بحث عن زيادة حروف المعاني( هاء السكت مثالا)
ويذكر ابن جني كذلك فيما يتعلق بطبيعة الهاء أنها حرف زائد ، حيث يقول : " الهاء أحد الحروف العشرة التي تسمى حروف الزيادة لا حروف النقص ، وإنما سميت حروف الزيادة لأن زيادتها في الكلام هو الباب المعروف ... وقد نراها تزاد للتأنيث فيما لا يحاط به نحو : (جوزة) و(لوزة) ، ولبيان الحركة في نحو: ﭽﯵﭼالحاقة: ٢٨ و ﭽﮠﭼالحاقة: ١٩ وﭽﮦﭼالحاقة: ٢٠ وﭽﯲﭼالأنعام: ٩٠ وﭽعَمَّهْﭼ وﭽ فِيمَهْﭼ وﭽلِمَهْﭼ (*) ولبيان حرف المد نحو : (وازيداه) و(واعمراه) و(واغلامهموه) و(وانقطاع ظهرهيه) ونحو قول الراجز ( ) :
أُكْسُ بُنيَّاتي وأُمَّهُنَّهْ أُقْسِمُ باللهِ لتفعلنَّه
وما أشبه ذلك . ( ) "
وابن جني إذ يعد هاء السكت من المواضع التي تزاد فيها الهاء فإنه ينسب للمبرد رأيا يخالف فيه ذلك ، يقول : " أما أبو العباس فكان يخرج الهاء من حروف الزيادة ويذهب إلى أنها إنما تلحق للوقف في نحو : (اخْشَهْ) و (ارْمِه) و (هُنَّه) و( لكنَّه) ، وتأتي بعد تمام الكلمة ، وهذا مخالفة منه للجماعة ، وغير مرضي عندنا ، وذلك أن الدلالة قد قامت على صحة زيادة الهاء فى غير ما ذكر أبو العباس . ( ) "
وعلى الرغم من أن الثابت هو أن المبرد موافق لمن قالوا بزيادة هاء السكت ( ) فإن ما نسب إليه كان من الوجاهه بالمكان الذي يستحق معه أن ينال حظًا من المناقشة ؛ فقد شاع هذا القول عند بعض النحاة المتأخرين ، وكانت علتهم في ذلك هي أن هاء السكت حرف معني ، لذلك لا يجوز القول بزيادتهم ، يقول في ذلك ابن الحاجب : " أما الهاء فكان المبرد لا يَعُدُّها ولا يَلْزَمُهُ نحو : اخشَهْ ، فإنها حرف معني كالتنوين ، وباء الجر ، ولامه ، وإنما يلزمه نحو أمهات نحو( ) :
أُمَّهتِي خِنْدِفُ والياسُ أبي ( ) "
ومن المعلوم أن الحرف يرد في اصطلاح علماء العربية بمعنيين أولهما : حرف المبني : وهو ما تتركب منه الكلمة من حروف المعجم ، فقولك : (كتاب) مبني من أحرف الكاف ، والتاء ، والألف ، والباء .
والآخر : حرف المعني : وهو قسيم الاسم والفعل ، أي " ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ، نحو : ثم ، وسوف ، وواو القسم، ولام الإضافة ، ونحوها .( )"
ولا شك في أن هاء السكت واحدة من حروف المعاني ؛ إذ إن لها معنى مستقل تلحق بالكلمة من أجله ، وقد ذكر ذلك ابن جني ، حين يقول : " واعلم أن هذه الهمزة (همزة الوصل) إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن بعدها لمّا لم يمكن الابتداء به، وكان حكمها أن تكون ساكنة ؛ لأنها حرف جاء لمعنى، ولا حظ له في الإعراب ، وهي في أول الحرف كالهاء التي لبيان الحركة بعد الألف في آخر الحرف في : وازيداه ، وواعمراه ، ووا أمير المؤمنيناه . ( )"
وكذلك فإن ابن جني قد عرف لهذه الهاء استقلاليتها التامة عن بنية الكلمة مما يؤكد أنها عنده من حروف المعاني ، وذلك حيث إنه يذكر أن " الساكنين إذا التقيا من كلمة واحدة حرك الآخر منهما ، نحو : أمسِ وجَيْرِ ... وإنما يحرك الأول منهما إذا كانا من كلمتين ، نحو : قدِ انقطع ، وقمِ الليل . ( ) . وفي ضوء ذلك فهو يذكر أن الكسرة في نحو : ادعه ، واغزه ، إنما جاءت لالتقاء الساكنين ، مما يؤكد أن هذه الهاء عنده بمثابة كلمة مستقلة . يقول في ذلك : " وكذلك القول في ادعِه واغزِه ، ألا ترى أن الهاء زائدة من بعد الكلمة . وعلى أنه قد يجوز أن تكون الكسرة فيهما إنما هي على حد قولك : ادعْ ، واغزْ، ثم لحقت الهاء . ( ) "
والقضية التي ينبغي أن تطرح الآن هي أنه إذا كانت هاء السكت حرف معنى ، فهل هي حرف زائد كما قال ابن جني ، وأكثر النحاة ، أو أنه لا يجوز ذلك لأنها حرف معنى ؟ والإجابة عن هذا السؤال تكمن في مصطلح ( الحروف الزائدة ) الذي تغير مدلوله عند النحاة فأدى إلى وقوع ماسبقت الإشارة إليه من اختلاف حول زيادة هاء السكت ، وغيرها من حروف المعاني . فقد اتسع هذا المصطلح عند سيبويه ليشمل ما كان من حروف المعاني على هيئة حرف واحد نحو : ( ألف الوصل ، وحروف المضارعة ، والياء التي هي علامة التثنية ، والنون الثقيلة والخفيفة ، وتاء التأنيث ، وغير ذلك ) ( ) لذلك فإنه كان من البدهي أن يجعل سيبويه هاء بيان الحركة من المواضع التي تزاد فيها الهاء .
وقد ظل هذا المصطلح على عمومه عند المازني ، لكنه مع ذلك تغير بشكل ملحوظ ؛ حيث قسم الحروف الزوائد من حيث وظائفها إلى عدة أقسام ، يقول في ذلك : " فمما يزاد ما يُلحِق بناء ببناء ، ومنه ما يكون للمد ، ومنه ما يُلْحِق للمعنى . وفيه ما يلحق في الكلام ولا يتكلم به إلا زائدًا ؛ لأنه وضع على المعنى الذي أرادوا بهذه الهيئة . ( ) " وقد أقر ابن جنى هذا التقسيم ، وأوسع تفصيله في شرحه لكتاب التصريف ( ) ، ولذلك نرى ابن جني يذكر هاء السكت من بين الحروف الزوائد ، لكنه يقيد هذا المصطلح العام بقوله : إنها حرف زاد لمعنى .( )
ولا شك في أن هذا التقسيم كان له أثره الواضح على من تأخر من النحاة، فقد آثر بعضهم إخراج ما زاد من الحروف لمعنى من مواضع الزيادة ، وقد كان ذلك واضحًا عند الرضى ؛ حيث كان يخرج حروف المضارعة ، وهاء السكت ، ولام البعد ، وتاء التأنيث من الحروف الزائدة لكونها حروف دلت على معنى . ( ) وقريب من ذلك ما ذكره الجاربردي حيث يقول : " وينبغي أن تعلم أنه إذا زيد شيء بحيث يصير مع المزيد فيه كشيء واحدة لا ينافي ذلك كونه من باب الزيادة ، كألف ضارب ، وواو مضروب . وأما إذا لم يصر مع الأول شيئًا واحدًا ، بل يكون ككلمة متصلة بآخر كلمة أخرى ، فلا يكون مما نحن فيه . ( )
ومن ثم فإنه في ضوء هذا التخصيص لمصطلح الحروف الزوائد ينبغي إخراج هاء السكت من مواضع زيادة الهاء ، وقد كان ذلك ما صرح به ابن هشام إذ يقول : " وأما تمثيل الناظم وابنه وكثير من النحويين للهاء بنحو : ( لمه، ولم نره ) ، وللام بـ( ذلك ، وتلك ) فمردود ، لأن كلا من هاء السكت، ولام البعد كلمة برأسها ، وليست جزءًا من غيرها . ( ) "
__________________
روى ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مَنْ سَرَّهُ أن يكون أكرم الناس فليتق الله ، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه ".
مسند عبد الله بن حميد225، زوائد الهيثمي 2/967