روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > مكتبة علوم اللغة العربية > مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-02-2010, 01:16 PM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,779
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي إبراهيم أنيس والدرس النحوي

إبراهيم أنيس .. والدرس النحويّ
للأستاذ الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف

يعدّ الدكتور إبراهيم أنيس ـ رحمه الله ـ واحدًا من علماء قلائل، لا يكاد عددهم يتجاوز أصابع اليد الواحدة، حملوا على عاتقهم عبء نقل علم اللغة الحديث إلى مصر، ومن ثم إلى العالم العربيّ كله، وفتحوا الباب بما ترجموه من أفكار، وما أبدعوه من آراء، وما أسّسوه من مبادئ لغوية جديدة، أمام الباحثين من بعدهم فساروا في هذه الطريق التي مهدوا، ونهجوا النهج الذي أمّوا . بل إن الدكتور إبراهيم أنيس ـ بلا منازع ـ يعدّ الرائد الأول في الدرس اللغوي الحديث، وكان عليه العبء الأكبرـ لسبقه وتقدمه ـ في نقل الدراسة اللغوية إلى الآفاق الحديثة التي ظهرت في أوربا في مطالع القرن العشرين، فكان العين التي رأت، والأذن التي سمعت، والعقل الذي وعى، ثمّ القلم الذي كتب، فأنهج السبيل لسالكيه، وأنار الغاية لطالبيها ـ وكان بحقّ علامة فاصلة في تاريخ الدرس اللغوي العربي، بحيث يمكن دارسي اللغة أن يؤرخوا به، إذ اختلف الدرس اللغوي بعده عمَّا قبله، سواء أكان ذلك في علم اللغة العام، أم في علم اللغة العربية الخاص، لا سيما في علم الأصوات، واللهجات، وقضايا الصرف، وعلم التراكيب Syntax أو ما يطلق عليه "علم النحو" .
وقد كانت جهود الدكتور إبراهيم أنيس هي التي أدّت إلى إثارة رياح التغيير، وحولت الاتجاه. وإذا كان العالم السويسري فرديناند دي سوسير هو رائد علم اللغة الحديث في العالم المعاصر منذ مطالع القرن العشرين فإن إبراهيم أنيس هو رائد الدرس اللغويّ الحديث في العربية .
كان الدرس اللغوي قبل إبراهيم أنيس يدور في فلك ما خلّف القدماء في النحو وغيره.
وكان الدرس النحوي التقليدي أوضح ما في النشاط اللغوي، ولم تكن الهزّة التي أحدثها ابن مضاء القرطبي في القرن السادس الهجري قد أحدثت أثرها، لأن كتابه " الردّ على النحاة " ظل مطمورًا حتى حققه الدكتور شوقي ضيف سنة 1947م، فظل الدرس النحوي على مألوف أمره في الدوران في تلك الدائرة المغلقة، ولكن ثورة 1919م لم تكن ثورة في المجال السياسي فحسب، بل إنها حركت المياه الآسنة في المجال الثقافي، والأدبي، والنقديّ، والنحويّ، ففي سنة 1921م ظهر كتاب "الديوان" للعقاد والمازني يحاول إرساء مفهوم جديد للشعر، ويهز كثيرًا من المسلمات، وفي سنة 1927 كتاب " في الشعر الجاهلي " لطه حسين، يحاول تأسيس منهج جديد في نقد النصوص، وأثار غبارًا كثيفًا لم تنجل آثاره حتى اليوم . وبعدهما بسنوات ظهر كتاب "إحياء النحو" لإبراهيم مصطفى الذي كان يطمع ـ على حد قوله ـ أن يغير منهج البحث النحويّ للغة العربية، وأن يرفع عن المتعلمين إصر هذا النحو، ويبدّلهم منه أصولاً سهلة يسيرة تقربهم من العربية وتهديهم إلى خط من الفقه بأساليبها(*).
وكان النحو في هذه الفترة ـ كما يصوره طه حسين في مقدمة كتاب إحياء النحو ـ هو العلم العويص الملتوي، والناس يضيقون به، ويتبرمون بحديثه، ويقول: " ضقنا بأصوله القديمة منذ عهد الأزهر، وأخذنا ننكر هذه الأصول أيام الجامعة القديمة، وأخذنا نلتمس له أصولاً جديدة منذ التقينا في الجامعة الجديدة، وذلك لأن الأجيال السالفة لم تكن غيرت من أمر النحو شيئًا اللهمّ إلا الاختصار أحيانًا والتحشية في كثير من الأحيان .
وقد أثارت دعوة إبراهيم مصطفى أيضًا نقاشًا كثيرًا بما دعت إليه من إلغاء العامل النحوي الذي دعا ابن مضاء إليه من قبل، وتفسيره العلامات الإعرابية تفسيرًا يغاير المعهود من أمرها في النحو.
ولعلّ هذا النقاش هو قصارى ما وصلت إليه دعوة الأستاذ إبراهيم مصطفى فلم يأخذ أحدٌ بما دعا إليه مع أن وزارة المعارف قد حاولت الإفادة منها فشكلت لجنة كان فيها الأستاذ إبراهيم مصطفى نفسه، وقررت على طلاب المدارس نتائج عملها الذي كان أساسه رأي الأستاذ إبراهيم مصطفى مع شيء من التعديل، ثم عُدِل عن هذا كله، وعاد أمر النحو إلى ما كان عليه .
والواقع أن الأستاذ إبراهيم مصطفى كان كمنْ أراد إصلاح بيت قديم متداعٍ، وتوسيعَه، فهدم بعض أعمدته من الداخل ليوسعه، وطلاه من الخارج .
هذه هي الحال التي كان عليها أمر الدرس النحوي عندما ترك إبراهيم أنيس مصر مبعوثًا إلى إنجلترا في الثلاثينيات من هذا القرن ـ القرن العشرين ـ الذي شهدت مطالعه ثورة لغوية كبرى بريادة فرديناند دي سوسير، واكبتها ثورات أخرى في علوم الفيزياء والأحياء وعلم النفس وغيرها . وقد أرسى هذا الرائد العظيم كثيرًا من وجوه التمايز النظرية التي كان لها تأثيرها الهائل على الفكر اللغوي لدى الجيل الجديد(*).
سافر إبراهيم أنيس إلى إنجلترا سنة 1933م لطلب العلم، وكانت الجامعات ومحافل العلم في أوربا كلها تتابع آراء دي سوسير وتطورها وتنميها . وقد ثقف إبراهيم أنيس هذه الآراء مع كثير غيرها، ومزج هذا كله بثقافته العربية الأصيلة التي سلط عليها هذا الضوء الجديد فجلاها خير جلاء، وقدم هذا المزيج الجديد للناس منذ عاد سنة 1939م فتقبل الناس آراءه بقبولٍ حسن،ولم ينكر عليه أحدٌ مما قدم شيئًا إلا حديثه عن "الإعراب" .
ويمكن وصف طريقة إبراهيم أنيس ومنهجه في صياغة أفكاره الجديدة التي غيرت وجه الدرس اللغوي تغييرًا حقيقيًّا بعدة أمور أجملها في الآتي:
1- لم يكن نقل إبراهيم أنيس لآراء علماء اللغة الغربيين نقلاً فجًّا مباشرًا مستفزًّا، بل كان عن فهم مستوعب واعٍ واضح مبين، سلك به سبيل التطبيق العملي المفيد على اللغة العربية في كثير من جوانبها المختلفة .
2- لم يكن إبراهيم أنيس مقطوع الصلة بآراء اللغويين العرب القدماء، بل كان يعرف هذه الآراء معرفة قوية، وكانت أبحاثه تصدّر بعرض الرأي العربي القديم، وكان يشيد بما يجده في هذا الرأي متوافقًا مع وجهة النظر الجديدة التي يطرحها ومن هنا بدا ما يطرحه من الآراء الحديثة نسيجًا متلاحمًا لا غريبًا وافدًا يلفظه الجسم العربي مع الحاجة إليه.

3- لم يَعِبْ في كثيرٍ من تناوله على القدماء آراءهم، ولم ينفّر منها، أو يزر بها، أو بهم، وإذا خالفهم فبرفق يليق بالعلماء الأثبات.
4-كان عمله في معظمه مُنصبًّا على اللغة نفسها أكثر من مناقشته للآراء المجردة ؛ ومن هنا اقترن الرأي بالدليل والبرهان.
5-كان يتمتع بالحس الأدبي الراقي الذي تسلل به من خلال التحليل الأدبي اللغويّ الجميل إلى نفس قارئه وقلبه ومن ثمّ إلى عقله . وفي كل كتبه تحليل أدبي لغوي لكثير من النصوص الشعرية والنثرية وكان هذا التحليل سبيله إلى إقرار الظاهرة اللغوية أو الإقناع بها.

6- كانت لديه نزعة مبكرة إلى الإحصاء من أجل إثبات مدّعاه، ولم يكن الإحصاء جافًّا جافيًا، ولكنه إحصاء يتبعه التفسير.

7- في كثير من تناوله للظواهر اللغوية سواء أكانت ظواهر تتعلق بالألفاظ أم تتعلق بالتراكيب كان يميل إلى المقارنات السهلة الميسورة التي لا تكلف فيها ولا تعمّل ببعض اللغات السامية كالعبريّة وغيرها. والساميّة هي الفصيلة التي تنتمي إليها العربية.
وقد عالج إبراهيم أنيس كثيرًا من القضايا النحْوية المهمة ضمن المنظومة اللغوية التي تشمل الأصوات والصرف والمعجم والنحو والدلالة بمنهج جديد لم يكن مألوفًا من قبل . ويعنيني منها هنا ما يتعلق بالنحو الذي تمتد جذوره إلى قرون بعيدة سلفت، واستقرت قضاياه ومسائله، ومن هنا يصبح تناولها في حاجة إلى رفق وكثير من الأناة والتلطف، وبعض ألوان هذا التناول كان إشارات مجملة، تلقفها كثير من الطلاب بعده بالتفصيل والتمثيل .
وإذا تلمسنا آراءه في النحو وقضاياه وجدناه يتناول المدرستين الكبريين المعروفتين في النحو وهما مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة، ويزن أمرهما بميزان دقيق وينطلق حكمه عليهما من منطلق بنيوي عام يرجع إلى ثقافة واسعة، إذ يشبه موقف البصريين بموقف المعتزلة من المسائل الدينية، ويشبه موقف الكوفيين من اللغة بموقف أهل السنة أو إن شئت قلت موقف الظاهرية في الأندلس(*).
ويجمل ثمرة الخلاف بينهما في أمرين:
1- أن الكوفيين أكثر احترامًا للنص القديم لا يصفونه بالنعوت المألوفة لدى البصريين حين يكون قليلاً أو نادرًا .
2- إذا لم يرد للظاهرة اللغوية إلا شاهد واحد أو شاهدان كان البصريون لا يأبهون له ولا يرونه مما يستحق أن توضع له قاعدة، في حين أن الكوفيين كانوا يرون وضع القاعدة لهذا الشاهد المنفرد(*).
ولكنه ـ مع هذا ـ يخالف كثيرًا من علماء اللغة الوصفيين الذين احتفوا بطريقة الكوفيين، ورأوا أنها تتفق مع النظرة الحديثة في وصف الظاهرة اللغوية، ويتجاوز هذا الظاهر البراق إلى عمق ما يترتب عليه فيقول: " وقد يُظن لأول وهلة أنّ في نظرة الكوفيين تيسيرًا علينا نحن المولدين، وأن في مسلكهم رخصة تجيز لنا كثيرًا من الأمور التي أباها البصريون، غير أن الأخذ بمذهب الكوفيين قد يؤدي بنا في آخر الأمر إلى نوع من الاضطراب والفوضى في تقعيد القواعد وتنظيم مسائل اللغة، إذ يترتب عليه خلو اللغة من الاطراد والانسجام، وهما شرط هام في الفهم والإفهام، ومقياس دقيق يقاس به ما بلغته كل لغة من نموّ وتطور، وبغير ذلك الاطراد والانسجام تصبح اللغة كالثوب المرقع، وإن كانت تلك الرقع من الحرير والديباج "(*).
وهذا الرأي يؤكد لنا أن المرحوم إبراهيم أنيس كانت عينه دائمًا على ما ينفع لغته، وما يُصلح أمرها، سواء وافق ما درسه من آراءٍ حديثة أو خالفه، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه أمر الدارسين المحدثين الذين يغالون فيحاولون أن يلبسوا اللغة العربية ثوب غيرها من اللغات ولا يبالون أكان هذا الثوب ملائمًا أم غير ملائم لها .
وفيما يتناوله النحويون التقليديون من أصول النحو يتناول الدكتور إبراهيم أنيس أهمّ هذه الأصول وأكثرها تأثيرًا ودورانًا على الألسنة وهو "القياس" ولكنه يعرضه عرضًا موضوعيًّا تحت "طرائق نمو اللغة " مع الاشتقاق، والقلب والإبدال، والنحت، والارتجال، والاقتراض،وهو بذلك يُدْرج القياس وفقًا لنظرته البنيوية الشاملة تحت نمطه الذي يجعله واحدًا ضمن منظومة أكبر منه، فيجعلنا نراه في إطار هذه المنظومة المفيدة وسيلة ضمن وسائل متعددة لنمو اللغة في ألفاظها وأساليبها، فلا يأخذ أكثر من حقه ـ من جانب ـ ويعطيه قدره من جانب آخر؛ إذ إنّ هذه الوسائل جميعًا هي التي " أمدّتنا بفيض زاخر من الألفاظ والأساليب، وجعلت من لغتنا العربية أغزر اللغات الساميّة مادة، وأكثرها تنوعًا في الأساليب، وأدقها في القواعد (1) ".
ويعرض ـ كدأبه ـ لرأي القدماء، ثم يفضّل القياس الاستقرائي على القياس الاستنباطي، وفيه يكون الانتقال من الجزئيات إلى كلّي، وهو الأصلح في تقعيد القواعد، بل الأصلح في كل الدراسات العلمية الحديثة إذ يعتمد على التجربة والملاحظة في جزئيات المسألة الواحدة لينتهي من هذه الجزئيات إلى كلية عامة(2).
وفي ضوء احترامه للقدماء ، ووجوب إسهام المحدثين يرى أن المسلك العلمي السليم في العصر الحديث أن يعيد الباحث تجارب من سبقوه، فإذا وصل إلى النتيجة نفسها أكد عملُه الحقيقة العلمية، أما إذا وصل إلى شىء جديد في تجربته كان بهذا قد أسهم في الكشف عن حقيقةٍ علمية جديدة، وقطع شوطًا جديدًا في البحث العلمي(3).
وهو بذلك يحوّل القياس إلى دعوة علمية تعتمد على التجريب اللغوي الذي يعيد النظر في اللغة من خلال نصوصها الكثيرة الباقية.
وهذا التجريب العلمي الذي دعا إليه طبقه هو تطبيقًا عمليًّا في عدد من القضايا النحوية يهديه في ذلك إيمان بمنطق اللغة الخاص ونظامها الخاص الذي يراعيه المتكلم ويستمسك به في كلامه لأنه شرط الفهم والإفهام بين الناس في البيئة اللغوية الواحدة، ويهديه أيضًا إيمانه بأن الظواهر النحوية ليست في حقيقتها إلا مجموعة من العادات الكلامية يلتزمها أبناء اللغة الواحدة في كلامهم ويتوارثونها جيلاً بعد جيل دون تغيير أو تبديل إلا بالقدر الذي تسمح به عوامل التطور اللغوي، وتلك العادات تُظهر لنا اللغاتِ مستقلاًّ بعضها عن بعض، ولكل منها خصائص تميزها وتخلع عليها كيانًا خاصًّا، ولا يكاد يشترك معها في تلك الخصائص غيرها من اللغات(*) .
ومن أهم القضايا التي طبق عليها هذا التجريب اللغوي العلمي "الإفراد والجمع" "والتذكير والتأنيث" و" الفكرة الزمنية في اللغة " و"النفي اللغوي" و" الإعراب" و"مفهوم الجملة" "وأجزاء الكلام ونظام الكلام"، وقد عالج هذه الأمور علاجًا لم يكن معهودًا من قبل، بل إنه علاج حوّل مجرى البحث اللغوي النحوي عما ألف من قبل لمن يؤمنون بهذه المقولة التي تقول: "إن النحويين يعلمون النحو ولكن علماء اللغة يعلمونهم كيف يعلمون النحو" أما الذين يعتقدون أن" النحويين يعلمون النحو على حين يفسد علماء اللغة ما يفعله النحويون" فإن الأمور لديهم ما تزال على ما هي عليه، وإذا نظرت إلى عنوانات الرسائل العلمية المسجلة في قسم النحو بكلية دار العلوم وأقسام اللغة العربية فسوف يتضح الفرق جليًّا بين هذين الفريقين.
ويضيق المقام هنا عن تناول كلّ ما قدمه إبراهيم أنيس من المسائل النحوية لأن الحديث عن هذا الجانب متشعب مستفيض وهيهات أن يتسع لاستيعابه مثل هذا المقام وكما قالت العرب قديمًا "كفى من القلادة ما حفَّ بالعنق" وسوف أكتفي هنا بالحديث عن نقطتين أثارتا جدلاً وخلافًا بين الدارسين :

الأولى هي"أجزاء الكلام" فقد كان مستقرًّا لدى النحاة من لدن سيبويه أن الكلم اسمٌ وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل"(*) وقد أجمعوا على هذا التقسيم، ولم يحاولوا النظر فيه، بل إنهم عمموا هذا التقسيم في كل اللغات ثقة منهم بدقة هذا التقسيم واطمئنانًا إلى حكمه، يقول المبرد: " لا يخلو الكلام عربيًّا كان أو أعجميًّا من هذه الثلاثة "؛ وذلك لأن هذا التقسيم يهتدى إليه" ببديهة العقل بغير برهان ولا دليل" كما يقول الزجاجي الذي تحدى أن يأتي أحد بقسم رابع للكلام قائلاً:" والمدعي أن للكلام قسمًا رابعًا أو أكثر منه مخمّن أو شاكٌّ، فإن كان متيقنًا فليوجد لنا في جميع كلام العرب قسمًا خارجًا عن أحد هذه الأقسام ليكون ذلك ناقضًا لقول سيبويه، ولن يجد إليه سبيلاً(1) وقد أجمع النحاة على هذا التقسيم، وقالوا إن المخالف لا يعتد بخلافه، ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا أبو جعفر بن صابر الذي ذهب إلى أن هناك قسمًا رابعًا للكلام هو "اسم الفعل" الذي سماه خالفة(2).
وقد فتح الدكتور إبراهيم أنيس الباب واسعًا أمام الباحثين المعاصرين حين قرر أن القدماء اتبعوا ما جرى عليه فلاسفة اليونان وأهل المنطق في جعل أجزاء الكلام ثلاثة وأن تعريفهم لكل من الاسم والفعل ناقص وليس جامعًا ولا مانعًا، وأن فكرة الحرفية كانت غامضة في أذهانهم وأنهم اعتمدوا على المعنى وحده في تحديد أجزاء الكلام، وفسّر لجوءهم إلى بيان علامات الأسماء والأفعال بإحساسهم بقصورهم في تحديد هذه الأجزاء(*). وأعاد تقسيم الكلمة على ثلاثة أسس هي: المعنى، والصيغة، ووظيفة اللفظ في الكلام، واعتمادًا على هذه الأسس عرض تقسيمًا رباعيًّا على أنه التقسيم الذي اهتدى إليه الدارسون المحدثون، وهو لديه أدق من تقسيم النحاة الأقدمين، وهذا التقسيم هو:
1-الاسم ويندرج تحته الاسم العام، ويستعير من المناطقة له" الاسم الكلي" وهو الذي يشترك في معناه أفراد كثيرة لوجود صفة أو مجموعة من الصفات في هذه الأفراد مثل شجرة، كتاب، إنسان، مدينة، إلخ. والعلَم، والصفة مثل كبير وأحمر وغير ذلك.
2-الضمير، ويدرج تحته الضمائر، وألفاظ الإشارة، والموصولات، والعدد.
3-الفعل.
4-الأداة، وهذا هو القسم الأخير لأجزاء الكلام، ويتضمن ما بقي من ألفاظ اللغة ومنها ما يسمّى عند النحاة بالحروف، ومنها ما يسمّى بالظروف .
ومع أن هذا التقسيم يحتاج إلى مناقشة، نجده قد أعطى إشارة البدء لإعادة درس هذا الموضوع، فتناولـه من بعده عدد من الدارسين(1) بالنقد أو بإعادة التقسيم غير عابئين بما قاله النحاة القدماء من أن هذا التقسيم الثلاثي يُهتدى إليه ببديهة العقل، واستدلوا على أن لا رابع لهذا التقسيم بالأثر، والاستقراء التام، والدليل العقلي(2) ، والفضل للدكتور إبراهيم أنيس في إعادة فتح هذا الباب .
والأخرى هي قضية الإعراب التي وضع لها عنوانًا مثيرًا من أول الأمر "قصة الإعراب" وبدأ الحديث عنها بصيغة من صيغ التعجب "ما أروعها قصة !" وتناوُل الدكتور إبراهيم أنيس لهذا الموضوع ـ فيما أرى ـ مخالف لمنهجه المعهود من التناول الرفيق الليّن، ولعل هذا مقصود متعمّد، لأن الإعراب هو أهم المظاهر اللغوية التي اهتم بها النحاة العرب اهتمامًا أنساهم كثيرًا من الظواهر اللغوية الأخرى التي جاء علاجها تبعًا للظاهرة الأم لديهم وهي الإعراب، فاتخذ الدكتور إبراهيم أنيس أقصى غايات التطرف حتى يمكن أن يلتقي معه المخالفون في منتصف الطريق.

وخلاصة رأيه(*) ـ مع أنه معروف متداول ـ أن الإعراب قصة نسجها النحاة، وأحكموا خيوطها، إذ ابتكروا بعض ظواهر الإعراب، وقاسوا بعض أصوله رغبة منهم في الوصول إلى قواعد مطردة منسجمة، وكان لهم بهذا الفضل في نشأة ذلك النظام المحكم الذي حدثونا به في كتبهم وفرضوه على كل العصور من بعدهم .
ويرى أن ليس للحركة الإعرابية مدلول، إذ لم تكن الحركات الإعرابية تحدد المعاني في أذهان العرب القدماء كما يزعم النحاة، بل لا تعدو أن تكون حركات يحتاج إليها في الكثير من الأحيان لوصل الكلمات بعضها ببعض .
ويرى الأستاذ أن الذي يحدد معاني الفاعلية والمفعولية ونحو ذلك مما عرض له أصحاب الإعراب ـ على حد قوله ـ مرجعه أمران:
أولهما: نظام الجملة العربية، والموضع الخاص لكل من هذه المعاني اللغوية في الجملة .
والآخر: ما يحيط بالكلام من ظروف وملابسات .
وخلاصة رأيه في تفسير الإعراب بالحركات أن الحركات الإعرابية جىء بها أساسًا للتخلص من التقاء الساكنين لأن الأصل في الكلمة أن تكون ساكنة الآخر، ولا تحرك إلا حين تدعو الحاجة إلى هذا، وهناك عاملان تدخلا في تحديد حركة التخلص من التقاء الساكنين: أولهما إيثار بعض الحروف لحركة معينة كإيثار حروف الحلق للفتحة والثاني هو الميل إلى تجانس الحركات المتجاورة .
وأما الإعراب بالحروف ففي رأيه لا يكاد يمت لحقيقة اللغة بصلة، ولا يكاد يعدو أنه كان لبعض الكلمات المعينة أكثر من صورة في اللهجات السامية ولكن أصحاب اللهجة الواحدة كانوا يلتزمون صورة واحدة لا ينحرفون عنها في كل الحالات والمواضع، وقد جمع النحاة بين هذه الصور ولفقوا منها الإعراب بالحروف.
هذه الأفكار هي خلاصة رأيه في الإعراب، وهي في أحسن الظن فروضٌ في تفسير هذه الظاهرة في العربية، وهو فيها متابع لمحمد بن المستنير المعروف بقطرب (ت 206هـ) في أواخر القرن الثاني الهجري، ولبعض المستشرقين مثل كارل فوللرز وكاول باله .
هذه الفروض لا تعد حقائق يمكن الأخذ بها، لأن ظاهرة الإعراب واضحة مستقرة قبل أن يتمالأ عليها النحاة، في أوثق النصوص وهو القرآن الكريم الذي تطرد فيه ظاهرة الإعراب بالحركات والحروف قبل ظهور النحويين، بل إنّ النحويين لم يظهروا إلاّ بسبب اللحن في هذه الظاهرة . كما أنها ظاهرة مطردة في الشعر العربي وفي قوافيه المطلقة على وجه الخصوص سواء أكان الإطلاق بالفتحة أم بغيرها، إذ يجد قارئ هذا الشعر أن القافية تأتي في موضعها مستقرة متوائمة مع الوزن ومع الإعراب، وليست الحركة في القوافي من أجل التخلص من الساكنين، أو لوصل الكلمات لأن القوافي موقوف عليها . بل إن بعض القوافي المقيدة إذا أطلقت اتخذت حركتها سبيلاً مطردًا في الإعراب المستقر في نظام الجملة قبل ظهور النحاة، مع أن نسبة القوافي المقيدة إلى القوافي المطلقة قليلة جدًّا، ومن ذلك قصيدة الحطيئة التي مطلعها.
أتاني وأهلي بذات الدماخِ فلا من مآب ولا من قرَبْ
إذا أطلقت لم تتخلف القافية عن الجرّ، وقصيدته التي يمدح بها بغيضًا ويهجو الزبرقان بن بدرـ وهي قصيدة طويلة إذ تبلغ عدة أبياتها سبعة وثلاثين بيتًاـ ومطلعها "شاقتك أظعان للبلى يوم ناظرةٍ بواكرْ "إذا أطلقت لم تخرج عن الرفع في جميع أبياتها .
وكذلك قصيدة طرفة بن العبد التي مطلعها :
لخولة بالأجزاع من إخمٍ طلَلْ وبالسفح من قوٍّ مُقامٌ ومُحْتملْ
إذا أطلقت كانت الأسماء الواردة في قوافيها مرفوعة كذلك .
وهذا عندي يدل على أن النحويين لم ينسجوا هذه "القصة" ولم يلبسوا اللغة قسْرًا بل هذه ظاهرة أصيلة مستقرة في اللغة قبل ظهور النحاة فضلاً عن أنه لا يستطيع أحدٌ أن يفرض على المتكلمين شيئًا .
ولست هنا بصدد مناقشة آراء الدكتور إبراهيم أنيس، ولكني فحسب أنبه إلى بعض الأمور، من ذلك أنه استخدم نصًّا واردًا في كتاب سيبويه منسوبًا إلى الخليل بن أحمد يستدل به على أن الحركات الإعرابية ليست دوالّ على معانٍ، هذا النص هو: "وزعم الخليل أن الفتحة والكسرة والضمة زوائد، وهن يلحقن الحرف ليوصل إلى التكلم به "وقد تبعه في هذا آخرون تلقوا إشارته واستخدموها بالمعنى الذي ساقه الدكتور أنيس من أجله.
والحق أن الدكتور أنيس لم يكمل هذا النص، وتكملته "والبناء هو الساكن الذي لا زيادة فيه، والفتحة من الألف والكسرة من الياء، والضمة من الواو، فكل واحدة شيء مما ذكرت لك(*) "وقد وضع الدكتور أنيس النص المجتزأ في هذا السياق" وقد قرر بعض المتقدمين من ثقات العلماء أن وظيفة الحركة الإعرابية لا تعدو أن تكون لوصل الكلمات بعضها ببعض في الكلام المتصل، لذلك جاز سقوطها في الوقف وجاز سقوطها في بعض المواضع من الشعر، وإن اعتبروا هذا من الضرورات الشعرية فيقول سيبويه:" ونقل ما نسبه إلى الخليل .
فالنص المنسوب إلى الخليل ليس فيه إشارة إلى أن هذه الحركات هي حركات الإعراب وكان الأولى به أن يأتي هنا بكلام قطرب، ولكنه يريد ثقات العلماء وفي اسم سيبويه والخليل تقوية لدعواه، وهنا عدد من الملاحظات :
1- هذا النص ـ كما أسلفت ـ ليست به إشارة إلى أن المقصود هو الحركات الإعرابية، وإنما هو مطلق الحركة التي تلحق الحرف" في بنية الكلمة، وفي مقابلها "والبناء هـو الساكن الذي لا زيادة فيه" ويؤكد السيرافي هذا بقوله: " قوله فالفتحة من الألف ...إلخ يعني أن الفتحة تزاد على الحرف، ومخرجها من مخرج الألف، وكذلك الكسرة من مخرج الياء، والضمة من مخرج الواو" ولفظ "البناء" المذكور في النص يقصد به الحرف في حال عدم تحركه. والمقصود بالتكلّم هنا "النطق" وليس الكلام
الاصطلاحي، وسيبويه يستخدم هذا المصطلح في هذا المعنى كثيرًا، يقول: "هذا باب ما يلحق الكلمة إذا اختلت حتى تصير حرفًا فلا يستطاع أن يتكلم بها في الوقف فيعتمد بذلك اللحق في الوقف.
2- هذا النص في كتاب سيبويه في باب من أبوابه البعيدة عن الإعراب وإنما في " باب حروف البدل في غير أن تدغم حرفًا في حرف وترفع لسانك من موضع واحد ".
3- إذا عرضنا نص الخليل بفهم الأستاذ الدكتور إبراهيم أنيس على آراء الخليل بن أحمد الموجودة في كتاب سيبويه كلها، أو في غيره لا تجد لها شبيهًا أو ما يؤكدها أو يدعمها ولو من قريب.
4- أليس غريبًا أن يشير صاحب كتاب "الإيضاح في علل النحو" إلى رأي قطرب ولا يشير إلى رأي الخليل بن أحمد إذا كان يقصد به هذا المعنى الذي فهمه به الدكتور إبراهيم، مع أن هذا موجود في كتاب سيبويه الذي كانوا يتدارسونه ويمتحون من معينه ؟
ومهما يكن من أمر، فإن الدكتور إبراهيم أنيس ـ فيما أتصور ـ أراد بهذا البحث الجرىء أن يهزّ أهم الدعائم أو الثوابت التي يعتمد عليها النحاة ويتناقلونها بقدسية وتوقير، وكأنه أراد أن يقول إن كل شيء متاح أمام البحث العلمي، وليس هناك محرمات أمامه. وقد أثمرت هذه الدعوة من هذا الجانب، فناقشه كثيرون، ولكنه ـ شأن كل الرواد ـ شآهم جميعًا وحاول قليلون أن يقدموا تفسيرًا لظاهرة الإعراب مختلفًا عن تفسيره. ويبقى أنه هو الذي مهد السبيل وأنار الطريق، وسوف يظل ـ مع تقادم السنين ـ هو الرائد الأول للدرس اللغوي الحديث في العربية.

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ

آخر تعديل بواسطة النجدية ، 14-07-2011 الساعة 02:47 PM
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-07-2011, 02:47 PM   #2
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,976
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: إبراهيم أنيس والدرس النحوي

بارك الله فيكم، وزادكم من فضله

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-09-2011, 06:29 PM   #3
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 68,843
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: إبراهيم أنيس والدرس النحوي

بارك الله تعالى فيكم

__________________



أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
موسيقى الشعر - د إبراهيم أنيس بدر حلب المكتبة الأدبية المصورة 16 25-11-2013 06:01 AM
الأصوات اللغوية - د. إبراهيم أنيس أسد الدين محمد مكتبة علوم اللغة العربية المصورة 39 13-04-2013 01:17 AM
ماهية أفعال المطاوعة وسلوكها النحويّ إبراهيم براهيمي مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 6 03-07-2011 09:10 PM
ابن خروف والدرس النحوي في الأندلس محب الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم مكتبة علوم اللغة العربية المصورة 6 26-06-2011 09:49 PM
إبراهيم أنيس والدرس اللغوي النجدية اللغة العربية وعلومها وآدابها للشاملة 0 29-08-2010 05:28 PM


الساعة الآن »01:49 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd