روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-07-2009, 04:48 AM   #1
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 70,728
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي نظرية بلاغة الحديث النبوي ، حقائق وشبهات

نظرية بلاغة الحديث النبوي ( حقائق وشبهات ).doc‏

__________________



أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-07-2009, 05:34 PM   #2
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية بلاغة الحديث النبوي ، حقائق وشبهات

مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-2010, 08:58 PM   #3
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف حقائق وشبهات

نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف
حقائق وشبهات
(القسم الأول)
أ.د. عيد بلبع



http://www.univ-oran.dz/facultes/fac...tes/theses.doc

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-01-2010, 08:47 AM   #4
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,973
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف حقائق وشبهات

بارك الله لكم في دقائق عمركم... وزادكم منه رفعة وتألقا
وتم الدمج للتكرار

نخـــلص مـــن هــــذا العرض إلـــى أهـــــــم النتـــــائـــــج

التي تمثل جانباً من الأصول النظرية لمعالجة بلاغة الحديث النبوي الشريف:
·مراعاة الاختلاف بين غاية الإقناع في الخطاب الحجاجي وغاية التمكين في الخطاب التعليمي في الحديث النبوي الشريف.
·مراعاة الاختلاف بين المنبع الخيالي للظواهر البيانية في الخطاب الشعري والمنبع الحقيقي لهذه الظواهر في الحديث النبوي الشريف.
·مراعاة الاختلاف بين الغاية التخييلية الإمتاعية الاحتفالية للظواهر البيانية في الخطاب الشعري، و الغاية التمكينية لهذه الظواهر في الحديث النبوي الشريف.
·مراعاة الفرق بين الذاتية في الخطاب الشعري والتواصلية في الخطاب التعليمي.
·الظواهر البيانية في الشعر غاية في ذاتها، أما في الخطاب التعليمي فهي وسيلة من وسائل التمكين لمقتضى القول.
·مراعاة حقيقة أن الغاية التحسينية الجمالية نتيجة وليست منطلقاً، فالبحث في بلاغة الحديث النبوي الشريف بحث وسائل التمكين، وهنا ننبه على خلل الرؤية البلاغية المنطلقة من البحث الأبعاد التحسينية الجمالية التزيينة.

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-02-2010, 07:34 PM   #5
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف

نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف
حقائق وشبهات
(القسم الأول)
أ.د. عيد بلبع

الحديث النبوي الشريف خطاب تعليمي بما تتضمنه الغاية التعليمية من تحقق الغايات التشريعية والتبيينية؛ لأن هذه الغايات تندرج جميعها في الغاية التعليمية، وإن جمع الحديث النبوي الشريف بين هذه الغايات جعل له خصوصية بين أنواع الخطاب المختلفة، إلى جانب خصوصية كونه ليس خطاباً بشرياً خالصاً، وهذه الخصوصية تتطلب رؤية في التنظير البلاغي تراعيها وتتناسب معها وتكشف عن سماتها الفريدة؛ لأن إغفال هذه الخصوصية من شأنه أن ينطوي على بعض الشبهات أو يثير بعض الشبهات.
والشبهة مغايرة للحقائق الجلية تنم عن رؤية غائمة يختلط فيها الحق بالباطل والصواب بالخطأ، بتأثير غياب الحقيقة، أو بتأثير التباس الصواب بالخطأ، أو بتأثير الاضطراب الاستنتاجي بين المقدمات والنتائج، وتتشعب الشبهات التي ظهرت في الدراسات البلاغية للحديث النبوي الشريف بين شبهات مثارة جاءت في بعض الدراسات التي تعرضت لبلاغة الحديث النبوي الشريف، وشبهات مثارة على مستوى التنظير، وإن الذي يدفعنا دفعاً إلى وصف هذه الأخيرة بالشبهة هو تأثيرها السلبي الفعلي في الواقع الفعلي للدرس البلاغي، فربما جاءت هذه الشبهات في المسكوت عنه غير المصرح به عند بعض الباحثين في البلاغة، فدفعتهم هذه الشبهات إلى الإحجام عن تناول الحديث النبوي بالبحث والدرس، لتظل هذه الشبهات منطوية في المسكوت عنه على مستوى البحث البلاغي وإن كان تأثيرها السلبي بادياً قوياً، ومن هنا تأتي الضرورة البحثية لعرض هذه الشبهات، ففي عرضها وتفنيدها إقرار لحقائق تتعلق بضرورة معرفية للبحث البلاغي في الحديث النبوي الشريف، ليأتي عرض هذه الحقائق بمثابة الدعوة لتواصل البحث البلاغي في الحديث الشريف.

هل جاءت بلاغة الرسول  ثمرة طبيعية للتعلم، وهل من الصواب أن ننظر إلى بلاغته  على أنه أديب موهوب حصَّل الأدوات التي أنمت هذه الموهبة، ووقف على أسباب البلاغة والفصاحة بتأثيرات البيئة والتربية والنشأة والنسب، وما إلى ذلك ؟ هذه القضية يروق لبعض الباحثين في بلاغة الحديث النبوي أن يستهلوا بها مصنفاتهم، وإننا نحسن الظن بهذا المسلك، على الرغم من يقيننا الثابت بأنه يحتاج إلى مراجعة ومزيد من التأمل والتدبر والمناقشة، ليس بوصفه شبهة فقط، ولكن أيضاً ـ ولعله الأهم ـ لأنه قد يؤدى إلى إذكاء شبهة خطيرة، طالما جدَّ بعض المستشرقين في محاولة إثباتها وجعلها مقدمة يخلصون منها إلى نتائج تخدم غرضهم الذي يرمون إليه وهو أن شخص محمد الإنسان يمتلك القدرة اللغوية الفائقة التي أهلته لتأليف القرآن، ومن ثم فإننا هنا ننظر إلى هذه القضية بمنظور أشمل يضع في حسابه تداخلات السياقات المختلفة في العلوم الإسلامية وما يتعلق بها من آراء استشراقية أو استغرابية( ) لا تنأى كثيراً عن آراء المتصدين للحديث عن بلاغة الرسول على الرغم من يقيننا باختلاف المنطلقات بين الفريقين.
فهذه الآراء التي جدَّت في إثبات القدرة اللغوية لمحمد  لِتُقيم دليلاً عقلياً تاريخياً على أن فصاحته وبلاغته وليدة البيئة والنسب والقدرة الشخصية البشرية لا تختلف عن تلك الآراء التي جدَّ المستشرقون في محاولة إثباتها ليُقيموا دليلاً عقلياً على أن القرآن من كلام محمد  وليس وحياً إلهياً، فقد ذهب فريق من المستشرقين إلى القول الصريح ببشرية القرآن اتهاماً مباشراً وأن محمداً  هو مصنف القرآن ( )، وذهب فريق آخر إلى تغليف هذا الاتهام بإثبات التفوق في الفصاحة، " من المعترف به أن لغة محمد قد بلغت الغاية في الروعة والنقاء، وقد استند محمد إلى إعجاز الكتاب لإثبات حقيقة بعثته، وأعلن تحديه لأعظم الرجال وأكثرهم فصاحة "( ).
وإذا كان لنا أن نصنف معروف الرصافي في المستغربين فإننا نجد في كلامه عن معارضة القرآن وتقليده من قِبل بعض من حاولوا ذلك ما يؤيد هذه الآراء التي تثبت التفرد والخصوصية لشخص محمد ، يقول: "... ولو أن أحدهم قصد ذلك لما كان إلا مغلوباً؛ لأن الذي يعارض القرآن يجب قبل كل شيء أن يكون ذا روحانية كروحانية محمد، وذا ذكاء كذكائه وخيال كخياله ومعرفة بالله كمعرفته، وعلم بأخبار الماضين من الأمم وأنبيائهم كعلمه، ويجب بعد هذا كله أن يكون ذا عارضة كعارضة محمد، ولم يكن فيهم من هو كذلك سوى محمد، فلا يستطيع أن يعارض القرآن ويأتي مثله إلا محمد نفسه، زد على ذلك أن أسلوب القرآن مما لم تألفه العرب ولم تعرفه بل هو أول من ابتدعه"( )، ولا يخفي سير الرصافي هنا في المسار نفسه الذي يحاوله المستشرقون من إثبات القدرة والذكاء والمعرفة وقوة العارضة، ولا يخفي أن هذه الصفات كلها صفات بشرية تتوزع بين الموهبة الفطرية والعوامل المكتسبة.
فإذا ما انتقلنا إلى النظر في الدراسات التي عنيت بالبلاغة النبوية نجدها قد أولت فكرة الموهبة اهتماماً بالغاً، وجَدَّتْ في محاولات إثبات تحصيل رسول الله  لأسباب التفوق اللغوي والبراعة في الفن القولي، فمنهم من أرجع الأمر إلى هذه المكتسبات البشرية خالصة، ومنهم من تردد بين الإشارة إلى الأمرين، فذهب حيناً إلى إثبات هذه المكتسبات البشرية، وذهب حيناً آخر إلى إرجاع الأمر كله للنبوة، وعلى الرغم من أن المحاولة المبكرة لمصطفى صادق الرافعي قد جمعت بين الأمرين معاً فإنها قد حملت في طيها بذور هذا المنزلق إلى الإعلاء من شأن هذه المكتسبات البشرية، فهو الذي يقرر في حديثه عن السبب الأول من أسباب فصاحته : " ولا نعلم أن هذه الفصاحة قد كانت له  إلا توفيقاً من الله وتوقيفاً"( )، ثم يمضى الرافعي مؤكداً على نفي القدرة البشرية ومكتسبات العقل البشري بقوله: " ومثل هذا لا يكون لرجل من العرب إلا عن تعليم أو تلقين، أو رواية عن أحياء العرب حياً بعد حي، وقبيلاً بعد قبيل، حتى يفلي لغاتهم، ويتتبع مناطقهم، مستفرغاً في ذلك متوفراً عليه، وقد علمنا أنه  لم يتهيأ له شيء مما وصفنا، ولا تهيأ لأحد من سائر قومه على ذلك الوجه علماً ليس بالظن، ويقيناً لا مساغة للشبهة فيه، إذ ترادفت به طرق الأخبار المتواترة، وكان مصداقه من أحوال العرب أنفسهم،...، فليس إلا أن يكون ما خُص به النبي  من ذلك قد كان توفيقاً وإلهاماً من الله، أو ما هذه سبيله، مما لا ننفذ في أسبابه، ولا نقضِ فيه بالظن، فقد علَّمه الله من أشياء كثيرة ما لم يكن يعلم، حتى لا يعيا بقوم إن وردوا عليه، ولا يُحصر إن سألوه، ولا يكون في كل قبيل إلا منهم؛ لتكون الحجة به أظهر، والبرهان على رسالته أوضح، وليعلم أن ذلك له خاصة من دون العرب، فهو يفي بهم في هذه الخصلة البينة، كما يفي بهم في خصال أخرى كريمة"( ).
ثم يعود الرافعي في بيان السبب الآخر ـ وقد أولى النشأة اللغوية قدراً هائلاً من الاهتمام ـ فيذهب إلى أنه  " قد كان في اللغة القرشية التي هي أفصح اللغات وألينها، بالمنزلة التي لا يدافع عليها، ولا يُنافس فيها، وكان من ذلك في أقصى النهاية، وإنما فضلهم بقوة الفطرة واستمرارها وتمكنها مع صفاء الحس، ونفاذ البصيرة، واستقامة الأمر كله بحيث يصرف اللغة تصريفاً، ويديرها على أوضاعها ويشقق منها في أساليبها ومفرداتها ما لا يكون لهم إلا القليل منه"( )، كما أرجع أكبر الشأن في اكتساب المنطق واللغة للطبيعة والمخالطة والمحاكاة، ثم ما يكون من سمو الفطرة وقوتها، يقول: " وقد نشأ النبي  وتقلب في أفصح القبائل وأخلصها منطقاً، وأعذبها بياناً، فكان مولده في بني هاشم، وأخواله في بني زهرة، ورضاعه في بني سعد بن بكر، ومنشؤه في قريش، ومتزوجه في بني أسد، ومهاجرته إلى بني عمـرو، وهم الأوس والخــزرج من الأنصــار، لم يخرج عن هؤلاء في النشـــأة واللغة"( ).
ويكفي أن نشير من مظاهر التزيد هنا إلى إرجاع أحد أسباب التفوق اللغوي والفصاحة إلى أنه  كانت مهاجرته إلى بني عمرو، وهم الأوس والخزرج من الأنصار، وقد كانت الهجرة بعد بلوغه الخمسين من عمره، فأنّى يكون هذا أحد أسباب التفوق اللغوي والفصاحة والبلاغة ؟؟.
وقد أسلفنا القول بأنه ربما كانت لمقولات الرافعي أثرها فيمن تلاه، فقد حدد د. إبراهيم الجعلي مؤهلات البيان النبوي في: الفطرة النقية، والبيئة العربية، والمنحة الإلهية، والنفحة القرآنية، فجمع بين مكتسبات العقل البشرى والمنحة الإلهية، ومن ثم جاء حديثه متردداً بين البُعدين، فتناول الفطرة مشيراً إلى صفات بعينها تتمثل في " سلامة الفطرة ونقاء القلب، وذكاء الذهن، وتوقد الخاطر مما لم يبلغه غيره من الناس، ومعلوم لنا أن مما يجب لرسول الله الفطانة، فهي صفة ملازمة له عليه الصلاة والسلام"( )، ولعلك لا تخالفني في أننا لا نجد كبير فرق بين هذا القول وما ذهب إليه معروف الرصافي في قوله الذي أشرنا إليه آنفاً، وإن اختلفت النتائج التي قصد كل منهما إثباتها، ومن ثم يعود د. الجعلي في خاتمة كتابه ليقول: " أدبه الله على عينه، ليُبلِّغ شرعه إلى خلقه، لذلك فقد أعطاه جوامع الكلم هبة منه وفضلاً، وألهمه المعاني والأفكار عطاء منه وكرماً، ولهذا فقد سلم المنطق النبوي من العيوب، وحوى كل مقومات الفصاحة والبلاغة"( )، ليقطع القول بتباين الغايات.
ثم نجد بعض الباحثين يولون هذه المكتسبات البشرية عناية فائقة فيمضون في محاولة إثبات الموهبة بُعداً آخر لأسباب بلاغته  مرددين الأسباب التي ذكرها الرافعي بوصفها أدلة على إنماء هذه الموهبة، يقول أحد الباحثين: "... ويرجع تميز كلامه الشريف بصفات البلاغة والفصاحة إلى أمور كثيرة منها عامل البيئة، فقد استرضع في بني سعد العشيرة، وتربى في حجر بني هاشم من قريش محتد آبائه وأجداده، وهؤلاء أرباب فصاحة وملوك بيان، ومنها حضوره منتديات العرب ومحافلها وأسواقها، وتأثره بما يلقى في تلك المناسبات من كلام بليغ"( )، ويقول آخر: " وقد كان للنشأة اللغوية الصافية التي نشأها  تأثير في فصاحته، فهو من هاشم من قريش، وأخواله من بني زهرة واسترضع في بني سعد بن بكر، وخالط في حياته بطون قريش والأنصار، فكانت هذه النشأة مراناً حياً بأحسن الأساليب، وأفصح اللهجات في العرب قاطبة، هذه النشأة اللغوية النقية الخالصة صقلت موهبة الرسول الفذة التي لا نظير لها في المواهب البشرية... وتتمثل هذه الموهبة في فطرة صافية، وذهن جوال، وبصر نفاذ، ونفس مجتمعة فاضلة، وإحساس دقيق مرهف، وبديهة حاضرة"( )، ونضيف هنا أنه قد كان لما جاء في كتاب الشفا للقاضي عياض عن فصاحته  تأثير في بعض من تعرضوا لمعالجة بلاغته  بعد الرافعي ومنهم د. مصطفي الشكعة( )الذي نقل مقولات القاضي عياض عن فصاحته  كما هي دون محاورة.
ولكن إذا قلنا بهذا فماذا أبقينا للنبوة ؟ وإذا كان يمكن أن يقبل بعض هذا الكلام بوصفه حقائق تاريخية، فإنه لا يمكن أن يُقبل بوصفه مناط التفرد والخصوصية لبلاغته  فكيف يمكن أن يقبل أن تكون تلك الأدوات البشرية إرهاصاً للقرآن الكريم، " وهذا إرهاص لعامل ديني هو القرآن الكريم، تلك المعجزة التي عُدَّ بها محمد  إمام البلاغة والبلغاء، والفصاحة والفصحاء."( )، ليبلغ هذا القول أقصى ما يمكن أن يرجوه المستشرقون والمستغربون من طعن واتهام، مما يجعلنا نتساءل عن مبرر البحث في هذه القضية التي تنبع منها شبهة، أو على أقل تقدير تؤكد على شبهة جدَّ علماء المسلمين في دحضها وإقامة الدليل على فسادها، ثم نتساءل عن المبرر للبحث أو حتى مجرد التفكير على حين أن رسول الله  نفسه قد رد وبيَّن في الحديث الذي تكرر ذكره أيضاً في الكتب والدراسات التي تناولت بلاغته  من أنه "بُعِثَ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ"، إن أعداء الإسلام لم يفكروا مطلقاً ـ فيما أعلم ـ في نفي الفصاحة والبلاغة عن رسول الله  بل ربما كان عكس ذلك هو الصحيح، فهم يجِدُّون في إثبات الفصاحة والبلاغة للنبي  إذ عدُّوا محمداً إمام الفصاحة والبلاغة وحاولوا نسبتها إليه وإثباتها له؛ لأن هذا الإثبات عندهم يعنى نفي النبوة والرسالة، وإن محاولة الإثبات هذه لهي امتداد لمحاولة إثبات الشعر له  الموغلة في القدم، وليس ثم من شك في أن هذه المحاولة القديمة كانت غايتها إثبات الشعر لنفي النبوة والرسالة عن رسول الله  ولكننا ـ مع ذلك ـ نحسن الظن بمن يجِدُّون في إثبات تأثير الموهبة والدربة وما إلى ذلك، ولكننا فقط نبين شبهة لا يحسن السكوت حيالها، فلم تختلف في المسلك وإن اختلفت في المنطلقات عن المستشرقين والمستغربين، وهذا الاتفاق في المسلك هو الذي يجعلنا نقول بالشبهة؛ لأن أقوال هؤلاء المتصدين لمعالجة بلاغة الحديث النبوي ـ في إصرارهم على إثبات الموهبة والمكتسبات البشرية ـ تأتى بمثابة المقدمات التي تعضد ما يذهب إليه المستشرقون والمستغربون.
وينبغي أن يُفهم من ذلك أننا لا نحاول أن ننفي حقائق تاريخية واقعية تتعلق بفصاحته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبلاغته، فهذه حقائق لا ننفيها ولا نسعى إلى نفيها، أو مجرد التشكيك فيها، فهي كما نقول حقائق، ولكننا فقط نحاول أن نضع هذه الحقيقة في نصابها، وألا نبالغ في تقديرها، ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا: إن هذه الأسباب البشرية التي توفرت للرسول  قد توفرت لكثيرين غيره من العرب، فعوامل البيئة والتربية والنسب لم ينفرد بها رسول الله  ولكن الحقيقة أن هذه العوامل يشترك فيها عدد هائل من العرب، أي أنها ليست مناط التفرد، وإنما مناط التفرد هو النبوة والرسالة ليس غير.
ثم إنه لو كان هذا ذائعاً بينه العرب المنكرين لرسالته  لترتب عليه أمران:
الأول: أن يكون له تأليف قبل بشكل أو بآخر قبل أن يُبعث نبياً رسولاً.
الآخر: أن يترتب عليه أن يكون ادعاء تأليف القرآن أسبق الاتهامات.
ولنا أن نتساءل: هل أُثِر عن رسول الله  نصوص تشبه نصوص الحديث النبوي الشريف قبل أن يبعث رسولاً ؟ وبعبارة أخرى: هل أُثِر عنه  أنه تكلم بجوامع الكلم قبل أن يبعث رسولا ً؟ فلو كان رجلا ًمعروفاً بالفصاحة، وله فيها أقوال مشهودة لكان أول ما يذهب إليه المشركون من أهل مكة وغيرها أن تأليف القرآن جاء تطوراً طبيعياً لهذه الإسهامات اللغوية العالية في بلاغتها وفصاحتها !!!
وثم أمر آخر يجدر التنبيه إليه في هذا الصدد يتمثل في ضرورة التفريق بين الفصاحة والبلاغة، فأسباب الفصاحة إن توفرت لا تعني بالضرورة توفر أسباب البلاغة، فالفصاحة متعلقة باللغة أما البلاغة فهي متعلقة بالكلام، وهذا أمر بيِّنٌ كثير الورود في المؤلفات الأولية المدرسية في البلاغة، ولكننا ننبه إلى هذا التفريق هنا لنؤكد حقيقة أن العوامل البشرية المكتسبة قد تؤدي إلى الفصاحة، أي إدراك الفصيح من مفردات اللغة، ولكنه لا يعني مطلقاً أن البلاغة مرتبطة بالفصاحة ارتباط الأسباب والمسببات، فالقول يوصف بالبلاغة بوصفه رسالة لغوية بين مرسل ومستقبل أدت إلى عملية تواصل ناجحة بالوسائل الأسلوبية لتأثيراتها الوجدانية والوسائل الأسلوبية لإقناعها العقلي، ومن ثم فالفصاحة تتيسر لعدد كبير أما البلاغة فلا تتيسر إلا لعدد يسير من الفصحاء، وبمعنى آخر يمكننا القول: إن الفصاحة شرط للبلاغة ولكن وجود الفصاحة لا يستوجب بالضرورة وجود البلاغة، فإذا كانت ثم أسباب دنيوية لا سبيل إلى إنكارها تؤدي إلى اكتساب الفصاحة فإن هذه الأسباب لا تؤدي بشكل مطلق إلى اكتساب البلاغة.
ومن ثم نعود للتساؤل: هل مناط الخصوصية والتفرد في البلاغة النبوية كان بتحصيل أدوات دنيوية حتى تكونت ملكة قولية خاصة بمحمد  الرجل، أم أن مناط الخصوصية هنا هو أن محمداً الرسول  بعث بهذه القدرة وأوتيها من عند الله عز وجل ؟
نترك الجواب عن هذا السؤال لرسول الله  نفسه، والحقيقة الكبرى في هذا الجواب أن هذه الخصوصية له  تتمثل في جوامع الكلم، التي لا نقول بأنه اختص بها بين سائر العرب، ولكنه هو  يقول إنه خص بها من سائر الأنبياء، وفي ذلك يقرر رسول الله : (بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ) كما في رواية البخاري( )، أو: (أُوتِيتُ جَوامعَ الكَلِمِ) كما في رواية مسلم( )، ولا تختلف كلمة بعثت عن كلمة أوتيت في أن كلاهما في تركيب نحوي واحد هو الجملة الفعلية التي أسند فيها الفعل إلى المفعول به الذي وقع نائباً عن الفاعل الذي لم يُسمَّ؛ لأن الفعل هنا مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والفاعل معلوم لأن الذي بعثه  هو الله عز وجل، والذي آتاه هو الله عز وجل، فهذا يعني ـ بما لا يدع مجالاً لاجتهاد مجتهد ـ أن محمداً  قد خصه الله عز وجل بمنحه هذه الفضيلة، وأن الخصوصية فيها ليست بمرجعيتها إلى تحصيل أدوات وإمكانات بشرية، وليس بأخذ النفس بالدربة والمران، وإنما هي خصوصية من عند الله عز وجل الذي بعثه نبياً ورسولاً.
إن الحقيقة التي لا جدال فيها التي نود أن نقرها هنا، ونود أن يستحضرها الباحثون في بلاغته  هي أن جوامع الكلم ليست من مكتسبات العقل البشري.
لعل ارتباط الموهبة بالشعر أوثق من ارتباطها بأي فن قولي آخر، وليس من شك في أن محاولة إثبات موهبة الفن القولي لرسول الله  تؤدى إلى تزكية شبهة الشعر لارتباطها بالفن القولي كما ذكرنا، مع أن الحق سبحانه وتعالى نفاها عن نبيه ورسوله  حاضراً ومســـتقبلاً بقوله عز وجل: ﭽ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ (يس: 69)، وقد رد عبد القاهر هذا النفي إلى الإمعان في إظهار الحجة " فينبغي أن يعلم أن ليس المنع في ذلك منع تنزيه وكراهة بل سبيل الوزن في منعه عليه السلام إياه سبيل الخط حين جعل عليه السلام لا يقرأ ولا يكتب ـ يشير إلى قوله تعالىﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ (العنكبوت: 48) ـ في أن لم يكن المنع من أجل كراهة كانت في الخط بل لأن تكون الحجة أبهر وأقهر والدلالة أقوى وأظهر ولتكون أكعم للجاحد وأقمع للمعاند وأرد لطالب الشبهة وأمنع في ارتفاع الريبة"( )، ومن هنا يتأكد لنا أن القول بالعلم السابق للرسالة، أو التحصيل بالمكتسبات البشرية إنما هو مخادعة معرفية يذكيها المستشرقون والمستغربون عن عمد وقصد، ويقع فيها كثير من الباحثين، الأمر الذي يجعلنا نعد هذا القول شبهة معرفية، ومن ثم فإننا نقول إنه من الأجدى أن نبحث في مظاهر التفرد والتفوق ودلائل الخصوصية في بلاغته  أما البحث في أسباب هذه الفصاحة والبلاغة فهو مثار شبهة كما ذكرنا.
إن تفرد الحديث النبوي الشريف بخصائص: " الانفراد والاطراد والديمومة " يعني أن الحديث النبوي الشريف منفرد لأنه نموذج خاص من النصوص يعتمد في خصائصه على الجمع بين الإيجـاز وتحقيق غاية الإفهام والإبانة وما تقتضيانه من الوضوح، وانفراده يتجاوز به القدرة البشرية التي تعتمد على مكتسبات العقل البشرى من موهبة ودربة وغيرها، كما أن الاطراد أيضاً من الخصائص التي لم تتوفر لشاعر أو أديب مهما كانت دربته أو موهبته، والديمومة بما لها من قدرة تتجاوز القدرة البشرية عند الخطباء والشعراء وعامة البلغاء تشهد بأن الأمر في الحديث النبوي ليس أمر قدرة عقل بشري، فالقدرة البشرية مهما تيسرت لها الأسباب وأخذت نفسها بالدربة والمران فإنها لا يمكن بحال أن تحتفظ لنفسها بالصواب المطلق، والتفوق المطلق على سائر البشر، فليست الأدوات والأسباب بالتي يمكن أن تحقق العصمة لإنسان كائناً من كان، إنها إذن بلاغة الرسول  محمد؛ لأن الحقائق التاريخية تشهد بأنه لم يؤثر عنه  إنجاز قولي بليغ إلا بعد الرسالة، فقد ارتبط هذا المنجز القولي بالرسالة زمانياً، كما ارتبط بها أيضاً موضوعياً ومضمونياً وسياقياً.
وقد التفت غير واحد من القدماء إلى معالجة قضية الفصاحة والبلاغة النبوية بردها إلى عناية الله ورعايته، الأمر الذي ينأى بها عن المكتسبات الدنيوية التي يستوي فيها رسول الله وغيره من البشر، فيقول الخطابي: "... ثم أمده الله بجوامع الكلم التي جعلها ردءاً لنبوته وعلماً لرسالته، لينتظم في القليل منها علم الكثير، فيسهل على السامعين حفظه، ولا يؤودهم حمله"( )، ويقول الحافظ ابن الأثير بعد أن ذكر فصاحته  وبيانه ونطقه ومواقع خطابه: "تأييداً إلهياً، ولطفاً سماوياً، وعناية ربانية، ورعاية روحانية"( )، ويقول الزمخشري: "... ثم إن هذا البيان العربي كأن الله عزت قدرته مخضه وألقى زبدته على لسان محمد عليه أفضل صلاة وأوفر سلام"( )، ويقول الحافظ جلال الدين السيوطي في وصف النبي : "... الذي بلغ من إكمال الدين مأموله، وآتاه جوامع الكلم، فنطق بجواهر الحكم"( )، فأرجعوا جميعهم هذا التفرد في استعمال اللغة إلى سبب غير بشري يتفوق على قدرة البشر، ومن ثم فهو ليس من مكتسبات العقل البشري، فإن رسول الله  فهو رسول الله أي أنه مكلف بتبليغ الرسالة، وهو منزه عن هذا الهوى بنص القرآن الكريم ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ، وهذا الهوى نمط من أنماط استسلام الإنسان لبشريته بشكل ما وبنسبة ما، فإذا صح أن يقال مع الأدباء فإنه لا يصح بحال أن يقال مع رسول الله .
إننا نجد بعض فصول كتاب: " البيان النبوي " للدكتور محمد رجب البيومي تشير إلى هذا البعد الأدبي إشارة صريحة، فيأتي أحدها بعنوان: "القرآن أستاذ محمد، نظرة في عوامل تكوينه الأدبي"( )، ويأتي آخر بعنوان: "رسالة الأديب كما حققها الرسول"( )، ويأتي آخر بعنوان: " يتحدثون عن محمد الأديب"( )، والذي يدعونا إلى التوقف هنا أن الأمر لا يقتصر على مجرد الوصف، ولكنه يتجاوز هذا إلى اللفت إلى بُعدٍ بشري آخر بالإضافة إلى الأبعاد متكررة الورود التي أشرنا إليها عند المؤلفين في البلاغة النبوية، ذلك هو جانب الحجاج العقلي، ذاهباً إلى أن من أسباب اختيار محمد لحمل الرسالة وتبليغها هو قدرته على الحجاج والإقناع، يقول: "... فإذا عُلم أن هذا التبيين كان لقوم يتصاولون بالبيان، ويتقارعون بالفصاحة، فلا بد أن يكون الذي يتولى هدايتهم من الظلمات إلى النور بالبرهان والمنطق أشدهم عارضة وأقواهم حجة، ولا بد أن يكون الذي اختاره لهذه الهداية قد مكن له في منبته وفي نفسه من عوامل السداد والتوفيق ما يُحرز به الفلج الحاسم في ملأ لُدٍّ أبيناء"( ).
على حين نرى أن د. البيومي ينقل عبارات محمد حسن الزيات التي يقطع فيها قطعاً لا لبس فيه بأن " بلاغة الرسول  من صنع الله، وما كان من صنع الله تضيق موازين الإنسان عن وزنه، وتقصر مقاييسه عن مقياسه، فنحن لا ندرك كنهه، وإنما ندرك أثره، ونحن لا نعلم إنشاءه، وإنما نعلم خبره، بل لقد جدَّ د. البيومي نفسه في نفي قول الشعر عن الرسول  للأسباب التي تتعلق بالتنزيه فيما ذكره الجرجاني، وأضاف إليه أن رسول الله  قد "انصرف عن النظم كيلا يظن ظان أن كتاب الله شعر يتدفق على لسان شاعر، فشاء الله أن يكون رسوله هادياً بخطبه وداعية إليه بأحاديثه فهو لا ينظم ولا ينمق، إذ أن صاحب الدعوة في حاجة إلى توضيح مذهبه وإرشاد قومه ومناقشة خصومه ببيان واضح لا يجنح به الشعر عن الدقة والتحديد إلى المبالغة والإغراق، ولا يميل به عن الواقع المشاهد إلى الخيال الشارد، فإذا كان في كلامه تأثير أخَّاذ فهو تأثير الحق الأبلج والمنطق السديد، واللفظ المحكم، وليس تأثير القافية الخلابة، والبحر الصادح"( ).
بل إننا نجده ينقل كلام الرافعي في محاولته دفع مظنة الشعر عنه  فلا يقف عند حدود نفي قول الشعر عنه  بل يصل إلى حد نفي إنشاده  شعر غيره، يقول: " والذي عندنا أنه  لم يُمنع إقامة وزن الشعر في إنشاده، إلا لأنه مُنع من إنشائه، فلو استقام له وزن بيت واحد لغلبت عليه الفطرة القوية فمر في الإنشاد وخرج بذلك لا محالة إلى القول والاتساع وإلى أن يكون شاعراً، ولو كان شاعراً لذهب مذاهب العرب التي تبعثه عليها طبيعة أرضهم، ثم لا يكون من جملته إلا أن ينصرف عن الدعوة وعما هو أزكى بالنبوة، وأشبه بفضائل القرآن؛ لأنه تعالى يعلم من غيب المصلحة لعباده أنه  لو أقام وزن بيت لمال به عمود الدين ثم لتصدع له الأساس الاجتماعي العظيم الذي جاء به القرآن"( )، فتراه هنا يحاول القطع بأن رسول الله  لم يُمنع إنشاء الشعر فقط ولكنه مُنع من إنشاده، وعلى الرغم من الخلاف الذي دار حول قضية نسبة إنشاد الشعر له  فإن الذي يعنينا هو أن القول بمنع الإنشاد إنما هو إمعان في نفي أي علاقة له  بالشعر مبالغة في الإبعاد والتنزيه.
ولا أرى فرقاً بين الأدب والشعر في استنادهما كليهما ـ في الغالب ـ على العاطفة، وإمعانهما كليهما ـ في الغالب أيضاً ـ في أنهما نطق عن الهوى ﭽ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭼ (النجم: 3)، وقد رجح القرطبي من الأقوال المأثورة في تفسير هذه الآية: " أي ما يخرج نطقه عن رأيه، إنما هو بوحي من الله عز وجل... وفيها دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل"( )، وقد ذهب المفسرون وغيرهم من علماء المسلمين كل مذهب في نفي مظنة الهوى عنه ، ولكننا مع ذلك نرى غير واحد من المتصدين للحديث عن بلاغته  يضطربون اضطراباً بيِّناً في أمر هذه الشبهة.
ولكن على الرغم من تأكيدنا على حسن الظن بهذه المقولات وغيرها فإن الأمانة العلمية والدينية تقتضينا التنبيه على خطر هذه الآراء في إذكاء الشبهة التي أشرنا إليها آنفاً، ولعل الوصف الذي ذكره د. البيومي " أشدهم عارضة " في مقام المدح والحمد وذكر الفضائل في موقف المقارنة بالذين يتوجه إليهم بالدعوة، هو نفسه الوصف الذي ذكره معروف الرصافي " أن يكون ذا عارضة كعارضة محمد " في مقام الاتهام والادعاء، وفي موقف المقارنة بالعاجزين عن معارضته  في الإتيان بمثل القرآن، وحسبنا شبهة أن يكون الوصف الواحد متردداً بين المادحين والذامين.
لهذه الأسباب رأينا ضرورة التنبيه على هذه الشبهة وعلى خطرها، ولكونها سبباً من أسباب الحاجة إلى بيان الحدود والآفاق التي نراها أولى بالبحث والدرس فيما يتعلق ببلاغة الحديث النبوي الشريف، وهي من ثم تأخذ بأيدينا إلى التأكيد على أن الهدف من البحث في بلاغة الحديث النبوي الشريف قد آن له أن يتجاوز محاولة إثبات البلاغة له  بالبحث في حيثيات من مقتضيات تحصيل العقل البشري.

لعله من الضرورات المعرفية المتعلقة بفلسفة البلاغة أن نفرق بين مجالات التحليل البلاغي بربطها بالغايات الكبرى للكلام: الإقناع، الإمتاع، التعليم، ولأن الحديث النبوي خطاب تعليمي فهذا يثير عدة تساؤلات:
كــيف تتحقق الظاهرة البلاغية في النص التعليمي ؟ وربما بدا أنه من الأحرى أن يكــــــون التساؤل: هـل النص التعليمي منتج للظواهر البلاغية ؟ هــل يصح أن نستعمل الأدوات والإجراءات المستعملة مع الخطاب الحجاجي الإقناعي في تحـلـيــل الخـطــاب التعليمي بشكــل عــام والحديث النبوي بشكل خاص ؟
وليس بخفي أن هذه التساؤلات تلفت إلى بُعدين من الشبهات: البعد الأول يتعلق بالنظرية البلاغية؛ سبب ذلك نفي البلاغة عن الخطاب التعليمي في النظرية الغربية، والبُعد الآخر يتعلق بالتحليل البلاغي، ويتحدد في شبهة الخلط بين الغاية الجمالية الخالصة التي يحاول الباحثون الوقوف عليها في الخطاب الشعري وغاية التمكين للمقتضى التعليمي وما ينطوي عليه من تشريع وتبيين في نفوس المتلقين.

إن الخطاب التعليمي في الحديث النبوي الشريف يمتاز بخصائص تجعله مغايراً لألوان الخطابات التعليمية المختلفة، فليس ثم من شك في أن النظرية البلاغية الغربية قد استقت مفاهيمها من خطابات تعليمية مختلفة، ومن ثم تأتي القراءة التحليلية البلاغية للحديث النبوي الشريف بمثابة إعادة النظر في قصور النظرية الغربية في حكمها المُعَمَّم على الخطاب التعليمي، كما تأتي هذه القراءة ـ في الوقت نفسه ـ تأسيساً لنظرية هذا النمط الخاص من أنماط الخطاب التعليمي المتمثل في الحديث النبوي الشريف، فلقد ذهبت نظرية أنواع الأساليب في التناول الغربي إلى وضع الأسلوب التعليمي نموذجاً للنمط المتدني من الأساليب، ومن هنا نجد أنفسنا أمام هذا التساؤل المبدئي عن مدى تحقيق الحديث النبوي للغاية التعليمية في إطار بلاغي.
لقد عرض رامان سلدن لآراء البلاغيين الأوربيين في أنواع الأساليب في كتابه نظرية النقد من أفلاطون حتى الآن (The theory of criticism , from Plato to the present) فذكر أنواع الأساليب الثلاثة: المتدني والمتوسط والرفيع، في عرضه لآراء (سيسرو Cicero) في أنواع الخطابة، مشيراً إلى أن لهذه المهمات الثلاث للخطيب ثلاثة أساليب: الأسلوب الواضح للدليل، والأسلوب المتوسط للمتعة، والأسلوب الرفيع للإقناع. وفي الأسلوب الأخير تكمن القوة الكاملة للخطيب، ثم يصف أصحاب الأسلوب التعليمي بأنهم " واضحون وموجزون في الأسلوب، يشرحون كل شيء ويؤثرون الوضوح على الغموض، ويستخدمون أسلوباً مهذباً ومركزاً، وخالياً من الزينة والزخرفة( )، كما يشير إلى الأبعاد السياقية المتمثلة في الحال والمقام التي يتحقق فيها بعد الاتصال اللغوي، إذ يجب أن تكون للخطيب بصيرة ليس فقط في الفكر ولكن أيضاً في الكلمات، لأن نفس أنواع الكلمات أو الأفكار يجب ألا تستخدم في تصوير كل حالة أو ظرف من حالات الحياة وظروفها، كل طبقة، كل مكانة، أو كل عمر، والشيء نفسه ينطبق على المكان والوقت والجمهور، فالقاعدة في الخطابة هي نفسها في الحياة، تتمثل في ملاحظة الأصول والتقاليد، وهذا يعتمد على موضوع الحديث وشخصية كل من المتحدث والجمهور"( ).
وإن كان لنا أن نميز هنا بين حضور المخاطب وغيابه، فالحديث النبوي يراعي أبعاداً في الخطاب تتجاوز حضور المخاطَب؛ لأنه خطاب ذو تأسيس تشريعي يتجاوز العصور بما يقتضيه هذا التجاوز من تغير ظروف عملية التلقي وملابساته، ومن ثم تأتي المعادلة الصعبة التي يشير إليها رامان سلدن أكثر تعقيداً وصعوبة فيما يتعلق بالحديث النبوي الشريف، فالمخاطِب المعْنيُّ بالإبلاغ والإيضاح والإيصال يتحتم عليه الوضوح في الاستعمال اللغوي، مع الاحتفاظ بالخصوصية والتفرد، وهو ـ كما يبين رامان سلدن ـ " الشخص الذي يكون واضحاً، فهو يتبع الاستخدام العادي، ويختلف عن هؤلاء الذين تنقصهم الفصاحة، ولذلك فإن الجمهور ـ حتى لو لم يكونوا أنفسهم متحدثين ـ يعتقدون أنهم يستطيعون التحدث بهذا الأسلوب، فبسبب بساطته يبدو أنه من السهل تقليده، ولكن لا شيء أصعب من التطبيق والممارسة الفعلية"( )، كما يذهب رامان سلدن إلى بُعد آخر في محاولة التنبيه إلى التداخل الذي يمكن أن يكون بين أنواع الأساليب، ذلك بأن استعمال الكلمات الغريبة التي يصعب فهمها بغرض التأثير على الناس يجعل الخطيب متهـوراً مندفعاً؛ لأن الخطيــب الواضح يعد حكيماً، لأنه يتحدث بوضوح ومهارة( )، ويؤسس الحديث النبوي لهذا النموذج من الخطاب من منظور خلقي، فحسن الخلق مرتبط بهذا الإيضاح والبعد عن التشدق بالكلام إيهاماً للمتلقي بالفصاحة والبلاغة، وقد جاء هذا في تحذيره : (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ)، قالوا يا رســول اللَّه قد علمنا الثرثارون والمتشـــدقون فما المتفيهقــــون ؟ قــــال: (الْمُتَكَبِّرُونَ)( ).
فالحديث يركز على مظهر معين من الأخلاق السيئة محدداً بعض السلوك الذي ينتمي إليه، أما المظهر فهو الكبْر، وأما السلوكيات الدالة عليه فهي الثرثرة والتشدق والتفيهق، والثرثرة هي كثرة الكلام بداعٍ وبغير داعٍ، والتشدق هو أن يتطاول المتكلم على الناس بكلامه ويتكلم بملء فمه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه، والمتفيهق هو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه ويغرب به تكبراً وارتفاعاً وإظهاراً للفضيلة على غيره، تلك الصفات من خصال الكبر الذي يرفضه المسلم ويحذر منه النبي  ويكرهه الله عز وجل.
ثم يبين رامان سلدن أن الحدود بين الأساليب ليست حدوداً فاصلة قاطعة، وأنه ثمة خصائص تتوفر للنمط الواحد من هذه الأساليب، إذ قد يجمع الأسلوب التعليمي مثلاً بين خصائص متعددة تحقق الغاية الإقناعية والتـأثيرية ولا تكون بمنأي عن الغاية الجمالية، ويأتي الحديث النبوي ليحقق نموذجاً فريداً لخصائص النص في انفراده واطراده وديمومته، فالنص منفرد لأنه نموذج خاص من النصوص يعتمد في خصائصه على الجمع بين الإيجـاز وتحقيق غاية الإفهام والإبانة وما تقتضيانه من الوضوح، ومن المعروف الجلي أن التبليغ والإفهام وتمكين المعنى في نفس المتلقي من الغـايات الجوهرية للقول البليغ، ولعل تعريف أبي هلال العسكري للبلاغة بأنهـا: " كل ما تُبلِّغ به المعنى قلب السامع، فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن"( )يرمي إلى هذه الغاية ويؤسس لها.
أما الاطراد فهو من العوامل التي تحقق لنص الحديث النبوي خصوصيته وتؤكد على تفرد خصائصه في الجمع بين هذه الغايات باطراد دائم، وتكمن أهمية الاطراد في أنه ينفي عن الحديث النبوي صفة الاستثناء الذي لا تعضده قاعدة عريضة مطردة، كما ينفي عنه صفة الصدفة التي لا تقبل التكرار، ومن ثم يأتي الحديث النبوي نمطاً فريداً من الخطاب يجدر بوقفة متأنية مدققة، تأخذ نفسها بتتبع الظواهر وتحليلها.
ولعل في الوقوف على خصائص الأسلوب التعليمي في الحديث النبوي الشريف ما يفسر لنا مقولة جوامع الكلم التي وردت في حديث النبي  (بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ)( )، فتلك الجوامع تفسر هذه الظاهرة الفريدة وتتفسر بها في الوقت نفسه، إذ جمعت الأحاديث بين الوضوح ـ ظاهرة سائدة ـ والإفهام والإيجاز والإحكام، وقد أشار ابن جني إلى بُعد الإفهام المتعلق بالرسالة اللغوية نفسها، أو ما يتعلق بالمتلقي " قيل لأبى عمرو بن العلاء: أكانت العرب تطيل ؟ فقال: نعم لتبلغ، قيل: أفكانت توجز ؟ قال: نعم، ليُحفظ عنها"( )، وقد لفت ابن وهب إلى هذه الغاية أيضاً في حديثه عن المواضع التي يحسن فيها الإيجاز، إذ جاء منها: " المواعظ والوصايا التي يُراد حفظها ونقلها، ولذلك لا ترى في الحديث عن رسول الله  والأئمة شيئاً يطول، وإنما يأتي على غاية الاقتصار والاختصار"( ).
أما ما يتسم به الأسلوب المتوسط من تحقيق الغاية الجمالية فهو متحقق أيضاً في الحديث النبوي الشريف إذا أخذنا في حسابنا أن الجمال غاية تتفاوت في ذاتها وفي مظاهرها، كما يتفاوت الناس في إدراكها، وفيما يتعلق بالجمال اللغوي نجد أنه لا يقتصر على جمال الصور التحسينية التزيينية وفق ما ألمح إليه رامان سلدن في بيانه للأسلوب المتوسط من أنه " أسلوب لامع، مفرط في التنميق، مزين، ومصقول بالفعل، وفيه تكون كل جماليات اللغة والفكر غير مقبولة من قِبَل الخطباء الواضحين ـ خطباء الخطاب التعليمي ـ، ومرفوض بواسطة خطباء النموذج الرفيع، فهو يجد مكانة في الطبقة المتوسطة التي أتحدث عنها"( ).
إن نسبية الجمال بالإضافة إلى إمكان تحقق الغايات المتوزعة بين أنواع الأساليب في الأسلوب الواحد يجعل اجتماع البُعد الجمالي مع غايتي الإقناع والتعليم ممكناً، فالغاية التعليمية المتعلقة بالتشريع في الحديث النبوي قوامها الدقة والإتقان والإحكام، ومتى تحقق التناسب بين الموضوع والأسلوب تحقق وجه من أوجه البعد الجمالي تبعاً لتحقق التناسب، الذي عده بشر بن المعتمر من أنماط التناسب المقامي " ومن أَرَاغَ معنىً كريماً فليلتمِسْ له لفظاً كريماً؛ فإنّ حقّ المعنى الشريفِ اللفظُ الشّريف، ومن حقِّهما أن تصونهما عما يفسدُهما ويهجِّنُهمَا، وعمّا تعودُ من أجله أن تكونَ أسوأَ حالاً مِنك قبل أن تلتمس إظهارَهُما، وترتهِن نفسَك بملابستِهما وقضاءِ حقِّهما"( )، فالجمال هنا هو جمال التناسب بين موضوع الحديث والإيجاز الأسلوبي الذي صيغ فيه، وما يحقق هذا التناسب من تركيز في بناء التراكيب بالوسائل الأسلوبية المختلفة، يُضاف إلى هذا أن البعد التشريعي في الحديث النبوي يستلزم الدقة في الصياغة، ولن تتوفر الدقة والإحكام إلا بالوسائل الأسلوبية المحققة لذلك، ومن هنا يُصبح البحث في بلاغة الحديث النبوي هو بحث في الكيفية الأسلوبية التي تحققت بها الدقة والإحكام وصرامة تحديد المواقف، وليس هناك شك في أن هذه غاية تعليمية بالدرجة الأولى تقصد إلى الإيضاح والإفهام، فالتناسب بين الموضوع والأسلوب ـ من جهة ـ وبين الغاية التعليمية التشريعية والأسلوب، من جهة أخرى، إنما هو جمال نسبي يحقق لهذا الأسلوب التعليمي غايات الأسلوب الرفيع، فهذا النمط من الخطاب قد يصل إلى أقصى درجات التفوق والسبق والرفعة " فالمتحدث الذي قد تفوق في الأسلوب الواضح (التعليمي)؛ لأنه تمكن من الخطابة بمهارة وتناسق، هو بالتأكيد خطيب عظيم، إذا لم يكن الأعظم"( )، وهذا الحكم يصدق أتم صدق على بلاغة الخطاب التعليمي في بلاغة الحديث النبوي.
بقى أن نشير إلى أن الغاية الجمالية الإمتاعية الخالصة لا تتناسب عادة مع الخطاب الجاد، فالحقيقة غاية مغايرة للبلاغة التحسينية التزيينية، فالتحسين يحقق غاية إمتاعية بغض النظر عن الغاية التعليمية وما تقتضيه من الإبانة والإيضاح أو الغاية الإقناعية وما تقتضيه من إحكام الحجة وقصد الحقيقة، نخلص من هذا إلى أن الخطاب التعليمي ـ بشكل عام ـ يحقق غايته بمقدار ما ينجزه من تمكين الحقائق في النفوس، وبقدر بُعده عن التصوير الذي مرده إلى المبالغة ومنبعه الخيال؛ ومن ثم فهو فيما يتعلق بالبلاغة النبوية ينبغي أن ينظر إلى بلاغته على أنها بلاغة حقيقة، وليست بلاغة خيال أو زينة، فهي بلاغة هادفة إلى تمكين حقائق معينة في النفوس والقلوب والعقول، ساعية إلى إقرار منهج حياة وتقويم سلوك الأفراد والجماعة، فيما يمكن أن نطلق عليه: التحول بالقول إلى منجز في الواقع، ومن هنا تختلف بلاغة الخطاب التعليمي في الحديث النبوي الشريف عن بلاغة الخطاب الشعري كما تختلف أيضاً من بعض الوجوه مع بلاغة الخطاب الحجاجي.

تتأسس هذه الشبهة على الخلط في إجراءات التحليل البلاغي بين ما يصلح للخطاب الشعري أو الحجاجي، من ناحية، وما يصلح للخطاب التعليمي، فقد صدر أكثر المحللين للبلاغة النبوية ـ إن لم يكن جميعهم ـ دون مراعاة للفروق والخصائص النوعية لأنواع الخطاب المختلفة، وهو خلط مرده إلى عدم وجود تفريق في النظرية البلاغية العربية بين أنواع الخطاب وغاياتها، فإن وضْعَ الباحثِ نصب عينيه الغايةَ من الخطاب الذي يمثل مادة التحليل الذي يقوم به يُعَدُّ أحدَ أهم المبادئ النظرية التي تؤسس لعملية تحليل دقيقة؛ لأن مراعاة هذه الغاية يحدد للباحث: عن أي شيء يبحث ؟ ومن ثم يحدد له الغاية من عملية التحليل البلاغي التي يقوم بها.
الشعر خطاب تخييلي يهدف إلى تحقيق المتعة وإثارة القبول على المستوى الجمالي، أما الحديث النبوي فهو خطاب حقيقة يهدف إلى تمكين الحقائق التعليمية التبيينية التشريعية في نفوس المتلقين المسلمين عن طريق تضمن نصوص الحديث النبوي الشريف لوسيلتي التمكين للحقائق المتمثلتين في التأثير والإقناع، ولكن مما ينبغي التنبُّه إليه أيضاً أنه في تحقيق هاتين الغايتين يختلف أيضاً عن الخطاب الحجاجي الخالص، ومن ثم يأتي التأثير والإقناع في الحديث النبوي الشريف محتفظاً بخصائصه التي تميزه عن الخطابين الشعري والحجاجي في تحقيقه لغاية التـأثير والإقنـاع، ولكن هذه الغاية لا تلبث أن تتحول إلى غاية وسطية، أو وسيلة ـ بشكل ما ـ بين الغاية المضمونية التعليمية التربوية التشريعية وضمانات تحولها إلى منجز فعلي في السلوك البشري للمستهدفين بالخطاب، والتأثير يخاطب القلب والوجدان أي يخاطب في الإنسان إنسانيته والمشاعر المختلفة من الخوف والحذر والإشفاق وغيرها، أما الإقناع فيخاطب في الإنسان عقله المفكر الذي يختبر الفكرة ويتفحصها حتى إذا اقتنع بها استقرت يقيناً، ومن ثم جاء التأثير والإقناع ـ بوصفهما غاية أولية تؤدي إلى غاية التمكين لما يقتضيه الخطاب من غاية تعليمية تشريعية في السلوك الفعلي ـ منهجاً ملازماً لهذه البلاغة تحقيقاً للغاية الإبلاغية التي كُلف بها صاحب هذه البلاغة  في أنماط أسلوبية لها خصوصيتها المتوائمة مع غايتها.
ولنا أن نشير إلى أن بُعدي التأثير والإقناع معاً يختلفان في الحديث النبوي الشريف عن غيره من كثير من أنواع الخطاب، فالإقناع هنا لا ينبني على حجة منطقية عقلية خالصة وفق المفاهيم التي سادت في نظريات الحجاج الأرسطي وتطوراتها الحديثة التي نجد ظواهرها في الخطاب الحجاجي في مختلف ميادينه، ولكنه ينبني هنا على متكأ سياقي يتعلق بعناصر سياقية تحكم عملية التواصل بين المرسل والمستقبل، وليست هذه المحددات السياقية الخاصة بالمتكلم في الخطابة ببعيدة عن رؤية أرسطو، فقد رأي أن التصديقات مبنية على أبعاد ثلاثة ينبني البُعد الأول منها على أخلاق القائل إذ تتمثل هذه الأبعاد المحققة للإقناع عنده فيما يلي:
أولا: أخلاق القائل (المحددات السياقية)
ثانياً: تصيير السامع في حالة نفسية ما (التأثير)
ثالثاً: القول نفسه، من حيث هو يُثبت أو يبدو أنه يُثبت (مدى تضمن القول لحقيقة وبرهان)( ).
ولا يخفى علينا ارتباط أخلاق القائل ـ على حد تعبير أرسطو ـ بالمحددات السياقية التي نقول بها، بل إنه يوليها تفصيلاً وتأكيداً على ضرورتها بقوله: " وليس صحيحاً أن الطيبة الشخصية التي يكشف عنها المتكلم لا تُسهم بشيء في قدرته على الإقناع، بل بالعكس، ينبغي أن يُعد خلقه أقوى عناصر الإقناع لديه"( )، ومن ثم نؤكد على العنصر السياقي بوصفه من أهم عناصر الإقناع في الحديث النبوي الشريف، وتأتي الأبعاد السلوكية ضمن تأسيس الحديث النبوي الشريف لبلاغته الخاصة وهو ما يدخل في الجانب الذي حدده أرسطو فيما يتعلق بكيفية المتكلّم وسمته.
كما لا يخفى أن أمر مراعاة مقتضى الحال عند المتلقي الذي يدخل في الأطر السياقية ليس ببعيد عن النظرة الأرسطية للحجاج ووسائل الإقناع، "فإن الإقناع من الممكن أن يتم بواسطة السامعين إذا كانت الخطبة مثيرة لمشاعرهم، فأحكامنا حين نكون مسرورين ودودين ليست هي أحكامنا حين نكون مغمومين ومعادين"( ).
ثم يأتي العنصر الثالث مُحدداً في العنصر اللغوي لا من حيث الأسلوب وما يشتمل عليه من الظواهر البلاغية ولكن من كون اللغة حاملة للحجج والبراهين العقلية، " فإن الإقناع يحدث عن الكلام نفسه إذا أثبتنا حقيقة أو شبه حقيقة بواسطة حجج مقنعة مناسبة للحالة المطلوبة"( )، إذ لا تحتل الظواهر البلاغية والأسلوبية المكانة الأولى في بلاغة الحجاج في السياق الغربي قديماً وحديثاً، وهي ربما تختلف في هذا المنحى عن السياق العربي، ويشير د. محمد العمري إلى الاختلاف بين الرؤية العربية والرؤية اليونانية القديمة في العنصر المهيمن في الخطابة الحجاجية الإقناعية " فربما كانت للمنطق الأولوية عند اليونان فكان الاهتمام بالحجة، في حين نجد الشعر علم العرب الذين لم يكن لهم علم أصح منه فكانت للأســلوب والعبـــارة الصـــدارة"( )، ولكننا نحترز هنا من أخذ هذا القول على إطلاقه، فالأمر يختلف مع بلاغة الحديث النبوي الشريف تبعاً لاختلاف الملابسات السياقية على تنوعها وغزارتها، ولخصوصية النص من حيث هو منطوق لغوي خاص في أسلوبه.
ومما ينبغي أن يؤخذ في حساب المحلل البلاغي الأسلوبي أن الحجاج في المقامات الخطابية التي انبنت عليها أفكار أرسطو يختلف فيها الأبعاد السياقية من جهتي المخاطِب والمخاطَب، فطرفا الخطاب في المقام الحجاجي ـ في الغالب ـ يجمع بينهما عداء، فكلا الطرفين مدفوع بغايات شخصية ذاتية، ومن ثم فإن الأبعاد السياقية التي تحكم العلاقة بين طرفي الخطاب تتمثل في سوء الظن، والاتهام، والرغبة في إحراز الانتصار، فالمنفعة هي الهدف وليست الحقيقة، ومن ثم فإن العلاقة التي تحكم الطرفين هي علاقة الصراع والمخادعة، والإقناع هنا لا يهدف إلى بيان حقيقة بقدر ما يهدف إحراز منفعة.
وما هكذا يكون بُعد الإقناع في بلاغة الحديث النبوي الشريف، فالسياق الذي يحكم طرفي الخطاب إنما هو سياق غاية في الشفافية والصدق، فالمخاطِب هنا يستهدف بالإقناع من يؤمنون به نبياً ورسولاً شاهدين وغائبين، ومن ثم قلنا بأن الإقناع هنا يعتمد على دعائم سياقية بالدرجة الأولى، ثم تأتي الصياغة بعد ذلك ليست من قبيل الإقناع بالحجة اللغوية الخالصة، ولكن اللغة تأتي هنا وسيلة لتمكين الحقيقة من نفس المتلقي، ومن هنا نقول بمغايرة الإقناع في الحديث النبوي الشريف لغيره من أنماط الخطاب الحجاجي بين البشر بعضهم البعض في دوافعه ووسائله وملابساته السياقية.
إن ما قلناه في الإقناع يصدق على التأثير، وإن كان الأمر فيما يتعلق بالحجاج أقل ظهوراً في معالجات البلاغة النبوية الشريفة، فإذا كان الحديث النبوي الشريف ليس خطاباً حجاجياً فإنه ـ في الوقت نفسه ـ ليس خطاباً شعرياً، فالتأثير بوصفه غاية وجدانية تختلف في الحديث النبوي الشريف عنها في الشعر، فإن التأثير الشعري ربما كان أقصى ما يرمي إليه هو أن يحقق نوعاً من التعاطف، من اكتساب موقف المخاطَب، الممدوح في شعر المديح، المرأة في شعر التغزل، المعتَذر إليه في شعر الاعتذار، إنه نوع من الاستمالة العاطفية الخالصة يكون المخاطب مستهدفاً بها أما البيان النبوي فهو " بيان واضح لا يجنح به الشعر عن الدقة والتحديد إلى المبالغة والإغراق، ولا يميل به عن الواقع المشاهد إلى الخيال الشارد"( ) فالتأثير في الحديث النبوي الشريف لا يجنح إلى المبالغات التي تشتمل على نوع من المغالطات والمبالغات الشعرية، ولكنه أيضاً تأثير ينطلق من الغاية الإبلاغية التبليغية ويهدف إلى إقرار حقائق في عالم الشهادة أو إلى التمكين لتصورات عقائدية في عالم الغيب، ويتضافر التأثير مع الإقناع في هذا التمكين والإقرار للحقائق، فإذا كانت الظواهر البلاغية التي تنتمي إلى ما عُرف في البلاغة العربية بعلمي البيان والبديع من أهم وسائل التأثير في الشعر فإنها كذلك في الحديث النبوي الشريف، ولكنها بدورها تختلف في مبعثها وغايتها، والأهم أنها ينبغي أن تختلف في موقعها من اهتمام الباحث في البلاغة النبوية، ولكن أغلب الباحثين في البلاغة النبوية قد غاب عنهم التفريق بين الشعر والحديث النبوي الشريف في تحليل الظواهر البلاغية في الحديث وفق التصورات النظرية التي ينطلقون منها لتحليل بلاغة الشعر، وبخاصة في بحثهم عن الغاية الجمالية الخالصة وكأنها هي الغاية من الحديث النبوي الشريف، وهذا هو أساس هذه الشبهة.
إن غاية الحديث النبوي الشريف تعليمية تبيينية تشريعية، ثم يأتي البُعد الجمالي نتيجة تالية لهذه الغايات، ومن ثم تدخل الشبهة على من قاموا بالتحليل البلاغي للحديث النبوي الشريف بلاغياً من جهتين:
ـ أنهم كــــانوا شاخصين إلى البعد الجمــالي وما يتعلق به من غـــاية تحسينية تزيينية.
ـ أنهم في سبيل الوصول إلى ما يرجونه استخدموا إجراءات التحليل البلاغية التي تستخدم في تحليل الخطاب الشعري.
والحقيقة أن أكثر الدراسات التي قامت حول التحليل البلاغي للحديث النبوي الشريف لم تأخذ نفسها بالتفريق بين بلاغة الحديث النبوي وبلاغة الخطاب الشعري، ومن هنا دخلتها الشبهة، على حين نرى أنه من الضرورات المعرفية أن نفرق بين بلاغتين: بلاغة تنطلق من الحقيقة وتتأسس عليها وتهدف إلى إقرارها، وبلاغة وليدة خيال تنطلق منه وتتأسس عليه ولا تهدف إلا إلى غاية إمتاعية خالصة، ومن ثم يخطئ غير واحد ممن يتصدون للحديث عن البلاغة النبوية باختزالها في الظواهر البيانية الأكثر وضوحاً ولفتاً للانتباه من تشبيه واستعارة وغيرها ناظرين إلى هذه الظواهر نظرتهم إلى بلاغة الشعر التي تنبني على هذه الظواهر، وما فطنوا إلى أن الشعر " معاناة فردية يخاطب فيها الشاعر نفسه التي يجرد منها مستمعاً قبل التوجه إلى أي مستمع خارج الذات الشاعرة"( )، ومن ثم يجدر بنا أن ننبه إلى أن معايير الحكم على الظواهر البيانية تختلف حسب السياق الثقافي الذي يتحكم في رؤية هذه المعايير، فإن " أكثر ما يستحسن ويستقبح في علم البلاغة له اعتبارات شتى بحسب المواضع"( )، ومن هنا نقول باختلاف الظواهر البيانية في الحديث النبوي الشريف عن الشعر في منابعها وغاياتها وهذا الاختلاف ينعكس على تكوينها، ومن ثم وظيفتها التواصلية:

نجد مصدر الظواهر البيانية عند الشاعر العاطفة والخيال، أما في الحديث النبوي الشريف فمنبعها ليس هو الخيال ولا العاطفة ولكن منبعها الحقيقة، فقد استقر عند نقاد الشعر الذين انشغلوا تماماً بالظاهرة البلاغية ذات المنبت الشعري أن الظاهرة البيانية، وبخاصة التشبيه والاستعارة، إذا كانت وليدة العقل والحقيقة فإنها تركن إلى التكلف ثم ذهبوا إلى ذم هذا اللون من الظواهر في الشعر فرأى د. محمد زكي العشماوي " مثل هذا اللون من الشعر يفضحه ويكشف عن زيفه خلوه من العاطفة، لأنه كثيراً ما ينفصل فيه العالم الخارجي عن العالم الداخلي للشاعر، فتبدو اللغة التي يستخدمها الفنان وكأنها مجرد أداة لوصف العالم الخارجي كما هو واقع لا كما يدور في نفس الفنان، وعندئذ تتحول اللغة عن وظيفتها الأساسية في الفن وتصبح مجرد إشارة إلى الشيء الذي يصفه الشاعر"( )، وهذا الرأي مبني على فكرة الخيال التي قال بها غير واحد من النقاد الغربيين، فقد ذهب ريتشاردز I.A.Richards إلى قصْر الخيال على التشبيه والاستعارة، فمن بين تعريفاته للخيال ".... لا يقصد بالخيال أكثر من استخدام لغة المجاز فيقال عن الناس الذين يستخدمون بطبعهم الاستعارة والتشبيه، ولاسيما إذا كانت الاستعارة والتشبيه من نوع غير مألوف، يقال عنهم إنهم تتوفر لديهم ملكة الخيال"( )، وقد انبنى رأي كولردج في الخيال الثانوي على أن الخيال هو الذي يذيب ويلاشي ويحطم العلاقات المستقرة العرفية بين العناصر ثم يعيد تشكيلها من جديد، فالخيال عنده " هو القوة التي بواسطتها تستطيع صورة معينة أو إحساس واحد أن يهيمن على عدة صور أو أحاسيس في القصيدة فيحقق الوحدة فيما بينها بطريقة أشبه بالصهر"( )، ولا يخفى علينا أن نفي العلاقة العقلية بين عناصر الاستعارة يمثل نظرة شعرية خالصة منبعها جمالي خالص، بل إنه من معايير بعض النقاد المحدثين أيضاً ما ذهب إليه د.عبد العزيز الأهواني في تعليل تفضيل بعض القدماء التشبيه على الاستعارة بأن ذلك يرجع إلى " أن التشبيه في كثير من الحالات مظهر من مظاهر البدائه في التفكير، والسذاجة الأولية في التعبير، وأنه يدل في بعض الحالات أيضاً على عجز الأداة اللغوية عن الوفاء بالتعبير المباشر عما في النفس من مشاعر، أو عن عجـز هذه النفــس عن التمييز الدقيق والتفطن المرهف لما يعتلج في ضميرها"( )، قد تصدق هذه الأقوال على معالجة التشبيه والاستعارة في الشعر، ولكن كيف يمكن أن تصدق هذه المبادئ والأحكام على التشبيه والاستعارة في الحديث النبوي ؟؟؟
لا مناص من أن نعترف في وضوح وجلاء بأن هذه المعايير والرؤى لا يمكن أن تصدق بحال من الأحوال على الظواهر في الحديث النبوي الشريف، ومن هنا يتأكد لنا أن تناول الظواهر البلاغية في الحديث النبوي الشريف بمعايير الشعر شبهة من أخطر الشبهات، فالعاطفة في أبسط مفاهيمها هوى، ورسول الله  منزه عن الهوى.

إن الحديث النبوي لا يقف عند حدود الإبلاغ والإخبار والأمر والنهي ولكنه يتجاوز ذلك ويتخطاه إلى التمكين لمضمون هذه الأساليب في نفس المتلقي، وإنه من بين الخصوصيات التي تتوفر لأساليب الخطاب في الحديث النبوي الشريف أن الغاية التعليمية لا تعني مجرد نقل معرفة في حياد من ناقلها، أي أن ناقل هذه المعرفة يلقيها عن كاهله بذكرها ولكن الغاية التعليمية تلتبس بغايات التفهيم والإقناع والتمكين للحقائق، فالمعلم هنا لا تتوفر له أبعاد سياقية تؤكد على التباس مضمون القول التعليمي بذاته فهو ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ (التوبة: 128)، فهذا الحرص وهذه الرأفة وهذه الرحمة حيثيات سياقية تتعلق بالمتكلم تستحضر البُعد النفسي الذي يجعل من المضمون التعليمي مضموناً نفسياً، فلا تقف غاية المتكلم عند حدود نقل المعلومة أو الخبر، ولكنها تتجاوز هذه الغاية إلى استخدام الوسائل الأسلوبية التي تؤدي إلى التمكين للخبر بمضمونه وأسلوبه في نفس المتكلم، فما الأسلوب هنا سوى وسائل لهذا التمكين، الذي لا يقف بدوره عند غاية التمكين، ولكنه يتجاوز هذه الغاية أيضاً إلى التحول بمضمون الخبر (المضمون التعليمي) إلى فعل مُنجَز، على مستوى المتلقي المبلَّغ الشاهد والمبلَّغ المتلقي الغائب المستقبلي، فليس ثم من شك في احتياج المتلقي الغائب المستقبلي إلى وسائل أسلوبية بلاغية تعينه على مراحل التواصل التي تبدأ بمعرفة المضمون التعليمي للخبر، ثم الاقتناع بهذا المضمون والإيمان به، ثم التمكين لهذا المضمون بوصفه حقائق، ثم التحول بهذا المضمون التعليمي إلى أفعال مُنجَزة.
كيف تحقق الظواهر البلاغية الأسلوبية هذه الغايات ؟ إنها جوامع الكلم بكل ما لها من خصوصية، وبكل ما تستوجب من خصوصية في بحثها وتحليلها، فإن التحسين متحقق، ولكنه هنا يكتسب جماله من الدقة والإتقان والإحكام، وليس من الإغراق في المبالغات والخيال، لأن هذه الظواهر لا تُسرف في المبالغة والخيال، ولكن الخيال يأتي هنا محكماً في اقتصاره على إثارة تصورات ذهنية عند المتلقي تعين على تصور أمور غيبية فيما يتعلق بالجزاء على الأعمال في الآخرة أو التحذير من أمور غيبية في المستقبل في عالم الشهادة.
إن غاية الحديث النبوي الشريف الإبانة والتبليغ والتمكين للحقائق، وهذه الظواهر البلاغية وسيلة من وسائل التمكين للحقائق التشريعية والحقائق الغيبية في نفس المخاطب، ومن ثم يكون المنطلق في البحث عن إسهام الظواهر البلاغية في التمكين لهذه الحقائق، وليس فقط لإبلاغ هذه الحقائق، ويخطئ غير واحد من دارسي هذه الظواهر في الحديث النبوي الشريف في أنهم يجعلون الغاية التحسينية الجمالية هي المنطلق الذي ينطلقون منه في عمليات التحليل التي يقومون بها، وليس هذا الخطأ إلا نتيجة من نتائج الخلط بين المنطلقات النظرية لتحليل الشعر والمنطلقات النظرية لتحليل الحديث النبوي الشريف، فإن هذا الخطأ لا يمثل فقط اجتراء على خصوصية الخطاب، بل إنه ليمثل قصوراً معرفياً عاماً وجذرياً في فهم أبعاد البلاغة بشكل كُلّىّ، وهذا الصنيع ينطلق فيه الدارسون متعجلين تحيط بهم نزعة المجهود الأدنى فيجترؤون على درسٍ ما يزال بحاجة إلى جهود باحثين مخلصين لسبر أغواره " وكيف يظن إنسان أن صناعة البلاغة يتأتى تحصيلها في الزمن القريب، وهي البحر الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار ( )، وإذا كانت البلاغة تحتاج إلى هذه الجهود فإن الخطاب موضوع الدراسة بحاجة مضاعفة إلى تمثل خصوصيات ظواهره، وتمثُّل آليات معالجته.
إن رؤية هذه الظواهر البلاغية في خطاب الحقيقة قد باءت بتقصيرين، فهي من جانب لم تتوفر لها الدراسات والأبحاث التي تضع الحدود الفاصلة بينها وبين بلاغة الشعر، ومن ناحية أخرى لم تتيسر لها جهود تكشف عن خصائصها بقدر ما توفر للخطاب الشعري الجمالي الخالص، فلم تقم حدود معرفية واضحة في التراث العربي بين البلاغتين، فربما " لا تطرح كلمة بلاغة في السياق العربي إشكالاً في كونها علم الخطاب الاحتمالي بنوعيه التخييلي والتداولي ـ يقصد المؤلف بالتداولي الخطابي أو الإقناعي أو خطاب الحقيقة أو ما أطلق عليه هو الخطابية في مقابل الشعرية ـ، وذلك نتيجة الدمج الذي مارسه، في المرحلة الثانية من تاريخها، كل من عبد القاهر الجرجاني وابن سنان الخفاجي ثم السكاكي وحازم القرطاجني، وذلك بعد المحاولة التلفيقية التي قام بها العسكري تحت عنوان: الصناعتين، فبرغم ما أدت إليه هذه العملية من إقصاء واختزال أحياناً، ومن تحويل المركز أحياناً أخرى (من التخييل إلى التداول خاصة) فقد ظل شعار الوحدة البلاغية مرفوعاً"( ).
فإذا عدنا إلى الرؤية العربية الحديثة الغائمة وجدنا أن البعد المفقود المتمثل في بلاغة الحجاج الذي جدَّ الغربيون في استرجاعه ظل بعيداً عن الرؤية العربية، ولا يكاد يستثنى من هذا الحكم سوى المدرستين التونسية والمغربية، أما المدرسة المصرية فقد استغرقت استغراقاً تاماً حتى نهاية القرن العشرين في بلاغة واحدة هي بلاغة الشعر، أو البُعد الشعري للبلاغة، أو البُعد التخييلي، أو المدرسة الأدبية أو المدرسة الفنية، كما راق لأمين الخولي أن يُطلق عليها وسار على دربه غير واحد من الأمناء عن قصد وعن غير قصد، حين عمد إلى تأثيل المدرسة الفنية فاستغرق استغراقاً تاماً في البُعد الجمالي الفني الخالص؛ لأنه ربط الجمود والجفاف والتعقيد في الدرس البلاغي بعلاقة البلاغة بالمنطق والاستدلال( )، ملقياً بالتبعة على السكاكي لعقده فصلاً عن الاستدلال في كتابه مفتاح العلوم، إن هذا الاستغراق التام في البُعد الشعري للبلاغة جعل د. محمد العمري " يستغرب انقطاع دارسينا عن القديم، وعدم مسايرتهم للحديث، في دراسة الخطاب الإقناعي، وتراثنا الحجاجي يضاهي التراث الشعري أو يأتي بعده، ولعل من آثار ذلك أن المعالجات البلاغية للظواهر البيانية من تشبيه واستعارة وتمثيل التي لم تتأسس على أصول نظرية، تراعي خصوصيتيهما في الحديث النبوي الشريف، لم تلتفت إلى الجانب الإقناعي في وظيفتيهما الالتفات الكافي الذي يقف بنا على سمات هذه الخصوصية وما تستلزمه من مراعاتها للأبعاد السياقية الخاصة بالخطاب النبوي الشريف، وهي في هذا تأتي ضمن منظومة الخلط والاضطراب في كثير من الرؤى العربية " فقد اعتاد الدارسون العرب المحدثون معاملة النص الخطابي الإقناعي نفس معاملتهم للنص الشعري أو أي نص إنشائي آخر، وهذا يجافي الروح المنهجية التي تقتضي أخذ طبيعة الموضوع بعين الاعتبار عند تحديد منهج تناوله"( ).
لقد جاء الالتفات إلى الغاية التعليمية في الدراسات البلاغية للحديث النبوي الشريف متمثلاً في تعليقات متناثرة ذات طبيعة استثنائية أثناء التعليقات التي توزعت بين الشرح والجانب الوعظي وما يُرشد إليه الحديث وبعض المسائل الفقهية التي تعرضت لها الشروح التراثية، وهذه هي السمة الغالبة على كتاب د. عبد الباري طه سعيد: " أثر التشبيه في تصوير المعنى، قراءة في صحيح مسلم"( )، أما كتاب د. محمد الصباغ: " التصوير الفني في الحديث النبوي " الذي تعرض لأكثر من ثمانمائة حديث فقد طغى فيه تتبع الأبعاد الجمالية الخالصة إلى جانب ما ذكرنا من أمور الشرح والتفسير، ومن ثم جاء الكتاب مكدساً بعبارات الإعجاب بالبعد الفني الجمالي والوقوف عند تحديد نوع الظاهرة البلاغية نحو: " صورة حية ومشهد مثير ـ صورة فنية رائعة ـ الحديث زاخر بالتصوير الرائع ـ... إلى آخر هذه التعليقات التي لا يكاد يخلو منها تعقيب على حديث، ومعاذ الله أن أقصد المؤاخذة على الكتابين، أو أُنصب نفسي حكماً عليهما؛ فهما من الإنجازات المعرفية في هذا الباب التي أفادت الباحثين، بيد أن العلم إنما هو مراجعة مستمرة وجدل دائم يضيف اللاحق إلى السابق من غير نكران أو جحود، فقط أردت أن أؤكد على ضرورة تحديد إطار تنظيري للبحث البلاغي في الحديث النبوي الشريف.

إن انصراف اهتمام المعالجات البلاغية للحديث النبوي الشريف إلى رصد الظواهر البيانية خلل منهجي واضح، ثم إن انصراف اهتمام من انغمسوا في تتبع هذه الظواهر إلى البُعد الجمالي لهو مجافاة للمقتضيات المعرفية، يشهد بضبابية علمية معرفية تأباها الأمانة العلمية، ولا تليق ـ من ناحية أخرى ـ بقدسية النص الذي يتم انتهاكه معرفياً باختزاله في هذه النظرات العجلة التي لم تأخذ نفسها بشيء من التثبت والتدبر، شاهدة بذلك على ابتلاء المشهد العقلي العربي بنزعة المجهود الأدنى وعشوائية الممارسات المعرفية والتخبط والخلط والاضطراب.
خلاصة القول أن البُعد الحجاجي الإقناعي ظل بعيداً بشكل لافت عن بؤرة الاهتمام في رؤية الظواهر البلاغية في الحديث النبوي الشريف، وبخاصة التشبيه والاستعارة، ومن هنا يتأكد لنا ضرورة وضع هذه الأصول النظرية؛ لأنه ليس من الصواب أن نستند على معايير البلاغيين والنقاد قدماء ومحدثين ـ الشاخصة للبُعد الشعري ـ في البحث البلاغي الأسلوبي في الحديث النبوي الشريف، بل لعلنا لا نكون مبالغين إذا زعمنا أن معظم الجهود السابقة التي انطلقت من بلاغة الشعر في البحث في بلاغة الحديث النبوي الشريف بحاجة إلى مراجعة، ولا أحسب دراسة واحدة قد شذت عن هذه القاعدة.
ولن نستطيع أن نوضح الأبعاد الإقناعية التمكينية جميعها للظواهر البيانية وما يتعلق بها من أبعاد تداولية تخص المتكلم والمخاطب من ظروف نفسية وملابسات سياقية، ولكننا نعود ونستحضر هنا مقولة د. محمد العمري عن أن الظواهر البيانية المرتبطة بتحليل الخطاب الشعري تعد عنصراً تالياً في الخطابة الأرسطية، نستحضر هذا الملمح لأهميته في إقرار حقيقة تتعلق بالإقناع أو التمكين في بلاغة الحديث النبوي، خلاصة هذه الحقيقة أن الظواهر البيانية تأتي رافداً من الروافد التي تغذي الإطار الأوسع للغاية التعليمية المتمثل في الأمر والنهي، ومن ثم تقتصر رؤية هذه الظواهر على إسهامها في التمكين للأمر والنهي في الحديث النبوي الشريف.
تعرضت دراسات الحجاج إلى البعد الإقناعي في الظواهر البيانية، وقد كان للاستعارة الحظ الأوفر في هذه الدراسات، وقد اعتمدت الرؤية الحجاجية للاستعارة على روافد المنجزين المعرفيين العربي والغربي، ولعل من أوثق الرؤى علاقة بالبُعد الحجاجي في التراث العربي رؤية الفلاسفة المسلمين، فقد تجاوزوا الرؤية الشعرية الخالصة للاستعارة ببحثهم في الفرق بين التصديق والتخييل، ولكن مقولاتهم أدخل في الحجة المنطقية لأنها تعيش في بيئة الفلاسفة، وإن لم يفرقوا في معالجاتهم بين الاستعارة في الخطابين الشعري والإقناعي، وقد أشرنا إلى هذه الملاحظة في دراسة سابقة على أنه ضرب من الخلط قد لا يكون مقبولاً في الاستعارة الشعرية التي منبعها الخيال، ومن ثم رأينا أن رؤيتهم هذه من الرؤى المؤسسة على المستوى التنظيري لظاهرة التكلف في الشعر، ربما كانت مفاهيم أرسطو مسئولة عن تلك النظرات المنطقية إلى الاستعارة التي انبنت على القرب والظهور والملاءمة والمناسبة بين طرفيها، فقد ترددت هذه المفاهيم بشواهدها في مباحث الفلاسفة المسلمين الذين أقرُّوا بقيام العلاقة بين طرفي الاستعارة على نوع من التناسب المنطقي بأشكاله المختلفة، وعلى الرغم من قبول ابن سينا للعلاقات المتباعدة بين طرفي الاستعارة فإنه لم يهمل شرط التناسب المنطقي( )، وقد جاءت رؤية الظواهر البيانية من تشبيه وتمثيل واستعارة تحت مظلة مصطلح متداخل مع هذه الظواهر جميعها على الرغم من خصوصيته التي يتفرد بها عن هذه الظواهر في بعض المواضع، هذا هو مصطلح التخييل، فقد تشعب البُعد المنطقي في رؤية هذا المصطلح بين بيئة الفلاسفة وخصوصاً الفارابي وابن ســـينا، والبلاغييـــن وخصوصاً عبد القاهر الجــــرجاني وحازم القرطاجني( )، بيد أن واحداً من هؤلاء الفلاسفة والبلاغيين لم يفصل فصلاً واضحاً بين الخطابين الإقناعي والشعري، ولعل الملاحظة الوحيدة في هذا الصدد تُذكر لعبد القاهر الجرجاني إذ استبعد ظاهرة التخييل من القرآن الكريم، وهذا جعله يفصل بينه وبين الاستعارة لوجود الاستعارة في القرآن الكريم( )، وكان من الممكن لهذه الملاحظة أن تستثمر بوصفها مقدمة أولى للفصل بين البلاغتين، ولعل هذا ما جعل عبد القاهر يستغرق استغراقاً كاملا في الرؤية الشعرية للتخييل في اتصاله بالظواهر البلاغية الأخرى وفي انفصاله عنها.
أضف إلى هذا أن قول الفلاسفة المسلمين بأن الغاية من الاستعارة هي تحسين الشيء بقصد إيثاره والإقبال عليه أو تقبيحه بغرض كراهيته والنفور منه يتوافق مع الغاية التعليمية للحديث النبوي الشريف المبنية على أسلوبي الأمر والنهي، مما يذكر لرؤية الفلاسفة المسلمين، فالالتفات إلى غاية الإفهام يتلاقى مع الغاية التعليمية بمقوماتها التمكينية التبليغية، وإن كانت رؤيتهم هذه تتطلب تدقيقاً يراعي خصوصيات الخطاب، فقد ذهبوا في تعليل التحسين والتقبيح بالقول بالتخييل، والقول بالتخييل من الممكن قبوله مع تحديده في تمكين الحقائق ونفي خاصية التهويم الخيالي الخالص، إلا أنهم ربطوا وجود التخييل بنفي صحة الاعتقاد من المتكلم أو المخاطب، وهذا ما لا يُقبل بحال في معالجة خطاب الحقيقة أو بلاغة الإقناع، ومن ثم نقول بأن أمر قبول المقولات النظرية يبقى مرهوناً بالخصوصيات السياقية التداولية للخطاب.
فإن ما ذهبوا إليه في حجاجية الاستعارة ـ مثلاً ـ لا يصدق كثير منه على الاستعارة في الحديث النبوي الشريف، من ذلك ـ مثلاً ـ قولهم بأن الاستعارة قول حجاجي، ثم ذهبوا إلى أن حجاجيته من الصنف التفاعلي التحاج( )، وما هكذا جاءت الاستعارة في الحديث النبوي الشريف، وإنما يُعذرون في ذلك لاشتغالهم بالتنظير البلاغي للاستعارة بشكل مطلق واضعين في بؤرة اهتمامهم النموذج التفاعلي للحجاج وظواهره المختلفة، وتأتى عدم توافق هذه الرؤية التنظيرية مع الخطاب في الحديث النبوي الشريف من ناحيتين:
فمن ناحية نرى مراعاة المحددات السياقية والأبعاد التداولية الخاصة بالحديث النبوي الشريف، بل الخاصة بكل خطاب تقتضي غير ذلك، ومن ناحية أخرى نجد استقراء المجاز الاستعاري في الحديث النبوي الشريف يشهد بأن الحقيقة غير ذلك، ومن ثم فإن الحجاج هنا ليس حجاجاً حوارياً( ) وفق المستوى التنظيري، وقد خلص الباحث نفسه بعد مناقشات إلى وضع البُعد التداولي السياقي في دائرة اهتمام الحجاج الاستعاري بإشارته إلى مقولة د. طه عبد الرحمن أن القول الاستعاري قول عملي( )، ثم جعل الاستعارة أبلغ وجوه تقيد اللغة بمقام الكلام , ذاهباً إلى أن هذا المقام يتركب من المتكلم والمستمع ومن أنساقهما المعرفية الإرادية والتقديرية ومن علاقاتها التفاعلية المختلفة، وهذا التقيد الاستعاري بالمقام سبب كاف لأن يجعل الاستعارة تدخل في سياق التبليغ الخطابي بوصفه نسقاً من القيم والمعايير العملية؛ فإن هدف هذا السياق هو بالذات إجراء تغيير في الأنساق الاعتقادية والقصدية والتقويمية للناطقين ودفعهم إلى الانتهاض إلى العمل , ويظهر هذا التوجه العملي للاستعارة في ارتكازه على المستعار منه , سواء أصرح به أم لم يصرح وغالباً ما يقترن المستعار منه فيها , حالياً أو مقامياً , بنسق من القيم العليا؛ إذ ينزل منزلة الشاهد الأمثل والدليل الأفضل , فتكون الاستعارة بذلك أدعى من الحقيقة بتحريك همة المستمع إلى الاقتناع بها والالتزام بقيمها , فالمستعير يقصد أن يغير المقاييس التي يعتمدها المستمع في تقويم الواقع والسلوك , وأن يتعرف المستمع على هذا القصد منه , وعلى معنى كلامه وما يلزمه منه , وأن يكون هذا التعرف سبيلاً لقبوله لخطابه وإقباله على توجيهه، ثم يخلص من تحديد هذه الحقيقة إلى إثبات أمرين: الأول أن وشائج الاتصال قائمة بين الاستعارة ونظام الموازين العملية التي ينبني عليها التواصل الاجتماعي , والآخر إبطال دعوى انحصار الاستعارة في الغاية التحسينية الجمالية الخالصة، أي اقتصار الاستعارة على المفهوم الذي روج له أصحاب اتجاه تحليل الخطاب التخييلي من نقاد وبلاغيين( ).
ولكن على الرغم من حضور هذا البُعد التواصلي الاجتماعي في المعالجة السابقة فإن غياب النص أو الخطاب موضوع البحث والتحليل يطرح أبعاداً لا تخطر لأي مُنظِّر ـ في الغالب ـ على بال مهما كان حذقه، فلكل خطاب بلاغته، ولكل خطاب قدرته على أن يقترح على النظرية من الإضافات والتعديلات ما يحقق لها مزيداً من التألق والحياة؛ فإن دوام الرؤية التنظيرية واستمرارها مرهون بمرونتها ومدى قدرتها على قبول مقترحات النصوص وألوان الخطاب المختلفة وصهرها في منظومتها، نؤكد بهذا على ضرورة مراعاة خصوصية المحددات السياقية والعناصر التداولية للخطاب في الحديث النبوي الشريف التي لا تتواءم مع كثير من آراء البلاغيين التي كانت شائعة إلى أنواع أخرى من الخطاب، فالأمر في الحديث النبوي الشريف ليس على هذا النحو، فهو ليس حجاجاً حوارياً وإنما خطاب إقناعي وبين الأمرين بونٌ بعيد، فالمتلقي للخطاب في الحديث النبوي الشريف ليس بحاجة إلى حجة، وإن كان بحاجة إلى بيان وتبليغ، فإن أطلقنا على هذا البيان كلمة اقتناع فإنه من الحقائق التي لا جدال فيها أن عملية الاقتناع هنا تنشأ بضمان المحددات السياقية، فالمخاطب مقتنع سلفاً بقدسية النص التي انبنت على مقام المتكلم، وهنا نقول إن الاقتناع لا يعدو أن يكون تمكيناً للحقائق في نفس المتلقي ليتحول الخطاب إلى منجز، إن أقوى دعائم الحجة هنا هي دعائم السياق ولا شيء غير السياق، ومن هنا أيضاً يتضح أن الأقوال العاطفية الخطابية عن قدرته  الحجاجية، وأن هذه القدرة الحجاجية هي ركيزته  في دعوة الناس "... فلا بد أن يكون الذي يتولى هدايتهم من الظلمات إلى النور بالبرهان والمنطق أشدهم عارضة وأقواهم حجة"( )، فقيرة إلى ما يبررها، فليس رسول الله  رجل منطق أو حجاج ومناظرات وإنما هو رسول، والأصل في الرسالة هو التبليغ، وبذلك تتحدد رؤية البعد الإقناعي في الظواهر البيانية بوصف هذه الظواهر جزء لا يتجزأ في منظومة الأبعاد السياقية التي تحكم عملية الخطاب والتواصل؛ لأن الخطاب في الحديث النبوي الشريف موجه إلى المسلمين الذين آمنوا به نبياً ورسولاً وصدقوه بلا شك، كما تتحدد رؤية هذا الظواهر أيضاً في أنها رافد يدعم الغاية التمكينية للأمر والنهي.
أما التشبيه والتمثيل فقد فصل بينهما عبد القاهر وتبعه في هذا الفصل غير واحد من البلاغيين المتأخرين، ولعل أهم ما يدخل في رسم حدود نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف من الرؤى البلاغية هو ما فطن إليه عبد القاهر في تقسيمه التشبيه إلى ما يحتاج إلى تأول وما لا يحتاج؛ لأن ما يحتاج إلى تأول لا يقوم على مجرد عقد علاقة بين شيئين بينهما شبه في الواقع الخارجي، والتشبيه في الحديث النبوي الشريف ليس من ذلك التشبيه الشكلي الذي يقوم على رصد العلاقات، وإنما يقوم على بيان عمق العلاقات بين المشبه والمشبه به بحيث يكون التشبيه في النهاية معيناً على تمكين الحقائق في نفس المتلقي، فهو ينطلق من الغاية التعليمية التي هي الغاية من الحديث النبوي الشريف.
كما يندرج التشبيه في منبعه ضمن الظواهر البيانية التي تتباين في بلاغة الحقيقة عن وجودها في بلاغة الخيال، فليس الأمر هنا مجرد خيال واسع شأن الأدباء والشعراء، ولكنه أمر تمكين لحقائق، ومن ثم فإن منبع التشبيه في الحديث النبوي الشريف هو الحقيقة التي تخاطب العقل، فيكون التأثير بوصفه نتيجة تالية للتشبيه معيناً على التمكين للعقل ليبلغ حداً من تصور الأشياء عبر هذه العلاقة.
ولا يختلف التمثيل عن التشبيه كثيراً في تحقيق هذه الغاية وإن كانا يختلفان في العناصر المكونة لكل منهما، وإن كان لابد أن نعترف بأن التمثيل أمعن في تحقيق عملية التمكين والتمثل للقضايا، ومن هنا كثر التمثيل في الحديث النبوي الشريف، فضرب المثل استحضار لمجموعة من العناصر تربطها علاقات تقوم مقام الدليل وحمل النفس على تصور أشياء، ولن نخوض كثيراً في رصد مقولات البلاغيين عن التمثيل، فسنقتصر هنا على رصد أثره ـ وفق ما يقتضيه المقام ـ في تحقيق الغاية التمكينية للمضمون التعليمي في الحديث النبوي الشريف، ونشير هنا إلى فكرتين جوهريتين تتعلقان بغاية بحثنا اشتملت عليهما رؤية عبد القاهر الجرجاني للتمثيل:
الفكرة الأولى تتمثل في التفات عبد القاهر الجرجاني إلى البُعد الحجاجي للتمثيل، فقد ذكر البُعد النفسي للتمثيل وأثره على المتلقي بأن المعاني " إذا بَرَزَتْ في مَعرِضه، ونُقِلت عن صُوَرها الأصلية إلى صورته، كساها أُبَّهةً، وكَسَبها مَنْقَبةً، ورفع من أقدارها، وشَبَّ من نارها، وضاعف قُواها في تحريك النُّفوس لها، ودعا القُلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابةً وكلَفاً، وقَسَر الطِّباع على أن تُعطيها محبّة وشَغَفاً"( )، إن كان مدحاً، وإن كان ذمّاً، وإن كان افتخاراً، ثم قال: " وإن كان حِجاجاً، كان بُرهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبَيَانه أبْهر،...، وإن كان وعظاً، كان أشْفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزَّجر، وأجدر بأن يُجلّي الغَيَاية، ويُبصِّر الغاية، ويُبرئ العليل، ويَشْفي الغليل"( ).
أما الفكرة الأخرى فتتمثل في التفاته إلى أن أثر التمثيل في التمكين للمعنى المقصود في نفس المتلقي يتحقق في إخراج نفس المتلقي من الخفي إلى الجلي، وفي " أن تأتيها بصريح بعد مكنى، وأن تردَّها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم"( )، وذلك بضرب المثل للحال التي يريد المتكلم تمكينها في نفس المتلقي بالحال التي هي متمكنة بالفعل في نفسه نتيجة لمقتضيات نفسية أو معرفية أو اجتماعية، وكثيراً ما يستعمل التمثيل في الحديث النبوي الشريف في مواضع يكون الشيء المراد التمكين له في النفوس غيبياً يعسر تصوره في ذاته، فيأتي في بيان أثر العمل وجزائه، أو بيان بعض الأمور الغيبية ومنها الأمور المستقبلية في عالم الشهادة، والأمور التي هي في عالم الغيب بصورة مطلقة، ولا يخفى أن هذه الأمور كلها من العسير تصورها، ومن ثم يأتي التمثيل هنا معيناً على تمكُّن المعنى ـ المقتضى التعليمي التبليغي ـ من نفس المتلقي كتمكُّنه من نفس المتكلم، ومن ثم يحقق ارتياح النفس للعمل بمقتضاها، أي التحول بالقول إلى منجز، ليأتي التمثيل في نهاية المطاف ـ شأن غيره من الظواهر البلاغية ـ تعضيداً للأمر أو النهي بوصفهما جوهر الغاية التعليمية التي تهدف إلى تمكين الحقائق في نفوس المتلقين في خطاب الحديث النبوي الشريف، فلم يكن رسول الله  بالذي يقول ليُطرب ويُمتع، ولكنه  يقول ليُعلم .

التي تمثل جانباً من الأصول النظرية لمعالجة بلاغة الحديث النبوي الشريف:
• مراعاة الاختلاف بين غاية الإقناع في الخطاب الحجاجي وغاية التمكين في الخطاب التعليمي في الحديث النبوي الشريف.
• مراعاة الاختلاف بين المنبع الخيالي للظواهر البيانية في الخطاب الشعري والمنبع الحقيقي لهذه الظواهر في الحديث النبوي الشريف.
• مراعاة الاختلاف بين الغاية التخييلية الإمتاعية الاحتفالية للظواهر البيانية في الخطاب الشعري، و الغاية التمكينية لهذه الظواهر في الحديث النبوي الشريف.
• مراعاة الفرق بين الذاتية في الخطاب الشعري والتواصلية في الخطاب التعليمي.
• الظواهر البيانية في الشعر غاية في ذاتها، أما في الخطاب التعليمي فهي وسيلة من وسائل التمكين لمقتضى القول.
• مراعاة حقيقة أن الغاية التحسينية الجمالية نتيجة وليست منطلقاً، فالبحث في بلاغة الحديث النبوي الشريف بحث وسائل التمكين، وهنا ننبه على خلل الرؤية البلاغية المنطلقة من البحث الأبعاد التحسينية الجمالية التزيينة.





http://www.al-madinah.org/madina/doc...8A%D9%81-1.doc

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-02-2010, 10:04 PM   #6
علاء الزبيدي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية علاء الزبيدي
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 5,108
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف

جزاك الله ألف خير وبارك الله لك في مسعاك

__________________
علاء الزبيدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-03-2010, 02:00 AM   #7
الجباري
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 6
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف

ما المانع من الجمع بين الغاية التعليمية و التحسينية او الجمالية؟
لعل هذا الأنسب و الأجدر ..
فبلاغة الحديث الشريف - كبلاغة القرآن - مصدر أساس من مصادر البلاغة العربية، كيف لا و قد فاق البيان النبوي كل بيان ، و بهرت عظمته العقول و النفوس؟
كيف لا نستمد منها القواعد و نتخذها لذلك منطلقا و مرجعا؟ و قد تجاهلها النحاة و اهل اللغة قرونا ومنعوا الاستشهاد بالحديث النبوي في وضع قواعد لعلل واهية حت خرق هذه القاعدة محمد بن مالك في القرن السابع فيما اذكر..
لكن الحذر ان نحمل البلاغة النبوية لا تتحمله و ان تتطاول عليها قواعد المنظرين من لغويين و بلاغيين وان نجبرها على التصريح بما ليس فيها حتى تسلم لهم القواعد و النظريات .. ونحن نعلم انها اجتهادات قد تصيب و تخطئ ، و كثير منها خاضع لذوق قائليها، و النقد البلاغي يتغير بتغير الزمان و المكان و المعتقدات... و ليست كذلك البلاغة النبوية !
فهي مصدر الحسن و الجمال و مثال الكمال البشري ..

الجباري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-06-2010, 05:59 AM   #8
الأميرة دعد
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 6
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف

مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

الأميرة دعد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-08-2010, 09:07 PM   #9
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 70,728
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف حقائق وشبهات

شكراً جزيلاً ... وقد تم الدمج للتكرار

__________________



أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-08-2010, 09:16 PM   #10
روضة الرياض
عضو مشارك
 
الصورة الرمزية روضة الرياض
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: الجزائر(قريبا في الامة العربية المتحدة)
المشاركات: 756
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف حقائق وشبهات

جزاكم الله خيرا
جعله الله في ميزان حسناتكم

__________________
روضة الرياض غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-02-2011, 09:03 AM   #11
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,973
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف حقائق وشبهات

بارك الله في صنيعكم, وجزاكم الخير والمثوبة

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
موسوعة الحديث النبوي الشريف أبوزياد كتب السنة وعلومها بصيغ أخرى 10 07-07-2012 01:40 AM
بلاغة الوصف فى الحديث النبوى من خلال الصحيحين محمد كامل المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 7 22-04-2012 10:50 AM
التكرار في الحديث النبوي الشريف أبو ذر الفاضلي كتب السنة وعلومها المصورة 2 26-03-2012 09:47 PM
الأسجاع في الحديث النبوي الشريف صحيح البخاري أبو ذر الفاضلي كتب السنة وعلومها بصيغ أخرى 8 25-03-2012 11:32 PM
التقابل في الحديث النبوي الشريف دراسة بلاغية أبو ذر الفاضلي المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 7 29-02-2012 09:59 AM


الساعة الآن »12:20 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd