روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-10-2010, 10:33 PM   #1
محمد كامل
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 2
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي أسباب النزول وبلاغة النظم القرآني دراسة بلاغية تطبيقية تأليف الدكتور/ محمد أبو العلا الحمزاوي

أسباب النزول وبلاغة النظم القرآنى
دراسة بلاغية تطبيقية
تأليف الدكتور/ محمد أبو العلا أبو العلا الحمزاوى
أستاذ البلاغة والنقد المساعد بجامعة جازان


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة وتمهيد
الحمد لله الذى علم بالقلم , علم الإنسان ما لم يعلم . أحمده على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة , وأصلى وأسلم على خاتم رسله وخليله من أوتى الكتاب والحكمة , ورزق البيان والعصمة , ومن بعثه ربه للناس هداية ورحمة .
وبعــــــــــــــــد
فإن الإعجاز البيانى للقرآن قد سطر فيه العلماء قديماً وحديثاً , وألفوا فيه وأبدعوا , ولا زال القرآن غضاً طرياً , يكشف كل يوم عن جديد من أسرار بيانه لمن شاء الله من عباده , ويفتح الله لأهل كل عصر من أبواب البيان فيه ما يتناسب مع ما وصلوا إليه في مسيرة الحياة . فعطاء القرآن في هذه الناحية عطاء متجدد , وليس كما زعم بعض الناس ممن كتبوا وقرءوا عن الإعجاز في القرآن أن هذا الميدان قد فرغ منه قديماً , وأن الحياة العلمية والأدبية والدعوية الجديدة بحاجة إلى البحث عن جوانب أخرى من جوانب الإعجاز غير هذه الناحية البيانية التى أشبع العلماء الكلام والبحث فيها قديماً !
ونسوا أو تناسوا أن هذه الناحية من أعمدة الإعجاز البيانى وأصوله التى تقام عليها هذه القضية ( أى قضية الإعجاز ) , وأن كلام العلماء قديماً حولها إنما كان بما فتح الله لهم من فهم أسرار بيانه , واستجابة لما وجهنا الله إليه من التأمل في نظمه وإعجازه حيث يقول تعالى أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) [ النساء : 82] , ويقول : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) [ ص : 29] , ويقول : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا )[ محمد : 24] , ويقول : : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) [ الحجر : 75] . واليوم علينا أن نحمل الراية بعدهم , ونواصل السير على خطاهم ونهجهم ؛ لنكشف للمؤمنين بإعجاز القرآن وبيانه عن جوانب مما ذكروه , أو نضيف جديداً إلى ما أثبتوه وأصلوه , أو نجلى جانباً من جوانب البيان بما يتناسب وأسلوب العصر في ضوء القواعد والأصول المتينة التى ينبغى البحث عن جوانب الإعجاز من خلالها وفى ضوئها , وفى ذلك الخير كل الخير ؛ لأن البحث في هذا الميدان إنما هو تأكيد على عطاء القرآن المتجدد , وبيانه الباهر المعجز .
ولكن الأصل الذى يجب أن يبنى عليه البحث بعد توفيق الله عز وجل , وبعد استكمال الآلة من الدراسة , والتخصص , والفهم , إنما هو التجرد لله عز وجل , والاتجاه بإخلاص وصدق إلى استكناه أسرار النظم القرآنى , وذلك أمر ليس باليسير إلا على المتقين الخاشعين . ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه , وأن يسدد ويصوب فهمنا في نظم القرآن .
وهذا البحث محاولة متواضعة في هذا الميدان لفتنى إليه ما رأيت من مظاهر الانسجام والتناسب والالتحام بين أسباب النزول والنظم القرآنى في السياق الذى جاءت فيه هذه الآيات التى ارتبطت بأسباب نزول محددة , فكان ذلك مما يستحق أن يكشف عنه ؛ لأنه مظهر من مظاهر الإعجاز في النظم القرآنى , ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلم " المناسبة " ([1]) , وهو علم شريف من علوم القرآن أشار إليه العلماء قديماً , وكتب فيه الباحثون حديثاً . ولقد كان من مظاهر الإعجاز البيانى للقرآن : أن نظمه ملتحم مع بعضه تمام الالتحام , مع أنه نزل منجماً في عشرين سنة , أو ثلاث وعشرين , أو خمس وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم في مكة بعد البعثة ([2])
فلقد كانت آيات القرآن تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق ما تقتضيه حكمة الله عز وجل , وما يتناسب مع حال الناس , إجابة على سؤال في أمر ما , أو بيان لحكم من الأحكام في قضية تشغل بال المسلمين , ويحتاجون إلى بيان الله فيها . وقد تنزل الآيات بدون سبب متقدم لبيان تشريع من الله عز وجل أو تكليف بأمر من الأمور , أو حديث عن الأمم السابقة وما كان من حالها مع أنبيائها لأخذ العظة والعبرة , وقد تنزل سورة كاملة أيضاً في وقت من الأوقات .
وعن مكان وتوقيت النزول لآيات القرآن : فمنه ما نزل بمكة , ومنه ما نزل بالمدينة , وما نزل بالليل , وما نزل بالنهار , وما نزل بالحضر , وما نزل بالسفر , وما نزل صيفاً , وما نزل شتاءً , ومنه الفراشى والنومى , وما نزل سمائياً وأرضياً , وما نزل بين السماء والأرض , وما نزل تحت الأرض في الغار , وما نزل مفرقاً , وما نزل جمعاً , والأول هو الغالب ( أى المفرق ) , وما نزل مشيعاً , وما نزل مفرداً وغير ذلك من الترتيب المعجز , بل وتجد بعض الآيات المكية في السور المدنية , وبعض الآيات المدنية في السور المكية مع انسجامها في النظم . بل الأعجب من ذلك والأبهر أن تتضمن سورة واحدة كثيراً من هذه الوجوه السابقة كما جاء في سورة الحج ([3]) وهذه الوجوه السابقة نجد تفصيلها في كتب علوم القرآن كالبرهان للزركشى , والإتقان للسيوطى , والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكى([4])
ومع هذا التنجيم في القرآن , واختلاف الأحداث التى كانت تنزل بالنبى صلى الله عليه وسلم و الصحابة نرى القرآن الكريم سبيكة واحدة , أو كالجسم الواحد متناسق الأجزاء , ليس فيه خلل أو اضطراب , أو انقطاع , أو انفصال . فلقد كان الأمر من الله عز وجل للنبى صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل عليه السلام بأن توضع كل آية في مكانها بجانب أخواتها بما يلتئم به النظم , ويتحد , وينسجم ([5]) , ويدق فيه الصنع مما أعجز العرب والعجم , ومما حبر فيه كثير من العلماء وكتب ؛ حتى كان ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن إعجاز القرآن إنما هو بنظمه , وصحة معانيه , وتوالى فصاحة ألفاظه ([6]) لما هالهم من هذه الدقة الرائعة , والتناسق البديع , والالتحام المذهل بين آيات كتاب الله مع أنها نزلت منجمة كما سبق .
ولقد كتب العلماء في ذلك قديماً وحديثاً , ولا حاجة إلى إعادة ما كتبوه حول الوحدة الموضوعية في القرآن , مع أنه نزل مفرقاً حسب الوقائع والأحداث " وجمع الأحاديث المختلفة المعانى المتباعدة الأزمنة , المتنوعة الملابسات في حديث واحد مسترسل هو مظنة التفكك والاقتضاب , ومظنة المفارقة والتفاوت " , وكل ذلك مما لم نجده في القرآن , بل كان – مع هذا التنجيم – سبيكة واحدة , أفرغ إفراغاً واحداً , لا اختلاف فيه ولا اقتضاب , ولا تفاوت فيه ولا اضطراب . وصدق الله حيث قال وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) [ النساء : 82] . وراجع ما حبّره العلماء قديماً وما سطروه حول " علم المناسبة " , وأسرار ترتيب الآيات والسور في القرآن ([7]) , وهو علم شريف وجليل ستأتى الإشارة إليه أثناء البحث .
أما موضوع بحثنا هذا فهو مرتبط بما سبقت الإشارة إليه من بلاغة النظم في القرآن , مع أنه نزل مفرقاً ومنجماً على حسب الوقائع والأحداث . وسأتناول بالدراسة هنا أسباب نزول القرآن من هذه الناحية , أى ناحية ارتباطها بالنظم القرآنى , وكيف يرتبط سبب النزول ببلاغة القرآن ونظمه في الموضع الذى جاء فيه , وكيف ينسجم ويلتحم مع الغرض والسياق في البداية والنهاية ؟ وهو موضوع مرتبط بما سبقت الإشارة إليه من علم المناسبة , والوحدة الموضوعية في آيات القرآن واتساقها مع سبب النزول .
ولقد تتبعت أسباب النزول في القرآن الكريم في كتبها المطبوعة : كأسباب النزول للواحدى , ولباب النقول للسيوطى , وكتب التفسير المطبوعة ([8]) , وانتقيت منها ما صح سنده , ولم يختلف العلماء في صحته , وابتعدت عما ضعف وسقط إسناده ([9]) ؛ وذلك ليكون الربط بين سبب النزول ونظم الآيات مبنياً على أسس سليمة من صحة السبب , واتصال سنده رواية , ومعرفته دراية من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل , ووقفوا على علم الأسباب حين نزول القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم .
هذا ولقد تتبعت أقوال المفسرين حول الربط بين أسباب النزول وبلاغة النظم , وأضفت إلى ذلك ما يسر الله عز وجل لى من فهم لبعض أسرار كلامه , مع التعقيب على ما يستحق التعقيب من كلام المفسرين , والبيان والتوضيح لما يتطلب ذلك .
والبحث يتضمن مقدمة , وتمهيداً , وفصلين وخاتمة . أما المقدمة فلقد بينت من خلالها ما سبقت الإشارة إليه حول بلاغة النظم في القرآن مع نزوله منجماً , وعلم المناسبة كعلم من علوم القرآن , والوحدة الموضوعية في القرآن .
أما عن الفصل الأول : فسأشير في مباحثه – في إيجاز – إلى تاريخ هذا العلم الشريف, وتعريف أسباب النزول , وأقسام القرآن من حيث سبب النزول , وأهمية هذا العلم , وطريق معرفته , وفوائد معرفته , وهل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب ؟ , ونزول الآيات على الأسباب ووضعها مع ما يناسبها رعاية لنظم القرآن . وليست هذه كل الموضوعات التى تبحث في علم أسباب النزول , وإنما هناك فروع أخرى لهذا العلم تطلب في كتب علوم القرآن : كتعدد الأسباب والنازل واحد وعكسه , أى تعدد النازل والسبب واحد . وإنما اقتصرت هنا على ما تمس الحاجة إليه في البحث , ويتصل بمضمونه وغايته .
أما عن الفصل الثانى : فسأتناول فيه بالبحث والتطبيق بعض المواضع التى ارتبط فيها سبب النزول ببلاغة النظم القرآن . وسأبين العلاقة بين السبب ونظم الآيات التى جاء فيها , وكيف ينسجم سبب النزول مع الغرض والسياق العام الذى جاء فيه . وهذا هو الجانب التطبيقى من البحث , ويليه الإشارة إلى بعض المواضع الأخرى التى لم تبحث لمن أراد التوسع والدراسة . وبعد ذلك تأتى الخاتمة متضمنة أهم النتائج .
وهذا العمل أتضرع إلى الله عز وجل أن يتقبله منى , وأن يجعه في ميزان حسناتى , وأن يسدد فيه قلمى , وأن يصوب فيه فهمى , وأن يجرى الحق , والصدق , والصواب على قلبى , ولسانى ويدى , وأن يعفو عما كان فيه من زلات الفهم , وسبق القلم , إنه أكرم مسئول , وهو حسبى ونعم الوكيل .
محمد أبو العلا أبو العلا الحمزاوى
جازان - العاشر من صفر (1431)هـ
الفصل الأول : علم أسباب النزول وتاريخه
المبحث الأول : تاريخ علم أسباب النزول ومصنفاته
علم أسباب النزول من العلوم التى ارتبطت بالقرآن الكريم منذ نزوله ؛ حيث إن القرآن الكريم في كثير من آياته نزل على النبى صلى الله عليه وسلم منجماً تبعاً للأحداث والوقائع . ولقد عنى الصحابه رضوان الله عليهم بهذا العلم الشريف عناية فائقة ؛ وذلك حرصاً منهم على فهم القرآن - وربط الآيات بأسبابها التى نزلت فيها مما يوضح المعنى , ويرفع الإشكال - كما حرصوا على هذا الفن مراعاة لمقتضيات النظم القرآن واتساقه , وبيان موضع كل آية من النظم .
ولقد برع في هذا العلم جمع من الصحابة كابن مسعود ([10]) , وابن عباس ترجمان القرآن , صاحب اللسان السؤول , والقلب العقول كما قال عنه عمر رضى الله عنهم جميعاً , وبرعت في هذا الفن أم المؤمنين عائشة , وغير هؤلاء من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا التنزيل , وعرفوا أسباب النزول للآيات , ومواضع نزولها ؛ لأن هذا العلم قائم على الرواية والسماع . فكما يقول الواحدى : " ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل , ووقفوا على الأسباب , وبحثوا عن علمها , وجدوا في الطلاب " ([11]) .
ولقد تواصلت عناية العلماء بهذا العلم بعد عصر الصحابة في عصر التابعين ومن تبعهم , وظهرت المؤلفات في أسباب النزول . فأفرده بالتصنيف جماعة من العلماء . وفى ذلك يقول السيوطى : " أفرده بالتصنيف جماعة أقدمهم على بن المدينى المتوفى سنة (243) هـ شيخ الإمام البخارى ([12]) ومن أشهرها : كتاب الواحدى المتوفى سنة (468) هـ على ما فيه من إعواز , وقد اختصره الجعبرى فحذف أسانيده , ولم يزد عليه شيئاً ([13]) , وألف فيه أبو الفضل بن حجر كتاباً مات عنه مسوّدة فلم نقف عليه كاملاً , وهو " العجاب في بيان الأسباب " ([14]) , وقد ألفت فيه كتاباً حافلاً موجزاً محرراً لم يؤلف مثله في هذا النوع سميته " لباب النقول في أسباب النزول " ([15])
ومما تجدر الإشارة إليه أن المفسرين قديماً وحديثاً قد عنوا بهذا العلم ( أى أسباب النزول ) وهم بصدد تفسير القرآن ([16]) ؛ وذلك نظراً لحاجتهم إلى معرفة سبب النزول في الآيات : إما لبيان ارتباط النظم , أو لمعرفة التشريع والأحكام في الآيات من خلال أسباب النزول , أو لمعرفة الخاص والعام في الحكم . ومن هنا فنجد في كتب التفسير بالمأثور , وكتب التفسير المطولة الأخرى عناية كبيرة بأسباب النزول , كما في تفسير الطبرى , وتفسير الكشاف للزمخشرى , وتفسير ابن كثير , وزاد المسير لابن الجوزى , وتفسير القرطبى , وتفسير الرازى , ونظم الدرر للبقاعى , وتفسير الدر المنثور للسيوطى , وغيرها من كتب التفسير ([17]) .
هذا ولقد أشار الزركشى إلى ذلك في عجالة فقال حول أسباب النزول : " وقد اعتنى بذلك المفسرون في كتبهم , وأفردوا فيه تصانيف , منهم : على بن المدينى شيخ البخارى , ومن أشهرها تصنيف الواحدى " ([18]) والزركشى هنا قد أشار إلى ما أدركه ؛ حيث توفى سنة (794) هـ , والسيوطى توفى سنة (911) هـ . وهذه الناحية التاريخية لأسباب النزول لا خلاف عليها بين القدماء والمحدثين , وليس فيها من جديد يضاف إلى ما سبق ذكره ([19])
المبحث الثانى : تعريف سبب النزول
علم أسباب النزول من فروع علم التفسير " وهو علم يبحث فيه عن سبب نزول سورة , أو آية , ووقتها , ومكانها , وغير ذلك . والغرض منه : ضبط هذه الأمور " ([20]) ولقد عرفه السيوطى في الإتقان بقوله : " والذى يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه ؛ ليخرج ما ذكره الواحدى في سورة " الفيل " من أن سببها قصة قدوم الحبشة به ([21]) , فإن ذلك ليس من أسباب النزول , بل هو من الإخبار عن الوقائع الماضية كذكر قصة نوح , وعاد , وثمود , وبناء البيت , ونحو ذلك , وكذلك ما ذكره في قوله تعالى : (...وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا )[ النساء : 125] سبب اتخاذه خليلاً ([22]) فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى " ([23])
فسبب النزول : ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه , أو مبينة لحكمه أيام وقوعه مباشرة , أو بعد ذلك بقليل ([24]) كأن تقع حادثة , أو يوجه سؤال إلى النبى صلى الله عليه وسلم فينزل الوحى ببيان ما يتصل بهذه الحادثة , أو بجواب هذا السؤال , وذلك مثل : حادثة خولة بنت ثعلبة التى ظاهر منها أوس بن الصامت فنزلت بسببها آيات الظهار في مطلع سورة " المجادلة " (1-4) , ومثل ما حدث بين الأوس والخزرج من خصومة بسبب تأليب أحد اليهود العداوة بينهما , فقد نزل عقبها قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )[ آل عمران : 100 – 103 ] ([25]) وعلى ذلك فلا يدخل في أسباب النزول ما نزل ابتداءً كقصص الأنبياء , وأحوال أممهم معهم , أو عن بعض الحوادث الماضية كسورة " الفيل " مثلاً , أو ما تتحدث عن مستقبل كاليوم الآخر وما فيه من نعيم أو عقاب . فإن هذه الأحداث لا تعتبر أسباب نزول ([26])
المبحث الثالث : أقسام القرآن من حيث سبب النزول
ينقسم القرآن من حيث سبب النزول وعدمه إلى قسمين : الأول : ما نزل ابتداءً من غير سبق سبب خاص , وهو كثير في القرآن الكريم , وذلك مثل الآيات التى اشتملت على الأحكام والآداب التى قصد بها ابتداءً هداية الخلق , وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة . ومن هذا القسم غالباً : الحديث عن الأمم الغابرة , وما حل بها , أو عن وصف الجنة والنار , وما يتعلق بقضايا الإيمان . ومثل هذه الآيات إنما تركز على المقصد الأساس من نزول القرآن , وهو موضوع الهداية , أى هداية الخلق إلى الخالق , ورسم الطريق الموصل إلى رضوانه . وأكثر القرآن نزل ابتداءً لهذه الأهداف ([27]) . الثانى : ما نزل مرتبط بسبب من الأسباب , وذلك عقب واقعة أو سؤال وجه إلى النبى صلى الله عليه وسلم , فينزل القرآن الكريم بالبيان الشافى للإجابة عن هذا السؤال . ومن ذلك : ما سبقت الإشارة إليه في المبحث الأول : عند تعريف أسباب النزول .
المبحث الرابع : أهمية أسباب النزول
علم أسباب النزول من أشرف علوم القرآن ؛ إذ العلم بالسبب يلزم منه العلم بالمسبب . فمن خلال معرفة أسباب النزول نستطيع أن نقف على معانى القرآن ومناسباته التى نزل فيها , وذلك له فائدة عظيمة في ميدان التشريع والأحكام , وفيه رفع للإشكال في فهم بعض الآيات التى ارتبطت بأسباب نزول معينة , وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم ومقرر . ومن ناحية النظم القرآنى نقف على دقة التركيب في التعبير القرآنى , ووجوه الارتباط بين أجزاء النظم , وكيف ترتبط الآيات ببعضها , وتنسجم وتتلاحم فيما بينها .
" وقد زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن لجريانه مجرى التاريخ , وأخطأ في ذلك " كما يقول الزركـشى , والسـيوطى ([28]) , وعن ذلك يــقول الواحــدى : " ... فآل الأمــر بنا إلى إفادة المـبتدئين المتسترين بعلوم الكتاب إبانة ما أنزل فيه من الأسباب ؛ إذ هى أوفى ما يجب الوقوف عليها , وأولى ما تصرف العناية إليها لامتناع معرفة تفسير الآية , وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها " ([29]) وقال ابن تيمية : " معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية ؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب " , وقال ابن دقيق العيد : " بيان سبب النزول طريق قوى في فهم معانى القرآن " ([30]) ومن كلام الشاطبى النفيس حول أهمية سبب النزول في فهم الآيات : " معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن , والدليل على ذلك أمران : أحدهما : أن علم المعانى والبيان الذى يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلاً عن معرفة مقاصد كلام العرب إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال : حال الخطاب من جهة نفس الخطاب , أو المخاطِب , أو المخاطَب , أو الجميع ؛ إذا الكلام الواحد يختلف بحسب حالين , وبحسب مخاطبين , وبحسب غير ذلك , كالاستفهام , لفظه واحد , ويدخله معان أخر من تقرير , وتوبيخ , وغير ذلك , وكالأمر يدخله معنى الإباحة , والتهديد والتعجيز , وأشباهها , ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة , وعمدتها مقتضيات الأحوال , وليس كل حال ينقل , ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول , وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة , أو فهم شئ منه . ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط ؛ فهى من المهمات في فهم الكتاب بلا بد , ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال , وينشأ عن هذا الوجه : الوجه الثانى : وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات , ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف , وذلك مظنة وقوع النزاع " ([31]) والأمثلة على ما ذكره هؤلاء العلماء الأجلاء حول أهمية سبب النزول في فهم الآيات , وأن عدم معرفة السبب قد توقع في إشكالات في فهم الآيات أمثلة كثيرة ([32])
هذا وليس المقصود من الكلام السابق أن كل آية قد نزلت على سبب , ولابد من البحث عنه لفهم المعنى , ودفع الإشكال كما تكلف ذلك بعض المفسرين ([33]) . فلقد سبق في المبحث الثالث : أن من أقسام القرآن ما نزل ابتداءً من غير سبب,بل هو الأكثر في القرآن كما قرره المحققون من العلماء . ومن هنا فالرأى السديد , والمنهج الرشيد : عدم الاستهانة بأسباب النزول , وأثرها في فهم النظم القرآنى , ودفع الإشكال في فهم بعض الآيات وفق المنهج الذى قرره المحققون من العلماء من قبول ما صح سنده منها , وارتبط بمضمون الآيات , وجاء في الآثار الصحيحة عن الصحابة ما يؤيد كونه سبباً لنزول الآية – كما ستعرف من خلال عبارات الصحابة – فهو مقبول , وما ضعف سنده وانقطع , ولم يتصل بنظم الآية وسياقها , أو تعارض معها , ولم يأت في الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم ما يشهد له بالصحة , فهو مرفوض حفاظاً على نظم القرآن , وترابط آياته , وصوناً للقرآن الكريم من أن يتطرق إلى تفسيره سوء الفهم , أو تحمل الآيات على غير معانيها الصحيحة , ومقاصدها الشريفة ([34]) وفى ذلك يقول الواحدى عبارته المشهورة والتى نقلها عنه العلماء قديماً وحديثاً : " ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب , إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل , ووقفوا على الأسباب , وبحثوا عن علمها , وجدوا في الطلاب " ([35])
وهذا يقودنا إلى الحديث عن طريق معرفة سبب النزول
المبحث الخامس : طريق معرفة أسباب النزول
تقدم ما ذكره الواحدى في كتابه " أسباب النزول " من أنه لا يحل القول في أسباب النزول , إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل , ووقفوا على الأسباب , وبحثوا عن علمها , وجدوا في الطلاب . وقد قال محمد بن سيرين : " سألت عبيدة عن آية من القرآن , فقال : اتق الله , وقل سداداً ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن " , وقال غيره : معرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا . وربما لم يجزم بعضهم فقال : أحسب هذه الآية نزلت في كذا ([36]) وقال الحاكم في " علوم الحديث " : " إذا أخبر الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا فإنه حديث مسند ([37]) ومشى على هذا ابن الصلاح , وغيره , ومثلوه بما أخرجه مسلم عن جابر قال : كانت اليهود تقول : من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول , فأنزل الله : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ )[ البقرة :223 ] وقال ابن تيمية : قولهم نزلت الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول , ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية , وإن لم يكن السبب , كما تقول : عنى بهذه الآية كذا . وقد تنازع العلماء في قول الصحابى : نزلت هذه الآية في كذا , هل يجرى مجرى المسند , كما لو ذكر السبب الذى أنزلت لأجله , أو يجرى مجرى التفسير منه الذى ليس بمسند ؟ فالبخارى يدخله في المسند , وغيره لا يدخله فيه . وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره , بخلاف ما إذا ذكر سبباً نزلت عقبه , فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند " ([38])
قال الزركشى : " وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال : نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد بذلك أنه هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها . وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند كما في قول ابن عمر في قوله تعالى : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) . وأما الإمام أحمد فلم يدخله في المسند , وكذلك مسلم وغيره , وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال والتأويل , فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع " ([39])
وقال الزرقانى : " تختلف عبارات القوم في التعبير عن سبب النزول : فتارة يصرح فيها بلفظ السبب , فيقال : " سبب نزول الآية كذا " وهذه العبارة نص في السببية لا تحتمل غيرها , وتارة لا يصرح بلفظ السبب , ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادة نزول الآية عقب سرد حادثة , وهذه العبارة مثل تلك في الدلالة على السببية أيضاً . ومثاله : رواية جابر [ أى حديث مسلم السابق ] . ومرة يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم فيوحى إليه , ويجيب بما نزل عليه , ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول , ولا تعبير بتلك الفاء , ولكن السببية تفهم قطعاً من المقام كرواية ابن مسعود الآتية عندما سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن الروح . وحكم هذا أيضاً حكم ما هو نص في السببية . ومرة أخرى لا يصرح بلفظ السبب , ولا يؤتى بتلك الفاء , ولا بذلك الجواب المبنى على السؤال . بل يقال : نزلت هذه الآية في كذا – مثلاً – وهذه الآية ليست نصاً في السببية , بل تحتملها , وتحتمل معنى آخر هو بيان ما تضمنته من الأحكام . والقرائن وحدها هى التى تعين أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه . ومن هنا نعلم أنه إذا وردت عبارتان في موضوع واحد : إحداهما : نص في السببية لنزول آية أو آيات . والثانية : ليست نصاً في السببية لنزول تلك الآية أو الآيات , هنالك نأخذ في السببية بما هو نص , ونحمل الأخرى على أنها بيان لمدلول الآية ؛ لأن النص أقوى في الدلالة من المحتمل " ([40])
ويبقى بعد ذلك : " قول التابعى " في سبب النزول . هل له حكم المرفوع مثل قول الصحابى ؟ قال السيوطى في ذلك : " ما تقدم أنه من قبيل المسند من الصحابى إذا وقع من تابعى فهو مرفوع أيضاً لكنه مرسل , فقد يقبل إذا صح السند إليه , وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد , وعكرمة , وسعيد بن جبير , أو اعتضد بمرسل آخر , ونحو ذلك " ([41]) وقد زاد كلامه إيضاحاً في " التحبير" فقال : " وما كان منه عن صحابى فهو مسند مرفوع ؛ إذ قول الصحابى فيما لا مدخل فيه للاجتهاد مرفوع , أو تابعى فمرسل . وشرط قبولهما صحة السند , ويزيد الثانى [ أى المرسل ] أن يكون راويه معروفاً بأن لا يروى إلا عن الصحابة , أو ورد له شاهد مرسل أو متصل ولو ضعيفاً . وإذا تعارض فيه حديثان فإن أمكن الجمع بينهما فذاك كآية اللعان , ففى الصحيح عن سهل بن سعد الساعدى أنها نزلت في قصة عويمر العجلانى , وفيه أيضاً أنها نزلت في قصة هلال ابن أمية . فيمكن أنها نزلت في حقهما , أى بعد سؤال كل منهما , فيجمع بهذا . وإن لم يمكن قُدّم ما كان سنده صحيحاً , أو له مرجح , ككون راويه صاحب الواقعة التى نزلت فيها الآية , ونحو ذلك . فإن استويا فهل يحمل على النزول مرتين أو يكون مضطرباً يقتضى طرح كل منهما . عندى فيه احتمالان , وفى الحديث ما يشبهه , وربما كان في إحدى القصتين " فتلا " فوهم الراوى فقال : " فنزلت " كما تقدم في آية " الزمر " , والبارع الناقد يفحص عن ذلك ..." ([42])
وكلام السيوطى السابق مما حرره , واستخرجه من قواعد الحديث , ولم يسبق إليه كما أشار في " التحبير" في الموضع السابق . فبان من خلال كلامه أن قول التابعى في سبب النزول مقبول بشروط : الأول : صحة السند . والثانى : أن يكون من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة . الثالث : أن يعتضد بمرسل آخر , أو بشاهد متصل ولو ضعيفاً . فتأمل دقة العلماء فيما وضعوا من شروط لقبول ما جاء عن التابعى يلوح لك من خلالها أن الأمر لا يقف عند صحة السند فحسب , بل لابد أن يكون التابعى من أئمة التفسير المعروفين بالأخذ عن الصحابة ؛ لأن معرفة التفسير لكتاب الله هنا لها أهمية كبيرة في الربط بين الآيات وأسباب النزول , وهذا أمر لا يتم إلا من خلال التلقى عمن عرفوا مواقع نزول الآيات وأسبابها , وهم الصحابة رضوان الله عليهم . فالأمر فيه شامل لجانب الدراية بعد صحة الرواية , فيكون قد اجتمع بذلك في السبب صحة الرواية , وقوة الدراية, فليتأمل !
المبحث السادس: فوائد معرفة أسباب النزول
ذكر العلماء لمعرفة أسباب النزول فوائد كثيرة , منها : " معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم , ومنها : تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب .
ومنها : أن اللفظ قد يكون عاماً ويقوم الدليل على تخصيصه , فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته . فإن دخول صورة السبب قطعى , وإخراجها بالاجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضى أبو بكر في التقريب , ولا التفات إلى من شذ فجوز ذلك .
ومنها : الوقوف على المعنى , وإزالة الإشكال . قال الواحدى : " لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها , وبيان نزولها " , وقد سبق بيان ذلك من خلال ما نقلته عن ابن تيمية , وابن دقيق العيد , والشاطبى في المبحث الرابع . والمثال الذى سبق ذكره في هامش الصفحة السابقة عن عروة بن الزبير ([43]) , ومنها : دفع توهم الحصر , ومنها : معرفة اسم النازل فيه الآية , وتعيين المبهم فيها ([44])
ومنها : أن اللفظ قد يراد به المعارضة والرد على قوم لإثبات أمر أو حكم , فإذا علم أن السبب هو الرد والمعارضة اتضح المعنى , وإذا لم يفهم استشكل ([45]) , " ومنها : تثبيت الوحى , وتيسير الحفظ والفهم , وتأكيد الحكم في ذهن من يسمع الآية إذا عرف سببها ؛ وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات , والأحكام بالحوادث , والحوادث بالأشخاص , والأزمنة , والأمكنة , كل ذلك من دواعى تقرر الأشياء , وانتقاشها في الذهن , وسهولة استذكارها عند استذكار مقارناتها في الفكر , وذلك هو قانون تداعى المعانى المقرر في علم النفس ([46]) وثمة فائدة أخرى عظيمة لأسباب النزول , وهى أن نزول القرآن عند حدوث حوادث معينة دلالة على إعجازه من ناحية الارتجال , وهى إحدى طريقتين لبلغاء العرب في أقوالهم . فنزوله على حوادث يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير الأولين .([47])
وهذه الفوائد التى سبق ذكرها لها أمثلة كثيرة من أسباب النزول مُسَطّرة في كتب علوم القرآن التى سبقت الإشارة إليها , وإنما أشرت فيما مضى إلى بعض الأمثلة خشية التطويل ؛ لأن هذا ليس هو مقصود البحث , وإنما يرتبط بناحية من نواحيه . ومن أراد التوسع فليراجع كتب البرهان , والإتقان , والزيادة والإحسان ([48])
المبحث السابع : هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب ؟
ذكر السيوطى في كتابه الإتقان اختلاف أهل الأصول في هذه المسألة فقال : " اختلف أهل الأصول : هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب ؟ والأصح عندنا الأول , وقد نزلت آيات في أسباب , واتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها , كنزول آية الظهار في سلمة بن صخر ([49]) , وآية اللعان في شأن هلال بن أمية , وحد القذف في رماة عائشة , ثم تعدى إلى غيرهم , ومن لم يعتبر عموم اللفظ قال : خرجت هذه الآيات ونحوها لدليل آخر كما قصرت آيات على أسبابها اتفاقاً لدليل قام على ذلك . قلت : ومن الأدلة على اعتبار عموم اللفظ احتجاج الصحابة وغيرهم في وقائع بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة شائعاً ذائعاً بينهم " ([50])
وقال ابن تيمية : " قد يجئ كثير من هذا الباب قولهم : هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إن كان المذكور شخصاً كقولهم : إن آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن قيس , وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله , وإن قوله : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ ) [ المائدة : 49] نزلت في بنى قريظة والنضير ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة , أو في قوم من اليهود والنصارى , أو في قوم من المؤمنين . فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم , فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق . والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب : هل يختص بسببه ؟ فلم يقل أحد : إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين . وإنما غاية ما يقال : إنها تختص بنوع ذلك الشخص , فيعم ما يشبهه , ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ . والآية التى لها سبب معين إن كانت أمراً , أو نهياً فهى متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته , وإن كانت خبراً بمدح أو ذم فهى متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته " ([51]) وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية , والإمام السيوطى كلام واضح ودقيق , يتضح من خلاله أن القرآن الكريم كتاب مفتوح مع الزمان , ولا يعنى ارتباط الآيات بأسباب النزول انحصارها فيمن تعلقت به دون أن تتعدى إلى من يشبه حال صاحب السبب . وفى ذلك تضييق لنطاق الآيات , ووضع لها في غير مواضعها من العموم الذى جاء لكل الناس هداية وبياناً .فليتأمل ذلك جيداً فإنه مرتبط بهداية القرآن للناس في كل زمان ومكان . وسيأتى بيان أن دراسة ارتباط أسباب النزول ببلاغة النظم لا تعنى انحصار الآيات في أسباب النزول التى نزلت فيها على وجه الخصوص , أو عدم عمومها , وإنما الهدف بيان كيف التحم سبب النزول مع النظم الذى جاء فيه , مع كونه نزل في واقعة معينة , أى من هذه الناحية , ويأتى بعد ذلك إعجاز القرآن في عمومه للناس في كل زمان ومكان ليشمل من نزلت فيه الآيات , ومن كان حاله يشبه حال صاحب السبب ([52]) , وتلك ناحية أخرى لافتة من نواحى الإعجاز يمتد فيها الإعجاز ليشمل من نزل فيه القرآن , ويشمل غيره من الناس في كل مكان وزمان , مع التحام هذه الآيات في النظم , والتئامها في السياق كأنها سبيكة واحدة أفرغت إفراغاً واحداً ! والكلام هنا يقودنا إلى الحديثعننزول الآيات على الأسباب ووضعها مع ما يناسبها رعاية لنظم القرآن .
المبحث الثامن : نزول الآيات على الأسباب ووضعها مع ما يناسبها رعاية لنظم القرآن
مما يتصل بالبحث تمام الاتصال : نزول الآيات على الأسباب , ووضع كل واحدة مع ما يناسبها رعاية لنظم القرآن , وحسن السياق . وهذا مؤكد لما نحن بصدده من أن أسباب النزول في حقيقتها وجوهرها لا تنفصل عن المعانى العامة للآيات وسياقها , ولا عن مناسباتها . فأسباب النزول الواردة في أحداث ومواقف خاصة منسجمة , وملتحمة مع الغرض العام في السياق الذى جاءت فيه , وهى مظهر من مظاهر التحدى والإعجاز في القرآن الكريم .
وهذا يتصل بعلاقة سبب النزول بالمناسبة , والمناسبة علم شريف من علوم القرآن يتصل بنظم القرآن وارتباط آياته وسوره بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعانى , منتظمة المبانى . ولقد أشار إلى هذا العلم الشريف العلماء الذين كتبوا في علوم القرآن قديماً , والمفسرون الذين عنوا ببلاغة القرآن وإعجازه في نظمه , وارتباط بعضه ببعض , كما أشار إلى ذلك بعض الباحثين العصريين . ولقد بين العلماء قديماً تاريخ هذا العلم , ومن عنى به من العلماء , كما قدموا نماذج تطبيقية كشفوا من خلالها عن طريقة معرفة المناسبة بين الآيات والسور , وفائدتها وأسبابها . فأشار إلى ذلك الزركشى في البرهان , والبقاعى في نظم الدرر , و السيوطى في الإتقان في النوع الثانى والستين من علوم القرآن , وفى التحبير في النوع السادس والسبعين , وفى معترك الأقران فى الوجه الرابع من وجوه إعجازه : مناسبة آياته وسوره وارتباط بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعانى , منتظمة المبانى, كما أشار إلى ذلك ابن عقيلة المكى في النوع الثانى والعشرين بعد المائة في الزيادة والإحسان ([53])
هذا ولقد تجرد علماء آخرون لبيان أسرار المناسبة بين آيات القرآن وسوره , وأبانوا في مؤلفاتهم عن طول الباع , وسعة الاطلاع , وفهمهم لبلاغة القرآن المعجزة , وظهر فتح الله لهم في إدراك المناسبات بين الآيات والسور . ويأتى على رأس هؤلاء ممن توسعوا في بحث المناسبات في القرآن : العلامة برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن على البقاعى في كتابه " نظم الدرر "([54]) , والسيوطى في كتابه أسرار التنزيل المسمى " قطف الأزهار في كشف الأسرار " , والكتابان من أوسع الكتب في هذا الميدان فيما أعلم , والثانى منهما لم يكمله المؤلف , وتوقف فيه عند الآية (92) من سورة التوبة .
ويضاف إلى ذلك ما نثره أصحاب التفاسير الأخرى في تفاسيرهم قديماً وحديثاً كما نجد عند الزمخشرى في الكشاف ([55]) وحواشيه شيخ زاده والشهاب الخفاجى والقونوى , وكما نجد عند ابن عطية في المحرر الوجيز , وأبى السعود في إرشاد العقل السليم , والرازى في مفاتيح الغيب , وأبى حيان في البحر المحيط , والألوسى في روح المعانى , والطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير , وغيرهم .
هذا وهناك كتب مختصرة عنيت ببيان المناسبة بين السور , أى مناسبة تعقيب السورة بالسورة , والعلاقة فقط دون التعرض للآيات . وهى : " البرهان في ترتيب سور القرآن " لأبى جعفر بن الزبير الغرناطى , " وتناسق الدرر في تناسب السور للسيوطى " , والأول أشهر وأسبق وقد أشار إليه البقاعى , وبين أنه سينقل عنه ما قاله في أول كل سورة بلفظه ([56]), ومنها : " جواهر البيان في تناسب سور القرآن " لأبى الفضل محمد الصديق الغمارى , وهو من المعاصرين فرغ من تحريره سنة (1385) هـ , والكتب الثلاثة من الكتب المطبوعة ([57]) .
وهناك نوع آخر من المناسبات , وهو المناسبة بين أوائل كل سورة وآخرها , ولم يؤلف في هذا النوع أحد قبل السيوطى حيث ألف رسالته " مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع " فالسيوطى أول من أفرد هذا الفن الجليل بالتأليف برسالته السابقة , وهى مطبوعة محققة .
والمناسبة : في اللغة : المشاكلة والمقاربة ([58]) ومرجعها في الآيات ونحوها إلى معنى رابط بينهما عام أو خاص , عقلى أو حسى أو خيالى , أو غير ذلك من أنواع العلاقات , أو التلازم الذهنى , كالسبب والمسبب , والعلة والمعلول , والنظيرين , والضدين , ونحوه . فعلم المناسبة علم تعرف منه علل الترتيب ([59]) أما عن فائدته فيقول الزركشى :" وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذ بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط , ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء" ويقول البقاعى : " وثمرته : الاطلاع على الرتبة التى يستحقها الجزء بسبب ما له بما وراءه وما أمامه من الارتباط والتعلق الذى هو كلحمة النسب .فعلم مناسبات القرآن علم تعرف منه علل ترتيب أجزائه , وهو سر البلاغة لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعانى لما اقتضاه من الحال , وتتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها . ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع جملها ؛ فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة , وكانت نسبته من علم التفسير نسبة علم البيان من النحو " ([60]) ويقول عنه في موضع آخر : " وبهذا العلم يرسخ الإيمان في القلب , ويتمكن من اللب ؛ وذلك أنه يكشف أن للإعجاز طريقين : أحدهما : نظم كل جملة على حيالها بحسب التركيب . والثانى : نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب , والأول أقرب تناولاً , وأسهل تذوقاً , فإن كل من سمع القرآن من ذكى وغبى يهتز لمعانيه , وتحصل له عند سماعه روعة بنشاط , ورهبة مع انبساط لا تحصل عند سماع غيره , وكلما دقق النظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز ..." ([61])
والمناسبة لها أسباب : منها : التنظير , والمضادة , والاستطراد , وحسن التخلص , والانتقال من حديث إلى آخر تنشيطاً للسامع , وحسن المطلب ([62]) وتفصيل الحديث عن ذلك العلم , ونشأته وتاريخه , وفائدته , وأسبابه في كتب علوم القرآن التى سبق ذكرها . وإنما نقلت منه هنا أطرافاً وأجزاءً تتصل ببلاغة النظم القرآنى ؛ وذلك لأن الآيات التى ارتبطت بأسباب نزول بينها وبين الآيات قبلها وبعدها مناسبة ومشاكلة , أى ارتباط , وتناسب , وتآلف , وانسجام , كما سيتضح عند التطبيق إن شاء الله تعالى .
فعلم المناسبة وثيق الصلة بعلم أسباب النزول من هذه الناحية , أى ناحية الترتيب والتناسب , والتعلق , والارتباط في نظم القرآن ؛ وذلك لأن ترتيب آيات وسور القرآن في المصحف كما هو معلوم ليس على ترتيب النزول , كما أن الآيات التى نزلت على النبى صلى الله عليه وسلم بدون تقدم أسباب , والآيات التى نزلت بأسباب كان الأمر في ترتيبها في المصحف بتوقيف من الله عز وجل , وأمر له بأن توضع كل آية في الموضع الذى اقتضته حكمته تعالى . وما أروع ما قاله ولى الدين الملوى ت (774هـ) : " قد وهم من قال : لا يطلب للآى الكريمة مناسبة ؛ لأنها على حسب الوقائع المفرقة. وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلاً , وعلى حسب الحكمة ترتيباً و تأصيلاً . فالمصحف على وفق ما في اللوح المحفوظ مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف , كما أنزل جملة إلى بيت العزة . ومن المعجز البين أسلوبه , ونظمه الباهر . والذى ينبغى في كل آية أن يبحث أول كل شئ عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة , ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ؟ ففى ذلك علم جم . وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له " ([63])
وهذا ما أشار إليه العلماء قديماً . فعن وضع الآيات النازلة على سبب خاص مع ما يناسبها من الآى رعاية لنظم القرآن , وحسن السياق , يقول السيوطى : " تقدم أن صورة السبب قطعية الدخول في العام , وقد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة , وتوضع مع ما يناسبها من الآى العامة رعاية لنظم القرآن , وحسن السياق , فيكون ذلك الخاص قريباً من صورة السبب في كونه قطعى الدخول في العام , كما اختار السبكى أنه رتبة متوسطة دون السبب , وفوق المجرد ([64]) مثاله : قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا )[ النساء : 51] فإنها إشارة إلى كعب بن الأشرف , ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة , وشاهدوا قتلى بدر حرضوا المشركين على الأخذ بثأرهم , ومحاربة النبى صلى الله عليه وسلم , فسألوهم من أهدى سبيلاً : محمد وأصحابه أم نحن ؟ فقالوا : أنتم ([65]) مع علمهم بما في كتابهم من نعت النبى صلى الله عليه وسلم المنطبق عليه , وأخذ المواثيق عليهم ألا يكتموه , فكان ذلك أمانة لازمة لهم , ولم يؤدوها حيث قالوا للكفار : أنتم أهدى سبيلاً ؛ حسداً للنبى صلى الله عليه وسلم . فقد تضمنت هذه الآية مع هذا القول التوعد [ أى المتوعد ] عليه المفيد للأمر بمقابله المشتمل على أداء الأمانة التى بيان صفة النبى صلى الله عليه وسلم بإفادة أنه الموصوف في كتابهم , وذلك مناسب لقوله : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا )[ النساء : 58] فهذا عام في كل أمانة , وذاك خاص بأمانة هى صفة النبى صلى الله عليه وسلم بالطريق السابق , والعام تال للخاص في الرسم , متراخ عنه في النزول , والمناسبة تقتضى دخول ما دل عليه الخاص في العام ؛ ولذا قال ابن العربى في تفسيره : " وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم وقولهم : إن المشركين أهدى سبيلاً , فكان ذلك خيانة منهم , فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات " انتهى . قال بعضهم ([66]) : " ولا يرد تأخر نزول آية الأمانات عن التى قبلها بنحو ست سنين ؛ لأن الزمان إنما يشترط في سبب النزول لا في المناسبة ؛ لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها , والآيات كانت تنزل على أسبابها , ويأمر النبى صلى الله عليه وسلم بوضعها في المواضع التى علم من الله أنها مواضعها " ([67]) وما ذكره الزركشى , والسيوطى يتفق مع بلاغة القرآن ونظمه الذى لم يغفل الأسباب الخاصة التى نزلت فيها الآيات , كما أنه لا يخرج في تآلفه وإحكامه عن السياق العام الذى وضعت فيه الآيات , وهذا برهان من براهين الإعجاز , وسر من أسرار الروعة في بيان القرآن , وصورة من صور التحدى بالنظم القرآنى لمن تأمل , وتتدبر , وصدق الله حيث يقول : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) [ ص : 29] , وهذا هو النهج الذى سأسير عليه في بيان التحام أسباب النزول مع النظم القرآنى , وما اشتمل عليه هذا الالتحام والارتباط من أسرار النظم , وما فيه من روائع الدقة في الترتيب , والانسجام . ففى هذا التناسب أبرز دليل على أن النظم القرآنى قد روعى في ترتيبه أن يشمل أحوال الناس الخاصة والعامة , فيجد فيه أهل كل زمان ما يشبع حاجتهم , ويعالج مشكلاتهم , وذلك ضرب آخر من ضروب الإعجاز لا يقل في قوته وبرهانه عن الوجه السابق ! هذا ولقد أشار إلى ذلك بعض المعاصرين , فقال الطاهر ابن عاشور في المقدمة الخامسة لتفسيره حول أسباب النزول : " ومنها ما ينبه المفسر إلى إدراك خصوصيات بلاغية تتبع مقتضى المقامات ؛ فإن من أسباب النزول ما يعين على تصوير مقام الكلام كما سننبهك في المقدمة العاشرة " ([68])
وبعد هذه العجالة الموجزة حول أسباب النزول , وعلم المناسبة في القرآن أنتقل إلى الجانب التطبيقى من البحث لنقف على روائع التناسب والارتباط بين أسباب النزول وبلاغة النظم القرآنى في بعض الآيات , ولنلمح وجهاً دقيقاً من وجوه الإعجاز كان وسيظل مصدر ثراء , ومصدر روعة في بلاغة القرآن , فهو معين لا ينضب , ولكنه يحتاج إلى التجرد , والتأمل والاحتشاد , كما نبه إلى ذلك المحققون من العلماء الذين عاشوا في رياض القرآن , والتمسوا وجوه الجمال والإعجاز فيه ([69]) , وما أروع ما قاله الرازى في تفسيره : " أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط " ([70]) , وقال في تفسير سورة البقرة : " ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة , وفى بدائع ترتيبها , علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه , فهو أيضاً بسبب ترتيبه ونظم آياته ولعل الذين قالوا : إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك , إلا أنى رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف , غير متنبهين لهذه الأسرار , وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل :
والنجم تستصغر الأبصار صورته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر "([71])
الفصل الثانى : أسباب النزول وبلاغة النظم
المبحث الأول : الدراسة التطبيقية لبعض الآيات
جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول . ووقع البحث : أيما أولى البداءة به : بتقدم السبب على المسبب , أو المناسبة لأنها المصححة لنظم الكلام , وهى سابقة على النزول ؟ والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفاً على سبب النزول كما فى قوله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ...) [ النساء : 58 ] ([72]) فهذا ينبغى فيه تقديم ذكر السبب ؛ لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد , وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم المناسبة ([73])

وفي هذا الفصل سأبين بمشيئة الله علاقة أسباب النزول بعض الآيات بالنظم القرآنى الذى جاءت فيه , وكيف التحمت مع الغرض العام , ومعالم الارتباط والتناسب بينها , وبعض وجوه الجمال والإعجاز في هذا الانسجام والتلاحم , وروعة الترتيب , ودقة التركيب . وهى من أسباب النزول التى صحت أسانيدها رواية كما سبق في بداية البحث ؛ وذلك لأن هذا هو الأصل الأول , والشرط الأساس لبيان الارتباط بين الأسباب والنظم كما سبق . وسأشير إن شاء الله في نهاية البحث إلى بعض المواضع الأخرى لمن أراد التوسع والدراسة .

فمن ذلك قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) [ البقرة : 143 ] ففى الصحيحين عن البراء بن عازب قال : مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا , فلم ندر ما نقول فيهم ؟ فأنزل الله : (...وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ...) . وروى البخارى فى صحيحه عن البراء أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً , وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت , وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر , وصلى معه قوم , فخرج رجل ممن صلى معه , فمر على أهل المسجد وهم راكعون , فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبى صلى الله عليه وسلم قبل مكة , فداروا كما هم قبل البيت . وكان الذى مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ماذا نقول فيهم . فأنزل الله : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) ([74])
وهنا نلمح مدى الارتباط بين سبب نزول الآية , والسياق الذى جاءت فيه . فالسياق يتحدث عن تحويل القبلة , وما سيتكلم به السفهاء من اليهود وأشباههم ([75]) حول السبب فى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام , وذلك من أول قوله تعالى : (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ البقرة : 142 ] يقول أبو حيان حول مناسبة الآيه : " مناسبة هذه الآية لما قبلها أن اليهود والنصارى قالوا : إن إبراهيم ومن ذكر معه كانوا هوداً ونصارى , ذكروا ذلك طعناً في الإسلام ؛ لأن النسخ عند اليهود باطل , فقالوا : الانتقال عن قبلتنا باطل وسفه , فرد الله ذلك عليهم بقوله : ( ...قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ البقرة : 42] فبين ما كان هداية وما كان سفهاً "([76]) ولقد جاءت الآية التالية لها من أول قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... ) جاءت من أولها ممهدة وموطئة لسبب النزول ؛ حيث أشارت أولاً إلى أن الانتقال من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام إنما هو لوسطية الأمة التى جمعت فى توجهها بين بيت المقدس قبلة السابقين , وما حولت إليه من قبلة الخليل إبراهيم عليه السلام , ووسطية الأمة هنا فيها تورية مرشحة ([77]) كما ذكر السيوطى ؛ لأن للوسط معنيين : المتوسط , والخيار , وظاهر اللفظ يوهم الأول ؛ لأن قبلة الإسلام متوسطة بين المشرق والمغرب , وهما قبلتا اليهود والنصارى , والمراد هنا الثانى وهو الخيار , وكما صح التفسير بذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم , وهو أبعد المعنيين , ورشح ذلك قوله : (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) فإنه من لوازم كونهم خياراً , أى عدولاً , وقيل للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد , والأوساط محمية محوطة ([78]) ومن أهداف هذا التحويل : معرفة من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه , ففيه ابتلاء وامتحان للثابتين على الحق المستمسكين به مع تحويل القبلة ممن هدى الله , وابتلاء لمن تتزلزل قلوبهم من أهل الشك والضعف فى اليقين (...وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ... ) . ولما كان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام كان بعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً , وكان قد مات أناس صلوا إلى المسجد الأقصى فى مكة , وفى الأشهر الأول من المدينة جاء السؤال عن حال هؤلاء الذين ماتوا قبل التحويل , وعن صلاتهم إلى المسجد الأقصى .

فجاء سبب النزول هنا مدمجاً مع الحدث والحوار فى شأن تحويل القبلة , ملتحماً مع الغرض والسياق تمام الالتحام . فجاء قوله تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) بعد ما عرض من الحوار السابق . وهنا نلمح مدى الإعجاز فى سياق الآية وسباقها . فالتعبير هنا عن عدم ضياع الإيمان شامل لمن مات من أهل القبلة قبل التحويل , ولمن هو حى وسامع وقت التحويل . ولذلك تنوعت عبارات المفسرين فى تأويل الإيمان المقصود فى هذه الآية الكريمة , فابن عباس يقول : (...وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ... ) أى بالقبلة الأولى , وتصديقكم نبيكم , واتباعه إلى القبلة الأخرى , أى ليعطيكم أجرهما جميعاً (... إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ... ) والحسن البصرى يقول : " أى ما كان الله ليضيع محمداً وانصرافكم معه حيث انصرف " ([79]) وقال البغوى : " (...وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ... ) أى صلاتكم إلى بيت المقدس " ([80]) وقال الزمخشرى : " أى ثباتكم على الإيمان , وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا , بل شكر صنيعكم , وأعد لكم الثواب العظيم , ويجوز أن يراد وما كان الله ليترك تحويلكم لعلمه أن تركه مفسدة , وإضاعة لإيمانكم , وقيل : من كان صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل فصلاته غير ضائعة " ([81]) فالتعبير بنفى ضياع الإيمان هنا شامل لمن اتبع الرسول من الأحياء على هدى ويقين بدون شك أو تردد وسلك سبيله , وشامل لمن مات قبل التحويل حيث صلى إلى بيت المقدس . فجاء سبب النزول للآية غير مفصول أو منقطع عن نظمها ومعناها وسياقها ؛ حيث مهد أولاً بالحديث عن السفهاء وما سيقولونه , وموقفهم إزاء تحويل القبلة وما قالوه , والغرض من هذا التحويل , وبيان حال أهل الإيمان , وما كتب لهم من الثبات عند التحويل , ويشمل أيضاً حال من مات قبل هذا التحويل وأن صلاته غير ضائعة عند الله .
ولقد جاء السياق بعد ذلك ملتحماً ومنسجماً مع ما سبق حيث عرض لسر آخر من أسرار تحويل القبلة (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) [ البقرة :144 ] وتمضى الآيات بعد ذلك تتحدث عن أهل الكتاب الذين أنكروا على النبى صلى الله عليه وسلم تحويل القبلة , وأن النبى صلى الله عليه وسلم مهما جاءهم من الآيات ما تبعوه , ولا تبعوا قبلته مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم , وأن هذا هو الحق من الله , وأن لكل وجهة هو موليها , وأن عليه أن يتوجه شطر المسجد الحرام من حيث خرج , وعلى المسلمين ذلك أيضاً حيث كانوا أن يولوا وجوههم شطره ([82])
نلمح كيف تنساب الآيات وتتسلسل منسجمة لا انقطاع فى الموضوع أو الهدف والغاية , إنما هى سبيكة واحدة أفرغت إفراغاً واحداً , جاء سبب النزول فيها مرتبطاً بالغرض تمام الارتباط . ولنا وقفة هنا حول الغرض من التعبير بـ " الإيمان " ونفى ضياعه فى سبب النزول . فلقد أطلق الإيمان هنا على الصلاة ؛ لأنها أعظم آثار الإيمان , وأشرف نتائجه , أو لأن المراد لا يضيع ثواب تصديقكم بوجوب الصلاة ([83]) أو أنه أطلق الإيمان وأراد به الصلاة مجازاً على طريق إطلاق اسم السبب على المسبب , فإن الإيمان سبب لكون الصلاة عبادة معتبرة شرعاً ؛ إذ لا صحة للعبادات بدون الإيمان . وتسمية الشئ باسم سببه شائع فى كلام البلغاء .
" وفى هذا التجوز إشارة إلى أنه تعالى لا يضيع شيئاً مما عملوه امتثالاً لأمر الله تعالى , وقصداًَ لطاعته , بل يثيبهم عليه ثواباً جزيلاً , وإن طرأ عليه النسخ بعد العمل به فإن الصلاة الواقعة عن الإيمان إذا لم تكن ضائعة يفهم منه أن كل عمل واقع عنه لا يضيع ..." ([84]) وقيل : " إنما سمى الصلاة إيماناً لاشتمالها على قول ونية وعمل " ([85]) أو لأنها لما كنت صادرة عن الإيمان والتصديق فى وقت بيت المقدس وفى وقت التحويل , ولما كان الإيمان قطباً عليه تدور الأعمال , وكان ثابتاً فى حال التوجه هنا وهنا ذكره ؛ إذ هو الأصل الذى به يرجع فى الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهى ؛ ولئلا تندرج فى اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس , فذكر المعنى الذى هو ملاك الأمر , وسميت إيماناً إذ هى من شعب الإيمان , " ولقد ذكر صاحب المنتخب أبو عبد الله محمد بن أبى الفضل المرسى أنه لولا ذكر سبب نزول الآية لما اتصل الكلام بعضه ببعض "([86])

فالتعبير عن الصلاة بالإيمان شامل – فيما يبدو – لكل هذه المعانى ؛ حيث إن استجابة الصادقين للتحويل إنما صدرت عن إيمانهم وتصديقهم , ولأن صلاتهم صادرة عن الإيمان , ولأن الإيمان هو منبع اليقين وأصل الدين المكين , ولأجل أن يتميز هؤلاء الصادقون من غيرهم . فجاء التعبير بالإيمان إيجازاً جامعاً لكل هذه المعانى والمقاصد , شاملاً لمن عاش مصدقاً ولمن مات مصدقاً , وكاشفاً لمن كان منافقاً ومتابعاً فى الظاهر دون يقين فى الباطن .

ولقد ختمت الآية الكريمة بما يناسب السياق السابق , وجاءت الفاصلة مرتبطة بالغرض تمام الارتباط حيث جاءت (... إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ... ) فجاء فى الفاصلة ذكر الرأفة والرحمة بعد الحديث عن تحويل القبلة , وعدم ضياع صلاة من صلى إلى المسجد الأقصى . فتحويل القبلة , وضمان أجر المؤمنين الصادقين رأفة ورحمة , كما أن تحويل القبلة كشف المنافقين الذين كبر عليهم تحويل القبلة (... وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى ... ) فكان ذلك رأفة ورحمة بالمؤمنين حيث كشف لهم أعداءهم , وتحويل القبلة رأفة ورحمة بالنبى صلى الله عليه وسلم حيث كان يقلب وجهه فى السماء راجياً أن يحول إلى البيت الحرام لما كان اليهود يقولون : يخالفنا , ويتبع قبلتنا , كما أنها قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام , ولأنها أقدم القبلتين , وأدعى للعرب للإيمان ([87]) قال تعالى : (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ... ) فذكر الرأفة والرحمة هنا مما هو مناسب للسياق والسباق تمام المناسبة ؛ لأن الرأفة : هى المبالغة فى الرحمة , ولذلك قدمت على " رحيم " فالرأفة مبالغة فى رحمة خاصة , وهى رفع المكروه , وإزالة الضرر كما يشير إليه قوله تعالى : (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ... ) [ النور : 2 ] أى لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما . والرحمة أعم منه,ومن الأفضال . ودفع الضرر أهم من جلب النفع ([88]) فالرؤوف : فعول , ومعناه : المبالغة فى الرحمة . فالرحيم أعم , والرؤوف أبلغ ؛ ولذلك جمع بينهما لإثبات المعنيين , وبدأ بالأبلغ , وختم بالأعم ([89])

ويرى بعض المفسرين أن تقديم الرأفة على الرحمة لأن الرأفة عبارة عن إيصال النعم الصافية عن الآلام , والرحمة إيصال النعم مطلقاً , وقد يكون مع الألم ([90]) وذكر الناس قبل الرأفة والرحمة ليفيد العموم , أى بالناس الذين هم أعم من المؤمنين وغيرهم ممن ينوسون ([91]) بين حال الهدى والفتنة . ولذلك جاء بالرأفة بعد ذلك , أى فيرحم من يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به . فإن الرأفة كما قال الحرالى : عطف العاطف على من يجد عنده منة وصلة , فهى رحمة ذى الصلة بالراحم . قال : والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم , وذلك مقتض لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها . قال البقاعى : ويجوز أن يكون تعليلاً للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتى رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس ؛ لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم المصلح ([92])
فالرؤوف والرحيم مما يناسب السياق كما سبق , ويلتحم مع الغرض تمام الالتحام . وهنا جاء سبب النزول فى الآية متفق مع المعنى والنظم , وذلك مظهر من مظاهر الإعجاز والدقة والإبداع فى النظم القرآنى .

ومن ذلك قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [ آل عمران : 77 ] " فلقد روى الشيخان وغيرهما أن الأشعث قال : كان بينى وبين رجل من اليهود أرض فجحدنى فقدمته إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : " ألك بينة " ؟ قلت : لا , فقال لليهودى : " احلف " فقلت : يا رسول الله إذن يحلف فيذهب مالى , فأنزل الله : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ...) إلى آخر الآية . وأخرج البخارى عن عبد الله بن أوفى أن رجلاً أقام سلعة له فى السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت هذه الآية ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ...) . وأخرج ابن جرير عن عكرمة : أن الآية نزلت فى حيى بن أخطب , وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله فى التوراة وبدلوه وحلفوا أنه من عند الله . قال الحافظ ابن حجر : الآية محتملة , لكن العمدة ما ثبت فى الصحيح " ([93])
وكما يلاحظ أن هناك أكثر من سبب لنزول الآية . فبعض المفسرين كما سبق جعلها فى اليهود , وفى خيانتهم للعهد الذى أخذه الله عليهم من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم , وذكر صفته . وبعضهم جعلها فى المنفق سلعته بخداع المسلمين . وبعضهم جعلها فى قصة الأشعث وخصمه السابقة . ولا مانع من تعدد سبب النزول فى تلك الحالة ([94]) كما هو معلوم ومقرر عند العلماء , بل إن تعدد سبب النزول فى تلك الحالة مظهر من مظاهر الإعجاز فى النظم فوق الإعجاز الأول الخاص بسبب واحد ؛ حيث إن نزول الآية على أسباب متعددة مع انسجامها مع السياق , والتحامها فى النظم وارتباطها بالمناسبة من أجل مظاهر الإعجاز فى القرآن .

ونلمح ذلك بجلاء فى هذا الموضع الذى نحن بصدده . فإذا قلنا : إن الآية نزلت فى اليهود ونكثهم للعهد الذى أخذ عليهم من اتباع النبى صلى الله عليه وسلم , وبيان صفته فى كتبهم , وعدم كتمان ذلك – وهو فيما يبدو لى الوجه الأول من وجوه أسباب النزول فى الآية – لوجدنا أن السياق والنظم يتفقان مع هذا السبب , ويرتبطان بهذا المعنى تمام الارتباط ."حيث إن مناسبة هذه الآية إلى ما قبلها أن فى خيانة الأمانة إبطالاً للعهد , وللحلف الذى بينهم وبين المسلمين وقريش . والكلام استئناف قصد منه ذكر الخلق الجامع لشتات مساوئ أهل الكتاب من اليهود , دعا إليه قوله : (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ...) [ آل عمران : 69 ] , وما بعده " ([95])
ويقول الأصبهانى : " لما وصف الله اليهود بالخيانة في الأموال , والخيانة لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة , ذكر في هذه الآية وعيد من يقدم على الأيمان الكاذبة " قال السيوطى : قلت : وقد صح إنما نزلت فيمن حلف على حق اقتطعه , وذلك نوع من الخيانة , فذكره بقدر وصف اليهود بالخيانة ظاهر المناسبة . وفيه تحذير المسلمين من التلبس بالخيانة التى هى من أوصاف اليهود " ([96])

ولذلك جاء فى السياق القرآنى من العذاب الذى ينتظرهم ما يتناسب مع سوء صنيعهم . فقال : (أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ... ) أى لا نصيب لهم فيها , ولا حظ لهم منها (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ...) أى برحمة منه لهم بمعنى لا يكلمهم كلام لطف بهم " ([97]) (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ...) وذلك مجاز عن الاستهانة بهم , والسخط عليهم . تقول : فلان لا ينظر إلى فلان تريد نفى اعتداده به وإحسانه إليه ([98]) إذ قد شاع نفى الكلام فى الكناية عن الغضب , وشاع استعمال النظر فى الإقبال والعناية , ونفى النظر فى الغضب .

فالنظر المنفى هنا نظر خاص . وهاتان الكنايتان يجوز معهما إرادة المعنى الحقيقى ([99]) وفى مجئ هذا الوعيد عقب الصلة وهى (...يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...) الآية إيذان بأن من شابههم فى هذه الصفات فهو لا حق بهم حتى ظن بعض السلف أن هذه الآية نزلت فيمن حلف يميناً باطلة " ([100]) أما قوله : (...وَلَا يُزَكِّيهِمْ ... ) أى ولا يثنى عليهم , أو لا يزكيهم من الذنوب والأدناس , بل يأمر بهم إلى النار (...وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ([101])

فأتى هنا بذكر العقاب الذى يتناسب مع سوء صنيع اليهود . وهى شاملة لكل من استبدل بعهد الله , وما أمر به تعالى , وما يلزم الوفاء به ثمناُ قليلاً . وفى ذلك يقول الألوسى : " ولا مانع من تعدد سبب النزول [ أى فى اليهود وبائع السلعة ] كما حققوه . والمراد بـ " يشترون " يستبدلون , وبـ " العهد " أمر الله تعالى وما يلزم الوفاء به . وقيل ما عهده إلى اليهود فى التوراة من أمر النبى , وقيل ما فى عقل الإنسان من الزجر عن الباطل والانقياد للحق والإيمان ... ووصف ذلك بالقلة لقلته فى جنب ما يفوتهم من الثواب , ويحصل لهم من العقاب " ([102])

فكون الآية نازلة فى شأن اليهود , ومن بعدهم تبع لهم فيما يبدو لى هو ما يتناسب مع السياق والسباق ؛ فما قبلها من الآيات تناول الحديث عن أهل الكتاب فى مواضع متعددة بداية من مطلع السورة من أول قوله تعالى : (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ) [ آل عمران : 3] وقوله تعالى : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) [ آل عمران :19, 20 ] وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) [ آل عمران : 23- 25 ] وبعد ذلك جاء الحديث عن اصطفاء آدم , ونوح , وآل إبراهيم , وآل عمران على العالمين . وذلك فى قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) [ آل عمران : 33 ] ثم جاء الحديث بعد ذلك عن مريم , وعبادتها , وحملها بعيسى عليه السلام , ورسالته , ومعجزاته , وكونه مصدقاً لما بين يديه من التوراة ,وذلك إلى الآية (50), وما كان من شأنه مع اليهود , ورفع الله له , وشأنه عند الله , ودعوة النبى صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب إلى المباهلة فى شأن عيسى عليه السلام , وذلك إلى الآية (61) , وبعد ذلك دعوة أهل الكتاب إلى الكلمة السواء ثم بيان ما يتمناه أهل الكتاب من ضلال المؤمنين , وذلك إلى الآية (69) , وبعد ذلك حال اليهود فى الوفاء بالحقوق , وذلك عند قوله تعالى : (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)) ثم بعد ذلك الآية موضوع البحث . وما بعدها حديث عن تحريف أهل الكتاب للكتاب وليّهم للألسنة به , وذلك فى قوله تعالى : (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) ) إلى قوله تعالى : (قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)) إلى أن نصل إلى قوله تعالى : (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93))

ويلاحظ من خلال الآيات السابقة ارتباط النظم بسبب النزول , فما قبل الآية موضوع البحث جاء الحديث فيه عن أهل الكتاب متدرجاً فى أكثر من موضع كما سبق إلى أن وصل إلى الحديث على ليّهم للكتاب , وابتغائهم ديناً غير الإسلام مع إيمان المؤمنين بهذا الدين , وإقرار النبى به وبمن سبقه من الأنبياء كما سبق فى الآيات من (83 - 85 ) , وهكذا يسير النظم فى انسجام والتحام وتدرج . ولا نشعر أن سبب النزول خارج عن سياق الكلام ونظم الآيات , بل نراه نسيج واحد من أوله إلى آخره ؛ ولذلك نلاحظ أن ما جاء فى آخر الآية موضوع البحث من الحديث عن العذاب الذى ينتظرهم إنما جاء هذا الوعيد بما فيه من ألوان العذاب ليتناسب مع حالهم وسوء صنيعهم لما فعلوه بعدما بين الله لهم الكتاب على أيدى رسله , فطالما أعرضوا , وقتلوا الأنبياء , وحرفوا وبدلوا كتب السماء , فجاء فى هذه الآية بصنوف وألوان من العذاب تتناسب مع حالهم السابقة .

وكون هذه الآية نزلت في أهل الكتاب , وما بعدهم تبع لهم هو ما مال إليه أبو السعود حيث قال: " فسبب النزول فيها في أبى رافع , ولبابة بن أبى الحقيق , وحيى بن أخطب , حرفوا التوراة وبدلوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأخذوا الرشوة على ذلك . وقيل : نزلت فى الأشعث بن قيس حيث كان بينه وبين رجل نزاع فى بئر , وقيل فى رجل أقام سلعة فى السوق " ([103]) وهو ما مال إليه أيضاً شيخ زادة فى حاشيته على البيضاوى حيث يقول : " نزلت فى اليهود لما حرفوا نعت النبى صلى الله عليه وسلم فى التوراة ..." ([104]) ونقل الأقوال الأخرى بعد ذلك .

وهو ما ذهب إليه أيضا البقاعى كما يفهم من كلامه حيث يقول : " فالقصد من السورة : التوحيد , وإبطال ما ادعاه النصارى فى عيسى , والرد على أهل الكتاب , ومما يدل على أن القصد بها التوحيد تسميتها بـ " آل عمران " . وعن الآية موضع البحث يقول : " ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة , رواغة عن مضائق الأمانة , وكانت الخيانة تجر إلى الكذب بسط فى الإنذار فقال : ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ) أى يلجون فى أن يأخذوا على وجه العوض (بِعَهْدِ اللَّهِ ) أى الذى عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول الذى عاهدهم على الإيمان به , وذكر صفته للناس , وهو سبحانه أعلى و أعز من كل شئ , فهو محيط بكل شئ قدرة وعلماً (وَأَيْمَانِهِمْ ) أى التى عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل (ثَمَنًا قَلِيلًا ) فى الدنيا (أُولَئِكَ ) أى البعيدو الرتبة فى الدناءة(لَا خَلَاقَ ) أى نصيب ( لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ ) أى لبيعهم له بنصيب الدنيا ( وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ) أى الملك الأعظم استهانة بهم وغضباً عليهم بما انتهكوا من حرمته " ([105])

ومن ذلك قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) [ التوبة : 58 ] وهذه الآية يرتبط فيها سبب النزول ببلاغة النظم تمام الارتباط .

فسبب نزولها ما رواه البخارى ومسلم عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً , إذ جاءه ذو الخويصرة التميمى فقال : أعدل . فقال : " ويلك من يعدل إذا لم أعدل ؟ " فنزلت (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ) الآية ([106])

وسبب النزول هنا جاء منسجماً مع سياق الآية تمام الانسجام ([107]) فالتعبير بـ " اللمز " هنا مما يناسب حال هذا المنافق العائب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قسمة الصدقات , ولقد كان من المنافقين الأعراب . فاللمز كما قال العلماء : هو العيب , والطعن . واللماز : العياب . واللمز : الاغتياب , وتتبع المعاب , ويكون فى الوجه . وأصله الإشارة بالعين . وأصل معناه الدفع . ([108]) فاللمز ينطبق على صفات المنافقين تمام الانطباق , حيث كانوا يعيبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قسمته للصدقة , ويطعنون عليه فى وجهه , ويحاولون أن يتتبعوا المعايب كما تسول وتصور لهم أنفسهم أن هناك معايباً , فلقد كانوا ينظرون إلى فعل النبى صلى الله عليه وسلم بعين السخط لا الرضا ؛ ومن ثم جاء التعبير عن اللمز بصيغة المضارع إشارة إلى تجدد هذا اللمز منهم عند كل موقف فيه قسمة للمال ؛ لأنهم أحرص الناس على الدنيا ؛ ولذلك قال بعدها : (...فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا ...) ولكن رضاهم هو الرضا العابر لا رضا النفوس القريرة المطمئنة , حيث عبر عن رضاهم بالجملة الفعلية إشارة إلى عدم ثبوته ([109]) كما جاء التعبير عن السخط بالجملة الاسمية لأنه ثابت وملازم لهم . وقرنه بـ " إذا " الفجائية للإشارة إلى سرعة مفاجأتهم بالسخط , وعدم تأخيره , ودلت " إذا " الفجائية على أن سخطهم أمر يفاجئ العاقل حين يشهده ؛ لأنه يكون فى غير مظنة سخط , وشأن الأمور المفاجئة أن تكون غريبة فى بابها ([110]) فغاير سبحانه بين جوابى الجملتين إشارة إلى أن سخطهم ثابت لا يزول ولا يفنى بخلاف رضاهم ([111])

ولنتأمل كيف صور القرآن الحالة النفسية لهؤلاء المنافقين الساخطين الذين يظهر نفاقهم , وحقدهم , وسخطهم فى مواقف المال , والدنيا ؛ حيث إنها منتهى آمالهم , ومسرح نظرهم ([112]) وتأمل كيف جمع القرآن الكريم بين الرضا والسخط تصوير موقفهم وهم بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم . وهذه حال المنافقين فى كل زمان ومكان , فهم لا هم لهم ولا حظ إلا المنفعة الدنيوية التى تجلب رضاهم , وسعادة نفوسهم , وقرار عيونهم .

أما عن علاقة هذه الآية بما قبلها , فهى وثيقة الصلة بها , ومناسبة لها تمام المناسبة " فإنه لما قرر حال من يتخلف عن الجهاد – وربما بذل ماله فيه افتداءً – شرع فى ذكر من يشاركه فى الإنفاق والنفاق , ويخالفه . فقال : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ) الآية أى يعيبك فى ستر وخفاء " ([113])

وهذا يتفق أيضاً مع المقاصد العامة للسورة فى حديثها عن المنافقين , فمن أسمائها : " الفاضحة" ؛ لأن من افتضح كان أهلاً للبراءة منه , ومن أسمائها " البَحوث " ؛ لأنه لا يبحث إلا عن حال البغيض , و " المثيرة , والحافرة , والمخزية , والمهلكة , والمشردة , والمدمدمة ؛ لأنه لا يبعثر إلا حال العدو ... , والمقشقشة , وهو مضاعف القش الذى معناه الجمع ؛ لأنها جمعت أصناف المنافقين " ([114]) وقال الزمخشرى : " وهى تقشقش من النفاق أى تبرئ منه , وتبعثر عن أسرار المنافقين , تبحث عنها وتثيرها , وتحفر عنها , وتفضحهم , وتنكل وتشرد بهم , وتخزيهم , وتدمدم عليه " ([115]) والمنقرة حيث نقرت عما فى قلوب المشركين , والعذاب وكان عمر رضى الله عنه إذا ذكر له سورة براءة فقيل سورة التوبة قال : " هى إلى العذاب أقرب , ما كادت تقلع عن الناس , حتى ما كادت تبقى منهم أحد " ([116]) أما عن علاقتها بما بعدها , فلقد بينت الآية بعدها أن الصدقة إنما تكون للأصناف الثمانية المذكورة , فهى أحق الناس بالزكاة .

هذا ولقد امتد لمز هؤلاء المنافقين الساخطين إلى المؤمنين المطوعين بالصدقات أيضاً , حيث يقول تعالى : (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )[ التوبة : 79 ] وسبب نزول هذه الآية مرتبط ببلاغة النظم تمام الارتباط , وملتحم مع السياق تمام الالتحام . فسبب نزولها ما رواه الشيخان عن ابن مسعود لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا , فجاء رجل فتصدق بشئ كثير , فقالوا : مراءٍ , وجاء رجل فتصدق بصاع , فقالوا : إن الله لغنى عند صدقة هذا , فنزل (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ ... ) ([117])

إن اللمازين هنا هم من جنس اللمازين هناك ؛ ولذلك عرفهم بالاسم الموصول , وكأنه يشير إلى أن هؤلاء من رحم هؤلاء , وعلى شاكلتهم , فأولهم ذو الخويصرة الذى عاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قسمة الصدقة , وهؤلاء عابوا على المطوعين فى دفعهم للصدقة . وجاء التعبير بـ " المطوعين " مناسباً للسياق , وسبب النزول ([118])

فهؤلاء يعيبون على من يبذلون أموالهم تطوعاً وزيادة على المفروض عليهم ؛ لأن نفوسهم شحيحة بالخير , يعيبون عليهم الصدقات التى يخرجونها قليلها وكثيرها ([119]) . واللمز هناك فى الآية السابقة فى قسمتها , وهنا فى صفة آدائها , ومقدارها , والنية فيها ([120]) ولذلك عطف على (... الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ... ) وهو من عطف الخاص على العام ([121]) وتعبير القرآن عنهم بـ (... الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ...) تعبير دقيق مصور لحال هؤلاء , ومدى سعيهم فى الإنفاق حتى ولو لم يكن لهم شئ من المال إلا ما يسد رمقهم , ويدفع أودهم ([122])؛ ولذلك عبر عنهم بـ " المؤمنين " مقابلة لهؤلاء المنافقين , فهم ما دفعهم للتطوع بالصدقة فى القليل والكثير إلا الإيمان بالله الذى هو اليقين والتصديق بثوابه وجزيل عطائه سبحانه .

ولقد صور فعل هؤلاء المنافقين تصويراً حياً كأننا نراه , فلقد جاء عيبهم سريعاً بعد ما رأوا من المؤمنين المطوعين سرعة المبادرة إلى الصدقة بالقليل والكثير , فجاء بـ " الفاء " التى دخلت على الفعل المضارع فى قوله : (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ) إشارة إلى سرعتهم فى اللمز , والعيب , والسخرية , والاستهزاء , وإلى تجدد ذلك الفعل منهم , واستمراره , وتكرره , وهو ما ينسجم مع حال هذه النفوس الشحيحة بالخير , المستكثرة للبر من المؤمنين لربهم ؛ ولذلك كان الجزاء من جنس العمل فـ (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ... ) أى جازاهم على سخريتهم , فالجملة خبرية , والتعبير بذلك للمشاكلة . وإنما اختلفت اسمية (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) , وفعلية (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ... ) ؛ لأن السخرية فى الدنيا , وهى متجددة , والعذاب فى الآخرة , وهو دائم ثابت , والتنوين فى العذاب للتهويل والتفخيم ([123])

ومن ذلك قوله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ )[ الحج : 11] ففى سبب نزولها أخرج البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : " كان الرجل يقدم المدينة فيسلم , فإن ولدت امرأته غلاماً , ونُتِجَت خيله قال : هذا دين صالح , وإن لم تلد امرأته ذكراً , ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء , فأنزل الله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ) الآية ([124])

وهذه الآية الكريمة متفقة مع سبب النزول تمام الاتفاق , ومنطبقة على حال هؤلاء الشاكين المترددين تمام الانطباق . فلقد نزلت فى شأن قوم من الأعراب ([125]) لا ثبات لهم ولا قرار لهم فى الدين , وليس لهم من هم إلا ملء بطونهم , وما يستكثرون به من متاع الدنيا الزائل , لا رغبة فى الإسلام , ولا حرصاً على رضا الرحمن , ولا حباً فى الاهتداء إلى الخير والصواب .
ولقد جاءت هذه الآية الكريمة مجسدة , ومصورة لحال جشعهم , ولهفتهم على الدنيا , ومبينة لمدى الشك والتردد الكامنين فى نفوسهم , والتحير والقلق فى خطرات قلوبهم . فعبادتهم هشة , وتدينهم رقيق ضعيف , لا ثبات لهم على حق , ولا رسوخ لهم فى الإيمان ؛ حيث يتزعزع إيمانهم عند أدنى بلاء , ويختل ميزانهم عند أى فتنة .

وما أروع التعبير القرآنى الذى وصف , وصور , وجسد حال هؤلاء كأننا نشاهدهم رأى العين . فقوله تعال : ( وَمِنَ النَّاسِ ) إشارة إلى أنهم لا رصيد لهم من الإيمان , ولا حظ لهم من الإسلام , فهم كسائر الناس الذين لا يوصفون بإيمان ولا إسلام , وفى ذلك يقول البقاعى : " عبر بـ " الناس " الذى مدلوله الاضطراب والتردد " ([126]) وهم على خلاف من ذكر الله بعدهم فى قوله : (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) [ الحج : 14 ]

وجاء التصوير الدقيق لحالهم فى الدين , وموقعهم من الإيمان والعبادة بأنهم على حرف . والمقصود هنا هو الشك , والتردد , والتحير الذى ينتابهم , وليس هناك أدق فى التعبير عن شكهم وترددهم مما جاءت به الآية من التعبير بـ " الحرف " ؛ لأن هذا التعبير الذى جاء نكرة يصور حالتهم النفسية تصويراً دقيقاً كاملاً بما تشتمل عليه صدورهم من الحيرة , والشك , والتردد , والخوف , والضعف فى اليقين . " فهو تمثيل لحال المتردد فى عمله يريد تجربة عاقبته بحال من يمشى على حرف جبلٍ أو وادٍ , فهو متهيئ لأن يزل عنه إلى أسفله , فينقلب , أى ينكب " ([127])
" فالحرف هو طرف الشئ وجانبه سواء كان مرتفعاً كحرف الجبل والوادى , أم كان مستوياً كحرف الطريق . ويطلق على طرف الجيش , ويجمع على طِرَف بوزن عنب " ([128]) " فهؤلاء على طرف من الدين , لا فى وسطه وقلبه , وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب فى دينهم لا على سكون وطمأنينة , كالذى يكون على طرف من العسكر , فإن أحس بغنيمة قر واطمأن , وإلا فر وطار على وجهه " ([129])
ولذلك عبر عن حالهم بمن وقف على حرف , ولم يقل : على طرف , أو حافة , أو نحو ذلك ؛ ليشمل كل المعانى السابقة , فتكون الآية مستوعبة , وجامعة لكل أحوالهم فى الشك والتردد ([130]) قال أبو عبيدة : " كل شاك فى شئ فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم . وبيان هذا أن القائم على حرف الشئ غير متمكن منه شبه به الشاك ؛ لأنه قلق فى دينه على غير ثبات . ويوضحه قوله : (...فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ...) ([131]) " فجاءت الاستعارة التمثيلية كاشفة وموضحة لحال هؤلاء , وقوله : (...فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ...) تفسير لذلك وبيان لوجه الشبه . والمراد من الخير الدنيوى كالرخاء والعافية " ([132])

فتصوير حال الشاك والمتردد فى الدين بحال الواقف على حرف موافق للسياق والسباق تمام الموافقة . ونلاحظ دخول حرف الجر (عَلَى حَرْفٍ ) وقد جاءت (حَرْفٍ ) نكرة لتصور مدى الاستعداد الكامل للوقوع , والسقوط فى هاوية الضلال والخسران ([133]) كما أن التعبير عما أصابه بـ " الفتنة " مما يتلاءم مع السياق . فالفتنة هنا : اضطراب الحال , وقلق البال على حدوث شر لا مدفع له , وهو مقابل الخير ([134]) . ولقد جاء السياق بعد ذلك مكملاً لمعالم الصورة إكمالاً لبيان حال هؤلاء المتذبذبين , وذلك فى قوله تعالى : (... فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ...) , " ومعنى الاطمئنان : الاستقرار فى المكان , والمقصود : استمر على التوحيد فرحاً بالخير الذى أصابه . والانقلاب : مطاوع قلبه إذا كبه , أى ألقاه على عكس ما كان عليه بأن جعل أعلاه أسفله كما يقلب القالب – بفتح اللام – فالانقلاب مستعمل فى حقيقته , والكلام تمثيل . وتفسير الانقلاب بهذا المعنى هو المناسب لقوله : (عَلَى وَجْهِهِ ) أى سقط وانكب عليه , وحرف الاستعلاء ظاهر , وهو أيضاً الملائم لتمثيل أول حاله بحال من هو على حرف " ([135])

والتعبير بـ " الانقلاب " هنا مكمل لمعالم الصورة السابقة , والمقصود به الرجوع إلى الكفر ([136]) الذى يترتب عليه خسران الدنيا والآخرة " فهم مهيئون للانقلاب ([137]) , وذلك لكونهم على شفا جرف فسقط عن ذلك الطرف من الدين سقوطاً لا رجوع له بعده إليه , ولا حركة له معه , فإن الإنسان مطبوع على المدافعة بكل عضو من أعضائه عن وجهه , فلا يمكن منه إلا بعد نهاية العجز. والمعنى أنه رجع إلى الوجه الذى كان عليه من الكفر أو الشك رجوعاً متمكناً , وهذا بخلاف الراسخ فى إيمانه إن أصابته سراء شكر , إن أصابته ضراء حمد وصبر , فكل قضاء الله له خير .
ولما كان انقلاب هذا مفسداً لآخرته بما ناله من الوزر , وغير نافع له فى استدراك ما فاته من الدنيا كانت فذلكة ذلك قوله : (خَسِرَ الدُّنْيَا ...) أى بسبب أن ذلك لا يرد ما فاته منها , ويكون سبب التقتير عليه , وذهاب بركته " ([138])

وما أروع التعبير بقوله ( ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) حيث اجتمعت الإشارة إلى البعيد , مع ضمير الفصل , والقصر المستفاد من تعريف المسند الذى أوحى بأن الخسران المبين انحسر فى خسرانهم . والمقصود من القصر تحقيق الخبر , ونفى الشك فى وقوعه . وضمير الفصل أكد معنى القصر فأفاد تقوية الخبر المقصود ([139]) وجاءت الإشارة إلى البعيد فى قوله (ذَلِكَ ) إشارة إلى بعد هذا الخسران . فالإشارة هنا منسجمة مع الصورة الحسية التى صورت حالهم بمن وقف على شفا جرف هار, وانقلب على وجهه فوقع فى هوة سحيقة بعيدة القاع . فكل جزئية من جزئيات النظم قد ساعدت فى إكمال معالم الصورة الشائقة الرائعة لحال هؤلاء الناكثين على أعقابهم .

أما عن مناسبتها لما قبلها فى النظم , فإنه لما بين قسمى المصارحين بالكفر الكثيف والأكثف صريحاً , وأفهم المؤمن المخلص , عطف على ذلك المذبذب فقال : ( وَمِنَ النَّاسِ ) ([140]) ولما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه عقبه بذكر المنافقين ([141]) وما بعد الآية مناسبٌ لها فى السياق والنظم وملتحم مع السبب تمام الالتحام ؛ حيث جاء الحديث عن ضلال هؤلاء , وضلال من يدعونه من دون الله , وأنه لا يضرهم ولا ينفعهم , بل ضره أقرب من نفعه . وهو ما ينسجم مع حال المنافقين المذبذبين المنقلبين على أعقابهم إلى الكفر , قد خسروا الدنيا والآخرة . ثم جاء الحديث عن المؤمنين الثابتين الراسخين , وما أعد الله لهم من الجنات التى تجرى من تحتها الأنهار فى قوله (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) [ الحج : 14] وهكذا يمضى السياق القرآنى قد ارتبط فيه سبب النزول بالنظم , وانسجم مع السياق والسباق تمام الانسجام , مع ما اشتمل عليه من التصوير البارع , والوصف الدقيق الجامع لحال هؤلاء المنافقين الخاسرين .

وهؤلاء الذين صورت الآية حالهم من المنافقين فى المدينة . فسورة الحج من السور المدنية كما ذكر جمهور العلماء ([142]) وإن كان فيها من المكى والمدنى . فهى من أعاجيب سور القرآن كما قال عنها هبة الله بن سلامة : " هى من أعاجيب سور القرآن ؛ لأن فيها مكياً , ومدنياً , وحضرياً , وسفرياً , وحربياً , وسلمياً , وليلياً , ونهارياً , وناسخاً , ومنسوخاً . فأما المكى فمن رأس الثلاثين إلى آخرها . وأما المدنى فمن رأس خمس وعشرين إلى رأس ثلاثين منها . وأما الليلى فمن أولها إلى رأس خمس آيات . وأما النهارى فمن رأس خمس إلى رأس تسع . وأما السفرى فمن رأس تسع إلى اثنتى عشرة . وأما الحضرى فإلى رأس العشرين " ([143])

ومن ذلك قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) [ النور:6 – 9] فلقد أخرج البخارى من طريق عكرمة عن ابن عباس : أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء , فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : " البينة أو حد فى ظهرك " , فقال : يا رسول الله , إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة ؟ فجعل النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " البينة أو حد فى ظهرك " , فقال هلال : والذى بعثك بالحق إنى لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهرى من الحد , فنزل جبريل , فأنزل الله عليه : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ) فقرأ حتى بلغ : (إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) ([144])

وأخرج الشيخان , وغيرهما عن سهل بن سعد قال : جاء عويمر إلى عاصم بن عدى فقال : اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله, أيقتل به ؟ أم كيف يصنع ؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم , فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل فلقيه عويمر فقال ما صنعت ؟ قال : ما صنعت , إنك لم تأتنى بخير . سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب السائل , فقال عويمر : فوالله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه , فسأله فقال : " إنه أنزل فيك وفى صاحبتك " الآيات الحديث ([145])

ولقد اختلفت الأئمة فى سبب النزول فى هذه الآيات , فمنهم من رجح أنها نزلت فى شأن عويمر , ومنهم من رجح أنها نزلت فى شأن هلال , ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال , وصادف مجئ عويمر أيضاً , فنزلت فى شأنهما معاً , وإلى هذا جنح النووى وتبعه الخطيب فقال : لعلهما اتفق لهما ذلك فى وقت واحد . قال ابن حجر : " ولا مانع أن تتعد القصص ويتحد النزول ... ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبى صلى الله عليه وسلم بالحكم ؛ ولهذا قال فى قصة هلال : فنزل جبريل , وفى قصة عويمر : " قد أنزل الله فيك ..." ويؤيده حديث أنس عند أبى يعلى قال : " أول لعان كان فى الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته " الحديث , وجنح القرطبى إلى تجويز نزول الآية مرتين . وكانت هذه القصة فى شعبان سنة تسع من الهجرة منصرف النبى صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة كما قال القرطبى " قال ابن عاشور : " والتحقيق أنهما قصتان حدثتا فى وقت واحد أو متقارب "([146]) ولقد نزلت هذه الآيات الكريمات فى أوائل سورة النور , وهى آيات منسجمة مع سبب النزول , ومع المقصد العام للسورة , ومع السياق تمام الانسجام .

فسورة النور من السور المدنية , " ومقصودها ذكر أحكام العفاف والستر " ([147]) ," ومقصودها مدلول اسمها المودع قبلها المراد منه أنه تعالى شامل العلم اللازم منه تمام القدرة , اللازم منه إثبات الأمور على غاية الحكمة , اللازم منه تأكيد الشرف للنبى صلى الله عليه وسلم , اللازم منه شرف من اختاره لصحبته على منازل قربهم واختصاصهم به , اللازم منه غاية النزاهة والشرف والطهارة لأم المؤمنين عائشة رضى الله عنها التى مات النبى صلى الله عليه وسلم وهو عنها راض وماتت هى رضى الله عنها صالحة محسنة , وهذا هو المقصود بالذات , ولكن إثباته محتاج إلى مقدمات " ([148]) وقال ابن العربى : " فيها حجج وتوحيد , وفيها دلائل الأحكام , والكل آيات بينات , حجج العقول ترشد إلى مسائل التوحيد , ودلائل الأحكام ترشد إلى وجه الحق , وترفع غمة الجهل , وهذا شرف السورة " ([149])

وسورة النور أنارت طريق المؤمنين , وبصرتهم بالهدى والصواب فى معاملة الزناة , وفى أحكام الملاعنة , وفى حادثة الإفك , وفى التعامل مع محبى الفتن والشائعات , وفى آداب الاستئذان وفى غض البصر والعفاف , وغيرها من الأحكام .

والآيات موضوع سبب النزول متفقة مع المقصد العام للسورة , ومع سبب النزول الذى جاءت بصدده , فنالت المناسبة من الجهتين , فتمت المناسبة على أكمل الوجوه . فسواء كان سبب النزول واقعة الملاعنة الثابتة فى الصحيح لعويمر العجلانى , أو لهلال بن أمية على ما مضى من الخلاف السابق , فذلك لا يؤثر فى سبب النزول من ناحية ارتباطه بنظم القرآن ؛ لأن الواقعتين فى المعنى واقعة واحدة , ويجمع بينهما بطرق الجمع التى سبق ذكرها .

ومما تجدر الإشارة إليه أن تعدد القصص , واتحاد النزول لمن أبرز الأدلة على الإعجاز , ودقة النظم وروعته , وإحكامه ؛ حيث يكون نزول الآيات فى هذه الحال عند احتياج الناس إلى النور الذى يكشف لهم عن الحكم فيما وقع من أحداث , ويبصرهم بأمور دينهم , فيكون القرآن بذلك ملتصقاً تمام الالتصاق بحياة الناس وشؤونهم , وما يدور فى نفوسهم , وفى خلجات صدورهم ([150])

ولقد جاءت الآيات موضوع البحث عقيب الحديث عن رمى المحصنات , " وهو تخصيص للعمومين اللذين فى قوله : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ... ) [ النور : 4 ] ([151]) فإن من المحصنات من هن أزواج لمن يرميهن فخص هؤلاء الذين يرمون أزواجهم من حكم قوله : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) الخ إذ عذر الأزواج خاصة فى إقدامهم على القول فى أزواجهم بالزنى إذ لم يستطيعوا إثباته بأربعة شهداء " ([152]) " فلما بين الله سبحانه حكم قاذف الأجنبيات بالزنى , وذكر أنه لا يعفى القاذف عن العقوبة إلا إذا أتى بأربعة شهداء ... ذكر هنا ما هو فى حكم الاستثناء من ذلك , وهو قذف الزوجات فإن الزوج القاذف يعفى من الحد إذا شهد الشهادات المبينة فى الآية ؛ لأن فى تكليف الزوج إحضار الزوج إعناتاً وإحراجاً , ولما يلحقه من الغيرة على أهله ثم كظم الغيظ إذ لم يجد مخلصاً من ضيقه " ([153])

ولقد جاءت الآيات المحكمات بنظمها المعجز منسجمة مع الوقائع والأحداث تمام الانسجام , وجاءت مبينة وجوه التصرف فى مثل هذه المواقف الصعاب . وقد جسدت الحالة النفسية التى يكون عليها الأزواج فى مثل هذه المواقف كما وضعت المخرج والعذر فى هذه المآزق للأزواج ([154]) وجاء تعبيرها موافقاً للغرض العام , والناحية النفسية والاجتماعية لكل الناس . ففى الملاعنة وفق ما قررته الآية راحة للزوج الموتور , ونجاة ومخرج للزوجة المتهمة . وفى جعل اليمين شهادة إقرار أمام المجتمع ليرتاح كل من الزوجين فى مثل هذا الموقف العصيب . وإلى الآيات لننظر كيف التحم فيها النظم مع سبب النزول.

فلقد بدأت الآية بقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ...) حيث صورت اتهام الرجل لزوجته بالزنى بـ " الرمى " فهو يدفع فى وجهها بالاتهام بالزنى بقوة حيث لا يملك من الشهود ما يثبت دعواه عليها , كما أن فى هذا الاتهام إيلاماً للزوج يشبه ألم الرمى فى تأثيره ؛ لأنه اتهام فى أعز ما تملك , وهو شرفها وعرضها ([155]) ويشهد لذلك سبب النزول كما فى قصة هلال بن أمية حين قال لما طالبه النبى صلى الله عليه وسلم بالبينة أو الحد فى ظهره : " والذى بعثلك بالحق إنى لصادق , ولينزلن الله ما يبرئ ظهرى من الحد " الحديث ولذلك جعل له بعد ذلك الشهادات الأربع مقام الشهود إنه لمن الصادقين (وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِن الْكَاذِبِينَ ) " وتسمية القرآن أيمان اللعان شهادة يومئ إلى أنها لرد دعوى , وشرط ترتب الدعوى على آثار أن تكون محققة ... فلما تعذر على الأزواج إلفاء الشهادة فى مثل هذا الحال , وعذرهم الله فى الادعاء بذلك ولم يترك الأمر سبهللاً , ولا ترك النساء مضغة فى أفواه من يريدون التشهير بهن من أزواجهن لشقاق أو غيظ مفرط , أو حماقة , كلف الأزواج شهادة لا تفسر عليهم إن كانوا صادقين فيما يدعون . فأوجب عليهم الحلف بالله أربع مرات لتقوم الأيمان مقام الشهود الأربعة المفروضين للزنا فى قوله : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ... ) وسمى اليمين شهادة لأنه بدل منها , فهو مجاز بعلاقة الحلول الاعتبارى , وأن صيغة الشهادة تستعمل فى الحلف كثيراً , وهنا جعلت بدلاً من الشهادة , فكأن المدعى أخرج من نفسه أربعة شهود هى تلك الأيمان الأربع " ([156])

ولما كان الرجل رامياً للمرأة بهذه التهمة الشنيعة التى عبر عنها بالرمى كناية عن القذف ([157]) واستعارة للشتم بفاحشة الزنا ([158]) عبر عن ما يدفع عنها الحد بما يناسب هذه الصورة الدقيقة , وهو الدرء حيث قال : (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ ...) والدرء هو الدفع بقوة , واستعير هنا للإبطال ([159]) ونلمح فى اختيار الفعل( يَدْرَأُ ) الذى جاء بصيغة المضارع ليدل على تطلب الحيلة لدفع الحد عن النفس([160]) فكما أن المرمى بسهم أو حجر يميل إلى جانب من الجوانب ليدفع عن نفسه ما رمى به فكذلك المرأة المتهمة بالزنا تدفع عن نفسها التهمة التى رميت بها . وهنا تناسبت الصورة , واكتملت أجزاؤها بين الرمى من الرجل , والدفع من المرأة إشارة إلى اجتهاد كل منهما فى هدفه . فالرجل يتهمها , وهى تدفع عن نفسها . وهى صورة منسجمة مع الحالة النفسية بكل من الزوجين تمام الانسجام , ومعبرة عن موقف كل منهما أدق تعبير .

هذا ولقد عبر بـ " الغضب " ([161]) على المرأة فى الشهادة الخامسة , و " اللعن " على الرجل فيها , ووراء ذلك أسرار دقيقة . فلقد خصها بـ " الغضب " تغليظاً عليها لكونها أصل الفجور ومنبعه بخيلائها , وإطماعها ؛ ولذلك كانت مقدمة فى الجلد ([162]) والغضب أشد من اللعنة ؛ لأن اللعنة مطلق الطرد من الرحمة , والغضب : الطرد من الرحمة مع إرادة الانتقام ؛ ولأن النساء يكثرن اللعن فى العادة فربما تجترئ على التفوه به لسقوط وقعه فى قلوبهن بخلاف الغضب ([163]) " كما أن الغضب أبلغ من اللعن الذى هو الطرد ؛ لأنه قد يكون بسبب غير الغضب. وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يعضد الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق معذور فيما رماها به , وهى تعلم صدقه فيما رماها به ؛ ولهذا كانت الخامسة فى حقها أن غضب الله عليها . والمغضوب عليه هو الذى يعلم الحق ثم يحيد عنه " ([164]) فهى مادة الفساد , وهاتكة الحجاب , فكان عليها من التغليظ أشد مما على الرجل([165]) ولقد ختمت الآيات بما يتناسب مع هذه الأحكام تمام المناسبة .

والآية موضوع سبب النزول متفقة مع ما بعدها تمام الاتفاق , ومرتبطة بها تمام الارتباط فكما يقول الرازى : " واعلم أنه سبحانه لما بين حكم الرامى للمحصنات والأزواج على ما ذكرنا , وكان فى ذلك من الرحمة والنعمة ما لا خفاء فيه ؛ لأنه تعالى جعل باللعان للمرء سبيلاً إلى مراده , ولها سبيل إلى دفع العذاب عن نفسها , ولهما سبيل إلى التوبة والإنابة ؛ فلأجل هذا بين تعالى بقوله : (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ...)[ النور : 10 ] عظم نعمه فيما بينه من هذه الأحكام , وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة . ولا شبهة فى أن فى الكلام حذفاً ؛ إذ لابد من جواب , إلا أن تركه يدل على أمر عظيم لا يكتنه , ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق " ([166])

وإذا تأملنا فى الفاصلة التى ختمت بها الآية وجدناها تتفق مع السياق والسباق تمام الاتفاق , وتتصل بسبب النزول تمام الاتصال فلقد ختمت الآية بقوله (...وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ) حيث يتوب على من تاب من ذنبه , وفى مثل هذا الموقف العصيب الذى يتطلب التوبة ممن أسرف على نفسه ووقع فى المعصية وقد ستره الله عز وجل , كما أنه سبحانه قد قضى بحكمته بما يستر على الزوجة فى هذا الشأن , ويحفظ عرضها من الذم , كما قضى بما يريح الزوج الغاضب , ويحفظ له كرامته دون أن يكون هناك تشهير أو تعيير أو قذف يكون سبة فى رقبة صاحبه بين الناس , فأوجد المخرج للزوجين كليهما من هذه الضائقة بحكمته الدقيقة , ورحمته الواسعة , وبما شرع من أحكامه الساترة للناس .
وعن الفاصلة السابقة , وما تنطوى عليه من أسرار يقول القاسمى " وردت الفاصلة فى غير هذا الموضع بـ (...تَوَّابٌ رَحِيمٌ )([167]) فعلام فصلت هنا بـ ( تَوَّابٌ حَكِيمٌ ) مع أن التوبة مع الرحمة فيما يظهر ؟ والجواب : أن الله عز وجل حكم بالتلاعن على الصورة التى أمر بها , وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده , وذلك حكمة منه . ففصلت هذه الآية بـ ( تَوَّابٌ حَكِيمٌ ) إثر بيان الحكم جمعاً بين التوبة المرجوة من صاحب المعصية , وبين الحكمة فى سترها على تلك الصورة . فافهم ذلك أشار له ابن الأثير فى المثل السائر " ([168]) ويقول ابن عاشور عن هذه الآية إنها " تذييل لما مر من الأحكام العظيمة المشتملة على التفضل من الله والرحمة منه , والمؤذنة بأنه تواب على من تاب من عباده , والمنبئة بكمال حكمته تعالى إذ وضع الشدة موضعها والرفق موضعه , وكف بعض الناس عن بعض , فلما دخلت تلك الأحكام تحت كل هذه الصفات كان ذكر الصفات تذييلاً ... و حذف جواب (َلَوْلَا) للتفخيم والتعظيم , وحذفه طريقة لأهل البلاغة , وقد تكرر فى هذه السورة ... والتقدير : ولولا فضل الله عليكم فدفع عنكم أذى بعضكم لبعض بما شرع من الزواجر لتكالب بعضكم على بعض , ولولا رحمة الله بكم فقدر لكم تخفيضاً مما شرع من الزواجر فى حالة الاضطرار والعذر لما استطاع أحد أن يسكت على ما يرى من مثار الغيرة , فإذا باح بذلك أخذ بعقاب , وإذا انتصف لنفسه أهلك بعضاً أو سكت على ما مثله يغضى , ولولا أن الله تواب حكيم لما رد على من تاب فأصلح ما سلبه منه من العدالة وقبول الشهادة " ([169])

فالآية التالية للآيات موضع سبب النزول , وما بعدها متناسبة مع السياق والمعنى أروع مناسبة وهكذا تتراحم الآيات , وتتآلف المعانى فيما بينها , وتتدفق فى وحدة فريدة , وتناغم سلس دقيق, وذلك آية من آيات الإعجاز فى النظم القرآنى , فكل آية من آياته حبة من لؤلؤ فى عقد نظيم (...وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) [ النساء 82 ]

ومن ذلك قوله تعالى : (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ) [ فصلت : 22] وسبب نزول الآية ما أخرجه الشيخان , وأحمد , والترمذى , وغيرهم عن ابن مسعود قال : " اختصم عند البيت ثلاثة نفر : قرشيان وثقفى , أو ثقفيان وقرشى . فقال أحدهم : أترون الله يسمع ما نقول ؟ فقال الآخر : يسمع إن جهرنا , ولا يسمع إن أخفينا , وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا فأنزل الله : ( وَمَا كُنْتُمْ تسْتَتِرُونَ ) الآية . وفى رواية مسلم عن عبد الله : كنت مستتراً بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر كثير شحم بطونهم , قليل فقه قلوبهم , قرشى وختناه ثقفيان , أو ثقفى وختناه قرشيان , فتكلموا بكلام لم أفهمه ... وذكر الكلام السابق إلى أن قال : فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه ([170])

وهذه الآية الكريمة فى سورة فصلت , وهى من السور المكية . والآية وثيقة الصلة بسبب النزول لمن تأمل . فهؤلاء المشركون الذين كانوا يستخفون بكلامهم عند بيت الله , ويتجاذبون أطراف الحديث حول سماع الله لكلامهم , غافلين عن أن الله سبحانه فوق علمه بما يسرون وما يعلنون سيجعل عليهم شاهداً من جوارحهم , وجلودهم ([171]) بما كانوا عاملين .

جاءت الآية فى هذا السياق كاشفة عن ما فى نفوس هؤلاء من ظنون حول علم الله بأعمالهم وكلامهم , وعن ما يدور فى خلجات صدورهم من شكوك حول سماع الله لكلامهم وحديثهم . وهذا أمر مبنى على إنكارهم للبعث والجزاء يوم القيامة . ومما هو معلوم أن الآيات التى نزلت على أسباب محددة لا تقتصر عليها , وإنما هى عظة وعبرة للناس فى كل زمان ومكان , فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم ومقرر . فهى شاملة لكل من كان على حال هؤلاء ممن يظن هذا الظن حول علم الله بما أسر من كلامه وأخفى .

وظاهر السياق حين نربط الآية بسبب النزول يوحى بأن الآية فى موضوع مختلف عما قبلها وعما بعدها , ولكن عند التأمل الدقيق يتضح لنا مدى الارتباط والتناسب بينها وبين ما قبلها وما بعدها . فالسورة مكية كما سبق , وسبب النزول فيها يوضح موقفاً لأناس من المشركين فى ذلك الوقت قبل أن يسلم بعضهم . ومن هنا اختلفت عبارات العلماء حول ربطها بما قبلها وما بعدها . فقال ابن عطية : " يشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة , فالآية مدنية , ويشبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلاً بها عند إخبار عبد الله إياه " ([172])

"وكلامه الأول مخالف لما جزم به هو وغيره من المفسرين من أن السورة كلها مكية ([173]) وأحسن ما فى كلامه هو الطرف الثانى وهو أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلاً بها فإن ذلك يؤول قول ابن مسعود فأنزل الله تعالى الآية , ويبين وجه قراءة النبى إياها عندما أخبره ابن مسعود بأنه قرأها تحقيقاً لمثال من صور معنى الآية , وهو أن مثل هذا النفر ممن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم , وذلك قاض بأن هؤلاء النفر كانوا مشركين يومئذ , والآية تحق على من مات منهم كافراً مثل ربيعة بن أمية بن خلف . فيجوز أن يكون نزولها صادف الوقت الموالى لنزول التى قبلها , ويجوز أن تكون نزلت فى وقت آخر , وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضعها فى موضعها هذا لمناسبة ما فى الآية التى قبلها من شهادة سمعهم وأبصارهم "([174])

وأياً كان الأمر فالآية مناسبة لحال هؤلاء المشركين الجاحدين لعلم الله بأعمالهم . ونلمح هنا فى نظم الآية مدى الروعة والمناسبة حيث أبرزت وجسدت لنا ما يدور فى نفوسهم من ظنون , وما يظنونه حول علم الله بأعمالهم التى كانوا لها عاملين .

ومن هنا اختلفت وجهات المفسرين فى تفسير ناحيتين : الأولى : من الذى يقول لهم ذلك ؟ الثانية : معنى الآية . أما عن الأولى : فلقد ذكر بعض المفسرين فى قوله تعالى وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) "يحتمل أن يكون من كلام الجلود ومحاورتها , ويحتمل أن يكون من كلام الله لهم , أو من كلام ملك يأمره الله تعالى " ([175]) أما عن الناحية الثانية : وهى المعنى فلقد اختلفت نظرات المفسرين فيه . فقال ابن عطية : " قوله : (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) المعنى يحتمل وجهين : أحدهما : أن يريد وما كنتم تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن المعاصى والكفر خوف أن يشهد أو لأجل أن يشهد ولكن ظننتم أن الله لا يعلم فانهملتم وجاهرتم . والمعنى الثانى : أن يريد وما كنتم تمتنعون , ولا يمكنكم , ولا يسعكم الاختفاء عن أعضائكم , والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم , ولا تظنون أنها تصل بكم إلى هذا الحد " . وقال ابن كثير : " أى تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم : ما كنتم تتكتمون منا الذى تفعلونه , بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصى , ولا تبالون منه فى زعمكم لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم " ([176])

والراجح ما ذكره صاحب الكشاف , وغيره من المفسرين , حيث يقول صاحب الكشاف : " والمعنى أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش , وما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم ؛ لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم , بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلاً , ولكن استترتم لظنكم ( أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ) , وهو الخفيات من أعمالكم " وقال أبو السعود : " ...أى ما كنتم تستترون فى الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم بذلك كما كنتم تستترون من الناس مخافة الافتضاح عندهم , بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء رأساً (وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ ) من القبائح المخفية فلا يظهر فى الآخرة ولذلك اجترأتم على ما فعلتم , وفيه إيذان بأن شهادة الجوارح بإعلامه تعالى حينئذ لا بأنها كانت عالمة بما شهدت به عند صدوره عنهم "([177])

أما عن ارتباط هذه الآية بما قبلها وما بعدها , فهى مرتبطة بهما تمام الارتباط . فما قبلها حديث عن أهل النار حين حشرهم إليها (... فَهُمْ يُوزَعُونَ ) [ فصلت : 19 ] ( أى يحبس أولهم على آخرهم , ويستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم ليتلاحقوا ويجتمعوا , وهى عبارة عن كثرة أهل النار )([178]) , ومجيئهم إليها , وشهادة سمعهم , وأبصارهم , وجلودهم عليهم , وسؤالهم لجلودهم عن سبب شهادتها عليهم , ثم الآية التى معنا , وهى أنهم ما كانوا يظنون أن تشهد عليهم ؛ لأنهم ما كانوا عالمين بذلك , وما كان استتارهم خوفاً من ذلك , ولكن ظنوا أن الله لا يعلم كثيراً مما يعملون . وما بعدها متمم لنتيجة ظنهم حيث أوردهم المهالك , وأوقعهم فى أسوأ الأحوال , فلا مفر لهم صبروا أو استعتبوا . (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ )[ فصلت : 24 ] وإن يطلبوا الرضا من الله عنهم , وأن يرجع بهم إلى ما أحبوا لم يكن لهم ذلك , فالنار مثواهم فى حال صبرهم , وفى حال جزعهم , وما هم من المعتبين إذا استعتبوا ربهم .

ونلمح هنا سر لطيف فى تخصيص الحواس المذكورة بالذكر ( السمع , والبصر , والجلود ) دون باقى الحواس , وقد أشار إلى ذلك الرازى فقال : " الحواس خمسة : السمع , والبصر , والشم , والذوق , واللمس , ولا شك أن آلة اللمس هى الجلد , فالله تعالى ذكر هنا من الحواس (السمع , والبصر , واللمس ) وأهمل ذكر نوعين وهما ( الذوق , والشم ) ؛ لأن الذوق داخل فى اللمس من بعض الوجوه ؛ لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان والحنك مماسة لجرم الفم , فكان هذا داخلاً فيه . فبقى حس الشم , وهو حس ضعيف فى الإنسان , وليس لله فيه من تكليف ولا أمر ولا نهى ..." ([179]) أما عن تخصيص الجلود بالسؤال , فكما يقول الشوكانى : " وجه تخصيص الجلود بالسؤال لأنها اشتملت على ثلاث حواس , فكان تأتى المعصية من جهتها أكثر "([180]) وقال الألوسى : " وأولى ما قيل من أوجه التخصيص أن المدافعة عن الجلود أزيد من المدافعة عن السمع والبصر , فإن الإنسان الواحد لو جزئ لزاد على ألف سمع وبصر , وهو يدافع عن كل جزء , ويحذر أن يصيبه ما يشينه , فكانت الشهادة من الجلود عليهم أعجب وأبعد عن الوقوع " ([181])

هذا ولقد جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تفسر هذه الآية فمن ذلك ما أخرجه عبد الرزاق , وابن المنذر , وابن أبى حاتم , والحاكم وصححه , والبيهقى فى البعث عن معاوية بن حيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تحشرون هاهنا وأومأ بيده إلى الشام مشاة وركباناً , وعلى وجوهكم , وتعرضون على الله وعلى أفواهكم الفدام , وأول ما يعرب عن أحدكم فخذه وكتفه " وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ ) ([182]) وروى مسلم عن أنس رضى الله عنه قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك , فقال : " هل تدرون مما أضحك ؟ قال : قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : " من مخاطبة العبد ربه " يقول : يا رب ألم تجرنى من الظلم ؟ قال : " يقول : بلى " قال : فيقول : فإنى لا أجيز على نفسى إلا شاهداً منى . قال : فيقول : " كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً , وبالكرام الكاتبين عليك شهوداً " . قال : " فيختم على فيه , فيقال لأركانه : " انطقى " . قال : فتنطق بأعماله , ويخلى بينه وبين الكلام . قال : فيقول : بعداً لكن وسحقاً , فعنكن كنت أناضل " ([183]) وأخرج أحمد وأبو داود الطيالسى , وعبد بن حميد , ومسلم , وأبو داود , وابن ماجة , وابن حبان , وابن مردويه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى , فإن قوماً أرداهم سوء ظنهم بالله , فقال الله : (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[ فصلت : 23 ] ([184])

ومن خلال ما سبق يتضح أن الآية الكريمة موضوع البحث تتفق مع سبب النزول , وترتبط به ارتباطاً وثيقاً , كما أنها تشمل كل من كان على شاكلة هؤلاء المشركين الشاكين فى علم الله بهم , ولقد بينت الأحاديث السابقة التى سقناها ما يشهد لعموم الآية فى كل من كان على شاكلة هؤلاء الكافرين الغافلين . وفى الحديث قبل الأخير والذى رواه مسلم تفصيل للحوار الذى سيدور بينهم وبين ربهم يوم القيامة , وطلبهم لشاهد عليهم من أنفسهم , وهذا بعد خروجهم من القبور , ووقوفهم للحساب بين يدى الله عز وجل , وفى ذلك تحقيق لقول الله عز وجل (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )[ فصلت : 21 ]

ونلمح كيف يمتد الإعجاز القرآنى , وتتسع الآية فى معناها ومضمونها لتشمل الأحياء من المشركين فى وقت نزول الآية , وتشمل من يأتى بعدهم ممن سلك سبيلهم , وما يقال لهم يوم القيامة وما يجيبون به . وذلك مظهر من مظاهر العظمة فى نظم القرآن , حيث تتضمن الحديث عمن مضى , ومن سيأتى إلى يوم القيامة , وذلك فضلاً عما فى تصويره الدقيق للحوار الذى سيدور بين هؤلاء الكافرين وبين جلودهم يوم القيامة . فتأمل كيف ربط النظم القرآنى المعجز بين الماضى , والحاضر , والمستقبل كأنها رأى العين , وكيف طابق الموضوع , وسبب النزول هنا اسم السورة " فصلت " تمام المطابقة ([185]) فليتأمل ! ([186])

ومن ذلك قوله تعالى خطاباً للنبى صلى الله عليه وسلم : (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17)فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) [ القيامة : 16-19]

فلقد أخرج أحمد , و البخارى , ومسلم , والترمذى , والنسائى , وابن جرير , والطبرانى , والبغوى , وابن أبى حاتم من طريق موسى بن أبى عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى حرك به لسانه يريد أن يحفظه , فأنزل الله : (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) الآية . هذا أحد ألفاظ البخارى , وله ولغيره ألفاظ أخرى بنحوه ([187]) فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى أحمد عن ابن عباس يعالج من التنزيل شدة , وكان يحرك شفتيه مخافة أن يذهب عنه ما يوحى إليه فنزلت الآية بسبب ذلك , وأعلمه الله تعالى أنه يجمعه له في صدره .

هذا ما صح في سبب نزول هذه الآيات , وهو ما ذهب إليه جمهور المفسرين في تفسير الآيات وهو من المواضع التى أشكلت على أعداء الإسلام من الزنادقة , وبعض قدماء الروافض, وأخذوا يطعنون - قبحهم الله ولعنهم - في مناسبة هذه الآيات لما قبلها وما بعدها , وزعموا أن القرآن قد غير وبدل فيه , ونقص عنه , ووقع فيه تحريف وتبديل ممن جمعه , وأن هذا الترتيب لو كان من الله تعالى لما كان الأمر كذلك ([188])

وهؤلاء الزنادقة ممن لم تشرب قلوبهم دقائق بلاغة القرآن الكريم , وفهم أسرار النظم في البيان الأعلى , ولم يفطنوا إلى المناسبات الخفية , والمقاصد الجليلة في ترتيب آى القرآن وسوره , وتناسق آياته , وتلاحم أجزائه . ولا كلام لنا مع من طبع على قلبه وعميت بصيرته واتبع هواه وصار كالأنعام بل هو أضل سبيلاً.فهم كما قال فيهم الشهاب الخفاجى :"وما عليك إذا لم تفهم البقر "
وإذا جئنا إلى الآيات وما فيها من مناسبة بين سبب النزول والنظم , اتضح لنا بجلاء صحة ما ذهب إليه جمهور المفسرين حول سبب النزول السابق , وارتباطه بالنظم والسياق . فالنبى صلى الله عليه وسلم كان يعانى من التنزيل شدة , وكان حريص أشد الحرص على الوحى خشية أن يتفلت منه شئ , وهذا من تجرده صلى الله عليه وسلم لكتاب الله وما يوحى إليه , ولأمانته على ما يوحى إليه , فكان الحبيب – فداه أبى وأمى - صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه منازعاً ومسابقاً جبريل عليه السلام في القراءة خشية أن يتفلت منه شئ من الوحى , فأمر أن ينصت له ملقياً إليه بقلبه وسمعه حتى يلقى إليه وحيه , كما قال تعالى : (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [ طه : 114] , ثم يقفيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه .

فجاءت هذه الآيات تعليماً من الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحى من الملك , فأمره الله إذا جاءه الملك بالوحى أن يستمع له , وتكفل له أن يجمعه في صدره , وأن ييسره لأدائه على الوجه الذى ألقاه إليه , وأن يبينه له ويفسره ويوضحه . فالحالة الأولى : جمعه في صدره . والثانية : تلاوته . والثالثة : إيضاح معناه . فمعنى قوله : (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ ) أى علينا جمعه في صدرك وحفظك , وتأليفه في صدر صدرك حتى لا يذهب منه شئ , و( وَقُرْآَنَهُ ) أى قراءته أى أن تقرأه وتثبت قراءته في لسانك , (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ) أى إذا تلاه عليك الملك عن الله عز وجل فاستمع له بذهنك وفكرك , وكن مقفياً له فيه , ثم اقرأه كما أقرأك , (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) أى بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا , فنفسر ما فيه من الحلال والحرام , وما أشكل عليك منه من المعانى والأحكام , ونبين ما فيه من المجمل . وقيل المعنى : علينا أن نبينه بلسانك , وسمى ما يشرح المجمل والمبهم من الكلام بياناً ؛ لكشفه عن المعنى المقصود إظهاره كما قال محمد الأمين الهررى في حدائق الروح والريحان([189])
هذا ولقد جاء تفصيل هذه الناحية , أى حفظ القرآن في قلب النبى صلى الله عليه وسلم , وفى فكره , وعلى لسانه , وبيان أنه لا ينسى ما أوحى الله عز وجل إليه ؛ لأن الوحى محفوظ بحفظ الله في قلبه وعقله في غير موضع من القرآن , فمن ذلك : قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر : 9] , وقوله تعالى وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ )[ الشعراء : 192 – 195], وقوله : (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ) [ الأعلى :6]. ففى هذه الآيات وفى غيرها ما يدل دلالة واضحة ومباشرة وصريحة على حفظ الله عز وجل للقرآن وبيانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم , وصيانته , وسلامته من التبديل والتغيير , ومن أن يتطرق إليه الوهم أو النسيان .
أما عن مناسبة الآيات, وما اشتملت عليه من سبب النزول للنظم , ولما قبلها , وما بعدها , فهو دقيق يحتاج إلى التأمل في السياق والمقام . ولقد ذكر المفسرون للمناسبة بين الآيات عدة وجوه , وسأذكر من هذه المناسبات ما يتفق مع السياق والمقام , والنظم ؛ وذلك قصداً للاختصار. فمن ذلك ما ذكره الرازى حيث يقول : " واعلم أن في بيان المناسبة وجوهاً : أولها : يحتمل أن يكون الاستعجال المنهى عنه إنما اتفق للرسول عليه السلام عند إنزال هذه الآيات عليه , فلا جرم نهى عن الاستعجال في هذا الوقت , وقيل له : (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) وهذا كما أن المدرس إذا كان يلقى على تلميذه شيئاً , فأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً , فيقول المدرس في أثناء ذلك الدرس : لا تلفت يميناً وشمالاً , ثم يعود إلى الدرس , فإذا نقل ذلك الدرس مع هذا الكلام في أثنائه , فمن لم يعرف السبب يقول : إن وقوع تلك الكلمة في أثناء ذلك الدرس غير مناسب , لكن من عرف الواقعة علم أنه حسن الترتيب . ثانيها : أنه تعالى نقل عن الكفار أنهم يحبون السعادة العاجلة , وذلك هو قوله : (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ )[ القيامة : 5 ] , ثم بين أن التعجيل مذموم مطلقاً حتى التعجيل في أمور الدين , فقال : (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) , وقال في آخر كلامه : (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ )[القيامة : 20 ] ... " ([190])

وقال الزمخشرى : " (كلا) ردع لرسول الله عن عادة العجلة , وإنكار لها عليه , وحث على الأناة والتؤدة , وقد بالغ في ذلك بإتباعه قوله : (... بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ) كأنه قال : بل أنتم يا بنى آدم لأنكم خلقتم من عجل , وطبعتم عليه تعجلون في كل شئ , ومن ثم تحبون العاجلة (وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ )[ القيامة :21] وقرئ بالياء وهو أبلغ . فإن قلت : كيف اتصل قوله : (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) إلى آخره بذكر القيامة ؟ قلت : اتصاله به من جهة هذا للتخلص منه إلى التوبيخ بحب العاجلة , وترك الاهتمام بالآخرة " ([191])

وقال أبو حيان : "يظهر أن المناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنه سبحانه لما ذكر منكر القيامة والبعث معرضاً عن آيات الله ومعجزاته , وأنه قاصد شهواته على الفجور , غير مكترث بما يصدر عنه , ذكر من يثابر على تعلم آيات الله تعالى وحفظها , وتلقنها , والنظر فيها , وعرضها على من ينكرها رجاء قبوله إياها ؛ ليظهر بذلك تباين من يرغب في تحصيل آيات الله , ومن يرغب عنها * وبضدها تتميز الأشياء " ([192])

وقال الألوسى :" يقول (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ ) تعميم الخطاب للكل كأنه قيل : بل أنتم يا بنى آدم لما خلقتم من عجل , وجبلتم عليه تعجلون في كل شئ ؛ ولذا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة . ويتضمن استعجالك ؛ لأن عادة بنى آدم الاستعجال , ومحبة العاجلة , وفيه أيضاً أن الإنسان وإن كان مجبولاً على ذلك إلا أن مثله عليه الصلاة والسلام ممن هو في أعلى منصب النبوة لا ينبغى أن يستفزه مقتضى الطباع البشرية , وأنه إذا نهى صلى الله عليه وسلم عن العجلة في طلب العلم والهدى فهؤلاء ودينهم حب العاجلة , وطلب الردى كأنهم نزلوا منزلة من لا ينجع فيه النهى , ومنه يعلم أن هذا متصل بقوله (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ )[ القيامة :5] فإنه ملوح إلى معنى (بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ) إلخ , وقوله : (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ) متوسط بين حبى العاجلة , حبها الذى تضمنه (بَلْ يُرِيدُ) تلويحاً , وحبها الذى آذن به (بَلْ تُحِبُّونَ) تصريحاً لحسن التخلص منه إلى المفاجأة والتصريح , ففى ذلك تدرج , ومبالغة في التصريح , والتدرج وإن كان يحصل لو لم يؤت بقوله سبحانه : (لَا تُحَرِّكْ ) إلخ في البين أيضاً إلا أنه يلزم حينئذ فوات المبالغة في التقريع , وأنه إذا لم تجز العجلة في القرآن وهو شفاء ورحمة فكيف فيما هو فجور وثبور , ويزول ما أشير إليه من الفوائد , فهو استطراد يؤدى مؤدى الاعتراض وأبلغ . وأطلق بعضهم عليه الاعتراض ... قال الطيبى : وأطلق بعضهم عليه الاعتراض بالمعنى اللغوى , وهو عندى بعيد لم يتفق مثله في النظم الجليل , ولا دليل لمن يراه على وقوع العجلة في أثناء هذه الآيات سوى خفاء المناسبة " ([193])

وقال إسماعيل البروسوى في روح البيان : ( لاح لى في سر المناسبة وجه لطيف أيضاً , هو أن الله تعالى بين قبل قوله : (لَا تُحَرِّكْ بِهِ ) إلخ جمع العظام , ومتفرقات العناصر التى هى أركان ظاهر الوجود , ثم انتقل إلى جمع القرآن وأجزائه التى هى أساس باطن الوجود , فقال بعد قوله : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ )[ القيامة : 3] (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ) [ القيامة :17] فاجتمع الجمع بالجمع , والحمد لله رب العالمين " ([194]) وقال ابن عجيبة : " ... وقيل : اعترض نزولها في وسط السورة قبل أن تكمل , فوضعت في ذلك المحل , كمن يسرد كتاباً ثم جاء سائل يسأل عن نازلة , فيطوى الكتاب حتى يجيبه , ثم يرجع إلى تمام سرده " ([195])

وقال الطاهر بن عاشور : " والذى يلوح لى في موقع هذه الآية هنا دون أن تقع فيما سبق نزوله من السور قبل هذه السورة : أن سور القرآن حين كانت قليلة كان النبى صلى الله عليه وسلم لا يخشى تفلت بعض الآيات عنه , فلما كثرت السور فبلغت زهاء ثلاثين حسب ما عده سعيد بن جبير في ترتيب نزول السور , صار النبى صلى الله عليه وسلم يخشى أن ينسى بعض آياتها , فلعله صلى الله عليه وسلم أخذ يحرك لسانه بألفاظ القرآن عند نزوله احتياطاً لحفظه وذلك من حرصه على تبليغ ما أنزل إليه بنصه . فلما تكفل الله بحفظه أمره أن لا يكلف نفسه تحريك لسانه , فالنهى عن تحريك لسانه نهى رحمة وشفقة لما كان يلاقيه في ذلك من الشدة " ([196])

ومن خلال ما سبق يلاحظ حرص المفسرين على مراعاة سبب النزول والتئامه مع النظم في الآيات وهو ملحظ مهم هنا ؛ نظراً لأن السياق هنا يحتاج إلى تأمل ؛ حيث إن فهم النظم القرآنى , ومعرفة المناسبات لا يكفى فيهما النظر إلى الآيات محل البحث والآيتين قبلها وبعدها , بل لابد من لمح مناسبات السورة كلها ومقاصدها كما نبه إلى ذلك العلماء عند الحديث عن " المناسبة " , وفهم سبب النزول في إطار المقاصد العامة للسورة , فهذا مظهر من مظاهر الإعجاز القرآنى في ترتيب الآيات لمن تأمل , وهو ما نعول عليه في حديثنا عند الكلام على الارتباط بين أسباب النزول واتساقها مع النظم القرآنى . وليس ذلك من قبيل التكلف في الربط بين أجزاء النظم , بل هو من قبيل ما أمرنا الله به من التأمل والتدبر في كتابه الذى أرشدنا إلى ما فيه من الكمال والروعة في النظم حيث قال تعالى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) [ النساء : 82]

وهنا ربط المفسرون بين سبب النزول الذى دل على حرص النبى على التعجل في حفظ القرآن ([197]) , وسرعة ترديده مخافة أن ينسى ما أقرأه جبريل عليه السلام منه , وهو من باب المسارعة إلى الكمال في إتمام العناية بالوحى , فنبه الحبيب حبيبه وهو على هذه الحال من الحرص على حفظ الوحى أن الذى أنزل عليه الوحى سيحفظه , ويجمعه في صدره , ويبينه على لسانه , فلا ينسى , ولا يلتبس , فلتتوجه طاقاته إلى التلقى والاستماع إلى قراءة جبريل عليه السلام , وهذا فيه من الدقة ما فيه لمن تأمل . فرسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع له في الوحى ناحيتان : الناحية البشرية في الاستماع والتلقى والتأمل في الوحى بما يملك من إمكانات البشر مع صفاء الباطن وطهارته . والناحية الإلهية : وذلك في الحفظ , والجمع , والتلاوة , والبيان . وذلك مما لا يدخل تحت طاقة النبى صلى الله عليه وسلم بحال , وإنما هو من صنع العليم القدير سبحانه فليتأمل !

وارجع البصر كرة ثانية لتتأمل في روعة الألفاظ التى جاءت في هذا السياق القرآنى , وهى ( الجمع , والقرآن , والبيان ) تجدها تلتحم مع الغرض والسياق تمام الالتحام , بل هى قمة البيان , والبرهان , وهى دليل آخر على مدى العناية التى أحاطت بهذا التنزيل , وكأن الأمر لا يقف عند مجرد الحفظ والترديد , لا , الأمر أكبر من ذلك , فهو جمع له في صدر الحبيب صلى الله عليه وسلم , وجمع له في الصحف كتابة , وقرآن متلو في الصلاة وفى غيرها عبادة , وبيان وتفسير للعمل و الهداية . وتأمل كيف جاء الضمير مسنداً إلى الحق سبحانه في قوله : (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ) ففيه المدح لجبريل عليه السلام , وأن ما جاء به من الوحى فهو من الله , فكأن النبى صلى الله عليه وسلم تلقاه عن الله , فجعل قراءة جبريل قراءته كما قال صاحب الكشاف , وفى ذلك مجاز للتعظيم . أهناك بيان أروع من هذا البيان ؟ أهناك إتمام للوحى أفضل من ذلك الإتمام ؟ اللهم لا . يقول شيخ زاده : " قوله ( قَرَأْنَاهُ ) من قبيل إسناد فعل المأمور إلى الآمر , والمعنى : إذا قرأ جبريل عليك بأمرنا , وفرغ من قراءته فاقرأه حينئذ , وكرر كيلا يتفلت منك , وكن تابعاً له في القراءة , ولا تقرأ معه " ([198])

والحديث عن هذه الثلاث الباهرات المعجزات حديث مفتوح مع الزمان بكل ما يحمل القرآن من دلائل البيان , والهداية , والجمع له في الصدور والسطور, والعمل به , والتعبد لله في كل مكان وزمان . وليس المقام مقام التفصيل لذلك . فبان لمن تأمل مدى الارتباط بين سبب النزول والنظم الجليل , ومدى اتفاق سبب النزول مع النظم , وذلك من خلال ما ذكره الرازى , وصاحب الكشاف وغيرهما . وما ذكره بعض المفسرين من أن هذه الآيات موضوع البحث في سبب النزول إنما جاءت على سبيل الاستطراد ([199]) , أو الاعتراض ([200]) , أو التخلص ([201]) , فكل ذلك مما لا يخرج عما نحن بصدده ؛ وذلك لأن هذه الفنون من أسباب المناسبة في القرآن بشكل عام , ومن طرائقها هى وغيرها : كالتنظير , والتضاد , والانتقال من حديث إلى آخر تنشيطاً للسامع , وحسن المطلب , وهو أن يخرج إلى الغرض بعد تقدمة الوسيلة ([202])

وفى النهاية فسبب النزول في الآيات منسجم مع النظم , ومتفق مع الغرض والمعنى العام للآيات لمن تأمل . واختلاف العلماء في توجيه المناسبة وتحديدها إنما يكون بحسب ما يلحظه كل مفسر من ارتباط بين المعانى في النظم , وما يلحظه من أسرار المناسبات في كتاب الله , وهو ميدان تتفاوت فيه القدرات والملكات بحسب ما يفتح الله لعباده من الفهم لأسرار كلامه , وإعجازه . ولا شك أن ما ذكره الرازى , وصاحب الكشاف , والبيضاوى وحواشيه حول المناسبة في الآيات أقرب إلى مناسبة السياق والسباق , وأدل على الغرض , وأكثر انسجاماً مع سبب النزول بخلاف ما ذكره القفال , وغيره . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء الله , والله ذو الفضل العظيم .
المبحث الثانى : مواضع أخرى من أسباب النزول
تبين من خلال الفصل السابق كيف يلتحم سبب النزول مع النظم القرآنى , وكيف تتناسب الآيات , ويقوى الارتباط بين أجزائها , وذلك مظهر من مظاهر الإعجاز في نظم القرآن , ودليل على أن ترتيب القرآن على هذا النحو إنما هو بتوقيف من العليم الخبير .

وفى هذا المبحث سأشير إلى بعض المواضع الأخرى من أسباب النزول الصحيحة على الشرط الذى ذكرناه في بداية البحث ؛ لأن الكلام في بيان المناسبة والارتباط بين سبب النزول والسياق لا يتم إلا بعد صحة السبب من جهة الرواية , وكونه منقولاً عمن شاهدوا التنزيل من أهل الدراية , وقد سبق تفصيل ذلك في المبحث الخامس من الفصل الأول , والخاص بطريق معرفة سبب النزول .

فمن هذه المواضع في سورة البقرة : قوله تعالى : (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ البقرة : 97] , وقوله (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [ البقرة : 115] , وقوله : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )[ البقرة : 187], وقوله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ )[ البقرة : 222] , وقوله : (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ )[ البقرة : 285]

ومن هذه المواضع في سورة آل عمران : قوله تعالى : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ )[ آل عمران : 128] , وقوله : (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )[ آل عمران : 188]
ومنها في سورة النساء : قوله تعالى : (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا )[ النساء : 11] ,وقوله : (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) [ النساء : 83] , وقوله : (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا )[ النساء : 95]
ومنها في سورة المائدة : قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )[ المائدة : 90]
ومنها في سورة الأعراف : قوله تعالى : (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )[ الأعراف : 31]
ومنها في سورة الأنفال : قوله تعالى : (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )[ الأنفال : 32]
ومنها في سورة التوبة : قوله تعالى : (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ )[ التوبة : 113] , وقوله تعالى : (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) [ التوبة : 117]
ومنها في سورة النور : قوله تعالى : (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ النور : 33]
ومنها في سورة العنكبوت : قوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ العنكبوت : 8]
ومنها في سورة الأحزاب : قوله تعالى : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا )[ الأحزاب : 23]
ومنها في سورة القمر : قوله تعالى : (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ )[ القمر 47-49]
ومنها في سورة الحشر : قوله تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ الحشر : 9]
ومنها في سورة المنافقون : قوله تعالى : (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ )[ المنافقون : 7 , 8 ]
ومنها في سورة المطففين : قوله تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) [ المطففين : 1]
ومنها في سورة الكوثر : قوله تعالى : (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) [ الكوثر : 3]
ومنها في سورة المسد : قوله تعالى : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ )[ المسد : 1]
هذه بعض مواضع أسباب النزول الصحيحة , وهى مواضع ارتبطت فيها أسباب النزول بالمواضع التى جاءت فيها , وانسجمت مع السياق والغرض العام , والتحمت مع النظم . وهناك مواضع أخرى تركت نقلها , ويمكن مراجعتها في كتب أسباب النزول الصحيحة , والتى سبقت الإشارة إليها في أثناء البحث مثل : الصحيح من أسباب النزول للشيخ / الحميدان , والصحيح المسند من أسباب النزول للشيخ/ للوادعى , والمحرر في أسباب النزول من خلال الكتب التسعة للدكتور/ خالد المزينى .

***
خاتمــــــــــــة

الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات , والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء , صاحب الآيات البينات , والمعجزات الباهرات , المؤيد بالحق , الهادى إلى سواء الصراط .
وبـــــــــــــــعد

فلقد اتضح من خلال هذا البحث تاريخ هذا العلم الشريف علم أسباب النزول, وتعريفه , وأقسام القرآن من حيث سبب النزول , وأهمية هذا العلم , وطريق معرفته , وفوائد معرفته , وهل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب ؟ , ونزول الآيات على الأسباب ووضعها مع ما يناسبها رعاية لنظم القرآن .
كما اتضح من خلال البحث والتطبيق على بعض المواضع التى ارتبط فيها سبب النزول ببلاغة النظم القرآن مدى الانسجام والارتباط بين السبب والسياق , وكيف انسجم سبب النزول مع الغرض والسياق العام الذى جاء فيه . وهذا هو الجانب التطبيقى من البحث , وتبين من خلاله أن هذا الالتحام والتناسب مظهر من مظاهر الإعجاز في النظم القرآنى , ووجه من وجوه التحدى بالبيان القرآنى سيظل مفتوحاً مع الزمن , وباب عظيم من أبواب العلم بأسرار الفرقان يقف فيه المتأملون على أنوار باهرة من أنوار النظم القرآنى , وذلك من آيات الله للمؤمنين , وصدق الله حيث قال : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) [ ص : 29] , وقال : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) [ الحجر : 75]
وبعد هذه الرحلة القصيرة في بلاغة القرآن العطرة أسأل الله سبحانه أن يتقبل منا صالح الأعمال , وأن يسدد آراءنا , ويصوب في القرآن فهمنا , وأن يتغاضى عن زلاتنا . إنه سميع قريب مجيب , وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
* **

المصادر والمراجع
القرآن الكريم
1- الإتقان في علوم القرآن للحافظ جلال الدين السيوطى ت (911) هـ - ط مجمع الملك فهد – تحقيق مركز الدراسات القرآنية .
2- أحكام القرآن لأبى بكر محمد بن العربى ت (543) هـ - ط دار الكتب العلمية – تحقيق الأستاذ/ محمد عبد القادر عطا .
3- أسباب النزول لأبى الحسن على بن أحمد الواحدى النيسابورى ت (487) هـ - ط دار الكتاب الجديد – ط أولى (1389) هـ (1969) م – تحقيق الأستاذ/ السيد أحمد صقر .
4- أسباب النزول وأثرها في بيان النصوص – دراسة مقارنة بين أصول التفسير وأصول الفقه – للدكتور/ عماد الدين محمد الرشيد – ط دار الشهاب – (1420) هـ (1999) م .
5- الاستيعاب في بيان الأسباب للأستاذين / سليم الهلالى , ومحمد آل نصر , ط دار ابن الجوزى -ط أولى (1425) هـ , وقد صدر منه الجزء الأول .
6- إعجاز القرآن لأبى بكر محمد بن الطيب الباقلانى ت (403) هـ - ط دار المعارف – ط (1374) هـ (1954) م – تحقيق الأستاذ / السيد أحمد صقر .
7- الإعجاز البلاغى – دراسة تحليلية لتراث أهل العلم للأستاذ الدكتور/ محمد أبو موسى – ط مكتبة وهبة – ط ثانية (1418) هـ (1997) م .
8- إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للأديب / مصطفى صادق الرافعى – ط دار الكتاب العربى – (1425) ( 2005) م .
9- البرهان فى ترتيب سور القرآن لأبى جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطى ت (708) هـ - ط وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب- ط (1410) هـ (1990) م – تحقيق الأستاذ / محمد شعبانى .
10- البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى ت (794)هـ - تحقيق الأستاذ/ محمد أبى الفضل إبراهيم – ط مكتبة التراث – بدون تاريخ .
11- بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادى ت (817) هـ - ط دار الكتب العلمية – تحقيق الأستاذ / محمد على النجار .
12- البيان القرآنى للأستاذ الدكتور / محمد رجب البيومى – ط مجمع البحوث الإسلامية .
13- التحبير في علم التفسير للإمام السيوطى – ط دار العلوم للطباعة والنشر– ط أولى(1402) هـ (1982) م – تحقيق الدكتور / فتحى عبد القادر فريد .
14- تفسير أبى السعود إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم للقاضى أبى السعود بن محمد العمادى الحنفى ت ( 982) هـ - ط مكتبة الرياض الحديثة بالرياض – تحقيق الأستاذ/ عبد القادر أحمد عطا .
15- تفسير البحر المحيط لمحمد بن يوسف الشهير بأبى حيان الأندلسى ت (745) هـ - ط دار الكتب العلمية – ط أولى (1413) هـ (1993) م – تحقيق الشيخ / عادل عبد الموجود وآخرين .
16- تفسير البغوى معالم التنزيل لمحى السنة أبى محمد الحسين بن مسعود البغوى ت (516) هـ - ط دار طيبة للنشر والتوزيع – (1409) هـ - تحقيق الأستاذ/ محمد عبد الله النمر وآخرين .
17- تفسير التحرير والتنوير تحرير المعنى السديد , وتنوير العقل الجديد , من تفسير الكتاب المجيد للعلامة محمد الطاهر بن عاشور ت (1394) هـ - ط الدار التونسية للنشر – (1984) م.
18- تفسير الثعالبى الجواهر الحسان في تفسير القرآن للإمام عبد الرحمن بن مخلوف أبى زيد الثعالبى المالكى ت (875) هـ - ط دار إحياء التراث العربى – بيروت – ط أولى (1418) هـ (1997) م – تحقيق الشيخ / على محمد معوض وآخرين .
19- تفسير الجلالين المحلى محمد بن أحمد بن محمد المحلى ت (864) هـ والسيوطى عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى ت (911) هـ - ط دار ابن كثير – تقديم الشيخ / عبد القادر الأرناؤوط .
20- تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن للشيخ محمد الأمين بن عبد الله الهررى الشافعى – ط دار طوق النجاة – ط أولى (1421) هـ (2001) م– مراجعة الدكتور / هاشم مهدى .
21- تفسير الدر المنثور بالتفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطى – ط مركز هجر للبحوث والدراسات العربية و الإسلامية – ط أولى ( 1424) هـ (2003) م – تحقيق الدكتور/ عبد الله عبد المحسن التركى .
22- تفسير روح البيان للشيخ إسماعيل حقى البروسوى ت (1137) هـ - ط المطبعة العثمانية (1330) هـ .
23- تفسير زاد المسير في علم التفسير للإمام أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد الجوزى البغدادى ت (597) هـ - ط المكتب الإسلامى – ط ثالثة (1404) هـ (1984) م .
24- تفسير روح المعانى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى للعلامة شهاب الدين السيد محمود الألوسى البغدادى ت (1270) هـ - ط دار إحياء التراث العربى .
25- تفسير زهرة التفاسير للشيخ محمد أحمد مصطفى أبى زهرة ت (1394) هـ (1974) م – ط دار الفكر العربى .
26- تفسير الرازى التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب للإمام محمد الرازى فخر الدين بن ضياء الدين عمر ت (604) هـ - ط دار الفكر – ط أولى ( 1401) هـ (1981) م .
27- التفسير الصحيح موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور للأستاذ الدكتور/ حكمت بن بشير بن ياسين – ط دار المآثر بالمدينة المنورة – ط أولى (1420) هـ (1999) م .
28- تفسير الطبرى جامع البيان عن تأويل آى القرآن لأبى جعفر محمد بن جرير الطبرى ت (310) هـ - ط دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع – ط أولى (1422) هـ (2001) م - تحقيق الدكتور/ عبد الله عبد المحسن التركى .
29- تفسير القرآن العزيز لأبى عبد الله محمد بن عبد الله بن أبى زمنين ت (399) هــ - ط دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر – ط أولى (1423) هـ (2002) م – تحقيق الأستاذ/ عبد الله حسين عكاشة وآخر .
30- تفسير القرطبى الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآى الفرقان لأبى عبد الله محمد بن أبى بكر القرطبى ت (671) هـ - ط مؤسسة الرسالة – ط أولى (1427) هـ (2006) م - تحقيق الدكتور/ عبد الله عبد المحسن التركى .
31- تفسير الكشاف عن حقائق التأويل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لجار الله أبى القاسم محمود بن عمر الزمخشرى ت (538) هـ - ط مكتبة العبيكان – ط أولى (1418) هـ (1998) م – تحقيق الشيخ / عادل عبد الموجود وآخرين .
32- تفسير النسائى للإمام أبى عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن على النسائى ت (302) هـ - ط مؤسسة الكتب الثقافية – ط أولى (1410) هـ (1990) م – تحقيق الأستاذ/ صبرى عبد الخالق الشافعى وآخر .
33- تفسير ابن عطية المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لأبى محمد عبد الحق بن عطية الأندلسى ت (546) هـ - ط دار الكتب العلمية – ط أولى (1422) هـ (2001) م – تحقيق الأستاذ/ عبد السلام عبد الشافى محمد .
34- تفسير القاسمى محاسن التأويل لمحمد جمال الدين القاسمى ت (1332) هـ - ط دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابى الحلبى – ط أولى (1376) هـ (1957) م – تصحيح الشيخ / محمد فؤاد عبد الباقى .
35- تفسير القرآن العظيم للحافظ عبد الرحمن بن إدريس ابن أبى حاتم ت (327) هـ - ط مكتبة نزار مصطفى الباز – ط أولى (1417) هــ (1997) م .
36- تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار للشيخ / محمد رشيد رضا – ط دار المنار – ط ثانية (1366) هـ (1947) م.
37- تفسير القرآن العظيم للحافظ أبى الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقى ت (774) هـ - ط دار طيبة للنشر والتوزيع – ط ثانية (1420) هـ (1999) – تحقيق الأستاذ / سامى بن محمد السلامة .
38- تفسير فتح البيان في مقاصد القرآن للسيد محمد صديق حسن خان القنوجى البخارى ت (1307) هـ – ط المطبعة الصديقية بلاهور (1290) هـ .
39- تفسير فتح القدير الجامع بين فنى الرواية والدراية في علم التفسير للإمام محمد بن على بن محمد الشوكانى ت (1250) هـ - ط دار الوفاء (1994) م– تحقيق الدكتور / عبد الرحمن عميرة .
40- تفسير غريب القرآن لأبى محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ت (276) هـ - ط دار الكتب العلمية – (1398) هـ (1978) م – تحقيق الأستاذ/ السيد أحمد صقر .
41- تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للعلامة برهان الدين أبى الحسن إبراهيم بن عمر البقاعى الشافعى ت (885) هـ - ط دائرة المعارف العثمانية – (1404) هـ (1984) م – تحقيق الشيخ / محمد عمران الأعظمى الأنصارى العمرى .
42- تناسق الدرر في تناسب السور للإمام السيوطى – ط دار الاعتصام – ط ثانية (1398) هـ (1978) م – تحقيق الشيخ / عبد القادر أحمد عطا .
43- جامع النقول في أسباب النزول وشرح آياتها للأستاذ/ ابن خليفة عليوى – ط (1404) هـ .
44- جواهر البيان في تناسب سور القرآن لأبى الفضل عبد الله محمد الصديق الغمارى الحسنى وعليه تعليقات لمؤلفه – ط مكتبة القاهرة – بدون تاريخ .
45- حاشية الجمل الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية للعلامة سليمان بن عمر العجيلى ت(1204)هـ – ط المطبعة العامرة الشرقية – ط أولى (1303) هـ .
46- حاشية الشهاب الخفاجى على البيضاوى عناية القاضى وكفاية الراضى على تفسير البيضاوى للعلامة شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجى ت(1069) هـ- ط دار صادر – بيروت .
47- حاشية القونوى على تفسير البيضاوى للإمام إسماعيل بن مصطفى القونوى ت (1195)هـ - ط دار الكتب العلمية – ط أولى (1422) هـ (2001) م – تحقيق الأستاذ / عبد الله محمود عمر .
48- حاشية محى الدين شيخ زاده على تفسير البيضاوى للعلامة محمد بن مصلح الدين مصطفى القوجوى الحنفى ت (951) هـ - ط دار الكتب العلمية – ط أولى (1419) هـ (1999) م – تحقيق الأستاذ / محمد عبد القادر شاهين .
49- دلائل البنوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة لأبى بكر أحمد بن الحسين البيهقى ت (458) هـ - ط دار الكتب العلمية – تحقيق الدكتور / عبد المعطى قلعجى .
50- الزيادة والإحسان في علوم القرآن لجمال الدين محمد بن أحمد بن سعيد بن مسعود بن عقيلة المكى الحنفى ت (1150)هـ - ط مركز البحوث والدراسات– جامعة الشارقة – ط أولى (2006) م – تحقيق مجموعة رسائل جامعية للماجستير للأستاذ / محمد صفاء حقى وآخرين .
51- شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية شيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن عبد الحليم الحرانى ت (728) هـ شرح الدكتور/ مساعد بن سليمان الطيار- ط دار ابن الجوزى - ط أولى (1427)هـ .
52- صحيح مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيرى ت (261) هـ شرح الإمام محيى الدين يحيى بن شرف النووى ت (676) هـ المسمى المنهاج شرح صحيح مسلم بن حجاج- ط المطبعة المصرية بالأزهر – ط (1347) هـ (1929) م .
53- الصحيح المسند من أسباب النزول الشيخ / مقبل بن هادى الوادعى – ط مكتبة صنعاء الأثرية – ط ثانية (1425) هـ (2004) م .
54- الصحيح من أسباب النزول للشيخ / عصام بن عبد المحسن الحميدان – ط مؤسسة الريان للطباعة والنشر – ط أولى (1420) هـ (1999) م .
55- العجاب في بيان الأسباب للحافظ شهاب الدين أبى الفضل أحمد بن على بن حجر العسقلانى ت (852) هـ - ط دار ابن الجوزى – ط أولى (1418) هـ (1997) م – تحقيق الأستاذ / عبد الحكيم محمد الأنيس .
56- علوم القرآن للدكتور/ عبد الله محمود شحاتة – ط دار غريب – ط (1404) هـ (2002) م .
57- عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للشيخ أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبى ت (756) هـ - ط دار الكتب العلمية – ط أولى (1417) هـ (1996) م – تحقيق الأستاذ / محمد باسل عيون السود .
58- غرائب التفسير وعجائب التأويل لتاج القراء برهان الدين محمود بن حمزة الكرمانى ت بعد (535) هــ - ط دار القبلة للثقافة الإسلامية – (1403) هـ (1983) م – تحقيق الدكتور/ شمران يونس العجلى .
59- غريب القرآن المسمى نزهة القلوب للإمام أبى بكر محمد بن عزيز السجستانى ت (330) هـ - ط مكتبة محمد على صبيح – ط (1382) هـ (1963) م – تحقيق لجنة من أفاضل العلماء .
60- الغريبين في القرآن والحديث لأبى عبيد أحمد بن محمد الهروى ت (401) هـ - ط مكتبة نزار مصطفى الباز – ط أولى (1419) هـ (1999) م – تحقيق الأستاذ / أحمد فريد المزيدى .
61- فتح البارى شرح صحيح البخارى لابن حجر العسقلانى – طبع على نفقة الأمير سلطان بن عبد العزيز – تحقيق الشيخ / عبد القادر شيبة الحمد .
62- قطف الأزهار في كشف الأسرار للسيوطى – ط وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر – ط أولى (1414) هـ ( 1994) م – تحقيق الدكتور/ أحمد بن محمد الحمادى .
63- قواعد التفسير جمعاً ودراسة للأستاذ / خالد بن عثمان السبت – ط دار ابن عفان .
64- كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون لمصطفى بن عبد الله الشهير بالحاج خليفة ت (1067) هـ - ط دار إحياء التراث العربى .
65- لباب النقول في أسباب النزول للسيوطى – ط دار الكتاب العربى – بيروت – (1426) هـ (2006) م – تحقيق الأستاذ / عبر الرزاق المهدى .
66- مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع خليل القطان – ط مكتبة وهبة – ط سابعة .
67- المحرر في أسباب النزول من خلال الكتب التسعة – دراسة الأسباب رواية ودراية للدكتور/ خالد المزينى ط دار ابن الجوزى – ط أولى (1427) هـ . والدراسة في الأصل رسالة دكتوراه للمؤلف.
68- المدخل لدراسة القرآن الكريم للأستاذ الدكتور / محمد محمد أبو شهبة – ط دار اللواء – ط ثالثة (1407) هـ (1987) م .
69- المدخل لدراسة القرآن والسنة والعلوم الإسلامية للأستاذ الدكتور/ شعبان محمد إسماعيل – ط دار الأنصار .
70- مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع للإمام السيوطى – تحقيق الدكتور/ محمد يوسف الشربجى – المجلة الأحمدية – العدد الرابع – (1410) هـ .
71- مرقاة المفاتيح للشيخ على بن سلطان محمد القارى ت ( 1014) هـ شرح مشكاة المصابيح لمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزى ت (741) هـ - ط دار الكتب العلمية – ط أولى (1422) هـ (2001) م – تحقيق الشيخ / جمال عيتانى .
72- المستدرك على الصحيحين للإمام الحافظ أبى عبد الله الحاكم النيسابورى ت (405) هـ - ط دار الحرمين للطباعة والنشر – ط أولى (1417) هـ (1997) م – تحقيق الشيخ / مقبل الوادعى .
73- مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور لبرهان الدين البقاعى – ط مكتبة المعارف – الرياض – ط أولى (1408) هـ (1987) م – تحقيق الدكتور/ عبد السميع أحمد محمد حسنين .
74- معترك الأقران في إعجاز القرآن جلال الدين السيوطى – ط دار الكتب العلمية – ط أولى (1408) هـ (1988) م – تحقيق الأستاذ / أحمد شمس الدين .
75- معجم مصنفات القرآن الكريم للدكتور/ على شواخ إسحاق – ط دار الرفاعى – ط أولى (1403) هـ (1983) م.
76- معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابورى – ط دار الآفاق الجديدة – بيروت – ط رابعة (1400) هـ (1980) م – تحقيق لجنة إحياء التراث العربى بدار الآفاق الجديدة .
77- المفردات في غريب القرآن لأبى القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى ت (502) – ط دار لمعرفة – بيروت – تحقيق الأستاذ / محمد سيد كيلانى .
78- المناسبات وأثرها على تفسير القرآن صــ29 , 30 للأستاذ الدكتور/ عبد الله الخطيب , والأستاذ الدكتور/ مصطفى مسلم – مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والإنسانية – المجلد الثانى – العدد الثانى – ربيع الآخر (1424) هـ (2005) م .
79- مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى – ط دار الكتاب العربى – تحقيق الأستاذ/ فواز أحمد زمرلى .
80- الموافقات في أصول الأحكام للعلامة أبى إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمى الشاطبى ت (790) هـ - ط دار ابن عفان – تحقيق أبى عبيدة مشهور بن حسن سلمان .
81- النبأ العظيم – نظرات جديدة في القرآن للأستاذ الدكتور / محمد عبد الله دراز – ط دار القلم بالكويت .
82- نفس الصباح في غريب القرآن وناسخه ومنسوخه لأبى جعفر أحمد بن عبد الصمد بن عبد الحق الخزرجى ت (582) هـ - ط وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب – (1414) هـ (1994) م – تحقيق الأستاذ / محمد عز الدين الإدريسى .
83- النهاية في غريب الحديث والأثر لمجد الدين أبى السعادات المبارك بن محمد الجزرى ت (606) هـ - ط دار إحياء التراث العربى – بيروت – تحقيق الأستاذ / طاهر أحمد الزواوى , والدكتور/ محمود محمد الطناحى .
84- الواضح في علوم القرآن للدكتور/ مصطغى ديب البغا وآخر – ط دار الكلم الطيب – ط ثانية (1418) هـ (1998) م .
85- الوحى المحمدى للشيخ محمد رشيد رضا – ط مؤسسة عز الدين – ط ثالثة (1406) هـ .

فهرس الــــموضوعات
اسم الموضوع
رقم الصفحة
مقدمة وتمهيد .
منهج البحث وخطته .
الفصل الأول : علم أسباب النزول وتاريخه .
المبحث الأول : تاريخ علم أسباب النزول ومصنفاته .
المبحث الثانى : تعريف سبب النزول .
المبحث الثالث : أقسام القرآن من حيث سبب النزول .
المبحث الرابع : أهمية أسباب النزول .
المبحث الخامس : طريق معرفة أسباب النزول .
المبحث السادس : فوائد معرفة أسباب النزول .
المبحث السابع : هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب ؟
المبحث الثامن : نزول الآيات على الأسباب ووضعها مع ما يناسبها رعاية لنظم القرآن .
الفصل الثانى : أسباب النزول وبلاغة النظم .
المبحث الأول : الدراسة التطبيقية لبعض الآيات .
الآية (143) من سورة البقرة .
الآية (77) من سورة آل عمرن .
الآية (58) من سورة التوبة .
الآية (11) من سورة الحج
الآيات (6 – 9) من سورة النور .
الآية (22) من سورة فصلت
الآيات (16 – 19) من سورة القيامة .
المبحث الثانى : مواضع أخرى من أسباب النزول .
الخاتمة .
المصادر والمراجع .
فهرس الموضوعات .





2
5
6
6
7
8
9
11
13
14
15
20
20
20
24
28
31
35
41
45
51
55
56
63


(1) راجع البرهان في معرفة المناسبات بين الآيات – النوع الثانى 1/35 ط مكتبة التراث , والإتقان في مناسبة الآيات والسور – النوع الثانى والستون 5/ 1836 ط مجمع الملك فهد . ولقد عد السيوطى " المناسبة " الوجه الرابع من وجوه إعجاز القرآن في معترك الأقران حيث يقول : " الوجه الرابع من وجوه إعجازه : مناسبة آياته وسوره وارتباط بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعانى , منتظمة المبانى " . معترك الأقران 1/43 , وما بعدها ط دار الكتب العلمية – ط أولى (1408) هـ (1988) م .

(2) الإتقان 1/268

(3) فسورة الحج من السور المدنية كما ذكر جمهور العلماء- وإن كان فيها من المكى والمدنى - وهى من أعاجيب سور القرآن كما قال عنها هبة الله بن سلامة : " هى من أعاجيب سور القرآن ؛ لأن فيها مكياً , ومدنياً , وحضرياً , وسفرياً , وحربياً , وسلمياً , وليلياً , ونهارياً , وناسخاً , ومنسوخاً . فأما المكى فمن رأس الثلاثين إلى آخرها . وأما المدنى : فمن رأس خمس وعشرين إلى رأس ثلاثين منها . وأما الليلى : فمن أولهاإلى رأس خمس آيات . وأما النهارى فمن رأس خمس إلى رأس تسع . وأما السفرى فمن رأس تسع إلى اثنتى عشرة . وأما الحضرى فإلى رأس العشرين " راجع مصاعد النظر 2/ 292 , 293 ط مكتبة المعارف – الرياض – ط أولى (1408) هـ (1987) م. , والناسخ والمنسوخ صــ228 , 231 بهامش أسباب النزول للواحدى ط دار الكتب العلمية .

(4) راجع على الترتيب البرهان 1/187 , وما بعدها , والإتقان 1/43 , وما بعدها , والزيادة والإحسان 1/ 203 – 283 ط جامعة الشارقة ط أولى – (1427) هـ (2006) م.

(1) راجع الآثار الصحيحة في أن ترتيب الآيات في سورها , وتحديد مواضعها كان بتوقيف من الله عز وجل للنبى صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل عليه السلام . البرهان 1/256 , 257 , والإتقان 1/ 377 , 378 , والزيادة والإحسان 2/ 6-12 لابن عقيلة المكى , ومناهل العرفان 1/281 و 282 للزرقانى ط دار الكتاب العربى – ط أولى – (1405) (1995) م.

(2) المحرر الوجيز 1/52 ط دار الكتب العلمية – ط أولى (1422) هـ (2001) م , والإتقان 5/1882

(3) راجع في ذلك إعجاز القرآن صـ 35 , وما بعدها للباقلانى ط دار المعارف – ط خامسة ( 1374) (1954) م , ونظم الدرر للبقاعى1/5 , وما بعدها ط دائرة المعارف العثمانية (1404) هـ (1984) م , والبرهان للزركشى في معرفة المناسبات بين الآيات – النوع الثانى 1/35 ط مكتبة التراث , والإتقان في مناسبة الآيات والسور – النوع الثانى والستون 5/ 1836 ط مجمع الملك فهد . ولقد عد السيوطى المناسبة الوجه الرابع من وجوه إعجاز القرآن في معترك الأقران : الوجه الرابع من وجوه إعجازه : مناسبة آياته وسوره وارتباط بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعانى , منتظمة المبانى . معترك الأقران 1/43 , وما بعدها ط دار الكتب العلمية – ط أولى (1408) هـ (1988) م , والزيادة والإحسان 6/296 - 330 . وحول الوحدة الموضوعية في القرآن راجع لبعض المعاصرين إعجاز القرآن صــ212 , وما بعدها للرافعى ط دار الإيمان – ط أولى (1417) هـ (1997) م , والنبأ العظيم صـ 180 , وما بعدها للدكتور/ عبد الله دراز ط دار المرابطين – ط أولى (1417) هـ (1997) م , والوحى المحمدى صـ 171 , وما بعدها لمحمد رشيد رضا ط مؤسسة الرسالة (1406) هـ , والبيان القرآنى صـ175 , وما بعدها للدكتور/ محمد رجب البيومى ط مجمع البحوث الإسلامية – (1391) هـ (1971) م .

(4) وستأتى الإشارة إن شاء الله إلى كل مصدر ومرجع في موضعه من البحث .

(1) لأن من أسباب النزول ما ضعف سنده , بل منه ما هو موضوع كما سيتضح من خلال البحث إن شاء الله تعالى .

(1) فلقد روى البخارى في صحيحه عن ابن مسعود أنه قال : " والذى لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت , وأين نزلت ؟ " وقال أيوب : سأل ر جل عكرمة عن آية من القرآن فقال : نزلت في سفح الجبل , وأشار إلى سلع . والخبر الثانى مرسل , ولكن له حكم الرفع , ولا يقال مثله بالرأى . الإتقان 1/47 , وراجع تفصيل ذلك في النوع الثمانين من الإتقان 6/2325 , وما بعدها , والتحبير صــ 335 للسيوطى ط دار العلوم – ط أولى ( 1402) هـ (1982) م.

(2) أسباب النزول صــ5 ط دار الكتاب الجديد – ط أولى (1389) – (1969) م , وكشف الظنون 1/76

(3) وهو شيخ المحدثين , ولقد صنف فيه عبد الرحمن بن محمد المعروف بمطرف الأندلسى المتوفى سنة (402) هـ وترجمته بالفارسية لأبى النصر سيف الدين أحمد الأسبرتكينى . وألف فيه محمد بن أسعد القرافى , والواحدى أبو الحسن على بن أحمد المفسر المتوفى سنة (468) هـ , وهو أشهر من صنف فيه وقد اختصره الجعبرى برهان الدين إبراهيم بن عمر المتوفى سنة (732) هـ فحذف أسانيده , ولم يزد عليه شيئاً . وألف فيه الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزى البغدادى المتوفى (597) هـ , والشيخ الحافظ شهاب الدين أحمد بن على بن حجر العسقلانى المتوفى سنة (852) هـ ولم يبيض , والسيوطى , والشيخ أبى جعفر محمد بن على بن شعيب المازندرانى المتوفى (588) هـ . كشف الظنون 1/76 , 77 , ومعجم مصنفات القرآن الكريم 1/127 , ومن المصنفات المخطوطة في أسباب النزول رواية غير ما سبق : أسباب نزول القرآن لأبى المظفر محمد بن أسعد بن الحكيم العراقى المتوفى سنة (567) هـ , وأسباب نزول الآى وهو مختصر أسباب النزول للواحدى للأرتقى المتوفى سنة (617) هـ . أما مصنفات أسباب النزول المطبوعة رواية فهى : أساب النزول للواحدى , والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر ولم يكتمل , ولباب النقول للسيوطى . وهؤلاء من القدماء . أما المعاصرون فلهم في أسباب النزول : الصحيح المسند من أسباب النزول للشيخ مقبل الوادعى , وأسباب النزول عن الصحابة والمفسرين للأستاذ/ عبد الفتاح القاضى , وأسباب النزول القرآنى للدكتور / غازى عناية . أما عن مصنفات أسباب النزول دراية فليس لها كتاب منفرد في مؤلفات القدماء يتناول قواعد أسباب النزول تناولاً مستقلاً , وإنما نعثر عليها في مقدمات كتب أسباب النزول رواية , وفى كتب أصول التفسير كمقدمة ابن تيمية في أصول التفسير , والتحبير للسيوطى , وفى التفاسير أثناء بيان معنى الآيات وسبب نزولها , أو في مقدماتها كما في التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور , وفى كتب علوم القرآن القديمة كالبرهان للزركشى , والإتقان للسيوطى , وكذلك في كتب علوم القرآن الحديثة كمناهل العرفان للزرقانى , والمدخل لدراسة القرآن الكريم للدكتور/ محمد أبو شهبة . أما الدراسات المستقلة في أسباب النزول دراية فنجدها عند بعض المعاصرين , ومنها : أسباب النزول مصادرها ومناهجها للدكتور/ حماد عبد الخالق , وأسباب النزول وأثرها في التفسير للأستاذ/ عصام الحميدان وأسباب النزول أسانيدها وأثرها في التفسير للدكتور/ جمعة سهل , وأسباب نزول القرآن دراسة وتحليل للأستاذ/ عبد الرحيم علبة , وجامع النقول في أسباب النزول وشرح آياتها لابن خليفة عليوى . راجع في تفصيل ذلك أسباب النزول وأثرها في بيان النصوص - دراسة مقارنة بين أصول التفسير وأصول الفقه صــ106-113 للدكتور/ عماد الدين محمد الرشيد ط دار الشهاب (1420) هـ (1999) م. والدراسة في الأصل رسالة دكتوراه للمؤلف . قلت : ويضاف إلى ما ذكره الدكتور / عماد الرشيد من المعاصرين : الصحيح من أسباب النزول للشيخ /عصام الحميدان ط دار الذخائر – ط أولى (1420) هـ (1999) م . , والمحرر في أسباب النزول من خلال الكتب التسعة – دراسة الأسباب رواية ودراية للدكتور/ خالد المزينى ط دار ابن الجوزى – ط أولى (1427) هـ . والدراسة في الأصل رسالة دكتوراه للمؤلف , والاستيعاب في بيان الأسباب للأستاذ / سليم الهلالى , ومحمد آل نصر , ط دار ابن الجوزى - ط أولى (1425) هـ وقد صدر منه الجزء الأول .

(1) وهو مخطوط . انظر الفهرس الشامل – مخطوطات التفسير وعلومه صـ373

(2) وقد طبع حديثاً محققاً إلى قوله تعالى : (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ...) [ النساء : 78] فهناك نشرة الدكتور/ عبد الحيكم محمد الأنيس التى طبعتها دار ابن الجوزى سنة (1418) هـ إلى نهاية الآية السابقة من سورة النساء 2/919, وما بعدها , ونشرة عبد الرحمن فواز زمرلى والتى طبعتها دار ابن حزم سنة (1422) هـ إلى نهاية سورة البقرة 1/479.

(3) وهذا الكتاب طبع عدة طبعات : أشهرها : طبعته بهامش تفسير الجلالين الذى طبع هو أيضاً طبعات مختلفة . ومن طبعات لباب النقول وحده ط دار الكتاب العربى بتحقيق عبد الرزاق المهدى سنة (1426) هـ , وسيأتى النقل عن هذه الطبعة أثناء البحث . راجع الإتقان1/189

(4) وكلامهم يدخل في بيان سبب النزول من جهة الرواية والدراية , وقد سبقت الإشارة إلى بعض المؤلفات في هذا الصدد بهامش الصفحة السابقة.

(5) ونجد ذلك عند بعض المعاصرين من أصحاب التفاسير الكبيرة : كالألوسى في روح المعانى , والتحرير والتنوير للطاهر بن عاشور , ومحاسن التأويل للقاسمى , وتفسير حدائق الروح والريحان لمحمد الأمين الشافعى .

(6) البرهان 1/22

(7) راجع مثلاً مناهل العرفان 1/89 للزرقانى ط دار الكتاب العربى – ط أولى – (1405) هـ (1995) م , ومباحث في علوم القرآن صــ71 , 72 للقطان ط مكتبة وهبة – ط سابعة , والمدخل لدراسة القرآن صــ132 للدكتور/أبى شهبة ط دار اللواء – ط ثالثة (1407) هـ (1987) م , والمدخل لدراسة القرآن والعلوم الإسلامية 1/171 للدكتور/ شعبان إسماعيل ط الحلبى , وعلوم القرآن للدكتور/ عبد الفتاح أبى سنة ط دار الشروق ط أولى – (1416) هـ (1995) م.

(8) كشف الظنون 1/76

(9) قال الواحدى : " نزلت في قصة أصحاب الفيل , وقصدهم تخريب الكعبة , وما فعل الله بهم من إهلاكهم , وصرفهم عن البيت , وهى معروفة " أسباب النزول صــ500

(1) ذكر الواحدى أن العلماء اختلفوا في سبب اتخاذ إبراهيم خليلاً في أسباب النزول صــ 174- 176 , وكل ما ذكره ليس بثابت , ولا يصح من حيث السند والمتن ؛ ولذلك قال ابن كثير بعد أن ساق بعض هذه الآثار الواردة : " وفى صحة هذا ووقوعه نظر , وغايته أن يكون خبراً إسرائيلياً لا يصدق ولا يكذب . وإنما سمى خليل الله لشدة محبته ربه عز وجل لما قام به من الطاعة التى يحبها ويرضاها " تفسير ابن كثير 2/423 ولذلك لم يذكر العلماء لها سبباً , وذكر ابن كثير ما ثبت في الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطبهم في آخر خطبة خطبها قال : أما بعد أيها الناس , فلو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر بن أبى قحافة خليلاً , ولكن صاحبكم خليل الله " السابق 2/423 هذا وكل الآثار المذكورة في ذلك لم تصح . الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور 2/117 للدكتور / حكمت ياسين ط المآثر بالمدين المنورة – ط أولى (1420) هـ (1999) م.

(2) الإتقان 1/208 , 209

(3) مثل الآيات المتعلقة بقصة أصحاب الكهف , وذى القرنين . فلقد نزلت بعد خمسة عشر يوماً من سؤالهم النبى صلى الله عليه وسلم .

(4) راجع لباب النقول صــ55 , 228 , والدر المنثور 3/701 , 14/298 ,299 , وتفسير ابن أبى حاتم 3/719 , 10/3342 ط مكتبة نزار – ط أولى , والصحيح المسبور من التفسير بالمأثور 1/441 , 442 , 4/ 453 , 454 , وسبب النزول في سورة المجادلة صحيح , وفى سورة آل عمران مرسل .

(5) مناهل العرفان 1/89 , 90 , والمدخل لدراسة القرآن صــ132 ,133 , ومباحث في علوم القرآن صــ73 , وقواعد التفسير جمعاً ودراسة1/57

(1) الإتقان 1/189 , والمدخل لدراسة القرآن صــ132 , ومباحث في علوم القرآن صــ71 , والواضح في علوم القرآن صــ58 , للدكتور/ مصطفى ديب , ط دار الكلم الطيب – ط ثانية (1418) هـ (1998) م , وعلوم القرآن صــ88 للدكتور / عبد الله شحاتة , ط دار غريب (2002) م .

(2) البرهان 1/22 , والإتقان 1/190

(3) أسباب النزول صــ4 ,5

(4) الإتقان 1/190 , 191

(1) الموافقات 4/146 ط دار ابن عفان , ط أولى (1417) هـ (1997) م .

(2) منها : ما وقع لعروة بن الزبير في فهم قوله تعالى : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) [ البقرة :158] قال هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : قلت لعائشة زوج النيى صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول الله : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فما أرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما . فقالت عائشة : كلا لو كانت كما تقول كانت ( فلا جناح عليه ألا يطوف بهما ) إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار , كانوا يهلون لمناة , وكانت مناة حذو قديد , وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة , فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك , فأنزل الله : ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) أخرجه البخارى في كتاب التفسير . والأمثلة على ذلك كثيرة , وراجع تفصيلها في الإتقان 1/ 190 – 194 , والموافقات 4/ 148 – 152 , والزيادة والإحسان 1/ 196 , والتحرير والتنوير 1/47 وشرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية صــ126 – 129 للدكتور/ مساعد بن سليمان الطيار , ط دار ابن الجوزى – ط أولى (1427) هـ .

(3) كما لا نتفق مع من ذهب إلى التهوين من أسباب النزول , وأهميتها وقيمتها في بيان المعنى وتفسير الآيات فضلاً عن مدخلها في إعجاز النظم , وهو ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده فيما نقله عنه الشيخ رشيد رضا في بعض المواضع من تفسير المنار 2/56 , 229 ويقول الدكتور / عبد الله شحاتة : " واستهان الشيخ محمد عبده بأسباب النزول , ولم يعول عليها كثيراً بسبب اشتمالها على الصحيح , والعليل , واختراع بعض الناس أسباباً لنزول الآيات . والحق أنه لا طريق لمعرفة أسباب النزول إلا النقل عن الصحابة الذين عاصروا الوحى والنزول , ووقفوا على الأسباب والملابسات التى أحاطت بنزول الآيات , وسمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه غيرهم , فعنهم وحدهم يؤخذ هذا العلم , وإلى هذا أشار الواحدى بقوله : " ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل , ووقفوا على الأسباب , وبحثوا عن علمها , وجدوا في الطلاب " علوم القرآن صــ89

(4) يقول ابن عاشور في المقدمة الخامسة لتفسيره حول ( أسباب النزول ) : " أولع كثير من المفسرين بتطلب أسباب نزول آى القرآن , وهى حوادث يروى أن آيات القرآن نزلت لأجلها لبيان حكمها أو لحكايتها , أو إنكارها , أو غير ذلك , وأغربوا في ذلك وأكثروا حتى كاد بعضهم أن يوهم الناس أن كل آية من القرآن نزلت على سبب , وحتى رفعوا الثقة بما ذكروا . بيد أنا نجد في بعض آى القرآن إشارة إلى الأسباب التى دعت إلى نزولها , ونجد لبعض الآى أسباباً ثبتت بالنقل دون احتمال أن يكون ذلك رأى الناقل , فكان أمر أسباب النزول دائراً بين القصد والإسراف , وكان في غض النظر عنه , وإرسال حبله على غاربه خطر عظيم في فهم القرآن ... ولكنى لا أعذر أساطين المفسرين الذين تلقفوا الروايات الضعيفة فأثبتوها في كتبهم , ولم ينبهوا على مراتبها قوة وضعفاً , حتى أوهموا كثيراً من الناس أن القرآن لا تنزل آياته إلا لأجل حوادث تدعوا إليها , وبئس هذا الوهم , فإن القرآن جاء هادياً إلى ما به صلاح الأمة في أصناف الصلاح , فلا يتوقف نزوله على حدوث الحوادث الداعية إلى تشريع الأحكام . نعم إن العلماء توجسوا منها فقالوا : إن سبب النزول لا يخصص إلا طائفة شاذة ادعت التخصيب ها , ولو أن أسباب النزول كانت كلها متعلقة بآيات عامة لما دخل من ذلك ضر على عمومها , إذ قد أراحنا أئمة الأصول حين قالوا : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ولكن أسباباً كثيرة رام رواتها تعيين مراد من تخصيص عام , أو تقييد مطلق , أو إلجاء إلى محمل , فتلك التى قد تقف عرضة أمام معانى التفسير قبل التنبيه على ضعفها , أو تأويلها . وقد قال الواحدى في أول كتابه في " أسباب النزول " : " أما اليوم فكل أحد يخترع للآية سبباً , ويختلق إفكاً وكذباً , ملقياً زمامه إلى الجهالة , غير مفكر في الوعيد , وقال : لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل " . التحرير والتنوير 1/46 ,47 باختصار , وأسباب النزول صــ 5 , 6

(5) أسباب النزول صــ 5

(1) كما أخرج الأئمة الستة عن عبد الله بن الزبير قال : " خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شراج الحرة , فقال النبى صلى الله عليه وسلم : " اسق يا زبير , ثم أرسل الماء إلى جارك " . فقال الأنصارى : يا رسول الله أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجهه , الحديث . قال الزبير : فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [ النساء : 65]

(2) معرفة علوم الحديث – النوع الخامس - صــ20 ط المكتبة العلمية بالمدينة , ط ثانية (1397) هـ (1977) م.

(3) الإتقان 1/208 , وشرح مقدمة في أصول التفسير صــ129 , وما بعدها

(4) البرهان 1/31 ,32

(1) مناهل العرفان 1/96

(2) الإتقان 1/209

(3) التحبير صــ86 ,87 ط دار العلوم , ط أولى (1402) هـ (1982) م.

(1) ومن ذلك أيضاً : ما أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه قد أشكل على مروان بن الحكم معنى قوله تعالى : ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [ آل عمران : 188] فقال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى , وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون . فقال ابن عباس : ما لكم وهذه ؟ إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب , سألهم النبى عن شئ فكتموه إياه , فخرجوا وقد أروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه , واستحمدوا بذلك إليه , وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه " لباب النقول صــ63

(2) البرهان 1/ 22 – 29 , والإتقان 1/ 190 - 195

(3) راجع حديث عروة في هامش الصفحة الماضية , وراجع الإتقان 1/ 190 – 194 , والموافقات 4/ 148 – 152 , والزيادة والإحسان 1/ 196 , والتحرير والتنوير 1/47 وشرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية صــ126 – 129 للدكتور/ مساعد بن سليمان الطيار , ط دار ابن الجوزى – ط أولى (1427) هـ .

(4) مناهل العرفان 1/ 91 – 94 , والمدخل لدراسة القرآن صــ143 , ومباحث في علوم القرآن صــ 74 – 82 , وعلوم القرآن صــ75 – 85 للدكتور / عبد الله شحاتة .

(1) التحرير والتنوير 1/50

(2) ومما تجدر الإشارة إليه أن العلامة ابن عاشور قد ذكر أقساماً لأسباب النزول التى صحت أسانيدها فوجدها خمسة أقسام : الأول : هو المقصود من الآية يتوقف فهم المراد منها على علمه , فلابد من البحث عنه للمفسر , وهذا منه تفسير مبهمات القرآن . والثانى : هو حوادث تسببت عنها تشريعات أحكام , وصور تلك الحوادث لا تبين مجملاً , ولا تخالف مدلول الآية بوجه تخصيص أو تعميم , أو تقييد , ولكنها إذا ذكرت أمثالها وجدت مساوية لمدلول الآيات النازلة عند حدوثها . والثالث : هو حوادث تكثر أمثالها تختص بشخص واحد , فنزلت الآية لإعلانها , وبيان أحكامها , وزجر من يرتكبها . فكثيراً ما تجد المفسرين وغيرهم يقولون : نزلت في كذا , وكذا , وهم يريدون أن من الأحوال التى تشير إليها تلك الآية تلك الحالة الخاصة , فكأنهم يريدون التمثيل . والرابع : هو حوادث حدثت وفى القرآن آيات تناسب معانيها سابقة أو لاحقة فيقع في عبارات بعض السلف ما يوهم أن تلك الحوادث هى المقصود من تلك الآيات , مع أن المراد أنها مما يدخل في معنى الآية . ويدل لهذا النوع وجود اختلاف كثير بين الصحابة في كثير من أسباب النزول . الخامس : قسم يبين مجملات , ويدفع متشابهات ... , ومن هذا القسم ما لا يبين مجملاً , ولا يؤول متشابهاً , ولكنه يبين وجه تناسب الآى بعضها مع بعض . وقد ساق ابن عاشور أمثلة لهذه الأقسام الخمسة في المقدمة الخامسة للتفسير حول أسباب النزول . التحرير والتنوير 1/ 47 – 50 باختصار شديد .

(3) الصحيح أنها نزلت في خولة بنت ثعلبة , وأوس بن الصامت . قال ابن كثير : " هذا هو الصحيح في نزول صدر هذه السورة [ أى سورة المجادلة ] , أما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كان سبب النزول , ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة من العتق , أو الصيام , أو الإطعام" تفسير ابن كثير 8/36

(4) ولقد ذكر السيوطى أمثلة على ذلك راجع الإتقان 1/ 196 ,197, والبرهان 1/25 , والزيادة والإحسان 1/298

(1) الإتقان 1/200 ,201

(2) ولقد سبق في المبحث الثالث بيان أن أكثر القرآن نزل ابتداءً من غير سبق سبب خاص , وذلك كثير في القرآن الكريم , وذلك مثل الآيات التى اشتملت على الأحكام والآداب التى قصد بها ابتداءً هداية الخلق , وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة . ومن هذا القسم غالباً : الحديث عن الأمم الغابرة , وما حل بها , أو عن وصف الجنة والنار , وما يتعلق بقضايا الإيمان . ومثل هذه الآيات إنما تركز على المقصد الأساس من نزول القرآن , وهو موضوع الهداية , أى هداية الخلق إلى الخالق , ورسم الطريق الموصل إلى رضوانه . وأكثر القرآن نزل ابتداءً لهذه الأهداف .

(1) راجع على الترتيب البرهان 1/ 35 , وما بعدها , ونظم الدرر 1/ 5 , وما بعدها , والإتقان 5/1836 , وما بعدها , والتحبير صــ 289 , وما بعدها , ومعترك الأقران 1/ 43 , وما بعدها , والزيادة الإحسان 6/296 , وما بعدها

(2) يرجع الأستاذ الدكتور/ نور الدين عتر أسبقية إظهار هذا النوع من علوم القرآن إلى الإمام جعفر بن محمد بن جرير الطبرى ت (310) هـ في تفسيره " جامع البيان عن تأويل آى القرآن " فقد ذكر فيه نبذاً ولطائف من المناسبات . بحث علم المناسبات وأهميته في تفسير القرآن الكريم صــ83 – 86 للأستاذ الدكتور / نور الدين عتر – نشر مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبى – العدد الحادى عشر – (1995) م .

(3) معلوم ما لكشاف الزمخشرى من منزلة في فن البيان بشكل عام , وفى بلاغة القرآن بشكل خاص . ولكن الحديث هنا عمن توجه توجهاً كاملاً إلى دراسة المناسبات في القرآن , وغلب على تفسيره هذه الناحية أكثر من غيره حتى عرف بها.

(4) نظم الدرر 1/6

(5) البرهان في ترتيب سور القرآن طبعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب سنة (1410) هـ (1990) م بتحقيق الأستاذ/ محمد شعبانى , والثانى من طبعاته : طبعة دار الاعتصام (1398) هـ(1978) م بتحقيق الشيخ / عبد القادر عطا , والثالث : من طبعاته : طبعته مكتبة القاهرة . ويضاف إلى هذه الكتب : "ربط السور والآيات" لمحمد بن مبارك المعروف بحكيم شاه القزوينى ت (920) هـ , و " نهر النجاة في مناسبات آيات أم الكتاب لساجقلى زاده المرعشى ت (1150) هـ (1737) م , و" سبق الغايات في نسق الآيات " للمولوى أشرف على التهانوى , و " دلائل النظام " لعبد الحميد الفراهى الهندى . والنظام عنده أعم من المناسبة . و" منتهى العرفان والفضل المحض في ربط بعض الآيات ببعض " لمحمود شكرى الألوسى ت (1342) هـ (1923) م حفيد الألوسى المفسر المشهور , ولم يكتب من كتابه إلا اليسير . راجع مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع صــ9 للسيوطى – تحقيق الدكتور/ محمد يوسف الشربجى – مجلة الأحمدية – العدد الرابع – (1420) هـ , والمناسبات وأثرها على تفسير القرآن صــ29 , 30 للأستاذ الدكتور/ عبد الله الخطيب , والأستاذ الدكتور/ مصطفى مسلم – مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والإنسانية – المجلد الثانى – العدد الثانى – ربيع الآخر (1424) هـ (2005) م . وراجع كشف الظنون 1/ 832 , ومعجم مصنفات القرآن الكريم 1/ 51 ط دار الرفاعى – ط أولى (1403) هـ (1983) م.

(1) وفلان يناسب فلان أى يقرب منه ويشاكله , ومنه النسيب الذى هو القريب المتصل , كالأخوين , وابن العم , ونحوه , وإن كانا متناسبين بمعنى رابط بينهما , وهو القرابة , ومنه المناسبة في العلة في باب القياس : الوصف المقارب للحكم ؛ لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك الوصف وجود الحكم ؛ ولهذا قيل : المناسبة أمر معقول ؛ إذا عرض على العقول تلقته بالقبول , وكذلك المناسبة في فواتح الآى وخواتمها . البرهان 1/35 , والإتقان 5/1840 , والزيادة والإحسان 6/304

(2) نظم الدرر1/5

(3) البرهان 1/36 , ونظم الدرر1/5 ,6

(4) نظم الدرر 1/10 ,11 باختصار شديد .

(5) راجع تفصيل ذلك وأمثلته في الإتقان 5/1841 – 1845 , والتحبير صــ 289 - 291

(1) البرهان 1/37 , ونظم الدرر 1/7 ,8 , والإتقان 5/1838 , 1839

(2) وفى البرهان : " واختار بعضهم أنه رتبة متوسطة دون السبب , وفوق العموم المجرد " 1/26

(3) أسباب النزول صــ149 ,150 , ولباب النقول صــ 72 , والعجاب في بيان الأسباب 2/885 – 888 بتحقيق الأستاذ / عبد الرحيم محمد الأنيس .ط دار ابن الجوزى , ط أولى (1418) هـ (1997) م , ودلائل النبوة للبيهقى 3/193 ط دار الكتب العلمية , ط أولى (1408) هـ (1988) م , والصحيح من أسباب النزول صــ126 , 127 للحميدان , والصحيح المسند من أسباب النزول صــ76 للوادعى ,

(4) وهو الزركشى حيث قال : " ولا يرد على هذا أن قصة كعب بن الأشرف كانت عقب بدر , ونزول : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ ) في الفتح أو قريباً منها ؛ لأن المقصود وضع الآية مع ما يناسبها ؛ والآيات كانت تنزل على أسبابها , ويأمر النبى صلى الله عليه وسلم بوضعها في المواضع التى علم من الله تعالى أنها مواضعها " البرهان 1/26

(1) الإتقان 1/ 204 ,205

(2) التحرير والتنوير 1/47 ,والمقدمة العاشرة حول إعجاز القرآن 1/111, وما بعدها . وراجع إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للأديب / مصطفى صادق الرافعى صــ172 , وما بعدها , والنبأ العظيم صــ142 , وما بعدها للدكتور / محمد عبد الله دراز , والإعجاز البلاغى – دراسة تحليلية لثراث أهل العلم صــ 218-220 للدكتور / محمد أبو موسى ط مكتبة وهبة , ط ثانية (1418) هـ (1997) م .

(3) راجع نظم الدرر 1/ 12 ,15

(4) الإتقان 5/1836

(5) البيت للمعرى , وهو في شروح سقط الزند صــ162 , ووفيات الأعيان 1/162 , وراجع الإتقان 5/1839

(1) سبق الحديث عن هذه الآية في المبحث الأخير من الفصل السابق .

(2) البرهان 1/32 – 34

(3) انفرد به البخارى من هذا الوجه , ورواه مسلم من وجه آخر , والروايه الأولى فى الصحيحين عن البراء . ورواه الترمذى عن ابن عباس وصححه . أسباب النزول صــ27 , 28 , و لباب النقول صــ47 – 49 , وتفسير ابن كثير 1/ 452 , 458

(1) والسفهاء هم مشركوا العرب , أو أحبار اليهود , أو المنافقون , أو أهل مكة , والآية عامة فى هؤلاء كلهم . ونزلت بعد تحويل القبلة . زاد المسير 1/ 153 , وتفسير ابن كثير 1/ 458

(2) البحر المحيط 1/ 593

(3) التورية : أن يطلق لفظ له معنيان : قريب وبعيد , ويراد به البعيد منهما . والتورية المرشحة : التى قرنت بما يلائم المورى به , أى المعنى القريب ؛ وسميت مرشحة لتقويتها بذكر لازم المورى به . الإيضاح 4/25 ,26 ط مكتبة الآداب – (1420) هـ (1999) م, وعلم البديع صــ27 للدكتور/ عبد العزيز عتيق – ط دار النهضة العربية – (1405) هـ (1985) م .

(4) قطف الأزهار 1/ 336

(1) تفسير ابن كثير 1/458

(2) تفسير البغوى 1/160

(3) تفسير الكشاف 1/226

(4) قال تعالى : ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ(145)الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(146)الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(149)وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَل ِّوَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْشَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) .

(1) تفسير غرائب القرآن 2/424

(2) حاشية شيخ زادة على البيضاوى 2/ 359 - 361

(3) زاد المسير 1/ 155 ,156

(4) تفسير ابن عطية 1/221 , وقطف الأزهار 1/393

(1) تفسير روح المعانى 2/8

(2) السابق 2/7

(3) حاشية شيخ زادة 2/ 359 – 361 , وراجع قطف الأزهار 1/393

(4) تفسير أبى السعود 1/206

(5) أى يضطربون ويتذبذبون

(6) نظم الدرر 2/ 215 , 216

(1) تفسير الطبرى 5/516 ,517 , ولباب النقول صــ110 , 111 , وأسباب النزول صــ80 ,81 , وتفسير ابن كثير 2/62- 65 , وتفسير الدر المنثور3/ 631 – 641 ط مركز هجر للبحوث والدراسات – ط أولى – ( 1424 ) هـ (2003) م.

(2) تفسير الطبرى 5/516-521 , وقال الحافظ ابن حجر فى شرح البخارى : لا منافاة بين الحديثين , بل يحمل على أن النزول كان بالسببين معاً . لباب النقول صــ110, وقال ابن الجوزى : فى سبب نزولها ثلاثة أقوال : حديث الأشعث مع اليهودى . الثانى : أنها نزلت فى اليهود عهد الله إليهم فى التوراة تبيين صفة النبى فجحدوا وخالفوا لما كانوا ينالون من سفلتهم من الدنيا . هذا قول عكرمة ومقاتل .والثالث :حديث السوق والسلعة. زاد المسير 1/410 ,411 وقال الألوسى : ولا مانع من تعدد سبب النزول كما حققوه . روح المعانى 3/204 , وراجع تفسير البغوى 2/56 , 60 , وتفسير النسائى 1/299,وما بعدها

(3) تفسير التحرير والتنوير 3/289 ,290

(4) قطف الأزهار 1/605 , 606

(1) تفسير ابن كثير 2/62-65

(2) تفسير الكشاف 1/573

(3) قال فى الكشاف : فإن قلت أى فرق فى استعماله فيمن يجوز عليه النظر , وفيمن لا يجوز عليه ؟ قلت : أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية ؛ لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيما يجوز عليه النظر . الكشاف 18573

(4) تفسير التحرير والتنوير 3/289 ,290

(5) تفسير الكشاف 1/573 , وابن كثير 2/62

(6) روح المعانى 3/204

(1) تفسير أبى السعود 1/405

(2) حاشية شيخ زادة على البيضاوى 3/98

(3) نظم الدرر 4/197 , 462 ,463 باختصار وتصرف .

(4) أسباب النزول صـ 186 , ولباب النقول صــ127 , والصحيح المسند من أسباب النزول صــ122 للوادعى , والصحيح من أسباب النزول صـ 202 للحميدان , والتفسير الصحيح 2/ 462 , 463

(1) أورد جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزول الآية , منهم الطبرى , والبغوى , وابن العربى , وابن عطية , والقرطبى , وابن كثير , وابن عاشور . وقال الألوسى : وأصح الروايات حديث أبى سعيد إلا أن كون سبب النزول قسمته صلى الله عليه وسلم للصدقة على الوجه الذى فعله أوفق بالآية من كون ذلك قسمته للغنيمة فتأمل . روح المعانى 10/120 , والمحرر فى أسباب نزول القرآن 1/590

(2) الغريبين فى القرآن والحديث 5/1703 للهروى – ط مكتبة نزار – ط أولى – (1419) هـ - (1999) م , وتفسيرغريب القرآن صــ188 لابن قتيبة – ط دار الكتب العلمية – (1398) هـ - (1978) م , وغريب القرآن صــ172 للسجستانى – ط مكتبة صبيح – (1382) هـ - (1963) م , والمفردات فى غريب القرآن صـ454 للراغب الأصفهانى – ط دار المعرفة – بيروت , وقطف الأزهار فى كشف الأسرار 2/1158 للسيوطى – ط وزارة الاوقاف – قطر – ط أولى – (1414) هـ - (1994) م , وروح المعانى 10/120 للألوسى .

(3) يقول فى المنار : " وقد عبر عن رضاهم بصيغة الماضى للدلالة على أنه كان يكون لأجل العطاء فى وقته وينقضى فلا يعدونه نعمة يتمنون دوام الإسلام لدوامها ... " تفسير المنار 10/566 , 567

(4) قطف الأزهار 2/1185 , والتحرير والتنوير 10/232

(5) روح المعانى 10/120

(6) والمنافقون معروفون بالشح كما قال تعالى : (أشحة عليكم ...) وقال : ( أشحة على الخير ...) ومن شحهم أنهم يودون أن الصدقات توزع عليهم , فإذا رأوها توزع على غيرهم طعنوا فى إعطائها . التحرير والتنوير 10/231 , 332

(1) نظم الدرر 8/502 , 603

(2) ومادة " قش " , ومقلوبها " شق " , ومضاعفها " قشقش " , وشقشق تدور على الجمع , وتلازمه الفرقة ؛ فإنه لا يجمع إلا ما كان مفرقاً , ولا يفرق إلا ما كان مجتمعاً . مصاعد النظر 2/ 154 , 155 , ويراجع فى مقاصد السورة بصائر ذوى التمييز 1/ 228 , 229

(3) الكشاف 3/5

(4) وراجع فى أسمائها ومعانيها الإتقان 2/357 – 359 , وبصائر ذوى التمييز 1/ 227 - 229

(5) وورد نحو هذا من حديث أبى هريرة , وأبى عقيل , وأبى سعيد الخدرى , وابن عباس , وعميرة بن سهيل بن رافع . أخرجها كلها ابن مردويه . أسباب النزول صـ191 للواحدى , ولباب النقول صـ236 للسيوطى , والصحيح من أسباب النزول صــ205 , والصحيح المسند من أسباب النزول صـ124

(1) فأصل " المطوعين " المتطوعين أدغمت التاء فى الطاء , فهى كالمطهرين بتشديد الطاء , والمتطهرين . المنار 10/ 651 , 652

(2) أخرج الطبرى بسنده الحسن عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قوله : (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ ... ) قال : جاء عبد الرحمن ابن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبى صلى الله عليه وسلم , وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام , فقال بعض المنافقين : والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياءً , وقالوا : إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع , وفى حديث كعب الطويل فى صحيح مسلم فى تفسير الآية (118 ) من سورة التوبة , وفيه أن أبا خيثمة الأنصارى هو الذى تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون . التفسير الصحيح 2/ 475

(3) المنار 10/651 , 652

(4) روح المعانى 10/147

(5) فالجُهد بضم الجيم الطاقة , وأطلقت الطاقة على مسببها الناشئ عنها , والمراد لا يجدون سبيلاً إلى إيجاد ما يتصدقون به إلا طاقتهم أى جهد أبدانهم , أو يكون وجد هنا هو الذى بمعنى كان ذا جدة , أى غنى فلا يقدر له مفعول , أى الذين لا مال لهم إلا جهدهم , وهذا أحسن . وفيه ثناء على قوة البدن , والعمل وأنها تقوم مقام المال . وهذا أصل عظيم فى اعتبار أصول الثروة , والتنويه بشأن العامل . التحرير والتنوير 10/275 , وينظر المفردات صــ101

(6) روح المعانى 10/ 147

(1) وقيل نزلت فى النضر بن الحارث , وقيل نزلت فى رجل من اليهود أسلم فذهب بصره , وماله , وولده , فتشاءم بالإسلام , فقال : لم أصب من دينى هذا خيراً , ذهب بصرى , ومالى , ومات ولدى , فنزلت . وكلاهما ضعيف . أسباب النزول صــ231 للواحدى , ولباب النقول صــ160 , والصحيح المسند من أسباب النزول صــ238 , والتفسير الصحيح 3/404 , والمحرر فى أسباب النزول 2/ 697 – 699 , وتفسير الطبرى 16/ 472 - 475 وتفسير ابن كثير 5/400 , والدر المنثور 10/428 , وتفسير ابن زمنين 3/172 , 173 , وتفسير القاسمى 12/4328

(2) صح ذلك فيما أخرجه ابن أبى حاتم , وابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس قال : " كان الأعراب يأتون النبى صلى الله عليه وسلم فيسلمون " الكشاف 4/179 , 180 , والدر المنثور 10/428

(3) نظم الدرر 13/16

(4) التحرير والتنوير 17/212

(5) السابق 17/212

(1) الكشاف 4/ 179 , 180 , وتفسير الرازى 23/14 , وتفسير أبى السعود 4/13 , والبحر المحيط 6/329

(2) ويبدو لى أيضاً أن التعبير بـ " الحرف " أجمع للمعنى الحسى والمعنوى , وأدق فى التعبير عن الصورة المقصودة ؛ لأن حرف الشئ وطرفه من صفات الأجسام . ومعنى الطرف أقرب إلى المعنى الحسى , والمقصود هنا التعبير عن حالهم , وقلقهم , واضطرابهم فى الدين , وهى ناحية معنوية , فناسب التعبير بالحرف ليكون أعم فى الحال . كما أن التعبير بالحرف ينطوى على ناحية تصويرية دقيقة لمن تأمل وتبصر . فحرف كل شئ طرفه وشفيره وحده , فالحرف فيه دقة كحرف الجبل وهو أعلاه المحدد , وحرف السفينة , وحروف الهجاء أى أطراف الكلمات الرابطة بعضها ببعض , ويقال : ناقة حرف تشبيهاُ بحرف الجبل , أو تشبيهاً فى الدقة بحرف من حروف الكلمة . ففى الحرف نحافة وضعف ودقة , وهو ما يتناسب مع حال هؤلاء المذبذبين الشاكين , فكأنهم فى الغاية من الشك والتردد , والحيرة والتذبذب , فليس لهم من الإيمان قدر يعصمهم من الوقوع فى الكفر والخسران المبين , فهم متأهبون ومستعدون للهبوط والسقوط إلى أقصى غاية . وهذا التعبير يختلف لو عبر بـ " الطرف " أو نحوه ؛ لأننا فى التعبير الثانى لن نلمس حالتهم كما نلمسها فى التعبير بالحرف , ولن نقف على مقدار ترددهم كما نقف عليه فى التعبير الأخير الذى دخل فيه حرف الاستعلاء " على " مع مجيئ لفظة " حرف " نكرة , ففيه التحمت الصورة الحسية بالصورة المعنوية فى دقة وروعة لا مثيل لها فتأمل !! . هذا وقد قيل فى الحرف : أى يعبد الله على وجه واحد ومذهب واحد . ويراجع فى تفصيل ذلك المفردات صــ114 للراغب , وبصائر ذوى التمييز 2/ 452 للفيروزآبادى , وتفسير غريب القرآن صـ290 لابن قتيبة , ونفس الصباح فى غريب القرآن 2/508 للخزرجى .

(3) زاد المسير 5/411

(4) حشية شيخ زاده 6/92 , وحاشية الشهاب 6/85 , 86 , وروح المعانى 17/124

(5) نظم الدرر 13/16 - 18

(6) التحرير والتنوير 17/251

(1) التحرير والتنوير 17/213 - 215

(2) غرائب التفسير 2/753 للكرمانى .

(3) قال ابن عاشور : " ويطلق الانقلاب كثيراً على الانصراف من الجهة التى آتاها إلى الجهة التى جاء منها , وهو مجاز شائع , وبه قال المفسرون . ولا يناسب اعتباره هنا ؛ لأن مثله يقال فيه : ( انقلب على عقبيه ) لا على وجهه كما قال تعالى : (...إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ...) [ البقرة : 143 ] إذ الرجوع يكون إلى جهة غير جهة الوجه " . التحرير والتنوير 17/213 - 215

(4) نظم الدرر 13/ 16 - 18

(5) التحرير والتنوير 17/ 213 - 215

(6) نظم الدرر 13/ 16 - 18

(7) تفسير الرازى 23/14

(1) ممن ذهب إلى ذلك قتادة , وأبو عبيد , وابن الضريس , والبيهقى , وغيرهم , وأيدهم السيوطى فى الإتقان 1/ 68

(2) مصاعد النظر 2/ 292 , 293 , والناسخ والمنسوخ صــ228 , 231 بهامش أسباب النزول للواحدى .

(3) أسباب النزول صــ237 , 238 , ولباب النقول صـ 167 , والصحيح المسند من أسباب النزول صـ160 – 164 , والصحيح من أسباب النزول صـ243 – 245 , والمحرر فى أسباب النزول من خلال الكتب التسعة 2/719 – 742

(1) لباب النقول صــ168, والمراجع السابقة فى نفس الموضع .

(2) فتح البارى 8/ 314 , 315 , وتفسير القرطبى 15/142 , والمحرر الوجيز 4/ 166 , وتفسير الثعالبى 4/ 173 , ولباب النقول صــ168 , والتحرير والتنوير 18 / 163 , والمحرر فى أسباب النزول من خلال الكتب التسعة 2/ 719 - 742

(3) تفسير القرطبى 15/100 , وروح المعانى 18/74

(4) نظم الدرر 13/200

(5) أحكام القرآن 3/ 332 , ومصاعد النظر 2/310

(1) ولا يفهم من هذا الكلام قصر الآيات على أسباب النزول , فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم ومقرر , وغالب القرآن نزل للهداية بدون تقدم أسباب , وهو فى ذلك معجز . ونزوله على الأسباب أيضاً معجز , فهو فى الحالتين للبشرية جمعاء فى كل مكان وزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . وحديثنا هنا نبين من خلاله أن القرآن منسجم مع الآيات التى ارتبطت عند نزولها بأسباب كانت فيها حكم تشريعية للناس فى كل زمان ومكان فليتنبه إلى ذلك !!

(2) فلما كان لفظ المحصنات عاماً للزوجات , وكان لهن حكم غير ما تقدم أخرجهن بقوله : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ...) نظم الدرر 13/216

(3) التحرير والتنوير 18/162

(4) تفسير حدائق الروح والريحان 19/ 202

(5) ووجه عذرهم ما فى نفوس الناس من سجية الغيرة على أزواجهم , وعدم احتمال رؤية الزنى بهن , فدفع عنهم حد القذف بما شرع لهم من الملاعنة . وفى هذا الحكم قبول لقول الزوج فى امرأته فى الجملة إذ كان مثبتاً حتى أن المرأة بعد أيمان زوجها تكلف بدفع ذلك بأيمانها وإلا قبل قوله فيها مع أيمانه فكان بمنزلة شهادة أربعة , فكان موجباً حدها إذا لم تدفع ذلك بأيمانها . التحرير والتنوير 18 /161 , 162

(1) قال أبو السعود : " وفى التعبير عن التفوه بما قالوا فى حقهن بـ " الرمى " المنبئ عن صلابة الآلة , وإيلام المرمى , وبعده عن الرامى إيذان بشدة تأثيره فيهن , وكونه رجماً بالغيب ..." إرشاد العقل السليم 4/92

(2) التحرير والتنوير 18/ 164

(3) الرمى يقال فى الأعيان كالسهام والحجر . ويستعار فى المعانى قال تعالى (... وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ...) [ الأنفال : 17 ] , ويقال فى المقال كناية عن الشتم كالقذف فى قوله : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ...) . ومنه فى اللعان " إنى لصادق فيما رميتها به ..." المفردات صــ204 للراغب الأصفهانى , وعمدة الحفاظ فى تفسير أشرف الألفاظ 2/115 للسمين الحلبى - ط دار الكتب العلمية – ط أولى – (1417) هـ - (1996) م .

(4) فتح القدير 4/10 , 11

(5) التحرير والتنوير 18/ 167

(6) فالدرء : الدفع والميل إلى أحد الجانبين . وفى الحديث : " ادرءوا الحدود بالشبهات "وفيه تنبيه على تطلب حيلة يدفع بها الحد . ودرأت عنه دفعت عن جانبه , ودارأته : دافعته قال تعالى : (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ ...). المفردات صــ169 , وعمدة الحفاظ 2/10 , وبصائر ذوى التمييز 2/597 , 598 ,

(1) ومعنى إسناد الغضب للبارى سبحانه الانتقام والعقاب فقط , وقيل : هو إرادة الانتقام , فعلى الأول يكون صفة فعل , وعلى الثانى يكون صفة ذات . قال الراغب : وإذا وصف الله تعالى به فالمراد به الانتقام دون غيره . وقال ابن عرفة : وأما غضب الله فإنكاره على من عصاه فيعاقبه . وقال الطحاوى : إن الله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى . المفردات صــ361 , وعمدة الحفاظ 3/165 , وبصائر ذوى التمييز 4/135

(2) أى فى قوله تعالى : ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [ النور : 2 ] الكشاف 4/ 272 , وتفسير الرازى 23/ 173

(3) حدائق الروح والريحان 19/228

(4) نظم الدرر 13/ 218 , وزاد المسير 6/13 , وتفسير ابن كثير 6/15 – 19

(5) ويرى ابن عاشور أنه عين فى الدعاء خصوص اللعنة لأنه وإن كان كاذباً فقد عرض بامرأته للعنة الناس , ونبذ الأزواج إياها , فناسب أن يكون جزاؤه اللعنة . واللعنة واللعن : الإبعاد بتحقير ... وعين لها فى الخامسة الدعاء بغضب الله عليها إن صدق زوجها لأنها أغضبت زوجها بفعلها فناسب أن يكون جزاؤها على ذلك غضب ربها عليها كما أغضبت بعلها . التحرير والتنوير 18 / 167 , 168

(6) تفسير الرازى 23/173

(1) وذلك فى الآية (12) من سورة الحجرات قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ), وفى الأيات ( 73 , 54 , 128 ,160 ) من سورة البقرة , وفى الآيتين ( 16 , 64 ) من سورة النساء , وفى الآيتين ( 104 , 118 ) من سورة التوبة .

(2) تفسير القاسمى 12/ 4459 , وروح المعانى 18/111

(3) تفسير التحرير والتنوير 18/ 168 , 169 باختصار .

(1) أسباب النزول صــ279 , 280 , ولباب النقول صــ206 , والصحيح من أسباب النزول صــ279 , 280 , والصحيح المسند من أسباب النزول صــ198 , وتفسير ابن كثير 7/ 172 , 173 قال ابن عطية : ولقد ذكر النقاش أن الثلاثة : صفوان بن أمية , وفرقد بن ثمامة , وأبو فاطمة . وذكر الثعلبى أن الثقفى عبدياليل , والقرشيان ختناه ربيعة وصفوان ابنا أمية بن خلف , ويشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة , فالآية مدنية . المحرر الوجيز 5/11 قلت : وسيأتى تفصيل القول فى ذلك عند بيان سبب النزول وعلاقته بالنظم فى الآيات .

(2) قال تعالى فى شأنهم يوم القيامة : (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [ النور : 24] وقال : ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [ يس : 65 ] , وفى الآية السابقة للآية موضع البحث قوله تعالى : (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [ فصلت : 21 ] .

(1) المحر الوجيز 5/11

(2) قال الطاهر ابن عاشور : " وكيف يصح كلامه ذلك وقد ذكر غيره أن النفر الثلاثة هم : عبدياليل الثقفى , وصفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف , فأما عبدياليل فأسلم وله صحبة عند ابن إسحاق وجماعة , وكذلك صفوان بن أمية , وأما ربيعة بن أمية فلا يعرف له إسلام فلا يلاقى ذلك أن تكون الآية نزلت بعد فتح مكة . التحرير والتنوير 24/271

(3) التحرير والتنوير 24/270 , 271

(4) المحرر الوجيز 5/11 , وتفسير ابن كثير 7/172 , وتفسير القرطبى 18/406 , 407 , وفتح القدير 4/671 , وتفسير أبى السعود 5/24 , وحاشية الجمل على الجلالين 4/41 , والتحرير والتنوير 24/ 271

(1) المحرر الوجيز 5/11 , وتفسير ابن كثير 7/172

(2) الكشاف 5/ 378 , وتفسير أبى السعود 5/42 , وينظر تفسير الرازى27/118 , وحاشية الجمل 4/41 , وحاشية الشهاب 7/397 , وفتح القدير 4/671 , وروح المعانى 24/117 , وحدائق الروح والريحان 25/331

(3) الكشاف 5/378 , وفتح القدير 4/670

(1) تفسير الرازى 27/117

(2) فتح القدير 4/670 , 671

(3) روح المعانى 24/115

(4) رواه الحاكم في المستدرك – كتاب التفسير - ح (3703) – 2/517 – ط دار الحرمين للطباعة والنشر – ط أولى – (1417) هـ (1997) م. والفدام : ما يشد على فم الإبريق والكوز من خرقة لتصفية الشراب الذى فيه , أى أنهم يمنعون الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم , فشبه ذلك بالفدام . النهاية في غريب الحديث والأثر 3/421 - ط دار إحياء التراث العربى – (1383) هـ (1963 ) م. وينظر تفسير ابن كثير 7/173 , وفتح القدير 4/670 , 671

(5) رواه مسلم من حديث أنس , ورواه أبو يعلى , وابن أبى حاتم , والطبرانى , وابن مردويه من حديث سعيد بلفظ آخر . مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 10/212 ط دار الكتب العلمية – بيروت – ط أولى – ( 1422 ) هـ (2001) م .

(6) فتح القدير 4/670 , 671 , وأول الحديث فى صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله . صحيح مسلم بشرح النووى - باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى – 17/209 ط المطبعة المصرية بالأزهر – ط أولى – ( 1349 )هـ (1930) م .

(1) فمن أغراض السورة ومقاصدها : أن القرأن معصوم من أن يتطرقه الباطل , والحديث عن إعراض المشركين عنه , وصمهم للآذان , وإبطال مطاعن المشركين فى القرآن , وتذكيرهم بأنه نزل بلغتهم , فلا عذر لهم أصلاً فى عدم الانتفاع بهديه , وزجر المشركين وتوبيخهم على كفرهم بخالق السماوات والأرض , وإنذارهم بما حل بالأمم المكذبة , ووعيدهم بعذاب الآخرة , وشهادة السمع والبصر , والجلود عليهم يوم القيامة . التحرير والتنوير 24/ 228 , 229 باختصار .

(2) ويراجع ما ذكره أبو جعفر ابن الزبير الغرناطى في كتابه البرهان في ترتيب سور القرآن . حيث بين علاقة سورة فصلت بما قبلها (سورة غافر ) , وما تضمنته سورة فصلت من أغراض , ومقاصد . صــ294-297 ط وزارة الأوقاف بالمغرب - (1410) هـ (1990) م.

(3) لباب النقول صــ251 , والصحيح من أسباب النزول صــ335 , والصحيح المسند من أسباب النزول صــ260 , والمحرر في أسباب النزول من خلال الكتب التسعة 2/1055-1057

(1) تفسير الرازى 30/222 , وحاشية شيخ زاده 8/419 , وحاشية الشهاب 8/283 , وحاشية القونوى 19/455

(1) تفسير الكشاف 6/ 269 , والمحرر الوجيز 5/404 , وتفسير البغوى 8/284 , وتفسير الرازى 3/224, و تفسير ابن كثير 8/278 , 279 , وفتح القدير5/449 , وفتح البيان في مقاصد القرآن 4/720 , وتفسير القاسمى 17/5992 , والتحرير والتنوير 29/349 , وتفسير حدائق الروح والريحان 30/448 , وغيرها من كتب التفسير .

(2) ونقل الرازى عن القفال في الوجه السادس أن قوله : ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) ليس خطاباً مع الرسول صلى الله عليه وسلم , بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله : (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ )[ القيامة : 13] فكان ذلك للإنسان حال ما ينبأ بقبائح أفعاله , وذلك بأن يعرض عليه كتابه فيقال : (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) [ الإسراء : 14] فإذا أخرج في القراءة تلجلج لسانه من شدة الخوف , وسرعة القراءة , فيقال له : ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك , وأن نقرأها عليك , فإذا قرآناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت تلك الأفعال , ثم إن علينا بيان أمره , وشرح مراتب عقوبته , وحاصل الأمر من تفسير هذه الآية أن المراد منه أنه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله على سبيل التفصيل , وفيه أشد الوعيد في الدنيا , واشد التهويل في الآخرة , ثم قال القفال : فهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه , وإن كانت الآثار غير واردة به . تفسير الرازى 30/222-225 باختصار . هذا ولقد عقب عليه الطاهر ابن عاشور بقوله : " وأقول إن كان العقل لا يدفعه , فإن الأسلوب العربى , ومعانى الألفاظ تنبو عنه . التحرير والتنوير 29/350

(1) الكشاف 6/269 ,270

(2) البحر لمحيط 8/379

(1) روح المعانى 29/143 , 144

(2) روح البيان 10/249 ط استانبول (1928) م.

(3) البحر المديد 8/185 ط دار الكتب العلمية – ط ثانية (1423) هـ (2002) م.

(4) التحرير والتنوير 29/350

(1) يقول البقاعى : " ولما لم يكن لهذا التحريك فائدة مع حفظ الله له على كل حال إلا قصد الطاعة بالعجلة , وكانت العجلة هى الإتيان بالشئ قبل أوانه الأليق به - وإن كان النبى صلى الله عليه وسلم مثاباً على ذلك أعظم الثواب لأنه لا حامل له عليه إلا حب الله , وحب ما يأتى منه - جعلها الله سبحانه وتعالى علة , وإن لم تكن مقصودة فقال : ( لِتَعْجَلَ بِهِ ) أى بحمله وأخذه قبل أن يفرغ من إلقائه إليك رسولنا جبريل عليه الصلاة والسلام مخافة أن ينفلت منك ؛ لأن هذه العجلة وإن كانت من الكمالات بالنسبة إليك , وإلى إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما قال موسى : (...وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ) [ طه :84] لأنها من النفس اللوامة التى تلوم على ترك المبادرة إلى أفعال الخير , فغيرها من أفعال المطمئنة أكمل منها , فنقل صلى الله عليه وسلم من مقام كامل إلى مقام أكمل منه , وكان هذا الكلام المتعلق بالقرآن والذى بعده فرقاناً بين صفتى اللوامة في الخير , واللوامة في الشر ..." نظم الدرر 29/99 , 100

(2) حاشية شيخ زاده على البيضاوى 8/418

(1) أشار الألوسى إليه في مناسبة الآيات روح المعانى 29/143

(2) أشار إليه البيضاوى وحواشيه : حاشية شيخ زاده 8/ 419 , وحاشية الشهاب 8/238 , وحاشية القونوى 19/ 455

(3) أشار إليه الزمخشرى في الكشاف 6/ 269

(4) راجع تفصيل ذلك في معترك الأقران في الوجه الرابع من وجوه إعجاز القرآن , وكذلك كلامه حول المناسبة في الآية موضوع البحث 1/ 43- 58 ط دار الكتب العلمية – ط أولى (1408)هـ (1988) م .


آخر تعديل بواسطة النجدية ، 20-03-2011 الساعة 04:26 PM
محمد كامل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-10-2010, 11:51 PM   #2
نضال الخفاجي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية نضال الخفاجي
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: العراق _ بغداد
المشاركات: 4,505
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: أسباب النزول وبلاغة النظم القرآنى دراة بلاغية تطبيقية تأليف د/ محمد أبو العلا أبو العلا الحمزاوى

جزاك الله خيرا

__________________
<img src=http://4upz.almsloob.com/uploads/images/www.almsloob.com-29e5a40457.gif border=0 alt= />

عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيباً
نضال الخفاجي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-03-2011, 04:29 PM   #3
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,974
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: أسباب النزول وبلاغة النظم القرآني دراسة بلاغية تطبيقية تأليف الدكتور/ محمد أبو العلا الحمزاوي

بارك الله في صنيعكم, وجزاكم الخير والمثوبة

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2014, 09:59 PM   #4
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 69,936
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: أسباب النزول وبلاغة النظم القرآني دراسة بلاغية تطبيقية تأليف الدكتور/ محمد أبو العلا الحمزاوي

بارك الله تعالى فيكم

__________________



أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
نيل العلا فى العطف بلا أحمد عبد الحميد مكتبة علوم اللغة العربية المصورة 8 09-05-2013 10:10 AM
أسرار التناسب والنظم في الأسماء الحسنى والصفات العلا في فواصل سورة الأنفال أبو ذر الفاضلي رسائل في القرآن الكريم وعلومه 7 16-02-2013 08:24 PM
عارض الجهل لـ أبي العلا الراشد الطارق كتب العقيدة والأديان المصورة 4 24-02-2012 04:49 PM
نقوش نبطية من العلا أبو ذر الفاضلي كتب التاريخ والحضارات المصورة 6 15-09-2011 02:31 PM
مهارات الفهم القرآئي - أحمد أبو بكر جاد الحق النجدية كتب ذوي الاحتياجات الخاصة المصورة 7 28-02-2011 06:07 AM


الساعة الآن »07:00 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd