المجتمع المدني في تونس:
ثمرة وفاق وطني
الدكتور عبد السلام دمّق
جامعـي، حقوقي، تونس
المجتمع المدني هو الإطار الذي تنظّم فيه علاقات الأفراد والجماعات في الدولة، على أساس الحرية، والديمقراطية . وهو حصانة الدولة، لما يوفره من فضاءات للنقاش، والحوار، وإبداء الرأي، واحترام الرأي الآخر. غايته الإصلاح، بما يكمل مجهود الدولة ويعزّز روح المواطنة.
والمجتمع المدني هو أحد أشكال تنظيم المجتمعات بما يحقق التعاون بين الأفراد والجماعات في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، بهدف حماية حقوق ومصالح مختلف الفئات والتوفيق بينها، وبما يضمن أعلى درجة من المساواة فيما بينها.
إن الحديث عن المجتمع المدني، يعني اعترافا بالفرد كمواطن، أي ككائن حقوقي قائم بذاته، ويعني كذلك اعترافا بالاختلاف في البرنامج، في الرأي، وفي الأطروحات، لكن جميع الأطراف يجتمع حب الوطن والذود عنه.
وقد ظهر مفهوم المجتمع المدني حديثا مع نشوء الدولة القومية L'Etat Nation ونمو الرأسمالية، وكان يسمّى "المجتمع البرجوازي".
وقد اكتسب مدلولات جديدة مع تطور الدولة الحديثة، وارتبط بإيديولوجيات توجهت نحو تقليص سيطرة الدولة على الاقتصاد والتشكيلات السياسية، والحركات الاجتماعية، والنقابات، والاتحادات النقابية، والمهنية.
وفعلا، وبعد انهيار المعسكر الشرقي وسقوط الاتحاد السوفياتي، صار للمفهوم "بعدٌ تنموي" من خلال منظمات الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، فأصبح المجتمع المدني هو المجال الذي يتيح إشراك أو تشريك المواطنين في "التنمية البشرية المستدامة" في إطار سياسة اقتصاد السوق.
إن لقيام مجتمع مدني حر، تعددي، لا بد من وجود مجموعة من المنظمات، والمؤسسات والهيئات، التي تعمل في ميادين مختلفة بصفة مستقلة، مثل الأحزاب السياسية، والجمعيات بمختلف أهدافها، والنقابات التي تدافع عن مصالح أعضائها، والمنظمات التي تهتم بالدفاع عن الأفراد وعن قضايا معينة، والأندية الرياضية والترفيهية...
وتوفر كل مكونات المجتمع المدني قناة للمشاركة الاختيارية في المجال العام وفي المجال السياسي، وتعد أداة للمبادرة الفردية المعبرة عن الإرادة الحرة، والمشاركة الإيجابية النابعة من التطوع، قصد المساهمة في التحرير والتطوير والتحديث. كما أن تشكيلات المجتمع المدني لا تقوم على مبدأ الربح وذلك للحرص على استقلاليتها.
وقد اختلف الفقهاء، وشرّاح القانون ورجالات السياسة، حول تحديد مكوّنات المجتمع المدني، حيث يؤكّد البعض على المؤسسات الطوعية، في حين يبعد البعض الآخر الأحزاب السياسية، في حين يشدّد شق آخر على دور الأحزاب السياسية في المجتمع المدني، وشق رابع لا يبعد إلا الحزب الحاكم.
ونحن نؤكّد أن المجتمع المدني هو الأحزاب السياسية، الحاكمة أو المعارضة، والنقابات، والجمعيات، والمنظمات، والعمادات...
ومع تطوّر دور الدولة التي أصبحت "الدولة الراعية"، أصبحت كل مكوّنات المجتمع المدني، بما فيها المنظمات الاجتماعية توفّر خدمات أساسية للمواطنين، وتم التشديد على هذه الفكرة عبر مقولة أن حرية تشكيل منظمات مدنية هي صلب حقوق الإنسان (تدافع عن مصالح فئات، خاصة الفئات المنعدمة...) بحيث أن مكونات المجتمع المدني، يجب أن تمثل المصالح، وتحرص على إشراك وتشريك الجمهور في تنظيم نفسه، وفي الدفاع عن حقوقه، ورعاية احتياجاته الخاصة. هنا يجب التواصل، والتجديد، والتمثيلية، والتعبئة، وتوسيع النشاط...
والمجتمع المدني في تونس، هذا البلد العريق، له تقاليد جد متميزة ثمّنت، منذ القدم، دوره في تنشيط الساحة السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية... فمنذ وضع "دستور قرطاج" منذ ثلاثة آلاف سنة، - والذي أثمر آنذاك حياة سياسية متطورة (تكريس حقوق الإنسان، وجود ثنائية برلمانية، وجود ثنائية حزبية، وجود سلطة قضائية مستقلة...) - ، كانت توجد منظمات شعبية هي أقرب إلى منتديات ثقافية ومهنية، تبرز آراء مختلف الحساسيات الفكرية والفئات الاجتماعية، وتشارك في ممارسة السلطة من خلال الضغط على الهيئات المنتخبة.
كما عرف المجتمع التونسي العمل الجمعياتي كإطار للمساهمة في خدمة المنافع المشتركة، والمصلحة العامة، منذ قرون طويلة، سواء من خلال الجمعيات المائية التي عرفتها الواحات منذ القدم، أو الجمعيات الخيرية التي ظهرت بأشكال مختلفة في المرحلة العربية الإسلامية من تاريخ بلادنا، أو الجمعيات الثقافية التي بدأت تظهر منذ أواخر القرن التاسع عشر مع حركة الإصلاح.
كانت الحياة الجمعياتية منذ ظهورها في تونس متنوعة ونشيطة، ولم تكن في يوم من الأيام موالية للأجنبي، أو للغير، بل كانت أحد فضاءات المقاومة الثقافية، وحصنا من حصون هويتنا، ومدرسة لتربية المواطنين وخاصة الشباب، وتنشئته على حب الوطن والدفاع عنه، وزرع قيم الوطنية في كافة شرائح المجتمع التونسي، فكانت الجمعيات خير رافد للحركة الوطنية، وخير سند للمقاومة في تصديها للمستعمر.
وتواصلا مع المد الإصلاحي، وفرت تونس، منذ نهاية الثمانينات بنية قانونية متطورة للمجتمع المدني.
والمتأمل في هذه البنية، يلاحظ أنها وضعت في اتجاه التنظيم، والإصلاح، والمرونة حتى يتمكن المجتمع المدني من الاضطلاع بدوره في التحديث والتنوير.
فبخصوص الأحزاب السياسية، فقد جاء قانون 3 ماي 1988 لينظم الأحزاب السياسية، تكريسا لمبدأ التعددية السياسية في تونس... وهذا يحدث لأول مرة في تاريخ تونس. كما أعطى قانون 3 ماي 1988 حركية سياسية جديدة للمجتمع المدني، وفعّل دوره، فالحزب السياسي - كما عرّفه الفصل الأول من نفس القانون - هو تنظيم سياسي بين مواطنين تونسيين تربطهم بصفة مستمرة مبادئ، وآراء وأهداف سياسية يجتمعون حولها، وينشطون في نطاقها قصد المساهمة في تأطير المواطنين وتنظيم مساهمتهم في الحياة السياسية للبلاد.
هذا الدور الهام للأحزاب السياسية بوصفها مكوّنا من مكوّنات المجتمع المدني، تمّ الإصداع به صلب نص الدستور سنة 1997، فأصبحت مساهمة الأحزاب في تأطير المواطنين، لتنظيم مشاركتهم في الحياة السياسية، مبدأ دستوريا (الفصل 8 جديد لدستور 27 أكتوبر 1997).
كما أن حاجة تونس إلى التدرج نحو تعددية حزبية حديثة يجد فيها كل حزب مكانه، ليضطلع بدوره كعنصر من العناصر الفعالة في المجتمع المدني، أثمر إعلاء مبدأ التعددية إلى مرتبة الدستور، بموجب الإصلاح الدستوري في 1 جوان 2002.
ولدعم إسهام الأحزاب السياسية في التقدم بالمسار الديمقراطي التعددي، وفي تأطير المواطنين واستقطاب النخب والشباب، حتى تلعب دورا هاما في تنشيط مجتمع مدني، تعدّدي، حرّ، تم مؤخّرا، في فيفري 2006، الترفيع في الدعم المادي للأحزاب السياسية، وهو ما كرّسته تونس، منذ 3 ماي 1988 تاريخ صدور القانون الذي نظم الأحزاب السياسية تكريسا للتعددية السياسية في تونس، وهو نفس التاريخ الذي صدر فيه قانون يخوّل للأحزاب السياسية التمتع بامتيازات جبائية هامة. فمنذ سنة 1997 صدر قانون 21 جويلية 1997 لتمويل الأحزاب السياسية ودعم صحافتها من قبل الدولة، وقد تمُِّمَ هذا القانون بقانون 29 مارس 1999، ثم تُمِّمَ في سنة 2001 بقانون 23 جانفي 2001. كما تتمتع الأحزاب السياسية بمنح سنوية لدعم صحافتها بعنوان المساهمة في تغطية كلفة الورق وطباعة الجرائد والذي نظّمها، إضافة إلى قانون 29 مارس 1999 أمر 10 أفريل 1999 والمنقّح بأمر 20 نوفمبر 2000 وبأمر 22 جوان 2001. وبقراءة لهاته القوانين ولهاته الأوامر الترتيبية، نلاحظ أن الأحزاب السياسية تتمتع بنوعين من المنح : منح سنوية سميت بمنحة المساعدة على مصاريف التسيير، ومنح سنوية أخرى لدعم صحافة الأحزاب السياسية بعنوان المساهمة في تغطية كلفة الورق وطباعة الجرائد.
والملاحظ من خلال هذا التدرّج القانوني، وهاته التنقيحات والإصلاحات التشريعية، أن تونس حرصت منذ نهاية الثمانينات إلى يومنا هذا، على الترفيع في هاته المنح، لتمكين الأحزاب السياسية من المساهمة في بناء الدولة المتقدمة. وها هي اليوم تؤكد ذلك من خلال دعم الأحزاب المتواجدة على الساحة السياسية في بلادنا، وذلك بالترفيع في الدعم المادي لها. هذا الترفيع هو ضمان لنجاح المشهد التعددي في تونس، بما سيؤثر إيجابا على الحياة السياسية في السنوات المقبلة. وهو إجراء هام لتمكين المعارضة الديمقراطية خاصة، بوصفها إحدى مكونات المجتمع المدني، من الاضطلاع بدورها في تنشيط المشهد السياسي، وتطوير برامج عملها واستقطاب الشباب والمرأة، ومساندة مجهودات الدولة في حل عدة مشاغل.
هذه الحوافز، غايتها إذا مساندة مجهود الدولة من قبل كل مكونات المجتمع المدني، بما فيها الأحزاب السياسية، في الإصلاح، والتحديث، والتنوير. فرهانات المرحلة القادمة أهم، لما بلغه الشعب التونسي من تطور، ونضج سياسي، ووعي حزبي.
ولأن المجتمع المدني يجب أن يكون مستقلا، ولأن الأحزاب السياسية هي من مكونات المجتمع المدني، فإنه لا يجوز للحزب السياسي، مهما كانت مكانته، أن يتلقى من جهة أجنبية أو من أجانب موجودين بتونس بصفة مباشرة أو غير مباشرة إعانات مادية مهما كان عنوانها أو شكلها. وهو ملزم كذلك أن يكون في كل وقت قادرا على إثبات مصدر موارده المالية. (الفصل 16 من القانون الأساسي للأحزاب السياسية المؤرخ في 3 ماي 1988). وهذا هام، وهذا ضمان لاستقلالية إحدى مكوّنات المجتمع المدني، أي الأحزاب السياسية، حتى تساهم في التحديث، والإصلاح.
وبالنسبة للجمعيات، فقد ضمن دستور الجمهورية التونسية في فصله الثامن حرية تأسيسها، وترك ضبط تنظيمها وممارستها للقانون، تحديدا لقانون 7 نوفمبر 1959. هذا القانون الذي تعددت حوله الاجتهادات والتأويلات، فوصفه البعض بأنه غير دستوري، ومخالفا للدستور، تحديدا في فصله الرابع (4)، الذي ينص على أنه : "لا يمكن لأي جمعية أن تتكوّن إلا بعد تأشيرة قانونها الأساسي من طرف كاتب الدولة للداخلية. إن عدم الجواب من طرف الإدارة في بحر أربعة أشهر ابتداء من يوم إيداع الأوراق المطلوبة، يعتبر رفضا منها.
ولكاتب الدولة للداخلية الحق المطلق في منح التأشيرة أو رفضها".
وأمام هذا الجدل القانوني والسياسي، والتأويلات الفقهية، والأحكام القضائية المختلفة، تدخّل المشرّع التونسي لمزيد تفعيل دور المجتمع المدني في اتجاه الإصلاح والتحديث، فجاء القانون المؤرخ في 2 أوت 1988 المكمل والمعدل لقانون 7 نوفمبر 1959، لييسّر إجراءات قيام الجمعيات، حيث استبدل نظام الترخيص المسبق بنظام التصريح. وأصبحت تعتبر الجمعية مكونة بصفة قانونية بعد انقضاء 3 أشهر من تاريخ تقديم التصريح، وتسلم وصل في ذلك.
ويكون تعليق نشاط الجمعية من اختصاص وزير الداخلية يمارسه في حالة التأكد القصوى ولتفادي الإخلال بالنظام العام، ويكون بقرار معلل، ولا يتجاوز التعليق 15 يوما. وبانقضاء هذا الأجل، وفي صورة عدم المطالبة قضائيا بحل الجمعية، فإن هذه الأخيرة تسترجع جميع حقوقها إلا إذا وقع التمديد في ذلك الأجل لمدة لا تتجاوز بأي حال 15 يوما، بقرار يصدر عن رئيس المحكمة الابتدائية المختصة ترابيا بناء على مطلب صادر عن وزير الداخلية.
وفي 2 أفريل 1992، تم تنقيح قانون الجمعيات بإضافة أحكام أخرى تستهدف تحقيق قدر أكبر من الممارسة الديمقراطية وتشريك أكبر عدد من المواطنين في النشاط الجمعياتي، كما تستهدف تحييد الجمعيات ذات الصبغة العامة عن العمل الحزبي، حتى تؤدّي مهامها الاجتماعية بأدنى قدر ممكن من التوظيف السياسي.
إن تونس تعيش فترة البناء الديمقراطي، الذي وصل إلى مرحلة جد متقدمة. وقد اعْتَبَرْتُ الديمقراطية في تونس في كل كتاباتي، بأنها "ديمقراطية طموحة" " Une démocratie ambitieuse "، وهي بحاجة إلى كل مكوّنات المجتمع المدني لبناء هذه الديمقراطية.
إن ديمقراطية أي مجتمع تتوقف على مدى وجود مجتمع مدني حر، تعددي، ومستقل، فهو أصدق مقياس لحقيقة الديمقراطية. فالمجتمع المدني ليس إضعافا للدولة، كما قد نفهم أو نتوهّم، وإنما هو حاجة ماسة لمساعدة مجهودات الدولة، ولذلك فالدولة المعاصرة إذا لم يكن بجانبها مجتمع مدني حرّ، تعددي، مستقل، فإنها يجب أن توجده لإيمانها بحيويته.
لقد أصبحت نظرة الدولة للمجتمع المدني، نظرة أكثر عمقا، وأكثر براقماتية، وفي تونس هو ثمرة وفاق وطني.
لذا، فإن علاقة المجتمع المدني بالدولة في تونس، هي علاقة تعاون، وليست علاقة تنافر واستبعاد، العلاقة هي أن الدولة والمجتمع المدني ركيزتان أساسيتان للمواطنة :
الدولة : تؤمّن فصل السلط، تكرّس التعددية، تضع دستور يحمي الحريات، تضمن حرية الرأي...
المجتمع المدني : متكون من أحزاب، نقابات، حركات اجتماعية، جمعيات، كل هذه التنظيمات تسند حرية المواطن في التنظيم، والدفاع عن مصالح، وفي الرؤى، والاعتمادات، وهو مدخل لتكريس الديمقراطية كتجسيد لتعددية المصالح، والرؤى في المجتمع، الغاية هو توفير بدائل، وخيارات، وأفكار لغاية الإصلاح....
فدور الأحزاب، والجمعيات، والمنظمات، والهيئات، والمؤسسات، يكمن في معاضدة مجهود الدولة لإيجاد حلول إضافية، وتوفير الخيارات لمسائل عالقة، ومشاكل حياتية هامة، والناتجة إما عن إعادة برمجة الأولويات الوطنية، أو عن تنامي الخوصصة، فضلا على أن جمعيات الألفية الثالثة تتوجه إلى أدوار أساسية أخرى كالدور الاقتصادي ذو البعد التنموي.
...................................يتبع