إنّ تنامي عدد الجمعيات بتونس الذي قفز من أقلّ من ألفيْ جمعيّة سنة 1988 ليصل حاليّا إلى ما يناهز 8600 جمعية أهلية تنشط في مختلف المجالات الثقافية و الرياضية والعلمية والاجتماعية و الاقتصادية و الإنسانية يعتبر مؤشّرا مهمّا على ديناميكيّة المجتمع المدني بتونس حاليّا، ذلك أنّ الجمعيات هي أفضل مدرسة للمواطنة و خير إطار لتطوير الحسّ المدني الذي يعتبر إحدى ركائز التقدّم، و التاريخ يحدّثنا بإعجاب عن مجتمعات كان للجمعيات المبثوثة في كلّ مناحي الحياة فيها دور في تقدّمها و إشعاعها، فالدراسة العينية التي أنجزها المفكّر و رجل السياسة الفرنسي " ألكسيس دي توكفيل " بأمريكا خلال النصف الأوّل من القرن التاسع عشر تتحدّث عن فنّ إنشاء الجمعيات في هذا المجتمع منوّهة بقدرة هذه التجمّعات الطوعية على توفير طاقات عمل كبرى ، يقول توكفيل :" إنّ الأمريكان من جميع الأعمار، ومن جميع المنازل و من مشارب مختلفة نجدهم يكوّنون الجمعيّات. ليس لهم جمعيات اقتصادية و صناعية فقط حيث الكلّ يشارك فيها، و لكن لهم أيضا أنواع أخرى كثيرة.....يتعلّق الأمر بحقيقة واضحة: إنّهم يشكّلون الجمعيات باستمرار في كلّ مناحي حياتهم، و في كلّ مجال.....لقد أُعجبت دائما بهذا التفنّن اللاّنهائي الذي يجعل الأمريكان يضعون أهدافا واحدة ويحقّقونها بجهد عدد كبير من البشر يتعاضدون بكلّ حرّية لها..." 5.
لقد بدا توكفيل متحمّسا للجمعيات التي رأى فيها قادرة على المساهمة في الرّقي الحضاريّ، و هي إحدى تجلّيات خيار مجتمعيّ يطلق العنان للمبادرات الفرديّة و الجماعيّة غير الرسمية. و في تونس بدت بوادر حركيّة المجتمع المدني واعدة و مؤذنة بمزيد التمرّس بالعمل الطوعي و التشبّع بقيم المبادرة و تحمّل المسؤولية، و ما كان لهذا المسار من الدربة على التشبّع بقيم المجتمع المدني أن ينجح و يترسّخ لو لا تلك النصوص التشريعية و الوسائط المحفّزة على ولوج ميدان العمل الجمعياتي ، ففي 2/8/1992 أُدخِلت تعديلات على قانون الجمعيات حُذف بمقتضاها الترخيص الخاصّ ببعث الجمعيات ليعوّضه التصريح، كما أُحدِث مركز الإعلام و التكوين و الدراسات و التوثيق حول الجمعيات " إفادة " في 5/4/2000 لدعم العمل الجمعياتي و تأمين التكوين اللاّزم للمقبلين على العمل التطوّعي، هذا بالإضافة إلى تشجيع الخرّجين على العمل بالجمعيات مع تأمين المنحة المناسبة لهم و التي يتحمّل صندوق التشغيل 21/21 نسبة 50 % منها تشجيعا على الانخراط في العمل المدني و مساهمةً في حلّ مشاكل التشغيل.
أمّا و قد قبلنا ذلك التعريف الإجرائي الذي يرى في المجتمع المدني "جملة من المؤسّسات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال نسبي عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعدّدة" 6وانخرطنا في ذلك التحديد الذي يرى المجتمع المدني قائما على منظومة من القيم الأساسية كالعدالة الاجتماعية و الحرّية و حقّ الاختلاف و التسامح و التعاون و التكامل و التشاور... فإنّه يجوز طرح السؤال الآتي : كيف تبدو الأشكال الجديدة للعلاقات الاجتماعية في ظلّ المقاربة التنموية التونسية الحديثة ؟
II - الأبعاد الجديدة للعلاقات الاجتماعية بتونس:
لقد ألزمت التحوّلات التي حدثت في العقدين الأخيريْن من القرن العشرين النخب الفكرية في تونس ببذل مجهود نظري من اجل بناء مفاهيمي لمحددات المشروع التنموي ومرجعياته خاصة أمام ما تعيشه النظريات الكلاسيكية الكبرى من تراجع وتهاو(الإيديولوجية الاشتراكية) أو من تطرف و فوضى بتركيزها على الاقتصادي دون الاجتماعي (الإيديولوجية الليبرالية الجديدة).
إن البناء المفاهيمي الجديد المطروح على النخب التونسية يتنزل في إطار الواقع المتحرك باستمرار، هذا الواقع الذي يحتاج دوما إلى خلفية فكرية تقف وراءه وتسعى إلى فهمه من أجل تعامل أفضل معه، فالأفراد ينتجون باستمرار فهما عن الواقع انطلاقا من الوضعيات الاجتماعية و الاقتصادية و الفكرية التي يعيشونها، بهذا المعنى فإن مسار التغيّر يفضي بالتأكيد إلى أشكال جديدة من التعبير عن الواقع الجديد.
إنّ قراءةً في المشهد التنموي السوسيو-اقتصادي بتونس يمكّن من ملاحظة الاتجاه إلى استثمار القيم الاقتصادية للّيبرالية والقيم الاجتماعية للاشتراكية، بمعنى آخر تثمين العمل والمبادرة الحرة من جهة و تساوي حظوظ الانطلاق و الصعود في سلم المراتبية الاجتماعية، التضامن الوطني، العدالة الاجتماعية و المروءة الأخلاقية من جهة ثانية 7 .
و يندرج هذا الاتجاه في إطار فهم موضوعي للتركيبة الاجتماعية في تونس، و بالتالي هو يسعى إلى التّسامي عن ذلك الفصل الإيديولوجي الكلاسيكي الذي عرف عن الأنساق النظرية الكبرى المهيمنة، فالأنشطة الاقتصادية الجديدة تنتظم في إطار مؤِسسات صغرى متنوّعة تعمل وفق أشكال جديدة من التعاون ( الشراكة، العمل بالمناولة...)، وهو ما أفضى إلى فقدان الرؤية الواضحة للطبقة، هذا الفقدان الذي يعود بالأساس إلى تغيّر الوضعيات الشغليّة و ظروف الإجارة، إلى تنوع المصالح الفئوية و إلى التطوّر الكبير للأنشطة الخدماتيّة و هي ظواهر رافقت مسار الانخراط في العولمة و تخفيف الحواجز الجمركية و فتح أسواق رأس المال و الخدمات بين الدول....
لقد أدّت التطورات المتشابكة بمفعول العولمة إلى تغيير الرسم النموذجي للمكانات في المجتمع ، فكما ألغيت القطبية على الصعيد العالمي مع نهاية الحرب الباردة و تهاوي الأنظمة الاشتراكية فإن الاستقطاب الكلاسيكي المعروف ( بروليتاريا/بورجوازية) بدأ بدوره يتهاوى ليشجع على تطور مشهد اجتماعي جديد تميّز بدخول الفئات المتوسطة و البورجوازية الصغرى حقل اللعبة الاجتماعية، هذه الفئات الجديدة ذات مصالح فئوية خصوصية وهو ما أدّى إلى غموض اجتماعي إذ فقدت الصراعات الاجتماعية مركزيتها الأساسية، و تأسيسا على ذلك اتّجهت الرؤية التونسية إلى طرح مسائل التنمية و التشغيل من زاوية مخالفة للمنظور التقليدي المبني على المصالح المتضاربة بين الفاعلين الاجتماعيين، وفي هذا الإطار يتنزّل الإعلان الوطني حول التشغيل المنبثق عن الندوة الوطنية حول التشغيل التي نظمتها وزارة التكوين المهني و التشغيل أيام 11،12و13 جويلية 1998، ففي هذا الإعلان وقع الإجماع على تبني خيار جديد يتحول بمختلف الفاعلين في الحقلين الاقتصادي والاجتماعي من وضعية التقابل "وجها لوجه" وهي وضعية صراعية إلى وضعية جديدة وهي وضعية العمل "جنبا إلى جنب" (وضعية تعاون)، فالمشغّلون (أصحاب المؤسسات ) يعترفون بالوظيفة الاجتماعية للمؤسسة و ذلك من خلال العناية بالمستويين المادي و المهني للعمال، و العمّال بدورهــــم يضعون في الاعتبار الوظيفة الإنتاجية للمؤسسة من خلال التزامهم برفع الإنتاج و تحسين الإنتاجية .
من هذا المنطلق يمكن القول إن المقاربة التي تضمّنها الإعلان الوطني حول التشغيل قد تجاوزت " نظرية الألعاب " La théorie des Jeux المبنية على لعبة موازين القوى بين الفاعلين، بمعنى أن ما يربحه طرف يخسره الطرف الآخر و طرحتْ مفهوم الاعتراف المتبادل بالمصالح " La reconnaissance réciproque des intérêts بين مختلف الفاعلين.
إنّ سياسة الوفاق الاجتماعي و التضامن الوطني تهدف إلى تجاوز الاستراتيجيات التقليدية ذات الطبيعة الصراعيّة للفاعلين لتتبنّى إستراتيجية تقطع مع لعبة الأدوار التقليدية و تعمل على إدماج مختلف الفاعلين – ومن ضمنهم الدولة- في بوتقة يتوافق أفرادها و يتضامنون.
إنّ المصالح الفئوية هي بالتأكيد متباعدة لكنها ليست حتما متعارضة، من هنا فإنّ مسارا للتقريب بين هذه المصالح يبدو ممكنا و هذا يفترض تدخّلا من الدولة طرفا فاعلا في هذا المسار من أجل المحافظة على التوازن الاجتماعي و الاقتصادي و الجهوي، فتعميم اقتصاد السّوق من جهة و تهاوي الأيديولوجيات الاجتماعية من جهة أخرى يعطي للدولة دورا جديدا وهو التوفيق بين القيم الاقتصادية للنظرية الليبرالية و القيم الاجتماعية للاشتراكية، فالدور الجديد للدولة في التجربة التونسية هو ضمان المقوّمات العامة لسياسة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية في مجالات البنية الأساسية و التشريع و الاستثمارات الاجتماعية إنّ هذا الدور ( أعني دور الدولة في الرؤية التونسية) لم يطرق وفق المفهومين التقليديين: "الإكثار من الدولة Etat ' Le plus d " (النمط الاشتراكي) أو "التقليل من الدولة Le moins d'Etat ( النمط الليبرالي) بل طرح وفق رؤية جديدة سمّاها البعض ب " تجويد دور الدولة" Le mieux d'Etat 8وهي رؤية تهدف إلى تشريك المجتمع المدني في مسؤولية الحفاظ على ما يفرزه النمو ا لاقتصادي من مكاسب اجتماعية، و يتم ذلك من خلال اضطلاع الدولة بوظيفتها المتمثلة في توفير الوسائط السياسية Les médiations politiques بين الاقتصادي و الاجتماعي، فالعولمة هي كلٌّ متشابك العناصر، متداخل الأجزاء و متفاعل الظواهر، تربك التنظيم المألوف للمجتمع ممّا يحمّل الدولة مسؤولية التدخل للقيام بدور الحارس الذي يعمل على مراعاة مختلف المصالح الفئوية و التقريب بينها.
إنّ المقاربة التونسية و مع اعترافها بالهيأة العامة التي يكون عليها اقتصاد السوق تفضّل التخطيط الإرادي و التعديلات السوسيو-اقتصادية النابعة عن المشاورات و الاتفاقات عن طريق مضاعفة الوسائط السياسية، هذا المفهوم الذي تناسته النظرية الليبرالية رغم إقراره كمبدأ أساسي في نظرية" هيجل" HEGEL للدّولة الليبرالية و المجتمع المدني، فالمجتمع المدني في نظرية HEGEL ليس الدولة و لكنّه لا يمكن أن يتمظهر إلا من خلالها، لأن الدولة هي نظام مصالحة بين الصراعات التي يمكن أن تحدث داخل المجتمع المدني، وهي الراعية للمصالح الجماعية، هذه الرؤية التي تتفق مع ما يذهب إليه أحد المفكرين المدافعين عن دولة الرفاه و نعني به " بيار روزنفلون" Pierre Rosanvallon 9 الذي يقترح إيجاد صيغة لمجتمع مدني مضمون من قبل الدولة و ذي قدرة كبيرة و متزايدة على الاستجابة للحاجات الاجتماعية عبر شبكات دعم متبادل عوضا عن التمسك الدائم بأحد القطبين: السوق أو الدولة.
هكذا تبدو توجهات المشروع المجتمعي التونسي متأسّسة على بداهة أنه لا يمكن ممارسة الحكم بصورة ناجعة إلا متى أخذنا في الاعتبار مختلف المصالح الفئوية التي لم تحسب لها نظم التفكير التقليدية حسابا بتغليبها مصلحة فئة على أخرى. إن دور الدولة بهذا المنظور يبدو منصبا نحو تعزيز الرباط الاجتماعي Le lien social من خلال معالجة المسائل الاجتماعية معالجة تضع في الحسبان كل المصالح الفئوية في جدلية إيجابية.
إنّ الحديث عن أدوار متعاظمة للمجتمع المدني يعني أنّ الدولة سحبت يدها من بعض الحقول و أوكلتها إلى الهيئات غير الحكومية لضمان انخراط واسع في العمليّة التنمويّة و هي برأينا عمليّة تتضمّن أبعادا حضاريّة و تربويّة مهمّة تؤسّس لمجتمع فاعل يتحلّى أفراده بالمبادرة و ينبذون سلوك التواكل. إنّ العلاقة بين المجتمع و الدولة تشابه إلى حدّ بعيد نموذج علاقة الأب بالابن، فبقدر ما تسمح التربية للطفل بأن يبني استقلاله الذاتي و أن يتعوّد المبادرة الشخصية، و أن لا يتلقّى كلّ ما ينبغي عليه عمله من الوالدين ، يستطيع أن يتحوّل إلى راشد و أن يسيّر نفسه بنفسه 10، وهذا ما اقتنعت به النخبة التونسية الحديثة و عملت على تطبيقه في محيط عالميّ متغيّر ملتجّ.
**********************
الهوامش
1
1 انظر: محمّد كرّو : المثقّفون و المجتمع المدني بتونس، مجلّة المستقبل العربي، العدد 104، أكتوبر 1987،ص50.
2CAMAU (Michel) :" Tarajji ya dawla" ou la force et l'espérance, propos sur le désengagement de l'Etat en Tunisie, Bulletin de C.E.D.E.J, N°23, 17éme année, 1988, pp81-102.
3نظر: علي الكنز : من الإعجاب بالدولة إلى اكتشاف الممارسة الاجتماعية، مقال منشور ضمن " المجتمع المدني ودوره في تحقيق الديمقراطية" مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، سبتمبر 1992، ص ص 203-215.
4عبد الباقي الهرماسي : المجتمع المدني و الدولة في الممارسة السياسية الغربية(من القرن التاسع عشر إلى اليوم: دراسة مقارنة)، مقال منشور ضمن " المجتمع المدني ودوره في تحقيق الديمقراطية" مرجع مذكور،ص 97.
5TOCQUEVILLE, Alexis de : De la démocratie en Amérique, tome 2.
6كريم أبو حلاوة : إعادة الاعتبار لمفهوم المجتمع المدني، مجلّة عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب، الكويت، المجلّد 27، العدد3، جانفي/مارس 1999،ص11
• 7HAMDI (Ali) : Mondialisation et rapports sociaux : Essai pour un nouveau jeu social, Revue : Etudes internationales, n°72, Mars 1999 pp 71-84.
8علي حمدي : في التضامن الوطني: قراءة في الإعلان الوطني حول التشغيل أو الوفاق الوطني لمجابهة تحديات العولمة ( مقال في جزءين) جريدة الشعب العددان: 9 جانفي/ 16 جانفي، 1990- تونس.
9ROSANVALLON (Pierre) et Patrick Viveret : Pour une nouvelle culture politique,Paris, Seuil,1977.
10برهان غليون (حوار مع): عن المجتمع المدني و النخبة اليوم، مجلّة حقائق، عدد 239 ،16 مارس 1990 ،ص 24.