روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم العلوم الاجتماعية > كتب علوم اجتماعية متفرقة > كتب العلوم الاجتماعية المتفرقة بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-12-2009, 06:48 PM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,781
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي المجتمع المدني والتنمية: أية علاقة؟

المجتمع المدني والتنمية: أية علاقة؟

د.حافظ عبد الرحيم
أستاذ علم الاجتماع – جامعة صفاقس - تونس

التقديم:

يسجّل العالم منذ عقود ذيوعا متزايدا لعبارة المجتمع المدني، وذلك حتى في أكثر المواقع اختلافا وتباينا إلى حدّ المفارقة، بدءا من الأحزاب السياسية وصولا إلى جمعيات "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

ولئن كان الإرث النظري المتعلق بالمجتمع المدني واسعا فإن إرث الممارسة في هذا المضمار بقي منحصرا في مجالات ضيّقة إلى حدود عقد الثمانينات حيث سيستعيد العالم شرعية الحديث عن هذا المفهوم وينمّي من اهتمامه به والسعي إلى توظيفه في حقول شتى (حقل الفعل السياسي، الحقل الأكاديمي، الإعلامي..). لقد بات من المعلوم أنه في سياق العولمة المقترن بمسار تملص الدولة من التزاماتها Le désengagement de l'Etat انتشر الحديث عن شرعية استعاضة المجتمع المدني عن الدولة ليحل محلها في عمليات البناء والتنمية.

ولكن مهما تكن درجة واقعية ونجاعة هذا الاختيار فإنه يبقى متأكدا عدم خلوّ هذا الاختيار من خلفيات إيديولوجية وصراعات اجتماعية على طرفيْ نقيض ورهانات على درجة من التنوّع إلى جانب التمثلات والانتظارات وحتى المصالح الفئوية- الذاتية لحَمَـلة كل خطاب وفاعليه الميدانيين. وفي رأينا فإنّ السؤال المحوري الذي يطرح نفسه على المستوى السوسيولوجي هو هل أن تداول هذا المفهوم عربيا يحيل إلى "واقع اجتماعي" وإلى نمط من العلاقات الاجتماعية الفعلية القابلة للملاحظة والتي تعكس نقلة نوعية في الوعي وبالتالي في الممارسة؟ وهل أن تداول منطوق "المجتمع المدني" يحيل إلى مفهوم محدّد قابل للدراسة السوسيو-سياسية أي يحيل إلى قاع نظري ومجال معرفي معيّن؟...

ما ترومه هذه الورقة فقط أن تطرح الأسس النظرية لإشكالية تسمح بإثراء فهمنا للفعل الاجتماعي في مستوى دوافعه الداخلية والآليات المحرّكة له على مستويين هما في الظاهر متباعدان إلا أنهما في جوهرهما متعضّيان: - المجتمع المدني الذي غالبا ما يحيل إلى جملة التمثلات السياسية أو المسيّسة للحقوق الأساسية لكل مواطن، وبالتالي لنمط علاقة الدولة بالمجتمع.

- التنمية التي تحيل في الظاهر إلى مجال الفعل الاقتصادي المعلوم، لكنها في عمقها يتداخل فيها الاجتماعي مع الاقتصادي والثقافي والسياسي الايديولوجي.

وبناء عليه سوف ينحصر عملنا في عنصريْن أساسييّن إذ سنعمد في عنصر أول إلى طرح إشكالية تحديد المفهوم بين الفكر الغربي وفكر الدولة النامية الحديثة العهد بالاستقلال مستحضرين في ذلك

الموجّهات الإيديولوجية التي صاحبت نشأة المفهوم وتطوّره نظرية وممارسة في كلا الحقلين. أما في العنصر الثاني فسيكون هاجس الورقة تناول طبيعة العلاقة بين المجتمع المدني والتنمية للبرهنة على تعضّي المكوّنيْن في شتى المستويات المذكورة آنفا.

المجتمع المدني إشكالية تحديد المفهوم:

في مختلف الأدبيات المعتنية بالموضوع ذات التوجهات النظرية المتنوعة إلى حدّ التناقض، يعدّ التمييز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي تمييزا ذا بال بدءا من المقاربة الليبرالية وصولا إلى المقاربات ذات الخلفيات النظرية الماركسية ( 1) .

فنحن نقف في إطار المجتمع المدني على جملة المؤسسات التي تسمّى تداولا مؤسسات خاصة لا بالمعنى الفردي بل بالمعنى القطاعي من حيث هي مجالات فعل. ويكون هذا المجتمع المدني نتاجا خصوصيّا مرتبطا بآليات اقتصادية وسياسية تتميز بالحرية، بما يحوّل المجتمع ككل إلى فضاء مواطنة وحرّيات قائم أساسا على المشاركة الفاعلة في شتى الـمجالات، ولا تتأتى فعالية هذه المشاركة إلا عبر ترسيخ(تربية) سلوك ديمقراطي، وهو ما أشار إليه علي أومليل الذي ربط بين وجود المجتمع المدني وتوفر سلوك ديمقراطي مع ضرورة تحقق نمو اقتصادي واجتماعي يتميّز باستقلاليته عن القوى الخارجية ( 2).

أما المجتمع السياسي فمضمونه الوظيفة القيادية التي تعبّر عنها الدولة أو الحكومة القانونية( 3) المستعملة للإكراه من أجل المحافظة على النظام، إلا أنّ درجة الإكراه تتغيّر تبعا لطبيعة العلاقة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي أي حسب أهمية المجتمع المدني وفعاليته، فإذا كان هذا المجتمع نشيطا وفاعلا يتجسّد الإكراه من خلال الهيمنة السياسية ذات الشرعية القانونية أما إذا كان ضعيفا غير فاعل فإن الإكراه يتجسّد من خلال وسائل مادية من مثل العمل العسكري.

وبناء عليه تغدو العلاقة عضوية بين المجتمعيْن وتتغيّر تبعا للأوضاع التاريخية ولفعل المثقفين. ولا شك أن الفضل في التمييز بين المجتمعيْن السياسي والمدني يعود أساسا إلى هيغل الذي اعتبر أن المجتمع المدني ليس هو الدولة إلا أنه وبشكل مفارق لا يمكن أن يتجسّد إلا من خلالها. فالعلاقة بينهما علاقة وحدة معقدة من الصراع والتكامل. إنه مجتمع يقترن عند هيغل بدلالات الفردانية والضرورة ويحيل إلى جملة التجمّعات المهنية والحرفية والأسرية الضيّقة التي ليس بإمكانها تحقيق حريتها وإرادتها إلا في ظلّ دولة راعية مطلقة تحميها. فمن المعلوم أنّ هيغل قد نظر إلى المجتمع في توزّعه إلى دوائر ثلاث لكلّ دائرة خاصيتها المميّزة والمعيار الذي يحكمها، فدائرة العائلة محكومة بقيمة الحبّ الذي يشدّ أفرادها بعضهم إلى بعض. أمّا دائرة المجتمع المدني فتسود داخلها قيمة التنافس الاقتصادي بين أفراد متباعدين. في حين أن دائرة المجتمع السياسي(الدولة) محكومة بقيم العقلانية التي توجّه سلوك الأفراد. لكنّ الأهم هو أن هيغل نظر إلي المجتمع المدني باعتباره "وحدة عاجزة" تحتاج بشكل مستمرّ إلى الرقابة من قِبَلِ الدولة ذات "اليد الطولى".

ولئن تبنّى ماركس التعريف الهيغلي للمجتمع المدني فإنّ نمط العلاقة بين المجتمع المدني والدولة بدا مغايرا في تصوّر ماركس. وربّما يعود ذلك في المقام الأول إلى الحضور المكثف لمفهوم الصراع الطبقي الذي هيمن على التحليل السوسيوتاريخي للماركسية بحيث "همّش الصّراعُ الطبقيُّ مفهومَ المجتمعِ المدنيِّ". لكن الأهم في سياق هذه المساهمات تبقى مساهمة الإيطالي GRAMSCI-A الذي فضّل القفز فوق الفكر الماركسي والعودة إلى هيغل مباشرة. فاعتبر أن المجتمع المدني يمثل مجالا يضمّ في إطاره المؤسسات الخاصة والحرّة من مثل المدارس والكنائس والنقابات... وتضمّ الدولة هذا "الجسم الشبحي"، إلى جانب كونها جهاز قمع، مؤسسات متنوعة تفصح عبرها الدولة عن وجودها وهي مؤسسات تتمتع بهامش من الحرية وتساهم في تكريس الايديولوجيا السائدة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا... بحيث تنجح هذه الدولة في ممارسة هيمنتها الإيديولوجية والسياسية( 4)، ذلك أن الدولة حسب التصوّر الهيغلي هي فكرة مدنية تعاقدية( 5) قائمة على مؤسسات هي مؤسسات المجتمع المدني الذي يعدّ بمثابة الرحم الملائم لتنمية النخب والكفاءات.

وبالخلاصة فإن المجتمع المدني يمثل المضمون الأخلاقي للدولة. وهو نمط من التنظيم يميل إلى التعدّد وفي إطاره تتحقق دينامية الخلق والتغيير في المجتمعات( 6). ومن هنا يكون غرامشي قد أحيا المفهوم وخلع عليه مضامين من جنس التحوّلات التي يشهدها المجتمع الليبرالي أين يقوم تناقض جلي بين قيم الفردانية في إطار اقتصاد السوق وبين القيم الجماعية لأي أمة. فتقوم الرغبة في التوفيق بين النمطيْن من القيم على الهيئة التي تحدّد نمط العلاقة بين المجتمع المدني والدولة.

كما تستوقفنا في هذا السياق مساهمة المفكر والديبلوماسي الفرنسي TOCQUEVILLE الذي أعْجِبَ إلى حدّ الافتتان بالقدرات الواسعة للمجتمع الأمريكي على خلق الجمعيات في مختلف مناحي الحياة. فلقد تبيّن لـ TOCQUEVILLE أن الأمريكيين يتفنّنون في بعث الجمعيات التي تلعب دور الإطار

الذي يسمح بالتعاضد بين الناس من أجل تحقيق أهداف مشتركة على خلاف الفرنسيين مثلا الذين ينتظرون تدخّل الدولة لتحقيق هذه الأهداف أو الأنكليز الذين ينتظرون تدخّل الرّجل الإقطاعيّ من أجل الأهداف نفسها. فالجمعيات، طبقا لما لاحظه ودوّنه TOCQUEVILLE في مؤلفه الضخم المذكور،هي إطار الفعل والمبادرة حتى الثقافية والأخلاقية، حيث يؤكد في هذا المضمار أنّ فنّ إنشاء الجمعيات في البلدان الديمقراطية هو أب التقدّم، إذ أن التقدّم في كلّ المجالات منوط به. فالبلدان الأكثر ديمقراطية هي البلدان التي يجيد فيها الناس فنّ السعي الجماعي نحو تحقيق الرغبات المشتركة على اعتبار وجود علاقة تلازم بين الجمعيات والمساواة كما يؤكد TOCQUEVILLE ( 7). لا بل إن هذا الأخير يذهب أكثر من ذلك حين يعتبر أن فنّ الانتظام ضمن الجمعيات مؤشر تحضّر وأنه فنّ يتنامى بالتوازي مع تنامي شروط المساواة( 8) وأن كل تقدّم في أي مجال هو رهين دفع العمل الجمعياتي( 9).

وبحثا عن المبرّرات الموضوعية التي يمكن أن تساهم في تفسير هذا النزوع نحو الإعجاب بالممارسة الجمعياتية داخل هذا المجتمع وجدها TOCQUEVILLE في آثار الثورة الديمقراطية وما أرسته من تعلـّق بالمساواة ورفض نزوعات الهيمنة لدى الدولة ومنع الناس من ممارسة حرّياتهم. فبعث الجمعيات الفاعلة تمثل إحدى الآليات الضرورية، إلى جانب مبدإ الفصل بين السلط كما أكد عليه مونتسكيو طبعا،التي تمنع الدولة من ممارسة تجاوزات في حق المواطن وحرّياته. فللحدّ من مطلقية سلطة ما لا بدّ من وجود سلطة مكافئة لها.

وبالخلاصة فإنه لا يختلف المفكرون في أن مفهوم المجتمع المدني في المجال الغربي قد نشأ وتطوّر عبر سيرورة من المراكمات المعرفية والرهانات السياسية والصراعات الاجتماعية وحتى التحوّلات الإيديولوجية. فلقد اعتبر عبد الباقي الهرماسي أن استعادة تداول مفهوم المجتمع المدني في القرن العشرين إنما يعود إلى عوامل متداخلة صنّفها كالآتي:

الإخفاق الذي مرّت به دولة الرّفاه بكامل خصائصها التي تحدّث عنها كينز وتلاميذه.

بروز الحركات الاجتماعية التي أحيت من جديد التنافس بين مكوّنات المجتمع سعيا نحو إرساء قِيَمٍ جديدة، وإحداث حركية داخل مؤسسات المجتمع: الحركات الطلابية، والنقابية، والنسوية.

تأثير التحوّلات التي شهدتها آنذاك الكتلة الاشتراكية على المجتمع المدني قوّةً وضعفًا بشكل سيخلخل الدولة الكليانية( 10).

لكن مع بداية الثمانينات شهد مفهوم المجتمع المدني تحوّلات جوهرية وذلك في سياق التغيّرات العالمية خلال العشريتيْن الأخيرتيْن من القرن العشرين وخاصة مع صعود نجم حركة "تضامن" ببولونيا. إثرها مباشرة سوف يتمّ تبنّي هذا المفهوم خلال المداولات العالمية المتعلقة بالتنمية المستديمة ودمقرطة المجتمعات والمناداة بمزيد مشاركة الفاعلين المستفيدين Acteurs-bénéficiaires في جهود التنمية. ومع صدور التقرير العالمي للتنمية (البنك العالمي1987) تمّ تبنّي المقاربة التشاركية واعتبار المجتمع المدني(خاصة المنظمات غير الحكومية O.N.G ) طرفا. فغدت العملة الرّائجة في أنشطة جميع منظمات التنمية سواء الحكومية أو الخاصة أو العالمية. فمن المعلوم أن التغيّرات الأكثر كثافة في أوروبا الشرقية حصلت من خلال التحوّل من القطاع العمومي والحكومي الشامل نحو ما سُمّي بالعمومي-الخاص والحكومي- الجماعي. ومن هذا المنطلق توسّع مجال فعل المجتمع المدني وهامشه في المبادرة والمشاركة في التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. لقد غدت التنمية شأنا جماعيا. لكن لا بدّ من الإقرار في هذا السياق بحضور التأثير الايديولوجي للمنظومة الغربية الداعية إلى الخوصصة خاصة خلال مرحلة حكومتيْ ريغن- تاتشر على امتداد عقد الثمانينات كاملا (1979- 1990). وهو ما يسمح بالقول بأن المفهوم قد اكتسب داخل المنظومة الليبرالية دلالات جديدة أكثر تنوّعا وربّما حتى مرونة بالنظر إلى تخليه عن البعد السياسي في درجاته العليا وبعده الآحادي القائم على التقابل سلطة/ سلطة مضادّة لينوّع من مجالات فعله داخل أنساق اجتماعية وثقافية متنوّعة كانت مبتلعة من قبل الدولة بما هي "أفعى متعدّدة الرؤوس" تمارس رقابة على المادي كما على الرمزي في آن. سيتمّ التخلي إذن عن منطق دولنة المجتمع لصالح نمط مجتمعي تعدّد فيه أقطاب الفعل وتجدّد أساليب العمل داخل حقول خصبة من قضايا المرأة والبيئة وحقوق الإنسان والطفل والتنوّع الثقافي... في تفاعل أقرب إلى الندّية مع الحقل السياسي. فكأنّما المدني غدا على حدّ عبارة عالم الاجتماع الفرنسي Alain TOURAINE رديفا للمجتمعي. إذن في هذا السياق النظري يجوز لنا أن نتساءل عن طبيعة العلاقة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي تبعا لأوضاع تاريخية متغيرة في إطار التجربة العربية عامة( 11) ثم تجربة تونس في البناء الوطني على وجه التخصيص.

لقد حاول وجيه كوثراني( 12) ترصّد التجسيدات المؤكدة في ثنايا التجربة العربية الإسلامية في

الحكم وحتى خلال الممارسة اليومية لوجود مجتمع مدني أو علامات دالة عليه فانتبه إلى ما يسمّى في إطار التجربة العربية بمؤسسات المجتمع الأهلي التي بدت لوجيه كوثراني متمتعة بهامش واسع من الاستقلال عن الدولة والأهم حسب الباحث أنها استقلالية تضفي على هذه المؤسسات الإيجابية والدينامية الضروريتيْن رغم تسلطية الدولة السلطانية. ويربط كوثراني هذه المؤسسات ووجودها ونمط اشتغالها بأشكال التنظيم الاجتماعي المهني داخل المدينة العربية الإسلامية حيث نظام الحرف والأسواق وشيوخ الطوائف وسلطة رجال الصوفية وذوو السلطان الروحي عامة ومؤسسات الخدمة الاجتماعية والعلمية وخاصة مؤسسة الوقف.

لكن وفي سياق جدلي يمكن أن نستحضر هنا مساهمة الأستاذ الطاهر لبيب( 13)، حيث يقرّ صراحة بصعوبة الحديث ولو في الحد الأدني عن نواة لـنـشأة مجتـمع مدني عربي إسلامي مؤكـّـدا أنّ » مفهوم المجتمع المدني عندنا بلا تاريخ « ( 14). فكيف نبحث عن » مجتمع مدني في مجتمع ما قبل مدني « ( 15). وهذا ما جعل الباحث يحترز على شرعية الإقرار بوجوده في إطار تجربتنا العربية الإسلامية في الممارسة السياسية حيث يهيمن ما سمّاه بـ"براديغم الطاعة"، رغم أن مرحلة الاستعمار تبدو كما لو أنها أتاحت لأول مرّة فرصة ظهور مجتمع مدني في مواجهة السلطة لكنّه مستقطب بهدف تحقيق التحرّر الوطني لا بهدف الحرّية المدنية... إنّه في مواجهة السلطة الحاكمة باعتبارها دولة استعمارية بحيث قامت قطيعة واستمرّت ذهنيّا بين المجتمع المدني والدولة، أي أن العلاقة كانت قائمة على الإقصاء المتبادل حتى اليوم، إنّه(المجتمع المدني) » فضاء الضدّية المقصاة « ، بحيث لم تنشأْ علاقة صراعية جدلية بينه وبين السلطة بل قامت مسافة فراغية على حدّ عبارة الطاهر لبيب ذاته( 16). لذا ستبدو أزمة المجتمع المدني العربي حسب السيد ياسين أزمة ثقافية بالأساس تجد ترسّباتها المفسّرة في أزمة الشرعية وأزمة الهوية وأزمة العقلانية داخل دولة تسلطية ناشئة( 17). وضمن هذا الحديث العربي عن المجتمع المدني يبرز الحديث في ما يرى علي الكنز( 18) عن "اندحار الإعجاب بالدولة" لـ"صالح التجربة الاجتماعية وللفاعلين الجدد" بعد أن تراجعت الدولة الوطنية عن موقع الصدارة في الفعل نظرا لما منيت به من إخفاقات واهتزاز للشرعية لصالح فاعلين جدد من مثل الشباب من المتعلمين الجدد والمرأة التي دخلت مجال العمل المأجور واهتزاز ثقافة الآحادية (الحزب الواحد، الأيديولوجيا الوحيدة،التنظيم الآحادي...). لذا سيحاول الحقوقي المغربي عبد الله ساعف( 19) أن يشخّص العوائق التي حالت وتحول دون قيام مجتمع مدني عربي والتي يمكن اختزالها، إذا ما أجزنا لأنفسنا ذلك، في كونها عوائق مؤسسية وعوائق ثقافية نفسية سلوكية. فالدولة بما هي مؤسسة المؤسسات بدت لعبد الله ساعف قد احتلت المشهد السياسي خطابا وممارسة وتتكفل بكل المهمات باعتبارها الفاعل المحوري الوحيد الذي لا يضاهيه فاعل والذي يعتبر نفسه الوحيد القادر على التعبير على تطلعات الناس، فكانت دولنة Etatisation المجتمع لا بل حتى أزلمته Clientélisation في حين أن مؤسسات الوساطة بين الدولة والمجتمع بدت غائبة أو تكاد. أما ثقافيا ونفسيا فإن الثقافة السياسية السائدة ونزعات الأشخاص الفاعلين من خلال نمط الفعل الذي "يختارونه" تساهم جميعها في عرقلة المجتمع وإعاقته عن ممارسة فعله الحرّ. فطرح مسألة المجتمع المدني جاء في سياق ما تزال فيه الدولة مصرّة على التمسّك بالهامش الأوسع من مجال الفعل رغم أنّها وبشكل مفارق تعترف بشرعية التعددية السياسية. لكنّ الممارسة تصرّ على مخاتلة الخطاب، على خلفية أولوية بناء دولة عصرية قادرة على إنجاز كل الانتظارات أي تلك الدولة التي سيسمّيها CAMAU لاحقا بـ"الدولة الترجّى"( 20) التي قامت على دعوة ضمنية للتنازل والتضحية بالديمقراطية السياسية في مقابل الالتزام بتحقيق الرّفاه للجميع حتى وإن تجاوز قدراتها الواقعية.

يمكن القول إجمالا إن المرحلة الأولى من البناء الوطني تأسست أولا على توجّه يقوم على المزج-الانسجام(الاندغام) بين الحزب والدولة بمختلف هياكلها ومؤسساتها، أي أنها مرحلة قامت أساسا على هيمنة المجتمع السياسي على المجتمع المدني. والمسوّغ في ذلك أن مقاومة التخلف والتخلّص من مخلفات الاستعمار وبناء أمة جديدة يقتضي أوّلا رصّ الصفوف ولَـمَّ الشّمل وتجاوز الاختلافات "التي تُـذْهِبُ ريح الأمة" فلا بد من التعبئة الشاملة والاستنفار. إنها دولة نهضت على إيديولوجيا التوحّد والتجميع في مقابل التعدّد والتنوّع بما أدّى إلى ابتلاع المجتمع المدني من قبل الدولة التي تسعى إلى ترسيخ شرعية وجودها الحديث العهد بشكل انتهى بها إلى ابتلاع ما يسمّى في علم الاجتماع السياسي بالمجال العام Espace public ، على اعتبار حضورها الطاغي الذي تربطه علاقة طردية مع الحق في المبادرة في شتى مستوياتها. فالحضور المكثّف للدولة يكبح من استقلالية الحركات الاجتماعية وحقها في التنظم والمبادرة والمناورة والمشاركة الفاعلة في مجالات العمل الاقتصادي والثقافي والسياسي عبر تأطير الفئات الاجتماعية.

هذا الخطاب خلق خلال السنوات الأولى من الاستقلال نخبة متجانسة مدفوعة بالشحنة التي أفرزها حدث الاستقلال والتحمّس لبناء أمة عصرية مضاهية لأمم "العدّو" بشكل يعبّر عن رغبة في تعميق الشعور بلذة الانتصار. إنّه توجّه تجميعي سيتعمّق مع السنين ليعطّل عملية انفتاح الحزب ثم تباعا انفتاح باقي أجهزة الدولة على مكونات المجتمع المدني( 21)، خاصة وأن الحزب لن يـنجح في معالجة ما سمّاه الباحث الأمريكي ASHFORD بالاختلافات الجيليّة رغم وعْـيِهِ بها وممارسة الإقصاء على بعض أصـناف الفاعلين السياسيين الذين يأبون الانـصياع، بما ينتهي إلى توسيع ما كان قد سمّاه الباحثُ نفسُه بمساحات عدم الرضى.

لذا يمكن القول أنه تواصَـلَ أداء النسق السياسي على النمط السابق، أما الانفتاح فاقتصادي بحتٌ، يقوم على التوجه باقتصاد البلاد نحو التحرّر من رقابة الدولة وتشجيع المبادرة الخاصة والمنافسة مع فتح الأبواب للاستثمارات الأجنبية لتحريك الدورة الاقتصادية وتشغيل اليد العاملة التي تمثل عبئا يرهق كاهل الدولة. إضافة إلى التعويل على فئة التكنوقراط الذين لا تحدوهم أغراض سياسية بعيدا عن "المهاترات الإيديولوجية" بما سيكون منطلقا جديدا لطرح مسألة مدى توافق تطور المؤسسات مع نمو المجتمع المدني أي تخلص المجتمع المدني، من هيمنة المجتمع السياسي تدريجيا( 22).

وفي واقع الحال فقد أدى الاحتكار لحق الممارسة السياسية إلى عدم تسْـييس المجتمع المدني أي إلى عدم قيام مؤسسات مؤهلة لاحتواء الممارسة السياسية المتنوّعة والتنافسية النزيهة بين مختلف الأطراف المتواجدة داخل الحقل الاجتماعي. بما سيكون أثره عظيما داخل باقي الهياكل الاجتماعية. لا بل إن النتائج ستكون عكسية ومفارقة إذ سيتم تسْيـيسُ المؤسسات الاجتماعية الموضوعة لغير ذلك في الأصل وخاصة المدرسة، الشركة، الجامع، وحتى مؤسسة الجيش..

في تعضّي المدني مع التنمويّ:

يختلف علماء السياسة والاجتماع حول تحديد دور المجتمع المدني. هل أنّ دور المجتمع المدني ينحصر في إرساء مبدإ المواطنية والدفاع عن المصلحة العامة والحريات العامة وحقوق الإنسان ومصالح الفئات الاجتماعية (المرأة، المهمّشين، الشباب...) وحتى الفئات الفرعية من مثل المدمنين والشواذّ...؟ أم أنّ دور المجتمع المدني أوسع من ذلك وأكثر تسيّسا على اعتبار أنّه موكول إليه تغيير السياسات في إطار من التنوّع والتعدّد والمشاركة الحرّة حتى تغيير الأنظمة السياسية استنادا إلى أن ماهية المفهوم تحيلنا ضرورة إلى المجتمع في تميّزه عن السلطة أي في مواجهة الدولة. وحينها تأتي على رأس مؤسسات هذا النمط المجتمعي الأحزابُ السياسيةُ داخل السلطة وخارجها. يتأكد في هذا السياق كذلك أنه سواء انحصر دور المجتمع المدني في مجرّد إرساء مبدإ المواطنة الفاعلة والدفاع عن الحقوق والحريات وعن مصالح الفئات الاجتماعية أم كان دورا أكثر تسيّسا من خلال مواجهة الدولة والسعي إلى تغيير السياسات وحتى الأنظمة القائمة أنّ جوهر المدنية يتعضّى مع الرغبات التنموية. وبناء عليه ينهض سؤال أساسي يتعلق بتجليات هذا التعضّي ومبرّراته.

لكن مهما يكن من أمر هذا الاختلاف يبقى الأكيد حسب رأينا أنّ دور المجتمع المدني في جوهره هو دور تنموي. التنمية هنا في معناها الشمولي المتعدّد الأبعاد، من منطلق أن هذا النمط المجتمعي يمثل حقلا للتدبّر الجماعي لسبل حلّ الخلافات وتحقيق المطالب المتنوّعة وتأكيد الهويّات في حال تعدّدها. لقد غدا من البديهيات اليوم القولُ أن السياسة كما الاقتصاد والاجتماع هي مجالات لتصارع المصالح الخاصة، وهو صراع نسبي ومتعدّد المقاييس والمعايير بالنظر إلى الخصوصيات المميّزة لكل مجتمع. لكن إذا كانت غاية النشاط الإنساني في نهاية المطاف هي تنمية الإنسان مطلقا بما هو قيمة في ذاتها، فإنّه يغدو من الشرعي الحديث عن تنمية كلّ إنسان بدون استثناء، ينمّي فيه إمكانياته النفسية وقدراته الجسدية وطاقاته الروحية الظاهرة والكامنة، عبر تثمين القيم الأساسية التي ينشدّ إليها من مثل الحرّية والمساواة والعدالة والتضامن والسلام....


............................يتبع

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-12-2009, 06:49 PM   #2
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,781
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: المجتمع المدني والتنمية: أية علاقة؟

ينطلق مفهوم التنمية اليوم من التسليم بأن الإنسان هو الفاعل الأساسي في دفع مسار التنمية وهو في الآن نفسه غايتها وهدفها النهائي. ويأخذ هذا المفهوم بعدا شموليا بالضرورة. فالفعل التنموي يستهدف في الوقت ذاته هذا الإنسان في وجوده وقيمه وتصوّراته وعلاقاته والبيئة التي يعيش فيها هذا الإنسان نفسه سواء البيئة المادية أو البيئة الاجتماعية. إنها (أعني التنمية) بالخلاصة توزيعٌ عادلٌ للدخل وتأمينٌ للخدمات الأساسية للجميع وتمتع بالرفاه وهي أيضا مشاركة فاعلة لكل فرد من أفراد المجتمع في اتخاذ القرار بالنظر إلى موقعه ودوره في هذا المضمار.

وإنّ توسّع المجتمع المدني واستقلاليته يؤشّران إلى تنامي قدرة المجتمع وجماعاته على الاستمتاع بشكل عادل بإمكانيات البلاد وقيمها على أساس مبدإ المواطنة دون غيره والتحرّك بشكل مستقلّ عن الدولة وأجهزتها التي يتقلّص دورها المهيمن. فالديمقراطية والمشاركة والتنمية ليست فقط عملية تصويت في إطار ممارسة انتخابيّة شكلية، بل هي كلّ ما من شأنه تأمين المشاركة المستمرّة في آليات اتخاذ القرار والتنفيذ ميدانيا. وتفيد معطيات الواقع قيام علاقة طردية بين مستوى النموّ الاقتصادي وأشكال توزيع السلطة وأساليب التسيير. إذ النموّ يتراجع عندما يزداد التباين في الدخل نعم ولكن أيضا عندما يكون هناك نزوع لاحتكار سلطة اتخاذ القرار وعدم ترك هامش كاف لمؤسسات المجتمع للمشاركة في مسارات التنمية تصوّرا وتنفيذا مما يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي بعد فقدان الثقة. فينخفض الاستثمار ويتباطأ النموّ الاقتصادي على الهيئة نفسها التي كان نبّهنا إليها عبد الرحمان بن خلدون في مقدّمته حين تحليله لأثر كل نمط في علاقة الدولة بالمجتمع على مستوى النمو سواء الاقتصادي أو الاجتماعي أوالسياسي.

لا جدال أن مفهوم التنمية قد تطوّر خلال العقود الأخيرة بحيث ما عاد يُقتصَر في تحديده على المؤشرات التقنية والكمية فقط بل إنه غدا يشمل عديد المؤشرات النوعية الأخرى المتعلقة خاصة بنمط العيش. بمعنى أنه ما عادت مؤشرات الدخل(دخل الفرد) والصحّة(أمل الحياة، وفيات الأطفال والعمر المتوقع عند الولادة...) والتعليم(نسب التمدرس، نسبة الأمية...) هي المعتمدة فقط في قياس التنمية إذ هناك مؤشرات نوعية تعكس الاحتياجات الأساسية للإنسان غدت معتمدة أيضا في هذا القياس، وخاصة تلك المؤشرات المتعلقة بالمشاركة في معناها الواسع اقتصادية كانت أم سياسية أم ثقافية. وبناء عليه لم تعد التنمية، كما يؤكد الأخصّائيون، من مسؤولية الماسكين بزمام السلطة وحدهم، بل أضحت مسؤولية المجتمع بأسره عبر المؤسسات المدنية التي تساهم فعليا في وضع التصوّرات واقتراح سبل التنفيذ وحتى المساهمة في التشريع عبر مشاركة حقيقية وفاعلة. من هذا المنطلق تصبح الشراكة بين مكوّنات المجتمع المدني والمجتمع السياسي شرطا أساسيا لتحقيق أهداف التنمية في ظل واقع اتسعت فيه الهوّة بين القدرة على توفير الخدمات وبين تزايد الاحتياجات خاصة في البلدان النامية، بما يدعو إلى تعزيز المواطنة من أجل الدفاع عن الشأن العامّ (الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية) الذي ما عاد منحصرا في الدولة ومؤسساتها. من منطلق هذا التصوّر تتحوّل الدولة إلى منسّق تحالفات واسعة بين جميع مكوّنات المجتمع وقواه الفاعلة على مستوى المؤسسات المشاركة في العملية التنموية في شتى مستوياتها (جمعيات مدنية، تعاونيات، نقابات، بلديات، مجالس محلية، مؤسسات إعلامية، مراكز دراسات، ...)

ومن ثمّ فإنّ من بين المسؤوليات المطروحة على منظمات المجتمع المدني اليوم هي تطوير ثقافة جديدة قوامها تقديم مشاريع متماسكة وقابلة للتنفيذ والدفاع عن هذه المشاريع سواء داخل الأوساط الحكومية أو في أوساط المجتمع عامة. ويؤكد المهتمّون للموضوع أنه لا يمكن لهذه الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني أن تكون حقيقية وفاعلة إلا بتوفّر شروط دنيا أساسية هي:

* الشرعية التي تتمثل في اعتراف السلطة الحاكمة بدور المجتمع المدني وإقرارها بشرعية فعله وحقه في المخالفة والاقتراح.

* الاستقلالية التي تكون على مستويين: مستوى الرؤية والتصوّر للمسألة التنموية وفق الاحتياجات

ثمّ مستوى التنظيم والإدارة وآليات صنع القرار.

* الحق في المحاسبة والمكاشفة وإرساء الشفافية في التوزيع والتبادل والمتابعة والتقييم والتشاور على أساس آليات ممأسسة.

ما يستخلص ممّا سبق أنّ المجتمع المدني هو مجتمع المبادرة, فهو مجتمع يظلّ مفتوحا لعدد كبير من المبادرات التي لا تتطلب احتراف العمل السياسي أو النقابي أو الجمعياتي عامة. وهو في الآن نفسه بناءٌ متمـيّـزٌ عن:

* الدولة بما هي جهاز حكم وتسيير بيروقراطي للمجتمع تسعى إلى احتواء الفعل الاجتماعي ومختلف آلياته.

* البناء الاجتماعي والثقافي التقليدي على اعتبار أن العشيرة أو الطائفة لا يمكن أن ينبني عليها مجتمع مدني بالنظر إلى أن مجالات الفعل والمبادرة في إطار هذه البناءات الاجتماعية محدودة بحدودها وأن أسُسَ الروابط الاجتماعية فيها هي أسسٌ دموية.

وفي واقع الأمر فإنّنا إذا ما حاولنا مساءلة المفهوميْن في تعضّيهما معا (تنمية مع مجتمع مدني) فإنّ ذلك سيحيلنا إلى تركيبة ثلاثية الأطراف حيث التنمية والمجتمع المدني هما الضلعان الأوّلان أما ثالث أضلاع المثلث فهو الروابط الاجتماعية وأشكال التضامن الاجتماعي التي تمثل الخيط الموصل الذي يمكن أن يشكل مرجعية مشتركة بين التنمية والمجتمع المدني. هذه التركيبة الثلاثية تسمح بالعبور نحو فعل جماعي منتج تكون فيه معايير التحكيم مشتركة بين ممارسي التنمية الاقتصادية وبين فاعلي المجتمع المدني.

فالسؤال المحوري يبقى متعلقا بكيفية تمثّلنا للعلاقات التي يمكن أن تقوم، داخل مجال ما للتنمية، بين

تحقيق التنمية الاقتصادية ودعم وجود أدوار في هذا الاتجاه يضطلع بها المجتمع المدني. فالمجتمع المدني في الحقيقة ينزّل فعله ضمن أفق يهدف إلى إضفاء عمق إنساني (أنسنة) على علاقات التبادل بين الناس داخل مجتمع سياسي ما. وتطمح حركية المجتمع المدني إلى تحقيق الرّفاه المعيشي الذي لا يمكن قياسه بالمؤشرات والحصص المعروفة من مثل P.I.B و P.N.B بل بالنظر إلى بعده الجماعي، كما بالنظر إلى تطوير القيم الاجتماعية وتوزيع الثروات المشتركة والتوازنات العلائقية والاجتماعية .

وبناء عليه يغدو لزاما،إذا ما أردنا استجلاء الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني ضمن سيرورة دفع التنمية الاقتصادية محليا، وطنيا أو حتى عالميا أن نحاول تبيّن مختلف المعاني (في تكاملها كما في تعارضها) التي تعطيها المجتمعات في شتى مستوياتها (محلي وطني عالمي) لمفهوم التنمية والانتظارات التي تحملها إزاءها. هذه العملية تبقى ضرورية على صعوبتها في رأينا خاصة وأن دراسة التنمية الاقتصادية ما تزال في مجتمعاتنا تتمّ، بدرجة تزيد أو تنقص، من قِـبَـل الاقتصاديين الذين يقيسون ويقيّمون مستندين في ذلك بشكل واسع إلى قواعد بيانية رقمية. أمّا المجتمع المدني والقيم والتصوّرات التي يحملها فتعود إلى حقل تحليل علماء الاجتماع وعلماء السياسة والقانونيين وكل الأخصّائيين الذين يصفون الوضعيات الاجتماعية القابلة للملاحظة (ولكن في معظم الأحيان عبر معايير خارجية مسقطة). ومن هذا المنطلق، لا بدّ من التأكيد على ضرورة البحث عن المعايير النابعة من داخل المجتمع ذاته Endogènes بهدف بناء مقاربة تنموية أوضح وذات عمق إنساني تعيد للإنسان، داخل عالمه، مكانته المغايرة للمكانة التي تعطيه إيّاها الأرقام، إلى جانب التأكيد على ضرورة رسم أهداف تنموية لا عبر ربط هذه الأهداف بأهداف تأهيل التجهيزات والخدمات على أهميتها ولكن عبر ربطها بأهداف دعم الروابط واللحمة الاجتماعية بما هي واحد من المؤشرات على السلم الاجتماعية التي تسمح بقياس الأشواط المقطوعة والباقي قطعها في مسيرة التنمية. كما يمكن أن يمثل هذا المؤشر معيار تحكيم صالح لأصحاب القرار سواء في الميدان الاقتصادي أو الاجتماعي. وإذا كانت اللحمة الاقتصادية تتجسّد من خلال المؤشرات الاقتصادية المعلومة والمشتركة بين الدول والجماعات في معظمها فإنّ اللحمة في بعدها الاجتماعي تحيل إلى الممارسة العادلة من قبل مختلف الفئات الاجتماعية لحقوقها الأكثر تنوّعا: الحقّ في الصحّة، في السكن، في التعليم، في الحماية الاجتماعية، وفي الإدماج الاقتصادي، والحقّ في التصويت، كما في تقاسم القيم الأخلاقية من مثل الحقّ في الاحترام والترفيه دونما تمايز على أساس الجنس والحق في استثمار الذاكرة الجماعية والانتماء إلى المجموعة والحرية في اكتساب الوعي الخ... هذه الحقوق جميعها تحيل في الآن نفسه إلى حقل احترام الحريات الفردية كما إلى حقل التوجّهات السياسية التي يختارها الناس عبر التصويت ويكونون، فرديا كما جماعيا، على استعداد لتحمّل نتائجها إيجابا أو سلبا.

الخاتمة:

ما طمحت إليه هذه الورقة يتوقف عند حدود طرح السؤال حول الشرعية المعرفية كما الشرعية السياسية- الاجتماعية لإعادة تداول الخطاب المتعلق بالمجتمع المدني خلال هذه المرحلة التاريخية بالذات وذلك على أنقاض مرحلة من البناء الوطني تميّزت برغبات احتوائية واسعة أظهرتها الدولة آنذاك إزاء مؤسسات المجتمع. ويبقى متأكدا من ناحية أخرى أن إشكالية إعادة تداول خطاب المجتمع المدني تمثل إشكالية جوهرية يتجاوز تناولها حدود هذه الورقة، بل يحتاج إلى الطرح المفصّل ضمن مقاربات متعدّدة الاختصاصات. كما رامت الورقة في مستوى ثان تبيّن علاقة التعضّي الممكنة بين خطاب المجتمع المدني وخطاب التنمية أهما خطابا تكامل أم تعارض؟ لنتبيّن قيام علاقة سببية بينهما،حيث يبقى دور المجتمع المدني في جوهره دورا تنمويا مهما تكن الخلفيات الإيديولوجية الموجّهة لهذا الفعل، على اعتبار أنّه فعل تشاركي يرمي في جوهره، داخل مجتمع سياسي ما، إلى أنسنة علاقات التبادل بين الناس في اختلافهم وإضفاء الشرعية على المسار كلّه دونما احتكار لهامش الفعل من قِـبَلِ الدولة، بما يسمح بتحقيق الرفاه المعيشي الذي يقاس بالنظر إلى بعده الجماعي، كما بالنظر إلى تطوير القيم الاجتماعية وتوزيع الثروات المشتركة والتوازنات العلائقية والاجتماعية استنادا إلى معايير داخلية نابعة من فعل الفاعلين أنفسهم وتصوّراتهم وقيمهم ومبادراتهم واختياراتهم، الهادفة جميعا إلى دعم اللحمة الاجتماعية في ظل واقع الاختلاف والتنوّع.

***************

1نذكر هنا فقط بـ:

• TOCQUEVILLE(A-de): De la démocratie en Amérique, 7ème édition Gallimard, Paris, 1951.

• GRAMSCI (A): GRAMSCI dans le texte - Editions sociales, Paris, 1975 .

• MARX (k ) et ENGELS ( F): L'Idéologie Allemande .Editions sociales, Paris, 1972.

2علي أومليل: الإصلاحية العربية والدولة الوطنية - المركز الثقافي العربي،المغرب- 1985 (خاصة الفصل V ) ص،ص: 200 - 199

3GRAMSCI (A) : GRAMSCI dans le texte - Editions sociales, Paris, 1975, p 606.

4 يمكن العودة إلى جون كاميت : غرامشي حياته أعماله ، ترجمة عفيف الرّزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، بيروت 1984.

5هاربرت ماركيوز : العقل والثورة، هيغل ونشأة النظرية الاجتماعية ، ترجمة فؤاد زكرياء، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1979، ص،ص: 92-93.

6برهان غليون : بناء المجتمع المدني: دور العوامل الداخلية والخارجية ، ضمن المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 1992، ص736.

7TOCQUEVILLE(A-de): De la démocratie en Amérique …….. op.cit ……, T: II, p: 107

8 Ibid, p: 109

9 Ibid, p: 109

10عبد الباقي الهرماسي : المجتمع المدني والدولة في الممارسة السياسية الغربية(من القرن التاسع عشر إلى اليوم:دراسة مقارنة ) ضمن المجتمع المدني في الوطن العربي... المرجع نفسه....ص.ص: 99-102.

11في خصوص تعاطي الممارسة السياسية العربية مع مفهوم المجتمع المدني يمكن أن نستحضر أعمالا عديدة منها:

• عبد الحميد الأنصاري: نحو مفهوم عربي إسلامي للمجتمع المدني ، المستقبل العربي، س24، ع272، أكتوبر2001.

• سعد الدين إبراهيم: المجتمع المدني والتحوّل الديمقراطي في الوطن العربي ، مركز التنمية السياسية، القاهرة، 1991.

• عزمي بشارة: المجتمع المدني: دراسة نقدية(مع إشارة للمجتمع المدني العربي) ، م. د. و.ع، ط2، بيروت، 2000.

• حليم بركات: المجتمع العربي في القرن العشرين بحث في تغير الأحوال والعلاقات ، م. د. و.ع ، ط1، بيروت، 2000.

• جاد الكريم الجباعي: المجتمع المدني وهوية الاختلاف ،دار ترقا للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق،2003.

• LABIB Tahar : GRAMSCI dans le discours des intellectuels arabes ; in : GRAMSCI dans

le monde arabe ; ouvrage collectif ; (S/D) BRONDINO (M) et LABIB (T) et autres, éd : Alif- les Editions de la Méditerranée , Tunis, 1994,p.p : 13- 39. voir surtout les deux pages :34 et 35.

12وجيه كوثراني: المجتمع المدني والدولة في التاريخ العربي ، ضمن المجتمع المدني... المرجع نفسه....ص.ص123-127.

13الطاهر لبيب : علاقة المشروع الديمقراطي بالمجتمع المدني العربي ، ضمن المجتمع المدني في الوطن العربي... المرجع نفسه....ص.ص339-367.

14المرجع نفسه، ص95.

15الطاهر لبيب: غرامشي العرب ، مجلة الشروق، عدد2، حزيران-يوليو 1999، بيروت. يمكن العودة أيضا إلى مساهمته الموسّعة في المؤلف الجماعي والمتعلـّق بتعاطي المفكرين العرب مع الفكر الغرامشوي:

LABIB Tahar : GRAMSCI dans le discours ,…op.cit…p.p : 13- 39 .

16الطاهر لبيب : علاقة المشروع الديمقراطي ، ... مرجع سابق، ص95.

17السيد ياسين: مستقبل المجتمع المدني: الأزمة الثقافية ومستقبل المجتمع المدني ، ضمن المجتمع المدني في الوطن العربي... المرجع نفسه....ص.ص783-801.

18علي الكنز : من الإعجاب بالدولة إلى اكتشاف الممارسة الاجتماعية ، ضمن المجتمع المدني في الوطن العربي... المرجع نفسه....ص.ص:203-215.

19عبد الله ساعف : المجتمع المدني في الفكر الحقوقي العربي ، ضمن المجتمع المدني في الوطن العربي... المرجع نفسه ....ص.ص:227-256.

20CAMAU (M) : Tarajji ya dawla ou la force et l'espérance: propos sur le désengagement de l'Etat en Tunisie ; Bulletin de CEDEJ, n° 23 / 17 ème année ,1988, pp 81 - 108 .

21اُنظرْ سعد الدين إبراهيم: مصادر الشرعية في أنظمة الحكم العربية ، ضمن : أزمة الديمقراطية في الوطن العربي ، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984. ص ص: 403- 431.

22CAMAU (M) : Pouvoirs et Institutions au Maghreb , horizon Maghrébin-Cérès productions, Tunis, 1978 ; p 26 et p 65 .

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
المجتمع المدني والتنمية المحلية أبو ذر الفاضلي كتب علم الاجتماع المصورة 1 21-03-2011 12:19 AM
أزمة المجتمع المدني أبو ذر الفاضلي كتب علم الاجتماع المصورة 4 19-03-2011 12:55 AM
المجتمع المدني والديمقراطية إبراهيم براهيمي الكتب الفكرية بصيغ أخرى 5 06-08-2010 10:11 PM
مدخـــل لمفهوم المجتمع المدني إبراهيم براهيمي كتب العلوم الاجتماعية المتفرقة بصيغ أخرى 2 16-05-2010 05:52 PM


الساعة الآن »05:22 PM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd