روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم العلوم الاجتماعية > كتب علوم اجتماعية متفرقة > كتب العلوم الاجتماعية المتفرقة بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-12-2009, 06:50 PM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,779
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي المجتمع المدني و التنمية في تونس

المجتمع المدني و التنمية في تونس

د. الحبيب الدرويش
أستاذ علم الاجتماع – جامعة صفاقس (تونس)

تمهيد

يهتدي هذا البحث بالفكرتين الموجِّهتيْن التاليتيْن:

- لا يمكن تناول تجربةٍ تنمويّةٍ ما إلاّ من خلال تنزيلها ضمن سياقها التاريخي و الاجتماعي ومحيطها المحلّي و الدولي ذلك أنّ هذه التجربة تمثّل مستوًى من مستويات الواقع وليست مجالا منفصلا للتفكير.

- تجذير ثقافة المجتمع المدني في سلوك الأفراد هو عمليّة بناء اجتماعي و جهد يومي يصبّ في اتّجاه غرس قيم المواطنة و ترسيخ السلوك المدني و ثقافة المبادرة، ذلك أنّ اكتساب هذه الثقافة لا يتمّ بين عشيّة وضحاها، و المجتمعات لا نستطيع تغييرها بمجرّد إصدار قرار أو سنّ قانون – على الرغم من أهمّية الإطار التشريعي - فالمسألة شديدة الصلة بمسار من الدربة و التنشئة و الممارسة لتتحوّل إلى ثقافة معيشيّة راسخة.

هاتان الفكرتان اللّتان تبنّيناهما لمعالجة موضوع " المجتمع المدني و التنمية في تونس" تقودان إلى طرح الأسئلة الآتية:

ما هو السياق الذي برزت فيه محاولات تشريكٍ أوسع لقوى المجتمع المدني في الفعل التنموي بتونس خاصّة منذ العقد الأخير من القرن الماضي ؟

ما هي ملامح تأصيل دور المجتمع المدني في مسار التنمية في تونس؟ و إلى أيّ مدًى توفّقت التجربة التونسية إلى تحقيق جدلية إيجابية بين المجتمع و الدولة؟

I - سياقات بروز المجتمع المدني شريكًا في الفعل التنموي بتونس

1/ موقع المجتمع المدني من تجارب البناء الوطني ما بين عشريتيْ الستينات و الثمانينات

شكّلت السنوات الأولى للاستقلال مرحلة النزع التدريجي للاستعمار عن الاقتصاد التونسي، و قد اتّسمت هذه المرحلة بعدم وجود سياسة اقتصادية واضحة رغم محاولات السلطة الوطنية بناء مجتمع ذي اقتصاد رأسمالي شبه ليبرالي ، و كانت بحاجة إلى" الكوادر" بسبب رحيل الإطارات الفرنسية فاستوعبت قسما كبيرا من المثقّفين التونسيين كإطارات إدارية لتسيير شؤون البلاد 1 وكانت النتيجة تضخيم قاعدة فئة "البيروقراطيين" و "التكنوقراط" الذين يمثّلون رجال الدولة مقابل شبه غياب للمثقّف المستعدّ للقيام بأدوار أكبر في صفوف المجتمع المدني. نحن إذن أمام دولة ناشئة كانت بحاجة إلى الكوادر فاستوعبت مثقّفيها ضمن أجهزتها الرسمية ما جعل من فئة البيروقراطية قوّة اجتماعية صاعدة ستطرح على نفسها مشاكل التنمية و التحديث الاجتماعي و تطوير الجهاز الإنتاجي و تخليصه من العوائق التي رافقته أثناء الاستعمار وفترة الاستقلال الأولى التي تلته، وقد تكرّس هذا التوجّه من خلال تجربة التعاضد التي اتّسمت بتحمّل البيروقراطيين من ذوي التوجّه الاشتراكي مسؤولية التسيير الاقتصادي و الاجتماعي. ولئن تركّزت الجهود خلال هذه الفترة على " الإصلاح الزراعي" و الصبغة العمومية الدولتية Etatique للاستثمار الصناعي وحقّقت بعض النتائج فإنّ هذه الفترة اتّسمت بالاستثمار القسري ذي الصبغة الفوقية حيث لاح الإهمال النسبي للمشاريع الصغرى القادرة على تشريك قاعدة اجتماعية واسعة بصورة تتيح للأفراد ولوج دائرة الفعل. و قد أفضى هذا التوجّه إلى حدوث حالات من عدم الرضى في صفوف الريفيين و الحضر على حدّ سواء و إلى تزايد ديون الدولة بسبب النفقات التي تحمّلت أعباءها لتمويل المشاريع الصناعية ليكون المآل التوقّف عن هذه التجربة التي اتُّهِمت بأنّها فرضت ضغوطا على الفئات الاجتماعية الواسعة و تحديدات على المبادرة الخاصّة باسم المصلحة العامّة.

و انطلاقا من السبعينات تبنّت الدولة إستراتيجية اللّيبرالية الاقتصادية من خلال السعي إلى تشجيع الرأسمال المحلّي و جذب المستثمر الأجنبي. و اللاّفت في تجربة الانفتاح الليبرالي بتونس خلال السبعينات من القرن العشرين هو أنّ القطيعة التي أحدثتها الدولة مع التوجّه الاشتراكي لم يصحبه انطواء الدولة على نفسها أو إهمال دورها كحكم و منسّق و مموّل أساسي للعمليّة التنمويّة. إذن تواصل انكماش المجتمع المدني خلال هذه الفترة رغم ما كان يُتَوقّع من تحرّك قواه للمشاركة و الفعل، و كانت الدولة هي المحرّك الأساسي للمجتمع، وقد سمح هذا التوجّه بتحقيق نموّ اقتصاديّ ولكنّه في المقابل أدّى إلى تزايد واضح في الفوارق الاجتماعية و الجهويّة أدّى بدوره إلى تنامي الحركة المطلبيّة والتعويل الكلّى على الدولة، ومحاسبتها إن هي تأخّرت عن الاستجابة للمطالب والتّاريخ يسجّل تلك التوتّرات الاجتماعية التي عاشتها البلاد في أواخر السبعينات و بداية الثمانينات كنتيجة لمسار التّملّص Désengagement الذي بدأته الدّولة في محاولة منها للتّحرر من الأعباء الاجتماعية وضغوط النفقات التي لا توجّه لمشاريع التنمية بالإضافة إلى الرّغبة في تعويد المواطن التعويلَ على إمكاناته وغرس ثقافة بعث المشاريع و روح المبادرة التي مازالت شبه غائبة عن سلوك التونسي .

إنّ المفارقة التي تتجلّى في تجربة السّبعينات أنّ الدولة أبدت التزاما بتحمّل أعباء مختلف الشرائح الاجتماعية، هذا الالتزام يتعارض مع مبدإ التملّص الذي رفعته بعد إعلان التجربة الليبرالية، عندما أدان الهادي نويرة في خطاب له أمام مجلس النوّاب في 26/12/1975 عقليّة تواكل أفراد المجتمع ونظرتهم إلى الدّولة كمتكفّل بتوزيع الرّفاه يقول: " إنّ الخطأ الأوّل الذي يجب أن نقاومه في داخلنا للقضاء على تخلّفنا هو هذا الاتّجاه نحو الاعتماد على الدّولة فقط "، ولعلّ عبارة " ترجّي يا دولة Tarajji ya dawla " التي استخدمها الباحث الفرنسي "ميشال كامو" Michel CAMAU 2 عنواناً لمقال له حول علاقة المجتمع التونسي بالدولة خلال تجارب العشريات الأولى للاستقلال تعبّر عن المأزق الذي وُجِدت فيه الدّولة التونسيّة بعد أن وضعت نفسها في موضع القطب الأوحد المسؤول عن توزيع الرّفاه فأفرزتْ نمطا من المواطن الذي يترجّى الدولة في كلّ كبيرة و صغيرة عوض التعويل عن نفسه أو الاستعانة بما يمكن أن يوفّره مجتمعه من إمكانات للمساعفة و الإدماج لمعاضدة جهد الدولة و تعزيزه.

إنّ تراجع الدّولة عن تدخّلها شبه الكلّي في المشاريع الاقتصاديّة حيث كانت " مالكا ومساهما ومنتجا " رافقه تبنّي توجّه جديد يحدّد للدّولة وظيفة القيام بدور " المخطّط و المحرّك والمنظّم و المراقب " وهي وظيفة تعطّلت أثناء الستّينات والسّبعينات لترسم ملامح الثمانينات التي سيركَّز فيها العمل على دعم المشاريع الصغرى التي بدأت بوادر الوعي بأهميّتها تلوح مع ذلك القانون الصّادر في 09/08/1981 والقاضي بإحداث صندوق قومي للنّهوض بالصّناعات التّقليديّة والحرف الصّغرى، و يمكن القول إنّ تجربة الثمانينات لم تقطع مع تجربة السبعينات لكنّها بدت شديدة التأثّر بالمتغيّرات الاجتماعيّة و السياسيّة التي أدّت إلى تغييرات متسارعة لعلّ أبرزها التغيير في مستوى أعلى هرم السّلطة (7/11/1987) وما تلا ذلك من محاولات متواصلة تهدف إلى إضفاء حركيّة أكبر على المجتمع المدني انسجاما مع المعطيات المستجدّة إنْ محلّيًّا أو دوليّا .

ففي المستوى المحلّي يمكن القول إنّ المشهد الاجتماعي التونسي قد اتّسم ببروز فاعلين اجتماعيين جدد يُفترض أخذهم بعين الاعتبار من أجل جعلهم ينخرطون في دائرة الفعل للاستفادة من طاقاتهم الكامنة، هؤلاء الفاعلون تمثّلهم فئة الشباب كقوّة نوعيّة تتوفّر على خصائص تخدم التنمية بفضل ما تتوفّر عليه من مؤهّلات تعليمية و تكوينيّة مكّنتهم منها سياسة تعميم التعليم ومجانيته، هذا بالإضافة إلى الدينامكية الجديدة التي أحدثها تعليم المرأة وعملها لتبرز شريكا اجتماعيّا قادرا – إن أُتيحت له الفرصة – على المبادرة و الفعل .

2 - من المجتمع المدني منذ أواخر الثمانينات : بروز ديناميكية جديدة

لقد سبق و أشرنا إلى أنّ تجارب البناء الوطني الأولى عمِلت على استدماج المتعلّمين في أجهزة الدولة كمسيّرين و مسؤولين سياسيين و إداريين ولم يتوفّر بالتالي ذلك الفائض من المثقّفين و المتعلّمين الذين يُعوّل عليهم في تحريك المجتمع المدني، لكنّ الوضع الحالي المتميّز بوفرة الخرّجين و اتّساع قاعدة المثقّفين في البلاد يجعل من إمكانية توجيه طاقتهم للمبادرات الخاصّة و العمل الجمعياتي أمرا ممكنا ومفيدا، و هو ما انتبهت إليه السلطة السياسية الحالية و سعت إلى تنفيذه من خلال أطر تشريعية و آليات تنفيذية أعطت نتائجها كما سنتبيّنه لاحقا .

أمّا في ما يتّصل بالمحيط الدولي فيمكن التأكيد على أنّ أواخر القرن الماضي شهدت بروز عدّة عناصر موضوعية مساعدة أيضا على مزيد المراهنة على الطاقات الكامنة في المجتمع المدني و تخفيف العبء عن الدولة، فقد تسارع نسق تيّار العولمة بمختلف مستوياتها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية رافقته حركة في مستوى الفكر اتّسمت بتراجع الأبنية النظرية و السّوسيو-اقتصادية لليسار مقابل الصعود المتزايد للفكر الليبرالي، حيث صار العالم اليوم يسير وفق أطر التفكير و التنظيم الليبرالية مهما كانت درجة نمو كل بلد و تطوره، مع ما يعنيه ذلك من تجاوزٍ لمنطق يُعَدّ إحدى سمات النظم الاشتراكية وهو مركزة القرار والفعل بيد الدولة دون غيرها، و تبعا لهذه المتغيّرات الموضوعية الجديدة بدأت الدولة في أغلب المجتمعات المنخرطة في المنظومة اللّيبرالية تتخلّى عن بعض أدوارها موكِلةً إيّاها إلى قوى المجتمع المدني.

لقد مثّل العقدان الأخيران من القرن العشرين مرحلة تشترك فيها أغلب المجتمعات البشرية و هي مرحلة اندحار " الإعجاب بالدولة" أو النموذج " الدولتي" لصالح الفاعلين الاجتماعيين 3فبعد أن كانت الدولة متحمّلة مسؤولية ربح الرهانات و تحقيق تطلّعات الناس، صار الاهتمام منصبّا على المجتمع بمختلف مستوياته و ممارساته و أشكاله التعبيرية ، و لعلّ هذا ما يفسّر عودة استعمال مفهوم المجتمع المدني بعدما عرف نوعا من الخمود خلال فترةٍ ناهزت القرن ، فمنذ أواخر القرن الثامن عشر غاب المفهوم عن دائرة النقاش الفكري و السياسي ليعود إلى الصدارة في فترة متأخّرة من القرن العشرين 4 .

هكذا إذن تجمّعت ظروف موضوعيّة عديدة (محلّية و دوليّة) مثّلت سياقا ملائما لتحريك المجتمع المدني في تونس و إخراجه من حالة الضمور إلى دائرة الظهور ليصبح بالتالي في قلب مخطّطات التنمية و آلياتها، فكيف تبدو ملامح المقاربة التنمويّة الحديثة في تونس ؟ و أيّ دور موكول للمجتمع المدني ضمن هذه المقاربة؟ - ملامح المقاربة التنموية الحديثة في تونس

سبق و ذكرنا أنّ الخيارات التنمويّة خلال العشريّات الأولى التي تلت الاستقلال اتّسمت بمركزيّة الدولة ، و رغم ما حقّّقته من نتائج لافتة اجتماعيّا و اقتصاديّا فقد بدا ضعف المشاركة الشعبية في الجهد التنموي، لذلك ترسّخ منذ التسعينات الشعور بأهمّية تشجيع المبادرات الخاصّة المتعلّقة بالمشاريع الصغرى التي تتيح فرص المشاركة الفاعلة لقاعدة عريضة من المجتمع و هو ما يفسّر كثرة الإجراءات المتّبعة لتكريس هذا التوجّه من مثل :

الصندوق الوطني للنهوض بالصناعات الصغرى و الحرف التقليدية

صندوق التطوير و اللاّمركزية الصناعية

البنك التونسي للتضامن

صندوق تشغيل الشباب 21-21 الذي يهدف إلى مساعدة خرّيجي الجامعات و مراكز التكوين على الاندماج في مسار الفعل التنموي من خلال توسيع شبكة المشاريع التي لم تعد حكرا على شريحة اجتماعية مخصوصة متمثّلة في رجال الأعمال الميسورين.

إحداث نظام القروض الصغرى و تكليف الجمعيات التنموية المحلّية التي يصل عددها الحالي إلى 460 جمعيّة (من مجموع 8600 جمعية بتونس) بإسناد هذه القروض إلى مستحقّيها من أجل مساعدتهم على الاندماج الاقتصادي و الاجتماعي.

.................................................. .يتبع

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-12-2009, 06:50 PM   #2
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,779
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: المجتمع المدني و التنمية في تونس

إنّ تنامي عدد الجمعيات بتونس الذي قفز من أقلّ من ألفيْ جمعيّة سنة 1988 ليصل حاليّا إلى ما يناهز 8600 جمعية أهلية تنشط في مختلف المجالات الثقافية و الرياضية والعلمية والاجتماعية و الاقتصادية و الإنسانية يعتبر مؤشّرا مهمّا على ديناميكيّة المجتمع المدني بتونس حاليّا، ذلك أنّ الجمعيات هي أفضل مدرسة للمواطنة و خير إطار لتطوير الحسّ المدني الذي يعتبر إحدى ركائز التقدّم، و التاريخ يحدّثنا بإعجاب عن مجتمعات كان للجمعيات المبثوثة في كلّ مناحي الحياة فيها دور في تقدّمها و إشعاعها، فالدراسة العينية التي أنجزها المفكّر و رجل السياسة الفرنسي " ألكسيس دي توكفيل " بأمريكا خلال النصف الأوّل من القرن التاسع عشر تتحدّث عن فنّ إنشاء الجمعيات في هذا المجتمع منوّهة بقدرة هذه التجمّعات الطوعية على توفير طاقات عمل كبرى ، يقول توكفيل :" إنّ الأمريكان من جميع الأعمار، ومن جميع المنازل و من مشارب مختلفة نجدهم يكوّنون الجمعيّات. ليس لهم جمعيات اقتصادية و صناعية فقط حيث الكلّ يشارك فيها، و لكن لهم أيضا أنواع أخرى كثيرة.....يتعلّق الأمر بحقيقة واضحة: إنّهم يشكّلون الجمعيات باستمرار في كلّ مناحي حياتهم، و في كلّ مجال.....لقد أُعجبت دائما بهذا التفنّن اللاّنهائي الذي يجعل الأمريكان يضعون أهدافا واحدة ويحقّقونها بجهد عدد كبير من البشر يتعاضدون بكلّ حرّية لها..." 5.

لقد بدا توكفيل متحمّسا للجمعيات التي رأى فيها قادرة على المساهمة في الرّقي الحضاريّ، و هي إحدى تجلّيات خيار مجتمعيّ يطلق العنان للمبادرات الفرديّة و الجماعيّة غير الرسمية. و في تونس بدت بوادر حركيّة المجتمع المدني واعدة و مؤذنة بمزيد التمرّس بالعمل الطوعي و التشبّع بقيم المبادرة و تحمّل المسؤولية، و ما كان لهذا المسار من الدربة على التشبّع بقيم المجتمع المدني أن ينجح و يترسّخ لو لا تلك النصوص التشريعية و الوسائط المحفّزة على ولوج ميدان العمل الجمعياتي ، ففي 2/8/1992 أُدخِلت تعديلات على قانون الجمعيات حُذف بمقتضاها الترخيص الخاصّ ببعث الجمعيات ليعوّضه التصريح، كما أُحدِث مركز الإعلام و التكوين و الدراسات و التوثيق حول الجمعيات " إفادة " في 5/4/2000 لدعم العمل الجمعياتي و تأمين التكوين اللاّزم للمقبلين على العمل التطوّعي، هذا بالإضافة إلى تشجيع الخرّجين على العمل بالجمعيات مع تأمين المنحة المناسبة لهم و التي يتحمّل صندوق التشغيل 21/21 نسبة 50 % منها تشجيعا على الانخراط في العمل المدني و مساهمةً في حلّ مشاكل التشغيل.

أمّا و قد قبلنا ذلك التعريف الإجرائي الذي يرى في المجتمع المدني "جملة من المؤسّسات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال نسبي عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعدّدة" 6وانخرطنا في ذلك التحديد الذي يرى المجتمع المدني قائما على منظومة من القيم الأساسية كالعدالة الاجتماعية و الحرّية و حقّ الاختلاف و التسامح و التعاون و التكامل و التشاور... فإنّه يجوز طرح السؤال الآتي : كيف تبدو الأشكال الجديدة للعلاقات الاجتماعية في ظلّ المقاربة التنموية التونسية الحديثة ؟
II - الأبعاد الجديدة للعلاقات الاجتماعية بتونس:

لقد ألزمت التحوّلات التي حدثت في العقدين الأخيريْن من القرن العشرين النخب الفكرية في تونس ببذل مجهود نظري من اجل بناء مفاهيمي لمحددات المشروع التنموي ومرجعياته خاصة أمام ما تعيشه النظريات الكلاسيكية الكبرى من تراجع وتهاو(الإيديولوجية الاشتراكية) أو من تطرف و فوضى بتركيزها على الاقتصادي دون الاجتماعي (الإيديولوجية الليبرالية الجديدة).

إن البناء المفاهيمي الجديد المطروح على النخب التونسية يتنزل في إطار الواقع المتحرك باستمرار، هذا الواقع الذي يحتاج دوما إلى خلفية فكرية تقف وراءه وتسعى إلى فهمه من أجل تعامل أفضل معه، فالأفراد ينتجون باستمرار فهما عن الواقع انطلاقا من الوضعيات الاجتماعية و الاقتصادية و الفكرية التي يعيشونها، بهذا المعنى فإن مسار التغيّر يفضي بالتأكيد إلى أشكال جديدة من التعبير عن الواقع الجديد.

إنّ قراءةً في المشهد التنموي السوسيو-اقتصادي بتونس يمكّن من ملاحظة الاتجاه إلى استثمار القيم الاقتصادية للّيبرالية والقيم الاجتماعية للاشتراكية، بمعنى آخر تثمين العمل والمبادرة الحرة من جهة و تساوي حظوظ الانطلاق و الصعود في سلم المراتبية الاجتماعية، التضامن الوطني، العدالة الاجتماعية و المروءة الأخلاقية من جهة ثانية 7 .

و يندرج هذا الاتجاه في إطار فهم موضوعي للتركيبة الاجتماعية في تونس، و بالتالي هو يسعى إلى التّسامي عن ذلك الفصل الإيديولوجي الكلاسيكي الذي عرف عن الأنساق النظرية الكبرى المهيمنة، فالأنشطة الاقتصادية الجديدة تنتظم في إطار مؤِسسات صغرى متنوّعة تعمل وفق أشكال جديدة من التعاون ( الشراكة، العمل بالمناولة...)، وهو ما أفضى إلى فقدان الرؤية الواضحة للطبقة، هذا الفقدان الذي يعود بالأساس إلى تغيّر الوضعيات الشغليّة و ظروف الإجارة، إلى تنوع المصالح الفئوية و إلى التطوّر الكبير للأنشطة الخدماتيّة و هي ظواهر رافقت مسار الانخراط في العولمة و تخفيف الحواجز الجمركية و فتح أسواق رأس المال و الخدمات بين الدول....

لقد أدّت التطورات المتشابكة بمفعول العولمة إلى تغيير الرسم النموذجي للمكانات في المجتمع ، فكما ألغيت القطبية على الصعيد العالمي مع نهاية الحرب الباردة و تهاوي الأنظمة الاشتراكية فإن الاستقطاب الكلاسيكي المعروف ( بروليتاريا/بورجوازية) بدأ بدوره يتهاوى ليشجع على تطور مشهد اجتماعي جديد تميّز بدخول الفئات المتوسطة و البورجوازية الصغرى حقل اللعبة الاجتماعية، هذه الفئات الجديدة ذات مصالح فئوية خصوصية وهو ما أدّى إلى غموض اجتماعي إذ فقدت الصراعات الاجتماعية مركزيتها الأساسية، و تأسيسا على ذلك اتّجهت الرؤية التونسية إلى طرح مسائل التنمية و التشغيل من زاوية مخالفة للمنظور التقليدي المبني على المصالح المتضاربة بين الفاعلين الاجتماعيين، وفي هذا الإطار يتنزّل الإعلان الوطني حول التشغيل المنبثق عن الندوة الوطنية حول التشغيل التي نظمتها وزارة التكوين المهني و التشغيل أيام 11،12و13 جويلية 1998، ففي هذا الإعلان وقع الإجماع على تبني خيار جديد يتحول بمختلف الفاعلين في الحقلين الاقتصادي والاجتماعي من وضعية التقابل "وجها لوجه" وهي وضعية صراعية إلى وضعية جديدة وهي وضعية العمل "جنبا إلى جنب" (وضعية تعاون)، فالمشغّلون (أصحاب المؤسسات ) يعترفون بالوظيفة الاجتماعية للمؤسسة و ذلك من خلال العناية بالمستويين المادي و المهني للعمال، و العمّال بدورهــــم يضعون في الاعتبار الوظيفة الإنتاجية للمؤسسة من خلال التزامهم برفع الإنتاج و تحسين الإنتاجية .

من هذا المنطلق يمكن القول إن المقاربة التي تضمّنها الإعلان الوطني حول التشغيل قد تجاوزت " نظرية الألعاب " La théorie des Jeux المبنية على لعبة موازين القوى بين الفاعلين، بمعنى أن ما يربحه طرف يخسره الطرف الآخر و طرحتْ مفهوم الاعتراف المتبادل بالمصالح " La reconnaissance réciproque des intérêts بين مختلف الفاعلين.

إنّ سياسة الوفاق الاجتماعي و التضامن الوطني تهدف إلى تجاوز الاستراتيجيات التقليدية ذات الطبيعة الصراعيّة للفاعلين لتتبنّى إستراتيجية تقطع مع لعبة الأدوار التقليدية و تعمل على إدماج مختلف الفاعلين – ومن ضمنهم الدولة- في بوتقة يتوافق أفرادها و يتضامنون.

إنّ المصالح الفئوية هي بالتأكيد متباعدة لكنها ليست حتما متعارضة، من هنا فإنّ مسارا للتقريب بين هذه المصالح يبدو ممكنا و هذا يفترض تدخّلا من الدولة طرفا فاعلا في هذا المسار من أجل المحافظة على التوازن الاجتماعي و الاقتصادي و الجهوي، فتعميم اقتصاد السّوق من جهة و تهاوي الأيديولوجيات الاجتماعية من جهة أخرى يعطي للدولة دورا جديدا وهو التوفيق بين القيم الاقتصادية للنظرية الليبرالية و القيم الاجتماعية للاشتراكية، فالدور الجديد للدولة في التجربة التونسية هو ضمان المقوّمات العامة لسياسة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية في مجالات البنية الأساسية و التشريع و الاستثمارات الاجتماعية إنّ هذا الدور ( أعني دور الدولة في الرؤية التونسية) لم يطرق وفق المفهومين التقليديين: "الإكثار من الدولة Etat ' Le plus d " (النمط الاشتراكي) أو "التقليل من الدولة Le moins d'Etat ( النمط الليبرالي) بل طرح وفق رؤية جديدة سمّاها البعض ب " تجويد دور الدولة" Le mieux d'Etat 8وهي رؤية تهدف إلى تشريك المجتمع المدني في مسؤولية الحفاظ على ما يفرزه النمو ا لاقتصادي من مكاسب اجتماعية، و يتم ذلك من خلال اضطلاع الدولة بوظيفتها المتمثلة في توفير الوسائط السياسية Les médiations politiques بين الاقتصادي و الاجتماعي، فالعولمة هي كلٌّ متشابك العناصر، متداخل الأجزاء و متفاعل الظواهر، تربك التنظيم المألوف للمجتمع ممّا يحمّل الدولة مسؤولية التدخل للقيام بدور الحارس الذي يعمل على مراعاة مختلف المصالح الفئوية و التقريب بينها.

إنّ المقاربة التونسية و مع اعترافها بالهيأة العامة التي يكون عليها اقتصاد السوق تفضّل التخطيط الإرادي و التعديلات السوسيو-اقتصادية النابعة عن المشاورات و الاتفاقات عن طريق مضاعفة الوسائط السياسية، هذا المفهوم الذي تناسته النظرية الليبرالية رغم إقراره كمبدأ أساسي في نظرية" هيجل" HEGEL للدّولة الليبرالية و المجتمع المدني، فالمجتمع المدني في نظرية HEGEL ليس الدولة و لكنّه لا يمكن أن يتمظهر إلا من خلالها، لأن الدولة هي نظام مصالحة بين الصراعات التي يمكن أن تحدث داخل المجتمع المدني، وهي الراعية للمصالح الجماعية، هذه الرؤية التي تتفق مع ما يذهب إليه أحد المفكرين المدافعين عن دولة الرفاه و نعني به " بيار روزنفلون" Pierre Rosanvallon 9 الذي يقترح إيجاد صيغة لمجتمع مدني مضمون من قبل الدولة و ذي قدرة كبيرة و متزايدة على الاستجابة للحاجات الاجتماعية عبر شبكات دعم متبادل عوضا عن التمسك الدائم بأحد القطبين: السوق أو الدولة.

هكذا تبدو توجهات المشروع المجتمعي التونسي متأسّسة على بداهة أنه لا يمكن ممارسة الحكم بصورة ناجعة إلا متى أخذنا في الاعتبار مختلف المصالح الفئوية التي لم تحسب لها نظم التفكير التقليدية حسابا بتغليبها مصلحة فئة على أخرى. إن دور الدولة بهذا المنظور يبدو منصبا نحو تعزيز الرباط الاجتماعي Le lien social من خلال معالجة المسائل الاجتماعية معالجة تضع في الحسبان كل المصالح الفئوية في جدلية إيجابية.

إنّ الحديث عن أدوار متعاظمة للمجتمع المدني يعني أنّ الدولة سحبت يدها من بعض الحقول و أوكلتها إلى الهيئات غير الحكومية لضمان انخراط واسع في العمليّة التنمويّة و هي برأينا عمليّة تتضمّن أبعادا حضاريّة و تربويّة مهمّة تؤسّس لمجتمع فاعل يتحلّى أفراده بالمبادرة و ينبذون سلوك التواكل. إنّ العلاقة بين المجتمع و الدولة تشابه إلى حدّ بعيد نموذج علاقة الأب بالابن، فبقدر ما تسمح التربية للطفل بأن يبني استقلاله الذاتي و أن يتعوّد المبادرة الشخصية، و أن لا يتلقّى كلّ ما ينبغي عليه عمله من الوالدين ، يستطيع أن يتحوّل إلى راشد و أن يسيّر نفسه بنفسه 10، وهذا ما اقتنعت به النخبة التونسية الحديثة و عملت على تطبيقه في محيط عالميّ متغيّر ملتجّ.

**********************

الهوامش

1

1 انظر: محمّد كرّو : المثقّفون و المجتمع المدني بتونس، مجلّة المستقبل العربي، العدد 104، أكتوبر 1987،ص50.

2CAMAU (Michel) :" Tarajji ya dawla" ou la force et l'espérance, propos sur le désengagement de l'Etat en Tunisie, Bulletin de C.E.D.E.J, N°23, 17éme année, 1988, pp81-102.

3نظر: علي الكنز : من الإعجاب بالدولة إلى اكتشاف الممارسة الاجتماعية، مقال منشور ضمن " المجتمع المدني ودوره في تحقيق الديمقراطية" مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، سبتمبر 1992، ص ص 203-215.

4عبد الباقي الهرماسي : المجتمع المدني و الدولة في الممارسة السياسية الغربية(من القرن التاسع عشر إلى اليوم: دراسة مقارنة)، مقال منشور ضمن " المجتمع المدني ودوره في تحقيق الديمقراطية" مرجع مذكور،ص 97.

5TOCQUEVILLE, Alexis de : De la démocratie en Amérique, tome 2.

6كريم أبو حلاوة : إعادة الاعتبار لمفهوم المجتمع المدني، مجلّة عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب، الكويت، المجلّد 27، العدد3، جانفي/مارس 1999،ص11

• 7HAMDI (Ali) : Mondialisation et rapports sociaux : Essai pour un nouveau jeu social, Revue : Etudes internationales, n°72, Mars 1999 pp 71-84.

8علي حمدي : في التضامن الوطني: قراءة في الإعلان الوطني حول التشغيل أو الوفاق الوطني لمجابهة تحديات العولمة ( مقال في جزءين) جريدة الشعب العددان: 9 جانفي/ 16 جانفي، 1990- تونس.

9ROSANVALLON (Pierre) et Patrick Viveret : Pour une nouvelle culture politique,Paris, Seuil,1977.

10برهان غليون (حوار مع): عن المجتمع المدني و النخبة اليوم، مجلّة حقائق، عدد 239 ،16 مارس 1990 ،ص 24.

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
أزمة المجتمع المدني أبو ذر الفاضلي كتب علم الاجتماع المصورة 4 19-03-2011 12:55 AM
المجتمع المدني هوية الاختلاف أبو ذر الفاضلي كتب القانون بصيغ أخرى 1 18-02-2011 09:04 PM
المجتمع المدني في تونس: ثمرة وفاق وطني إبراهيم براهيمي كتب العلوم الاجتماعية المتفرقة بصيغ أخرى 2 23-01-2011 03:59 PM
المجتمع المدني والديمقراطية إبراهيم براهيمي الكتب الفكرية بصيغ أخرى 5 06-08-2010 10:11 PM


الساعة الآن »01:29 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd