روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-12-2009, 06:52 PM   #1
نورة عبدو
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 8
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

Arrow نظرية الانزياح من شجاعة العربية الى الوظيفة الشعرية

نظرية الانزياح: من شجاعة العربية إلى الوظيفة الشعرية
ملخص الدراسة :
تتناول هذه الدراسة ظاهرة الانزياح , كمعيار اتخذه بعض النقاد لتمييز اللغة الشعرية عن اللغة النثرية واللغة التواصلية, عندما تراجع المعيار الكلاسيكي ( الوزن والقافية ) , وتقدمت بدله خصائص أخرى يتكئ عليها الخطاب للتأكيد على شعريته . وإذا كان مصطلح الانزياح حديث النشأة فالظاهرة التي يدل عليها ليست بجديدة , فالانزياح لصيق بكل الخطابات المجازية بما فيها الخطاب القرآني , وقد اهتمت الشعرية العربية القديمة بخصوصيات هذه الظاهرة وإن عبرت عنها بمصطلحات أخرى تابعة للسياق الثقافي العام السائد آنذاك , مثل العدول والالتفات وشجاعة العربية ...إلخ. تحاول هذه الدراسة الإحاطة بجذور المصطلح في الثرات العربي , وتطوراته في الشعرية الغربية الحديثة , لتؤكد على المثاقفة الحاصلة بين الماضي النقدي العربي و الحاضر النقدي عند (الآخر) .
لقد ميز الدرس الغوي ومنذ دوسو سير Ferdinand de Saussure يبين اللغة والكلام langue/ parole إذ الأولى جماعية, والثاني فردي, والأولى عبارة عن قواعد من الوحدات اللغوية والتراكيب أي إنتاج " يسجله الفردانفعاليا" (1) وهي في ذلك شبيهة بمخزن, بينما الثاني " فعل ذاتي يتوفر على الإرادة والذكاء"(2) وهو بذلك معرض دائم للتغيير.هكذا إذن تقوم اللغة كذاكرة ( وهي متسلطة وقاهرة) في مقابل الكلام كنشاط ( يتوفر دائما على فعالية الإبداع ويخلق لنفسه حرية ما ). ولعلنا نجد التمييز نفسه مع شومسكي N. chomesky في النحو التحويلي , إذ نلتقي بمصطلحين آخرين هما الكفاءة والأداء Competence / performance, والأولى مشتركة متشابهة والثاني فردي متمايز. وقد كان شومسكي يعول إلى حد كبير على " القوة الإبداعية Creativity أو القدرة غير المحدودة open-endednss للغة الإنسانية ويرى أن النظرية النحوية لا بد أن تعكس قدرة جميع المتكلمين بلغة ما على التحكم في إنتاج وفهم جمل لم يسمعوا بها فقط" (3), ويتحقق ذلك عبر أنواع التحويلات المختلفة التي ينشئها المتكلم بلغة ما.
وتتعدد المصطلحات المعبرة عن ثنائية دوسو سبير و شومسكي, وتختلف باختلاف المنطلقات المنهجية للباحثين, فنجد غوستاف غيوم G.Guillaume, يستعمل مصطلحي اللغة / الخطاب Langue / discours ويستعمل ل. هالمسليف مصطلحي الجهاز/ النص /Systéme / texte بينما يستعمل رومان جاكبسون R.Jakobson مصطلحي النمط/ الرسالة Code/ message (4)
إذا تجاوزنا وصف اللغة كنظام عام يحكمه خيط التواطؤ والاتفاق إلى وصفها كنظام لتواصل آخر ( أو لا تواصل بالمفهوم الجمالي!) هو التواصل الأدبي نلتقي بثنائية أخرى قياسا إلى الثنائيات السابقة مع تعدد التسميات التي تشكل طرفي هذه الثنائية: اللغة/ الأسلوب, القاعدة / الشذوذ ( المعيار/ الإنزياح , وتلتقي هذه التسميات حول فرضية تخص لغة الأدب " وهذه الفرضية تطرح عادة تحت مصطلح عام هوالانحراف Ecart" (5), وتذهب إلى اعتبار اللغة الأدبية لغة خارجة عن القانون, منزاحة عن العرف, رافضة للسلطة, والنص الأدبي بذاك هو الابن العاق للمرجع اللغوي, أو ذاك " الفوضوي" الهارب من حراس حدود اللغة المبشر بجزيرة نحوية أخرى, فيتأسس تبعا لهذا " كحرية تكتسب ضد القيود المؤسساتية, و كاستقلال عن الأعراف اللغوية المتداولة"(6) وسنبدأ الآن بتعميق السؤال حول ذلك الاستقلال – الانزياح: كيف يتموضع هذا المصطلح ( الانزياح ) في الشعريات؟ ماهي أشكال العلائق التي تربطه بالمرجع؟ وهل ثمة سلطوية له مع ( أو على ) السلطة؟ والأهم في هذا كيف يحرر الشاعر الكلام – بواسطة الانزياح – من استبدادية المرجع اللغوي وينتقل به إلى حركية الإبداع؟ وقبل كل هذا كيف نضبط مفهوما دقيقا للانزياح؟
الانزياح مصطلحا ومفهوما:
الانزياح لغة: مصدر للفعل نزح " نزح الشئ ينزح, نزحا ونزوحا: بعد.و شيءنزح ونزوح: نازح, أنشد ثعلب:
إن المذلة منزل نزح عن دار قومك, فاتركي شتمي
ونزحت الدار فهي تنزح نزوحا إذا بعدت. وقوم منازيح, ... وبلد نازح, ووصل نازح بعيد...وقد نزح بفلان إذا بعد عن دياره غيبة بعيدة؟ وأنشد الأصميعي:
ومن ينزح به لا بد يوما يجيء به نعي أو بشير"(7)
ولا يختلف المعجم الوسيط, ولا القاموس المحيط عن " لسان العرب" في تأكيدهم على دلالة البعد " عند التعرض للفعل نزح الذي هو من عائلة " انزياح".
إذا ذهبنا إلى القاموس الموسوعي لاروس "Dixionnaire encyclopidique larousse "وبحثنا في مادة " Ecart" سنجد دقة أكبر في تحديد المصطلح, إذ أن الانزياح هو حركة عدول عن الطريق أوخط المسير. وإحداث الانزياح هو وضع مسافة, فاصل, اختلاف..."(8) هذا لغويا أما أدبيا فالإنزياح بالنسبة لقاموس لاروس هو " فعل الكلام الذي يبتعد عن القاعدة"(9) (Acte de parole qui s 'ecarte de la norme"
[1]لعلنا نلاحظ أن مختلف هذه المعاجم تركز على مسألة " الابتعاد عن ..." وهو الأمر الذي يجمع بين مختلف الإتجاهات النقدية التي اهتمت بهذا المفهوم , في اقترابها من " الشعري " في الخطابات , وسنجد في الشعرية الغربية الكثير من المصطلحات التي تقابل مصطلح الانزياح إذ نجده عند جون كوهين يتكرر بصيغتي " الانحراف " أو " الانتهاك " " ecart " أو " DEVIATION " وهو عند رولان بارث " LE SCaNDALE " أي الشناعة وهو عند تودروف "T.TOdORV " LA VIOLATIONdes normes " أي خرق السنن بينما يستعمل ميكائيل ريفاتير "M. REFFATERRE " عبارة " العدول عن النمط " (10) وقد أشار جون مولينو"Jean Molino"و ج.طامين"J. tamine" في كتابيهما "مدخل إلى تحليل الشعر" إلى كثير من المصطلحات التي عدت من عائلة "الانزياح" يقولان:
Enumerons quelques uns des termes qu ont été proposés pour decrire la poésie :ecart,deviation ,impertinence,etrangeté,anormalie,innovation, creativite
فكل هذه المصطلحات : الابتعاد ,الانحراف ,الانتهاك , الغرابة , اللامألوف , التجديد, الإبداع (11) تشكل عائلة لمصطلح الانزياح , وهي كما نرى مصطلحات خواص اقترحت لتمييز لغة الشعر , ونجد أنفسنا نميل إلى استعمال مصطلح "الانزياح " ذلك أن معظم المصطلحات السابقة الذكر تحمل طابعا أخلاقيا (12) وسلطويا مما يجعلها تبتعد عن طبيعة الحقل الأدبي – النقدي , وتبقى بذلك صالحة فقط لممارسة السلطة الأخلاقية – الاجتماعية .
أثناء الانتقال من تحديد مصطلح الانزياح – في تداخلاته المختلفة مع مصطلحات أخرى وإيحائه بدلالة الخروج عن العادة– إلى تقصي دلالته في التنظير التقدي , نجد أن هناك مفهوما عاما ينتظم مختلف الدراسات التي تناولت مسألة الانزياح مؤداه أن هذا الأخير هو انحراف الكلام عن النظام العادي والابتعاد عن السنن التي يجري و فقها الاستعمال اليومي للغة (13) فإذا كنا في خطابتنا الجارية ذات الوظيفة التواصلية المحدودة نستعمل الدوال بمدلولاتها المتعارف عليها خاضعين لسلطة المرجع , كما يضيق بنا حيز الاختيارات التركيبية , فالذي يحدث في الخطاب الشعري والأدبي بصفة عامة هو فتح باب الحرية " الانتقائية " أمام المرسل , وبهذا لا تتهدم فقط العلاقة الآلية القائمة سلفا بين الإشارة اللغوية ومفهومها بل تنتهك أيضا " مثالية " بنية المتوالية لذا نصادف في الواقع مستويين من التشكيل اللغوي :
- المستوى العادي : ويتجلى في هيمنة الوظيفة الابلاغية على أساليب الخطاب .
* المستوى الإبداعي: وهو الذي "يخترق المستوى المألوف للغة , وينتهك صيغ الأساليب الجاهزة , ويهدف من خلال ذلك إلى شحن الخطاب بطاقات أسلوبية وجمالية تحدث تأثيرا خاصا في المتلقي" (14) وعند ما نتحدث عن المستوى الأول فهو يتضمن طبعا اللغة التواصلية سواء تلك التي نستعملها في خطاباتنا اليومية أو العلمية, بينما نعني بالمستوى الثاني اللغة الشعرية, ولهذا يشخص كوهين الأسلوب " بخط مستقيم يمثل طرفاه قطبين , قطب النثر الخالي من الانزياح, وقطب الشعر الذي يصل فيه الانزياح إلى أقصى درجة, وتقع القصيدة قرب الطرف الأقصى, كما تقع لغة العلماء قرب الطرف الأدنى, ولا ينعدم الانزياح فيها ولكنه يقرب من الصفر" (15) ففي مقابل اللغة الطبيعية التي تتسم بالمنطقية وتهدف إلى توصيل دلالة بعينها, تقوم لغة أخرى تتسم بالإيحائية وتهدف إلى الإثارة, حيث يحتمل للدال مدلولات شتى مما يلغي الحالة الحيادية للغة, يقول بيارغيرود"Pierre Guiraud " :" نظريا تتطلب فعالية التوصيل أن يقابل كل مدلول دالا , ودالا واحدا , وبالعكس أن لا يعبر عن كل مدلول إلا بدال واحد, هذه هي حالة اللغات العلمية, إن أنظمة الإشارة بصفة عامة هي قوانين منطقية. تطبيقيا, ما أكثر الأنساق التي يحيل فيها الدال على مداليل متعددة, حيث يمكن أن يعبر عن كل مدلول بواسطة دوال شتى, وهذه هي حالة القوانين الشعرية التي يكون الاصطلاح فيها ضعيفا"(16).
وفعل التنويع الدلالي هذا الذي يتشكل عبره نسق تعبيري غير مألوف, هو شكل متعمد من قبل منشئ الخطاب, بل طموحه الدؤوب في تحرير العلامة اللغوية من قيود العرف والتواطؤ الاجتماعيين, ولذا ازداد الاهتمام بمسألة الانزياح, حتى اعتبرته بعض الشعريات" المعيار الأكثر حزما في تحديد السمات الشعرية لنص ما , فلكي نصف لغة الشعر في حركيتها , لدينا مفهومان كبيران,يقول مولينو وطامين" يسمحان بجعل التحليلات أكثر تلاحما: مفهوم الانزياح, ومفهوم التكرار, وهما مفهومان يعودان إلى البلاغة وإلى الشعرية"(17). ومثل هذا القول يأتي كما لو كان ردا على الكثير من الآراء التي اعتقدت بفقدان معيار حازم للتعرف على أدبية النص, ولعل مثل هذا الارتباك في تحديد الأدبي ظهر خاصة منذ الشكلية الروسية ا لتي أعادت التساؤل حول طبيعة الأدب , أي منذ أن صرح رومان جاكبسون قائلا: " إن موضوع علم الأدب ليس الأدب, لكن " الأدبية" أي ما يجعل من أثر مقدم أثرا أدبيا" (18)
عندما ننتقل من الأدب بصفة عامة إلى الشعر بصفة خاصة نجد أن المعيار الكلاسيكي " الوزن" لم يعد معيارا فعالا في تحديد الشعر بعد ظهور الأشكال الجديدة وتراجع الشكل التقليدي, فكانت النتيجة التقليل من الاهتمام بالجانب " النظمي" والتفكير أكثر باللغة الشعرية التي يعتبر " الانزياح" جوهرها وأحد أعمدتها الأساسية, ولقد تحدثنا – حتى الآن- عن المفهوم العام للانزياح وارتباطه باللغة الشعرية, وهو مفهوم يركز كما أشرنا على الخروج عن المألوف , غير أن هناك خصوصيات كثيرة لهذه المصطلح, ارتأينا أن نستعرضها حسب الاتجاهات النقدية التي ركزت على جانب الانزياح أثناء دراستها للخطاب الشعري بدءا بالبلاغة والنقد العربييين القديمين, وانتقالا إلى البنيوية الغربية ووصولا إلى الأسلوبية , وهو الأمر الذي يسمح لنا بإعادة قراءة بعض مقولات الفكر العربي القديم التي فارقت تاريخها بشكل خلاق لتنسجم ومقولات الراهن النقدي .
الانزياح في الدراسات النقدية:
الانزياح عند العرب القدامى:
نصادف أثناء إعادة قراءتنا للتراث الفكري العربي القديم مصطلحات وجمل مثل " العدول" و " الالتفات" , " الضرورة الشعرية" , " شجاعة العربية", " إقدام العرب على الكلام"...الخ, وهي كما نلاحظ مصطلحات تنتمي إلى حقول معرفية مختلفة من علوم اللغة والبلاغة والنقد الأدبي, غير أنها تلتقي حول يعد مفهومي واحد هو الإقبال على الكلام بجرأة أو الإتيان بالجديد , المخالف للسابق , العادل عنه, وتؤكد بذلك انتباه العرب القدامى , النحويون منهم و البلاغيون و النقاد إلى وجود مستويين من الكلام , و اعترافهم للشعراء بأنهم , و كما ورد على لسان الخليل بن أحمد الفراهيدي " أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا , و جائز لهم مالا يجوز لغيرهم من اطلاق المعني و تفيده , و مد مقصوره , و قصر ممدوده , و الجمع بين لغاته و التفريق بين صفاته , و استخراج ما كلت الألسن عن وصفه و نعته , و الأذهان عن فهمه و إيضاحه فيقربون البعيد و يبعدون القريب , و يحتج بهم و لا يحتج عليهم "(19)
و نلمس في هذا النص لهجة التقدير للشعراء , فتجاوزهم لسلطة القاعدة لا يأتي فقط " كرخصة شعرية " تجوز لهم المحرم , بل يحدث أيضا لأن لهم القدرة على التصرف في الكلام و تغييره و الابتكار فيه . و ستتخذ مسألة الرخصة هذه بعدا أكثر جدة في حديث الفارسي ثم تلميذه ابن جني , حيث أن " ارتكاب الضرورة أو ما عدا ذلك لا يكون بسبب الاضطرار دائما , كما أن اللجوء إليها لا يجب اعتباره من قبيل ما يعتذر عنه و ما يستدعي التأويل و التخريج لأنه قد يكون برضى الشاعر و عمده لحاجات خلاف ما يراه القائمون على القواعد التقليدية , و هو اعتراف بحق الشاعر في أن يكون له لغته الخاصة " (20)
و هي لغة يضطر الشاعر في ممارستها أحيانا ( و يقتصد أحيانا أخرى ) إلى التغيير في المتواضع عليه من التراكيب و المصطلح عليه من الدلالات , ذلك أن " اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني و جودتها و قصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها و ليس ذلك بالنظر إلى المفردات و إنما هو بالنظر إلى التراكيب ." (21) لقد أدرك القدامى إذن وجود مستويين للكلام , المستوى الأول الذي يتحدث به جميع الناس , و المستوى الثاني الذي هو مستوى فردي خاص , و انطلاقا من ذلك الإدراك بدأ البحث في هذا الخاص و علاقته بالمستوى الأول , فأعتبر التحرش باللغة اليومية بداية التأسيس " للأسلوب " الفردي , و شجاعة سماها ابن الأثير و ابن جني "شجاعة العربية " و شبه الشاعر الخارج عن الأنماط المألوفة بالفارس الذي يركب جوادا لا لجام له . يقول ابن جني في وصف هذا الشاعر : " .... مثله في ذلك عندي مثل مجري الجموح بلا لجام , و وارد الحرب الضروس حاسرا من غير احتشام , فهو وإن كان ملوما في عنفه و تهالكه , فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته " (22) و نفهم من هذا النص أن الشهادة للشاعر بالشهامة اللغوية تتجاوز لومه على تعنيف اللغة .
و قد أدى الاهتمام بإعجاز القرآن , و البحث في خصوصية ذلك الخطاب المنقطع معرفيا – لغويا عما كان سائدا, إلى تأكيد فكرة المستويين هذه و اعتبار مستوى الخطاب القرآني خارجا عن العرف , و ذلك الخروج هو ما يشكل بلاغته و من ثم إعجازه بالقياس إلى الكلام اليومي المتداول في المجتمع العربي , و لهذا يؤكد نصر حامد أبو زيد على أن " البحث في قضية الإعجاز ليس في حقيقته إلا بحثا عن السمات الخاصة للنص و التي تميزه عن النصوص الأخرى في الثقافة و تجعله يعلو عليها و يتفوق " (23) بخروجه عن " المعهود عن نظام جميع كلام العرب , و مباينته للمألوف من ترتيب خطابهم " (24) كما يقول الباقلاني الذي يقسم كلام العرب إلى خمسة أقسام : الشعر , الكلام الموزون غير المقفي , الكلام المسجع ,الكلام الموزون غير المسجع, و الكلام المرسل . و يرى أن الخطاب القرآني يمثل نمطا خاصا مفارقا لكل هذه الأنماط , و يشكل بالتالي مستوى كلاميا ثانيا أكثر إدهاشا و أكثر إثارة .
و قبل الباقلاني كان الفراء قد وقف في " معاني القرآن " وقفة نحوية دلالية متأملة في الأبنية المجازية التي تفرد بها الخطاب السماوي , بالإضافة إلى القضايا التي تخص النص القرآني من تقديم و تأخير و التفات , و مختلف الظواهر الصوتية المميزة له , كما تعمق الجاحظ في تذوق أسرار البلاغة في اللغة القرآنية , و هو الشيء نفسه الذي قام به ابن قتيبة في " النكت في إعجاز القرآن " و الجرجاني في " دلائل الإعجاز "...الخ . و مختلف هذه الدراسات تجمع على تفرد النص القرآني , و تعيد علة ذلك التفرد إلى عدول أسلوبه عن أساليب العرب مما يجعل الكلام في الآيات خارقا لواحدية البعد الدلالي قابلا لأكثر من قراءة .
ما يقال عن خروج الخطاب القرآني عن النظام الكلامي المعهود في المجتمع العربي يقال أيضا عن الخطاب الشعري , و إن اختلفت درجات ذلك الخروج و أشكاله , و سوف نلاحظ أن الخروج عن المألوف , أو الانزياح عن المستوى العادي , الذي يؤدي إلى جمالية لغوية غير معهودة يتعلق في الواقع بجوانب شتى , ويمس بذلك مختلف المقولات المرجعية التي يتأسس وفقها الخطاب سواء منها المقولات النحوية أو الصرفية أو المعجمية الدلالية التي تتظافر لتشكل " مثالية اللغة" في حيز الاستعمال العادي, والتي ينتهكها المرسل/ الشاعر, فتنتج ظواهر " لانحوية" لديها دلالاتها الأسلوبية – الجمالية.
ويعد " تطويع ونحت واشتقاق مفردات جيدة" (25) وابتداع أخرى غير مألوفة سواء من ناحية " تتابع الصوت أو من ناحية تكوينها أو تركيبها" (26) شكلا من أشكال الانزياح عن المعهود عند القدماء, كما أخذت – في هذا السياق- مسألة " التقديم والتأخير" حيزا واسعا من الاهتمام, وأكد القدماء على القيم الجمالية التي تنتج عن التغيير في مراتب الدوال في المتتالية. ومن المعروف أن اللغات تختلف اختلافا ملحوظا من جهة حريتها في ترتيب الكلمات, "ومن هذه الوجهة يفرق غالبا بين نوعين من اللغات: اللغات ذات الترتيب الحر, واللغات ذات الترتيب الثابت" (27) وتنتمي اللغة العربية إلى النوع الأول ويسمح الإعراب فيها بالحرية في الحركة وتغيير أماكن الأجزاء المشكلة للجملة, ويستعملها فندريس كمثال للتدليل على اللغات التي " لا يفرض فيها النحو أي نظام إجباري ولاتتأثر العلاقة المنطقية التي بين كلمات الجملة في شيء إذا غيرنا وضعها... تقول العربية ( يضرب زيد عمرا) أو (عمرا يضرب زيد) دون أن يؤدي ذلك إلى تردد في معرفة الفاعل والفعل والمفعول به لأن التحليل المنطقي لا يؤدي ذلك أي اختلاف (... ) غير أن هذه الأوضاع الثلاثة ليست على درجة واحدة من الجودة ...فالمسألة في كل حالة من الحالات مسألة حس أكثر منها مسألة مذهب نحوي , إذ أن هناك ترتيبا معتادا مبتذلا يطرق الذهن لأول وهلة, وهذا الترتيب يمكن مخالفته, ولكن مجرد المخالفة ينبئ عن غرض ما, ذلك الغرض هو إبراز كلمة من الكلمات لتوجيه التفات السامع إليها, وتلك مسألة أسلوبية يمكن تتبعها إلى أقصى وقائعها" (28)
ولم يغب هذا الأمر ( النحوي في أساسه, الجمالي في غايته) عن النحاة العرب القدامى, الذين تحدثوا بإسهاب عن " الرتبة المحفوظة" و " الرتبة غير المحفوظة" والمخالفة في الترتيب " بتقديم المفعول على الفعل, وتقديم الخبر على المبتدأ, وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء عن العامل... في الوقت الذي يفترض فيه جعل مرتبة العمدة قبل مرتبة الفضلة, ومرتبة المبتدأ قبل مرتبة الخبر..."(29) ومثل تلك المخالفة تشكل في غالب الأحيان الجملة الأكثر بلاغة.
وقد شكل انتهاك الحركات الإعرابية- كأن تنصب كلمة في سياق رفع, أو العكس- شكلا آخر من أشكال انحراف لغة الشعر عن الاستعمال اللغوي السائد ( أو المثالي) وجاز للشاعر بذلك عدم الامتثال التام لسلامة العبارة من الوجهة النحوية المحضة. يقول ابن جني متناولا المسألة من جانب البعد الموسيقي الخاص بلغة الشعر, متحدثا عن البيت الشعري " إذا تجادبه أمران زيغ الإعراب وقبح الزحاف... فإن الجفاة الفصحاء لا يحفلون بقبح الزحاف إذا أدى إلى صحة الإعراب... فإن كان ترك زيغ الإعراب يكسر البيت كسرا- لا يزاحفه زحافا- فإنه لا بد من ضعف زيغ الإعراب واحتمال ضرورته"(30)
ومن بين المقولات القديمة التي تحوي بين طياتها بذور فكرة الانزياح, مقولة " الالتفات" التي يعبر عنها بصيغ أخرى مثل " التوسع" , " الخروج على خلاف مقتضى الظاهر" , " المجاز" (31) فإذا كان النحاة يقولون بوجوب المطابقة بين الضمائر في العدد والنوع, والمطابقة في الزمن , فالبلاغيون يرون في تجاوز مثل تلك المطابقة انزياحا من شأنه أن يؤسس جمالية خاصة بالخطاب الأدبي, وإذا كان النحاة يقدمون نظاما زمنيا صارما عبر الفعل بكل أقسامه فالبلاغيون يجيزون الانتقال في الفعل من الماضي إلى المستقبل أو العكس كما أنهم يقبلون انتقال الخطاب من الشاهد إلى الغائب أو العكس, ويرون فيه" التفاتا" يكسر جمود الخطاب , وذهبوا إلى تقديم الغايات البلاغية من وراء هذه الحالات , كما نرى على سبيل المثال في تحليل ابن الأثير لسورة الفاتحة حيث يعدل النص السماوي من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين" (32) بعد الحمد لله رب العالمين , وهذا العدول في نظر ابن الأثير يهدف إلى تعظيم شأن المخاطب..."(33)
وسنورد فيما يأتي نصين يؤكدان على أن " الالتفات" في الكلام يتقنه فقط العارفون بالبلاغة والفصاحة, وفضلا عن ذلك فهو يخلص الكلام من تكراريته ويمنحه الطلاوة والحلاوة بتعبير القدماء, يقول السكاكي: " ... ويسمى هذا النقل التفاتا عند علماء المعاني , والعرب يستكثرون منه, ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب ادخل في القبول عند السامع, وأحسن تطرية لنشاطه" (34) , ويقول ابن الأثير" واعلم...أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة الذي اطلع على أسرارها"(35)
ركز القدماء إضافة إلى ما سبق على فكرة " صناعة الكلام" والتي نستشف من أحاديثهم حولها تركيزا على الجانب الفردي – المنزاح عن أشكال الآخرين- في استخدام الألفاظ, ولهذا كانت المعاني بالنسبة للشاعر عندهم " بمثابة المادة الموضوعة, والشعر فيها كان كالصورة كما يوجد في كل صناعة, مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة"(36)والشاعر المبدع هو الذي يخلق من المادة المتداولة بين جميع الناس نمطا تعبيريا خاصا ينسب إليه دون غيره, ويحدث ذلك عبر التشكيل الصوري الذي يمارسه الشاعر خارجا عن ا لنحو, مفسدا منطق الإسناد , مقدما بنيات " غير نحوية" فيريك " الجماد حيا ناطقا, والأعجم فصيحا, والأجسام الخرساء مبنية"(37), وعلى هذا الأساس يشكل " اللانحو" دائما العنصر الأكثر إثارة, بالنسبة لمتلقي الشعر, وكلما ابتعد الشاعر عن البنيات النحوية الجاهزة كلما انتقل بخطابه إلى دائرة الشعرية. لقد ذهب بعض النقاد إلى قياس درجة هذه الشعرية بمدى القدرة على الابتعاد عن المألوف, حتى قال ابن رشيق: " فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه, أو استظراف لفظ وابتداعه, أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ, أو صرف معنى عن وجه إلى وجه آخر, ...كان اسم الشاعر مجازا لا حقيقيا"(38).
ونستخلص مما سبق الإدراك القديم من قبل العرب لمسألة وجود مستويين للكلام: الأول عادي تراعى فيه مثالية اللغة, والثاني متجاوز له, خارج عن أنظمته, كما أنهم قدروا ذلك الخروج وبحثوا له دائما عن المسوغات الجمالية, حتى صار الشعر يقابل " التوليد" الابتداع " الزيادة", أو "النقصان" أي ( المخالفة) ثم " صرف المعنى" كما رأينا مع ابن رشيق, وقد أحاطوا من جهة أخرى بمختلف الجوانب التي ينزاح فيها كلام الشاعر عن الكلام العادي سواء كانت تركيبية نحوية أو دلالية, بل بحثوا في العلاقة بين هذه وتلك وعلاقة كل ذلك باللغة الشعرية. ويعتبر عمل الجرجاني في كتابيه " دلائل الإعجاز" و " أسرار البلاغة" بحثا في التمييز بين مستويات الكلام, تلك التي تبدأ بالكلام اليومي وتنتهي إلى الكلام الشعري والكلام المعجز.
هكذا نجد أن القدماء وإن لم يستعملوا مصطلح الانزياح أو الانحراف مثلما تستعمله الدراسات الحديثة, فقد تداولوا فيما بينهم الحديث عن الظاهرة ودلالاتها مستعملين مصطلحات أخرى تلائم السياق التاريخي والمعرفي الذي تولدت فيه دراساتهم تلك.
الانزياح في البلاغة الغربية القد يمة
عند ما نتزك مسا ئل العد و ل و الالتفات و الضرورات الشعرية عند العرب القدامي , وننتقل إلي الفكر الغربي , نجد الأمر لا يخلتف كثيرا. فما قدمته التيارات النقدية الحديثة حول اللغة الشعرية, سواء في ذلك الشكلية الروسية أو الأسلوبية أو النقد الجديد يتحرك في الواقع
داخل نموذج ثقافي موروث, و" لم يكن هناك نموذج أكثر تأثيرا من نموذج البلاغة" (39)ولهذا " لم يكن عبثا أن يظل علما البلاغة والبويطيقا في بداياتهما متحدين بصورة وثيقة , بل يمكن القول أن الصلة بينهما لم نتقطع أبدا" (40) فقد كان يعتقد أن اللغة الأدبية تتجسد في شكل أكثر ارتقاء, وكان يعتمد – لتحقيق ذلك الشكل- على الصور البلاغية لأنها تنتقل بالكلام من محور " الانضباط" إلى محور " التكسير" يقول فونتانيير " Fantaniller" " إن الصور تبتعد عن الطريقة البسيطة , عن الطريقة العادية, والشائعة في الكلام, بمعنى أنها يمكن أن يستبدل بها شيئا أكثر اعتيادا وأكثر شيوعا" (41) وتتمظهر هذه الصور في أشكال شتى, كالاستبدال, الاستعارات, الكنايات, وحتى الاستفهام والتعجب ... الخ"(42).
ويلخص خوسيه ماريا مظاهر تأثير البلاغة القديمة في مسألة اللغة الشعرية في دعامتين أساسيتين تتعلقان بالمفهوم الانحرافي للغة الشعرية , والدعامة الأولى تتمثل في كون البلاغة كانت تطرح على أنها فن تجميل الكلام " وتجميل الكلام الخاص بالبلاغة يتحدد في طرق تفصيل لباس لغوي جمالي ينظر إليه على أنه تعديل في اللغة النحوية" (43)مما يعني أن ميدان البحث البلاغي كان يهتم بالطرق الفنية التي تحقق للنص الشعري الخروج عن النحو وبالتالي الخصوصية والتميز اللذان يجنبان المتلقي السأم واللامبالاة كما يرى كوينتاليان.(44)
ولعل الدعامة الثانية مرتبطة بالأولى من حيث كون الاهتمام موجه نحو مقابلة اللغة " البلاغية"باللغة " القاعدة" واعتبار الأولى انحرافا إراديا عن القواعد اللغوية الصارمة, يمارسه مرسل الخطاب الشعري الجمالي متجاوزا به سلطة المعيار" (45)

الانزياح في الشعرية البنيوية:
تنطوي الشعرية البنيوية في الواقع على اتجاهين كبيرين, يرتكز كل منهما على النظريات اللسانية في تحليل الخطاب الشعري, على اعتبار أن الشعر – والأدب بصفة عامة- ظاهرة لغوية, وهذان الاتجاهان يمكن تصنيفهما " بالشعرية اللسانية" و " الشعرية اللسانية البلاغية" (46) وقد بحثا هذان التياران كثيرا في قضايا اللغة الشعرية, وفي مسألة الانزياح كمعيار لتخصيص الخطاب الأدبي, وفيما يلي نستعرض كل اتجاه على حدة, لنلاحظ عناصر التلاقي والتكامل بينهما قي تأسيس شعرية انزياحية.
الشعرية اللسانية: نقصد بها الشعرية التي اتخذت من معطيات اللسانيات الأسس النظرية لتطبيقاتها, معتبرة النص الأدبي عملا مغلقا ينفتح فقط على ذاته, , لذا يراعى في تحليله العلاقات الموجودة بين الدلائل دون الاهتمام بعلاقة النص كدليل بالخارج . ولعل أهم أعلام الشعرية اللسانية الباحث السوفياتي رومان جاكوبوسون والشكلانيون بصفة عامة حيث اهتمت هذه المدرسة بمسألة اللغة الشعرية التي رأى فيها أعضاء الجمعية " لغة خاصة تتصف بتشويه مقصود للغة العادية عن طريق العنف " المنظم" الذي يرتكب ضدها"(47)
والواقع أن الوصول إلى مثل هذه الخلاصة قد جاء في خضم الحديث عن طبيعة " الأدبي" وإمكانية قيام علم للأدب, لا يكون موضوعه الأدب بل الأدبية, كما ذهب إلى ذلك رومان جاكبسون, وتساءل بذلك الشكلانيون حول البنى التي يكون وجودها ضروريا في النص الأدبي , وليس كذلك في خطاب آخر فلسفي أو تاريخي أو اجتماعي, وهذه البنى هي التي ستشكل موضوع علم الأدب, يقول: " ايخينباوم EI KHENBOUM : " إن موضع علم الأدب يجب أن يكون دراسة الخصوصيات الخاصة التي تميز موضوعات أدبية عن كل مادة أخرى" (48) وهي خصوصيات لغوية بنائية بالدرجة الأولى. وقد كانت هذه نقطة الانطلاق الرئيسية في تمييز " الشعري" و " الأدبي" , فصرح شكلوفسكي في هذا السياق بأن لغة الشعر تختلف عن اللغة النثرية( اليومية) بالطابع المحسوس في تشكيلها ,وهو طابع منحرف, وهناك مظاهر كثيرة لذلك الانحراف كالانتهاك اللساني وإبداعات المجددين والتراكيب الجريئة للكلمات واختيار البنى اللانحوية أو المنحرفة دلاليا حسب تعبير موكاروفسكي Mukarovesky الباحث التشيكي وأحد مؤسسي حلقة براغ اللغوية.(49)
ونلاحظ أن الجمل السابقة على اختلاف ألفاظها تصب في سياق دلالي واحد, هو القول بأن الخطاب الشعري يعيش تجاذبا مستمرا بين الثبات والتحول" بين المحافظة على المعايير وخرقها"(50)
وتتعلق هذه المعايير بالجوانب التركيبية والدلالية على حد سواء , فهناك دائما المستوى المألوف, القديم, العادي, النحوي, وهناك في المقابل الرغبة في الانحراف عن..., التجديد, واختراق المتوالية اللسانية العادية بحثا عن اللانحو, مما يكسر طابع ا لعلاقات النحوية- الدلالية القديمة. إن منتج الخطاب الشعري يعيش قطبين , قطب الملاءمة , وقطب الاختلاف, قطب التكرار وقطب الاستقلال, وحدد الشعر" كفن الخروج عن التكرارات المنتظرة للحصول على أثر المفاجأة " (51), ومثل ذلك الخروج يوصل الخطاب الشعري إلى ما يسميه الشكلانيون الروس بحالة " توحيش اللغةLa defamiliarisation ou des automatistation du language "(52) غير أن هذا لا يعني إلغاء كل المعايير السابقة " لأن المرسلة التي تخرق كل المعايير تصبح غير مفهومة"(53)
ويطرح رومان جاكبسون في هذا السياق مفهوم " التوازي" " paralelisme" محاولا بواسطته النظر إلى الخصوصيات التي يتحدد بواسطتها الشعر, والتوازي هو " الترابط الموجود بين الثابت والمتحول – كما يقول جاكبسون- ففي أحد القطبين نجد استعادة ثابت يمثل تكرارا خالصا, وفي قطب آخر نجد غياب الثابت وهو بمثابة اختلاف خالص. إن التوازي هو ذلك " الشيء" المقيم بين هذا الثابت وذاك المتحول" (54) وبوضع الثابت في سياق تساؤلات التحولتحدث ظاهرة الانزياح.
وتتحقق اللغة الشعرية كنوع لغوي يزداد ابتعادا كل مرة عن اللغة المعيارية و إن بقى دائما مرتبطا بها , إذ أن اللغة المعيارية في الواقع هي – وحسب جاكابسون- " الخلفية التي ينعكس عليها التحريف الجمالي المتعمد للمكونات اللغوية للعمل أو بعبارة أخرى الانتهاك المتعمد لقانون اللغة المعيارية" (55) ولن يوجد الشعر ما لم يوجد انتهاك للمعيار " وكلما كان قانون اللغة المعيارية أكثر ثباتا في لغة ما كان انتهاكه أكثر تنوعا, ومن ثم كثرت إمكانات الشعر في تلك اللغة ومن ناحية أخرى كلما قل الوعي . بهذا القانون قلت إمكانات الانتهاك , ومن ثم تقل إمكانات الشعر "(56)
هكذا إذن نظرت الشعرية اللسانية إلى اللغة الشعرية على أنها مستوى مختلفا من الكلام , وإذا أردنا أن " نحدد مفهوم الشعر يجب أن نعارضه بما هو ليس بشعر "(57) لكن هل معرفة ماهو ليس بشعر أمر سهل ؟ ثم هل يكفي اعتبار لغة الشعر انحرافا مقصودا عن لغة الخطاب اليومي لتحديد الشعري ؟
لقد انتبه رومان جاكبسون إلى هذه التساؤلات وأجاب عنها , فالأساليب " المنحرفة" توجد في الشعر كما توجد في نصوص غير أدبية, بل حتى في خطاب عامي, فقد نسمع في الحافلة العمومية بعض المزاح الذي يتأسس على نفس الصور التي تشكل الشعر الغنائي...(58) ولذا كان لمبحث الوظائف اللغوية أهمية كبيرة في مثل هذه السياقات , خاصة وأن جاكوبسون قدم قضية الهيمنة كمعيار بإمكانه الفصل في تحديد نوعية الرسائل اللغوية, ذلك أن مفهوم الشعر متغير مع الزمن, وخصائص الأجناس الأدبية صارت متداخلة فيما بينها أكثر من السابق مما يصعب مهمة تمييز الشعري عن النثري, لكن هناك دائما وظيفة تهيمن بشكل ملحوظ, ويتحدد نوع الرسالة اللغوية تبعا لنوعية الوظيفة المهيمنة, ويمكننا الحديث عن نص ما ونعته بالشعري إذا هيمنت الوظيفة الشعرية فيه, أي إذا لاحظ القارئ تلك الخلخلة الدائمة لأنظمة المرجع اللغوية, قصد الإثارة الجمالية.(59)

الانزياح في الشعرية اللسانية البلاغية :
نعني بالشعرية اللسانية تلك الشعرية التي عملت على تجديد البيت البلاغي القديم , وحشدته بأثاث جديد يمثل الأدوات الإجرائية الجديدة المتحدة للتعامل مع البنيات الجمالية للنص وهي أداوات ترفض التصنيف الجامد , وتتطلع إلى البحث عن "البنية المشتركة بين الصور المختلفة "(60) ثم إنها أداوات مستقاة من اللسانيات , لأن هذه الشعرية تنظر إلى أن عبقرية الشاعر تتجلى في الإبداع اللغوي, وبعبارة أخرى في قدرة الشاعر على خرق قانون اللغة لبناء نسيج الصور(61), ومن هنا كان تركيزها الكبير على الانزياح. وعندما نتحدث عن الانزياح في الشعرية اللسانية البلاغية, فنحن في الواقع نتحث عن الناقد الفرنسي جون كوهين بالدرجة الأولى ثم عن الباحثين مولينيو وطامين, فمع جون كوهين نلاحظ التنظير الفعلي لمفهوم الانزياح ودوره في بناء جماليات النص, حيث اعتبر المسألة الأكثر جوهرية في لغة الشعر.
وتقوم نظرية الانزياح عند جون كوهين على ثنائية ( المعيار/ الانزياح), وهذان المصطلحان متداولان كثيرا في الأسلوبية كما سنرى, لكن السؤال الذي يراود كل من يخوض في هذا الميدان يتعلق بالمعيار: ماهو المعيار وكيف يمكن الانزياح عنه؟ للإجابة عن هذا السؤال ينطلق كوهين من بعض المقدمات التي صارت بديهية, " صارت اللسانيات – يقول كوهين- علما منذ أن تبنت – مع سوسبير- مبدأ المحايثة: تفسير اللغة بالغة وعلى الشعرية أن تتبنى نفس وجهة النظر" (62), لقد ظل النقد يعتبر النص وثيقة نفسية أو اجتماعية ينبغي العودة إلى طفولة الكاتب أو مجتمعه لتفسيرها, وبهذا ظل النقاد يبحثون عن المفتاح خلف لغة النص , بينما المفتاح موجود في اللغة ذاتها " فالشاعر شاعر ليس لأنه فكر أو أحس ، بل لأنه قال . إنه خالق كلمات لا خالق أفكار ,وكل عبقريته تكمن في الإبداع اللغوي...إن بحيرة لامارتين, حزن أولمبيو لهوجو, الذكرى لموسيه قصائد تقول الشيء نفسه , لكن كل واحدة من هذه القصائد تقوله بطريقة جديدة, في تراكيب لفظية ترسخ إلى الأبد في الذاكرة"(63), لأن السر يكمن في " كيفية" التركيب المختلفة هذه. ويستشهد كوهين في هذا السياق بمقولة مالارميه الشهيرة " لا يصنع الشعر بالأفكار بل بالكلمات Ce n est pas avec des idées que l on fait des vers c est avec des mots "(64) لكن ما هو شكل هذه الكلمات؟ هل تستمد من معجم خاص؟ هل الشاعر نبي يعلمه الله أسماء مميزة للأشياء أم أنه شيطان يرتكب المعاصي فوق كوكب اللغة أم أنه صعلوك خارج عن القانون يضيق درعا بشرطة النحو وضوابط الإسناد؟
إذا تابعنا التأمل في تحليلات كوهين نجد عبارات " خرق القانون" هذه كثيرة التردد, فالشاعر ليس نبيا بل " شيطانا" يمارس الخرق, وإذا كان الخرق بجميع أشكاله جرم يعاقب عليه المرجع والعرف وكل السلطات , فهو بالنسبة للشاعر حماقة مستحبة بل ضرورية, كما لو كان مفوضا فوق العادة في مملكة اللغة وظيفته مطاردتها وتعنيفها ( أو تجميلها) " وإذا كان كوهين يؤكد هذا الخرق الذي تمارسه اللغة الشعرية على القانون اللغوي -المعيار, فإن محور عمله سينصب كله على دراسة أوجه هذا الخرق ومحاولة ضبطه والتنظير له" (65) وبذلك فهو يقدم لنا مختلف الحالات التي ينزاح فيها الشاعر عن المعيار, والمعيار بهذا هو " اللغة الطبيعية التي هي بالتعريف اللغة النثرية"(66)La langage naturel par definition, c est la prose".
يشير كوهين إذن إلى أن اللغة تتشكل من قطبين , تتموضع في القطب الأول اللغة الطبيعية التي ننظر إليها من زاوية وظيفية محضة باعتبارها نظاما علاميا للتواصل , وفي القطب الثاني تتموضع لغة الشعر " المصطنعة" التي تتغير معها وظيفة الخطاب, ومنذ القديم يقول كوهين " حددت البلاغة الصور على أنها طرق تعبيرية بعيدة عن تلك الطرق الطبيعية العادية, وبمعنى آخر كانزياحات لغوية" (67)
ويعد التشكيل الاستعاري المميز الأساسي للغة الشعر, حتى أن كوهين أخذ بالفكرة القائلة أن الشعر بنية استعارية لكن – وكما يقول- " شريطة أن نعيد الاستعارة إلى طبيعتها الحقيقية ونضعها في مكانها" (68) ذلك أن غاية كل الأشعار هي أحداث استبدالات في اللغة, وهي استبدالات تترجم بدورها تحولا ذهنيا Une metamorphase mentale. ليس الشعر – يتابع كوهين-" التعبير الوافي عن عالم غير عادي بل التعبير غير العادي عن عالم عادي"(69), ويضرب للقارئ أمثلة عن الاستبدالات التي تحدث في الشعر فتميز العبارة الشعرية عن الاستعمال النثري, ومن مثل ذلك أن الشاعر لا يقول لقد اكتشفنا أسماكا تستطيع الغناء كما يقول العالم أو المتحدث العادي , بل يقول ذلك انزياحيا كما فعل رامبو عندما قال"
J’ aurais voulu montrer auxenfants les dorades

نورة عبدو غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-12-2009, 07:20 PM   #2
علاء الزبيدي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية علاء الزبيدي
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 5,118
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية الانزياح من شجاعة العربية الى الوظيفة الشعرية

شكراً الك وبارك الله فيك

__________________
علاء الزبيدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-06-2010, 11:32 PM   #3
بدر حلب
أبو غالية ( وفقه الله )
 
الصورة الرمزية بدر حلب
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: سوريا
المشاركات: 21,411
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية الانزياح من شجاعة العربية الى الوظيفة الشعرية

شـــكـ بارك المولى فيك ـــراً جــــزيـــــلاً
تم النقل للكتب بصيغ أخرى

__________________



<!-- Facebook Badge START -->مكتبة تاريخ سوريا syria history

<!-- Facebook Badge END -->

<!-- Facebook Badge START -->
بدر حلب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-06-2010, 11:36 AM   #4
فصاحة
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 16
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية الانزياح من شجاعة العربية الى الوظيفة الشعرية

جزاك الله كل خير وحبذا لو كانت هوامش الدراسة مرفقة معها كي تتم الفائدة

فصاحة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-10-2010, 09:24 PM   #5
نضال الخفاجي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية نضال الخفاجي
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: العراق _ بغداد
المشاركات: 4,505
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي نظرية الإنزياح من شجاعة العربية إلى الوظيفة الشعرية

نظرية الإنزياح من شجاعة العربية إلى الوظيفة الشعرية

د. فتحية كحلوش

الرابط

http://www.mediafire.com/?w9meq26xadpad9a#1

__________________
<img src=http://4upz.almsloob.com/uploads/images/www.almsloob.com-29e5a40457.gif border=0 alt= />

عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيباً
نضال الخفاجي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-10-2010, 01:14 AM   #6
بدر حلب
أبو غالية ( وفقه الله )
 
الصورة الرمزية بدر حلب
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: سوريا
المشاركات: 21,411
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية الإنزياح من شجاعة العربية إلى الوظيفة الشعرية

شــــكـــ حماك الله ـــراً جــــزيــــلاً

__________________



<!-- Facebook Badge START -->مكتبة تاريخ سوريا syria history

<!-- Facebook Badge END -->

<!-- Facebook Badge START -->
بدر حلب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-11-2010, 07:38 PM   #7
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 71,187
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية الانزياح من شجاعة العربية الى الوظيفة الشعرية

شكراً جزيلاً ... وقد تم الدمج للتكرار

__________________



أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-05-2011, 08:35 AM   #8
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,973
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية الانزياح من شجاعة العربية الى الوظيفة الشعرية

شكر الله لك ووهبك من كل خير أينعه

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
الوظيفة الشعرية للنحو بين الجرجاني وجاكبسون... إبراهيم براهيمي مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 6 22-09-2011 12:16 AM
صياغة العلوم الاجتماعية صياغة اسلامية بدر حلب كتب علم الاجتماع المصورة 4 21-03-2011 10:16 PM
المدخل إلى نظرية النقد النفسي سيكولوجية الصورة الشعرية في نقد العقاد أبو ذر الفاضلي المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 6 04-01-2011 06:15 PM
المدارس الادبية المغاربية نورة عبدو الاستفسارات وطلبات الكتب 1 06-02-2010 01:39 AM


الساعة الآن »06:36 PM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd