنتاج فكري أو أعماله الثقافية والحضارية... ولم يهتم أبو اليقظان بذكر التاريخ: تاريخ الميلاد أو الوفاة إلا نادرا خاصة في الجزأين الأول والثاني (لقرون 10-13هـ)، اقتداء بمنهج السير من قبله من جهة وربما لانعدام وجودها عنده من جهة أخرى إلا أننا نجده في الجزء الثالث يهتم بهذا الجانب فيذكر، كما أسلفنا، تاريخ الميلاد لأن أغلب تراجم هذا الجزء هم أحياء يرزقون وفي بعض الأحيان لا يذكر تاريخ الميلاد ولكنه يشير إلى أن صاحب هذه الترجمة أو تلك شاب في مقتبل العمر يرجى منه خير كثير في مستقبل أيامه، حتى شعر وكأنه كاد أن يخرج من مقصود ملحقه فقال: "بهذا النموذج العالي نكتفي بعرض هذا الجيل لكثرته والحمد لله... تساهلنا في ذلك حتى كاد يخرجنا عن خطتنا المرسومة في ذلك لأن مقصودنا الأسمى من ذلك عرض نماذج للأجيال الماضية أمام الأجيال الآتية ليتخذوهم مثلا عليا للقدوة الحسنة لسعادة الدارين...".

ومع أن الشيخ لا يريد الاستقصاء ولم يرم إليه فإنه يشعر بالإطناب في ذكر أعلام منطقة دون أخرى من مناطق النفوذ الإباضي بالشمال الإفريقي ويعزو ذلك إلى مسؤولي تلك المناطق في عهده إذ يقول: "وقد بذلنا غاية الجهد في انتقاء تراجم علمائنا الإباضية وتنسيقها في عصورها من رجال نفوسة وجربة ووارجلان ووادي ميزاب حسب استطاعتنا وما وصلت إليه طاقتنا. وما بقي منهم فإما أنه لم تبلغنا ترجمتهم عن الثقات الذين بخلوا عنا بذلك كما وقع في (بلدة) العطف ومليكة وغرداية ووارجلان رغما عن مكاتبتنا لهم في ذلك وبإلحاح...".

وشعورا منه أن هذا النوع من التأليف لا يتوقف، يختم الشيخ أبو اليقظان -رحمه الله- ملحقه بأنه يتعذر استقصاء جيل 1350هـ/ق20م الأخير ويقول في آخر سطرين من المخطوط: "ونرى إتمام هذا الباقي من مهمات الجيل الآتي وفقه الله على منوالنا".

هذا إذن هو [ملحق السير] للشيخ أبي اليقظان في عجالة، لم أرد من عرضه إلا تنبيه المهتمين بالتاريخ الحديث والمعاصر عموما وتاريخ إباضية شمال إفريقيا خصوصا إلى أهميته، فالمخطوط بحاجة ولا شك إلى تحقيق علمي أكاديمي يخرجه للناس للاستفادة من درره، وجواهره، والله ولي التوفيق.

مجلة الموافقات/ إصدار: المعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر.من ص452 إلى ص459.

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-12-2009, 06:11 PM   #9
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

الشيخ أبو اليقظان

وكتابه [سليمان الباروني]

أ. محمد الهادي الحسني

مقدمة: يقول محمد العيد آل خليفة -حسّان الحركة الإصلاحية في الجزائر-:
إن الجزائر لم تزل في نسلهـا أُماًّ ولودا خصبـة الأرحـام

سيقول غير العارفين بتاريخ الجزائر: هذا قول شاعر هائم، وسيقول الذين عندهم علم من تاريخها، المتقصّون لحوادثه: إن محمد العيد ماقال إلا الحقيقة في لفظ جميل، وما سجل إلا الواقع في تشبيه بديع، لأنهم يعلمون أن الجزائر أنجبت -منذ أشرقت أرضها بنور الإسلام، ودخل الإيمان قلوب أبنائها- كثيرا من الرجال في شتى الميادين، بلغوا -كل في مجاله- أعلى عليين.

وإذا كان كثيرا من أولئك الرجال لم ينالوا حظهم من الدراسة، ولم يأخذوا نصيبهم من البحث العلمي فالملوم في ذلك هو هذا الخلف الذي قصر في حقوق أولئك الرجال، ولم يرعها حق رعايتها. وإن من أكبر عيوبنا -نحن الجزائريين إلا ما رحم ربي- أننا نكبر غيرنا ولو كانوا شموعا، ونزهد في رجالاتنا ونبخسهم أشياءهم ولو كانوا شموسا شارقة، ولا نقدرهم حق قدرهم ولو كانوا كواكب درية.

من هؤلاء الرجال الذين أنجبتهم الجزائر -هذه الأم الولود الودود- رجل لم يؤته الله بسطة في الجسم، ولم يرزقه سعة في من المال، ولكنه آتاه بسطة في العلم، وهداه إلى التي هي أقوم، وربط على قلبه، فكان من أولي العزم من عباده الصالحين، إنه الشيخ أبو اليقظان "ذلك الكاتب القدير والصحفي البارع" كما وصفه أخوه في الجهاد الحضاري الإمام عبد الحميد بن باديس.

ولو كان لي من الأمر شيء لسمّيت هذا الرجل "أبا الأيقاظ"، لأنه أيقظ الجزائريين من نومهم، وفتّح أعينهم على حقائق دينهم ووطنهم، فوعوها وعيا جيدا بعد أن كانوا مخدّرين دينيا من أفراد زكّوا أنفسهم، واسترهبوا الناس، وجاءوهم بما هو أقرب إلى الشرك منه للإيمان، وبعد أن كانوا وطنيا يلهثون وراء أناس يعدونهم ويمنّونهم، وما يعدونهم إلا غرورا، إذا بأبي اليقظان يؤذّن في الجزائريين بأن: ((الحرية كالشمس لابد منها للحياة... والحرية جزء لا يتجزأ، فإما أن يكون كله وإما أن يذهب كله، وهي بطبيعتها تؤخذ ولا تعطي شأن الشيء الغالي الثمين)).

لقد ردّ أبو اليقظان بهذه الكلمات القليلة على عدة أطراف كانت تخوض في القضية الوطنية بغير علم ولا هدى، ردّ على الفرنسيين وأشياعهم الذين كانوا ينكرون حق الجزائريين في الحرية، وردّ على من حصر القضية الوطنية في الحرية، وردّ على من حصر القضية الوطنية في الحصول على بعض المطالب الاجتماعية كالمساواة بين الفرنسيين والجزائريين في الأجور والمنح العائلية، والضرائب، ومدة الخدمة العسكرية... ورد على من كان يطالب باستقلال خال من المضامين الحضارية التي تميز بين الشعوب والأمم من دين، ولغة، ونظم، وتاريخ، وقيم... ورد على الذين كانوا يحسنون الظن بفرنسا، ويرون بأنها ستخرج من الجزائر طوعا، فكانوا كمن يطلب الفصّ من اللص ويتمنى الحصول على الشمس.

قلت آنفا: إن الله آتى أبا اليقظان بسطة في العلم وقوة في العزم، فأما دليل سعة علمه وغزارة معارفه فهو هذا التراث العلمي الذي ورثه لنا في عدة مجالات من تفسير، وفقه، وتاريخ، واجتماع، وشعر، وهو إنتاج يزيد "على ستين مؤلّفا بين رسالة وكتاب عدا الصحف والمذكرات"، وأما دليل قوة عزمه فهو إنشاؤه ثمان جرائد، ما إن يردي الاستعمار الفرنسي واحدة حتى تخلفها أخرى أسدّ قولا، وأقوى حولا، وأعظم نبلا، كل ذلك في ظروف بالغة القسوة من مال يسير، وانعدام نصير، ومكر بالليل والنهار من الفرنسيين الذين لا يرقبون في الجزائري البسيط إلاّ ولا ذمة، فضلا عن شخصية كبيرة كأبي اليقظان يقتدى بها ويصغى إليها، ولذلك كان "ظهور مجلة أو جريدة وطنية في هذا الجوّ الشائك أشبه بالمعجزة"، وهذا ما أثار إعجاب الإمام محمد البشير الإبراهيمي بأخيه الشيخ أبي اليقظان فبعث إليه رسالة يشيد فيها بثباته والعواصف هوجاء، وثباته والطريق عوجاء.

كتاب [سليمان الباروني باشا]: من مؤلفات الشيخ أبي اليقظان كتابه "سليمان الباروني باشا"، وهو يتكون من جزأين يحتوي أولهما على 253 صفحة، ويحتوي الثاني على 245 صفحة، وقد شرح فيه أبو اليقظان أطوار حياة المجاهد سليمان الباروني، أحد قادة جهاد الشعب الليبي المسلم ضد الصليبيين الإيطاليين.

الباعث على التأليف:

1- وفاء الشيخ أبي اليقظان لرجل جمعت بينهما الأقدار، ووحدت بينهما المبادئ والأفكار. والوفاء صفة من أنبل الصفات التي يتحلى بها الرجال، وأفضله ما كان وفاء للأموات الذين لا يرجى نفعهم ولا يخشى بأسهم. وقد اعتبر الشيخ أبو اليقظان الكتابة عن الباروني: ((فرضا عينيا عليّ دون غيري، لما توثق بيني وبينه من حبل المواصلة، وامتد من أسباب المراسلة من لدن سنة 1325هـ إلى سنة 1375هـ)).

2- إعجاب أبي اليقظان بالباروني الذي كانت حياته عامرة بالمفاخر، ملآى بالمآثر، وهذا جامع، فأبو اليقظان -بعلمه وتدينه- أكبر من أن ينساق وراء الهوى، أو يميل إلى تعصب مذهبي عرقي، فإعجابه بالباروني وثناؤه عليه هو ثناء بالتّبع، لأن ذلك الثناء في أصله منصرف إلى الأعمال الجليلة التي قام بها، وإلى المكارم النبيلة التي تحلى بها، وإلى القيم السامية التي جاهد في سبيلها.

3- إيمان أبي اليقظان بحاجة الأمة الإسلامية إلى معرفة هذا النوع السامي من الهمم والعزائم، تشد بها ما ارتخى من أوصالها، وتمتّن بها مارثّ من حبالها، وتقوّي بها ما وهن من أمورها، وإلى هذا الطراز العالي من الرجال تقتدي بهم، وتنهج نهجهم، وتتطلع إلى آفاقهم، لأن استعراض حياة عظماء الأمم وأبطال الشعوب "لممّا يحفز الهمة، ويوقظ الشعور، وينبّه الإحساس، ويلهب الفطنة، ويذكي الفؤاد، ويوقد الذكاء، ويشع النفس، ويسدّد الخطى، ويرشد الحائر، ويهدي الضال، ويرد الشارد، ويسترجع التائه، ويكبح الجامح، ويستنزل الطائر، ويكبت الكنود".

4- إلحاح إخوانه عليه ليضع "مؤلفا جامعا لما تشتت من حياة المجاهد الكبير فخر العربية والإسلام الشيخ سليمان باشا الباروني".

دوافع نشر الكتاب: إن نشر أيّ كتاب يستهدف صاحبه أحد أمور ثلاثة:

أ- نيل شهرة وإحراز سمعة.

ب- جمع مال ونشدان ثروة.

ج- نشر فكرة وخدمة مبدإ.

فما هو الداعي الذي دعا الشيخ أبا اليقظان إلى نشر هذا الكتاب؟.

أما الشهرة والسمعة فما أعنى الشيخ أبي اليقظان عنهما، فقد كان علما في وطنه، مشهورا في أمته بكتاباته في صحف المشرق والمغرب، وبعلاقاته المتينة والمبدئية بأعلام عصره الذين كانوا يراسلونه وينشرون كتاباتهم في صحفه، كالأمير شكيب أرسلان، ومحمد علي الطاهر السياسي والصحفي الفلسطيني، وعبد العزيز الثعالبي، والأمير خالد الجزائري، ومحب الدين الخطيب، وأبي إسحاق اطفيّش، ومحمد أمين الحسني، ومحمد الشاذلي خزنة دار، وغيرهم، كما أن أبا اليقظان لم يكن من الذين يراءون بأعمالهم، فله من العلم وعنده من التقوى ما يحصّنه من وسوسة وسواس وخنس خنّاس.

وأما المال فقد رغب عنه عندما كان في سن الشباب التي تغري به وتدفع إلى جمعه، ولو كان قلبه معلقا بالمال لاختار لنفسه سبيلا غير التي سار فيها، كما أن الكتاب بما يحمله من أفكار كان مزعجا لفرنسا مما يجعله معرضا للمصادرة، وبالتالي إلى الخسارة المادية، والمساءلة التي قد تفضي إلى التغريم.

فلم يبق -إذن- إلا الأمر الثالث، وهو نشر فكرة، وخدمة مبدإ، وتحقيق هدف.

إن أبا اليقظان المتميز بوعيه الإسلامي العميق، وشعوره الوطني الفياض، وحسه السياسي الدقيق، لا يقدم على نشر كتاب "محرض على الجهاد" في أوج الجهاد الجزائري ضد فرنسا -1956م- من غير أن يكون قد فكّر في الأمر، وقدّر نتائجه، وتدبّر في أبعاده.

والراجح عندي هو أن أبا اليقظان -وهو يأخذ قراره بنشر هذا الكتاب، في هذا التاريخ بالذات- إنما كان يوجّه ثلاث رسائل:

أولا: إلى أبنائه المجاهدين الجزائريين الذين كانوا يخوضون حربا شرسة غير متكافئة في العدد والعُدَدِ ضد الفرنسيين، ليحرضهم -بصوره الجهادية- على مواصلة القتال، ويقوي معنوياتهم بما يقص عليهم من أبناء الباروني وجنده ما يثبّث به أفئدتهم، ويربط على قلوبهم، وليبرهن لهم -بمثال ليس بينهم وبينه أمد بعيد- أن الفئة المؤمنة القليلة العدد الفقيرة في العدد تستطيع أن تذيق الفئة الكافرة الكثيرة الأفراد الوفيرة العتاد بأسا شديدا، وتسقيها ماء صديدا، وترهقها من أمرها عسرا.

وإذا كان الفرنسيون رغم كثرة عددهم وكثافة معداتهم ووفرة حلفائهم لم يستغنوا عن الجوانب المعنوية في تلك المعركة الضارية، فإن المجاهدين الجزائريين الأقل نفرا والأفقر آلة أحوج إلى مراعاة تلك الجوانب المعنوية، وهذا ما حاول أن يوفره الشيخ أبو اليقظان -بطريقته الخاصة- في هذا الكتاب، "لنفح روحه في أرواح أجيالنا الحاضرة والمقبلة إن شاء الله".

ثانيا: إلى الأشقاء الليبيين يذكرهم بما قاسوه من محن، وما تعرضوا له من كروب، وما أصابهم من سوء على أيدي الإيطاليين، فيدركون معاناة إخوانهم الجزائريين، -من تدمير شامل وتقتيل جماعي- على أيدي الفرنسيين، فيدفعهم ذلك إلى مواصلة دعمهم لهم، واستمرار مساعدتهم إليهم، حيث كان الليبيون من أسبق الشعوب تأييدا لجهاد الجزائريين، وأكثرها إمدادا لهم بالمساعدات والأموال رغم الفاقة والخصاصة، وقد كانت ليبيا معبرا رئيسيا للأسلحة التي يحصل عليها الجزائريون.

ثالثا: إلى الفرنسيين ليغيظهم، لأنهم ضايقوا المجاهد سليمان الباروني وظاهروا الإيطاليين عليه، فأخرجوه من تونس عندما لجأ إليها متحينا مواتاة الفرصة للعودة إلى جهاد الإيطاليين، كما منعه الفرنسيون من اللجوء إلى المغرب والجزائر. ووصل حقدهم عليه وخوفهم منه إلى درجة كبيرة جعلت وزير الخارجية الفرنسي يومئذ "بون مارشي" يصرح في هلع مغلف باستعلاء: ((إن الباروني لن يدخل الجزائر ولو في المنام)). ويؤكد ما ذهبنا إليه -من اعتبار نشر هذا الكتاب إغاظة للفرنسيين- تعليق أبي اليقظان على تصريح وزير الخارجية الفرنسي، حيث قال: ((ولكن لم يدر هذا وأضرابه أن الباروني وإن لم يدخلها بجسمه فقد دخلها بمبادئه، وإن بذوره التي بذرها هو ورجال التحرير قد آتت أكلها في سنة 1954م)).

والحقيقة هي أن أبا اليقظان قد برهن -مرة أخرى- على شجاعة نادرة وهو يسطر هذه الجملة، لأنه عبّر من خلالها عن إعجابه بهؤلاء المجاهدين وتأييده لهم، وكأنه يتحدى -وهو العجوز المقعد- الاستعمار ويقول له: }فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا{.

منهجه: لم يتقيد أبو اليقظان في كتابه بما تعوده المؤلفون من تقسيم مؤلفاتهم إلى أقسام، أو تبويبها إلى أبواب، أو تفصيلها إلى فصول، ولكنه كان يضع عنوانا لفكرة أو حادثة ثم يكتب التفاصيل مسهبا حينا، موجزا حينا آخر، يتحكم في ذلك أهمية الفكرة -حسب تقديره- وكمية المعلومات التي في حوزته، ملتزما التسلسل التاريخي للحوادث، مستطردا في بعض الأحيان لإضفاء مزيد من الضوء على فكرة، أو لربطها بفكرة أخرى لما بينهما من علاقة.

خصص أبو اليقظان الجزء الأول من كتابه للحديث عن حياة الباروني في ليبيا في مختلف مراحلها، كالميلاد والدراسة، والأوصاف الخَلْقِية والخُلقية، وفصّل القول عن منشآته ومؤلفاته، وعضويته في البرلمان العثماني، ثم تحدث عن جهاده المرير وكفاحه العسير ضد الصليبيين الإيطاليين، وما حققه من انتصارات، وما أصابه من انكسارات، وماعاناه من انشقاقات، وماحيك ضده في -الداخل والخارج- من مؤامرات، وما تعرض له من الدول الاستعمارية من مضايقات، ثم أنهى هذا الجزء بالحديث عن انتقال الباروني إلى المشرق العربي.

وقد أفاض الشيخ أبو اليقظان في بداية هذا الجزء في الحديث عن أسلاف الباروني ومكانته العلمية، ومنزلته الدينية، وأدوارهم السياسية في تاريخ ليبيا، "من لدن أواسط القرن الرابع إلى أواخر القرن العاشر للهجرة". وأبو اليقظان إذ يفعل ذلك فلأنه يؤمن: ((أن للوراثة تأثيرا كبيرا في خلق الإنسان وخلقه، في مميزاته وخصائصه، في صفاته وميوله، وطابعا خاصا في مواهبه وغرائزه ومزاياه))، فللأصول الطيبة دور هام في إنبات الذرية الطيبة، وللتربية الأسرية الحسنة أهمية في توريث الأبناء قيم الشرف والمروءة والكرامة، وتوجيههم إلى معالي الأمور وعظائمها، وصرفهم عن سفاسفها وصغائرها، مصداقا لقول القائل:
ومن خطا جاد الشوك بالورد
إذا طاب أصل المرء طابت فروعه



إن من أهم ما في هذا الجزء -في رأيي- هو الحديث عن تأسيس الباروني -رفقه ثلة من مجاهدي ليبيا- أول جمهورية إسلامية في التاريخ المعاصر، فكان ذلك التأسيس الخطوة الأولى في طريق العودة إلى روح الإسلام في ميدان الحكم، بعد أن استمر المسلمون -منذ انتهاء الخلافة الراشدة- النظام الملكي الوراثي "الذي لا يعتز به الإسلام" ، وقبلوه طوعا أو كرها.

أما الجزء الثاني فقد خصصه أبو اليقظان للحديث عن المرحلة الثانية من حياة الباروني، وهي المرحلة التي قضى أغلبها في عُمَان وشطرا منها في العراق.

لقد لقي الباروني في مرحلته هذه نصبا، وعاش معيشة ضنكا، ومسّه اللغوب، ولم يجد لدى الحكام العرب ما يناسب منزلته كقائد عظيم، وما يليق بمقامه كمجاهد كبير، عاكسته الظروف وجرت الرياح بما لا يشتهي. ولو أن أولئك الحكام كانوا حكاما على الحقيقة لاستخلصوه لأنفسهم، ولقالوا له ما قال ملك مصر ليوسف عليه السلام: ((إنك اليوم لدينا مكين أمين))، ولكنهم كانوا كما قال أبو علي حسن بن رشيق المسيلي المشهور بالقيرواني:
كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
ألقاب مملكة في غير موضعها



لأنهم كانوا صنائع للأنجليز والفرنسيين -أعداء الباروني وأمثاله- ولا يمكن لمن تلك صفته أن يستخلص لنفسه رجلا كالباروني، أو يتخذه خليلا، أو يركن إليه.

إن الأمر الجدير بالملاحظة هو أن الباروني لم يغير –تحت ضغط الحاجة- مواقفه، ولم يبدل مبادئه، ولكنه تدرع بالصبر، واعتصم بحبل الله، واستمر على مبادئه المعادية للاستعمار، الدّاعية إلى الجهاد لطرده من دار الإسلام، الحاضة على الوحدة الإسلامية.. إلى أن رجعت نفسه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية سنة 1940م.

إن اللاّفت للنظر هو أن الشيخ أبا اليقظان كان -في الغالب- ينهي الحديث عن فكرة أو حادثة باستخلاص عبرة أو عبر منها، تذكيرا للعاقل، وتنبيها للغافل، وتحريكا للخامل، وإرشادا للعامل، لأن هدف أبي اليقظان هو أن يستفيد أبناء الأمة من سيرة الباروني في مواجهة أعدائهم، وتخطي العوثير التي تنصب في طريقهم، فالباروني -بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى- ليس بحاجة إلى نوح باك عليه أو ترنم شاد بفضله.

مصادر أبي اليقظان: الحق أقول إنني كنت أظن أن كتاب أبي اليقظان -وقد وضعه إشادة بجهاد الباروني، وتنويها بخصاله الفطرية والمكتسبة، وحثا على الاقتداء بسيرته- قد تسيطر عليه النزعة العاطفية، وينأى عن الحقيقة التاريخية، ولا يعطي مسألة التوثيق ما تستحقه من أهمية، ولكنني -بعد قراءته- تبينت أن أبا اليقظان أكبر من أن يحمد الباروني بما لم يفعل، وأن ينسب إليه ما لم تصنعه يداه، وأن يمدحه بما ليس فيه، كما تأكدت أن أبا اليقظان أنبل من أن يبخص الباروني حقه، وأن يسلبه مجده، وأن يستصغر عظائمه، وأن يستقل عمله الكُبَّار، فـ "سير النوابغ كالنصوص، يجب أن تؤخذ كما هي وإلاّ أفسدت القدوة".

من أجل ذلك حرص الشيخ أبو اليقظان أشد الحرص على ذكر مصادره بأمانة علمية -لا تستغرب من عالم ديني مثله-، وعلى الإحالة إلى مراجعه بدقة الصحفي النزيه، وهذا ما أكد عليه بقوله: ((ونحن فيما سنكتب إنما نصدر عن منبع عذب ومنهل صاف لا خيال فيه ولا غلو ولا إغراق)).

يمكن تقسيم مصادر أبي اليقظان إلى قسمين رئيسيين هما:

أولا: المصادر الكتابية، وهي نوعان:

1- المصادر المشورة: وتتمثل في:

أ- الكتب: ومنها حياة سليمان الباروني، سير الشماخي، وهو مصدره الأساسي في الحديث عن أسلاف الباروني، وحاضر العالم الإسلامي، وجهاد الأبطال، وديوان عبد الله الباروني، وهو والد سليمان الباروني. وهي -كما يلاحظ- مصادر أصلية من الدرجة الأولى.

ب- الجرائد والمجلات المعاصرة للحوادث: ومنها جرائد: العالم العربي، والنور، ووادي ميزاب، والأمة، والبلاغ المصري، والحياة الجزائرية، والمقطم، والدفاع، والرابطة العربية، والصواب... أما المجلات فأهمها المنهاج، وآخر ساعة.

2- المصادر المخطوطة: وهي أساسا رسائل:

أ- من أبي اليقظان إلى الباروني.

ب- من الباروني إلى أبي اليقظان. وقد أشار أبو اليقظان إلى أن المراسلات بينه وبين الباروني كانت متواصلة.

جـ- من الباروني "إلى بعض الخواص من إخوانه وأصدقائه بوادي ميزاب".

ومن المعلوم أن الرسائل الخاصة تعتبر وثائق هامة، لأنه لا نظير لها في تصوير خلجات النفس وخواطرها، حيث ينطلق فيها صاحبها على سجيته، ولا يحترس كمن يكتب كتابا أو تقريرا أو مقالة لجريدة أو مجلة... وقد أكثر أبو اليقظان من إيراد هذه الرسائل تأكيدا منه لهذا المعنى، وحتى عندما يجيز لنفسه تلخيص رسالة فإنه يتعهد "بمحاذاة نصه، وتحري مراده منه".

ثانيا: المصادر الشفوية: وقد أشار أبو اليقظان إلى ذلك بقوله: ((نورد فيما يلي بعض طرف من أخباره الخاصة، إما مشافهة وإما مراسلة))، وبقوله: ((ومن ذلك ما قصه علينا المرحوم الباشا نفسه))، حيث التقى أبو اليقظان عدة مرات بسليمان الباروني، فقد جمعت بينهما زيارة الباروني لقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف اطفيّش (1818-1914) سنة 1907، كما التقيا في تونس سنة 1914، وسنة 1923.

من هذا العرض الموجز تتبين لنا قيمة مصادر أبي اليقظان في هذا الكتاب، فهي مصادر أساسية متنوعة. واهتمام أبي اليقظان بهذه المسألة يعود -إضافة إلى ما سبق ذكره- إلى حرصه على أن لا يجد خصوم هدفه وهو توجيه شباب الأمة إلى الاقتداء بسيرة مجاهد، كل فصل فيها موطن إعجاب، وكل موقف فيها محل إكبار ثغرة يتسللون منها إلى ضرب هذا الهدف، كأن يقال لهؤلاء الشباب إن أبا اليقظان اختلق رمزا على هواه، أو اصطنع موقفا لا وجود له، أو لوى عنق حقيقة، أو ضحّى بالمنهج قرباناً للمذهب، وبذلك يُعرِضُ هؤلاء الشباب عن هذه السيرة، وينصرفون عن الاقتداء بصاحبها، ويسخرون من كاتبها... وتلك أمنية أماني أعداء الإسلام.

ملاحظة وتوضيح: لفت نظري في كتاب الشيخ أبي اليقظان -عند الحديث عن القبض على الباروني في بداية شبابه- ذكره للإشاعة التي يرددها أعداء الإسلام التقليديون ومن ألقى إليهم بالمودة من أبناء جلدتنا، وهي اشتهار عهد السلطان عبد الحميد الثاني "باستفحال الجوسسة والتحام شبكة الوشاية في سائر ولايات الدولة العثمانية.

وقد ذكر الشيخ أبو اليقظان هذه المسألة من غير تشكيك فيها أو نقدها لها، أو تبرير... ولو قالها غير أبي اليقظان لما توقفنا عندها، لاطمئناننا بأن الأمة لا تلقي السمع لأعدائها والمردّدين (منا) لبهتانها، أمّا أن يقولها أبو اليقظان، وهو أحد مراجع جزء من أمتنا الإسلامية، لأنه عالم ثقة يطمئن إلى أحكامه ويوثق فيها فأمر يحتاج إلى تنبيه.

لا أحد ينفي الجوسسة عن عهد السلطان عبد الحميد الثاني ولا عن عهد غيره من الحكام والسلاطين في أي مكان أو زمان، فعبد الحميد الثاني لم يكن بدعا منهم، ولكن الأمر الذي ينبغي أن يوضع في الاعتبار هو الهدف المتوخَّى من هذه الجوسسة، والعصر الذي تمارس فيه، وبذلك نستطيع أن نصدر حكما فيه شيء من النَّصَفَة.

شهدت فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) اشتداد تكالب الدول الأروبية على العالم الإسلامي لاحتلال ما بقي منه خارج سيطرتها، وللقضاء على آخر مظهر من مظاهر وحدة الأمة الإسلامية وهو الخلافة.

وقد توسَّل الأوروبيون لتحقيق ذلك بكثير من الوسائل، منها شراء ذمم واستنزال همم كثير من أراذل المسلمين، ورعايا الدول العثمانية من غير المسلمين، ومنها تسريب عدد كبير من الجواسيس الأوربيين في شكل تجار، ومستشرقين، ورحالين، وأطباء، وضباط مخابرات، ورجال دين، ونساء، إلى مختلف أقاليم الدول العثمانية.

وقد ازدادت شدة ذلك التكالب بعدما تبنَّى السلطان عبد الحميد الثاني فكرة "الجامعة الإسلامية"، وأطلق شعار: ((يا مسلمي العالم اتحدوا))، وهو ما يهدد -لو تحقق- أطماع الأوربيين، وبعدما وقف موقف الشرف والمروءة من أطماع اليهود في فلسطين، ورفضه الخضوع لمساوماتهم... ما كلَّفه الإطاحة به وخلعه، فهل يلام السلطان عبد الحميد الثاني إذا واجه هذا الحشد من الجواسيس والخونة بالإكثار من بث العيون ورصد الحركات؟ ولا يمكن أن يُنْكر ما حدث من تجاوزات أو مظالم قد لا يكون السلطان نفسه على علم بها.

والخلاصة أن الشيخ أبا اليقظان قدّم لنا سيرة رائعة لمجاهد أصيل لم يَطْعم الأذى، ولم يرد القذى، وسما إلى أعلى الذرى عندما لم يُرَاءِ بجهاده، ولم يستغل ذلك الجهاد لتحقيق منافع مادية، حيث رد ستة آلاف جنيه إلى الأمير المصري عمر طوسن قائلا: ((إن الإعانات للمجاهدين، والآن لا جهاد))، وصدق الإمام محمد البشير الإبراهيمي عندما قال: ((أصدق تواريخ الرجال ما يكتبه الدارسون المتقصون عنهم بعد موتهم)).

اقتراح: يؤكد الدارسون الحياديون والمؤرخون المنصفون أن جهاد الشعب الجزائري ضد فرنسا منذ 1830م إلى 1962م، كان محركه الأساسي هو الإسلام. فعلماء الجزائر هم الذين حافظوا على شعلته متأججة في قلوب الجزائريين، وهم الذين أحيوا حرف الضاد في لهواتهم، وهم الذين علموهم ما لم يكونوا يعلمون عن أمجادهم، وهم الذين رسخوا في عقولهم أن فرنسا عدو لهم فلْيُعِدُّوا ما استطاعوا من قوة للقضاء عليه، وليستعدوا إلى يوم الفصل معه. ومما يروى أن الإمام إبراهيم بيوض (1899-1981) قال لمن سأله عن دور العلماء في جهاد الشعب الجزائري: ((أي العملين أشق وأرهق، جمع الحطب أم إشعال النار في ذلك الحطب؟)).

فمن حق هؤلاء العلماء علينا، ومن واجبنا نحوهم أن نرفع ذكرهم ونُحْيِيَ ذكرياتهم، ونشيد بمنجزاتهم، ونبرز أعمالهم ليكونوا للشباب أسوة حسنة.

ومن هؤلاء العلماء الشيخ أبو اليقظان إبراهيم الذي كان أمة، لكثرة أعماله وأصالته، ولذا أقترح:

1- إنشاء متحف للصحافة الجزائرية المجاهدة، يحمل اسم أبي اليقظان، تجمع فيه الصحف الجزائرية التي دافعت عن ثلاثيتنا المقدسة: الإسلام ديننا - العربية لغتنا – الجزائر وطننا. ويضم هذا المتحف -أيضا- المطابع المجاهدة وأهمها مطبعة الإمام عبد الحميد بن باديس، ومطبعة الشيخ أبي اليقظان.

2- إنشاء جائزة سنوية باسم الشيخ أبي اليقظان، تمنح للصحفي الذي ينجز أفضل عمل إعلامي، على أن لاينالها إلا الأوفياء للمبادئ التي جاهد في سبيلها أبو اليقظان، وهي -كما أسلفت- الإسلام، العربية، الجزائر.

وأقترح -أخيرا- أنه إذا لم تبادر أية هيئة رسمية لِتَبنّي هذه الفكرة أن تحققها جمعية التراث الموقرة في القرارة، وأرجو أن لا تعتذر بقلة الإمكانات وكثرة الأعمال، فلتعزم ولتتوكل على الله، وعلى قدر أهل العزم فتأت العزائم. وستجد إلى جانبها في هذا العمل الحضاري الأصيل كلّ صالح من الجزائريين وكل أصيل منهم.

مجلة الموافقات/ إصدار: المعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر. من ص460 إلى ص472

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-12-2009, 06:12 PM   #10
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

منهج التفقيه

في تصور الشيخ أبو اليقظان

من خلال [سلّم الاستقامة]

أ. محمد عيسى

تمهيد: لا تتوجه هذه الدراسة إلى البحث في الجنسية الفقهية للشيخ أبي اليقظان إبراهيم ولا إلى تحقيق مدى فقه الرجل وقربه أو بعده عن المذهب المالكي ولا أيّ من المذاهب المشهورة الأخرى، بل يتوجه لاستشفاف المنهج الذي تصور الشيخ اعتماده لتفقيه الناشئة انطلاقا من المطبوع من كتابه الموسوم: [سلّم الاستقامة].

الهدف من تأليف سلّم الاستقامة: عبّر الشيخ إبراهيم أبو اليقظان صراحة عن الهدف الذي دفعه إلى تأليف [سلّم الاستقامة] في الجزء الأول من القسم المخصص للمدارس الابتدائية، حيث قال: ((هذه عصور تتجدد، وأمم تتطور، ونهضة عامة تشمل مناحي الحياة، وأساليب الكتابة تترقى إلى أوج الكمال، ومعاهد العلوم تخرج للعالم كل يوم عجائب ومدهشات ومدارس العصر الجديد تبرز كل حين من آيات العبقرية والنبوغ ما يملك نواصي الدنيا بأسرها ويأخذ عن السالكين طريق الآخرة.

إزاء هذه الحركة الزاخرة نرى الهمم عندنا فاترة؛ والأدمغة خامدة؛ وحركة التأليف قد وقفت ببلادنا منذ أزمان؛ ومن أتيح له الحظ للكتابة وكأنما بقلم العصور الغابرة يكتب، ولزمان غير زمانه يدوّن ويرتب، مع أن لكل عصر طابعا، ولكل زمان أسلوبا.

لأجل هذا نرى أبناءنا قد قعدت بهم قافلتهم بين أساليب العصور الماضية الملتوية عن لحاق قافلة عصر البخار والكهرباء والراديو في أساليب الكتابة والتعبير وهم في جهرة الأميين والبسطاء بين تيارين: ((تيار الجمود، وتيار الجحود يتطلعون فرارا من أخطارهما للصعود إلى ربوة الاستقامة ولا سلّم، ويفزعون طلبا للنجاة من بلائهما إلى روضة الدين القويم ولا معراج)).

والذي يستفاد من هذا المقطع من مقدمة الكتاب أن الدافع إلى هذا التأليف تحكّمت فيه مجموعة من العوامل الموضوعية، هي التي ستحكم منهج التأليف أو ما أسميته بمنهج التفقيه.

ولعلّ أبرز الإسلامي بين منهجين متباينين: منهج العصر الحديث الذي صيغت عبارته صياغة خاصة وعبّر أهله وكتبوا بأساليب تتواءم والاكتشافات الحديثة ووسائل الاتصال السريعة و((قافلة عصر البخار والكهرباء والراديو)) ومنهج آخر اعتمده ((أصحاب الهمم الفاترة، والأدمغة الخامدة)) فألّفوا في الفقه ((بقلم العصور الغابرة، ولزمان غير زمانهم)).وهذا التباين في منهج التلقي والتعليم جعل الطلاب في حيرة من أمرهم، فبانت الحاجة الماسّة إلى تأليف كتاب في علوم الدين الإسلامي يعتمد على أسلوب العصر الحديث الذي تعوّده التلاميذ والطلاب في مدارسهم الحديثة ومعاهدهم العصرية وعلى ما ألفوه من لغة هذا العصر متوخيا في ذلك المنهج المدرسي التناسب والمنهج التربوي المعتمد في المدارس المعاصرة.

وهذا الاهتمام في الحقيقة لا يمس المذهب الذي كتب الشيخ إبراهيم أبو اليقظان [سلّم الاستقامة] وفٍِِقه ولكن يمس كل مذاهب الفقه الإسلامي بل كل علوم الدين الإسلامي.

هذا الاهتمام هو الذي يمكن أن أعبّر عنه بالحاجة إلى إعادة صياغة الفقه الإسلامي صياغة وظيفية تتوخى حاجة المتعلم وترسم منهج التدريس وفقه؛ وهو الذي دفع ببعض المفكرين إلى تنظيم سيمينير تدريس العلوم الشرعية التي أسهم فيها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى بمداخلة تفيد المعنى الذي تناوله الشيخ أبو اليقظان ومما قاله عن بعض الشيوخ الذين راحوا يدرسون الفقه الإسلامي بلغة العصر الماضي من خلال كتاب [نور الإيضاح]: ((ثم شرع يقول للناس أوّل سطور الكتاب وهي أن المياه سبعة: ماء المطر، وماء العين، وماء البئر، فقال له أحد الحاضرين: إن المياه موجودة بالصنبور... فما هي المياه السبعة التي تتحدث عنها؟ فطوى كتابه وهرب! فالكتاب مؤلف يوم كانت المياه هكذا، وحين كان طلب المياه للوضوء أو الغسل شيئا عسيرا وبقي الكتاب كما هو يدرّس للآن. وقد تكون هذه القصة مثار ضحك؛ ولكنه ضحك أشبه بالبكاء كما يقول أبو الطيب)).

فمشكلة الازدواج الثقافي التي تكرّر الاهتمام بها من طرف المفكرين ومنهم الشيخ إبراهيم اليقظان مشكلة حسّاسة تدفع الجميع إلى التفكير في إعادة صياغة علوم الدين الإسلامي صياغة تتلاءم مع العصر وتعمل على امتصاص العلوم الاجتماعية والطبيعية وتكييفها وفقا للشريعة، وبذلك تعود الثقافتان إلى ثقافة واحدة.

وهذا الذي ذكرته هو الاهتمام الذي تنبه إليه الشيخ أبو اليقظان مبكرا حين: ((...وضع سلسلة في أركان الدين .العبادات. وفي أركان الدنيا .المعاملات. على الأسلوب المدرسي لتكون عمدة معلّمينا الأفاضل في هذا العصر، لتوجيه أبناء المدارس الابتدائية وجهة الدين الصحيح، بأسلوب جديد يقرّب من أفهامهم متناول الفقه الديني، وفقه المعاملات، معتمدا في ذلك على نباهة المعلّم واقتداره وتجاريبه وقوة ابتكاره لأساليب التفهيم والتطبيق وسميتها: سلم الاستقامة)).

إنّ هذا الوضوح في الرؤية لدى الشيخ إبراهيم أبي اليقظان تحكّمت فيه -لاشكّ- اهتماماته الحضارية وغيرته على دينه وثقافته العربية الإسلامية، فهو لا يرى الدين طقوسا وشعائر جامدة، ولا يرى عبارات المتقدمين عبارات مقدّسة تحفظ وتكرّر كما كتبها أهلها، ولكن يراه منهجا متكاملا يحكمه منهج تربوي محكم هو الذي نحاول استشفاف بعض جوانب في هذا المقام.

فالتفقيه -من خلال ما بدا- يخضع في منهجه لتحقيق هدف أو غاية واضحة وهي الغاية التي رسمها الله تعالى في قوله: }وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون{.

أي أن الشيخ يرى أن مؤلفه باعتباره كتابا مدرسيا يصلح وثيقة للمعلمين يعتمدونها عندما يبلغون هذا الفقه وهذا العلم، مزاوجين ذلك بالطرق التدريسية الديداكتية المناسبة لكل موضوع ولكل درس من الدروس التي ضمّنها كتابه.

ففقه الدين الإسلامي ليس فقط للعلم ولا فقط للعلم والعمل بل كذلك للتبليغ والتعليم من أجل تحقيق غايته المتمثلة في الامتثال لأمر الله المنقذ من الظلال والزيغ.

وينبغي موضوعيا أن ننتهج مسلكا علميا واضحا للوصول إلى تحقيق هذه الغاية؛ والشيخ إبراهيم أبو اليقظان فضلا عن كونه أشار إلى هذه الحاجة فإنه اقترح هذا المنهج وخطّ هذا المسلك عمليا في هذا المؤَلَّف حيث وجهه بالأصالة إلى المعلمين ليفيدوا به شريحتين متعاقبتين ومتكاملتين هما قسم الابتدائي الذي برمج له ثلاثة كتب وقسم الثانوي الذي برمج له أربعة كتب.

ولكل من المستويين خطاب خاص ومنهج متميز في تفقيه الناشئة اعتمادا على هذا (المقرر) وعلى كفاءة الأستاذ و"تعليميته".

مفهوم الفقه الذي ألّف فيه أبو اليقظان: يطلق الفقه في اللغة على الفهم، نقول فقِه الرجل فقهاً، ثم خصّ به علم الشريعة؛ والعالم به فقيهٌ، وقد فقُهَ صار فقيهاً، وفقّهه الله تفقيهاً، وتفقَّه إذا تعاطى الفقه، وفاقَهَه باحثه في الفقه.

وله في الاصطلاح مفاهيم متفاوتة في الشمول والضيق والشيخ إبراهيم أبو اليقظان تناول في [سُلّمه] موضوعات الفقه الإسلامي تناولا شموليا فلم يقتصر على الفقه بمفهومه الاصطلاحي الضيق على ما درج عليه متأخروا الفقهاء والذي يفيد أن الفقه هو ((العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية)) بل تجاوزه كما فعل بعض قدامى الفقهاء إلى إدراج موضوعات كلامية أو عقدية ضمنه.

فالفقه الذي تصوّره الشيخ أبو اليقظان قريب جدا من ذلك الذي تصوّره الإمام أبو حنفية وسمّاه أتباعه بالفقه الأكبر حين قال: ((الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها)).

وإذا كان متأخروا الأحناف قد أضافوا قيد (عملا) لتخصيص الفقه بالإطلاق المتأخر فإن إطلاق أبي حنيفة أشمل، قال في التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه: ((والفقه معرفة النفس ما لها وما عليها ويزاد عملا ليخرج الاعتقادات والوجدانيات فيخرج الكلام والتصوف ومن لم يزد أراد الشمول؛ هذا التعريف منقول عن أبي حنيفة)).

والشمول هو مراد الشيخ أبي اليقظان إبراهيم على ما يظهر؛ إذ تناول في بداية تأليفه موضوعا عقديا تكرر لديه في الأجزاء الثلاثة المخصصة للأقسام الابتدائية.

والسبب القريب في ذلك أن العقيدة أساس العبادة والعمل وأنها أس الحياة، فاحتاج لإدراجها في "مقرره" حتى ينشئ الطلاب على عقيدة صحيحة عملية وبناءة دافعة على العمل الصالح.

عرض تحليلي موضوعي للمحتوى الدراسي لكتب القسم الإبتدائي: تتشكل هذه السلسلة من ثلاثة أجزاء يشمل كل جزء كتب فقه العبادات التقليدية الأربعة: كتاب الصلاة ومعه الطهارة، كتاب الزكاة، كتاب الصوم، كتاب الحج. فضلا عن موضوع مباحث العقيدة الذي صدّر به كل واحد من الأجزاء الثلاثة.

وسأحاول بالتوازي مع عرض محتويات الكتب الثلاثة أن أشير إلى المنهج الذي جسّده الشيخ أبو اليقظان عمليا لتحقيق غرضه من تأليف هذا الكتاب والهادف إلى تفقيه الناشئة بلغة العصر وأسلوب الحضارة المعيشة.

على أن أعرض بالدراسة التفصيلية لنموذج أو أكثر من الموضوعات قصد تأكيد الفرضيات أو نفيها كما سأحاول استخلاص الملاحظات التي تساعد على رسم تصور الشيخ في التفقيه.

أولا: قسم العقيدة: تناول الشيخ هذا القسم على مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى بالجزء الأول وتطرق فيها لموضوع واحد هو:

- التوحيد أوّل واجب عند البلوغ.

المرحلة الثانية: بالجزء الثاني وتطرق فيها للموضوعات التالية:

ما هي عقيدة الإسلام؟ ما هو الإيمان بالله؟ ما هو الإيمان بمحمد؟ وما هو الإيمان بما جاء به محمد؟ ما هو الدين الإسلامي؟ ما هو الإيمان بالملائكة؟ ما هو الإيمان بالكتب؟ ما هو الإيمان بالرسل؟ ما هو الإيمان باليوم الآخر؟ ما هو الإيمان بالقضاء والقدر؟ ما الفرق بين المؤمن والكافر؟ .

المرحلة الثالثة: بالجزء الثالث وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1. كلمة التوحيد. 2. معرفة الله تعالى. 3. معرفة الرسل. 4. الأنبياء والرسل. 5. ما جاءت به الرسل. 6. الإيمان باليوم الآخر. 7. القضاء والقدر. 8. المؤمن والكافر. 9. الولاية والبراءة.

إن القراءة التحليلية لهذا الفهرس الموضوعي لمحتويات برنامج العقيدة في [سلم الاستقامة] على مدى الكتب الثلاثة المخصصة للقسم الابتدائي تفيدنا ببعض ملامح منهج التفقيه لدى الشيخ أبي اليقظان:

1- اعتمد الشيخ المرحلية في تدريس مباحث العقيدة، فاقتصر في الجزء الأول على مبحث واحد يمتاز بالتركيز والبساطة ثم انتقل إلى مرحلة تالية بسط فيها الموضوع المركز وحلّ بعض مستغلقاته لينتقل في المرحلة الأخيرة لتأكيد ما سبق بسطه بالتحليل والتدليل وإضافة بعض الموضوعات التي ما كان التلميذ بقادر على استيعابها لا في المرحلة الأولى ولا الثانية من مراحل تكوينه.

2- اعتمد الشيخ على التكاملية في تدريس موضوع العقيدة فتناول موضوع الإيمان بالرسل والأنبياء مثلا لم يكن ممكنا في المرحلة الأولى من التعليم فمهّد له بتقرير الإيمان بالنبي e لينتقل فيما بعد إلى بسط وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل الآخرين.

3- اعتمد الشيخ على الوظيفة في تدريس مباحث العقيدة، فالتلميذ في المرحلة الأولى يكون محتاجا لمعرفة أقلّ واجبات دينه ويكون عازفا عن المطولات بسبب حداثة سنّه فلاءمه الموضوع المركز المختصر، أما في المرحلة الثانية حيث تكثر تساؤلات التلميذ فأجابه عن التساؤلات المحتملة عن طريق طرح أسئلة يطرحها الطفل عادة على نفسه؛ فكل دروس المرحلة الثانية في العقيدة تعتمد على أسئلة. وينتهي في المرحلة الأخيرة إلى تأكيد ما سبق ذكره بالدليل أو بالتحليل وزيادة المعطيات.

4- اعتمد الشيخ على التكرار في بعض الأحيان، فبعض الموضوعات الحسّاسة كررها على مدى المراحل الثلاث، في حين اقتصر على الذكر المفرد لبعض الموضوعات الأقل أهمية، فمبحث الإيمان بالملائكة لم يرد بسطه سوى في المرحلة الثانية في حين تكرّر موضوع كلمة التوحيد ثلاث مرات وموضوع الإيمان بالقضاء والقدر مرتين، وكذا ما يندرج تحت موضوع الواجب على البالغ من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن ما جاء به محمد e حق.

ثانيا: قسم الطهارات: تناول الشيخ هذا القسم على مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: بالجزء الأول وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1.أصول الطهارة. 2. آداب قضاء الحاجة. 3. كيفية الاستنجاء. 4. كيفية الوضوء.

المرحلة الثانية: بالجزء الثاني وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1. ما هي طهارة الصلاة؟ 2. ما هي أنواع النجاسات والمطهرات؟ 3. ما هو الاستنجاء. 4. ما هو الوضوء؟ 5. ما هي سنن الوضوء؟ وما نواقضه؟ 6. ما هو الغسل؟ وما الجنابة؟ 7. ما هو التيمم؟.

المرحلة الثالثة: بالجزء الثالث وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1. الطهارة. 2. أعيان النجاسة. 3. أنواع المطهرات. 4. قضاء حاجة الإنسان. 5. الاستنجاء. 6. الوضوء. 7. مباحث الوضوء. 8. الغسل. 9. التيمم.

ثالثا: قسم الصلاة: تناول الشيخ هذا القسم على مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: بالجزء الأول وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1. الصلاة. مفهومها وتعدادها. 2. ركعات الصلاة. 3. أوقات الصلاة. 4. واجبات المصلّي عند قيامه للصلاة. 5. مايسنّ عند القيام للصلاة. 6. أقوال الصلاة. 7. أفعال الصلاة. 8. كيفية الصلاة. 9. الصلوات المسنونة. 10. مفسدات الصلاة.

المرحلة الثانية: بالجزء الثاني وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1. ما هي الصلوات المفروضة؟ 2. ما هي شروط الصلاة؟ وما هي أركانها؟ 3. ما هي مفسدات الصلاة؟ 4. ما هي آداب الصلاة؟ 5. ما هي صلاة السفر؟ 6. ما هي الصلوات المسنونة؟ وما صلاة الجماعة؟ 7. ما هي صلاة العيدين؟

المرحلة الثالثة: بالجزء الثالث وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1. الصلاة. مفهومها. 2. شروط الصلاة. 3. أركان الصلاة. 4. سنن الصلاة. 5. مكروهات الصلاة. 6. نواقض الصلاة. 7. أحوال الصلاة. 8. أوقات الصلاة. 9. صلاة الجنازة.

رابعا: قسم الزكاة: تناول الشيخ أبو اليقظان هذا القسم على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: بالجزء الأول وتطرق فيها لموضوع واحد هو:

- الزكاة وأصنافها.

المرحلة الثانية: بالجزء الثاني وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1. ما هي الزكاة؟ 2. ما هي المواد التي تجب فيها الزكاة؟ وما نصابها؟ 3. ما هو المبلغ الواجب إخراجه؟ 4. لمن تصرف الزكاة؟ ومن لا تعطى له؟

المرحلة الثالثة: بالجزء الثالث وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1. الصوم. مفهومه. 2. ما هي شروط الصوم وأركانه؟ 3. كيف يتحقق العلم به؟ 4. سنن الصوم ومكروهاته. 5. نواقض الصوم. 6. الأعذار المبيحة للإفطار. 7.قضاء رمضان.

سادسا: قسم الحج: تناول الشيخ أبو اليقظان هذا القسم على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: بالجزء الأول وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1. الحج والاستطاعة. 2. فرائض الحج.

المرحلة الثانية: بالجزء الثاني وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1. ماهو الحج؟ 2. ماهي أركان الحج؟ 3. ماهي مفسدات الحج؟

المرحلة الثالثة: بالجزء الثالث وتطرق فيها للموضوعات التالية:

1. الحج. مفهومه. 2. العمرة. 3. شروط الحج. 4. أركان الحج. 5. واجبات الحج وسننه. 6. الإحرام. 7. أنواع الإحرام. 8. مفسدات الحج ومحظورات الإحرام. 9. الطواف والسعي. 10. بين مكة ومنى. 11. بين منى وعرفات ذهابا وإيابا. 12. أعمال يوم النحر. 13. وداع البيت. 14. زيارة قبر النبّي e.

نفس الملاحظات التي سبق أن ذكرت بخصوص موضوع العقيدة تصح بخصوص موضوعات فقه العبادات التي تناولها الشيخ في كتبه، فقد اعتمد المرحلية في التفقيه وكذا التكاملية والوظيفية معتمدا على طرح الأسئلة والإجابة عنها في المرحلة الثانية وعلى زيادة التفصيل والتدليل وذكر ما يعجز فكر التلميذ على استيعابه متأخرا مع الاعتماد على تكرار ما يجب رسوخه.

ويمكن أن نزيد هنا بعض الملاحظات الأخرى التي ترسم ملامح منهج التفقيه لدى الشيخ، والتي برزت لنا من خلال استعراض مباحث أقسام فقه العبادات موزعة على المراحل الثلاث ومن ذلك:

1- اعتمد الشيخ على طريقة تعليمية محكمة فهو:

- يبسط الموضوع بإنجاز.

- يستدل للموضوع بدليل من الكتاب أو السنة.

- يقترح تمرينا على المتعلم في شكل سؤال حول الموضوع المطروق.

2- احترم الشيخ هذه الطريقة في أغلب موضوعات هذه المرحلة الابتدائية سوى في المرحلة الثانية من التدرج، حيث اعتمد على أسلوب آخر يعتمد الإيجاز أولا، ويبعد عن عرض دليل الموضوع المطروق ويقترح بعد ذلك تمرينا على المتعلم في شكل سؤال. والملاحظ أن الأسئلة التي اعتمدها عناوين لموضوعات المرحلة الثانية هي ذات الأسئلة التي طرحها كتمارين على تلاميذ المرحلة الأولى. فكأنه يكمّل معارف التلميذ المكتسبة في المرحلة الثانية ليصحح له معلومات قد تكون خاطئة اكتسبها من المرحلة السابقة. وهو منهج تكاملي واضح.

3- نوعية الأسئلة التي طرحها الشيخ على تلاميذ المرحلة الابتدائية هي أسئلة استذكار فهي لا تخرج في الغالب الأعم عن: ما هي؟ أذكر، ماذا؟ أين؟ كيف؟ وهذا ما يفيد أن الشيخ يتصور أن التفقه يمرّ عبر حفظ الأحكام واستذكارها وقت الحاجة إليها. وهو منهج صالح جدا للمراحل التعليمية المتقدمة.

4- يعتمد الشيخ على الاستدلال على المسائل التي يطرحها في الغالب الأعم عدا ما لوحظ من عزوفه عن ذلك في المرحلة الثانية من مراحل القسم الابتدائي. واستدلال الشيخ من كتاب الله تعالى ومن سنة النبي e. وهو منهج قويم يهدف إلى ربط الأحكام بأدلتها، ويزداد اهتمام الشيخ بهذا الربط في المرحلة الأخيرة حيث يطالب بسرد الدليل والبرهان على إجابات التلميذ على الأسئلة المطروحة في التمارين.

5- إذا كان الموجز مهيئا للحفظ فإن التحليل مهيئ للدرس التالي بالقسم الأعلى، فالمسائل التي يركز عليها الشيخ في تحليل درس متناول في المرحلة الأولى هي المسائل التي ستصبح دروسا مستقلة في المرحلة التالية تُتَناول على شكل إجابات عن أسئلة، أو على طريقة العرض الموجز والتدليل والتحليل والتمرين.

6- اعتماد الشيخ على وسائل الإيضاح كاعتماده على الجداول لتفقيه التلاميذ بنصاب الزكاة والمقدار الواجب إخراجه، وهي طريقة نافعة جدا للمتعلم.

7- اعتماد الشيخ على العملية في التفقيه، فهمّ الشيخ متوجّه إلى أن يعلّم التلميذ كيف يمارس عبادته ممارسة صحيحة أكثر من اهتمامه بأن يشحن ذهنه بمعلومات فقهية قد يستفيد وقد لا يستفيد بها.

عرض نموذجي لمبحث مختار على مدى المراحل الثلاث:

أقترح للدارسة هنا موضوع التوحيد الذي صدّر به الشيخ كتابه لأمرين: الأول أن الموضوع يندرج ضمن مواضيع الفقه تجوّزا باعتباره من الفقه الأكبر على حد تعبير الأحناف. والثاني أن أغلب الملاحظات المسجلة على مباحث الكتاب من حيث منهجية التفقيه تصدق عليه.

1- من حيث الموضوع: تناول الشيخ التوحيد على مدى المراحل الابتدائية الثلاث فتناوله في الأولى تحت عنوان: (التوحيد: أوّل واجب على المكلف) حيث كتب في الموجز: ((يجب عند أوّل البلوغ شهادة أن لا إله الله وأن محمد رسول الله، وأن ما جاء به محمد حق من عند الله)).

وتناوله في الثانية تحت عنوان: (ما هي عقيدة الإسلام؟) بعد أن عنون كل الباب بالتوحيد حيث كتب في الجواب عن سؤال العنوان: ((هي أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن ما جاء به حقّ من عند الله، وتؤمن بجميع ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره)).

ويلاحظ أن أبا اليقظان هنا اقتصر على الموجز فقط دون ذكر دليل ما ساق من معلومات ودون طرح سؤال حول ما ذكر، وذلك جريا على المنهج الذي خلص البحث إليه فيما سبق والقاضي بالاعتماد على الإيجاز والنفور عن التدليل والإطالة في المرحلة الثانية.

على أن أبا اليقظان بعد أن ساق نفس معلومات المرحلة الأولى أضاف ما يجب إضافته مما يعتبر من لوازم توحيد الله تعالى لملاءمة هذه المعلومات للمرحلة المتقدمة التي يعيشها التلميذ الآن. على أنه سيبسط كل هذه المعطيات الجديدة تحت عناوين دروس مفرقة في القسم الابتدائي الأعلى.

ومن ذلك عودته لنفس الموضوع في المرحلة الثالثة تحت عنوان: (كلمة التوحيد) فقد كتب في الموجز: ((يجب على المكلّف عند أوّل بلوغه أن يعتقد بقلبه ويقر بلسانه (1) أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (2) وأن محمدا عبده ورسوله (3) وأن ما جاء به حق من عند الله)).

ويلاحظ هنا أن الشيخ رجع إلى نفس المعلومات التي ساقها في الجزء الأول بعبارات أجزل وقيود أوضح، في حين بسط المعلومات الإضافية التي جاء بها درس المرحلة الثانية في دروس لاحقة على سبق بيانه في العرض الموضوعي لمباحث الكتاب.

2- من حيث الاستدلال: الذي ينبغي ملاحظته من جهة ثانية هو الاستدلال على المواضيع المقدمة، ففي حين لم يقدّم الشيخ دليلا على الدرس في المرحلة الثانية تماشيا مع المنهج المذكور فإنه رفع مستوى الاستدلال من دليل وحيد في المرحلة الأولى إلى مجموعة أدلة من كتاب الله تعالى في المرحلة الثالثة.

فقد استدل على كلمة التوحيد في الأولى بقوله تعالى: } شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط{.

واستدل عليها في الأخيرة بقوله تعالى: } بسم الله الرحمن الرحيم، قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد{. وبقوله: }شهد الله أنه لا إله إلا هو...{ الآية. وبقوله: }إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني{. وبقوله: }قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب{. إلخ.

3- من حيث التمرين: يلاحظ أن التمرين المقترح على معلمي الأقسام الابتدائية حول هذا الموضوع مختلف بين المراحل الثلاث، فقد أهمل التمرين في الثانية، وورد في الأولى أكثر اتساعا أفقيا وأكثر إيجازا وعمقا في الثالثة.

فكان سؤال المرحلة الأولى معتدا على استذكار معلومات وردت في الموجز والتحليل بينما توجه سؤال المرحلة الثالثة إلى الموجز فقط لعدم إيراد التحليل والاستعاضة عنه بما يأتي بسطه من دروس لاحقة. ويلاحظ أن الأسئلة استذكارية بحتة، فقد ساق في الأولى أسئلة: ((ما هو الواجب عند البلوغ؟ وما الدليل؟ ماذا يجب اعتقاده في حق الله؟ ماذا يجب اعتقاده في حق الرسول؟ ماذا يجب اعتقاده فيما جاء به الرسول؟ بماذا جاء الرسول؟)).

بينما كان السؤال في الثالثة: ((ماذا يجب على المكلّف عند أوّل بلوغه؟ ماهي الأدلة على ذلك؟)).

عرض تحليلي موضوعي للمحتوى الدراسي لكتب القسم الثانوي: تشمل هذه السلسلة مباحث الفقه الأخرى ابتداء من موضوع الحيض والنفاس الذي تناوله الشيخ تناولا أزيد تفصيلاً ممّا كان عليه الأمر في القسم الإبتدائي فموضوع الجنائز، فموضوع الأيمان والكفارات فالذبائح لينتقل لموضوع الحقوق الذي يختم به الجزء الأول من السلسلة -إثر تفصيل مسهب- على أن ينتهي في الجزء الرابع بموضوع الأحكام والقضاء بعد أن مرّ بإسهاب بموضوعي النكاح فالنفقات.

والذي يلاحظ على المنهج المقترح لتفقيه الناشئة إذا وصلوا للمرحلة الثانوية أمور أهمها:

1- عدم استئناف المباحث المتناولة في المرحلة الابتدائية، فالشيخ أبو اليقظان لا يرى واجبا -في تصوره- أن يعود التلميذ لمباحث العبادات والتوحيد بعد أن أخذ منها الحظ الوافر على مدى المراحل الثلاث المقترحة. وهو يوحي بالتكاملية في التدريس والتفقيه.

2- كما يلاحظ أن خاصية تكرار الموضوعات على مدى مراحل المستوى الواحد قد غابت عن المرحلة الثانوية، فلا يتكرر أي من موضوعات الجزء الأول في الجزء الرابع المناسب للمرحلة الرابعة. وربما يرجع ذلك في تصور الشيخ أبي اليقظان لاكتمال عقل التلميذ.

3- حافظ الشيخ على منهجه في اقتراتح التمارين باعتماده على أسئلة استذكارية مما يؤكد المذهب المشار إليه والقاضي بوجوب حفظ الفقه لتسهيل الاستفادة منه، ولذلك وضع موجزا عن كل موضوع في بداية الدرس بحيث يسهل استذكاره.

4- استعمل الشيخ عبارات معاصرة مستمدة من لغة القانون وهو يتناول الموضوعات ذات الطبيعة الحقوقية، كموضوع الحقوق، وموضوع القضاء أو الأحكام... وهو منهج يهدف إلى تقريب عبارات الفقه من العبارات المتداولة بين الناس في هذا العصر.

5- اكتست الموضوعات بعدا تربويا واضحا يمس الاجتماع تارة والسياسة أخرى وهي عملية دقيقة في توظيف الفقه الإسلامي فيما يحقق الهدف الموضوع له من إحداث التغيير اللازم بالنفس.

خاتمة: يمكننا أن نستشف من خلاف هذه القراءة المقتضبة لـ [سلّم الاستقامة] منهج التفقيه في تصور الشيخ إبراهيم أبي اليقظان. فالملاحظات المسجلة عقب تلك الدراسة التحليلية لموضوعات هذا الكتاب كفيلة بأن تعكس معالم هذا المنهج وأن تبيّن أن الشيخ استفاد من تجربة فقهاء المذاهب الفقهية القدامى ومن مناهج التربية والتعليم التي عاصرها وكذا التجارب التي عاشها مربيا وموجها للأمة من موقع المصلح الذي كانه.

والذي ينبغي في هذا المقام هو أن يعكف أهل الاختصاص في مجال علوم التربية على هذه التجربة التي اقترح الشيخ فيثمنوها وأن يعكف المشرفون على تدريس الفقه الإسلامي في مختلف مستويات التعليم ولا سيما الجامعي منه على الاستفادة بهذه المقاربة وخصوصا إلغاء التكرار الذي يجعل الطالب أو التلميذ لا يخرج من المبحث الواحد طوال مدة تكوينه، فهو لا يخرج منه حتى يعود إليه.

وإني أرجو وأنا أختم هذه الرسالة المقتضبة أن يضم جهد الشيخ إبراهيم أبي اليقظان إلى جهود غيره من مصلحي منظومة العلوم الإسلامية لتكون تجربة نموذجية إلى جانب المقاربات النظرية التي ما زال رجال الفقه والتفقيه يقدّمونها، وأن يستفيد أساتذة الفقه بمختلف مراحل التعليم بهذه المقاربة ويزيد الباحثون هذا الموضوع بحثا وتحقيقا.

مجلة الموافقات/ إصدار: المعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر.من ص473 إلى ص486.

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-12-2009, 06:14 PM   #11
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

الشيخ أبو اليقظان

ومعالم في جهاده الإسلامي

قاسم أحمد الشيخ بلحاج



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد e.

مقدمة: يعتبر الشيخ أبو اليقظان من الشخصيات التي حملت لواء التغيير والاصلاح والنهضة في الجزائر وفي العالم الإسلامي، إذ أن الدارس له يجد أن عمله قد تشعب وتعدد، وتبعا لذلك فإن منتوجه الفكري كان متنوعا، فقد ساهم في الإنتاج الأدبي والشعري والمقالي والتاريخي والشرعي والصحفي، إلى جانب دراسات أخرى متفرقة.

كل هذا في ما يقرب من ستين مؤلفا، ولعل أهم منتوج له ذلك التراث الضخم الذي خلفه من الصحف في ثمانية عناوين: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمة، الفرقان.

هذه الصحف التي دامت اثنتي عشر سنة (1926-1938)، متتبعة ودراسة ومحللة لقضايا الجزائر والعالم الإسلامي بصفة عامة، وقد حاولت في دراستي هذه أن أبرز نماذج من القضايا الإسلامية التي شغلت اهتمام الشيخ أبي اليقظان في صحفه، وأشير أن الرجوع إلى المصادر، سواء صحف الشيخ أو مؤلفاته المخطوطة، أو المقالات التي كتبت عنه، كان أمرا مستعصيا علي.

والأمانة العلمية فإن كل ما وثق في دراستي من صحف الشيخ كان اعتمادا على دراسة الدكتور محمد ناصر "أبو اليقظان وجهاد الكلمة"، كما استفدت من هذه الدراسة كثيرا، واعتمدت عليها بالدرجة الأولى.

وكل ما وثق في دراستي من دوريات فإن مرجعها إلى كتاب الدكتور: محمد ناصر "أبو اليقظان وجهاد الكلمة"، كما استفدت من هذه الدراسة كثيرا، واعتمدت عليها بالدرجة الأولى.

وكل ما وثق في دراستي من دوريات فإن مرجعها إلى كتاب الدكتور: محمد ناصر بوحجام "أبو اليقظان في الدوريات العربية"، كما اعتمدت كذلك على دراسة كاتب الشيخ أبي اليقظان الأستاذ أحمد فرصوص في كتابه: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته.

وأتمنى أن تكون هذه الدراسة انطلاقة في دراسة جوانب أخرى شخصية أبي اليقظان، التي أراها بأنها أعطت نموذجا حيا وميدانيا للشباب المثقف الذي يريد أن يحمل المشعل ليواصل السير في خط أبي اليقظان وغيره من رجالات الإصلاح والنهضة في هذا العالم الإسلامي الفسيح.

مدخل: لقد كانت صحف أبي اليقظان التي أصدرها في فترة العشرينيات والثلاثينيات هي مدار جهاده الإسلامي بالدرجة الأولى، فمن خلالها كان يبلغ أفكاره الإصلاحية، إلى أنحاء القطر الجزائري، وكذا الأقطار الإسلامية الأخرى المجاورة خاصة منها: تونس ومصر والمغرب وليبيا.

وإن الاهتمام بقضايا العالم الإسلامي وتفاعل الشيخ أبي اليقظان معها تبدو جلية في كثرة مقالاته عنها وفي ذلك الأسلوب الحماسي المتهيج، الذي من خلاله يريد أن يوقظ شعوب العالم الإسلامي ويدفع بها مع غيره لأجل رفع راية الإسلام بالإصلاح والنهضة.

إذ تزامن عمله هذا مع تلك الظروف المتدهورة للعالم الإسلامي في جميع الأصعدة، من غزو استعماري وعمل إلحادي، وتبشير مسيحي، وتكالب غربي على كل ماله صلة بمقومات الشخصية الإسلامية، فقد كانت دعوته صريحة وجهرية بدون أي تقية أو مراوغة غرضها الدفاع عن حمى الإسلام وحماية مقدساته المعنوية والمادية من كل الأشكال الاستعمارية الآنفة الذكر، وفي هذه الصفحات سنستعرض بعض معالم الجهاد الإسلامي عند الشيخ أبي اليقظان.

1- علاقات الشيخ أبي اليقظان مع زعماء العالم الإسلامي: في هذا السبيل عمل الشيخ أبو اليقظان على إنشاء صلات وثيقة مع زعماء الإصلاح في بلدان إسلامية عديدة: من ذوي النزعة الوطنية الإسلامية الصادقة، حيث كان هدفهم واحدا وجهودهم متكاملة في سبيل القيام بنهضة إسلامية شاملة، لكل ميادين الحياة في هذا الوطن الإسلامي الكبير.

فبالجزائر كانت له صلات وثيقة مع أعضاء جمعية المسلمين –وقد كان عضوا إداريا فيها- وعلى رأسهم الشيخ ابن باديس، والشيخ الطيب العقبي، وتوفيق المدني إلى جانب زعماء وادي ميزاب، أمثال الشيخ بيوض والشيخ عبد الرحمان بكلي والشيخ عدون شريفي، والشاعر مفدي زكريا، والمؤرخ حمو عيسى النوري.

في مقال لابن باديس يتحدث فيه عن أبي اليقظان يقول: ((ممن قرأوا العلم للعمل والتفكير وأشربوا في زمن التعلم حب الاطلاع للنهوض... آب إلى الجزائر بمعارف صحيحة وخبرة واسعة ورغبة صادقة في خدمة الدين والوطن، فأسس جريدة وادي ميزاب الغراء... بحق يعد ركنا من أركان نهضتنا الفكرية والإصلاحية وزعيم الناهضين من إخواننا الميزابيين، وهو في سبيل هذا يتلقى الأذى القولي والفعلي من خصوم عديدين ومتنوعين)).

هذه كلمات خالدة قالها زعيم إصلاحي عارف بواقع الإصلاح وقيمته في تلك الظروف في أخ له عقد العزم للسير في النهج نفسه رغم كل ما يحيط به من أسباب الفشل والإحباط، حاثا إياه للعمل والصمود على النهج..

وفي ليبيا كانت له صلات مع الدكتور عمر خليفة النامي، ومع الأستاذ المفكر علي يحي معمر، ومع زعيمها المجاهد سليمان الباروني باشا أحد قادة الثورة الليبية ضد المستعمر الإيطالي، ويبدو أن الشيخ أبا اليقظان كان معجبا بكفاح الباروني كثيرا، ما جعله يفرد في حقه مؤلفا في جزئين مبينا فيه حياة الرجل وبطولاته في مقاومة المستعمر الإيطالي.

وبسويسرا كانت له مراسلات مع أمير البيان شكيب أرسلان، وكانت تدور هذه المراسلات حول مستقبل بلاد الإسلام وواقعها المرير تحت وطأة المستعمر، وقد نشرت هذه المقالات في جرائد أبي اليقظان مثل مقال بعنوان: "خذوا حذركم من السواحين" وفي مصر كانت له علاقات حميمة مع الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة "المنار" وكذا صلات مع الزعيم المصري محب الدين الخطيب، صاحب مجلتي "الفتح" و"الزهراء"، وقد تجاوز معه صلات الحبّ والمودة إلى التعاهد ووضع اليد في اليد لرفع راية الإسلام وعقد العزم على الهجرة في سبيل الله ورسوله.

ويقول الشيخ أبو اليقظان عن مجلة الفتح: ((إن مجلة الفتح مقدسة لا يمسها إلا المطهرون، لأنها تنطق عن لسان رب العالمين، ولو عرفها الناس حق معرفتها، وقدروها حق قدرها لما خلا منها مكتب عالم، ولا منضدة محام، ولا محفظة تلميذ، ولا خزانة طبيب، ولا ملف موظف)).

وفي التعاهد وعقد العزم على العمل سويا يقول: ((نحن وكثيرا معنا ياحضرة المدير المحترم نضع أيدينا في أيديكم ونعاهدكم الله على أن تكون هجرتنا معكم خالصة لله تعالى، ولهداية رسوله ولتشريف ملته ،والإشادة بذكرها وإعزاز أهلها، وإيقاظ مشاعرهم، وتنمية قواهم، وتوحيدها وتوجيهها نحو المطمح الأقصى، حيث يكتب الله لنا النصر الذي وعدنا على لسان نبيه)).

في مقال أبي اليقظان هذا يظهر ذلك التقدير العظيم والاعتزاز الكبير بهذه المجلة ومكانتها عنده إلى حد التقديس، والأمل في بلوغها قلب كل فرد من المجتمع، أما في تونس فكانت صلاته مع الزعيم السياسي عبد العزيز الثعالبي مؤسس حزب الدستور التونسي حيث يعده أستاذه في الميدان السياسي، ومعرفة ما يجري في المحافل الدولية آنذاك، كما لازمه طويلا وحضر جلسات مكثفة معه أيام كان في تونس، وبحكم هذه المعاشرة عين الشيخ أبو اليقظان عضوا إداريا في اللجنة الأدبية للحزب الدستوري التونسي بالإجماع، وعمل في صفوف المجاهدين لنصر الإسلام والمسلمين في شمال إفريقيا خاصة، وللشيخ مخطوط ألفه بإيعاز من الشيخ الثعالبي بعنوان: "شذرات حكمية وسياسية".

وبعد رجوع الشيخ الثعالبي من منفاه بالمشرق كتب أبو اليقظان مقالا حارا دعاه فيه إلى مواصلة خدمة الأمة وتوحيد صفوفها، وكذا كانت له صلات أخرى مع الشيخ سالم بن يعقوب بجربة والأستاذ محي الدين القليبي والمحامي أحمد الصافي، والأستاذ الشاذلي المزالي، وزين العابدين السنوسي صاحب مجلة العرب.

أما في عمان فكانت صلاته مع إمامها غالب بن علي وعالمها أحمد بن حمد الخليلي ومن سوريا عرف الأستاذ فيصل الملوحي، ومن فلسطين عرف الأستاذ محمد علي الطاهر صاحب جريدة الشورى، ومن زنجبار عرف الشيخ سالم الرواحي.

كما كانت له علاقات علمية مع بعض المستشرقين الذين اهتموا بدراسة التراث والفكر الإباضي، إذ رأوه مرجعا للاستفادة من علمه في هذا المجال، فمن فرنسا عرف المستشرق بيار كبيرلي، ومن بولونيا عرف المستشرق تادوز لويكي، ومن هولندا عرف المستشرق مراد كستار.

كما كانت له مراسلات مع الجماعة الإسلامية بالولايات المتحدة، بواسطة الأستاذين: ابن يوسف محمد وبابهون بكير عندما كانا طالبين هناك، إذ أرسل إليهما مؤلفه في الأحكام العامة لقواعد الإسلام: "سلم الاستقامة" بأجزائه السبعة لترجمته ونشره هناك.

ولعل أهم شخصية تبادل معها المراسلات ولفترة طويلة ومستمرة وارتقت العلاقات بينهما إلى المؤاخاة الحقيقية والعمل المشترك المتبادل في سبيل الإصلاح والنهوض بهذه الأمة، هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش صاحب مجلة المنهاج نزيل مصر بعد أن نفي إليها من منفاه بتونس.

حيث نجد في تراث أبي اليقظان عددا هائلا من الرسائل التي كان يتبادلها مع الشيخ أبي إسحاق طيلة وجوده في مصر، هذه الرسائل التي تحمل أخبار البلدين، وتتابع تطورات الأحداث في العالم الإسلامي، كما كان يستشير أحدهما الآخر في ما يعزمان القيام به، ويقوي أحدهما الآخر أثناء النكبات والمصائب.

ولقد أصبح هذا التراث من الرسائل مصدرا هاما وثريا لدراسة وقائع الأحداث التي كان يعيشها البلدان والعالم الإسلام بصفة عامة.

2- نماذج من القضايا الإسلامية التي اهتم بها الشيخ أبو اليقظان في صحفه: لقد خصص الشيخ أبو اليقظان مجالا واسعا في صحفه لتتبع أحداث العالم الإسلامي والاهتمام بقضاياه والمساهمة بأفكاره وآرائه فيها، ويمكن حصر محاور هذه المقالات فيما يلي:

1- تفرق المسلمين واختلافهم وخطر هذا عليهم.

2- انحرافهم عن الطريق الذي خطه القرآن الكريم والسنة الشريفة لهم حين اكتفوا بالقول دون العمل.

3- التنديد بأعداء الإسلام والتشهير بمخططاتهم، مستعمرين ومبشرين، ومتفرنجين وملحدين، وجامدين.

4- دعوة حارة إلى كافة المسلمين إلى التضامن وعرض الحلول الممكنة للتغلب على هذا الواقع المرير.

إن هذه المحاور التي رسمت اهتمامات صحف أبي اليقظان كانت استجابة لذلك الإيمان العميق الراسخ بفكرة الإصلاح وإحداث النهضة في المجتمع الإسلامي، والتحرر من عبودية الاستعمار بكل أشكاله.

وهذه نماذج من اهتمامات الشيخ بقضايا العالم الإسلامي:

أ- الدعوة إلى وحدة المسلمين: إن جزءا هاما من عناوين مقالات أبي اليقظان في صحفه أتت معبرة عن إحساسه وإيمانه بضرورة وحدة المسلمين وتكاثف جهودهم ليستطيعوا التخلص مما هم فيه من تخلف واستعمار مثل:

- الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون.

- الإسلام بين شقي المقراض.

- أمات الرجال أم رفع القرآن.

- الأمة والزعماء.

- إنما المؤمنون إخوة.

وفي هذا المقال الأخير تعرض الشيخ أبو اليقظان إلى حالة المسلمين في سنة 1929م وكشف عن أسباب تقهقرهم، ثم دعاهم إلى التضامن والاتحاد تحت راية الإسلام، وهذا جزء من مقاله هذا: ((يا لله العجب أيتألّب أعداء الإسلام ويتحدون على تقويض معالمه وبينهم فراسخ من اختلاف اللغات والأديان والمذاهب، والمنازع والمشارب، ونختلف نحن على صيانته وحمايته والذود عن بيضته ودفع الكيد والأذى عنه وقد جمعت بيننا روابط الوطن، واللغة والدين، ووحدت بين أهوائنا علائق المصالح والآلام؟

وحدوا صفوفكم رعاكم الله، وأجمعوا جهودكم، وضموا قواكم، وسيروا إلى الأمام بقلوب مفعمة إيمانا، ونفوس طافحة صدقا وإخلاصا، فإن الحالة حرجة للغاية والأمر في شدة الخطر)).

ولقد بلغ هذا الاستنفار شيخ العروبة بمصر أحمد زكي فكتب معلقا عن المقال قائلا: ((إن صاحب الجريدة من أبرع الكتاب وأشجعهم ولم أر جريدة كهذه وما كنت أظن أنها توجد بشمال إفريقيا تحت نير الفرنسيين، إني لأعدها من أكبر الجرائد التي عبرت عن رأيي وصورت مثل آلامي)).

هكذا نجد ذلك الشعور الواحد المتأجج في صدور زعماء الإصلاح في مختلف البلدان الإسلامية رغم بعد المسافة بينهم واختلاف المشارب ولكن الاتحاد في الأفكار والأهداف والآلام دائما هو السيد وهو الجامع.

كما شغله من جهة أخرى ذلك التفرق المريع الذي تعيشه البلاد الإسلامية فأصبحت شيعا وأحزابا يقاتل بعضهم بعضا، إذ زاد إلى محنتهم محنة أخرى جعلت المستعمر يحكم سيطرته عليهم، وتناسوا جميع ما يربط بينهم من صلات الدين والجنس والوطن واللغة والمصالح والآلام غير متعظين بالمصائب والنكبات التي كان مصدرها التفرقة.

كما كان دائما مذكرا قادة العرب بذلك الواقع المرير الذي كانت تعيشه شعوبهم تحت وطأة المستعمر، ثم يحثهم على الوحدة وتناسي الخلافات، لمقدرة الوقوف أمام مطامع الاستعمار، كما يضيف قائلا: ((لقد رأتنا الظروف مغبة هذا الانفراد والانزواء من اختلاف ذئاب الاستعمار بقطعان من أغنام الأمم الضعيفة، وما انجرّ عن ذلك من الويلات والمصائب، وقد ذاق أبناء الغرب لذة الغنائم الباردة، فكانت سياستهم نحو الأمم المغلوبة على أمرها مؤسسة على قاعدة [فرّق تسد]. وكل سعي من شأنه جمع المسلمين وضمّ شتاتهم وتوحيد كلمتهم يعدّ ف نظرهم جريمة كبرى، ولذا فإننا نرى من المحتم وقد قربت الأبعاد، وطويت المسافات الشاسعة السعي الحثيث من كل جانب لعقد حلف ودّيّ بينهم يوطد علاقاتهم وينظم طرق التعاون بينهم حتى يقطعوا أطماع الأجانب وأغراضهم السيئة نحوهم)).

ومع كل هذا الواقع المزري والمأساة الإسلامية نجد الشيخ أبا اليقظان متفائلا بالمستقبل وبغد أفضل للشرق وبحرية ونهضة وتحد حضاري لأوربا الاستعمارية فنجده يقول: ((فلتبشر أوربا جمعاء وخصوصا إيطاليا وألمانيا بأن شرق اليوم غير شرق الأمس.

...وليدأَب ابن الشرق الناهض في سيره واسع الخطى إلى الأمام، ولكن في دائرة الإسلام العزيز، فإن الحرية والسعادة في انتظاره هناك)).

هذه آمال الشيخ أبي اليقظان في وحدة المسلمين، فهل تحقق جزء من آماله بعد مضي أكثر من نصف قرن، أم ما زال الطريق طويلا لبلوغ هذه الآمال الغالية المنال؟

ب- فضح مخططات الاستعمار: من الواجهات التي كان ينطلق منها الشيخ أبو اليقظان لحماية عرى الإسلام التصدي لأعدائه بفضح أعمالهم المشوهة له، ولإعطاء نموذج لذلك نستعرض هذا العمل الذي قام به الشيخ أبو اليقظان، المتمثل في رده على كاتبة فرنسية تدعى مدام سيلاربي بمقالة نشرها في جريدة وادي ميزاب بعنوان "كيف يفهمون الدين".

هذه الكاتبة زارت تونس وحررت مقالا عما رأته من تكاثر الشحاذين والمتسولين، ساخرة مزدرية بالإسلام مدعية بأن أولئك الأشكال من الناس هم تحت رعاية محمد e ، فغضب أبو اليقظان لذلك معتبرا هذا العمل قلبا للحقائق وتسفيها للحق وتعصبا ضد الإسلام والمسلمين، وهو يدل على ذلك الحقد الصليبي الأعمى الدفين في قلب هذه الكاتبة.

ثم شرح لهذه السيدة أن ما عليه المسلمون الآن، في تونس أو البلدان الأخرى، إنما سببه الأساسي هو ذلك الاستعمار الأوروبي الحقود الذي أبقى هذه الشعوب على تلك الحالة وغلق كل منافذ التحضر أمامه.

ثم يخاطبها متهجما: ((فلو كان لهذه إلمام بالأدب وذرة من الإنصاف لقالت إن هؤلاء الأشكال هم تحت رعاية فرنسا... فلو كان الأمر لمحمد وأتباع محمد لما تركوا أولئك على هاتيك الحال التي تسخر منها مدام سيلاربي... ولو كان لها ذرة من العقل لرفعت العار الذي يلحق فرنسا بإهمالهم وتشريدهم في الطرقات بعد أن كانوا ذوي أملاك واسعة، وأرض فسيحة، ولكن هو التعصب الأعمى يسدل على صاحبه حجابا كثيفا يجعله يرى الأشياء مقلوبة)).

من هذه الفقرة نرى كيف كان أبو اليقظان يتعامل مع أعوان الاستعمار وجنوده الخفية والظاهرة، في مواجهة صارمة وحماسية، دون الالتفات إلى ما يمكن أن يلحق به من أذى أو ظلم من المستعمر الذي يقف في وجه كل من أراد إفهام هذا الشعب مصيره الحقيقي، ودوره في هذه الحياة، وكشف مخططاته الماكرة، ولعل مصادرة جرائد أبي اليقظان واحدة تلو الأخرى كان سببه الرئيسي هذا النهج الذي اختاره أبو اليقظان من الصرامة والمواجهة العلنية للمستمر الفرنسي.

ج- موقفه من قضية فلسطين: يعد وعد بلفور هو النقطة الأولى لانطلاقة أبي اليقظان في الاهتمام بقضية فلسطين، واعتبارها مسألة مهمة وخطيرة في قضايا العالم الإسلامي لذا ينبغي متابعتها بكل تفاصيلها، والوقوف على كل مستجداتها فقد حرص أبو اليقظان على نشر كل الأخبار والمنشورات التي كانت تصدرها اللجنة الفلسطينية العربية، التي كان يرأسها محمد علي الطاهر صاحب جريدة الشورى إذ كان من أصدقائه ومراسليه.

لقد أدرك الشيخ أبو اليقظان أن الأحداث الدامية التي كانت بين العرب واليهود حول حائط المبكى سنة 1929 إنما هي مؤامرة صهيونية غرضها الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وليست دينية غرضها امتلاك حائط المبكى كما ادعى ذلك اليهود آنذاك، ويقول في هذا الغرض: ((إن كل من يمعن النظر ويدقق البحث في قوادم المسألة وخوافيها يجد أن المسألة ليست مسألة المبكى والبراق، وإنما حقيقة المسألة هي السرطان الصهيوني الناشب مخالبه في غلصمة العالم، الظاهرة عوارضه الراهنة في فردوس الإسلام، وجنته الأرضية، ومقر أنبياء الله فلسطين)).

ونجده كذلك قبل وقائع التقسيم بأكثر من عشر سنوان يتنبأ بواقع فلسطين الأليم الذي آلت إليه، عندما يقول: ((خذلها أصحابها وجيرانها وأشقاؤها، والعالم أجمع، وظاهر أعداءها كل قوة وهب نحوهم كل ريح)).

وعندما رأى أن الاستعمار أصبح واضحا لصالح اليهود وضد المسلمين، اتّجه إلى المسلمين والعرب، ليريهم أن الحل يكمن في مدى قدرتهم على توحيد صفوفهم وقراراتهم للتصدي لهذا الواقع.

كما استبشر خيرا من اتفاق الأحزاب الفلسطينية لاتقاء أخطار المستقبل، وكتب مقالا حارا في هذا الحدث يبارك فيه المشروع، وهذه مقاطع منه: ((حقا يجدر بكم، وبأمثالكم من الزعماء والرؤساء والعلماء وأعيان البلاد أن تأووا إلى ركن من الاتحاد والوئام شديد، فإن الأمر جد ليس بالهزل، إذ الساعة رهيبة واليوم يوم عبوس قمطرير، فلا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتاه بقلوب متآلفة، ونفوس متلاحمة، وأفكار متمازجة، وأيد متصافحة، وصفوف متراصة)).

ثم يحذرهم من مغبة الانقسام والتنازع خاصة في تلك الظروف قائلا: ((والويل كل الويل من يوم الفزع الأكبر، لكل أمة لم تقدر للمستقبل قيمته، ولم تزنه بميزانه فانقسمت طوائف وأحزابا، وتفرقت قبائل وعشائر)).

وقد واصل متابعة أحداث القضية في صحفه حتى توقفت آخر جريدة له 1938م، فانتقل اهتمامه من المقالات والأشعار إلى المشاركة الفعلية في القضية، فقد كان عضوا عاملا في لجنة إعانة فلسطين التي كونها أحمد توفيق المدني في الجزائر سنة 1948، وقد قال عنه المدني بأنه وحده استطاع جمع نصف التبرعات التي تمكنت اللجنة من جمعها.

د- موقفه من قضايا المغرب الكبير: لقد كانت قضايا المغرب الكبير أو شمال إفريقيا مما أولاه الشيخ أبو اليقظان اهتماما في صحافته، وتجاوز عمله فيه من المساندة إلى التنفيذ، فقد فتح صحفه على مصراعيها لمساهمة الكتاب التونسيين أمثال: عثمان الكعاك والحبيب الخلصي ومحمود بورقيبة الشاعر.

والكتاب المغاربة أمثال: محمد القرى وعبد الهادي الشرايبي والمكي ابن باديس العمراوي وغيرهم.

ولقد عرفت جريدته النور اهتماما وإقبالا من المغاربة، إذ شهدت رواجا في المغرب أكثر منه في الجزائر.

إن هذه الفكرة التي حملها وعمل لها أبو اليقظان كانت نابعة من إيمانه العميق بالمصير المشترك لبلدان المغرب الكبير، واعتبارهم جسدا وأمة واحدة، إذا اشتكى منها العضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

هو يرى أن العسف والإرهاب الاستعماري سواء كان في تونس أو في المغرب أو في الجزائر فهو تشحيذ لعزائم أهل الشمال الإفريقي كلهم، فنجده ينادي الأشقاء التونسيين بالصبر والاحتمال وأن لا يضيقوا من سياسة الضغط والتعسف، فليس هناك قوة في الدنيا ترد الهلال عن الاكتمال.

وعندما عاد الزعيم عبد العزيز الثعالبي من منفاه بالمشرق إلى تونس، استقبله أبو اليقظان بمقال حار يدعوه فيه إلى العمل من جديد وبجدية لصالح كل الشمال الإفريقي، ويعلق عليه آمال هذه الأمة في الوحدة والتخلص من المستعمر، وكذا ينبهه إلى بعض الخطوات التي ينبغي مراعاتها لإعادة الانطلاق من جديد، فيقول له: ((لا يعزب عن مدارككم العالية أيها الأستاذ أن الشمال الإفريقي بعدكم قد تطور أطوارا وخطا خطوات، وسار أشواطا ذات اليمين وذات الشمال، ولكنه في جميع أطواره وتقلباته قد احتفظ بالبذرة التي بذرتموها بيدكم في الزمان الماضي.

وفي وجودكم على رأس القوتين كفالة تامة لجمع أشلاء هذا الجسد وصيانته من عوادي التبديد والتمزيق، وجعله صفا متماسكا متراصا، وقيادته إلى حيث المجد والعظمة والكمال في دائرة العروبة والإسلام)).

ثم نجد أبا اليقظان قبيل الحرب العالمية الثانية يصف لنا حالة بلدان المغرب الكبير متأسفا على ما آلت إليه بسبب الاستعمارات ، وموكلا أمره إلى الله ليرفع عنها هذا البلاء والظلم قائلا: ((...برح الخفاء وأصبحت إيطاليا ذات جيش جرار في البر والبحر والجو بطرابلس يسامت مصر من الشرق وتونس من المغرب، كما أصبحت هي وألمانيا تأخذان مركزهما في أسبانيا والمغرب الإسباني بكيفية مهولة تهدد البحر الأبيض المتوسط، وشمال إفريقيا، وإنجلترا تلهو في فلسطين، وفرنسا تلعب في الشمال الإفريقي تلك تجعل من فلسطين أتونا يتأجج، وجحيما يتلظى، وهذه تجعل من مراكش في المغرب فلسطينا في المشرق، ومن تونس أحزابا يضرب بعضها رقاب بعض، ومن الجزائر صبيانا تلهيهم بعلالات الوعود والأماني.

وهكذا تبقى هذه في هذا العبث والفسق إلى أن تدق الساعة والأمر يومئذ لله))، هذه هي آلام وأحلام الشيخ أبي اليقظان في المغرب الكبير التي عاشها وتعايش معها كما تعيش الأم لحظات مرض وليدها ولحظات سروره.

وهذه هي بعض معالم جهاد الشيخ أبي اليقظان من خلال صحافته التي دامت إثنتي عشرة سنة (1926-1938) التي سخرها بالدرجة الأولى لخدمة قضايا العالم الإسلامي.

فهو في مقالاته هذه صريحا حزما شديد اللهجة في إيضاح الحق، لا يخاف في الله لومة لائم وثابت في خطه الذي رسمه لنفسه في ميدان الأشواك والأخطار، وهو المؤمن المخلص الذي جعل من صحافته المعبر لتبليغ رسالته الإصلاحية إلى المشرق والمغرب في ظروف عصيبة والاستعمار حاقد على كل رافع لراية القلم والقرطاس.

مجلة الموافقات/ إصدار: المعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر.من ص498 إلى ص509

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-12-2009, 01:54 AM   #12
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 70,545
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

شكـ جزيلاً ــراً .. جزاك الله خيراً.

__________________



أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-06-2010, 12:33 PM   #13
محمد أحمد المصري
مشرف ( وفقه الله )
 
الصورة الرمزية محمد أحمد المصري
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
الدولة: مصر
المشاركات: 4,647
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

بارك الله فيك

__________________
محمد أحمد المصري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-05-2011, 11:33 PM   #14
هيرا
وفقها الله
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
الدولة: مصر
المشاركات: 25,916
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

بارك الله فيكم

هيرا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-09-2011, 07:42 PM   #15
هايدي الصغيرة
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2011
المشاركات: 49
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مقالات مجلة " الموافقات "

الف الف شكرررررررررررررررررررر

هايدي الصغيرة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
كتب د. غانم قدوري للتحميل أبو رفيقة قسم القرآن الكريم وعلومه المصورة 15 09-04-2014 08:14 PM
أيعيب ربى أن خلقنى أسود البشرة؟ النوبيون المصريون بين عقدة "البرابرة" وأزمة "الإنتماء" أم اسماعيل كتب الرقائق والتزكية والأخلاق بصيغ أخرى 2 24-06-2011 05:30 PM
بين "العاصفة" و"الزلزال" الثمرات والملاحظات استعدادًا لـ"لبركان" - تحقيق صحفي،، ابن عدي قسم الأحداث الساخنة 3 05-10-2010 11:28 AM
تضامنا مع الشعب الفلسطيني وتنديدا بـ"مجزرة الحرية" اعتصام في موانئ "سان فرانسيسكو" ودعوة لرفض تفريغ أبو ذر الفاضلي قسم الأحداث الساخنة 2 27-06-2010 10:00 PM


الساعة الآن »06:42 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd