روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-05-2010, 11:11 PM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي النقد القصصي والروائي العربي

النقد القصصي والروائي العربي
1ـ المحاولات الأولى
شهدت أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينات بزوغ المحاولات الأوليّة للنقد الجديد، نظرياً وتطبيقياً، كما في الكتب التالية: في سوريا مثلاً صدر كتابان هما: ملامح في الرواية السورية عام 1979م لسمر روحي الفيصل، وحركية الإبداع: دراسات في الأدب العربي الحديث عام 1979م لخالدة سعيد. و في لبنان صدر كتاب الألسنية والنقد الأدبي: في النظرية والممارسة عام 1979م لموريس أبو ناضر، وفي معرفة النص ليمنى العيد. و في مصر ظهر كتاب نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة عام 1980م لنبيلة إبراهيم سالم. و بناء الرواية: دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ عام 1984م لسيزا أحمد قاسم ؛ و في المغرب ظهر عدة كتب منها: القراءة والتجربة: حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب عام 1985م لسعيد يقطين، ومدخل إلى نظرية القصة عام 1985م لسمير المرزوقي وجميل شاكر. وكان محمد سويرتي درس هذه الكتب في كتابه النقد البنيوي والنص الروائي عام 1991م.‏
إنّ حركة النقد القصصي والروائي ما تزال تفتقر إلى اتجاه ناجز من الاتجاهات الجديدة، إلا من تمثل لاتجاه ما واستيعابه أو تطويع أكثر من اتجاه في عمل نقدي واحد في التعريف أو التنظير أو التطبيق، وأشير في مجال النقد النظري، إلى نماذج منها، ونلاحظ أن أمثال هذه الأعمال النظرية لا تخفي ميلها إلى التطبيق، مما يصعب معه إدراج هذا العمل في خانة محددة.‏

2ـ تحديث الأدوات دون منهج معين:‏
عمد بعض الباحثين والنقاد إلى تحديث أدواتهم النقدية دون الالتزام بمنهج معين، مما يعكس إلى حد ما رغبتهم في الإحاطة بخصائص الكتابة القصصية معرفياً وجمالياً. وقد عني نقاد وباحثون بجزء أو بعنصر من النص القصصي والروائي، أو بخاصية من خصائصه، أو بتمحيص القول في شكل، أو نوع من أنواع النصوص القصصية. ويلاحظ في اشتغالهم النقدي بعض أدوات النقد الجديد.
ويمكن ملاحظة أن بعض النقاد يختارون عناصر معينة من المناهج؛ فعلى سبيل المثال فإن الناقد العراقي ياسين النصير ممّن عني بالتركيز على جزء أو عنصر من النص القصصي والروائي. وعرف عن النصير دراساته النظرية والنقدية والجمالية للمكان في كتبه التالية: الرواية والمكان: «جزآن» (1980-1986)، ودلالة المكان في قصص الأطفال عام 1985م، وإشكالية المكان في النص الأدبي عام 1986م. ثم ألف كتاباً ضمن المجهود نفسه عن الاستهلال: فن البدايات في النص الأدبي عام1993م.‏
انتقى النصير بعض المناهج النقدية الحديثة في تعامله مع النصوص المدروسة، ويبدو أن هذا واضحا من العنوانات التي يختارها مثل: الاستهلال والكتابة الجديدة، البنية النصية والبنائية الاجتماعية، الاستهلال لغة وبناء، بنية الاستهلال، الاستهلال بوصفه علامة... الخ، وهو واضح أيضاً في لغته النقدية، كما في تحديده للوظائف الفكرية للجملة الاستهلالية التي يمكن عرضها بشكل مختصر فيما يلي :
1- إنّها جزء من شكل كلي حيث هي شكل أيضاً، لكنه يتحول خلال الفعل التكراري التوليدي إلى محتوى دلالي، فالموتيفة الصغيرة (يقصد الحافز) التي نراها، وقد عمّمت على كل مفردات العمارة تكتسب وظيفتها الجديدة من خلال الموقع الذي وجدت فيه، والعلاقات المكانية التي تربطها مع ما يجاورها.
2- إنّ الوحدة العضوية للمبنى ما هي إلاّ تطوير اشتقاقي من الموتيف الاستهلالي عندما تتوسع هذه الوحدة، أو تدخل في علاقات جديدة تكسب وتكتسب، تنمو وتندثر. إنها أشبه بالحجيرة البشرية في الوقت الذي تكون فيه الجسم البشري، تكتسب وظيفتها ووجودها من خلال العضو الذي تدخل في تركيبه.‏
3- والجملة الاستهلالية المتحوّلة إلى علامة، والمتضمنة أول الأمر في المدخل بوصفها علامة بارزة، تتحول داخل النص المعماري إلى قيمة معيارية..‏
4- البعد الزمني للجملة الاستهلالية، هو حضور الماضي في الحاضر في اللحظة التي يحتاج فيها إلى الماضي، لا حاجة استدلال معرفي، وإنما حاجة تفسير، فالحاضر هو الأقوى بوصفه محصلة الأزمنة.‏
5- الجملة الاستهلالية في الفنون المكانية كالعمارة، والرسم والمسرح، هي جملة مكانية تستخدم لغة الفن الخاص لتدلل على نفسها.‏
6- لكن بعض الاستهلالات تولد غامضة، أو في المواقع الخفية من الفعل، كاستهلالات الجريمة أو السرقة أو الفعل النفسي.‏
تنطوي بعض الوظائف على أدوات بنيوية أو علاماتية «سيميائية»، وتعالج بعض الوظائف بأدوات النقد التقليدي. وفي انتقاله للحديث عن «الاستهلال السردي الروائي»، لا يحدد النصير تعريفاً، ولا يضع خصائص وسمات، بل يضع رأياً عاماً مفاده أنّ استهلالات الفن الروائي تميل إلى السعة والتنوع، واختار مباشرة للتطبيق رواية الرجع البعيد لفؤاد التكرلي، ووجد أن استهلاله عرّف بشخصيات الرواية، وبالمكان، وبنوعية الأحداث المركزية، وبحضانة الأفكار وبنى الفصول اللاحقة، وذكر روايات أخرى ذات استهلال مماثل مثل النخلة والجيران لغائب طعمة فرمان، والثلاثية لنجيب محفوظ، وشرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، والمصابيح الزرق لحنا مينة، واللاز للطاهر وطار. وعالج ضمن المنظور نفسه الاستهلال الروائي متعدد الأصوات، في الروايات التي تروي كل شخصية من شخصياتها أحداثاً من وجهة نظرها. ومما يلاحظ على لغة النصير تعميمها وعدم دقتها اللغوية والاصطلاحية، كما في هذين الشاهدين:‏
- قوله « تصبح الرواية متعددة الأصوات وهي الكيفية البنائية لها. فكل شخصية تروي كل الأحداث من وجهة نظرها»، وليس هذا دقيقاً، لأن كل شخصية تروي الأحداث التي عرفتها أو شاركت فيها.‏
- قوله «كما يصلح هذا الاستهلال لروايات الحقب التاريخية حيث تداخلتها تنوعات الفن القصصي وكشوفات متعددة لزوايا الرؤية» .‏ ويقصد بذلك الرواية النهر أو الرواية الانسيابية، وليس ذلك الحكم مناسباً لمثل هذه الروايات، ولنذكر على سبيل المثال رواية «الحرب والسلم» لتولستوي، أو «الثلاثي» لنجيب محفوظ، أو الثلاثية لمحمد ديب.. الخ.‏
وغالباً ما يخرج النصير عن إطار الاستهلال إلى الرواية ككل، كما في حكمه على رواية غائب طعمة فرمان خمسة أصوات .‏
وعالج النصير الاستهلال الروائي المحوري البنية الذي يتحدد معناه «بأنّ ثمة فكرة أو محوراً واحداً يتكرر داخل الصفحات الأولى من العمل، فهو إما أن يكون حالاً معينة، أو مكاناً، أو موقفاً، أو زمناً ما، ويكون الاستهلال إشارة مركزة وقوية لهذه البنية المحورية ثم تتكرر في مقاطع عدة من الرواية، لتغذي مفاصل الرواية وتمدها بتصورات كلية لاحقة» . وذكر نموذجاً أقرب لها هو رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف، وهي من الروايات التي ينطبق عليها وصف «الانسيابية».‏
وأمعن النصير في التصنيف لأنواع الاستهلال، فذكر «الاستهلال الروائي الحديث»، ومن مقوماتهكما يذكر »قوة الأشياء وحضورها الفاعل والعمل المثيولوجي للشعب، والبعد الأسطوري للحياة المعاصرة، والشاعرية الغامضة في الأسلوب، ووحدة الزمن الإنساني، واعتماد الحس التطوري في صياغة مشروعات الغد، والرؤية الشاملة للعالم والعمق الرمزي والكثافة الواقعية» .‏
وشرح النصير «استهلالات الرواية القصيرة» التي تميل إلى الكثافة بطبيعتها المركزة، ولا يحدد أيضاً مفاهيم «الكثافة» و«التركيز» و«الرواية القصيرة»، على الرغم من أنه أورد أسماء روايات كثيرة تنتمي إلى هذا النوع. وقد وضع اشتراطاً عاماً، لا ينجح الاستهلال فيه «إلا متى كانت الحاجة إلى مفرداته وأفكاره مستمرة داخل العمل، عندئذ يبني كيانه اللغوي والمعرفي على شيء من تأريخية العلاقات الداخلية للنص، لا تأريخية المكان العامة أو جغرافيته» .‏
غير أن النصير نظر في «الاستهلال السردي في القصة القصيرة معتمداً على بروب Propp، واستخلص وظائف أساسية للجملة الاستهلالية في القصة القصيرة على النحو التالي:‏
ثمة وضع موشك على الانهيار يراد صيانته.‏
استحضار بطل كفوء.‏
صياغة أسلوبية مبهمة، غامضة، إحالية، متفتحة.‏
الجملة الخبرية متعدية وغير لازمة.‏
كل المفردات الواردة ستوّلد مفردات ومشتقات جديدة داخل النص.‏
لها علاقة بنائية بالمتن من خلال فنّ حسن التخلص والانسياب.‏
لها علاقة ممهدة بالنهاية حيث اختتام الخلق التكويني بها» .‏
ونلحظ ثمة تداخلاً بين مفهوم الجملة السردية والجملة اللغوية، كما أن أشكالاً من الاستهلال مغفلة مثل السرد الدائري. وأفاد النصير في سياق نقده باستعماله للتوليدية بوصفها منهجاً بنائياً، يبتديء بالشرارة التي تحتويها الجملة الاستهلالية، ومن ثم تتوسع النار في الجسد حتى إذا وصلت القصة النهاية لا يكون ثمة انطفاء أو حريق مستمر، وإنما اكتمال، فالخاتمة لا تبنى إلا وفق سياق فعل البداية، وهذه خصيصة من خصائص البنائية، ولكنه عبر عنها بغير لغة البنيويين ومصطلحاتهم. وكانت أمثلته على أكثر من عشر قصص لكتاب عرب من العراق، ناقش من خلالها مستويات الفعل في الاستهلال وهي:‏
المستوى الإبلاغي.‏
المستوى الوصفي.‏
المستوى الشعري.‏
المستوى البنائي (الزمنية ـ المكانية ـ الماضوية ـ التركيب..).‏
المستوى الحركي للجملة الاستهلالية.‏
وطبق ذلك على عدة قصص لمحمد خضير وكاظم الأحمدي وأحمد خلف وعائد خصباك.
3ـ الاستعانة بالبنيوية:‏
سرعان ما انتشر التأثير البنيوي وما جاوره من مناهج معرفية، كما في كتابة المؤلف المغربي صدوق نور الدين عن الاستهلال أو البداية من منظور أشمل وأكثر عمقاً واتساقاً في كتابه البداية في النص الروائي عام 1994م، فقد عالج موضوعه مستهدياً ببعض معطيات علم النص، فتتوارد في ثنايا نقده مصطلحات النص، كما عرفت لدى البنيويين والعلاميين واللسانيين، وأثار في مدخله العام «النص وسؤال النص، أسئلة عن «الماقبل« و«المابعد»، لما يخص العلاقة القائمة بين النص ومبدعه، وهو سؤال البداية، فإن ما يربط النص والمتلقي هو سؤال الختام.‏
ثم استغرق في لغة إنشائية موشاة بعبارات تنظيرية تفتقر إلى الدقة والتحديد غالباً، كأن يقول:‏ «على أن من النصوص التي تفرض ذاتها، سياقاتها داخل النص، إذ بإمكان قارئ النص التمكن منها، وبالتالي الإحالة إلى كون النص قد استقى منها تجليه ومظهره، كما أن بالإمكان عدم التفطن لذلك» .‏
وختم نور الدين تنظيره «المبهم» بقول تودوروف أن المبدع يؤول العالم، في حين أن القارئ يؤول الكتاب، ليفيد، برأيه، أن سؤال النص لا يكتمل إلا بسؤال القراءة.‏
وعالج في القسم الأول من كتابه البداية مفهوماً ووظيفة، على أن البداية مكون بنائي، والجزء المشكل للمفتتح أو المدخل، بالدخول في البداية، والشروع في خلق تآلف معها، يقود المتلقي إلى الانتقال مما هو واقعي نحو «الخيال الواقعي» ، ثم لا يوضح نور الدين الوظيفة، على الرغم من استشهاده بمقالة هامة لصبري حافظ، الأستاذ في جامعة لندن، هي «البدايات ووظيفتها في النص القصصي» نشرها في مجلة الكرمل عام 1986م، مؤثراً أن يجعل التطبيق سبيلاً لتوضيح مفاهيمه ومصطلحاته، فأشار لنصوص قصصية وروائية عربية كثيرة، من خلال إلماحاته إلى«الصوت السردي والبداية»، و«البداية ومنطق الزمن» و«البداية والمكان»، ومستعيناً بين الحين والآخر بتودوروف، وبارت، وسيزا قاسم، وتوماشفسكي، ويوري لوتمان، وباختين، وامبرتو ايكو، وجينيت. وانتقل بعد ذلك إلى عرض أنماط من البدايات، مثل البداية المتناصة، والبداية المتعالقة، والبداية الواصفة (ومنها الشعرية الخالصة، والناهضة على الزمن، والواصفة المشهدية). ويُلاحظ أيضاً التداخل في هذه الأنواع، فالبداية المتناصّة تماثل البداية المتعالقة، لأن التعالق مستوى آخر من التناص، أما الالتباس في تداخل الأنواع الأخرى، فمرده إلى الإيجاز المخل الذي عمد إليه نور الدين، كمثل قوله عن البداية الواصفة بشعريتها:‏
وفيها تذهب اللغة على الأمداء بصور فنية قائمة على ضبط المشابهة، ويتعلق هذا خاصة بالمكان المتواجد فيه، حيث تتفاعل الأحداث وتحتد، دون أن يسقط من اعتبارنا أن اللغة الواصفة الشعرية قد تمتزج بالسياق السردي، بعيداً عن تجسيد الوقفة التأملية المحض [...]
وخصّ نور الدين مقاربته النقدية في البداية رواية الزيني بركات لجمال الغيطاني التي نشرت عام 1972م، في صلة العنوان بالبداية، وفي صنعة الخيال، وفي البداية المتناقضة، ونلاحظ أيضاً خروج الناقد من علائق البداية ومكانتها السردية، إلى الانغمار بالتحليل السردي بعامة، كما في ختام كتابه: «إن تنوع الخطابات وتداخل الأجناس الأدبية يموضع الرواية في سياق من التعددية التي تفقد هذه الرواية خصوصياتها المتفردة بها، ولعل هذا ما أضفى عليها نوعاً من الأسلبة المتضحة في تنوع اللغات، وهو حسب باختين تهجين إرادي قصد إليه الغيطاني لوسم النص بواقعيته وموضوعيته كذلك».
لجأ نور الدين إلى الاتجاهات الجديدة لنقد القصة والرواية، ولا سيما المعنية بعلم النص وشعرية السرد، ولكن كتابته النقدية ملتبسة، لافتقارها إلى التحديد، ولإيغالها في التطبيق الموجز، والأهم، لحاجتها إلى تسويغ نظري نقدي كاف مما يتّصل بالسرد من مقولات حديثة.‏

4ـ التعامل مع المناهج الحديثة:‏
ثمة تنازع عند محمد غازي التدمري في كتابه لغة القصة (1995) بين التقليد والتحديث، فسادت المرجعية التقليدية استئناساً بمنهج حديث، كأن يكون سيد قطب كتابه النقد الأدبي، أصوله ومناهجه الصادر عام 1947م المرجع الوحيد، يقول «فالقصة الجيدة هي التي تستغل ما للنثر من قوة إيحائية ودلالية من الممكن أن تشع في سياق المفردة، كما تشع المفردة في سياق الجملة، التي يفترض فيها أن تشع وتتوهج، وتتفق صوراً وخيالات، داخل سياقات ونص القصة القصيرة المتطورة شكلاً ومضموناً بوعي دائم» .‏
بحث التدمري عن العلاقة بين القصة والشعر، وتلمس خصائص لغة القصة، مازجاً بين تعبيرات تقليدية وأخرى حديثة، وتوقف عند اختيار أدوات التوصيل، واختيار أدوات الدلالة، إلحاحاً على فهم اللغة غالباً، وعلى فهم اللغة من خلال تقنية القصة أحياناً. وقد تميز دخوله في التطبيق باستخدامه لأدوات منهجية حديثة، كما في حديثه عن حركة الفعل، أو حركة الضمير في سياق القصة، واللغة الشعرية، واللغة الإشارية، وحركة اللغة في سياق الصراع، واللغة المكشوفة والتعبير المكبوت أو الجنسي.‏
ويظهر التباين عن تنازعه في فهمه للسرد، فهو لم يذكره إلا في خاتمة كتابه، وقد ربطه بحدود الجملة الأساسية، على أن اللغة أوسع من «مجرد سرد» . وأنّها المعبر «إلى فهم عامل الزمان وإشكالياته» .. الخ، مما يشي بتسرب بعض أدوات النقد الجديد بشكل غير جليّ أو عدم الرغبة في تمثلها.‏
5ـ جهود نظرية تمهيدية:‏
ربما كان كتاب نبيلة إبراهيم سالم نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة (1980) الجهد الأول المكتمل تعريفاً بمناهج النقد الجديد، من بروب إلى غريماس إلى جاكوبسون، وهو جهد بدأته في كتابها قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية (1974). وقد غلبت في تنظيرها منهجاً انتقائياً يقترب من نظرية التواصل التداولية اعتماداً على معطيات شكلانية ووظيفية من بروب وبنيوية ودلالية وسيميائية من غريماس على وجه الخصوص.‏
وتلا ذلك جهد للناقدين سمير المرزوقي وجميل شاكر من تونس في كتابهما مدخل إلى نظرية القصة (1985). يكمل الباحثان جهد نبيلة سالم، وفي المسعى نفسه، وإن اختلفت مصادرهما، أو مرجعيتهما، الفرنسية عندهما، والإنكليزية عندها، والحق أنهما لم يعتنيا بنظرية القصة، وإنما بعلم السرد ، لأن البحث في النظرية يستدعي معالجة جوانب أخرى لم يتطرقا إليها، وقد أضاف الباحثان إلى مرجعية سالم الشكلية البنيوية الدلالية Semantique والعلامية Semiotique مؤلفات ونظرات لجينيت وبريمون.‏
واعترف الباحثان بتبعات الانتقائية، بوصفها عقبة منهجية، ولكنهما وجداها «معضلة الجامعة في العالم كله، وهي كذلك مشكلة البحث الأم»(17)، وأشارا إلى أن بارت قد اتهم بالوقوع فيها، ولا مناص منها، برأيهما، ما دام الانغلاق المنهجي يؤدي إلى التحجر! وتكمن مزية بحثهما النظري في أنهما سعيا إلى تنظير متكامل لعلم السرد، هو خطوة أخرى بعد سالم، وتمثلت هذه الخطوة في الإحاطة بالتحليل الوظائفي للسرد، وبتحليل النص السردي، وفي تحليل السردية والعلامية.‏
6ـ تسويغ عقائدي للنقد البنيوي:‏
وكانت الخطوة الثالثة الأهم في شغل يمنى العيد (لبنان)، وهي بدأتها في كتابها «في معرفة النص: دراسات في النقد الأدبي» (1983) الذي حاولت فيه تسويغ منهج النقد الجديد، بالاستفادة من كشوفات الشكلانية والبنيوية، ضمن منهجها الواقعي القديم، وهي معضلة كبرى بالنسبة إليها: النقد الجديد الذي يدرس بنية النص، والممارسة النقدية السالفة التي تدرس بنية المجتمع، أو تدرس النص «برؤية الخارج في هذا الداخل، أي بالنظر في النص الثقافي، وربما الاجتماعي». لتحسم تسويغها: «إن الدلالات داخل النص، وكما هي في النظرة البنيوية، موظفة باتجاه إنتاج البنية. وعليه نرى أن النص، من حيث هو حضور في المجال الثقافي، وظيفة إنتاج هذا المجال الذي ينتجه» .‏
وهكذا، انحصرت المعضلة في حدود ممارسة التقنيات والأدوات، فمثل هذا التغيير، برأيها، «يبقى في حدود البنية، لأنه لا يغير هويتها الأدبية». لقد اكتملت دائرة التسويغ المنهجي، تلمساً لعذر عقائدي: «إنه تغير في حدود شكل البنية لا يطول مفاصلها الأساسية، ولا ينتج أثرها المختلف، بل يستمر على اختلافه، في إنتاج الأثر نفسه. يستمر النص بإنتاج الأثر نفسه، ويوهمنا، نحن القراء، بأن حقيقة عالمه المتخيل هي، في هذا الاستمرار، الحقيقة. على هذه الحقيقة تطرح القراءة النقدية الواقعية سؤالها» .‏
وتابعت يمنى العيد تسويغها العقائدي للمنهج البنيوي في كتابها «الراوي: الموقع والشكل ـ بحث في السرد الروائي» (1986)، ولعلها المرة الأولى أن يحمل كتاب نقدي عربي هذا العنوان صراحة ويلتزم بالتنظير للسرد الروائي. ولم يفارقها هاجس التسويغ لمعضلة الفني والإيديولوجي، فعنيت على «تخريج» موقفها، وليس «تخريج» منهجها، لأن المناهج تعبير عن رؤية فكرية كما ذكرنا، والعيد تدرك ذلك تماماً، ولعل ضالتها التي تستقيم مع موقفها الفكري تكمن في النقد الاجتماعي وكشوفاته المذهلة التي تعرفها العيد كذلك. لقد تكررت في أثناء شغل العيد النظري أصوات ذلك التسويغ حتى مرحلة متأخرة من تأليفها النقدي، كالصوت الذي يحول المنهج إلى تقنيات وإجراءات في قولها:‏
«لئن كان عملي قد ركز على بؤرة مسألة الموقع للراوي، وحاول، في حدود قدرته، إظهار دلالية الشكل بإظهار العلاقة العضوية بين موقع الراوي ونمط البنية التي بها يقول، فإنه حاول أيضاً قراءة الأيديولوجي بقراءته الفني، وذلك عن طريق البحث في علاقة الراوي بما يروي، وبمن يروي، وفي ما يستخدمه الراوي من تقنيات تساعده على تحقيق روايته، أي، على إقامة تركيب لغوي فني» .‏
وامتد التسويغ إلى كتابة ثلاثة فصول من كتابها عن «النقد/ القراءة» و«التعبير ومسألة الموقع» و«الكتابة والتحولات الاجتماعية»، لتقول بعض متواتر القول في الأدب الأيديولوجي والواقعي ونقدهما لدى كوكبة نقاده العرب، وخارج الحدود من أرنست فيشر إلى روجيه غارودي إلى جورج لوكاتش، ومن محمود أمين العالم إلى حسين مروة إلى فيصل دراج، على تباين في الاستهداف والمرجعية وتكوينات المنهج، كما في مثل هذه الآراء:‏
- «إن الموقع هو دينامية تكون النص الباحث عن شكله الفني الخاص».‏
- «ليس الاجتماعي خارجاً نقرأه في داخل، بل هو هذا «الداخل» الذي صاره، وقد اختلف وتميز في بنية شكله».‏
- «في هذا الطابع النقدي، تبدو الكتابة محكومة بموقع هو منطقها الذي به تمارس نشاطها صياغة وقولاً لها. تمارس الكتابة نطقاً فنياً لها، تمارسه من موقع. من موقع تتكلم الكتابة، ومن موقع ترى، وبهذه الرؤية يتحدد منطق الصياغة. على أن هذه الرؤية من موقعهي شكل من أشكال الوعي. إنه أيديولوجي حركته التناقض» .‏
وقرنت العيد في بقية فصول كتابها بين التنظير والتطبيق على مسرحيات وروايات وقصص لسوفوكليس وإلياس خوري والطيب صالح ونجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف، وينتمي تحليلها للسرد الروائي، ولا سيما أنماط بنية القص والراوي إلى المناهج الحديثة، الشكلانية والبنيوية وما عرف بشعرية السرد(22)، على أن أهم محاولة تنظيرية ليمنى العيد كانت كتابها «تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي» (1990). والغريب أن العيد ما زالت في هذا الكتاب معنية بالتسويغ الأيديولوجي لمنهجها الحديث، وفاء لعقيدتها أو توافقاً معها، وبلغ التسويغ أشده حين أوحت برفضها للمنهج البنيوي الذي مارسته باتساع، وصار علامة لكتابتها:‏
«ولا شيء يمنع، بل لعله أصبح من الضروري أن نتملك مثل هذه المعارف لنحسن، لا مجرد استخدامها، بل أيضاً رفضها. فالرفض من موقع المعرفة هو بحث وتطور في مجالها. كما أن استخدام المعارف لا يكون مجدياً إلا بتملكها» .‏
ولعل هاجس التسويغ لم يفارقها عندما كتبت الفصل الأول من الكتاب «دراسة موضوعها الشكل« فأعادت متواتر القول حول العون الذي يقدمه تحليل هيكل البنية لنهج القراءة المؤولة، «فالتحليل الذي يتناوله هيكل البنية يكشف أسرار اللعبة الفنية، لأنه تحليل يتعامل مع التقنيات المستخدمة في إقامة النص»، كما أن «مسألة الشكل ليست مسألة شكلية، بل هي معرفة موضوعها الشكل» . واسترشدت بتودوروف في التمييز بين المعنى والتأويل، إذ لا قراءة خارج التأويل، أي أن النص السردي دون قراءة، دون تأويل، يمنحه المعنى (الأيديولوجي) يستحيل إلى مجرد نظر في العناصر المكونة، وبحث عن الوظائف، وتعامل مع هيكل البنية النصية، مما يؤدي إلى إفقار للنص: «برودة التشريح، وحيادية الجثة» .‏
ومن الملحوظ، أن هذا الاستنتاج قد طمأن العيد، فمضت للتنظير في تقنيات السرد الروائي. اعتماداً على بروب وجينيت وغريماس وتودوروف على نحو واسع، وباختين وبريمون على نحو ضيق.‏
وضعت العيد في ختام كتابها شرحاً لأهم المصطلحات والمفاهيم الواردة في كتابها، مما يضاعف من قيمة جهدها العلمي والنقدي. ودرست العمل السردي الروائي من حيث هو حكاية، ومن حيث هو قول، وزاوية الرؤية والموقع، وألحقت ذلك بدراسات تطبيقية لرواية «أرابيسك» لانطون شماس وبعض قصص زكريا تامر ومحمد خضير وإلياس خوري ويوسف إدريس.‏
عرّفت العيد العمل السردي الروائي، على إطلاقه، بأنه «حكاية بمعنى أنه يثير واقعة، أي حدثاً وقع، وأحداثاً وقعت. وبالتالي، يفترض أشخاصاً يفعلون الأحداث ويختلطون، بصورهم المروية، مع الحياة الواقعية». وهذا يستدعي لدراسته من حيث هو حكاية ما يلي:‏
«أولاً: ترابط الأفعال وفق منطق خاص بها.‏
ثانياً: الحوافز التي تتحكم بالعلاقات بين الشخصيات، وبمنطق الترابط بين الأفعال.‏
ثالثاً: الشخصيات والعلاقات في ما بينها»(26).‏
عدلت العيد قليلاً في ترسيمة بروب، وأوجزت بغية كشف مسار الحكاية وترابط حلقاتها السردية المحكومة بمنطق يخّصها، ليبدو «توالي الأفعال على النحو الذي هو لها، توالياً له طابع الضرورة»(27)، وقد طبقت عرضها الموجز على حكاية شعبية يمنية، وأفردت فصلاً خاصاً للحوافز، استناداً لتودوروف، الذي قدم «لوحة محيطة، ولكن مختزلة ومبوبة، لمجمل الحوافز التي تحكم أفعال الشخصيات في علاقات السرد الروائي»(28).‏
أرجع تودوروف الحوافز إلى ثلاثة أساسية هي:‏
الرغبة، وشكلها الأبرز.‏
التواصل، ويجد شكل تحققه في الإسرار بمكنونات النفس إلى صديق.‏
المشاركة، وشكل تحققها هو المساعدة.‏
وثمة ثلاثة أخرى ضدية أو سلبية هي:‏
الكراهية، تقابل الحب الذي هو الشكل الأبرز للرغبة.‏
الجهر، ويقابل الإسرار الذي يحققه حافز التواصل.‏
الإعاقة، ويقابل المساعدة التي يحققها حافز المشاركة.‏
وتنتظم الحوافز في تحفيز (تنامي الفعلية)، ويصبح الفعل عملاً يلتقي فيه نشاط الحافز وسكونه، أي أن الأفعال تسمى العوامل، وقد اعتمدت على غريماس في وضع لوحة العوامل.‏
وعرضت العيد للشخصيات والعلاقات فيما بينها من خلال تحليل قصة «مضجع العروس» لجبران خليل جبران من مجموعته «الأرواح المتمردة». وأدى ذلك إلى لزوم «استخدام مجموعة من التقنيات، تدفع إلى التفنن واللعب لخلق هيئة القص وإبداع القول أو الخطاب» (ص68)، أي العمل الروائي من حيث هو قول، فدرست ثلاث مقولات هي: زمن القص وهيئة القص، ونمط القص، وأوضحت علاقات زمن العمل القصصي، وهي الترتيب أو النظام والمدة والتواتر. وألمحت إلى اقتصار جينيت وحده على أهمية هذه النقطة، موضحة أن التواتر «يتحدد بالنظر في العلاقة بين ما يتكرر حدوثه أو وقوعه، من أحداث وأفعال على مستوى الوقائع من جهة، وعلى مستوى القول من جهة ثانية»، وهذه النقطة يعبر عنها أيضاً بتعليل الواقعة في النقد الانكلوسكسوني، وهي ضرورية ملازمة للخطاب القصصي لتمييزه عن مستوى الحكاية/ سرد الوقائع(29).‏
وشرحت العيد مقولة هيئة القص، معددة أنواع الرواة، وهم:‏
الراوي بضمير الأنا.‏
الكاتب الذي يعرف كل شيء، أو كلي المعرفة.‏
الراوي الشاهد.‏
كاتب يروي من خارج، غير حاضر.‏
وكان شرحها مختزلاً مبسطاً، وكذلك فعلت في عرضها لمقولة نمط القص، وتتوزع هذه الأنماط إلى نمط أسلوبي يتصف بالمباشرة، ونمط أسلوبي يتصف باللامباشرة، ونمط أسلوبي لا مباشر حرّ. وختمت تنظيرها بعرض زاوية الرؤية والموقع، باختزال وتبسيط أكثر من ذي قبل، ولم تلتزم فيه باجتهادات الشكلانيين ونقاد شعرية السرد الذين جعلوا «التبئير» موضع جدل لا ينتهي؛ وإن قاربت، على سبيل الإشارة، قضية المبدأ الحواري أو تعدد الأصوات عند باختين، فقد أثارت سؤالاً حول موقع الراوي في حال «اختلاف الأصوات واختلاف المواقع»، وهل هذا الاختلاف «مجرد تنويع على صوت الراوي الواحد وتعدداً له»(30).‏
عدت العيد كتابها تعليمياً، وهذا واضح، في عرضها الشارح، وفي ابتعادها عن مناقشة الكثير من القضايا المنهجية لعلم السرد وفروقاته بين باحثيه ونقاده. ولا يخفى أن ظلال التسويغ العقائدي للاشتغال بمنهج شكلاني حديث لم تنجل عن عملها النظري النقدي، مما انعكس في النتيجة نقداً توفيقياً لنهاجيات نقدية حديثة جهدت كثيراً لتوفير الاتساق والانسجام لفكرته وآليته وإجراءاته ولغته.‏
7ـ الجهد التنظيري الأول المكتمل:‏
كان شغل سعيد يقطين الجهد التنظيري الأول المكتمل لتحليل السرد وفق منهجية جديدة هي السرديات البنيوية، وظهر هذا الشغل في كتابين، الأول كبير في محتواه وصفحاته هو «تحليل الخطاب الروائي: الزمن ـ السرد ـ التبئير» (1989)، والثاني أصغر هو «انفتاح النص الروائي: النص ـ السياق» (1989).‏
يكاد يجزم يقطين في تقديمه أن النقد العربي يفتقر إلى تصور نظري للرواية في سؤال مفتوح على التجربة العربية، وكان سمى كتابه الأول «القراءة والتجربة: حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب» (1985)، مما يشير إلى تداخل في المفهوم بين الرواية والسرد والخطاب ما يلبث أن ينزاح لصالح علم السرد، عندما وضح أن موضوع كتابه «تحليل الخطاب الروائي» ليس الرواية، ولكن الخطاب، وليس الخطاب غير الطريقة التي تقدم بها المادة الحكائية في الرواية»(31). وصرح يقطين أنه يعنى بكيفية اشتغال مكونات الخطاب وعناصره، منطلقاً من السرديات البنيوية كما تتجسد في شعرية السرد (سماه الاتجاه البويطيقي) (32) الذي يعمل الباحثون على تطويره وبلورته بشكل دائم ومستمر، وعبر تتبعه للعديد من وجهات النظر داخل الاتجاه نفسه، وحرص على «تكوين تصور متكامل مزاوجاً بين عمل البويطيقي وهو يبحث عن الكليات التجريدية، والناقد وهو يدقق كلياته ويبلورها من خلال تجربة محددة»(33).‏
وأوضح يقطين أنه وقف على ثلاثة مكونات في تحليله للخطاب الروائي، هي الزمن والصيغة والرؤية السردية، وهي «المكونات المركزية التي يقوم عليها الخطاب من خلال طرفيه المتقاطعين: الراوي والمروي له. أي أننا وقفنا عند حدود ما يعرف بالمظهر النحوي أو البنيوي، وهذا إجراء أساسي يفرضه علينا التحليل السردي»(34)، على أنه سينتقل في كتابه «انفتاح النص الروائي» إلى المظهر الدلالي أو الوظيفي، ولجأ إلى التطبيق تيسيراً لتحليله، فدرس في عملية أولى رواية «الزيني بركات» لجمال الغيطاني دراسة جزئية، ودرس في عملية ثانية أربعة خطابات دراسة كلية هي «الوقائع الغريبة» لإميل حبيبي، و«أنت منذ اليوم» لتيسير سبول، و«الزمن الموحش» لحيدر حيدر، و«عودة الطائر إلى البحر» لحليم بركات، واعتنى على وجه الخصوص بعلاقة الراوي بالمروي له في الخطاب.‏
وضع يقطين مدخلاً إلى تحليل الخطاب الروائي، عرف فيه الخطاب، وعرض لعناصر تحليل الخطاب الروائي، واتبعها بتصوره لتحليل الخطاب الروائي العربي. وقد وجد أن أولى محاولات تحديد الخطاب كانت مع هاريس وبنفنست، وتطور مع فرانسوا راستيه ود. مانكينو وجان كارون وج. موشلر ومايكل هو وغيرهم.‏
وميز بعد ذلك بين القصة والخطاب، وتلمس تحديد مفهوم النسق والوظيفة، لينتقل إلى إقامة تصور جديد لتطور الأشكال تاريخياً، وكانت انطلاقته من الشكلانيين الروس مروراً بالبنيويين ونقاد شعرية السرد والنقد اللساني والعلاماتي، ولا سيما تودوروف وجينيت ويلمسليف وموريس جان لوفيف وفاولر ولودج وسوزان روبين سوليمان ورولان بارت، وشلوميت ريمون كينان وغيرهم، فناقش الآراء المتصلة بالاستعمالات الثلاثة للحكي، وهي:‏
القصة Histoire: المدلول أو المضمون السردي.‏
الحكي Recit: الدال أو الملفوظ أو الخطاب أو النص السردي.‏
السرد Narration: الفعل السردي المنتج»(35).‏
وأعلن يقطين في بحثه لحدود السرديات موقفه من تقسيمات الحكي إلى ثنائية وثلاثية وفق أسس وأهداف معينة في ناحيتين هما:‏
«الأولى: أعلن فيها انطلاقي من تمييز تودوروف وجينيت الثنائي للحكي إلى قصة وخطاب. ووقوفي في تحليل الخطاب الروائي على ما أسميناه بـ «المستوى النحوي».‏
الثانية: أدخل فيها مفهوماً هو النص، وضمنه أجدني انتقل من «المستوى النحوي» إلى «المستوى الدلالي» الذي لا يهتم به تودوروف وجينيت، وإن أعطانا تودوروف في «البويطيقا» حضوره كمستوى لم يهتم به السرديون البنيويون بعد. وفي هذه الناحيةأجدني أمارس تقسيماً ثلاثياً للحكي على غرار شلوميت وفاولر وليتش، لكن من منظور مغاير، وإن كانت الأهداف واحدة: الانتقال من البنيوي إلى الوظيفي»(36).‏
وكان هذا الإعلان سبيلاً للانتقال من المظهر النحوي إلى المظهر الدلالي، ومجاوزة للسرديات البنيوية وتوسيعها بما سماه السوسيو سرديات، فاستفاد من مشروع بيير زيما الذي بُني على السيميوطيقا أولاً، والنظرية النقدية مع جماعة فرانكفورت ثانياً، بينما يريد يقطين مشروعه الآخر المنطلق منه، وهو ما يشكل محتوى شغله في كتابه. وعبر يقطين عن مشروعه بأنه يبحث في علاقة زمن القصة بزمن الخطاب، وعلاقة ذلك ببناء النص. «وإذا كنا في صيغ الخطاب نتحدث عن نوعية العلاقات بين الخطابات وكيفية اشتغالها: خطاب مسرود، معروض، منقول. فإننا في المتعاليات النصية سنتحدث عن علاقة النصوص بعضها ببعض ضمن «نص الرواية». وهكذا لن نتحدث عن خطاب مسرود مثلاً، ولكن عن مناص وتناص وميتا ـ نص.. ونبحث في كيفية اشتغال النصوص، داخل نص الرواية، وأبعادها النصية»(37).‏
عالج يقطين «الزمن في الخطاب» انطلاقاً من تعريف عام، وتقديم نظري، ونظرة الروائيين الجدد للزمن، ولسانيات الخطاب والزمن، وصولاً إلى موقف الشكلانيين الروس، وتوقف عند «خطاب الحكي» لجينيت، والمحددات الأساسية للزمن مما عالجته يمنى العيد أيضاً، وهي علاقات الترتيب وعلاقات المدة أو الديمومة وعلاقات التواتر. وعرض وجهات نظر كثيرة لجان بويون في كتابه «الزمن والرواية»، وبول ريكور في كتابه «الزمن والحكي»، وناقش إشكالية الزمن في العربية، ليجدد إعلانه مجاوزة تحليل زمن الخطاب من خلال السرديات البنيوية ولسانيات النص إلى «زمن النص» من «خلال العلاقة بين زمن الكاتب وزمن القراءة بوضعها في إطار تحليل النص، وبوضعه في إطار بنية سوسيو ـ لغوية شاملة»(38).‏
ثم عالج يقطين «صيغة الخطاب» منطلقاً من بيرسي لبوك وصولاً إلى نقاد شعرية السرد، ومؤكداً أن التحليل البنيوي للحكي استوى منذ أواسط الستينيات، وتوقف على وجه الخصوص عند ثلاثة أنواع من الخطاب في كتاب جينيت «حكي الأقوال» هي الخطاب المسرود، وخطاب الأسلوب غير المباشر والخطاب المنقول، وما يتبعها من تقنيات تكشف عن تقديم الحياة النفسية هي:‏
السيكو ـ سردي: تحليل أفكار الشخصيات التي يتكلف بها الراوي مباشرة.‏
المونولوج المنقول: وهو تلك الاستشهادات الحرفية للأفكار كما هي ملفوظ بها في الخطاب الداخلي، وليس «المونولوج الداخلي» هنا إلا متغيراً وتنويعاً أكثر استقلالية وذاتية.‏
المونولوج المسرود: الذي يقوم به الراوي تحت شكل الخطاب المباشر مقيداً كان أو حراً» (ص185)(39).‏
ويلاحظ أن يقطين يميل إلى تحليل جينيت الذي يأخذ عنه أنماط تقديم الكلام. وثمة تصنيفات أخرى للمادة الحكائية وصيغ سردها بسيطة أو مركبة. وعندما انتقل إلى تعدد الخطاب/ تعدد الصيغ، رصد عناصر الخطاب وأشكال الخطاب، وخصوصية صيغة الخطاب، ممعناً في التفصيلات الكثيرة التي وصل إليها علم السرد، وهي تفصيلات شكلية قليلة الجدوى، مما يذكرنا بتفريعات العلوم البلاغية المتأخرة كما عند السكاكي مثلاً، وتشير خلاصة الفصل الثاني على سبيل المثال إلى الصعوبات التي تحد من طموح مشروع يقطين النقدي من حيث الإمعان في الشكلانية ولسانيات الخطاب الذي يحدّ من توسيع السرديات البنيوية إلى مدار السوسيو سرديات، إذ ظل التحليل النظري والتطبيقي في حدوده البنيوية الشكلانية.‏
لا يخفى أن الوظيفية تدعيم للبنيوية، ولا تحقق غايات سوسيو سردية. ولعل تأمل شغله حول الرؤية السردية في الخطاب الروائي مما يؤدي إلى هذه الغايات. وقد عاد إلى مفهوم وجهة النظر في النقد الأنكلوسكسوني، ولا سيما لبوك وفريدمان، بوصفه منطلقاً لمفهوم «التبئير» في النقد البنيوي الفرنسي وما تلاه، وفي النقد السوفياتي، ولا سيما أوسبنسكي الذي قدم وجهة النظر على نحو شمول، تتصل «اتصالاً وثيقاً بتوليف العمل الفني بصفة عامة. ولما كان هدفه صياغة مشروع نظري مرتبط بنمذجة الممكنات التوليفية، من خلال ما يسميه «بويطيقا التوليف»، فإنه انطلق من أجل ذلك من «وجهة النظر»، ما دامت تتيح للفنان فرصة توظيف وجهات النظر وتنويعها داخل العمل الذي يتجسد، على مستوى بنائه، من خلالها». وقد رهن اوسبنسكي وجهة النظر بالمواقع التي يحتلها المؤلف، والتي منها ينتج خطابه السردي، وعاين هذه المواقع من خلال أربعة مستويات هي: المستوى الإيديولوجي، والتعبيري، والمكاني ـ الزماني، والسيكولوجي.‏
أما جينيت فقد استبعد مفهوم «الرؤية» و«وجهة النظر»، وعوضها بمفهوم «التبئير» الذي هو أكثر تجريداً، وأبعد إيحاء للجانب البصري الذي تتضمنه باقي المصطلحات، وقسمه إلى ثلاثة أقسام هي:‏
«1- التبئير الصفر أو اللاتبئير: الذي نجده في الحكي التقليدي.‏
2- التبئير الداخلي: سواء كان ثابتاً أو متحولاً أو متعدداً.‏
3- التبئير الخارجي: الذي لا يمكن فيه التعرف على دواخل الشخصية»(40).‏
إن انحياز يقطين لجينيت يتعارض مع السوسيولوجي، ويؤثر سلباً في توافر المعرفة الذاتية أو الموضوعية، أو ما يسمى في النقد الاجتماعي التملك المعرفي للعالم عبر تملكه جمالياً. ويزداد الالتباس أو التردد في موقف يقطين من جينيت أنه سجل ملاحظة دالة، فهو على الرغم من كونه «يقدم «التبئير» بديلاً عن باقي المصطلحات الموظفة، فإنه لا يقدم لنا أي تعريف له»(41).‏
لقد عرض يقطين التطور التاريخي والنقدي لمصطلح «التبئير» يحدد على ضوء ذلك استعماله لهذا المفهوم، وهو استعمال متعسف غارق في الشكلانية وولع ترسيماتها، اقتداء بجينيت بالدرجة الأولى. استعمل يقطين المفهوم «بمعنى «حصر المجال» من خلال اشتغال «الصوت السردي» كراو ومبئر في آن، أي كذات للتبئير هذه الذات «المبئر» تكون إما داخلية أو خارجية، ونفس الشيء يكون «المبأر» موضوع التبئير، سواء كان شخصية أو حدثاً أو مكاناً. ومن خلال نوعية العلاقة التي يقيمها المبئر مع المبأر يمكن أن نتحدث عن «المنظور السردي»، مكان التبئير الذي نحيله إلى نوعية الشكل، و«عمق المنظور» الذي نحيله إلى نوعية «الصوت»، وهكذا»(42).‏
وأورد تصنيفات وترسيمات كثيرة مثل الرؤية البرانية الخارجية (وتقابل عند جينيت التبئير الصفر)، والرؤية البرانية الداخلية (وتقابل عند جينيت التبئير الخارجي)، والرؤية الجوانية الداخلية والرؤية الجوانية الذاتية (وهما تقابلان عند جينيت التبئير الداخلي).‏
واختتم يقطين كتابع بالوعد. إنه بصدد معاينة يحتاج إليها مشروعه: إلى أي حدّ يتطابق هذا الخطاب كمستوى نحوي مع النص كمستوى دلالي في علاقته بالبنية النصية والاجتماعية التي أنتج فيها، أي أننا نحاول الانتقال من «البنيوي» إلى «الوظيفي» أو الدلالي، من السرديات إلى السوسيو سرديات»(43) وهو ما سيفعله في كتابه الثاني «انفتاح النص الروائي: النص والسياق» (1989).‏
سعى يقطين في هذا الكتاب إلى توسيع السرديات البنيوية التي وجدها في سوسيولوجيا النص الأدبي، كما بلورها بييرزيما، بعض تساؤلات مطروحة «بصدد النص في علاقته بالقارئ والسياق الثقافي والاجتماعي الذي ظهر فيه»(44).‏
وحاول إقامة هذا التصور الذي يتيح الانتقال من الخطاب إلى النص، من البنيوي إلى الوظيفي، من خلال مكونات محددة هي: 1- البناء النصي. 2- التفاعل النصي. 3- البنيات السوسيو نصية. وقد عاد في مدخله إلى مقدمات كتابه الأول «تحليل الخطاب الروائي» للدخول في علاقة الخطاب بالنص، وتوقف ملياً عند فان ديك في كتابه «النص والسياق» (1977) الذي يبين فيه «الفرق الموجود بين الخطاب والنص، من خلال الهاجس نفسه، وهو إقامة نحو عام للنص يأخذ بعين الاعتبار كل الأبعاد البنيوية والسياقية والثقافية، أي من خلال الجوانب الدلالية والتداولية»، وهذا يتطلب، برأيه، «نظرية مركبة تستفيد من السوسيو ـ لسانيات والسيكو لسانيات وغيرهما.. لتتاح إمكانية معاينة النص من خلال خصائص السياق المعرفي والاجتماعي والأيديولوجي للأشكال والدلالات والوظائف»(45). غير أنه ما يلبث أن يظهر ارتياحه للنقاد البنيويون ونقاد شعرية السرد أمثال جوليا كريستيفا وميشيل آريفي وروبير لافون وفرانسوار مادري وبول ريكور أثناء حديثه عن النص ونظريته. ثم يتحرك يقطين بسرعة طائر بين المناهج والنظريات، ليبدي إعجابه بـ«ليننفلت» الذي يجد عنده الطموح نفسه، ولا سيما إعلانه «عن ضرورة توسيع السرديات ومجاوزه الترهينات السردية: الراوي ـ العامل ـ المروي له، التي وقفت عندها السرديات، ويقترح ضرورة إدخال ترهينات أخرى تتصل بالكاتب الملموس والقارئ الملموس. وعن طريق النموذج الذي يقدم يرى أنه يتيح إدماج عناصر أساسية ظلت مهملة مثل أيديولوجية الرواية وسياقها السوسيو ـ ثقافي، وتلقيها من لدن القارئ»(46).‏
ووضع تعريفاً أو تصوراً للنص على أنه «بنية دلالية تنتجها ذات فردية أو جماعية، ضمن بنية نصية منتجة، وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة». وقد طبق هذه المكونات على الروايات التي عالجها في الكتاب الأول، وكانت النتائج متكلفة ومتعسفة غالباً تحت وطأة الإنهاك الشكلي والتفريعات الزائدة، ففي الحديث عن البناء النصي صال وجال في بناء النص على المستويين الداخلي والخارجي بتفريعات أثقلت التحليل والنقد، كما في هذه النتيجة على سبيل المثال:‏
«1- زمن القصة: قبلي وخارجي.‏
2- زمن الخطاب:‏
- زمن النص (الكتابة): آني وداخلي.‏
- زمن النص (القراءة): بعدي وخارجي»(47).‏
وقد ضاعفت من وطأة إنهاكها الشكلي كثرة الترسيمات والأشكال مما يجعل الكتابة النقدية لغزية. ولعل تأمل التركيب الذي وضعه في ختام الفصل يشي بذلك، إذ تعذر تلخيص استنتاجاته، وغابت عنه التفريعات الشكلية.‏
وحوى الفصل الثاني من كتابه «التفاعل النصي» تمهيداً يوضح استعماله لهذا المصطلح مرادفاً لمفهوم «التناص» Intertxualite أو المتعاليات النصية Transtextualite كما استعملها جينيت بالأخص، مما يؤكد ولعه بالمنهج البنيوي، وقد فضل مصطلح «التفاعل النصي»، لأن «التناص» واحد من أنواع «التفاعل النصي»، أما مصطلح «المتعاليات النصية» فيفيد دلالات لا يريدها، أو لا يتضمنها مصطلحه «التفاعل النصي».‏
عرض مصطلح «أيديولوجيم» دون أن يشرحه عند حديثه عن النص والتناص، وتابع تطورات مصطلح التناص باختزال واضح، واعتنى بمصطلح جينيت وتفريعه للمتعاليات النصية، وهي: 1- التناص، 2- المناص، 3- الميتانص، 4- النص اللاحق، 5- معمارية النص، دخولاً في تصوره لمصطلحه «التفاعل النصي». ولدى التطبيق على النصوص الروائية المدروسة، بدا التكلف أيضاً، بسبب الإيغال في الشكلانية وتفريعاتها، ويتأكد هذا في الاستخلاصات الواردة في التركيب بخصوص مقولة انفتاح النص الروائي:‏
«1- إن البنيات النصية المتفاعل معها مستوعبة ومحولة ومعارضة، ومن خلال ذلك تصبح بنيات لها وجودها الداخلي في النص.‏
2- بذلك تسهم إلى جانب البنيات التي اعتبرناها «أصلية» في بناء النص وتبنينه (لاحظ هذا الاشتقاق المتكلف أيضاً).‏
3- إن انفتاح النص على صعيد البناء يوازيه انفتاح آخر على بنيات نصية أصبحت جزءاً منه، وبذلك فهو يتفاعل معها ويحاورها»(48).‏
وخصص الفصل الثالث والأخير للبنيات السوسيو ـ نصية، وانطلق، على مألوف عادته، من الشكلانيين الروس، ليصل إلى النص في علاقته بالبنية السوسيو نصية، مستلهماً تصور بيير زيما دون مجاراته فيما سماه «الوضع السوسيو لساني»، وقد تألف تصور يقطين من المكونات التالية:‏
1- الربط بين النص والبنية النصية الكبرى والبنية السوسيو نصية التي أنتج في إطارها زمنياً لمعاينة إنتاجيته أو عدمها.‏
2- الربط بين النص والمجتمع كما يتجلى ذلك في تفاعل النص مع البنية النصية الكبرى والسوسيو نصية من خلال النص ذاته، على اعتبار كون العلاقة بين هذه البنيات هي علاقات تفاعل وجدل: علاقات هدم أو بناء، علاقات صراع أو تعايش.‏
3- إن النص والبنية الكبرى والصغرى والبنيات الاجتماعية ليسوا متفقين (هكذا!) على ذاتهم، فالتفاعل المسجل بينهم جميعاً كما يتجلى من خلال النص، نجده أيضاً في علاقاتهم أيضاً مع بنيات أخرى خارجية (أجنبية)، وعلى المستويات جميعاً. ويختلف دور هذا التفاعل مع هذه البنيات الخارجية باختلاف مراحل تطور المجتمع وبنياته السوسيو نصية في تحولاتها.‏
4- كل هذه التفاعلات علاقات بين البنيات في مختلف تجلياتها لا تتم إلا من خلال تفاعل الذات من خلال فعل مزدوج: الكتابة والقراءة. سواء كانت هذه الذات ذات الكاتب أو ذات القارئ»(49).‏
أراد يقطين نصاً منفتحاً تكون معه القراءة متفتحة على السؤال والبحث، وقادرة على الاستفادة من الإنجازات الهامة في مجالات علوم الأدب والعلوم اللسانية والاجتماعية بما يسهم في إغناء للوعي بالذات وللنصوص التي تنتج، أي إغناء المنهج الذي به نحلل والنص الذي نقرأ. ولقد استطاع أن يهتدي إلى مشروعه النقدي، وأن يحدد كثيراً من عناصر تركيبه في استهدافه ومرجعيته وطبيعته وإجرائيته، ولكن ثمة ملاحظات تحتاج إلى إعادة صوغ الأسئلة، وإعادة خوض الممارسة النقدية حول اللغة التي تحتاج إلى عناية أكبر، والمصطلح القلق بين مرجعيته الغربية وتعريبه، والتقليل من حدة التأثير الناجم عن توليف مناهج متعددة، وتحديد الموقف من هذه القطيعة المعرفية مع الموروث النقدي العربي.‏
8ـ نحو علم السرد:‏
في أواخر الثمانينات، صارت المناهج الحديثة إلى رسوخ، واتسعت الكتابة النقدية النظرية، وظهرت مؤلفات تتناول جوانب من النقد القصصي والروائي والسردي الجديد، فروعاً لشجرة كبيرة نامية هي علم السرد، بالإضافة إلى أشجار أخرى تُسقى من مياه العلوم الإنسانية مثل علم النفس وعلم الاجتماع، لتتأسس في التسعينيات اتجاهات للنقد القصصي والروائي الجديد. ونتابع الجهود النظرية أيضاً.‏
كان كتاب عبد اللطيف محفوظ (المغرب) «وظيفة الوصف في الرواية» (1989) من أوائل الكتب التي تتناول جانباً محدداً من جوانب نظرية الرواية وفق نهاجيات النقد الجديد. وتكمن أهمية هذا الجهد في إضاءة عنصر الوصف من منظورات نهاجية جديدة، مستندة إلى قدر معرفي باتجاهات نقد الرواية المتأثرة بالعلوم الإنسانية كالتحليل النفسي والنقد الاجتماعي، ولذلك لا ترتهن الكتابة النقدية عنده إلى مرجعيات النقد الجديد كلياً، بل تستفيد منها للإحاطة بمكانة الوصف في مجمل بناء الرواية وتأديتها لوظائفها. وقد اعتمد محفوظ في مدخله على مبدأ النمذجة الكتابية، وهو مبدأ تقليدي متصل بمبدأ المحاكاة، انتعش في حضن النقد الاجتماعي، ولاسيما النقد الأيديولوجي الماركسي، فأعاد قول باختين بأن الرواية جنس أدبي غير مكتمل، لأنها تتطور بفضل التحولات التي تسم النمذجة الكتابية، بما في ذلك النمذجة الأيديولوجية والغريزية والاستيتكية، وهذا التعليل لجوليا كريستيفا. ومن هذا المدخل، يكتسب الوصف أهميته «باعتباره يدخل بامتياز في تكوين النمذجة الاستيتكية، فضلاً عن قدرته الخارقة على المساهمة في خلق باقي النمذجات وإسعافها في تحقيق الغايات والأبعاد التي تتغياها» (ص5)، غير أن محفوظ سرعان ما استعمل المرجعية البنيوية ونقاد شعرية السرد على نحو مضمر غالباً، نعرفه من المتن نفسه، كاستعمال «الخطاب» و«مورفولوجية» و«السرد» و«التزامن» وسواها، كما في تعريفه للوصف أو مناقشته لمورفولوجية الوصف:‏
«الوصف يعرف عادة بكونه ذلك الخطاب الذي ينصب على ما هو جغرافي أو مكاني أو شيئي أو مظهري فيزيونومي.. الخ، سواء كان ينصب على الداخل أو الخارج. ويمكن أن يحصر الوصف في شكل دليل مركب، في شكل كلمة أو جملة أو متتالية من الجمل»(50).‏
فرق محفوظ بداءة بين الوصف والأنماط الكتابية التي تقاربه كالاستعارة والصورة، واعتمد في تعريفهما على رولان بارت وباشلار، ودرس وظيفة الوصف في الرواية، باعتباره تعبيراً لغوياً يتعالق مع السرد من خلال إشاراته وأفعاله بما يؤدي إلى تعالق قائم بين الوصف المعطى والشعور الباطني الموجه له، وهو ما يسمى بالعلاقات الممكنة بين حركة الوصف وحركة النفس، ووضع خطاطة لذلك لإبراز التعالقات بين المحفز الضمني، والنص الكائن الرامز، والنص الممكن المرموز إليه.‏
وانتقل محفوظ إلى قضية أكثر عمقاً تطرحها عملية التشكل، هي مورفولوجية الوصف، وبفضلها يضطلع الوصف بوظيفة خطيرة في خلق الدلالة الكلية للنص الإبداعي، ولها ثلاثة جوانب إشكالية هي مشكل الانتقاء، ومشكل الأوصاف، ومشكل التوارد التدريجي. وقام بتحليل تطبيقي على نصوص متعددة ليربط دلالة الوصف بالنص ككل، عبر المراحل التالية:‏
1- تحديد العين الواصفة، هل هي عين السارد أم عين الشخصية أم هي عين جماعية؟‏
2- دلالة النص الوصفي المعزولة.‏
3- دلالته في سياق الرواية بصفة عامة. ودرس بعد ذلك بالتفصيل علاقة الوصف بالسرد الروائي، محتذياً كلمة مفتاحية لجان ريكاردو، تقول: «كل عمل تخييلي هو مكان احتراب متواصل»، وميز بين الوظيفة السردية والوظيفة الوصفية، مشيراً إلى وجود سرد وصفي حين تندغم الوظيفتان، وإلى وصف موجه من قبل السرد، وهو أكثر تعقيداً، ويخلق احتراباً متفاوت الدرجة بين السرد والوصف، وله ثلاثة مستويات:‏
1- الوصف البسيط: ويقصد به الوصف الذي يعطى من خلال جملة وصفية مهيمنة قصيرة، لا تحتوي إلا على بعض التراكيب الوصفية الصغرى.‏
2- الوصف المركب: ويقصد به الوصف الذي ينصب على الشيء الموصوف (العنوان) الذي ينتمي إلى السرد الروائي، شريطة كون هذا الوصف معقداً، إما بفضل الانتقال من الموصوف إلى أجزائه ومكوناته، أو بالانتقال إلى المحيط الضام لهذا الموصوف أو المضموم ضمنه.‏
3- الوصف الانتشاري: ويقصد به الوصف الذي يراكب الأشياء والمشاهد واللوحات، بشكل يسمح له إعلان نفسه محوراً مهيمناً، يخضع لمشيئته محور السرد.‏
ويضع محفوظ ترسيمة لتعالقات السرد والوصف تستوعب قابليات علاقة الوصف بالحدث، «حين يصبح السرد وحده مضطلعاً بمهمة سرد أحداث مخبوءة ومتسربة عبر سراديب الجمل الوصفية»(51). وألحقها بترسيمات متعددة لعلاقة الوصف بالزمن، باعتباره يقوم بوظائف مختلفة في مجرى علاقة زمن السرد الروائي (الخطاب) وزمن الحكاية:‏
«1- حين يكون الوصف معبراً عن الحدث، فإنه يصبح اقتصاداً لغوياً، ومن ثم، فإنه يسرع بزمن السرد على حساب زمن الحكاية.‏
2- حين يكون الوصف تأملياً، أو ملاذاً لشخصية ما، حيث تبتعثه بصرية الشخصية (سواء كانت البصرية منصبة على الداخل أو الخارج) للهروب من انفعالات منبعثة من أحداث محرجة، فإن العلاقة بين الزمنين تتوازى.‏
3- حين نكون أمام ما أسميناه بالسرد الوصفي، حيث نكون أمام إبطاء ضئيل يسم الحكاية، وإطالة طفيفة لصالح زمن الخطاب بواسطة الأوصاف.‏
4- حين يكون الوصف تحليلاً محضاً لنفسية الشخصية، أو يكون توضيحاً للسرد أي حين يكون حشواً بتعبير ريكاردو، فإننا نحصل على زمن شبه متوقف في الحكاية.‏
5- أما حين يكون الوصف منصباً على الشيء أو المكان أو المظهر الخارجي لشخصية ما دون أن يكون هذا الوصف دالاً على أحداث ضمنية، فإن الحكاية تتوقف تماماً. وبذلك نحصل على علاقة متنافرة بين محوري الكتابة والحكاية، حتى لتبدو كتابة الحكاية، حكاية للكتابة حيث التوقف التام للحكاية»(52).‏
وقدم محفوظ دراسة تطبيقية منهجية في الفصل الثاني والأخير من كتابه عن «الوصف في مدام بوفاري»، من مستويين: مستوى الطبيعة ووصف الخارج، ومستوى وصف الداخل والأشياء. وعالج في المستوى الأول المناخ العام للوصف والبنيات المشكلة للوصف، والشكل الدلالة، وفي المستوى الثاني دلالة الأشياء في سيرورة الحكي، ودلالة الأشياء في علاقتها مع الشخصيات.‏
تشير دراسة محفوظ إلى تطور استعمال النهاجيات الحديثة من حيث هي خطوة نحو تعريب المصطلح، ومن حيث هي خطوة في هضم هذه النهاجيات واستيعابها في التنظير.‏
1. نورد هذا الكتاب لأنه حوى دراسات مبكرة عن القصة والرواية متأثرة بالاتجاهات الجديدة.‏
2. النصير، ياسين: «الاستهلال: فن البدايات في النص الأدبي» ـ دار الشؤون الثقافية ـ بغداد 1993 ـ ص ص26-27.‏
3. المصدر نفسه ص130.‏
4. المصدر نفسه - أنظر على سبيل المثال: ص125.‏
5. المصدر نفسه ص135.‏
6. المصدر نفسه ص139.‏
7. المصدر نفسه ص160.‏
8. المصدر نفسه ص164.‏
9. نور الدين، صدوق: «البداية في النص الروائي» ـ دار الحوار ـ اللاذقية ـ 1994 ـ ص11.‏
10. المصدر نفسه ص18.‏
11. المصدر نفسه ص62.‏
12. المصدر نفسه ص84.‏
13. التدمري، محمد غازي: «لغة القصة» ـ دار علا ـ حمص 1995 ـ ص ص14-15.‏
14. المصدر نفسه ص151.‏
15. المصدر نفسه ص155.‏
16. «النقد البنيوي والنص الروائي» ـ مصدر سابق ـ ص33، فقد صحح محمد سويرتي الترجمة من نظرية القصة إلى علم السرد.‏
17. «مدخل إلى نظرية القصة» ـ مصدر سابق ـ ص19.‏
18. العيد، يمنى: «في معرفة النص: دراسات في النقد الأدبي» ـ دار الآفاق الجديدة ـ بيروت 1983 ـ ص ص38-39.‏
19. المصدر نفسه ص87.‏
20. العيد، يمنى: «الراوي: الموقع والشكل ـ بحث في السرد الروائي» ـ مؤسسة الأبحاث العربية ـ بيروت 1986 ـ ص10.‏
21. المصدر نفسه ص 34 ـ 45 ـ 51.‏
22. ذكرت العيد تودوروف وحده في هوامشها على المتن داخل الصفحات.‏
23. العيد، يمنى: «تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي» ـ دار الفارابي ـ بيروت 1990ـ ص8.‏
24. المصدر نفسه ص ص11-13.‏
25. المصدر نفسه ص23.‏
26. المصدر نفسه ص ص27-28.‏
27. المصدر نفسه ص32.‏
28. المصدر نفسه ص51.‏
29. المصدر نفسه ص85.‏
انظر: «نظريات السرد الحديثة» مصدر سابق ـ ص ص 130-132 على سبيل المثال.‏
30. «تقنيات السرد» ص120.‏
31. يقطين، سعيد: «تحليل الخطاب الروائي: الزمن ـ السرد ـ التبئير» ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ الدار البيضاء 1989 ـ ص7.‏
32. ثمة خلافات كثيرة في فهم المصطلح وتعريبه، من الشعرية إلى شعرية السرد، إلى الإنشائية، إلى الاتجاه البويطيقي. وسترد إشارات لذلك لدى مناقشة محمد القاضي.‏
33. «تحليل الخطاب الروائي» ـ ص ص7-8.‏
34. المصدر نفسه ص8.‏
35. المصدر نفسه 40.‏
36. المصدر نفسه ص50.‏
37. المصدر نفسه ص53. ومن المستغرب أن يقطين يكرر القول إنه يبدأ من أرض بكر لم توطأ بعد. انظر ص55 على سبيل المثال.‏
38. المصدر نفسه ص86. يلاحظ قلة عناية يقطين بالصوغ اللغوي لنقده.‏
39. المصدر نفسه ص185.‏
40. المصدر نفسه ص ص 293-294 وص279. قارن أيضاً مع كتاب «نظريات السرد الحديثة»، ولاس مارتن ـ ص112-180.‏
41. المصدر نفسه ص299. قارن أيضاً مع كتاب «النقد الاجتماعي ـ نحو علم اجتماع النص الأدبي» بيير زيما ـ ص ص 173-220.‏
42. المصدر نفسه ص310.‏
43. المصدر نفسه ص387.‏
44. يقطين، سعيد: «انفتاح النص الروائي: النص والسياق» ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ الدار البيضاء ـ 1989 ـ ص5.‏
45. المصدر نفسه ص ص15-16.‏
46. المصدر نفسه ص29.‏
47. المصدر نفسه ص50.‏
48. المصدر نفسه ص ص128-129.‏
49. المصدر نفسه ص135.‏
50. محفوظ، عبد اللطيف: «وظيفة الوصف في الرواية» ـ دار اليسر ـ أفريقيا الشرق ـ الدار البيضاء 1989 ـ ص6.‏
51. المصدر نفسه ص40.‏
52. المصدر نفسه ص ص42-43.‏

Naser al-Hujelan
SID# 000 041 6682
Summer II, 2004 (3 credits)
N594 Individual Readings in Modern Arabic Literature

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
النقد العربي أم يوسف 5 المكتبة الأدبية المصورة 4 31-12-2012 01:10 PM
الاحتكاك الحضاري العربي الغربي الحديث وأثره في تطور النقد والتفكير الأدبي نضال الخفاجي المكتبة الأدبية المصورة 5 02-10-2012 02:06 AM
لمحات من الشعر القصصي في الأدب العربي أبو ذر الفاضلي الكتب اللغوية والأدبية الحصرية المصورة 17 30-12-2011 01:52 PM
الشعر القصصي والأدب العربي أبو ذر الفاضلي الكتب اللغوية والأدبية الحصرية المصورة 6 05-06-2011 01:15 PM
القاص والروائي زهـير جبور أبو ذر الفاضلي مكتبة القصة والرواية بصيغ أخرى 5 30-09-2009 09:00 PM


الساعة الآن »05:09 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd