روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > مكتبة علوم اللغة العربية > مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-04-2010, 12:52 AM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,781
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي نحو لسانيات نصية عربية مقاربة في مفهوم النص والتماسك النصي

نحو لسانيات نصية عربية

مقاربة في مفهوم النص والتماسك النصي



رشيد عمران

أولا: مفهوم النص :

يشكل"النص"مفهوما مركزيا في الدراسات اللسانية المعاصرة؛ حيث اختصت الدراسات التي تهتم بالنص باسم : علم النص، أو لسانيات النص، أو لسانيات الخطاب، أو نحو النص…وكلها تتفق حول ضرورة مجاوزة"الجملة" في التحليل البلاغي إلى فضاء أرحب وأوسع، بل وأخصب في محاورة العمل الفني هو "الفضاء النصي"، فقد عدّت الأستاذة خولة طالب الإبراهيمي أن الاتجاه إلى النص يعتبر فتحا جديدا في تاريخ اللسانيات الحديثة؛ و "هو التحول الأساسي الذي حدث في السنوات الأخيرة، لأنه أخرجها–اللسانيات- نهائيا من مأزق الدراسات البنيوية التركيبية التي عجزت في الربط بين مختلف أبعاد الظاهرة اللغوية : البنيوي والدلالي والتداولي"([1]). لقد تجاوزت الدراسات اللسانيـة النصيـة حدود البنيـة اللغويـة الصغرى-الجملة- إلى بنية لغوية أكبر منها في التحليل هي النص؛ إذ عُدّ النص الصورة الكاملة والأخيرة المتماسكة التي يتم عن طريقها التواصل بين أفراد المجموعة اللغوية وقد بشّر كـل من بيوتيفي وهاريس بعلم اللغة النصي؛ حيث لم تعد الجملة كافية لكل مسائل الوصف اللغوي فكان من المفروض أن يتجه الوصف في الحكم على الجملة من وضعها في إطار وحدة كبرى هي النص، وقد عُدّ علم النص في رأيهم تطويراً وتوسيعاً لعلم لغة الجملة الذي شُغل به البنائيون الأمريكان منذ بلومفيلد كما شُغلت به مدرسة تشومسكي في الكفاءة اللغوية التي توصف توليدياً في إطار القدرة على توليد عدد لا متناه من الجمل، وقد استطاع هاريس بمناهجـه النصية المبكرة والمبتكرة التي اعتمدها في كتابه( تحليل الخطاب) تطوير المناهج المتبعة في تحليل الجملة.

النص لغة :

إذا عدنا إلى المعاجم العربية فإننا نجد لمادة (نصّ) عدّة معانٍ منها : نـص الحديث رَفَعَـه، وناقته استخرج أقصى ما عندها من السَّير، والشيء حرّكه، ومنه فلان ينصُّ أنفه غضباً، وهو نصَّاصُ المتاع : جعل بعضه فوق بعض، وفلان استقصى مسألته عن الشيء، والعروسُ أقعدها على المنصة وهي ما تُرفع عليه فانتصت، والشيء أظهره، والشِواء ينِصُّ نصيصا : صوَّت، والقِدر غلـت، والنصُّ الإسناد إلى الرئيسي الأكبر والتوقيف، والتعيين علـى الشيء، وإذا بلغ النساء نصَّ الحِقاق فالعصبة أولى، أي بلغنا الغاية التي عقلنا فيها على الحِقاق وهو الخصام فقال كل من الأولياء أنا أحق، أو استعارة من حـِقاق الإبل، أي انتهى صـغارهن، ونصَّـصَ غريمه وناصَّهُ استقصى عليه وناقشه، وانتصَّ انقبضَ وانتصبَ وارتفعَ، ونصْنَصَه حرَّكه وقلقله والبعير أثبت ركبتيه في الأرض وتحرّك للنهوض([2]).

لعلّ أبرز ما نتبينه من خلال القراءة السريعة للمعاني المعجمية لمادة (نصّ) التي تعكس استخداما واسعا في حقول متعددة؛ المعاني المحورية الآتية :

- الرفع : كقولنا نصَّ الحديث إليه، أي رفعه إليه، وقولنا انتصَّ، أي ارتفع وانتصب وانقبض.

- الحركة : كقولنا : نصَّ القدر، أي غلت.

- الإظهار : كقولنا : نصَّ العروس وضعها على المنصة.

- منتهى الشيء وغايته : كقولنا : ناصَّ غريمه، أي استقصى عليه وناقشه.

-لإسناد : كقولنا : نصَّ القول إلى صاحبه، أي أسنده إليه.

أما النص في المعجم الفرنسي(texte) فهو مأخوذ من مادة (textus) اللاتينية التي تعني النسيج،كما تطلق كلمةtexte)) على الكتاب المقدس أو كتاب القداس…كما تعني مند العصر الإمبراطوري ترابط حكاية أو نص…والنص منظومة عناصر من اللغة أو العلاقات، وهي تشكل مادة مكتوبة أو إنتاجا شفهيا أو كتابيا([3]).

والذي نلاحظه في المعنى اللغوي لمادة(texte) أنها تدل دلالة صريحة على التماسك والترابط والتلاحم بين أجزاء النص وذلك من خلال معنى كلمة"النسـيج" التي تؤشر إلى الانسجام والتضام والتماسك بين مكونات الشيء المنسوج ماديا، كما تؤشر معنويا أيضا على علاقات الترابط والتماسك من خلال حبك أجزاء الحكاية.

لقد حاول خليل الموسى الجمع بين الدلالة المعجمية لكلمـة"نـص" في العربية والفرنسية والإنجليزية، مع اعترافه بوجود فوارق دلالية بين تلك المعاجم، ناتجة عن التداول اللساني الذي يعكس نمطا حضاريا من الاستخدام اللغوي، يقول : "لاشك في أن معاني (نص) في القديم غيرها في الحديث، وعند العرب غيرها عند سواهم، وهذا أمر طبيعي تقتضيه التطورات والتغيرات الزمنية والمكانية، التي تطرأ على معاني الألفاظ وسواها، ولكنّ بعض هذه المعاني، وبخاصة الثوابت منها، تتقاطع وتتلاقى؛ فالرفع مثلا يعيد النص إلى صاحبه، والتحريك صفة من أهم صفات النص الأدبي، فهو حوار بالـدلالة، أما الإظهار ففيه معنى الإنجاز والتمام، وإذا كانت العروس تُنَصُّ على المنصة لتُرى في أجمل حُلّة وصورة لها فكذلك شأن النص الذي لا يخرجه صاحبه إلى الناس إلاّ في حالته التي يراها جميلة، ومن هنا كان معنى الحوليات في الشعر الجاهلي، ثمّ إنّ من معاني النص الافتضاح والإشهار ومنها قولهم : وُضع فلان على المنصة، أي افتضح واشتهر، ومن ذلك التحديد والوصول إلى الغاية والوصول إلى الغاية والمنتهى في الجودة والبلاغة"([4]).

وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى تحديد المعنى الأصلي لكلمـة"النص" في أعظم علم أنتجته العقلية العربية الإسلامية هو"علم أصول الفقه"، حيث نجد تطبيقات نصية مبكّرة وراقية تجاوزت إطار التحليل على مستوى الجملة…فقد وردت الكلمة في اصطلاح الأصوليين بمعان مختلفة تعكس مستويات دلالية متفاوتة تحددها درجة الظهور أو الخفاء في النص، ونجمل تلك المعاني في الآتي([5]) :

1. عبارة النص : ويطلق على المعنى الحرفي للنص، أي المعنى الذي يتبادر من خلال الصيغ التي تُكوّن مفردات وجمل النص، فهو المعنى الظاهري الذي يبرز سطحيا في النص.

2. إشارة النص : وهو المعنى الذي لا يتبادر فهمه من ألفاظه، ولا يقصد من سياقه ولكنه معنى لازم للمعنى المتبادر من مقصود السياق.

3. دلالة النص : وهو ما يفهم من روح النص ومعقوله.

4. اقتضاء النص : وهو المعنى الذي لا يستقيم الكلام إلاّ بتقديره.

وهكذا نرى أنّ كلمة"نص" في التعريف الفرنسي أقرب في الدلالة على مفهوم التماسك النصي؛ فهي تدل على الترابط بين أجزاء الحكاية، كما أنّ كلمة النسيج- المقابل المعجمي لمادة نص- في أبسط معانيها تدل على الانسجام والتماسك والترابط والتناسق بين خيوط المنسوج؛ ذلك المنسوج الذي يُشكِّل قيمة فنية ترتفع جمالياتها كلما ازداد تماسك خيوطها.

النص اصطلاحا :

النص في الدراسات الغربية :

مفهوم النص عند هيلمسليف :

يستعمل العالم اللساني(هيلمـسليف) مصطلح"النص" بمعنى واسع؛ فيطلقه على أي ملفوظ؛ منفَّد؛ قديما أو حديثا؛ مكتوبا أو محكيا؛ طويلا أو قصيرا، فكلمة : قِفْ؛ مثلا؛ هي في نظر هيلمـسليف نص كامل، كما أنّ جماع المادة اللغوية لرواية بكاملها هي أيضا نص كامل([6]).

مفهوم النص عند تـودوروف :

في مؤلفه"القاموس الموسوعي لعلوم اللغة"، يرى تودوروف أن اللسانيات تبدأ بحثها بدراسة(الجملة)...ولكن مفهوم(النص) لايقف على نفس المستوى الذي يقف عليه مفهوم (الجملة)، أو التركيب، وكذلك هو متميز عن الفقرة التي هي وحدة منظمة من عدة جمل.

ويرى تودوروف أيضا أن النص يمكن أن يكون جملة، كما يمكن أن يكون كتابا بكامله، وعليه يحدد النص أساس استقلاليته وانغلاقيته؛ فهو يؤلف نظاما خاصا به، لا يجوز تسويته مع النظام الذي يتم على أساسه تركيب الجمل.

ومستويات تحليل النص عند تدوروف هي :

1. المستوى اللفظي : وهو مؤلف من العناصر الصوتية؛ التي تؤلف جمل النص.

2. المستوى التركيبي : ويركز على العلاقات بين الوحدات النصية الصغيرة؛ أي الجمل ومجموعات الجمل.

3. المستوى الدلالي : وهو نتاج مُعَقّد توحي به المستويات جميعها، منفردة ومتشابكة([7]).

مفهوم النص عند رولان بارث :

النص عند بارث نسيج كلمات منسقة في تأليف معين، بحيث يفرض شكلا وحيدا وثابتا قدر المستطاع، والنص من حيث هو نسيج فهو مرتبط بالكتابة، لأنه رسم بالحروف؛ وللنص هالته الروحية كذلك من حيث وحي كلماته.

والكتابة هي السمة الأساسية للنص عند بارث؛ فالكتابة ضمانة للشيء المكتوب، وصيانة له؛ وذلك باكتسابه صفة"الاستمرارية"، فالنص من هنا سلاح في وجه الزمان، والنسيان...يقرر بارث في الأخير منظوره للنص في جانبه الشكلي العام؛ أنه نسيج كلمات منسقة([8]).

مفهوم النص عند كريستيفا :

تحدد جوليا كريستيفا النص، بأنّه"جهاز عبر لساني يعيد توزيع نظام اللسان بالربط بين كلام تواصلي يهدف إلى الإخبار المباشر وبين أنماط عديدة من الملفوظات السابقة عليه أو المتزامنة معه، فالنص إذن، إنتاجية"([9]).

وتنطلق كريستيفا من مفهوم التناص في تحديد مفهوم"النص"؛فالنص"ترحال للنصوص وتداخل نصي، ففي فضاء معين تتقاطع وتتنافى ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى"([10]).

إنّ النص فضاء ثري يختزن طاقات ومعارف كبيرة ومتنوعة ومتشابكة، "فالنص الأدبي خطاب يخترق حاليا وجه العلم والأيديولوجيا والسياسة، ويتنطع لمواجهتها، وفتحها وإعادة صهرها"([11]).

مفهوم النص في الدراسات العربية :

مفهوم النص عند عبد المالك مرتاض :

من حيث الشكل؛ لا يحدد مرتاض النص من خلال كمّه، أي من خلال الجملة أو مجموعة الجمل داخل النص، فهو يرى أنّ النص"لا ينبغي أن يحدد بمفهوم الجملة، ولا بمفهوم الفقرة التي هي وحدة كبرى لمجموعة من الجمل، فقد يتصادف أن تكون جملة واحدة من الكلام نصا قائما بذاته مستقلا بنفسه، وذلك ممكن الحدوث في التقاليد الأدبية كالأمثال الشعبية والألغاز والحكم السائرة والأحاديث النبوية التي تجري مجرى الأحكام وهلم جرا"([12]).

أما النص من حيث دلالته؛ فهو شبكة معطيات؛ ألسنية وبنيوية وأيديولوجية كلُّها تسهم في إخراج النص إلى حيِّز الفعل والتأثير؛ ومن هنا يستند الأستاذ مرتاض على نظرية القراءة في تحديد مفهوم النص الأدبي، "فالنص قائم على التجددية بحكم مقروئيته، وقائم على التعددية بحكم خصوصية عطائيته تبعا لكل حالة يتعرض لها في مجهر القراءة، فالنص من حيث هو ذو قابلية للعطاء المتجدد المتعدد بتعدد تعرضه للقراءة، ولعلّ هـذا ما تطلق عليه جوليا كريستيفا(إنتاجية النص) حيث إنه يتخذ من اللغة مجالا للنشاط فتراه يتردد؟ إلى ما يسبق هذه اللغة محدثا بعدا بين لغة الاستعمال اليومية- وهي اللغة المسخرة لتقديم الأشياء والتفاهم بين الناس- والحجم الشاعر للفعاليات الدالية؛ فتنشط اللغة التي هي الأصل الأدبي في كل مرحلة نشاط هذه اللغة التي هي أصل النص في كل مراحله ومظاهره"([13]).

مفهوم النص عند نور الدين السد :

ينطلق السد من رؤية لسانية؛ لا تعتمد تقسيم الخطاب إلى خطاب نفعي وآخر فني بل صنّف النص تصنيفا نوعيا، وبذلك أصبح"النص الأدبي"، لا يمثل إلاّ أحد الأنواع النصية العديدة؛ والتي منها النص الديني، والنص القضائي، والنص السياسي، والنص الإشهاري إلخ([14])

إنّ القارئ، والسياق، و"وسائل الاتساق"؛ أركان جوهرية وحاسمة في تمييز النص عن اللانص؛ فمتكلم اللغة العارف بخصائصها هو وحده القادر على أن يحكم بنصية ما تلقاه؛ إما أنه يشكل كـلا مـوحدا، وإما هو جزر من الجمل والتراكيب لا يربطها رابط، لذلك كـان الاتساق-اللغوي وغير اللغوي- مقوما أساسيا في الحكم على نصية أي نص من عدمها([15]).

ويوضح السد رؤيته للنص بالشكل الآتـي:





المرسل




















إنّ التـرابط بين أجـزاء النص أبـرز الخصائص التي تسمه-بالنصية (texture)، فالنص ليس"مجموعة جمل فقط، لأنّ النص يمكن أن يكون منطوقا أو مكتوبا، نثرا أو شعرا، حوارا أو منولوغا، يمكن أن يكون أي شيء من مثل واحد حتى مسرحية بأكملها، من نداء استغاثة حتى مجموع المناقشة الحاصلة طوال يوم في لقاء هيئة، والنصية تميز النص عمّا ليس نصا، فالنصية تحقق للنص وحدته الشاملة، ولكي تكون لأي نص نصية ينبغي أن يعتمد على مجموعة من الوسائل اللغوية التي تخلق النصية، بحيث تسهم هذه الوسائل في وحدته الشاملة، ولتوضيح ذلك نضرب المثل الآتـي : (اقطف قليلا من الزهور، ضعها في مزهرية قاعة الاستقبال)، غني عن البيان أن الضمير(ها) في الجملة الثانية، يحيل قبليا إلى(الزهور) في الجملة الأولى، وما جعل الجملتين متسقتين هو وظيفة الإحالة القبلية للضمير(ها)، وبناء على ذلك فإنّ الجملتين تشكلان نصا"([16]).

مفهوم النص عند إبراهيم الفقي :

في دراسته للتماسك النصي، يتبنى الفقي تعريف (روبرت آلان دي بيوجراند)؛ الذي يرى أن النص؛ حدث تواصلي يلزم لكونه نصا أن تتوافر له سبعة معايير إذا تخلف واحد منها تنتزع منه صفة النصية، وهذه المعايير هي :

· السبك أو الربط النحوي(cohesion).

· الحبك (coherence) أو التماسك الدلالي، وترجمها تمام حسان؛ بالالتحام.

· القصـد (Intentionality)؛ وهو الهدف من إنشاء النص.

· القبول والمقبولية (Acceptability) وتتعلق بموقف المتلقي من النص من حيث قبوله أو رفضه.

· الإخبارية أو الإعلام (Informativity) وتتعلق بأفق انتظار المتلقي وتوقعه للمعلومات الواردة في النص.

· المقامـية(Situationality) وتتعلق بمناسبة النص للموقف والظروف المحيطة بـه.

· التناص (Intertextuality)([17]).

والذي نراه أن التعريف الذي يتبناه الفقي تعريف شامل لا يلغي أحد أطراف الحدث الـكلامي في التحليل؛ فهو يجمع المرسل والمتلقي والسياق وأدوات الربط اللغوية...ومن هنا فإنّ المدخل السلـيم للتحليل النصي هو التحليل ذو الرؤية الشاملة حيث كل العناصر النصية-المرسل، المتلقي، السياق، عناصر الربط اللغوي...- تحت مجهر التحليل النصي، ولا يضخم نظرته لعنصر على حساب آخر؛ كما تضخم البنيوية بنية النص على التاريخ والقارئ فيها مجرد متلق سلبي لا حول له ولا قوة أمام رياضيات النص، وكما تضخم التفكيكية القارئ على النص والتاريخ واللغة نفسها...

التماسك النصي في الدراسات الغربية :

التماسك النصي عند اللغوي الفرنسي جان ميشال آدم:

تعرض خولة طالب الإبـراهيمي في كتابها(مبادئ اللسانيات) أهم القواعد المبدئية التي اقترحها اللغوي الفرنسي جان ميشال آدم لإرساء أسس نظرية متكاملة([18])، تحدد هذه المبادئ إطار التحليل النصي اللساني وهي مبنية على ثلاثة فرضيات، ويتفرع عن بعضها فرضيات جزئية أخرى :

الفرضية الأولى : الطبيعة النصية لممارستنا الكلامية أو الخطابية :

السلوك الإنساني في المجال الرمزي وخاصة منه الرمزي اللغوي يطبع بطابع النصية :

يستنتج من ذلك آدم أنّ الجملة ليست هي الوحدة القاعدية للتبادلات الكلامية والخطابية بل النص وحدة التبليغ والتبادل، ويكتسب النص انسجامه وحصافته من خلال هذا التبادل والتفاعل، ينبغي إذا أن نتجاوز إطار الجملة لنهتم بأنواع النسيج النصي التي يحدثها المتكلمون أثناء ممارستهم الكلامية.

1. لتتداول النصوص في المجتمع :

ينبغي أن تتوافر لدى المتكلمين ملكة نصية تجعلهم قادرين على فهم(إدراك) وإحداث نصية كلامية. من هنا تتأكد ضرورة توسيع الملكة النصية العامة التي تسمح بإدراك نصوص لا متسقة ومترابطة وإنتاجها كذلك.

2. لا تتوافق ملكة المتكلمين بالضرورة :

ويؤكد آدم هنا على تلقي النصوص وتفاعل القارئ المستقبل لها حيث يمكن أن تتوافق أهدافه مع أهداف مؤلف النص، كما يمكن ألا تتوافق فقد يصير النص الأصلي نصا آخر عند التلقي والقراءة ليناسب معتقد ومعارف وأهداف المتلقي وهنا تبرز الفضاءات الذهنية وهي مساحة المعارف والمعتقدات المشتركة بين المؤلف والمتلقي وقوامها الترابط والانسجام.

النص ليس تتابعا عشوائيا لألفاظ وجمل...

النص كلّ تحدّه مجموعة من الحدود تسمه بالنصية؛ بصفته كتلة مترابطة بفعل العلاقات النحوية التركيبية بين القضايا وداخلها، وكذلك باستعمال أساليب الإحالة والعوائد المختلفة...ولا تستقيم نصية القطعة إلا بانسجامها ويتم الكشف عن الانسجام بإدراج النص ضمن سياقه؛ حيث البعد التأويلي يضمن تقريب المسافة بين النص ومؤلفه ومتلقيه كذلك.

الفرضية الثانية : شروط وقوام النصية الترابط والانسجام :

1. النصية نتاج تشكل مزدوج مقطعي وتداولي :

وتعتبر هذه الفكرة محورية في مشروع آدم؛ أما مفهوم المقطع فيُمفصل النص إلى مقاطع بفعل التنظيم والتنقيط والشكل، والأهم بفعل علامات لغوية معينة إلى مقاطع حيث يصبح المقطع الوحدة النصية الصغرى، أما توجه النص التداولي؛ فيحدده غرضه وتَحُدُّه العلاقات التي تربطه بمحيطه الخطابي والمرجعي العام.

2. تتنازع النص نزعتان، نزعة للتجدد، وأخرى للتكرار والاستمرار.

الفرضية الثالثة : ضرورة التمييز بين نصية محلية وأخرى عامة :

لترابط النص علامات خاصة تميّزه في بعده الجزئي والكلي.أمّا البعد الجزئي أو الميكرونصي فهو يخضع للترابط المحلي ومن علاماته : العلاقات النحوية المنطقية، وترتيب الموضوعات...أمّا البعد الكلي للنص أو الماكرونصي فيكون بين المقاطع الميكرونصية والنص بمجمله، والمتجانسات والنظائر الدلالية، والعملية التأولية كلها عناصر تضمن ترابط النص.

التماسك النصي عند يول وبراون(1983) :

يطرح الباحثان يول وبراون في كتابيهما"تحليل الخطاب" جملة من العناصر على محلل الخطاب أن لا يغفلها وكلها تساهم في بناء تماسك النص، وقد لخّـص محمد خطابي عناصر التحليل النصي بناء على اعتمادهما الوظيفة النقلية والتفاعلية للغة؛ لأن هذه الوظيفة في رأيهما أساس الوظائف الأخرى للغة، كما لا ينفي الباحثان باقي الوظائف([19])، والعناصر التي يقدمها الباحثان هي :

السياق :

الذي يظهر فيه الخطاب، وينقسم إلى قسمين؛ خارجي وداخلي؛ ومراعاة السياق الخارجي يعني : الإحاطة بالظروف التي أنشئ فيها النص(المرسل والمرسل إليه والزمان والمكان)، فقد يقال نص واحد في سياقين مختلفين؛ يترتب على ذلك تأويلين مختلفين من هنا تصبح وظيفة السياق وظيفة أساسية؛ يتم من خلالها حصر التأويلات الممكنة للنص؛ وأهم عناصر السياق عند يول وبراون :

المرسل : منتج الخطاب.

المتلقي : وهو المستهدف من إنشاء النص.

الحضور : وهم مستمعون آخرون للنص يسهم وجودهم في تخصيص الحدث الكلامي.

الموضوع : وهو مدار الحدث النصي.

المقـام : وهو مكان، وزمان، والعلاقات الفيزيائية بين المتفاعلين بالنظر إلى الإشارات وإيماءات وتعبيرات الوجه...

القناة : أي الواسطة التي تمّ من خلالها التواصل؛ كـلام، كتابة، إشــارة إلخ.

النظام : أي أسلوب اللغة أو اللهجة التي تم ّ التواصل بواسطتها.

شكل النص : ما المقصد منها؟جدال أو عظة أو نكتة أو قصة.إلخ.

المفتاح : ويتضمن التقويم؛ هل كان النص؛ جدلا مثيرا؟ وموضوعيا؟ هل كان موعـظة ...؟

ويشير الباحثان وهما بصدد هذه الخصائص؛ إلى أن محلل النص هو وحده الذي يحدد عناصر تحليله، فليست كل العناصر بالضرورة متوافرة في جميع النصوص([20]).

التأويل المحلي :

ووظيفته تقييد البعد التأويلي للنص؛ وذلك باعتماد خصائص السياق التي من شأنها حصر القراءات الممكنة للنص، واستبعاد القراءات التعسفية التي تُفرض على النص، وعملية التأويل تمليها-غالبا- تجربتنا السابقة في مواجهة الأحداث؛ وهو ما يسمى بمبدأ المشابهة؛ التي تندرج ضمن استراتيجية أوسع منها هي معرفة العالم؛ فالتأويل المحلي من هنا في مواجهته للنص يعتمد تجاربنا السابقة، كما يعتمد المعلومات الواردة في النص والمعلومات المحيطة بالنص؛ وبفعل هذه الآلية يتم استبعاد التأويل الذي لا ينسجم مع العناصر التأويلية([21]).

مبدأ التشابه :

يعتمد محلل النص على تجاربه السابقة؛ حيث يراكم عادات تحليلية وفهمية، وهذا عمل فيه محاولة لربط شيء معطى بآخر غير ظاهر، وتسهم التجربة السابقة في اكتشاف الثوابت والمتغيرات النصية؛ التي تقود إلى الوصول للنص وخصائصه النوعية، والتأويل المناسب هو شكل من أشكال إنتاج المعنى المناسب؛ وبالتالي فهو جهد في البحث عن تماسك النص، هذا التماسك الذي يقدم تعليلا مقنعا لوحدات النص المتراتبة واحدة تلوى الأخرى، والتشابه من الوسائل التي تساعد في تأويل النص وليس هو الوسيلة الوحيدة فقط؛ ذلك أنّ التشابه يرد بنسب مختلفة؛ فالتعابير والمضامين يلحقها بالضرورة اختلاف في النصوص؛ ولكن وعلى الرغم من ذلك تبقى الخصائص النوعية للجنس التي نادرا ما يلحقها التغيير([22]).

مبدأ التغــريض :

ينتظم الخطاب في شكل متتاليات من الجمل؛ متدرجة من البداية حتى النهاية، أي أن سمة الخطّيّة من السمات البارزة في النص، فالعناصر اللاحقة لها تعلق بالعناصر السابقة، وبناء على ذلك فإن التأويل القريب هو التأويل الذي لا يلغي خطية النص؛ ومن هنا تبدو أهمية مبدأ التغريض في العملية التأولية؛ فلكل نص مــحور تدور دلالة النص حوله.

التماسك النصي في الدراسات العربية الحديثة :

التماسك النصي عند ســيد قطب :

إذا عدنا إلى مؤلفات التفسير فإننا نلاحظ أن التفاسير التي اعتمدت الوحدة النصية منطلقا لها نادرة جدا، ولعل السمة البارزة لكتب التفسير القديمة باستثناء محاولة السيوطي في كتابه "أسرار ترتيب القرآن؛ هي تفسير الآية الواحدة ثم الانتقال إلى الأخرى دون البحث عن الخيط الناظم للآيات في السورة الواحدة حيث تتم معالجة كل آية منفصلة عن الأخرى؛ معالجتها لغويا ونحويا وبلاغيا...للوصول إلى مراد الآية فقط.

ويعد الأستاذ قطب من المفسرين-قدماء ومحدثين- الذين تنبهوا إلى التماسك النصي ونتائجه في تفسير القرآن، واستطاع من خلال ذلك أن يخرج تفسيره"في ظلال القرآن"؛ فقد وُفّق سيد في إدراك اطراد الظاهرة-التماسك بين الآيات والمقاطع والسور في القرآن- بعد مدارسة طويلة لكتاب الله تعالى.يرى الأستاذ عبد الفتاح الخالدي أنّ "سَيّد قطب سيدُ هذه الساحة وقُطبُ رحاها، لأنّه قدّم لنا-في الظلال- السور والآيات كلبنات وحلقات متراصة في النص القرآني المتناسق المعجز"([23]).

ولعلّ الأسباب الآتية كانت وراء اهتداء سيد للظاهرة؛ كما يُرجِّح الأستاذ عبد الفتاح الخالدي :

العقيدة :

إذ هي الأصل والأساس الذي تنبثق منه سائر التصورات والمبادئ والمناهج، وهي المحور الذي تشد إليه جميع الفروع والجزئيات، وهي الموضوع الأساسي في القرآن الكريم الذي يربط سائر موضوعاته ومعانيه.

حياته الطويلة التي قضاها في ظلال القرآن، ومداومة إنعام النظر فيه، وتدبر معانيه، والتعمق في فهم أسراره ومراميه، والغوص إلى حقائقه وأغراضه، والوقوف على الناظم الدقيق المتين الذي يشد آياته وسوره.

ثقافة سيد الأدبية؛ وموهبته الشعرية، وقدرته وتجربته النقدية([24])، ويبدو التماسك كما قدّمه سيد في تفسيره الظلال؛ كالآتـي :

¨ التماسك بين السورة والسورة. وحديثها؛ فإننا نلفي تفاوت الاهتمام بالتماسك كما يلي :

¨ التماسك بين دروس السورة الواحدة التي تلتقي إلى تحقيق هدف السورة وغرضها، وتتناغم في إبراز شخصية تلك السورة.

¨ التماسك بين مقاطع الدرس الواحد كجزئيات تكمل موضوع ذلك الدرس.

¨ التماسك بين آيات المقطع الواحد كأفراد تلتقي وتكمل بعضها لتبرزه مقطعا متماسكا.

¨ التماسك بين كلمات الآية الواحدة وجملها، لتكوّن لبنة متكاملة من لبنات النص القرآني المعجز([25]).

وقد أثبت سيد قطب نظريته في التماسك النصي في كل السور، ففي بداية سورة الأعراف-مثلا-يقول : "إنّ كل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة، وذات ملامح متميّزة، وذات منهج خاص، وذات أسلوب معين، وذات مجال متخصص في علاج هذا الموضوع الواحد، وهذه القضية الكبيرة...إنّها كلها تتجمع على الموضوع والغاية، ثمّ تأخذ بعد ذلك سماتها المستقلة، وطرائقها المتميزة ومجالها المتخصص في علاج هذا الموضوع وتحقيق هذه الغاية...إنّ الشأن في سور القرآن كالشأن في نماذج البشر التي جعلها الله متميزة : كلهم إنسان، وكلهم له خصائص الإنسانية، وكلهم له التكوين العضوي والوظيفي والإنساني...ولكنهم بعد ذلك نماذج منوعة أشدّ التنويع، نماذج فيها الأشباه القريبة الملامح، وفيها الأغيار التي لا تجمعها إلاّ الخصائص الإنسانية العامّة.هكذا عُدْتُ أتصـــوّر سـور القرآن، وهكذا عدت أحسّها، وهكذا عدت أتعامل معها، بعد طول الصحبة، وطول الألفة، وطول التعامل مع كل منها وفق طباعه واتّجاهاته، وملامحه وسماته"([26])

لقد طبّق سيد رؤيته تلك في كل سور القرآن التي تبدو بصورة واضحة جلية اتخذها منهجا سار عليه في ظلالــه، ففي مطلع تفسيره لسورة البقرة، على سبيل المثال، وعلى الرغم من أنّها أطول سور القرآن، وأنّها ضمّت آيـات عديدة، وأنّها نزلت منجّمة في فترة زمنية طويلة، وبقيت مفتوحة عشر سنوات تقريبا([27])، حيث إنّ منها ما نزل في أوّل العهد المدني، وإنّ آخر آيات نزول القرآن هي من بين آياتها، وعلى رغم أنّها تحوي عدّة موضوعات…إلاّ أنّ"المحور الذي يجمعها كلها محور واحد مزدوج يترابط الخطّان الرئيسيان فيه ترابطا شديدا...فمن ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية... وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أوّل نشأتها وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض"([28])

التماسك النصي عند مـحمّد خطّابي :

يؤسس محمد خطابي خطابه النقدي في دراسة التماسك النصي على ثنائية؛ تستلهم المكونات التراثية، وتستبعد ما تجاوزته المرحلة...كما تستفيد من المنجزات اللسانية والنقدية الغربية المعاصرة. يعرض محمّد خطابي مظاهر النص؛ وطبيعة انسجامه، كما جاءت في اللسانيات الوصفية، ولسانيات الخطاب، ونظرية تحليل الخطاب، ومنجزات العلم في مجال الذكاء الاصطناعي، وكما تجلّت في أعمال(فان ديك)التي ينسجم الخطاب فيها كالآتي : الخطاب ويتفرع إلى وظيفتين؛ دلالية وتداولية، وتحوي الوظيفة الدلالية العناصر الآتية : الترابط، والانسجام، والبنيات الكلية.أمّا الوظيفة التداولية فتضم : السياقات، والأفعال الكلامية، وقــد عـزّز الباحث دراسته بأعمال الرواد في مجال علم اللغة النصي أمثال (هالــيدي ورقية حسن) في مؤلفهما : الاتساق في اللغة الإنجليزية(Cohésion in english )، ومثلما استفاد البحث من اللسانيات الغربية في مجال تحليل الخطاب، استفاد كذلك من تراث الدراسات العربية؛ كالبلاغة، والنحو، والنقد الأدبي القديم، وعلم التفسير، وعلوم القرآن؛ التي أثبت من خلال بعضها أن ما قدمته من آليات نصية يرقى إلى ما قدّمته اللسانيات النصية المعاصرة، ومن خلال تلك المزاوجة حاول الباحث تأسيس لسانيات نصّية عربية تحاور النص العربي بالاستفادة من كل تلك المعطيات.

لقد كان هدف الأستاذ محمد خطاّبي البحث في كيفية انسجام الخطاب الشعري؟ وقد اقتضى منه ذلك التنقيب عن قواعد نصية لا تلغي التراث برمّته، ولا تستنسخ كل معطيات الحضارة الغربية اللسانية والنقدية استنساخا سمجا، واستطاع من خلال هذه الرؤية استنتاج قواعد نصية عامّة تنسجم والنص العربي، وختم الباحث آراءه النظرية، بالبحث التطبيقي عن كيفية انسجام النص في قصيدة"فارس الكلمات العربية"لأدونيس([29])

التماسك النصي عند صبحي إبراهيم الفقي :

ينطلق الأستاذ صبحي في كتابه"علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق"من إعجاب كبير بالمدرسة "النصِّية" أحدث مدرسة تَعدّت في تحليلها اللغوي؛ النُّظم التي اتّبعتها المدارس الأخرى أين انصبّ اهتمامها على الجملة بوصفها الوحدة اللغوية الكبرى...لقد اتّخذت المدرسة"النصية""النَّصَّ"مجالا للتحليل كإطار أوسع من الجملة التي يُعَدُّ الوقوف عندها قصورا في التحليل النصي؛ إذ لا يمكن دراستها منفصلة عن سياقها اللغوي المتمثل في البنية اللغوية الكبرى"النص".

قسّم الأستاذ صبحي كتابه إلى أربعة فصول يبدو بصورة واضحة أنّها تدور حول التماسك النصي، الذي يعتبر أهم مظاهر التحليل النصي. في الفصل الأول عرّف الباحث النص، وعلم اللغة النصي وأهم المصطلحات المتعلقة به، وأفرد الفصل الثاني للتماسك بَيَّن مفهومه وأهميته، وعلاقة السياق والمتلقي بالتماسك؛ وأثرهما في تكييف التماسك، ثمّ قدّم نظرة القدماء للتماسك، وفي الفصل الثالث تناول الباحث دور الضمائر-الشخصية، الإشارية، الموصولية- في التماسك وأهمّيتها عند علماء العرب وعلماء النصية المحدثين، وأتبع كل ذلك بفصل حاول فيه تطبيق المبادئ النظرية على سور مكية أبرز من خلالها أهمية الضمير في إحداث التماسك النصي، وأما الفصل الرابع فخصّه للتوابع وأهمّيتها عند علماء العربية وعلماء النصية، وختم هذا الفصل أيضا بالتطبيق على سور مكية بيّن فيها أهمية الضمير في الربط بين أجزاء النص.

وتكمن أهمية هذه الدراسة في اعتقادنا؛ في أنّها تجاوزت الجملة إطارا نهائيا للتحليل، وجعلت المتلقي شريكا أساسيا لا ينبغي تجاهل دوره في تلقي وإدراك النص،كما أنّ الدراسة لم تكن آراء نظرية بعيدة عن روح النص العربي؛ بل أتبعت النظرية بالتطبيق على أفصح وأقدس نص تفتخر به العربية..."و لمّا كان المجال التطبيقي للتحليل النصي-خاصّة في الإسهامات الغربية-لم يَتَعدّ النصوص الصحفية، أو المقالات، أو من قريحة مؤلفي هذه الكتب، كانت الحاجة قصوى لاختيار نص أدبي من ناحية، ونص مقدس من ناحية أخرى، وفصيح من ناحية ثالثة، وأهم نص تتوافر فيه هذه الشروط(القرآن الكريم)، ومن ثمّ كان من أسباب اختيار هذا الموضوع كذلك حاجة المكتبة إلى تطبيق أصول هذه النظرية الحديثة على نص مقدّس"([30])

خــاتمة :

إن أبرز ما يميز النص عن اللانص هو ذلك التماسك الشديد بين أجزائه، حتى يبدو النص قطعة واحدة متناسقة الأجزاء.

إن التناسق بين أجزاء النص يتحقق بأدوات منها ما هو لغوي ومنها غير اللغوي، والتماسك عنصر أصيل في تحقيق التناسق بين مكونات النص، فهو أداة تجمع بين ما هو لغوي وما هو غير لغوي في تحقيق الوحدة المطلوبة في النص.

فإذا كانت اللسانيات المعاصرة قد اقتحمت عالم النص، فهل هناك رؤية نصية أصيلة في التراث العربي؟ إن التأمل في بعض نصوص التراث في مختلف المجالات العلمية لتتملكه الدهشة وهو يتأمل- مثلا- ما قدمه علم أصول الفقه من قوانين دلالية تحاول رصد النص برؤية شاملة عبر آليات وعلاقات غايتها ربط أجزاء النص للوصول إلى المقصد الأقرب للنص الذي يختفي وراء حجب النصية...ولقد وجدنا أيضا في الدراسات الإعجازية القديمة بعض المحاولات النصية المتميزة، التي لا تكتفي بالجملة أو الآية إطارا نهائيا للتحليل، بل تجاوزت ذلك إلى البحث في آليات تماسك النص الكبير...

لقد اهتم العرب بالقرآن؛ فبرز منهم علماء كرّسوا جهودهم لخدمة النص المقدس، وحاولوا بيان وجوه إعجازه، وما تزال مؤلفاتهم شاهدة على ما قدموه في سبيل ذلك، ومن بين الوجوه الإعجازية التماسك الوثيق الذي يربط آيات وسور القرآن التي نزلت منجمة على مدار ثلاث وعشرين سنة.

لقد رصدت بعض الدراسات الإعجازية بعض العلاقات التماسكية بين سور وآيات القرآن، فقد وجدنا بعض المؤلفات تقدم علاقات تماسكية للنص ترقى إلى ما إلى ما قدمته اللسانيات النصية المعاصرة، مثل كتاب "البرهان في علوم القرآن" للزركشي، وكتاب"الإتقان في علوم القرآن"للسيوطي.

وأخيرا نقول إن الدراسات اللسانية النصية ما تزال في بدايتها وإن علم النص ليمكنه أن يقدم الكثير للنقد الأسلوبي الذي آن الأوان أن يتجاوز في تحليله الجملة إلى الفضاء النصي الشامل، ومن جهة أخرى يمكن استلهام بعض القوانين النصية من مصادرنا التراثية مثل علم أصول الفقه، والبلاغة، والتفسير...كما يمكن أيضا الاستفادة من معطيات علم النص الغربي بما لا يلغي خصوصية النص العربي.

الهوامش والإحالات:




[1]- خولة طالب الإبراهيمي، مبادئ في اللسانيات، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2000، ص167.

[2] - ينظر : القاموس المحيط ولسان العرب، مادة : نص

-[3] Le grand Robert de la langue française,p°272

[4] - خليل الموسى، النص لغة واصطلاحا، جريدة الأسبوع الأدبي، عدد 823، 2000.

[5] - عبد الوهاب خلاّف، علم أصول الفقه، الزهراء للنشر و التوزيع، ط1 ص 144-150.

[6] - عدنان بن ذريل، النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق، اتحاد الكتاب العرب، 2000، ص 54.

[7] - نفسه، ص57.

[8] - نفسه، ص 60.

[9] - جوليا كريستفا، علم النص، ترجمة فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ص28.

[10]- نفسه، ص21.

[11]- نفسه، ص 13.

[12]- عبد المالك مرتاض، في نظرية النص الأدب، المجاهد، عدد 1424، ص57.

[13]- نفسه، ص57.

[14]- نور الدين السد، الأسلوبية وتحليل الخطاب، دراسة في النقد العربي الحديث، تحليل الخطاب الشعري والسردي، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 1997 ص68.

[15]- نفسه، ص69 .

[16]- نور الدين السد، الأسلوبية وتحليل الخطاب ص 70.

[17]- صبحي إبراهيم الفقي، علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، القاهرة، ص33-34.

[18]- خولة طالب الإبراهيمي، مبادئ في اللسانيات، ص168 172-.

[19]- محمد خطابي، لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، 1991، ص14.

[20]- نفسه، ص 53-52.

[21]- نفسه، 57-56.

[22]- نفسه، ص59-57.

[23]- صلاح عبد الفتاح الخالدي، المنهج الحركي في ظلال القرآن، دار الشهاب، الجزائر، 1998، ص 152.

[24]- نفسه، ص 155.

[25]- نفسه، ص 156.

[26]-سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، الطبعة الشرعية الحادية عشر، بيروت ج3 ، لبنان، 1985، ص 1243.

[27]- صلاح عبد الفتاح الخالدي، المنهج الحركي في ظلال القرآن، ص45.

[28]- سيد قطب، في ظلال القرآن، ج1 ، ص 28.

[29]- محمد خطابي، لسانيات النص، ص9-384.

[30]- صبحي إبراهيم الفقي، علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق، ص 16.

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-04-2010, 11:49 AM   #2
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,977
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نحو لسانيات نصية عربية مقاربة في مفهوم النص والتماسك النصي

جزاكم الله الجنة

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-06-2010, 11:42 PM   #3
بدر حلب
أبو غالية ( وفقه الله )
 
الصورة الرمزية بدر حلب
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: سوريا
المشاركات: 21,413
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نحو لسانيات نصية عربية مقاربة في مفهوم النص والتماسك النصي

شـــكـ بارك المولى فيك ـــراً جــــزيـــــلاً

__________________



<!-- Facebook Badge START -->مكتبة تاريخ سوريا syria history

<!-- Facebook Badge END -->

<!-- Facebook Badge START -->
بدر حلب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-06-2010, 11:53 AM   #4
الألسني الجبوري
عضو مشارك
 
الصورة الرمزية الألسني الجبوري
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
المشاركات: 553
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نحو لسانيات نصية عربية مقاربة في مفهوم النص والتماسك النصي

بااااااااااااااارك الله فيك

__________________
زكاة العلم نشــــــره .
ما تصدَّق الإنسان بصدقة أفضل من نشر العلم
الألسني الجبوري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-09-2011, 09:45 PM   #5
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 68,253
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نحو لسانيات نصية عربية مقاربة في مفهوم النص والتماسك النصي

بارك الله تعالى فيكم

__________________



أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-11-2011, 01:39 PM   #6
دنيال سعد
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 1
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نحو لسانيات نصية عربية مقاربة في مفهوم النص والتماسك النصي

بارك الله فيكم
الموضوع جدير بالمتابعة ،ويفتح أبوبا مغلقة في فهم نظرية نحو النص.

دنيال سعد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2012, 01:54 PM   #7
ليندا نور
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 26
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: نحو لسانيات نصية عربية مقاربة في مفهوم النص والتماسك النصي

شكرا للفارس الجزائري الجواد الابراهيمي

ليندا نور غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
لسانيات النص، مدخل لانسجام النص، لمحمد خطابي حقــي الكتب اللغوية والأدبية الحصرية المصورة 22 06-01-2014 09:53 PM
من لسانيات الجملة إلى علم النص إبراهيم براهيمي مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 13 11-09-2013 10:26 PM
في تحليل الخطاب - لسانيات النص إبراهيم براهيمي مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 8 05-04-2012 10:15 PM
مقاربة نحو النص في تحليل النصوص إبراهيم براهيمي رسائل في اللغة العربية وعلومها 5 09-10-2011 11:48 PM
لسانيات النص والمتلقي عبد الجليل غزالة نضال الخفاجي مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 5 03-07-2011 09:31 PM


الساعة الآن »07:20 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd