روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-10-2010, 11:52 PM   #1
عادل ارزيق
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 39
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي البنية السردية للدكتور سعيد بنكراد

مقدمة
في سنة 1966 أصدر الجيرداس جوليان گريماص كتابه الشهير الدلالة البنيوية، ويعد هذا الكتاب اللبنة الأولى التي ستقام عليها مدرسة بكاملها، أطلق عليها فيما بعد ''مدرسة باريس السميائية''. ورغم أن عنوان الكتاب يحيل على إشكالية الدلالة والسبل المؤدية إلى دراستها، فإنه يعد، في واقع الأمر، برنامجا نظريا لتيار سميائي سيعرف باسم : السميائيات السردية. وسيعرف هذا النموذج التحليلي الجديد مع بداية السبعينيات انتشارا واسعا في فرنسا، وفي مجموعة كبيرة من الدول. ولم يتوقف گريماص عند ذهذا الكتاب، فقد أصدر في السنوات الموالية مجموعة كبيرة من الكتب كرسها لتنقيح وتهذيب وتعديل نموذجه النظري. ونذكر من هذه الكتب : ، وفي المعنى II، وقاموسه الشهير: السميائيات، الذي كتبه بالإشتراك مع جوزيف كورتيس أحد أبرز تلامذته. وبهذه الكتب (وغيرها) يكون هذا المنظر الكبير قد أرسى دعائم تيار كبير اشتهر بمقاربته المتميزة للنصوص السردية.
وفي هذا الكتاب نقدم للقارئ الناطق بالعربية هذه المدرسة في خطوطها العامة والرئيسة، وبطبيعة الحال، لم نحاول أن نجعل من هذه النظرية كيانا يعلو على كل النظريات، ولم نقدمها على أساس أنها البديل الأسمى لكل المقاربات. فلا وجود لنظرية من هذا النوع، وفي جميع الحالات لا وجود لنظرية تجيب على كل الأسئلة التي تثيرها النصوص.
إن غايتنا الأولاى والأساس من هذا الكتاب هي البحث في الأسس المعرفية التي انبنت عليها هذه المدرسة. ومن أجل ذلكحاولنا أن نقدم كل التأويلات الممكنة للوجه المرئي للنظرية. فالمفاهيم والمصطلحات عادة ما تخفي بناء مجردا تمثل فيه النظرية على شكل مقترحات تخص الوجود والإنسان وأفعاله وأشكال إنتاجه للمعنى.
وبطبيعة الحال، لسنا في حاجة إلى التأكيد أننا لا يمكن أن نضيف أي شيء إلى ما تنتجه الحضارات الأخرى دون أن نناقش الأسس الفلسفية التي انبنت عليها النظريات التي يتم تداولها عندنا، وفي كل أرجاء الوطن العربي، فالوقوف عند حدود المقترحات التحليلية التطبيقية، رغم أهمية هذه الجوانب وجدواها، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى إنتاج نماذج ممسوخة لا ترقى إلى الأصل المؤسس ولا يمكن أن تنتج معرفة تخصنا وتخص نمط حياتنا.
إن استيعاب النماذج في أصولها ومساءلة أبعادها الإبستمولوجية وهو وحده السبيل إلى إغناء معرفتنا بأنفسنا ومعرفتنا بالأخر، فما يأتينا ليس مفاهيم عارية من أي غطاء حضاري، بل هي نماذج معرفية تخفي داخلها نمط الحياة والموت وإنتاج القيم. وهذا ما حاولنا أن نتبينه من خلال قراءتنا لهذه النظرية. فهي تقدم نفسها على أساس أنها نموذج في تحليل النصوص السردية بجميع أنواعها، إلا أنها تعد في واقع الأمر فلسفة في المعنى وطرق إنتاجه وأنماط وجوده وانتشاره. فالتجلي لا يشكل سوى حالة مرئية لحالات تتخفى في أشكال ونماذج مجردة لا يمكن أن تحضر في الذهن إلا من خلال نسخ تخبر عن تحققها دون أن تساعد على إدراك جوهرها. فهذا الجوهر، شأنه في ذلك شأن ''الشيء في ذاته'' عند كانط ، يستعصي على الضبط والإدراك. إن وصفه يقف عند حدود تحديد العناصر المكونة له، وهي العناصر التي تشكل التجليات المتعددة، أو ما ندركه من خلال تحقق خاص.
وسيدرك القارئ ذلك من خلال التصور الخاص بالسردية ذاتها. فهي لا توجد حيث تأخذ القيم أبعادا مشخصة، وحيث تظهر الشخصيات وتصب الحياة في أوعية زمنية تلغي المتصل وتحدث فيه شروخا، إن البحث عنها يجب أن يتم في مكان آخر. إنها موجودة في البنية الدلالية المنظمة على شكل محاور سابقة في الوجود على التجلي النصي. ولإدراك فحوى هذا التصور كان من الضروري الاستعانة بمجموعة من التصورات الفلسفية الخاصة بالإدراك وإنتاج القيم وتداولها.
استنادا إلى هذه الأسس الأولية يجب التعامل مع هذه النظرية،وهي ذاتها التي ستمكننا أيضا من الكشف عن هفواتها ونقط ضعفها وقصورها. وهذا أمر بديهي في ميدان العلوم الإنسانية، فالنظريات تتبلور وتتأسس انطلاقا من مجموعة من المعايير التي تعد داخل هذا المنهج أو ذاك معايير مميزة وذلك على مستويين : الأساس الإبستمولوجي، والمردودية التحليلية.
1- فعلى المستوى الأول، لا يمكن الحديث عن نظرية متكاملة إلا من خلال الكشف عن الأسس المعرفية التي انبنت عليها هذه النظرية. فهذه الأسس المعرفية تخفي داخلها تصورا للعالم والإنسان. فأشد النظريات علمية لا يمكن أن تسلم من وجود بصمات إيديولوجية تحكم بناءها ومقاصدها وغاياتها. فإذا كانت الغاية النهائية من كل نظرية هي غاية تأويلية الهدف منها البحث في الواقعة عن معرفة تخص الإنسان وحياته، فإن هذا التأويل لا بد وأن يقود إلى الكشف عن كون ما سيكون مزدوجا.
أ- إن تطبيق نظرية ما على نص ما، لا يخلو من تأويل أولى يمتد لعناصر هذه النظرية نفسها. وذلك وفق التصور الذي يملكه الشخص المؤول عن الحياة وعن الإنسان (صانعو الإشهار مثلا يستفيدون كثيرا من السميائيات في صنع الإرساليات الإشهارية، والسميائيون يعملون على كشف الزيف الذي تتضمنه كل إرسالية إشهارية). وعلى هذا الأساس، فإن تبني نظرية ما لمقاربة ظاهرة ما ليس مشكلة تقنية بحت تتلخص في امتلاك مجموعة من الأدوات الإجرائية البريئة، بل هو اختيار معرفي وإيديولوجي لا تنفصل نتائجه عن مقدماته.
ب-ويأتي التأويل الثاني كقراءة للنص والمنهج على حد سواء. فأي ممارسة تطبيقية لنظرية ما، هي تأويل لها بشكل ضمني أو صريح.
2- ويتلخص المستوى الثاني في القدرة على مراقبة المنهج (النظرية) ، وما نعنيه بالمراقبة هو الكشف عن مردودية المنهج ومحدوديته من خلال وضعه داخل سياق نصي محدد. ذلك أن تقليص المسافة بين الوجه المجرد للنظرية وبين وجهها المتحقق يمر عبرمزج النظرية بالنص إلى الحد الذي تذوب فيه الفواصل بينهما، ويصبح إثر ذلك التنظير تطبيقا، ويتحول التطبيق إلى تنظير. إن تحقيق هذه الغاية معناه رد المنهج إلى منابعه الأولى، أي إلى الأصول التي انبثق عنها، فإذا كان وجود المنهج مشروطا بوجود الظاهرة ( الظاهرة النصية أو غيرها من الظواهر)، فإن الذاكرةالنصية المتحققة ليست سوى تخصيص للذاكرة النصية المجردة والعامة (يعتبر أي نص تحققا خاصا ونوعيا لبنية بالغة العمومية). إن مرونة وصل العامل بالخاص ووصل الخاص بالعام هي الغاية المثلى لأي تطبيق، وهي منطلق أي تنظير.
وهذا الوضع. فيما نعتقد، هو ما يبرر العمل الذي نقدمه للقارئ العربي. فلقد أثرنا أن نسير في الطريق الصعب، وألا نكتفي بتقديم مفاهيم مفصولة عن جذورها المعرفية. وهكذا عوض أن نتحدث عن مجموعة من النظريات المصنفة ضمن ما يطلق عليه حاليا السميائيات السردية ( وسيكون حديثنا حينها عاما وغير قادر على الإلمام بكل القضايا التي تطرحها هذه النظريات)، فضلنا أن نعرض لنظرية واحدة بأكبر قدر من الشمولية والوضوح، معتمدين في المقام الأول على أعمال صاحب هذه النظرية، ومستندين، في المقام الثاني، إلى بعض الأعمال التي كتبت حول هذه النظرية. وفي كلتا الحالتين، كان همنا الأساس هو تحديد الهيكل العام لهذه النظرية وإمكانات تطبيقها على مجالات تتجاوز في أحيان كثيرة الميدان السردي.
ولقد كان احتيارنا لنظرية گريماص يستند إلى مجموعة من الأسباب نوجزها فيما يلي :
-تتميز نظرية گريماص عن باقي النظريات الأخرى في المجال السردي بخاصية أساس يمكن تحديدها في صيغة بسيطة : مشكلة المعنى. فمقاربة نص ما لا يكون لها معنى إلا في حدود طرحها للمعنى كهدف وغاية لأي تحليل. فالتعرف على المعنى وتحديد حجمه لا ينفصل عن الميكانيزمات التي أنتجته. من هنا، فالتحليل لا يعني تعيين المعنى بشكل حدسي دون تحديد لسيرورة نموه وموته، ذلك أن التساؤل عن الشروط المنتجة للمعنى وعن كيفية إنتاج هذا المعنى لا ينفصل عن عملية تحديد حجم وطبيعة هذا المعنى، وعلى هذا الأساس فغاية أي تحليل هي مطاردة المعنى وترويضه ورده إلى العناصر التي أنتجته. وتبعا لذلك، عوض أن يكون الأثر الجمالي قوة حدسية لا يتحكم فيها ولا يحدد حجمها سوى الذات المتلقية، فإنه سيتحول إلى عملية تحليلية تستند إلى العناصر النصية بانزياحاتها وتقابلاتها وتماسكها.
-وتتميز نظرية گريماص بشموليتها : شمولية في التصور وشمولية في التحليل. والشمولية لا تعني على الإطلاق إلغاء التاريخ، فهي محكومة، كأي أثر معرفي، بالزمنية الإنسانية، وهو أمر لا يعني أيضا إلغاء النظريات الأخرى، فلا وجود لنظرية تقدم نفسها بديلا مطلقا للنظريات الأخرى ، فشمولية نظرية ما تكمن في في قدرتها على التحاور مع نظريات أخرى تتقاسم معها موضوعا واحدا للدراسة.
- كما تتميز بقدرتها -نظريا وتطبيقيا- على معانقة خطابات أخرى غير الخطاب السردي، فرغم أن المنطلق الرئيس في مسيرة گريماص كان هو الحكايات الشعبية (النص السردي بصفة عامة)، فإن نظريته صالحة للاقتراب من ظواهر نصية بالغة التنوع : النصوص القانونية، الظواهر الاجتماعية، الإشهار، الخطابات السياسية.... ويعود هذا الغنى في نظرنا إلى الأساس المعرفي الذي انبنت عليه هذه النظرية، وذلك على مستويين :
أ- فعلى المستوى الأول، تتحدد السميائيات عند گريماص كنظرية لكل اللغات والأنساق والدالة. ''فالعلوم الإنسانية لم تثبت استقلاليتها انطلاقا من موضوعها، بل فعلت ذلك انطلاقا من منهج المقاربة الذي سيجعل من هذه الموضوعات موضوعات إنسانية أي دوالا< (1).
ب- المستوى الثاني، يعود إلى مظاهر تجلي السردية، فاهتمام گريماص لا ينصب على الطابع السردي لنص ما، بل ينصب على خطابات ذات طابع تصويري (الرواية، المسرح، الحكاية الشعبية...) أو الخطابات التجريدية (النصوص القانونية، النصوص السياسية...)
إن هذا التنوع لا يفرض تعاملا خاصا مع النصوص فحسب، بل يفرض تبني نظرة جديدة إلى النظرية ذاتها، فتعدد النصوص وتنوعها واختلافها، لا يمكن أن يقود إلا إلى إغناء النظرية أو مراجعة فرضيات المنطلق.
ورغم أهمية هذه النظرية وموقعها داخل النماذج التحليلية المتعدد، فإنها خلافا ''للسرديات''(narratologie) التي راكمت عددا لا بأس به من الدراسات في مجال نقد الرواية (2)، فإن السميائيات السردية لم تعرف طريقها إلى الممارسة النقدية إلا في حالات قليلة (3)، والمتصفح للمنشورات الصادرة في المغرب أو في بعض الأقطار العربية الأخرى يدرك بشكل جلي هذا القصور. فغالبا ما تكون هذه المنشورات عبارة عن ترجمات لمقالات معزولة أو أجزاء من كتب، وأحيانا يتعلق الأمر بتعاليق مختصرة عن نظرية أو مجموعة من النظريات. وعلى الرغم من أهمية وقيمتها التعليمية، فإنها تظل ناقصة، (وقد تكون مضللة في بعض الأحيان) لأنها تقدم مفصولة عن أسسها الإبستمولوجية، وعن المناخ الذي ولدت فيه، الشيء الذي يجعل القارئ عاجزا، في أغلب الأحيان، عن إدراك الفروقات والاختلافات بين هذه النظرية أو تلك، وبين هذا المفهوم أو ذاك، وقد لا يستطيع، والحالة هذه، إدراك أن المصطلح الواحد قد ينتمي إلى مدارس متعددة حاملا مضامين متنوعة.
وهذا ما حاولنا تفاديه في هذا الكتاب. صحيح أننا لم نقل كل شيء عن هذه النظرية، وفي جميع الحالات فإن هذا الأمر لا يمكن أن يحدث، فهذه النظرية أصبحت لها امتدادات في ميادين شتى، والمجال ذاته لا يسمح بفعل ذلك، ولكننا قدمنا الأسس المعرفية والفلسفية التي انبنت عليها هذه النظرية. وهذا في حد ذاته إنجاز لا يستهان به، فنحن في حاجة إلى التساؤل عن النماذج النظرية في أصولها المعرفية لا من خلال مجموعة من أدواتها الإجرائية.
هوامش :
1- Greimas : Du sens, p 52
2- انظر في هذا المجال الأعمال التي قدمها سعيد يقطين بدءا ''من القراءة والتجربة'' وانتهاء ب ''قال الراوي'' وهي أعمال عرفت بتيار في النقد السردي له أهميته وقيمته...
3- على سبيل المثال قدم الأستاذ عبد المجيد النوسي رسالة دكتوراه الدولة بعنوان : ''تحليل سميوطيقي لرواية اللجنة : تشييد مسار الدلالة'' مسترشدا بالمقترحات النظرية التي جاء بها گريماص. وقدم مصطفى الشاذلي باللغة الفرنسية كتابا حول نظرية كريماص يحمل العنوان التالي :
Sémiotique, versune nouvelle sémantique du texte
والكتاب صدر عن كلية الآداب بالراباط سنة 1995







الفصل الأول
الإرث الشكلاني
لقد حظيت الأشكال السردية في النصف الثاني من القرن الماضي بكثير من العناية والاهتمام، الشيء الذي جعلها تحتل مكان الصدارة داخل ميدان أصبح، منذ فترة قصيرة، من أغنى الميادين داخل العلوم الإنسانية : السميائيات. بل يمكن القول إن السميائيات جربت أولى أدواتها ( المستمدة أساسا من اللسانيات )، وتحسست أولى خطواتها داخل ميدان السرديات بالذات.
وربما يعود السبب في ذلك إلى اختلاف الخطاب السردي عن أشكال الخطاب الأخرى ( الخطاب الشعري مثلا )، من حيث إنه يمتد بجذوره في تربة خصبة تشتمل على الكثير من الأنواع بدءا من الأسطورة وانتهاء بالمطبخ مرورا بكل الأشكال التعبيرية ذات البعد التصويري.
وعلى خلاف الشعر مثلا فإن > الحكي يمكن أن يظهر من خلال اللغة المتمفصلة، المكتوبة أوالشفاهية، كما يمكن أن يظهر من خلال خليط منظم من كل هذه المواد. إن الحكي حاضر في الأسطورة، وفي الخرافة وفي حكايات الحيوانات والحكاية الشعبية، والقصة الصغيرة والملحمة والتراجيديا والدراما والكومديا والتعبير الجسدي، كما لو أن كل مادة صالحة لأن يودعها الإنسان حكاياته < (1)
وبالرغم من هذا الغنى وهذا التنوع، فإن الخطاب السردي - على عكس الخطاب الشعري مثلا الذي عرفت قوانينه وقواعده منذ مدة طويلة - لم يعرف أية دراسة جدية تهدف إلى الكشف عن أسلوب بنائه وعن نمط اشتغاله إلا في فترة متأخرة، وبالتحديد مع بداية القرن الماضي.(2)
ويعود الفضل في ذلك إلى الباحث الروسي فلادمير بروب الذي سيخضع الخطاب السردي ( الحكايات العجيبة ) لأول مرة، لدراسة لا تقف عند حدود تعيين مواضيعه أو تصنيف وحداته المضمونية، بل تهدف إلى مساءلة النص في ذاته ولذاته من خلال بنيته الشكلية. فقد كانت محاولته تهدف إلى الكشف عن الخصائص التي تميز الخطاب السردي ( الحكاية الشعبية بالتحديد) عن غيره من الخطابات. ولقد كانت دراسته الشهيرة " مورفولوجيا الحكاية العجيبة " (3) الصادرة سنة سنة 1928 ( 4) معلمة بارزة في تاريخ السميائيات السردية. فعلى أي أساس قامت هذه الدراسة ؟
لقد كان طموح پروپ هو الوصول إلى الكشف عن العناصر المشتركة المشكلة للمتن المدروس، أي الوصول إلى عزل العنصر الدائم والثابت عن التجليات المختلفة التي لا تشكل وفق تصوره، سوى تنويعات لبنية واحدة. ولتحقيق هذا الهدف، كان عليه أن يرفض التصنيفات المستندة إلى المواضيع والموتيفات. كما كان عليه أن ينبذ المقاربة التاريخية التي ينحصر همها في البحث عن الجذور التاريخية للأشكال الفلكلورية. فهذه المقاربات لا يمكن أن تشكل نموذجا علميا قادراعلى المضي بالباحث إلى تحديد ماهية الحكاية.
والخلاصة، حسب پروپ، إن كل تصنيف قائم على المواضيع تصنيف فاسد، لأن الحكاية لا تنفرد بموضوعات خاصة بها، لا تتقاطع ولا تتداخل مع أشكال أدبية أخرى. وهو ما يصدق أيضا على التصنيف القائم على الموتيفات. فالقول بأن هناك حكايات للجن وحكايات للحيوانات يفترض أن كل حكاية لا تعالج إلا موتيفا واحدا ووحيدا، وليست سوى تحقق خاص له. والحال أن الممارسة التحليلية تبرهن على عكس ذلك. فقد تتعايش داخل الحكاية الواحدة مجموعة من الموتيفات. ( 5)
وبناء عليه، لكي تتحقق العودة إلى الجذورالتاريخية للحكايات، لابد من تحديد الخصائص الحقيقية ( الشكلية ) للحكاية. > فالتحليل البنيوي لكل مظهر من مظاهر الفلكلور هو الشرط الضروري لدراسة مظاهره التاريخية، ودراسة القواعد الشكلية هي المدخل لدراسة القواعد التاريخية <. (6)
إن التصنيف على هذا الأساس، يجب أن ينطلق من وصف شامل يستند إلى قواعد علمية وليس إلى الحدس والاعتباطية. واستنادا إلى هذه القواعد يمكن الوصول إلى تصنيف تمييزي وتمثيلي.
فأين يكمن العنصر الدائم والثابت الذي يجب أن يكون منطلقا لأي تصنيف ؟
لقد كان على پروپ أن > يبحث عن هذا العنصر في مستوى آخر، هو مستوى الوظائف وليس مستوى الشخصيات. وبهذا يمكن طرح إمكانات توليدية جديدة. فالتحليل الشكلي يمكننا من الوصول إلى شيء آخر يمكن تحديده في الشكل الأصلي للحكاية <. (7)
وللوصول إلى استخراج مجموعة من القواعد القابلة لأن تشتغل كنموذج عام، انطلق پروپ من الفرضيات التالية :
أ- إن العناصرالدائمة والثابتة داخل الحكايات هي وظائف الشخصيات > كيفما كانت طبيعة هذه الشخصيات، وكيفما كانت الطريقة التي تمت وفقها هذه الوظيفة <. (8) والوظيفة حسب پروپ > هي فعل تقوم به شخصية ما، من زاوية دلالته داخل البناء العام للحكاية <. (9) والقول بأن الوظيفة هي العنصر الدائم والثابت معناه القول، بصيغة أخرى، إن الوظائف هي الخالقة للشخصيات وليس العكس، كما قد يوهم بذلك خلال المعطى الظاهري للنص. ومن هنا، فإن الوظيفة لا تكترث للشخصية المنفذة لها، علينا الاكتفاء فقط بتعيينها من خلال اسم يعبر عن الفعل. (10)
ب- إن عدد الوظائف داخل الحكاية محدود. إنه لا يتجاوز واحدا وثلاثين وظيفة. وهذا لا يعني أن كل حكاية يجب أن تكون تحققا كاملا لهذا العدد من الوظائف. فقد يحصل ( وهذا حاصل فعلا ) أن لا تحتوي الحكاية إلا على عشرين وظيفة أو أقل أو أكثر. وما هو جدير بالتسجيل يكمن في نظام هذه الوظائف، > فتتابع الأحداث له قوانينه الخاصة، والحكي الأدبي يملك قوانين مشابهة. إن السرقة لا يمكن أن تحدث قبل تكسير الباب <. (11)
ج- إن التتابع الذي يميز هذه الوظائف تتابع واحد. فالوظائف تسير وفق نمط معين في كل الحكايات. وإذا كانت هذه الوظائف لا تتحقق باستمرار بنفس العدد في كل الحكايات، > فإن هذا لا يغير من القانون الذي يحكم تتابعها. ذلك أن غياب بعض الوظائف لا يغير من وضعية الوظائف الأخرى <. (12)
د- تنتمي كل الحكايات العجيبة إلى نفس النوع من حيث بنيتها، ويمكن ترجمة هذه الفرضية في صيغة أخرى. إننا أمام حكاية واحدة ببنية وأشكال متعددة للتحقق. إن هذا التشابه بين الحكايات معناه أن هناك مجموعة من الظواهر النصية التي لا يمكن أن تفسر إلا من خلال ربط بعضها ببعض، وهذا الربط هو الذي يكشف لنا عن البنية الشكلية التي تقع في أساس تشكل كل الحكايات.
وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار كل الحكايات الروسية المشكلة للمتن المدروس تنويعا لحكاية واحدة. وهذه الفرضية الأخيرة هي التي دفعت بالذين جاءوا بعد پروپ إلى مقابلة البنية بالشكل. فالشكل يعين قصة وحيدة، أما البنية فهي نسق تأليفي أكثر استقلالية في علاقته بالشكل الثقافي الخاص بالحكايات الروسية. (13)
إن الوظائف في تتابعها وترابطها لا يلغي بعضها بعضا، ولا تتقابل فيما بينها. إنها لا تخضع لعملية تصنيف تجعل منها قصة واحدة متواصلة. ولعل هذا التحديد هو ما يسمح بالقول إن بروپ يتعامل مع هذا النظام باعتباره أشكالا كونية منظمة للفعالية السردية بشكل سابق ( أو يتعلق الأمر،على الأقل بالحكايات العجيبة). ووجود هذه الأشكال هو ما يسمح بالحديث عن إمكانية بناء نموذج نظري عام يستوعب في داخله كل التنويعات التي تتوفر عليها الحكايات من خلال تحققاتها المختلفة.
وبعد هذا التحديد العام للوظائف، وتعيين موقعها داخل بنية الحكاية يشير پروپ إلى عناصر أخرى لا تملك، في رأيه، نفس أهمية الوظائف، ولا تأثير لها على سير الحبكة ولكنها بالرغم من ذلك، تعد عنصرا أساسا في تشكيل البناء الحكائي في كليته.
إن ترابط الوظائف وتتابعها واستبعاد الشخصية كعنصر غير تمييزي لا يعني أن هذه الوظائف تشكل كلا لا يخضع لإمكانية تقليصه. ذلك أن تصنيف الوظائف ضمن مجموعات صغيرة محددة على أساس وجود تشابه بين هذه الوظائف أمر ممكن. فپروپ يعمد بعد تحليله للوظيفة إلى تحديد ما يسميه بـ "دائرة الفعل". فبإمكاننا ضم مجموعة من الوظائف إلى بعضها البعض لخلق دائرة فعل محددة لشخصية بعينها. وعدد هذه الدوائر يتناسب مع عدد الشخصيات الفاعلة داخل الحكاية. وهذا العدد محدود، فهو لا يتجاوز سبع دوائر. وكل دائرة تحدد فعلا معينا تقوم به شخصية معينة. ويحدد پروپ هذه الدوائر من خلال الثيمات التالية :
1- دائرة فعل المعتدي
2- دائرة فعل الواهب
3- دائرة فعل المساعد
4- دائرة فعل الأميرة ( أوالشخصية موضوع البحث )
5- دائرة فعل الموكل
6- دائرة فعل البطل
7- دائرة فعل البطل المزيف
إن هذا النموذج الخاص بالشخصيات يمكن التعامل معه باعتباره نسقا عاما. فقد تتغير أسماء الشخصيات، وقد تتغير تجليات الأفعال، لكن المضمون المحدد لكل دائرة سيظل واحدا.
وبعد ذلك، يتحدث پروپ عن عناصر تعد في نظره عناصر ثانوية ( وهي ليست كذلك كما سنرى لاحقا ). ويمكن تحديد بعض هذه العناصر في :
- العناصر التي تقوم بربط الوظائف إلى بعضها البعض. فالوظائف قد لا تسير وفق خط متواصل بل يحدث أن يتخللها تقطع وانقطاعات وتوقف. إن هذا التقطع يفرض ضرورة إدخال عناصر تقوم بملء البياض الفاصل بين الوظائف.
- العناصر التي تساهم في تثليث الوظيفة الواحدة ( بعد فشل الوظيفة الأولى وفشل الوظيفة الثانية يكون النجاح حليفا للوظيفة الثالثة ). ( 14)
- الدوافع ( التحفيز). ويكمن دور هذا العنصر في خلق مبرر للقيام بوظيفة ما.
ويشير پروپ في النهاية إلى طرق وأسايب إدخال الشخصيات إلى مسرح الأحداث. > فكل نوع من الشخصيات يملك طريقة خاصة للدخول إلى مسرح الأحداث، وكل نوع يشير إلى أسايب خاصة تستعملها الشخصية للتسرب إلى الحبكة <. (15)
إننا نعثر في هذه الدراسة على أدوات بشرت بها اللسانيات وأصبحت فيما بعد عمادها الرئيس. فمن أجل دراسة اللسان وطرحه كموضوع للسانيات يجب عزله عن الكلام. وعزل اللسان عن الكلام معناه، من منظور اللسانيات دائما، عزل الاجتماعي الثابت والمنفلت من إرادة الفرد، عن الفردي، الحر المتجسد في أداء خاص. وهذا المبدأ هوالذي قامت عليه الدراسة التي قدمها پروپ. فالوظائف، بعددها ونمط تتابعها، تشكل قصة واحدة، أي تشكل ما يشبه الجذع المشترك الذي تتحقق داخله ومن خلاله كل النصوص المتنوعة.
لقد انطلق پروپ من سلسلة كبيرة من الأفعال الملموسة والموصوفة داخل الحكاية الشعبية، لكي لا يحتفظ سوى بعدد ضئيل من الوظائف، يشهد على ذلك أن وظيفة الإساءة وحدها تغطي ما يناهز التسعة عشر تحققا أو تعابير تصويرية مختلفة.(16) وعلى أساس هذا التجريد سينظر إلى البنية باعتبارها مورفولوجيا ثابتة، أي إطارا كونيا جامعا لكل أشكال الحكي، وسينظر إلى الشكل باعتباره أحد التحققات الممكنة لهذه البنية. وهذه التحققات الممكنة هي ما يشير إليها پروپ باعتبارها تمثل حرية داخل الإرغامات، وتتجلى هذه الحرية من خلال الهامش الذي يتوفر عليه السارد في إهمال بعض الوظائف وفي تنويع الشخصيات، وكذا الإكثار من العناصر الرابطة بين الوظائف. وهذه الحرية تشكل سمة تمييزية لكل حكاية.
النموذج والنقائص
1- مؤاخذات ك . ل شترواس
وعلى الرغم من أهمية هذا المشروع وقيمته التاريخية والدور الذي لعبه في فتح آفاق واسعة أمام السميائيات السردية خاصة والسميائيات الأدبية عامة، فإنه لم يستطع بلورة أدوات إجرائية منفصلة عن المتن الحكائي وفاعلة فيه. فالوقوف عند أنماط اشتغال الحكايات لا يشكل سوى مرحلة داخل نشاط معرفي يجب أن يمكننا من صياغة طرق جديدة في التعامل مع الحكايات. فلقد احتفظ بالتحليل في مستوى سطحي، حيث لم يتم تناول السردية إلا من خلال بعدها المعطى من خلال التحقق النصي. وبعبارة أخرى، فإن التسنين المضموني الذي يقود إلى استخراج الوظائف انطلاقا من إجراء تقليصي بقي في حدود المستوى التوزيعي مهملا بذلك وجود إسقاطات استبدالية منظمة للسرد في مستوى عميق كما يقول گريماص.
من هذه الملاحظات بالذات، انطق كلود ليفي شتراس في قراءته للمشروع الپروبي. فالفصل بين المستوى التوزيعي والمستوى الاستبدالي هو الذي قاد پروب إلى الفصل داخل المتن الحكائي بين المضمون والشكل. فالشكل وحده، في نظر پروپ، قابل للإدراك، أما المضمون فلا يشكل سوى عنصر زائد، ولا يملك أية قيمة تمييزية.(17) والحال أن الأمر ليس كذلك، أو لا يجب أن يكون كذلك إلا إذا كنا نقف عند حدود التمييز القديم بين المادة والشكل؛ وهو تمييز لم يعد صالحا على الإطلاق. فالمعنى شكل، لأن ما ندركه من المادة هو شكلها، وليس شيئا آخر. والشكل في ذاته ليس سوى تحقق خاص ضمن تحققات أخرى ممكنة لنفس البنية الدلالية. > فليس هناك عنصر مجرد من جهة وآخر ملموس من جهة ثانية، ذلك أن الشكل والمضمون من طبيعة واحدة، ويخضعان لنفس التحليل، ما دام المضمون يستمد واقعه من بنيته، وما يسمى بالشكل ليس سوى بَنْيَنَة للبنيات المحلية حيث يوجد المضمون. (18)
وعلى هذا الأساس، فإن الإجراء التحليلي الذي يستند إلى التجريد كمرحلة أساسية للإمساك بمجموع الحكايات كبنية واحدة، يجب أن تليه مرحلة جديدة تتمثل في العودة من جديد إلى المحسوس، أي إلى التنوع البنيوي الذي تمثله مجموع الحكايات. وبتعبير آخر العودة إلى تلمس ما يميز هذه الحكاية عن تلك. وتبعا لذلك، فإن المضمون إذا لم ينظر إليه باعتباره جزءا من الشكل، فإن هذا الشكل ذاته سيُحكم علىه بالبقاء في مستوى بالغ التجريد، لدرجة أنه لن يعني بعد ذلك أي شيء، ولن يملك بعد ذلك أية قيمة كشفية. (19)
وفي هذه الحالة، فإن مشروع پروپ لن يقود إلا إلى خلط الأوراق من جديد. فهذا المشروع يدعونا إلى اعتبار كل الحكايات حكاية واحدة، بأشكال مختلفة للتحقق. وهذا ما عبر عنه ليفي شترواس بقوله > قبل مجيء الشكلانيين لم نكن نعرف، بدون شكل، ما يجمع بين الحكايات، أما بعدهم فلم نعد نعرف أين يكمن الاختلاف بينها<. (20) فإذا كانت الحكايات متشابهة إلى هذا الحد فلا داعي إذن للتحليل ولا داعي للبحث عن صياغة خاصة للمضامين تميز هذه الحكاية عن تلك.
وفي تصور ليفي شتراوس، فإن پروپ أضاع المضمون في رحلته من الملموس إلى المجرد، وهذا ما جعل العودة من جديد من المجرد إلى المحسوس أمرا مستحيلا.
ومن هذا المنطلق، فإن الفصل في دراسة الوظائف وتتابعها، بين نوعين من الوظائف : الوظبفة الأصلية والوظيفة الفرعية سيؤدي بالضرورة إلى الاحتفاظ بالأولى واستباعد الثانية في بناء النموذج. فالأولى، حسب پروپ، دائما تعود إلى الشكل، في حين تعود الثانية إلى المضمون وهي بهذا متحولة ولا تشكل عنصرا تمييزيا.
وهذا ما رفضه كلود ليفي شتراوس، وسيحاول البرهنة على عكس ما يذهب إليه پروپ معتمدا على نماذج حكائية من أمريكا. وهي نماذج تدحض الفصل بين الشكل والمضمون. فالفصل بينهما فصل فاسد وغير علمي. والأمثلة التي يقدمها كلود ليفي شتراوس تبين أن ما اعتبره پروپ عنصرا عرضيا وغير وظيفي سيصبح هو أساس الحكاية وأساس تلوينها الثقافي. وبعبارة دقيقة، فإن المضمون هو ما يؤسس خصوصياتها باعتباره عنصرا يعود إلى ما يميز هذه المجموعة البشرية عن تلك.
وهكذا، فإن ليفي شتراوس يلاحظ أن مجموعة كبيرة من الأساطير والحكايات عند الهنود في الأمريكيتين الشمالية والجنوبية تسند أفعالا متشابهة لحيوانات مختلفة. وهذا أمر بالغ الأهمية، ولا يمكن لأي محلل للحكايات أن يتجاهله، لأنه يعد جزءا من تصور للعالم وجزءا من ثقافة لها خصوصيتها. فماذا سيحصل لو أننا نظرنا إلى هذه الحكايات بنفس منظور پروپ ؟ إن المثال التالي سيبين النتائج المترتبة عن محاولة من هذا النوع.
إذا أخذنا أصناف الطيور التالية : النسر، البوم، الغراب، وأسندنا إليها وظائف ما، فهل سيكون بإمكاننا التمييز، كما يفعل ذلك پروپ، بين الوظائف الثابتة، والشخصيات الدائمة التحول؟ يجيب شتراوس بالنفي، لماذا ؟ > لأن كل شخصية لا تطرح على شكل عنصر مبهم، يعد في التحليل البنيوي عنصرا نهائيا، فالحكي لا يملك معلومات عن نفسه، والشخصية داخل الحكي يمكن تشبيهها بكلمة نعثر عليها في وثيقة ولا أثر لها في القاموس، أو هي شبيهة باسم علم، أي حد محروم من أي سياق<. (21) والخلاصة أنه لا يمكن استبدال أنواع الطيور هاته بأنواع أخرى دون أن تخلق تغييرا بالكون الدلالي الخاص بهذه الحكاية أو تلك.
وهذا أمر بالغ الأهمية، فوجود هذا العنصر أو غيابه هو ما يحدد في نهاية المطاف الكون القيمي لأية حكاية، فالأشياء لا تدرك في انفصال عن الذات المدركة، وكل عنصر داخل العالم المحسوس هو عنصر داخل ثقافة، وأي استعمال للأشياء وللكائنات هو استعمال ثقافي.
وهكذا عوض الحديث عن العناصر المتحولة ( الشخصيات /الطيور في المثال السابق) كما يفعل ذلك پروپ، يجب الحديث عن مضمون الاستبدال. فالمضامين قابلة للاستبدال، وأي استبدال معناه الانتقال من كون دلالي إلى آخر يختلف عن السابق بتقطيعه المفهومي الذي لا يشبه بالضرورة كل التقطيعات المفهومية الأخرى. ونعثر في المثال السابق على ما يؤكد ذلك. > فإذا كان من الملاحظ، أن داخل الوظيفة الواحدة، يكون ظهور النسر نهارا، ويكون ظهور البوم ليلا، فإن هذه الملاحظة ستقودنا إلى تحديد النسر باعتباره نهاريا، وتحديد البوم باعتباره ليليا، ومعنى هذا أننا أمام تقابل ثنائي تمييزي :
الليل (م) النهار < (22)
وإذا كان هذا السياق يسمح لنا باستخدام تقابل ثنائي بسيط، فإن تنويع السياقات سيمكننا من إجراء استبدالات أخصب للمضامين، كما يسمح لنا بالدفع بالتحليل إلى مداه الأقصى. و> هكذا يمكن للنسر والبوم أن يتقابلا مع الغراب ( يجب أخذ المعتقدات الدينية والخرافية في الاعتبار) باعتبارهما :
صائد (م) أكل الجيفة
وتدخل البطة في تقابل مع الثلاثة وفق ثنائية جديدة
سماء/ أرض (م) سماء / ماء < (23)
وعلى هذا الأساس، لن يصبح العنصر المتحول مجرد ديكور، عرضي وزائل وغير مميز، وبالإمكان إسناده لأية شخصية. إنه، على العكس من ذلك، عنصر داخل ثقافة هي ما يسند الحكايات ويحدد لها العناصر الأساسية لتشكلها. فعلى أساس وجود هذه السياقات، والتقابلات المتولدة عنها، يتحدد كون الحكاية اطرادا، باعتباره كونا للتحليل كثنائيات تقابلية متنوعة التأليف، وفق ارتباطها بهذه الشخصية أو تلك. وهذه الشخصية نفسها، بعيدا عن أن تشكل كيانا، فإنها تعتبر، على غرار الفونيم كما يعرفه جاكبسون، شبكة من العناصر الاختلافية. (24)
وما يصدق على الحيوانات (باعتبار هذه الحيوانات شخصيات فاعلة في الحكاية، أي لها موقع ما ضمن دائرة من دوائر الفعل) يصدق على عناصر أخرى ليست من نفس الطبيعة. ويسوق شترواس مثالا آخر خاصا بالأشجار. فنحن نعثر عند الهنود دائما، على ذكر للأشجار وذكر لبعض الوظائف التي تسند إليها. وفي هذه الحالة، فإن الأشجار هنا أيضا، وحسب تصور پروپ، تعد عنصرا لا قيمة له، فما يهم في الشجرة ليس شكلها أو امتدادها بل الوظيفة المسندة إليها. إلا أن الأمر ليس كذلك، فسيكون من الخطإ التركيز على الشجرة في ذاتها دون اهتمام بالفصيلة التي تنتمي إليها ( أنواع الأشجار)، ودون تحديد موقع هذه الفصيلة داخل ثقافة هذه المجموعة البشرية أو تلك.
وفي هذا المجال، يذكرنا شتراوس ببعض المعتقدات الشائعة في أوساط الهنود. > فما يثير هؤلاء الأهالي في شجرة البرقوق مثلا هو خصوبتها، في حين ما يشد انتباههم إلى شجرة التفاح هو قوتها وعمق جذورها. وهذا التقابل بين خصائص كل فصيلة على حدة يضعنها أمام التقابل التالي : هناك من جهة الخصوبة وهناك من جهة ثانية : التحول : أرض /سماء، وذلك داخل نفس المقولة : النبات< (25)
استنادا إلى كل ذلك، فإن تجاهل المعطيات الثقافية في اختيار هذه الشجرة أو تلك، أو تحديد هذا الحيوان دون ذاك، وانتماء هذه الكائنات إلى فصائلها، معناه أن التحليل لن يكون له أي عمق يذكر. فالممارسة السلوكية ( دينية أخلاقية، خرافية ) هي الوجه المرئي لمعتقدات تتخلل الحكايات والأساطير، بل هي ما يؤطر مجمل الممارسات الثقافية. لهذا يجب أن نعيد الاعتبار لهذه العناصر التي يعتبرها پروپ عرضية وغير مميزة. فهذه العناصر هي سبيلنا نحو معرفة أفضل للأكوان الثقافية الخاصة بالشعوب، وهي ما يميز، في واقع الأمر، هذه الحكاية عن تلك.
وتنصب قراءة كلود ليفي شتراوس للمشروع الپروپي، في مرحلة ثانية على الوظائف نفسها، أي نمط اشتغالها وعددها وتتابعهما.
فإذا كانت العناصر المتحولة في التحليل الپروپي، هي ما يشكل كنه الحكاية عند شتراوس، فإن الوظائف في تتابعها وعددها وتوزيعها قابلة هي الأخرى لأن يعاد فيها النظر. فاستنادا إلى تقاطع المحور التوزيعي مع المحور الاستبدالي، وإمكانية إسقاط المحور الأول على الثاني، يمكن تقليص عدد الوظائف ونمط توزيعها. وهذا أمر ممكن، فعدد كبير من هذه الوظائف قابل للمزاوجة وقابل لأن يشكل وحدة ضمن ثنائية لا يمكن أن يذكرفها الأول دون ذكر الطرف المقابل.
> فإذا كنا نفترض أن للخطاب ذاكرة تنظم مجموع عناصر الحكاية استبداليا وتروزيعيا، فإن أي إثارة لوظيفة ما سيذكر بالعنصر السابق عليها أو بالعنصر اللاحق لها. وبناء عليه، فإن الحديث عن وظيفة "رحيل البطل" مثلا، يستدعي مباشرة استحضار وظيفة "عودة البطل". وهو ما يصدق على وظيفة " الحظر" ، التي لا يمكن تصورها دون تصور ما يقابلها أي " خرق الحظر". وهكذا يرى ليفس شتراوس أن الزوجين التاليين :
الرحيل (م) العودة
المنع (م) الخرق)
لا يشكلان أربعة وظائف ( الرحيل + العودة + المنع + الخرق ) وإنما هما وظيفتان ضمن ثنائية قابلة للإدراك من خلال الإجراء الاستبدالي. فأن يرحل البطل معناه ترقب عودته، وأن تشير الحكاية إلى محظور ما معناه ترقب إمكانية خرقه وهكذا دواليك. فالربط التوزيعي بين العنصر الأول والثاني يتم ضمن إجراء استتبدالي يقود إلى استخلاص وظيفة.
إن الأمر لا يتعلق هنا بتقليص عدد الوظائف بهدف الاحتفاظ بأقل عدد ممكن منها، وإنما يتعلق الأمر بتكسير التتابع الخاص بالوظائف -إحدى الفرضيات الأساس التي قام عليها المشروع الپروپي - الأمر الذي سيقود إلى رفض التعريف الذي يعطيه پروپ للحكاية باعتبارها تتابعا لواحد وثلاثين وظيفة. وهذا التكسير يعد، في عمقه، تدميرا للبعد الكرونولوجي للحكاية. فالتتابع خادع وليس إلا وهما ظاهريا. وكل معرفة للخطاطة الداخلية للحكاية، أي ما نطلق عليه مجمل التناطرات الدلالية التي تقوم عليها الحكاية، يقتضي إعادة بناء النظام الداخلي لهذه الحكاية. فكل تحليل للحكاية يفترض التخلي عن خطية التجلي ( التوزيع ) والانتقال إلى ما يشكل المستوى الأعمق وهو الاستبدال. وتلك كانت نقطة الانطلاق في قراءة التي قام بها گريماص للمشروع الپروبي.
2 - گريماص والمشروع الپروپي
يمكن القول إجمالا إن قراءة گريماص للمشروع الپروپي كانت محاولة لاستيعاب هذا النموذج التحليلي ضمن تصور نظري جديد للحكاية يمتح عناصره من مشارب بالغة الغنى والتنوع.
ولهذا السبب، لا يمكن فهم الانتقادات التي وجهها گريماص لتحليلات پروپ إلا ضمن المشروع الذي كان يحاول بناء عناصره، وهو مشروع قائم، في جزء منه على الأقل، على تعديل المشروع الأول وتشذيبه.
ولئن كانت هذه الانتقادات تشير إلى ما يفصل بين الرجلين، فإنها، تعد في نفس الآن ما يربط بينهما. فهي تشير إلى وجود نوع من الاسترارية بين مشروعيتها. بل يمكن القول إن مشروع گريماص ما كان له أن يرى النور لولا وجود هذا العمل الجبار الذي قام به پروپ. وفي هذا المجال يلاحظ كلود زلبرباغ أن مهمة گريماص اتجاه المشروع الپروپي كانت تتلخص في نقطتين أساسيتين :
-إنها تشكل نوعا من الإصلاح، بالمفهوم القانوني للكلمة، لما قام به النقد المدمر الذي صاغه شتراوس ضد المشروع الپروپي ...]
- إنها تشكل أيضا نوعا من التقليص، خاصة بعد ظهور كتاب ''الدلالة البنيوية'' ، والأمر يتعلق بقلب لزاوية النظر. فعوض الاستمرار في البحث عن الكوني ( الحكاية الوحيدة ) كما فعل ذلك پروپ، كان من الضروري التوجه نحو معرفة التمفصلات الأولى للنص السردي. (26)
ويمكن تحديد الصياغة الجديدة للمشروع الپروپي في المحاور التالية : ( ونحن نتبع في هذا العرض مخطط گريماص نفسه، وسنترك جانبا مجموعة من القضايا الأخرى التي سنعود إليها في عرضنا لتصور گريماص).
1 -تعريف الوظيفة
يلاحظ گريماص أن هناك خللا في تعريف الوظيفة عند پروپ، أو على الأقل ليس هناك محدد نظري واحد يستند إليه پروپ في تعريفه لكل الوظائف. فالتعريف الذي يعطيه للوظيفة قائم على وجود فعل ما تتحدد من خلاله شخصية ما. وهذه الشخصية تتحدد، تبعا لذلك، من خلال انتمائها إلى إحدى دوائر الفعل التي تشتمل عليها الحكاية.
فإذا كان الفعل هو أساس تعريف الوظيفة، فإن الدارس، كما يرى ذلك گريماص، سيحتار أمام التناقض الذي يميز تعريف وظيفتين : > فإذا كان رحيل البطل، باعتباره شكلا من أشكال النشاط الإنساني، يعد فعلا، أي وظيفة، فإن "النقص" لن يكون كذلك ولا يمكن التعامل معه باعتباره وظيفة، بل هو حالة تستدعي فعلا<. (27)
إن هذا الخلل في تعريف الوظيفة وما يترتب عنه من نقل للإشكالية السردية من موقع إلى آخر، سيدفع گريماص إلى استخلاص ما يلي :
> إذا أخذنا في الاعتبار مجموع تسميات الوظائف الپروپية فإننا سنخرج بانطباع مفاده أن هذه الوظائف تستخدم في ذهنه - من حيث كونها تحتوي على روايات مختلفة وتعد تعميما لدلالة هذه الروايات- باعتبارها تلخيصا لمختلف مقاطع الحكاية، أكثر مما تعين مختلف الأنشطة التي يقوم فيها التتابع بمهمة إظهار القصة كبرنامج منظم <. (28) وهكذا عوض الحديث عن الوظيفة وعن شكل وجودها، يجب الحديث عن الملفوظ السردي، وحينها ستأخذ الوظيفة الصيغة التالية :
م س = و (ع1 ع2 ع3 ) .
( مس = ملفوظ سردي، و = وظيفة ، ع = عامل )
2 -مستويات تنظيم السردية
بالإضافة إلى الخلل الذي صاحب تعريف الوظيفة، فإن گريماص يسجل وجود خلل آخر. وهذا الخلل هو الذي عاق تطورالمشروع الپروپي. ويتعلق الأمر بتحديد مستويات السردية.
إن المشروع الپروپي في منطلقاته النظرية الأولى، ينظر إلى المعطى الحكائي من خلال التجلي السطحي، ويعتبر هذا التجلي حقيقة نصية خالصة. فما يقع على السطح هو وحده القابل للتصنيف والنمذجة رغم تنوع المتن وتعدده. ورغم تركيز پروپ على الروايات المختلفة لنفس الحكاية، فإن غياب الوحدات السردية أو حضورها لا يفسر من خلال وجود ذاكرة للنص وذاكرة للقارئ، بل يفسر من خلال وجود روايات متعددة لحكاية واحدة، فما هو غائب في هذا النص يعوض بما يشبهه في نص آخر. ذلك أنه بإمكاننا العثور في حكاية أخرى على ما هو غائب في حكاية سابقة.
والحال أن الغياب والحضور ينظر إليهما داخل الحكاية الواحدة، ما دام الحاضر يستمد حضوره من الغائب، والغائب حاضر من خلال العنصر المتحقق. > فإذا ضمّنا متتالية سردية ملفوظا سرديا يشير إلى ''رحيل البطل''، فإننا لا يمكن أن نتغاضى عن غياب ''وصول البطل''. وكذلك إذا تمعنا في الوظيفة الپروپية ''زواج'' فإننا سنلاحظ أنها تعد تأليفا لملفوظين سردين على الأقل. إن الزواج يتضمن أن الأب ( أو الملك ) يهب ابنته للبطل، وهذا الفعل يشكل ''الهبة'' لكن هذا الفعل يشير في الوقت نفسه إلى العلاقة التعاقدية للمعنيين معا : البطل أو الأب (...) فعوض أن يكون هذا الخطاب مجرد تلخيص توثيقي لما نجده في النصوص التي يغطيها، فإنه سيبدو كتمثيل تركيبي / دلالي مكثف وواضح في نفس الوقت، وسيأخذ شكل بنية عميقة في مقابل البنيات السطحية التي هي النصوص المتحققة <. (29)
3 -الخطاطة السردية بديل للتتابع الوظيفي
استنادا إلى تصور شتراوس الذي كان أول من أثار الانتباه إلى وجود اسقاطات استبدالية تغطي السير التوزيعي للحكاية ( وهذه الإسقاطات هي التي دفعته إلى الحديث عن إمكانية المزاوجة بين الوظائف )، فإن گريماص ينظر إلى الحكاية باعتبارها بنية تحتوي على ذاكرة تنظم مجموع العناصر المستترة منها والظاهرة. > فالملفوظات السردية يمكن مزاوجتها لا بفعل التجاور النصي، ولكن بفعل تباعدها عن بعضها البعض. فهذا الملفوظ يستدعي بل يذكر بنقيضه الذي سبق طرحه، وستبدو وحدات سردية جديدة ( متقطعة بالنسبة للنسيج الحكائي ولكنها مكونة من علاقات استبدالية تقوم بالتقريب بين المحمولات /وظائف) كأزواج مثل:
رحيل (م) عودة
وجود النقص (م) الغاء النقص،
إقامة المحظور (م) الغاء المحظور
إن هذه الوحدات الاستبدالية تلعب داخل الترسيمة التوزيعية دور المنظم للحكاية كما تشكل هيكلها. بل يمكن القول، إن التعرف على هذه الإسقاطات الاستبدالية هو وحده الذي يسمح لنا بالحديث عن وجود بنيات سردية<. (30)
وعلى هذا الأساس، لا فائدة من البحث عن السردية في التتابع الوظيفي كما فعل ذلك پروپ، بل يجب البحث عنها فيما هو سابق عنها. وبعبارة أخرى، يجب الاعتراف بأن السردية هي كيان منظم بشكل سابق على تجليها، في مستوى غير مرئي من خلال التجلي النصي.
ومن جانب آخر، عوض أن يكون التتابع الوظيفي مجرد جرد إحصائي يختصر الأحداث المروية داخل القصة، فإنه سيتحول إلى قواعد تركيبية تحكم البناء النصي في مستواه التوزيعي. وبتعبير آخر هناك إلى >جانب العلاقات الاستبدالية التي تمت الإشارة إليها، نصادف علاقات توزيعية قابلة للعب دور للبنيات السردية. وبهذا سيحل التعرف على هيكل علائقي منـظم للحكاية محل التعريف الپروپي للحكاية القائم على تتابع واحد وثلاثين وظيفة <.(31)
وتعد هذه التعديلات، في واقع الأمر، صياغة جديدة للنموذج الپروپي. وهكذا، عوض الحديث عن الوظيفة، يجب الحديث عن الملفوظ السردي، وبدل الحديث عن دوائر الفعل، يجب الحديث عن العامل كبؤرة للاستثمار الدلالي، وبدل النظرة التوزيعية، يجب التفكير في الكشف عن مستوى آخر لتنظيم السردية وهو ما توفره النظرة الاستبدالية، وبدل الحديث عن التتابع الوظيفي يجب الحديث عن خطاطة سردية، تمثل تمفصلا منظما للنشاط الإنساني توزيعيا واستبداليا.
انطلاقا من هذه الملاحظات، فإن ما كان يوهم أنه ينتمي إلى المستوى العميق ( التجريد المؤدي إلى الشكف عما يقع وراء السير الظاهري للأحداث)، فإنه لا يتجاوز، وفق الصياغة الجديدة للنموذج، حدود المستوى السطحي. استنادا إلى هذا، >فإن التنظيم التركيبي المستخلص من النموذج التركيبي لا يتجاوز حدود التركيب المشخص في تصور گريماص. إنه تركيب عاملي وحدثي يقع على المستوى السطحي في علاقته بالمستوى المنطقي الدلالي وبالمربع السميائي، ولكنه يقع على مستوى العميق في علاقته بالمستوى الخطابي للممثلين (الشخصيات) وأدوارهم، وفي علاقته بالإجراءات التصويرية والتشكل الخطابي<. (32)
ورغم كل ذلك، فإن هذه التعديلات وهذه الانتقادات لا تقلل من أهمية پروپ، ولن تمس في شيء من قيمته التاريخية، وسيظل هذا المشروع، رغم نقائصه التي لا يخلو منها أي مشروع طموح، قمة في تاريخ السميائيات السردية، ومرجعا أساسيا لكل الذين يريدون الاطلاع على المنجزات الحديثة للسرديات. بل يمكن القول > إن قيمة المشروع الپروپي لا تكمن في عمق التحليلات التي تسنده، ولا في دقة الصياغات، وإنما في طبيعته الاستفزازية وفي قدرته على إثارة الفرضيات. ومن هنا، فإن ما يميز منهج السميائيات السردية، هو تجاوز خصوصية الحكاية العجيبة والمهمة الملقاة حاليا على عاتق هذا المنهج هي تعميق مفهوم الخطاطة السردية بصيغتها التقنينية<. (33) .
الهوامش
1- R / Barthes : Introduction à l'analyse structurale du récit, éd Seuil, 1977, p 7
2- إن جل ادراسات السابقة عن المشروع الپروپي كانت تنظر إلي الحكايات العجيبة من خلال عناصر غير مميزة كالموضوعات أو القيم الخ.
3- VPropp : Morphologie du conte merveilleux , éd Seuil; 1970
4- أول ترجمة إلى اللغة الفرنسية ظهرت سنة 1970، كما قام ابراهيم الخطيب بنقله إلى العربية .
5- prop , من ص 13 إلى ص 15
6- نفسه ص 25
7-P . Ricoeur : Le récit de fiction ,in La narrativité, ouvrage collectif, éd centred'histoire des sciences et des doctrines , Paris, 1980 , p. 29
8-prop, p. 31
9- نفسه ص 31
10- نفسه ص30
11- نفسه ص 31
12- نفسه ص 32
13- P . Ricoeur : Le récit de fiction, p. 30
14-propp, p p. 86 - 95
15- نفسه ص 102
16- J/ Courtès, Le conte populaire : poétique et mythologie; éd, P U F, Paris, 1986 , p. 15
17 )
Levis -Strauss (Claude) : Anthropologie structurale deux . èd . plon , 1973 P : 158
18 ) نفس المرجع ص : 158

الفصل الثاني
السميائيات السردية
تمهيد
ينطلق گريماص، وهو المؤسس الفعلي للسميائيات السردية، من ملاحظة مفادها أن الذهن البشري ينطلق من عناصر بسيطة لكي يصل إلى خلق موضوعات ثقافية. ويسلك في هذا سبيلا معقدا يواجه فيه إرغامات عليه أن يتجاوزها، وتفرض عليه اختيارات عليه أن يحدد موقعه ضمنها. إن هذا المسار المعقد يقود من المحايثة إلى التجلي عبر ثلاث محطات رئيسة :
1 - هناك أولا البنيات العميقة، وهي بنيات تتحدد داخلها الكينونة الإنسانية بتنوع أشكال حضورها الجماعي والفردي، وهو ما يشير إلى ضرورة تحديد الشروط الموضوعية الخاصة بالموضوعات السميائية. وتتميز هذه البنيات بوضع منطقي. وبعبارة أخرى، فإن الأمر يتعلق في هذا المستوى بتحديد جوهر الخزان الثقافي الذي يتحكم لاحقا في أشكال تحقق السلوكات المخصوصة. فما يبرر هذا السلوك أو ذاك ليس حكما سطحيا ينصب على حدود التحقق، بل ارتباط هذا السلوك بثقافة تبرره وتفسره.
2 - هناك ثانيا البنيات السطحية، وتشكل هذه البنيات نحوا سميائيا، أي مجموعة من القواعد التي تقوم بتنظيم المضامين القابلة للتجلي في أشكال خطابية خاصة. فالوجه المجرد لا يمكن أن يكون سوى احتمال، في حين يشكل الوجه المرئي، أي الوجه المتحقق، المدخل نحو تحديد الحياة من خلال حدود زمنية، أي صب السلوك داخل وضعية مخصوصة.
3 - ثم هناك بنيات خاصة بالتجلي، وتقوم هذه البنيات بإنتاج وتنظيم الدوال، والأمر يتعلق في هذه الحالة، بالوجه اللساني للقيم. (1)
ويمكن النظر إلى هذه الملاحظة من زاويتين : الزاوية الأولى تعود إلى عملية التسنين الخاصة بالمضامين المتنوعة المرتبطة بالنشاط الإنساني (المضامين اللسانية والاجتماعية والثقافية). وتعد هذه العملية تمثيلا لغويا لنشاط غير لغوي، مادامت المفهمة، بمعناها الواسع، هي تعميم للذاكرة الفردية لكي تتطابق مع مجموع الذاكرات الخاصة بالمجموعة اللغوية ككل. وتعود الزاوية الثانية إلى عملية تحيين ما تم تثبيته عبر الممارسة المتكررة لنفس السلوك، من خلال أشكال خطابية خاصة. ويعني هذا الأمر إمكانية منح هذه الأشكال بعدا زمنيا يدرج ما يبدو ثابتا داخل سيرورة زمنية جديدة.
أما فيما يتعلق بالزاوية الأولى (عملية التسنين)، فإنها تعود إلى كون السلوك الإنساني في غناه وتنوعه لا يمنحنا فرصة رصد كافة العناصر المشكلة له، ويعود ذلك إلى أن هذا السلوك بتجاوز حدود المجهود الذي تتطلبه أية مقاربة قائمة على الملاحظة التجريبية. وبناء عليه فإن الإمساك بهذا الكون السلوكي ( الذي يمكن النظر إليه باعتباره مجموعة من الممارسات الدالة ) لا يتم إلا من خلال بلورة نموذج عام وكوني قادر على تكثيف واختصار هذا الغنى في بنية قابلة للتجسد في أشكال خطابية متنوعة هي في الأصل تشخيص لبنية دلالية بالغة التجريد، وستكون هذه البنية مخزونا لسلسلة هائلة من الإمكانات الدلالية.
وإذا كان هذا المستوى يشتغل كشكل سابق عن أي تجلي لساني أو غير لساني ( لأنه قابل للظهور من خلال مواد تعبيرية مختلفة)، فإنه على الرغم من ذلك يحتوي على أولى الأشكال التنظيمية وذلك من خلال ارتباط مجموعة من القيم المضمونية بعضها ببعض ضمن سلسلة من العلاقات المتنوعة، وهذا يجعل الانتقال من المستوى التجريدي إلى المستوى المحسوس المشخص أمرا قابلا للتصور.
أما فيما يتعلق بالزاوية الثانية، فإن عملية القلب التي تقوم بتحويل العلاقات إلى عمليات عبر إدخال الفعل التركيبي ( الإجراء) كشرط أساسي لهذا التحول، ليست شيئا آخر سوى تفجير للبنية الدلالية المنطقية في مجموعة من المسارات ذات الطابع التصويري ( البعد المجرد في مقابل البعد المشخص). وسنكون مع هذا التحول، أمام نظرة توزيعية لمحور استبدالي. ذلك أن إنتاج وتداول المعنى لا يمكن أن يتم إلا من خلال عملية التحيين ( كحد مقابل للتسنين)، والتحيين معناه خلق وضعية إنسانية مدرجة ضمن حدود زمنية تمنح الوجه المجرد للبنية تلوينا ثقافيا وإيديولوجيا تمييزيا.
استنادا إلى هذا، لن يكون النص سوى وجه مفصل لوجه مكثف، ولن تكون البنية سوى نص ممكن قابل للتحقق في أشكال بالغة التنوع، ولقد عبر أمبيرتو إيكو عن هذا الترابط التوليدي بقوله > إن الأثر المعنوي ( السيميم) يجب أن يمثل أمامنا باعتباره نصا ممكنا، ولن يكون النص سوى وجه مفصل لهذا الأثر المعنوي< (2)
التنظيم العميق
استنادا إلى هذه المبادئ المعرفية الأولية يمكن القول إن البشرية جمعاء تشترك في مجموعة من المضامين ( المدركة كثنائيات). وهو ما يوحدها وما يجعل التعايش ممكنا بين كل هذه الكائنات رغم الانتماءات المختلفة إلى ثقافات بالغة التنوع. إلا أن هذا القاسم المشترك لا يعني التوحد والتطابق المطلق، فكل مجتمع ينظم مضامينه بطريقته الخاصة وفق تقطيع مفهومي خاص به.
ووفق هذا التصور، فإن تحقق ما تحدثنا عنه في الفقرة السابقة وسميناه البنية المجردة ( والمقصود هنا علاقات مضمونية عامة من نوع خير (م) شر)، سينظر إليه باعتباره تخصيصا لبنيات هذا المجتمع وتمييزا لها. فلا يكفي إذن تحديد سلسلة من الثنائيات العامة من نوع : خير (م) شر ، صدق (م) كذب، قبول(م) رفض، للقول إننا قد أمسكنا بنمط اشتغال السلوك الإنساني ونمط إنتاجه للقيم. فهذه الثنائيات قد تكون لها القدرة على مدنا بمعرفة حول اشتغال سلوك اجتماعي ما، إلا أنها عاجزة على مدنا بأدوات التمييز بين هذه المجموعة البشرية أو تلك.
لهذا، فإن التسليم بوجود نموذج عام منظم للسلوك الإنساني إن كان يعد قاعدة صلبة وجسرا نحو الكشف عن خصوصية مجتمع ما، فإنه مع ذلك في حاجة إلى أن يكون متبوعا بإبراز نمط تحققه ( أو تحققاته)، ولعل هذا ما يسمح لنا بالحديث عن خصوصية النص وعن تميزه عن النصوص الأخرى. وفي هذا المجال يقدم گريماص نموذجا تجريديا قادرا، في تصوره، على استعادة كل العناصر المندرجة داخل السلوك الإنساني على شكل مواقع ترتبط فيما بينها بسلسلة من العلاقات. ويطلق على هذا النموذج المربع السميائي أو النموذج التأسيسي.
1- النموذج التأسيسي
إن فرضية النموذج التأسيسي تكمن في وجود مضامين غير متمفصلة في وحدات صغرى تخبر عنها. وبعبارة أخرى، فإن الأمر يتعلق بمضامين فكرية موجودة خارج أي سياق. فماذا يعني الخير أو الشر أوالصدق، خارج وضعيات إنسانية ملموسة تحدد للخير والشر والصدق مضامينها. وبالإضافة إلى ذلك فإن أي مقولة من هاته المقولات هي كما هي في حدود ارتباطها سلبا بما ينفيها ( الشر مثلا ) ومرتبطة إيجابا بما يثبتها أو يدعمها ( المقولات المنتمية لنفس الكون الدلالي ). إن هذه المضامين في حاجة إلى تحريك.
ومن حقنا، تبعا لهذا التصور، أن نتساءل عن موقع النص السردي ببنياته وتجلياته المتنوعة من هذا المسار : كيف يمكن رد النص السردي، ببعده التشخيصي التصويري، إلى بنية دلالية منطقية سابقة عنه في الوجود ومولدة له ؟ وكيف يمكن التحول من المفهومي المجرد، إلى المشخص المحسوس ؟
إذا تركنا جانبا المستوى الثالث، وهو المحطة الثالثة داخل مسار التوليدي (إنه مستوى يعود إلى علم الأسلوب بأدواته وتقنياته الخاصة)، فسيكون بإمكاننا التمييز بين مستويين للتمثيل والتحليل.
- مستوى سطحي، وفيه يخضع السرد، بكل تمظهراته لمقتضيات المواد اللغوية الحاملة له، أي مجموع العناصر التي تدرك من خلال التشخيص ذاته. وبعبارة أخرى يتعلقالأمر بالنص في تجلياته الخطية المباشرة كما يقرأه أي قارئ عادي.
- مستوى عميق، ويشكل جذرا مشتركا تكون السردية داخله منظمة بشكل سابق عن تجليــــها من خلال هذه المادة التعبيرية أو تلك (3). وبعبارة أخرى فإن الأمر يتعلق بإمكاية الإمساك بـ"الفكرة " التي يحاول أن يعبر عنها النص، فهذه الفكرة يمكن أن أن نعبر عنها من خلال صورة أو فيلم أو رقصة ...
ويشكل هذا التمييز بين مستويين للتنظيم السردي ( الأشكال المتنوعة للتجلي السردي) القاعدة التي يستند إلىها الخطاب من أجل تشكله ومن أجل إنتاج مكوناته. وعلى هذا الأساس، >عوض أن نتعامل مع الخطاب باعتباره تسلسلا للملفوظات، يجب القول إن الخطاب، باعتباره كلا دالا، يمثُل أمامنا على شكل تأليف تام يتحلل بعد ذلك تدريجيا، لينفجر في النهاية على شكل ملفوظات خاصة <. (4)
استنادا إلى ذلك يمكن القول إن السردية، باعتبارها نشاطا إنسانيا للتمثيل ولإنتاج الدلالات، لا تعبأ بمادة تمظهرها، فهي قابلة للظهور من خلال مواد تعبيرية أخرى غير اللسان (السينما، المسرح، الحركات الجسدية، الصورة المتحركة أو الثابتة ).
انطلاقا من هذا، يحدد گريماص شروط وجود السردية، باعتبارها نشاطا مرتبطا بالسلوك الإنساني، في وجود نموذج دلالي /منطقي يشتغل كمعادل لبنية مشخصة. وفي هذا الاتجاه يقترح، للانتقال من المستوى الأول إلى المستوى الثاني، مسارا توليديا يقودنا من البنية الدلالية المنطقية إلى التمظهر النصي، عبر محطات تخضع لمجموعة من المقتضيات. وما دام الحديث عن السردية، هو بشكل من الأشكال، الحديث عن السميائيات باعتبارها علما عاما للدلالة، فإن شروط إنتاج النص السردي لا تنفصل عن شروط إنتاج الدلالة باعتبارها سيرورة في الوجود وفي الاشتغال.
2- تسريد النموذج التأسيسي
كيف يتم الانتقال إذن من النموذج التأسيسي إلى ما يشكل قصة تدرك كمجموعة من العناصر المشخصة ( زمان، مكان، شخصيات الخ...) ؟ وبعبارة أخرى كيف يمكننا خلق نص سردي انطلاقا من بنية دلالية بسيطة ؟
إن هذا الانتقال ممكن من خلال عملية التسريد، أي من خلال إعطاء بعد سردي لمقولة بالغة العمومية والتجريد. ولكي نتحدث عن عملية التسريد، باعتبارها التباشير الأولى للتحول المضموني المحدد من خلال تمفصل الدلالة في وحدات تقابلية (الحزن ( م ) الفرح مثلا)، يجب طرح البنيات السردية وتحديد وضعها داخل الاقتصاد العام لعملية الإمساك بالمعنى.
وبعبارة أخرى يجب تحديد وضع هذه البنيات داخل المسار التوليدي للدلالة. وفي هذا الاتجاه ينظر گريماص إلى البنيات السردية > باعتبارها عنصرا يحتل موقعا توسطيا بين المحافل الأساسية الأولى، أي البؤرة التي تتلقى فيها المادة الدلالية أول تمفصلاتها وتتحدد كشكل دال، وبين المحافل النهائية، حيث تظهر هذه الدلالة من خلال لغات متعددة <.(5) وفي ضوء هذا التحديد سنكون أمام تنظيمين مختلفين لنفس الكون الدلالي .
- تنظيم عميق ويطرح داخله المعنم (Séme) بصفته العنصر المميز والمسؤول عن أي تمفصل دلالي. وسيكون النموذج التأسيسي أول أشكال التنظيم الدلالي. والمقصود بالمعنم ما عبرنا عنه في الفقرة السابقة بالوحدات الصغرى التي من خلالها نستطيع الإمساك بالمضمون.
- تنظيم سطحي، ويتم داخله طرح الآثار المعنوية (séméme) باعتبارها نتاجا لدخول المعانم في علاقة مع بعضها البعض، وسيكون النموذج العاملي، بوصفه صيغة تركيبية، معادلا للنموذج التكويني. ويتعلق الأمر، بعبارة أخرى، بالوقع الذي ينتج عن الوضعيات الملموسة التي تقوم بتجسيد هذه المضامين.
بناء على ذلك، فإن تحديد البنيات السردية، وتخصيص موقعها كمستوى بنيوي توسطي بين المحايثة والتجلي، يفرض علينا أن نقلب المعادلة التحليلية. > فعوض أن نتحدث عن توليد الدلالة من خلال إنتاج الملفوظات المتمفصلة في خطاب تام، يجب الحديث عن البنيات السردية باعتبارها أداة إنتاج الخطاب المتمفصل في الملفوظات <. (6) وتبعا لهذا، فإن مقاربة أي نص سردي، يفرض تحديد مستويين للتحليل يقود أحدهما إلى الأخرى. ويحدد گريماص هذين المستويين في شكلين : دلالة أصولية ونحو أصولي من جهة، ونحو سردي من جهة ثانية.
فماذ تعني الدلالة الأصولية ؟ إنها تحيلنا العنصر على البنية الدلالية البسيطة، باعتبارها محورا دلاليا يتمفصل في معنمين متقابلين من نوع :
أبيض (م) أسود
وتحدد هذه البنية الشروط الأساسية والأولية للإمساك بأي كون دلالي دونما اهتمام بمادة التمظهر. > فإذا كان هناك من شيء يدل على شيء ما، فإن هذا التدليل لا يعود إلى قدرة حدسية محددة لمضمون ما يدل عليه هذا الشيء، ولكنه يعود إلى كوننا نستطيع انطلاقا منه تحديد نسق من العلاقات مثل :
علاقة ضدية.................. أبيض (م) أسود
علاقة تناقضية ............. أبيض (م) لا أبيض
أسود (م) لا أسود
علاقة اقتضائية ............ لا أبيض (م) أسود
لا أسود (م) أبيض <(7)
وسنكون جينها أمام النموذج التكويني أو المربع السميائي باعتباره تأليفا تقابليا لمجموعة من القيم المضمونية :
أبيض س1 س 2 أسود
لاأبيض س2 س1 لاأسود
إن هذه البنية الدلالية البسيطة، قابلة للانفجار في أية لحظة في عناصر مشخصة، وتحتوي في داخلها، أي في مستواها المحايث وقبل تحققها داخل سياق محدد، على قدرة توليد سلسلة من العلاقات الداخلية. وبعبارة أخرى، فإنها تمتلك القدرة على جعل المعنى قادرا على التدليل، > إنها تجعل من وحدة معنوية ما كونا دلاليا صغيرا، أي نسقا علائقيا بسيطا، فما يكون هو ما ينظم أيضا، وهو أيضا ما يسمح بالتحكم لاحقا في المعنى، أي الإمساك بالعنصر الذي يحكم كل التحولات الآتية <. (8)
إن وجود بنية دلالية مولدة للنص السردي وسابقة عليه، لا يعني أننا أمام قيم مضمونية تتحرك خارج البنية الزمنية المسؤولة عن تنسيق كل كون دلالي، إنها على العكس من ذلك قيم مضمونية محددة من خلال الممارسة الاجتماعية نفسها. إن هذه القيم وليدة السلوك الإنساني بكل عناصره المعقدة والبسيطة والمتنافرة. فالسلوك الفردي يدرك في ذاته كممارسة عينية، أي كتحقق خاص لشكل سلوكي عام، ويُدرك في علاقته بالسلوك الإنساني باعتباره مجموعة من السنن المتحكمة والمؤولة لما هو متحقق في شكل خاص.
وبناء عليه، فإن البنية الدلالية البسيطة التي يقول عنها گريماص إنها ذات طابع لازمني، يمكن اعتبارها مؤولا نهائيا، (9) بالمفهوم الذي يُعطيه بورس لهذه الكلمة، أي أنها تعد نقطة نهائية داخل سلسلة من الإحالات ونقطة بدئية داخل سلسلة أخرى من الإحالات. ولهذا، فإن اللازمنية المميزة لهذه البنية يجب أن تفهم بمعنى قابليتها للتحقق في أشكال خطابية بالغة التنوع.
أما النحو الأصولي فيحيلنا على نمط الاشتغال التركيبي للنموذج التأسيسي. إن الأمر يتعلق بقواعد منطقية غير مرئية على المستوى السطحي، ولكنها تعد في واقع الأمر، الأساس الذي يستند إليه الإنسان في تصريف مضامينه. وهو ما يعني، بعبارة أخرى، أن >البنية الدلالية المشار إليها أعلاه لكي تكون لها القدرة على توليد سلسلة من الحالات المتقابلة فيما بينها يجب أن تستجيب لما يلي :
- أن تتشكل في مستوى محايث، أي بعيدا عن أي شكل من أشكال التمظهر.
- أن تمتلك طابعا خطابيا، أي يجب أن يكون حجم الوحدات المكونة لها أكبر من الملفوظ.< (10)
فما نحدده كنفي لهذا المضمون وإثبات لذاك، أو الانتقال من حالة الأشياء هاته إلى حالة أخرى يخضع لمنطق من العلاقات الضمنية التي تحدد نمط تشخيص لقيم وتداولها.
إن هذين العنصرين هما ما يسمح، في هذه المرحلة المبكرة من التوليد الدلالي، بالربط بين الدلالي والتركيبي، أي الانتقال من العلاقات ( ما يكون وينظم ) إلى العمليات ( استشراق آفاق الفعل الحدثي بحصر المعنى ). >فالنموذج التأسيسي هو ذلك المبدأ التصنيفي الذي تتمفصل داخله، وتظهر انطلاقا منه القيم، وإجراءات خلق القيم المتواترة للإيديولوجيا. وإذا كان هذا النموذج قابلا لتوليد أشكال خطابية غير سردية، فإنه يعد أيضا قاعدة أساسية لكل سيورة ديناميكية مولدة للتركيب السردي <. (11)
وعلى أساس وجود قواعد للتحول الممكن من الدلالي إلى التركيبي ( من العلاقات إلى العمليات )، يمكن فهم مقولة "الإمكانات السردية" أو التوقعية المرتبطة بأي فعل سردي يأخذ على عاتقه سرد مجموعة من الأحداث التي تشكل القصة كنص سردي. فكما أن التجربة الفردية تجربة فريدة ولا يمكن إعادة إنتاجها إلا من خلال إدراجها داخل نسق عام هو تكثيف لمجموع السلوكات الممكنة، فإن الفعل السردي، في تفرده وخصوصيته، يجب أن يدرك كتحقق لإمكانية معينة ضمن إمكانات أخرى متضمنة داخل نص سردي كوني.
انطلاقا من هذا، فإن تحقق البنية الدلالية البسيطة في نص معين ( مع ما يعنيه هذا من طرح للخصوصية التي يفرضها الشكل الخطابي الحامل لهذه البنية)، يمر عبر مصفاة الإمكانات السردية باعتبارها الأداة الرئيسة لخلق العالم المشخص. وإذا كان بإمكاننا أن نسرد نفس القصة بطرق متنوعة، فإن عملية السرد هاته تكشف في كل تحقق عن تلوين ثقافي، أو عن بعد إيديولوجي جديد. من هنا، فإن الانتقال من الدلالي إلى التركيبي، ودخول ذات الخطاب (لذات التي يقع على عاتقها تجسيد هذه القيم ) كأساس لهذا الانتقال يشكل التباشير الأولى لكل تحديد إيديولوجي، فهذه الذات هي المحددة أيضا لنوعية التحقق السردي للبنية الدلالية البسيطة.
كيف يمكن إذا تسريد هذا النموذج ؟ وبعبارة أخرى هل بإمكاننا إعطاء بعد ديناميكي لنموذج يتسم بالسكونية ؟ كيف يمكن توليد دلالة سردية انطلاقا من سلسلة من العلاقات الثابتة؟. وبعبارة أخرى، كيف يمكن انطلاقا من مقولة الخير أن ننتج قصة قد تروي لنا أشكالا متعددة من الخير؟
إذا كنا نسلم أن كل >موضوع سميائي يتحدد من خلال نمط إنتاجه، فإن المكونات المتضمنة في هذه السيرورة تتمفصل في مسار يقود من العنصر الأكثر تجريدا إلى العنصر الأكثر محسوسية<. (12) وتبعا لذلك، فإن إنجاز عملية تسريد البعد المفهومي وتحويله إلى بنية مشخصة يجب أن يتم من خلال التحول من الدلالي إلى التركيبي، أي التحول من العلاقات إلى العمليات. فعوض الاكتفاء بالقول إن الصدق مرتبط بالكذب، يجب أن نتصور إمكانية الانتقال من حالة يسودها الكذب إلى حالة مفعمة بالصدق، زي من الإثبات إلى النفي. ذلك أن المبدأ التركيبي هو سلسلة من القواعد التي تتحكم في المبدأ الدلالي، و> هذا يعني التعامل مع الدلالة باعتبارها إمساكا أو إنتاجا للمعنى من طرف ذات معينة<. (13) إن العلاقات المكونة للنموذج التأسيسي تتحول إلى عمليات وذلك بحكم طبيعة تشكل النموذج ذاته، فلكي تتم عملية التحول هاته، لا بد من إدخال الفعل التركيبي، وإثارة هذا الفعل يستدعي بالضرورة إدخال ذات الخطاب بصفتها المحفل الذي يأخذ على عاتقه تحويل المفهومي إلى عنصر مشخص.
إن عملية الإثبات والنفي الخاصة بالمضامين تشير إلى أولى العلاقات التحويلية الممكن إنجازها وطرحها على شكل ملفوظ سردي بوجهيه الانفصالي والاتصالي. > حينها ستبدو العلاقات الثلاث : التناقض، الاقتضاء والعكس، باعتبارها تحولات، وستعمل هذه التحولات على نفي مضمون وإثبات آخر. حينها سنسمي ''الانفصال'' التحول الخاص بالنفي، وسنسمي ''الاتصال'' التحول الدال على الإثبات. وإذا نظرنا إلى هذه التحولات من زارية كونها عمليات، فسنكون حينها أمام الشروط الأولية للتسريد<. (14) وهكذا يمكن تشخيص هذه العملية من خلال الانتقال في عملية النفي أو الاثبات، من الحد الأول للنموذج التكويني :
س1 ـــــــــــ س 1
س1 ــــــــــــ س 1
وكذلك الأمر بالنسبة للحد الثاني :
س2 ـــــــــــ س2
س2 ــــــــــ س 2
واستنادا إلى هذه العمليات، ستحدد الخصائص الرئيسية للنحو الأصولي، وهي الخصائص التي ستمكننا من بناء نحو سردي سطحي ( أي بناء التركيب السردي المحض). ويجمل گريماص هذه الخصائص في العناصر التالية :
1 - يتكون النحو السردي من مورفولوجيا أولية، يوفرها النموذج التصنيفي، ومن تركيب أصولي.
ب - التركيب السردي يتحدد من خلال احتوائه على عميات تسقط على حدود قابلة للاستثمار الدلالي.
ج - العمليات التركيبية الواقعة في الإطار التصنيفي عمليات موجهة.
د - إن هذه العمليات منظمة في متواليات وتشكل إجراء يمكن تجزيئه في وحدات تركيبية إجرائية. (15)
إن عملية القلب هاته هي التي تسمح لنا بالانتقال من النحو الأصولي إلى التركيب العاملي المشخص. أي من القواعد الضمنية إلى حالات مجسدة لهذه القواعد ( استعباد - مستعبد). وهذا لا يعني التحول من المفهومي إلى الحدثي مجسدا في أفعال إنسانية بإطارها الزمكاني. فنحن في هذه المرحلة لا نقوم إلا بنقل القيم اللسانية المجردة إلى قيم مشخصة، أيننظر إلى القيم باعتبارها محمولات قابلة لتوليد محافل تأخذ على عاتقها عملية تحيينها في أحداث محددة. > فعندما تتم عملية القلب التي تقوم بإسقاط الاستبدالي (الصرفي التصنيفي) على التوزيعي (التركيبي الإجرائي)، وتتحول المعانم العميقة إلى وحدات مستترة ينظر إليها كتطابق تجريدي وكوحدات مضمونية، حينها يكون بإمكاننا الانتقال من التركيب الأصولي إلى التركيب المشخص الذي يقوم بالكشف عن ''المنطق'' العميق الذي يظهر في الحكايات تحت غطاء الخطابي التصويري <. (16)
وهكذا فإن علاقة التناقض وكذا العمليات التي عبرها تتم عملية النفي والإثبات الخاصة بالحدود المتناقضة ستأخد شكل تمثيل تشخيصي ذي طبيعة سجالية : نحن أمام ذاتين ذ 1 و ذ 2 تتصارعان من أجل الحصول على موضوع ما، وتتحددان، عبر هذا الصراع، بصفتهما قطبين متناقضين. إن موضوع هذا الصراع وغلبة إحدى الذاتين على الأخرى، هو ترجمة تشخيصية للعملية التي من خلالها يتم نفي أحد الحدود المشكلة لبنية التناقض.
وبناء عليه، فإن القلب هو قراءة المستوى الأول من خلال المستوى الثاني، واعتبار المستوى الثاني وجها آخر للمستوى الأول. وبعبارة أخرى، فإن القلب لا يعني التحول من مستوى إلى آخر بقدر ما يعني إعطاء صياغة جديدة لنفس المستوى.
يستفاد من هذا أن عملية القلب هي منطلقنا نحو طرح المستوى العاملي، وفي هذا المستوى فقط سيتم التحول والانتقال إلى المستوى السطحي، حينها ستلوح في الأفق معالم قصة تعج بالأحداث. > فالمقولات الدلالية العميقة التي لم تكن في مرحلة ما سوى قيم لسانية ستعرف تحولا وستصبح قيما مضمونية مستثمرة في موضوعات تركيبية، وستتحول العلاقات التصنيفية إلى ملفوظات حالة، كما أن العمليات الركيبية المندرجة ضمن التركيب الأصولي، ستتحول إلى فعل تركيبي مشخص يحكم ملفوطات حالة. وهكذا سننتقل من تركيب بنيوي إلى تركيب حدثي للفعل ''لمعنى الحياة والرغبة" <. (17) وحينها نكون أمام الشكل التصويري للحكي. ويتميز هذا الشكل بحضور ممثلين مؤنسنين يقومون بنشاط ما. وبعبارة دقيقة، فإن الأمر يتعلق بطرح المضمون الحكائي للقصة المروية.
ويتميز هذا المستوى عن مستوى البنيات السردية العميقة، من حيث إن التمييز بين العوامل والممثلين يتطابق مع التمييز بين مجموع العلاقات الرابطة بين العوامل داخل البنية التي تحكم هذه العلاقات. ويتم في المستوى الثاني التمييز بين مجموع العناصر التصويرية ( الفضاء، الزمان، الممثلين). وعلى هذا الأساس، يمكن القول >إن كل عملية داخل النحو الأصولي يمكن أن تنقلب إلى ملفوظ سردي يتحدد شكله في الصيغة التالية :
و(ع) = وظيفة (عامل) <. (18)
ويمكن أن نمثل لعملية الانتقال والتمايزات الناتجة عن ذلك من خلال افتراض وجود مسار يقودنا من التجريد إلى عنصر التوسط ليصل بنا إلى المحسوس، أي إلى الوجه المشخص كمعادل للبنية المجردة.
فلنفترض أننا أمام مقولة عامة ومجردة "الاستعباد" مثلا، ولنفترض أن هذه المقولة يمكن أن تدرج ضمن محور دلالي خاص :
استعباد (م) حرية
إن عملية إعطاء مقابل مشخص لا يمكن أن يتم إلا عبر تحول هذه البنية من مجرد مجموعة من العلاقات إلى عمليات. وهذا يعني أننا، انطلاقا من المقولة المجردة، نستطيع استخراج ما يحولها إلى تركيب ( الإمكانيات الفعلية التي تحتويها) :
مستعبد (م) حر
حينها يكون بإمكاننا استشراق مجموعة من الأفعال الحدثية القادرة على إعطاء وجه مشخص لهذه البنية.
استعباد (م) حرية
مستعبد (م) حر
اتصال (م) انفصال
تجريديه (م) تصويرية
فنفي الحد الأول ( الاستعباد ) وإثبات الحد الثاني ( الحرية ) لا يمكن أن يتم إلا من خلال إسقاط سلسلة من الأفعال الحدثية المنجزة لهذا التحول. ولا يتم هذا الإسقاط نفسه إلا من خلال تحديد عنصر يعد سندا لهذه التحولات، والأمر يتعلق بالعوامل. > فإذا كان اشتغال الخطاب كما يبدو ذلك في الظاهر، يكمن في طرح مجموعة من الوحدات ( شخصيات ، فضاء، أشياء) ومنح هذه الوحدات مجموعة من الخصائص، فإن هذا يعني أن هناك عوامل تضاف إليها محمولات، وهو ما يتطابق مع الفعل التركيبي في لحظة انتشاره الزمكانية. إلا أننا إذا تركنا النظام التوزيعي ونظرنا إلى العلاقة عامل/محمول من الناحية الاستبدالية فسيكون بإمكاننا القول إن العوامل باعتبارها مضامين مستثمرة، تتشكل من خلال إبدال من المحمولات <(19).
ويمكن التمثيل لهذه المستويات على الشكل التالي :
مكون تركيبي مكون دلالي
البنيات السميائية/ المستوى العميق التركيب الأصولي الدلالة الأصولية
السردية
المستوى السطحي التركيب السردي الدلالة السردية السطحي
البنيات الخطابية التركيب الخطابي الدلالة الخطابية
الممثلون الثيمات
الفضاء التصوير
الزمان
(20)
الهوامش
1- من ص : 135-136 Greimas, avec la collaboration de F. Rastier : le jeu descontraintes sémiotique in du sens
2- ص 27 Eco (UMBERTO) : lector in Fabula, ed Grasset, 1985
3- NEF(Fréderic): structure élémentaire de la signification, ouv, coll, P : 20
4- Greimas, du sens, p. 158
5- Greimas, du sens,p. 159
6 - نفسه ، ص 159
7- Ricدur : la grammaire narrative de GREIMAS, p . 7
8- نفسه ، ص 7
9) يعد المؤول العنصر الثالث داخل حركة السميوزيسن ويقوم من خلال موقعه هذا بتحديد وضع العلامة وصحتها وذلك لكونه يعد عنصر التوسط والقانون والضرورة. وحسب دولودال فإن المؤول إما أن يكون علامة أخرى، وإما أن يكون عادة.
10) Ricدur : la grammaire narrative de GREIMAS, p .6
11 ) گريماص، المرجع السابق ، ص 163 - 164
12) GREIMAS, COURTES: Sémiotique, Dictionnaire Riasonné de la théorie du langage, Article : parcours génératif
13 ) Greimas : du sens, p . 164
14) بول ريكور المرجع السابق : ص 8
15) Greimas : Du sens, pp. 165 -166
16) Cocorda (J p) : La morpho-genès, p. 233
17) نفس المرجع ص : 233
18) ص : 168 GREIMAS, Du sens
19) ص 61-62 courtés (Joseph) : introduction àla sémiotique narrative
20) GREIMAS, courès : Sémiotique, p . 160



























الفصلالثالث
التنظيمالسطحي
حاولنا في الصفحات السابقة تقديم توضيحات كافية تخص الطبيعة الكلية للنص السردي من خلال الحديث عن بنيات سردية سابقة في الوجود عن التجلي النصي. فكل قيمة تحتوي على إمكانية للفعل قد تتولد عنها حكاية تروي بشكل مشخص ما تشير إليه هذه القيمة من خلال حدودها المجردة. وقد قادنا ذلك إلى القول بأن البنيات السميائية / السردية المشكلة للمستوى المغرق في التجريد تتجلى على شكل نحو سميائي وسردي، وذلك في حدود كونها تعد محفلا أوليا داخل المسار التوليدي. استنادا إلى ذلك فإنها تحتوي على مكونين:
- مكون تركيبي
- مكون دلالي
ويندرج هذان المكونان ضمن مستويين :
- المستوى العميق ويشتمل على مكونين : تركيب أصولي ودلالة أصولية.
- المستوى السطحي ويشتمل على مكونين : تركيب سردي ودلالة سردية.
وإذا كانت البنيات العاملية تشكل، باعتبارها تمثل التباشير الأولى للتحول المضموني، أي باعتبارها الوجه التركيبي للجانب العلائقي، مستوى توسطيا بين المحايثة والتجلي، فإنها تعد البؤرة الأساسية التي يتم من خلالها الانتقال من المستوى العميق إلى المستوى السطحي ( أي من العلاقات إلى العمليات إلى الملفوظ السردي). وما دامت تلك طبيعة موقعها، فإنها تشكل في مرحلة أولى تنظيما تركيبيا مجردا قابلا لاحتواء أشكال حدثية متنوعة، كما تقود من خلال طبيعتها تلك إلى توليد فضاءات خطابية متنوعة. ولهذ السبب فلن ينظر إليها في هذه المرحلة إلا بصفتها نسقا. ذلك أن > مجرد الربط بين عامل ومحمول يسمح لنا بتلمس قاعدة تنظيم تركيبي خاص بالتجلي المضموني، وكل إرسالية دلالية تحتوي بالضرورة على العنصرين معا، وذلك لأن العامل يتحدد انطلاقا من وجود المحمول، ويتحدد المحمول انطلاقا من وجود العامل <. (1) ففي المثال السابق الخاص بقيمة : "الاستعباد"، فانطلاقا من هذه القيمة، يمكننا أن نتصور سيرورة تقود من الحدود المجردة التي تشير إليها هذه القيمة، إلى ما ينتج عنها كمحمول، لكي نصل في مرحلة أخيرة إلى تقديم لنا وضع رنساني مخصوص يقدم وجها مشخصا لها . وهكذا نكون أمام السيرورة التالية :
استعباد ( قيمة مجردة ـــــــــ مستعبد ( عامل) ــــــــ استعبد فعل ( فعل مخصوص ).
فنحن من خلال هذه السيرورة نشتق من القيمة المجردة محمول وعامل وحالة للتشخيص. وتعد هذه الشبكة العلائقية بين العنصرين شرطا أساسيا لتداول المعنى.
وتشكل هذه البنيات في مرحلة ثانية إجراءا، أي برمجة أولية للتوليد الدلالي عبر تخصيص البنيات القابلة لاستيعاب أشكال خطابية متنوعة. وهذا يعني القيام بعملية تخطيب للبنية المجردة. وبعبارة أخرى إننا نقوم بعملية صب هذه الحدود المجردة داخل الوعاء الزمني وداخل الوعاء الفضائي. وهكذا عوض أن نتحدث عن الحياة من خلال حدود قيمية مجردة، سيكون بإمكاننا الحديث عن هذه القيم من خلال قصة تضع للتداول قيمة الاستعباد في ارتباطها بكل القيم الموازية : المضادة أو المتطابقة. وهذا يتطلب إدخال كائنات تجسد هذه القيم وتأخذ على عاتقها مهمة تشخيصها. وسنتناول البنيات العاملية من زاويتين :
- الزاوية الأولى وتحدد النموذج العاملي باعتباره نسقا.
- وتحدد الزاوية الثانية هذا النموذج باعتباره إجراءً.
1 - النموذج العاملي باعتباره نسقا
إذا كان بإمكاننا تحديد النموذج العاملي بصفته استعادة استبدالية للسير التوزيعي للأحداث المروية داخل قصة ما، فإنه يتحدد من زاوية الدلالة كإنتاج للسير التوزيعي لهذه الاحداث. وبعبارة أخرى فإن النموذج العاملي هو أساس تشكل النص كأحداث، أي كصيغة تصويرية. ذلك أن التعرف على الانتظامات الداخلية للحكاية، يدلنا على وجود '' تكرار'' في الأحداث، أي وجود خطاطة تتشكل من مجموعة من العناصر الدائمة الثبات. ولهذا السبب، يمكن اعتبار النموذج العاملي تعميما لبنية تركيبية. أو هو، بعبارة أخرى، شكل قانوني لتنظيم النشاط الإنساني، أو هو النشاط الإنساني مكثفا في خطاطة ثابتة.
ويمكن أن نحدد هذا النموذج من خلال تعابير بسيطة باعتباره شكلا يجمع داخله كل العوامل المحددة للفعل الإنساني : هدف للفعل، ما يدفع إلى الفعل، المستفيد من الفعل، الرغبة في الفعل، المساعد على الفعل، والمعيق لهذا الفعل.
وإذا كان النموذج العاملي، في تصور گريماص، هو نتاج عمليه قلب للعلاقات المشكلة للنموذج التأسيسي، فإن جذوره، من زاوية صياغته النموذجية، توجد في أعمال سابقة يحددها گريماص في ثلاثة : نموذج پروپ، نموذج سوريو، ونموذج تنيير.
1 - نموذج پروپ
إذا كانت الحكاية عند پروپ هي تتابع لواحد وثلاثين وظيفة يحكمها تتابع منطقي خاص، فإن هذا العدد من الوظائف موزع على عدد محدود من الشخصيات، وكل شخصية تتحدد انطلاقا من وجود دائرة فعل ترسم لهذه الشخصية موقعها، كما تحدد لها لحظة ظهورها داخل الحكاية. وعلى هذا الأساس >إذا كان بإمكاننا تحديد الوظائف، 1،2،3 كعناصر مكونة لدائرة فعل العامل (ع 1)، فإن ثبات هذه الدائرة من حكاية إلى أخرى هو مايسمح باعتبار الممثلين م1، م2 ،م3 كمتغيرات متنوعة لعامل واحد محدد من خلال دائرة فعل ما<. (2) فبالإمكان التعرف في هذا المظهر الدائم التغير على عنصر ثابت يمثل شكلا قارا ومسكوكا لأفعال متحولة، ولكنها محددة ضمن دائرة سلوكية معينة. والخلاصة أن >التأليف بين مجموعة من الممثلين بشكل حكاية خاصة، وتعتبر البنية العاملية جنسا. فالعوامل يملكون، في علاقتهم بالمثلين وضعا ميتا - لغويا، ويفترضون تبعا لذلك، تحليلا وظيفيا، أي تأسيسا لدوائر للفعل<. (3) ويحدد پروپ هذه الدوائر في سبع (انظر تسمية هذه الوظائف في الفصل التمهيدي ).
ولئن كان هذا النموذج يعد خطوة هامة نحو فهم واستيعيات ميكانيزمات اشتغال الحكاية ( البنيات السردية للحكاية )، فإنه ظل مع ذلك، حبيس مستوى بالغ التجريد. فقد أهمل پروپ في دراسته الحديث عن طبيعة هذا النموذج وعن قدرته على توليد سلسلة من البنيات الخطابية المانحة لكل نص تلوينه الخاص (الثقافي والإيديولوجي)، كما أهمل تحليل العلاقات الرابطة بين مجمل العناصر المكونة للنموذج. ( انظر ما قلناه عن هذا النموذج التحليلي في الفصل التمهيدي) .
ب - نموذج سوريو
وفي نفس الاتجاه، استطاع سوريو، انطاقا من النصوص المسرحية هذه المرة، استخراج نموذج عاملي يكثف ويلخص مجموع التطورات والتحولات التي يزخر بها النص المسرحي، ويتكون نموذجه من ست خانات يحددها في المواقع التركيبية التالية :
- الأسد : القوة الثيمية الموجهة
- الشمس : ممثل الخيرالمنشود للقيمة الموجهة
- الأرض : المستفيد المحتمل من هذا الخير ( أي المحفل الذي يعمل الأسد لصالحه )
- المريخ : المعيق
- الميزان : الحكم، واهب الخير
- القمر: الهجوم الجديد، مضاعفة إحدى القدرات السابقة .(4)
> إن أهمية فكر سوريو، تكمن في أنه برهن على أن التأويل العاملي يمكن تطبيقه على نصوص مختلفة عن الحكايات الشعبية ( النصوص المسرحية ). ولقد كانت نتائج هذا التطبيق بنفس قيمة النتائج التي تم الحصول عليها انطلاقا من التطبيقات على الحكايات الشعبية. ففي تصنيف سوريو نعثر، وإن بتعابير مختلفة، على نفس التمييزات بين القصة الحدثية (التي لا تشكل عنده سوى سلسلة من الذوات الدرامية)، وبين مستوى الوصف الدلالي (الذي ينجز انطلاقا من ''الوضعيات'' القابلة للتفكيك في إجراء وعوامل<. (5) وما يمثل مشكلة وعائقا في تكون وتصنيف هذا النموذج هو الاستثمار الدلالي الذي خضع له في مرحلة مبكرة من صياغته، أي في مستواه التجريدي ( لنلاحظ أن كل خانة محددة من خلال اسم يحيل على سلوك محدد معطى بشكل سابق)، والحال أن أي استثمار دلالي لا يتم إلا من خلال التحقق العيني للنصوص، أي من خلال البنيات الخطابية التي تخصص التحقق.
جـ- نموذج تنيير
إن الرافد الثالث في نظرية گريماص العاملية، يمثلها النحو البنيوي لتنيير، وتتمثل استفادة گريماص من فكر تنيير> في التعريف الذي يعطيه هذا الأخير للملفوظ. فالملفوظ عنده فرجة دائمة : هناك فاعل، وهناك فعل وهناك مفعول به. إن هذه الفرجة تتميز بعنصر بالغ الأهمية يكمن في التوزيع الثابت والدائم للأدوار، فقد تتغير المحافل التي تقوم بالفعل، وقد يتنوع الفعل كما قد يتغير المفعول به، لكن العنصر الضامن لاستمرارية الملفوظ (الفرجة) هو هذا التوزيع بالذات. (6)
انطلاقا من هذه الخصائص سيعمل گريماص على تعميم هذه البنية وإعطائها نفسا يتجاوز حدود الجملة، > فإذا كان الخطاب '' الطبيعي '' لا يمكنه إضافة عدد جديد من العوامل، كما لا يمكنه توسيع دائرة الإمساك التركيبي بالدلالة إلى ما هو أبعد من الجملة، فإن الأمر لا يختلف عن ذلك في كل كون دلالي صغير، بل وعلى العكس من ذلك، فإن كل كون دلالي صغير لا يمكن تحديده ككون، إلا في حدود قدرته على المثول أمامنا وفي كل لحظة بصفته فرجة بسيطة، أي بنية عاملية<.(7) ومع ذلك، فإن طابع الفرجة هذا يطرح مشكلة تخص عدد المحافل المنخرطة في الملفوظ، فإذا كانت الجملة من الناحية التركيبية الخالصة تتسع لأكثر من فاعل ولأكثر من فعل، ولأكثر من مفعول به، فإن نقل هذا النموذج إلى ميدان آخر غير اللسانيات يتطلب إلحاق تعديل يمس طبيعة الفرجة، وطبيعة الأدوار.
وفي هذا المجال، يقترح گريماص نوعين من التعديلات :
- فمن جهة يجب تقليص العوامل التركيبية وردها إلى وضعها الدلالي ( فلئن تتلقى ماري رسالة، أو أن يبعث لها بها، فإنها ستظل دائما مرسلا إليه).
- ومن جهة ثانية يجب تجميع كل الوظائف المنضوية داخل متن ما، وإسنادها إلى عامل دلالي واحد، وذلك لكي يكون لكل عامل استثماره الدلالي الخاص به، وبعدها يمكن القول بأن مجموع العوامل، كيفما كانت طبيعة العلاقة التي تجمع بينهم، يمثلون التجلي في كليته. (8) وبهذا، تصبح الجملة، باعتبارها مسرحا للفرجة منطلقا لتوليد بنية تركيبية كبيرة : بنية الخطاب السردي باعتباره يتشكل من الجملة ويتجاوزها.
انطلاقا من هذه النماذج الثلاثة في تنوعها وغناها وتوزعها على مجالات مختلفة (الحكايات الشعبية، المسرح)، سيعمد گريماص إلى صياغة الصورة النهائية للنموذج العاملي باعتباره مستوى مشتقا من النموذج التأسيسي (ظهور العمليات من صلب العلاقات). ويتكون هذا النموذج من ست خانات موزعة على ثلاثة أزواج، وكل زوج محدد من خلال محور دلالي يحدد طبيعة العلاقة الرابطة بين حدي كل زوج، ويحدد في الآن نفسه طبيعة العلاقة الرابطة بين الأزواج الثلاث. ويعطي گريماص لنموذجه التمثيل التالي :
مرسل مرسل إليه
موضوع
معيق ذات مساعد
وإذا كانت مردودية النماذج الثلاثة لا تتجاوز حدود المستوى الذي انطلق منه أصحاب هذه النماذج، فإن گريماص، كان يريد لنموذجه أن يكون عاما وشاملا قادرا على احتواء مختلف أشكال النشاط الانساني، بدءا من النصوص الأدبية، انتهاء بأبسط شكل من أشكال السلوك الانساني. (9) ولقد تأتي له ذلك من خلال محاولته الدائمة البحث عن هذا النموذج لا في تنوع السلوك الانساني، بل في الأشكال البسيطة المولدة لهذا التنوع. > فإذا لم يكن بإمكاننا القيام بوصف شامل لكل الإمكانات التأليفية للنشاط الإنساني في مستواه السطحي علينا البحث - داخل الخطاب نفسه - عن المبدأ الذي يمكن أن يقودنا إلى بناء النموذج في مستواه العميق <. (10) وسنحاول فيما يلي أن نقدم تعريفا لحدود هذا النموذج من خلال تحديد الروابط الممكنة بين أطرافه وذلك من خلال صب هذه الحدود في محاور دلالية محدودة العدد والطبيعة.
المحاور
فهذه المحاور تعبر عن الرغبة في حالة العلاقة بين الذات وموضوعها، ففي غياب موضوع مرغوب فيه لا مجال للحديث عن ذات أو رغبة. وعن الصراع في حالة العلاقة الرابطة بين المعيق والمساعد، فالرحلة التي لا تصادف ما يعيق استمرارها ولا من يساعدها على الوصول إلى الهدف لا يمكن أن تسمى رحلة. وعن التواصل في حالة العلاقة القائمة بين المرسل والمرسل إليه، فالتواصل ممكن لأن الرحلة تنطلق من رغبة لتصل إلى أهداف، وما بين الرغبة والأهداف هناك الدافع وهناك المستفيد.
- محور الرغبة : هو المحور الذي يربط بين الذات والموضع
- محور الابلاغ : وهو عنصر الربط بن المرسل والمرسل إليه
- محور الصراع : وهو ما يجمع بين المعيق والمساعد
إن هذا النموذج بعلاقاته الثلاث يضعنا أمام العلاقات المشكلة لأي نشاط إنساني، كيفما كانت طبيعته. وبعبارة أخرى فإن هذا النموذج يعد، بشكل من الأشكال، طريقة في تعريف الحياة ومنحها معنى.
ذات / موضوع
تشكل الفئة العاملية ذات / موضوع العمود الفقري داخل النموذج العاملي، إنها مصدر للفعل ونهاية له، إنها تعد مصدرا للفعل لأنها تشكل في واقع الأمر نقطة الإرسال الأولى لمحفل يتوق إلى إلغاء حالة ما أو إثباتها أو خلق حالة جديدة. وتعد من جهة ثانية نهايته، لأن الحد الثاني داخل هذه الفئة يعتبر الحالة التي ستنتهي إليها الحكاية ويستقر عليها الفعل الصادر عن نقطة التوتر الأولى. >ويمكن اعتبار الملفوظ البسيط علاقة موجهة مولدة لحديها النهائيين : ذات/ موضوع<. (11) ويمكن ترجمة هذا التوجه في الصيغة التالية :
مصدر الحركة (م) غاية الحركة
وداخل هذه العلاقة لا تتحدد الذات إلا من خلال دخولها في علاقة مع موضوع ما. ففي غياب غاية ما (محتملة أو محينة) لا يمكن الحديث عن ذات فاعلة، كما أن الموضوع لا يمكن أن يتحدد إلا في علاقته بالذات، فخارج عنصر الرغبة المحددة في جوهرها لحدين : راغب ومرغوب فيه، لا يمكن للموضوع أن يكون عنصرا داخل علاقة.
وإذا وضع النموذج في علاقته بالنموذج التأسيسي، باعتباره الشكل المنظم والمولد لكل كون دلالي صغير، فسيتضح أن التحريك الذي يجب أن يخضع له هذا النموذج ليكتسب دينامكية تمنحه وجها توزيعيا ليس سوى تحول يقودنا من النفي إلى الإثبات، أو من الإثبات إلى النفي. وهكذا، فإن طرح الذات ضمن محور الرغبة يعني طرح أولى أشكال الفعل المؤدية إلى تفجير النموذج في عناصر مشخصة. فأمام علاقة تقابلية من نوع :
حزن (م) فرح
يقودنا محور الرغبة من حد إلى حد عبر عملية التحول. فمحور التضاد المحدد للطرف الأساسي داخل النموذج التأسيسي :
س1 (م) س2 (حزن (م) فرح)
هو البؤرة التي تتم داخلها عملية النفي أو الإثبات.
وهكذا سيكون الفرح هو التحول الإيجابي للحزن، وإمكانية الانتقال من الحزن إلى الفرح آتية من قدرتنا على تأسيس علاقة تقودنا، تشخيصيا، من حالة إلى حالة مادمنا لا نستطيع تحديد الحياة باعتبارها حالة دائمة لا تتغير. وعلى أساس هذا التحول ( أو إمكانيته ) > ستبدو الحكاية، في مستواها التوزيعي، كإجراء ينتشر انطلاقا من الإخلال بتعاقد، والتوجه نحو رأب صدع هذا التعاقد. إن الزواج لن يشكل، كما هو الشأن عند پروپ، آخر وظيفة في الحكاية، فالتعاقد الأخير، مدعما بالوصول إلى موضوع الرغبة، هو ما يشكل آخر وظيفة <. (12) والملاحظة الجديرة بالتسجيل في هذا المجال، تكمن في أن الموضوع، باعتباره، طرفا في علاقة،
ينظر إليه باعتباره عنصرا داخل النموذج التأسيسي في مستواه التجريدي، أي بعيدا عن أي تحريك ،في حين تتحدد الذات باعتبارها الأداة المحركة للنموذج التأسيسي.
وهذا ما فطن إليه بول ريكور عندما أشار إلى الموقع الإشكالي للموضوع. فبالنسبة إليه، فإن > الموضوع يكتنفه نوع من الغموض، نتيجة انتمائه إلى محور الرغبة ومحور الإبلاغ في ذات الوقت، فهو موضوع البحث داخل محور الرغبة، وموضوع للتبادل داخل محور الابلاغ <. (13) وبما أن الرغبة تتحدد من خلال نفي حالة من أجل إثبات أخرى، فإنها تعد تحقيقا لمعنمين متقابلين :
اتصال (م) انفصام
وكل معنم يولد ملفوظا سرديا يشير إلى موقع تركيبي أو حالة ما. وهكذا نكون إما أمام ملفوظ انفصالي.
ذ U م
أو أمام ملفوظ اتصالي
ذ u م
وإذا أخذنا الحكي في بعده السجالي، فإن كل ملفوظ من هذين الملفوظين يقرأ تارة من زاوية استبدالية، وتارة أخرى من زاوية توزيعية. وهو ما يعطي الشكلين التاليين :
ذ1 u م ذ 2 n م
أو
ذ1 n م ذ 2 u م
ويمكن أن نشير في النهاية إلى إمكانية اعتبار العلاقة الرابطة بين الذات والموضوع، عماد كل فعل إنساني، فهي تحيل على أنثروبولوجيا للمتخيل الإنساني، > فموضوعات القيمة يجب النظر إليها باعتبارها موضوعات للرغبة ويجب النظر إلى العلاقة ذات / موضوع باعتبارها علاقة غائية تحكمها قصدية<. (14)
المرسل / المرسل إليه
إن الزوج الثاني داخل النموذج العاملي، المحدد من خلال محور الإبلاغ يتكون من مرسل ومرسل إليه، أي من باعث على الفعل ومن مستفيد منه. والأمر يتعلق بمحفلين يقعان على المستوى الذهني للفعل، ولا يتحددان إلا من خلال موقعهما من حالتي البدء والنهاية كجزأين سرديين مؤطرين لمجموع التحولات المسجلة داخل النص السردي.
وإذا كان هذا الزوج يتحدد من خلال علاقته بالذات لأنه هو الدافع على الفعل، وباعتبارالذات منفذة له، فإن هذه العلاقة رغم طابعها المباشر ( في الظاهر على الأقل)، تتوسطها حلقة أخرى هي الرهان الأساس في أي إبلاغ : الموضوع. الموضوع باعتباره رحلة للبحث ومستودعا للقيم وغاية إبلاغية.
ويمكن صياغة هذه العلاقة الثلاثية الرابطة بن المرسل والموضوع والذات على الشكل الآتي : يقوم المرسل بإلقاء موضوع للتداول وتقوم الذات بتبني هذا الموضوع والاقتناع به لتبدأ رحلة البحث. وبعبارة أخرى، نحن أمام مسار يقودنا من الإقناع إلى القبول (التأويل) إلى الفعل.
وإذا كانت صورة المرسل إليه، تتلخص، كما هو الشأن في الحكايات الشعبية، كمابرهنت على ذلك تحليلات پروپ، في وجود محفل مؤنس يدفع ذاتا ما ( بطل ) إلى القيام بفعل ما يلغي حالة النقص البدئية، فإن النصوص السردية الحديثة لا يمكن ردها بشكل تبسيطي، إلى هذه الخطاطة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها تحقيقا لكون دلالي ثنائي الأطراف. فرغم أن صورة المرسل (الباعث على الفعل والمبرر له) لا يمكن حذفها من أي نص سردي، فإن حضورها يتخذ أشكالا متنوعة غير قابلة للتقليص في صورة أحادية.
ويمكن القول إن تحقيقها يتم بطريقة بالغة التعقيد. ففي عالم لم يعد يقبل بتقسيم الكائنات إلى مجموعة ممثلة للخير، وإلى أخرى ممثلة للشر، لا يمكن رسم صورة لمرسل ممثل للخير المطلق في مقابل مرسل مضاد يمثل الشر كله. فما بين الخير والشر تتقاطع القيم وتتداخل لدرجة لا يمكن معها طرح ذات ما باعتبارها صورة مثلى لهذا الجانب أو ذاك، فالأسود موجود وهو نقيض للأبيض، إلا أن الرمادي ممكن أيضا.
وعلى هذا الأساس، إذا كان التوزيع التركيبي للمواقع، بصفته نوعا من الاستثمار الدلالي ( أي مقابل كل حد داخل المحور الإيجابي، هناك حد مناقض له في المحور السلبي (الذات) (م) ذات مضادة مرسل (م) مرسل مضاد، موضوع إيجابي (م) موضوع سلبي)، فإن هذا الاستثمار الدلالي يمكن أن يعوض باستثمار فني، أو يتم توزيعه وفق تنوع الحدود المكونة للمربع السميائي لا وفق المحور الإيجابي والمحور السلبي. وسندرك آنذاك أن الشخصيات لا تتحدد فقط وفق ثنائية الخير والشر، بل يمكن أن تتوزع دوائرها على مجموعة من الخانات التي يصعب الحسم في انتمائها إلى هذه الدائرة القيمية أو تلك.
ويكفي أن نحافظ داخل هذا التوزيع، على الانفصال الاستبدالي للعوامل وتنظر إلى انشطارها الثنائي من خلال مطابقتها أو عدم مطابقتها للمحاور المثمنة، (15) لندرك صحة ما قلناه. ولقد حاولت آن أوبرسفيلد تقديم تعديل لا يمس النموذج في شكل بنائه النهائي ولا في طريقة صياغة حدود ه، وإنما ينصب على نمط اشتغال الخانات. وهكذا، عوض الحديث عن خطاطة عاملية واحدة ونهائية تختصر وتستعيد استبداليا كل التحولات المسجلة في النص، فإنها تتحدث عن حركية هذا النموذج وتحولاته المستمرة، وتتجلى هذه الحركية في لااستقرارية المواقع التركيبية. فبالنسبة لأوبرسفيلد، لا وجود لشخصية محددة بشكل نهائي منذ بداية النص إلى نهايته داخل موقع تركيبي ثابت وقار، فتداخل العلاقات الاجتماعية وتسرب القيم من موقع إلى آخر يجعل إمكانية تحول عامل ما من خانة إلى أخرى مسألة واردة باستمرار، كما أن وجود خانة فارغة مسألة لا يمكن استبعادها، فالبطل الوحيد أو البطل الذي يعيش فراغا إيديولوجيا حالة ممكنة الوجود أيضا. (16)
وعلى أساس هذه الملاحظات، يجب ألا نتحدث عن المرسل إلا باعتباره شكلا مشخصا للقيم، أي باعتباره ضمانه أساسية على وجود كون قيمي نقيس عليه التحولات ونطابق من خلاله بين البداية والنهاية : إنه الجذر المشترك الضامن لتماسك النص وانسجامه ووحدته.
المساعد/المعيق
إن الفئة الثالثة المكونة للنموذج العاملي تتكون من معيق ومساعد. وهي فئة متضمنة داخل علاقة يحددها گريماص في مقولة الصراع. فوفق السير العادي لحكاية شعبية ما، فإن البطل يقوم برحلة البحث عن موضوع قيمة، وأثناء تلك الرحلة يصادف كائنات ( أشخاصا أو حيوانات أو عفاريت) تقوم بمساعدته للوصول إلى أهدافه، إلا أنه يصادف في الآن نفسه، معيقين يحولون بينه وبين الوصول إلى هدفه النهائي.
وليس من العسير أن نجد مرادفا لهذه الصورة البسيطة في الحياة العادية لكل يوم، فداخل المجتمع هناك صورة للمعيق وأخرى للمساعد بدءا من حالة الطقس وانتهاء بالقوى الاجتماعية وضروب الصراع بين مكوناتها.
وإذا كانت هذه الصورة المبسطة عنصرا أساسيا في تكون الحكايات الشعبية، فإنها تبدو بمظهر أكثر تعقيدا في النصوص المعاصرة، ولهذا المظهر أثر كبير على طبيعة هذين المحفلين، كما أن له تأثير على نمط اشتغال موقع كل محفل على حدة. فمن الواضح أن المعيق لم يعد صورة خارجية معطاة بشكل ضمني أو صريح في العلاقات الإجتماعية فحسب، بل أصبح أيضا صورة داخلية، فقد يكون البطل، من خلال مجموع الصور المرافقة لتشكله، معيقا لنفسه.
ولقد كان الموقع الثانوي لهذين المحفلين داخل حركة الفعل مصدرا للخلط بينه وبين موقع آخر، ويتعلق الأمر بموقع الذات المضادة ولقد '' حرمت نظرية الصيغ المحفل المساعد من وضعه العاملي، وبرهنت على أن المساعد لا يشكل عنصرا أساسيا في تداول المعنى، ولا يتجاوز حدود إظهار الصفات الجيهية للفعل ...] أما المعيق فإنه يشكل صورة أكثر تعقيدا، فهو يعين في الآن نفسه ما يسمى حاليا بالذات المضادة ويعين المساعد المساعد السلبي، انه نفي بسيط لجزء من أهلية الذات المتجلية من خلال تجسدها في ممثل أخر غير الذات'' (17) .
وفي جميع الحالات، فإن > تأويلات هذه البنيات التركيبية، في تنوعها، تشير إلى أن الانفصالات التي تقدمها هذه الخطاطات الأولية تبدو عامة بما فيه الكفاية لكي توفر أسس تمفصل أولي للمتخيل. فهي تشير، على المستوى الإجتماعي، إلى أن علاقة الإنسان بالعمل تنتج قيما/ موضوعات وتطرحها للتداول في إطار بنية للتداول، وتشير على المستوى الفردي، إلى أن علاقة الإنسان بموضوع رغبته تندرج ضمن بنيات الإبلاغ البيإنساني '' (18) .
2 - النموذج العاملي كإجراء
إن هذا النموذج بعلاقاته المتنوعة وبنمط اشتغاله، وكذا من خلال المحاور التي يستند إليها في عملية تكونه يشكل إبدالا، أي تصنيفا مسكوكا لمجموعة من الأدوار التي نصادفها في كل الحكايات بشكل كلي أو جزئي.
ولعل هذه العمومية والكلية هي ما يدفعنا الآن إلى تقديم تحليل لهذه الأدوار من خلال تجسدها في مسارات سردية مشخصة تتخذ من الوضعيات الإنسانية المخصوصة سندا لها. ذلك أن الوقوف عند هذه الصورة الكلية لا يساهم في إنجاز تحليل مثمر للنص، ولا يجيب عن الإشكاليات الحقيقية ( الثقافية ) التي يثيرها كل تحقق نصي. فهذه الأدوار لا يمكن فصلها عن الكون الدلالي/الثقافي الذي تتتشكل في إطاره الأدوار، كما لا يمكن فصلها عن الأدوار الثيمية المرتبطة بها. ذلك أنها لا تشكل سمات ثابتة ودائمة تسند بشكل نهائي إلى الشخصيات منذ الإنطلاقة الأولي للأحداث. إنها تشكل بناء، وتبنى إطرادا وتخضع لمجموعة من التحولات والتغيرات. وهذه التحولات هي ما يمنح للقصة ديناميكيتها وتلوينها القيمي الخاص.
استنادا إلى هذا، علينا الآن، من أجل الوصول إلى تحديد نمط اشتغالها، أن ننظر إلى هذه القصة من زاوية توزيعية أي من زاوية السير المشخص لمجموع العناصر المشكلة للنموذج العاملي. إننا بهذه الخطوة، سننتقل من مستوى العوامل كخطاطة قانونية تستند إلى مجموعة من القواعد المجردة، إلى ما يشكل وجودا مشخصا ( أي التحقق الحدثي ) لهذه العلاقات.
1 - الخطاطة السردية
إذا كان الإمساك بالعمليات المندرجة في المستوى العميق لا يتم إلا من خلال عملية تشخيصية تتصارع داخلها كراكيز بلا وجه ولالباس (العوامل) وفق سيناريو محدد سلفا (19)، فإن السير المقنن لكل حكي تصويري لا يمكن أن يتحدد إلا من خلال إدخال مقولة مركزية في السميائيات السردية ويتعلق الأمر بمقولة "التحولات". ذلك أنه إذا كانت البرمجة تتم في مرحلة أولى في مستوى عميق حيث تطرح الدلالة كشكل منظم بشكل سابق عن التجلي وقابلة لأن تتجسد في مواد تعبيرية متنوعة، فإنها تتم في مرحلة ثانية داخل ما أشرنا إليه سابقا كمستوى توسطي بين المحايثة والتجلي. ومن المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية، تطرح الخطاطة السردية باعتبارها عنصرا منظما ومتحكما في التحولات. فما يبدو من خلال قراءة بسيطة لنص سردي وكأنه تنافر وتداخل بين مجموعة من العناصر، يشكل، في مستوى آخر، بنية بالغة الانسجام والتماسك. ومن هنا، فإن الخطاطة السردية تشكل نموذجا لكل التحولات الواقعة بشكل تجريدي في مستوى يتسم بالمفهومية.
وإذا كان كل نص سردي ينطلق من النقطة (أ) ليصل إلى النقطة (ي)، فإن الانتقال من الحالة الأولى إلى الحالة الثانية، وكيفما كانت طبيعة النقطة البدئية والنقطة النهائية، لا يمكن أن يتم عن طريق الصدفة، بل يستند إلى سلسلة من القواعد الضمنية التي تعد إرثا مشتركا بين مجموع الكائنات. وفي غياب هذه القواعد الضمنية، سنكون أمام سلسلة من الأحداث التي تملأ مساحة فضائية، ولكنها غير قادرة على صنع نص سردي منسجم.
وبناء على هذا، يجب التعامل مع هذا الانتقال باعتباره عنصرا مبرمجا بشكل سابق داخل خطاطة سردية ضمنية. فهذا الانتقال يشكل، في هذه الحالة، مجموعة من اللحظات السردية المرتبطة فيما بينها وفق منطق خاص. ومن هذا المنظور ستتحدد عملية قلب المضامين كمعادلة بين العمليات والفعل، وسيتخذ الفعل شكل ملفوظ سردي من نوع :
م س : و (ع)
( م س = ملفوظ سردي ، و = وظيفة ، ع = عامل )
ومن ثم يمكن القول إن كل عملية داخل النحو الأصولي يمكن أن تنقلب إلى ملفوظ سردي. (20) ويمكن تحديد عناصر الخطاطة السردية من خلال اللحظات السردية التالية :
- التحريك
-الاهلية
- الإنجاز
-الجزاء
ولكل لحظة من هذه اللحظات موقعها الخاص داخل السير الخطي للحكاية، كما أن انتماءها إلى هذا الجزء النصي أو ذاك يخضع سلفا لمنطق خاص للأحداث بصفتها تسلسلا لا يمكن أن يأتي فيه اللاحق قبل السابق. وبما أن مبرر تأويلاتنا غايات ضمنية أو صريحة، وبما أن لكل فعل غاية، ولا يمكن أن بتحدد إلا من خلال كونه يدشن أو يحول أو ينهي إمكانية سردية معينة، فإن > الوحدة الخطابية المسماة حكيا تعتبر تسلسلا منطقيا، أي تتابعا لملفوظات تقوم داخلها الوظائف / محمولات بتمثيل لساني لمجموعة من السلوكات الموجهة نحو غاية >. (21)
1-1 - التحريك
إذا كانت عملية تحريك النموذج التكويني تتم من خلال التعامل مع الدلالة باعتبارها إمساكا أو إنتاجا للمعنى من طرف ذات معينة ( وهو ما يقابل التحول من العلاقات إلى العمليات)، فإن عملية التحريك هاته تفترض، من حيث إنها تحقيقا لغاية ما، صيغة تشير إلى ما يبرر هذا التحول. وبعبارة أخرى إذا كانت الوظيفة هي الخالقة للعامل، تماما كما هو الحال مع الحامل والمحمول ( اصطاد - صياد )، فإن عملية الخلق هاته تستند إلى صيغة تبرر الانتقال من الوظيفة إلى العامل.
و> إذا أمكن تخصيص قسم من الوظائف من خلال إضافة المعنم السياقي" إرادة"، فإن العوامل المتناظرة مع هذه الوظائف تشكل قسما محددا يمكن تعيينه في العوامل / ذوات. فالإرادة هي هي وحدة معجمية (...) مشخصة تجعل من العامل ذاتا، أي محفلا محتملا للفعل<. ( 22) وكيفما كان مصدر الإرادة، ذاتيا كان أم خارجيا، فإنه يفترض من موقع النموذج العاملي، محفلا ثانيا يقوم بعملية التحريك. والتحريك هنا يمعنى خلق صيغة " فعل الفعل" ( أي الفعل الذي يدفع إلى إنجاز فعل )، أي الدفع بالذات إلى القيام بفعل ما أو الاقناع بهذا الفعل. فإذا كانت الإرادة محمولا جيهيا ( أريد أن أفعل كذا ) يحكم ملفوظا وصفيا، فإنها تفترض وجود حالة نقص ما قابلة للتغيير، ووجوب التغيير يتطابق مع التحريك باعتباره صورة خطابية لا تنفصل عن المرسل باعتباره المنبع الذي تصدر عنه الذات.
وعلى خلاف العمليات- حيث إن الفعل يتميز بكونه نشاطا يمارسه الإنسان على الطبيعة - فإن التحريك يتميز بكونه نشاطا يمارسه الإنسان تجاه أخيه الإنسان، بهدف الدفع به إلى القيام بإنجاز ما. > ومن خلال موقعه التوزيعي بين ''إرادة'' المرسل وبين الإنجاز الفعلي لبرنامج سردي ما من طرف المرسل إليه / ذات ( البرنامج الذي يقترحه المحرك)، فإنه يستند أساسا إلى الإقناع. ويتمفصل هذا الإقناع في فعل إقناعي يعود إلى المرسل، وفعل تأويلي يعود إلى المرسل إليه <. (23) وما بين العلاقات المنطقية والسير الفعلي للأحداث باعتبارها تشير إلى تشخيص حدثي لهذه العلاقات، يتحدد التحريك كنوع من التعاقد بين المرسل والذات، وبين التعاقد ( مرحلة التحريك) والحكم على مدى مطابقة الفعل المنجز لهذا التعاقد (الجزاء)، تنشر الحركة السردية خيوطها من خلال أحداث متنوعة، فاصلة بذلك بين بعدين أساسيين للكون السردي : البعد الذهني والبعد التداولي.
إن موقع التحريك داخل البعد الذهني يجعل منه مرحلة سردية سابقة على الفعل الحدثي بحصر المعنى ومحددة له في الآن نفسه. إنه خارج الفعل من حيث إنه يشير إلى الاحتمال فقط (وضع احتمالي للذات وللفعل وللبرنامج السردي) ومتحكم في هذا الفعل، من حيث إن أي تحيين لهذه الذات وهذا الفعل وهذا البرنامج يفترض مرحلة الاحتمال التي تشير إلى أن الفعل المسقط كرغبة قد يتحقق وقد لا يتحقق. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى الملفوظ الجيهي باعتباره مرادفا للتحريك بصفته يشكل "الرغبة في تحقيق ''برنامج سردي موجود على شكل ملفوظ وصفي، هو ذاته، ومن خلال وضعه كموضوع، جزء من الملفوظ الصوغي. ولعل هذه الحالة هي التي تمكننا من تحديد تخصيص شكلي للملفوظات الصوغية من خلال الصيغة التالية :
م ص : ف : إرادة/ ذ:م/ (24)
( م ص = ملفوظ صوغي، ف = فعل ، ذ = ذات ، م = موضوع )
إلى هذا الحد نكون قد وقفنا عند مظهر واحد من مظاهر التحريحك، وهو الجانب المتعلق بموقع هذا التحريك داخل الخطاطةالسردية، بوصفها إحدى اللحظات الأساسية في تشكل النص السردي. ويمكن الآن أن ننظر إليه من جانب آخر، أي من زاوية لا تتطابق بالضرورة مع زاوية نظر گريماص. ولتحديد هذه الزاوية يجب طرح التحريك ضمن البنيات الخطابية أي في التحول من السردي إلى الخطابي عبر إدخال الوضعات الإنسانية المحددة من خلال عناصرالزمان والفضاء، وذلك ضمن مسارات تصويرية مؤدية إلى الكشف عن الثيمات وأنماط تحققها داخل أي النص سردي.
إذا كان التحريك من الناحية السردية المحض هو نقطة الانتشار السردي الأولى، فإنه يشكل من الناحية الخطابية نقطة إرساء إيديولوجي تتحكم في السير الآتي للأحداث، كما تشكل التلوين الثقافي لهذه الأحداث. وعوض التعامل مع التحريك بصفته الإعلان المبكر عن ميلاد قصة، يجب النظر إليه في هذه المرحلة بصفته التشكيل الابتدائي للرؤية أو التصور الإيديولوجي الذي ستعمل الأحداث الآتية على تفجيره في مسارات تصويرية متنوعة.
إن هذه النظرة لها ما يبررها في النموذج التكويني نفسه، ذلك أنه إذا كانت العلاقات المكونة لهذا النموذج تتميز بلازمنيتها، كما تتميز بنوع من ''الحياد'' فيما يتعلق بطبيعة الكون الدلالي الذي يؤطره، فإن التشخيص البادي في التحريك، كأولى تباشير التحول من المفهومي إلى المحسوس، يعد عنصرا زمنيا منخرطا في أي اختيار إيديولوجي يعتنقه النص. وبعبارة أخرى، لا يمكن للجانب التشخيصي أن يكون مجرد إطار فارغ مستعد لاستقبال عرض ''موضوعي'' ومحايد لزاوية نظر معينة.
ومن هذه الزاوية فإن التحريك لا ينفصل من جهة، عن الإمكانات السردية التي يندرج ضمنها الفعل الآتي، أي عملية الانتقاء الخاصة بالتوجهات الكلية أو الجزئية كأول اختيار سردي يعتنقه السارد. انطلاقا من هذا، فإن ما هو مميز في هذه المرحلة هو طبيعة الفعل ونمط اشتغاله وكذا الكون السلوكي الذي يحيل عليه، ذلك أن اختيار هذا الفعل لا ينفصل عن التصور الذي يملكه السارد عن العالم الإيديولوجي الذي يصدر عنه. فالسارد، وهو يسرد قصته، إنما يسرد أيضا قصة الحياة، ما دامت الإمكانات السردية هي في الأصل تسنين لسلسلة من الخصائص وتثبيتها في أشكال مجردة وربما كونية.
إنه لا ينفصل، من جهة ثانية، عن المضامين الإيديولوجية والثقافية ونمط كينونة الفعل المنتقى. فكل فعل، بدنيا كان أم ذهنيا، إنما هو جرئية ثقافية تقوم بملء الجسم/شيء بحجم إنساني هو ما يحول العنصر الطبيعي في الجسم إلى ما هو ثقافي ( حركات شخصية ما، لا تنفصل عن انتمائها الإجتماعي بل والجغرافي أيضا).
من هنا، فإن هذا الارتباط المزدوج لا يحدد فقط الإطار المرجعي للفعل بل يحدد أيضا المضمون الإيديولوجي لكل الأفعال الآتية. تأسيسا على هذا، يجب النظر إلى التحريك، رغم موقعه الاستهلالي، باعتباره لحظة الحسم الإيديولوجي، أو هو الاختيار الإيديولوجي في خطوطه العامة قبل أن تعمل الحركة السردية على تخصيصه وتحديد معالمه من خلال تحديد الوضعيات الإنسانية الخاصة.
2-1 الأهلية
إذا كان التحريك يتمفصل، كما رأينا في فعلين أساسين : فعل إقناعي يقوم به المرسل، وفعل تأويلي تقوم به الذات، فإن القبول، وهو صيغة ثانية للتأويل، يعد نقطة إرساء لقواعد اللعبة الآتية. إن الإعلان الصريح عن انخراط الذات في هذه اللعبة.
ومع ذلك، فإن هذا القبول، لا يعني مباشرة الفعل. إنه يشير فقط إلى إمكانية الانتقال من الاحتمال إلى التحيين. فلكي تحقق الذات إنجازها، عليها أن تمتلك، بشكل سابق، الأهلية الضرورية لذلك. وفي هذه الحالة يمكن النظر إلى هذه الأهلية باعتبارها الشروط الضرورية السابقة على الفعل المؤدي إلى امتلاك موضوع ما. وتبعا لذلك، لا يمكن الحديث عن الأهلية إلا من خلال ربطها بالإنجاز. فالأهلية والإنجاز كلاهما مرتبطان بدائرة فعل يحكمها بعد تداولي. > فالأهلية تشكل، في، علاقتها بالإنجاز الذي يعد فعلا منتجا لملفوظات، معرفة للفعل، إنها ذلك "الشيء الذي يدفع للفعل ''، ذلك الشيء الذي يجعل الفعل ممكنا. بل أكثر من ذلك، فهذه المعرفة باعتبارها ''فعلا بالقوة'' منفصلة عن الفعل الذي تعود إلىه ...] ولعل هذا ما يسمح لنا اعتبار الأهلية بنية جيهية. وبهذا التحديد نكون أمام إشكالية الفعل. فإذا كان الفعل هو ''فعل كينونة''، فإن الأهلية هي ما يدفع إلى الفعل، أي كل المسبقات والمفترضات التي تجعل من الفعل أمرا ممكنا<. (25)
وعلى هذا الأساس، فإن الأهلية لا يمكن أن تحدد انطلاقا من الفعل، أي انطلاقا من البرنامج السردي المرتبط بملفوظ فعل، ذلك أن ملفوظ الفعل يفترض حالة تعد أساسه ومنطلقه. إن ما يشكل أساس الأهلية هو ملفوظ الحالة، فالحالة المتجلية في مرحلة التحريك ( المبني على الإقناع والتأويل)، هي منطلق الأهلية وعنصرها الرئيس. من هنا، فإن موضوع الأهلية يتكون من مجموعة من الصيغ التي يحددها گريماص في :
- وجود الفعل
- معرفة الفعل
- قدرة الفعل
- إرادة الفعل
وهي صيغ ليس من الصروري أن تكتسب دفعة واحدة، أو أن تكتسب في مجملها، وليس من الضروري أن تمتلكها ذات واحدة، فقد يتم الحصول على هذه الصيغ تباعا وعلى مراحل، كما قد توزع على مجموعة من الذوات المنضوية تحت كون قيمي واحد. ومن جهة أخرى، إذا كان الإنجاز يتحدد من خلال وجود قيمة هي أساس الفعل ومبرره الرئيس، فإن الأهلية بدورها تفترض موضوعا ولكن هذا الموضوع من طبيعة أخرى، إنه موضوع استعمالي محدد داخل برنامج استعمالي.
هذه بعض الشروط العامة المحددة لحالة ذات سردية تستعد للمرور إلى الفعل، والأمر يتعلق بالمرحلة التي تسبق مباشرة الإنجاز. ورغم ذلك > إذا كان النظر إلى الأهلية باعتبارها حالة يسمح لنا بتلمس البدايات الأولى للوصف، فإنه لا يستنفد الإشكالية في كليتها. فالملفوظات التي تصوغ هذه الحالة يجب تأويلها باعتبارها ملفوظات حالة تحكمها ملفوظات فعل قادرة على إبراز التحولات التي أدت إلى تكون ''حالة الاشياء هاته''. وبعبارة أخرى، فإن وجود ذات مؤهلة يطرح مشكلة وميكانيزم الأهلية< (26). وقد بينت التحاليل البروبية للحكاية العجبية الأهمية التي توليها كل حكاية لمشكلة امتلاك الوسائل الضرورية ( الأهلية) من أجل الوصول إلى "إنقاذ الأميرة والزواج بها''. وفي الحياة اليومية من الدلائل ما يؤكد أهمية هذا العنصر ويجعل من كل حركة يومية فعلا مرتبطا بأهلية في أفق تحقيق إنجاز ما، وغاية ما.
وسنطرح الآن موقع هذه الأهمية من التحريك من جهة، وموقعها من الإنجاز من جهة ثانية. فإذا كان التحريك، كما حاولنا تبيين ذلك، هو لحظة الحسم الإيديولوجي، أي لحظة اختيار النقطة الإيديولوجية التي تعد تحقيقا خاصا لمضمون عملية القلب الخاصة بالعلاقات المكونة للنموذج التأسيسي، وتحويلها إلى عمليات، فإن الأهلية، كمرحلة سردية تابعة للتحريك، لا يمكنها أن تخرج عن دائرة هذا الاحتيار. وبعبارة أخرى، فإن اللحظة الأولى باعتبارها بعد ذهنيا داخل الحركة السردية، هي العنصر المحدد لطبيعة هذه الأهلية ولشروط اكتسابها. فالبرمجة السردية كإجراء شكلي عام يقابلها التخطيب باعتباره إجراء تصويريا خاصا. إن العملية الأولى تضعنا أمام بنية مجردة بالغة العمومية، أما الثانية فتضعنا أمام التحقق النصي الخاص. ومن المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية، ننتقل من البعد المفهومي إلى الوضعيات الخاصة. وتعد هذه الوضعيات العنصر الذي يحدد طبيعة الاستثمار الدلالي لكل التجارب، أو اللحظات السردية المشكلة للخطاطة السردية في عموميتها.
فإذا أخذنا النصوص الحديثة في الاعتبار، سنلاحظ أن هذه النصوص، وإن كانت تسير هي الأخرى وفق خطاطة سردية تحتكم إلى شكل كوني، فإنها تختلف عن الحكايات الشعبية والأساطير، من حيث إن الأولى تكاد تكون دائما نصوصا مفتوحة، في حين تتميز الثانية بالامتلاء. والتفتح والامتلاء لا يدركان إلا من خلال فعل القراءة، أي يستدعيان الأهلية التأويلية للقارئ. إن التفتح يتميز بكونه نتاج بناء نصي يشيد الإنجاز كعنصر يحيل على إنجاز آخر، فاكتساب الوعي السياسي أو الإيديولوجي مثلا، في كثير من روايات الواقعية الاشتراكية، هو إنجاز يؤول داخل الكون القيمي الذي يحكم النص، باعتباره أهلية في أفق تحقيق إنجاز يتجسد كأثر للمحكي.
استنادا إلى هذا، فإن الاستثمار الدلالي الخاص بالصيغ المشكلة للأهلية لا يمتح عناصر تكونه إلا من الكون القيمي الذي تحيل عليه مرحلة التحريك من خلال فعلي الاقناع والتأويل. ووفق هذه النظرة، فإن الرواية المعاصرة (الروايات الواقعية العربية بالأساس) تُبني في كثير من الأحيان كرحلة للبحث عن الأهلية، باعتبارها إنجازا أساسيا. فاكتساب المعرفة أو القدرة بعيدا عن أن تشكل مرحلة التأهيل، فإنه يشكل مرحلة الإنجاز الحقيقي. ويمكن أن نحيل القارئ على مجموعة من روايات نجيب محفوظ التي تعد صورة مثلى لهذا النوع من البناء. وكلنا يتذكر صرخة سعيد مهران ( بطل اللص والكلاب) " كل الناس معي ولكن ينقصني التنظيم''. فبينما كان الكون القيمي يتطلب أهلية جماعية، ترسم الحركة السردية لسعيد مهران أهلية فردية ( الشجاعة القوة، الذكاء...). وهكذا تتحول الرواية إلى معول يهدم من بداية الرواية إلى نهايتها هذه الأهلية. وكذلك الشأن مع روايات حنا مينة مع اختلاف في التصور الإيديولوجي.
إن هذه الملاحظة الأخيرة تقودنا إلى طرح الأهلية في علاقتها بالإنجاز. فإذا كان امتلاء الحكايات آت من كونها تعد تسريدا تاما وبسيطا للخطاطة السردية بمراحلها الأربع، فإن غياب هذا الامتلاء في النصوص المعاصرة، هو ما يجعل من الأهلية والإنجاز يتداخلان كفعلين أحدهما متحقق في النص، وثانيهما يتحقق كأثر معنوي داخل الأهلية الموسوعية للقارئ. فتقديم الأهلية باعتبارها إنجازا، هو في نفس الوقت تقديم الإنجاز باعتباره أهلية، وما بين الفعل الأول والفعل الثاني ننتقل من الفعل المتحقق إلى قواعد للفعل : أي رصد الفعل الإنجازي في حالة تحققه خارج النص، أي في الواقع الخارج/ نصي متجسدا في وجود محفل يتلقى النص السردي باعتباره معادلا لسانيا لبنيات واقعية ''حقيقية''.
1-3 - الإنجاز
إن الإنجاز يشكل المرحلة الثالثة داخل الخطاطة السردية. وهو من خلال موقعه هذا يشير إلى نوع من الإشباع النصي الذي يقود الدورة السردية إلى الامتلاء، ويقود الخيط السردي إلى الانكفاء على نفسه. إن الإنجاز معناه تحديد للمخرج، ورسم لمعالم كون قيمي مخصوص. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الإنجاز باعتباره وحدة سردية تتكون من سلسلة من الملفوظات السردية المترابطة فيما بينها وفق منطق خاص. ويمكن تحديد تتابع هذه الملفوطات على الشكل التالي :
-م س = مواجهة : (ذ 1 ذ 2)
-م س = هيمنة : ( ذ 1 ذ 2)
- م س = منح : ( ذ 1 م )
وتتطابق هذه الملفوظات مع ثلاث عمليات توجد في أساس النحو الأصولي، أي القواعد الضمنية التي تحكم السلوك الإنساني.
- ففي الحالة الأولى، يعبر الملفوظ السردي، بشكل تشخيصي، عن العلاقة التناقضية بين حدين متقابلين.
- وفي الحالة الثانية، يعتبر هذا الملفوظ نقطة الانطلاق لعملية النفي الموجهة حيث إن ذ 1 ينفي ذ 2 أو العكس.
-أما في الحالة الثالثة، فإن الملفوظ يتطابق مع محفل الإثبات الذي يتجلى في منح الذات موضوعا ما. (27)
وفي اللحظة التي تطرح فيها العلاقات القائمة على المواجهة والصراع، نكون في واقع الأمر نمر من الوضع المجرد إلى التمثيل السجالي لمجموع الخطاطة، وهو ما يعني الانتقال إلى المعادل المشخص للعلاقات المكونة للنموذج التأسيسي. > فمن خلال عملية القلب التشخيصي تولد العلاقات والعمليات المكونة للنحو الأصولي، ملفوظات سردية ( ملفوظات فعل أو ملفوظات حالة) وتندرج هذه الملفوظات ضمن مركبات أولية يسميها گريماص البرنامج السردي<.(28) ويتطابق هذا البرنامج مع الإنجاز باعتباره ترسيمة إجرائية المراد منها القيام بتحويل للمضامين. وبهذا، يكون الإنجاز هو الوحدة الأكثر تمييزا للتركيب السردي، إنه تركيبة أي خطاطة شكلية قابلة لاستيعاب مضامين متنوعة (29).
وإذا كان التحريك يحيل على مقولة " فعل الفعل" ، وإذا كانت الأهلية تحيل على " كينونة الفعل"، فإن الإنجاز يحدد "فعل الكينونة"، وهي حالات تخص البطل في مساره السردي وخضوعه لمجموعة من التحولات تمس فعله وكينونته. وطبيعته هاته هي التي تجعل منه ملفوظ فعل يحكم ويحدد ملفوظ حالة.
استنادا إلى هذا، > فإن الإنجاز، ودونما اعتبار للمضامين (أو لحقول التطبيق)، هو فعل ينتج " حالة شيء"، وسيكون، من خلال هذا الإنتاج، محكوما من جهة بنوعية الأهلية التي تتطلبها الذات المنجزة، ومحكوما، من جهة ثانية، بخانة جيهية محددة في وجوب الفعل ( الضرورة أو الاستحالة) التي تصفي القيم المحددة ''لحالة الأشياء'' الجديدة.(30)
ويعد الإنجاز، من جهة ثالثة، ومن خلال موقعه داخل الخطاطة السردية، أحد العناصر المكونة لهذه الخطاطة. إنه الحلقة النهائية داخل سلسلة التحولات المسجلة في النص. وبهذا فإن الإنجاز يتقابل مع التحريك باعتبار الثاني وجها تحققيا للأول. ويتقابل مع الجزاء باعتبارالثاني يعد الوجه القيمي ( الحكم على الأفعال المنجزة) لسلسلة الأحداث، ويسمى الإنجاز قرارا إذا كان موقعه ضمن المستوى التداولي. (31)
إن هذا التمييز بين نوعين من الإنجاز هو الذي يدفعنا إلى متابعة ما طرحناه في حديثنا عن الأهلية وموقعها من التحريك من جهة، وموقعها من الإنجاز من جهة ثانية. فبينما تتميز الحكايات الشعبية في أغلبها بالإنجاز التنفيذي، أي بالحصول على موضوع يعد غاية في ذاته، وهو ما يعني تضمين الفعل غاية محددة بشكل مسبق، تتلخص في الوصول إلى هدف مسطر بوضوح منذ البداية ( الزواج بالأميرة، أو بابنة العم، أو الحصول على المال ...)، تتميز النصوص المعاصرة، وخاصة منها روايات الواقعية الاشتراكية، بالإنجاز القراري، وهو إنجاز يحيل دائما على إنجاز آخر يُنظر إليه باعتباره برنامجا '' للفعل الواقعي''، ويتداخل هذا البرنامج، في غالب الأحيان مع الأهلية باعتبارها تحتوي على صيغ متعددة ومتجاوزة لذاتها. فعادة ما تكون الحركة السردية محكومة بهاجس الوصول إلى رؤية جديدة للحياة، أو اكتساب وعي سياسي، أو امتلاك وعي إيديولوجي؛ والوصول إلى هذه الغاية التي تغير من طبيعة الأشياء ولا تغير من محيط الذات، هو عمق الحركة السردية ومبرر انتشارها.
وإذا كان النوع الأول من الإنجاز يعني تحولا في كينونة الذات ومحيطها، أي إلغاء لكل أشكال النقض المولد للقصة وللفعل السردي، فإن الإنجاز الثاني، لا يهدف إلا إلى خلق نوع من الوعي بالنقص، والوعي بالنقص إن كان يعد تحولا في الكينونة وفي الذهنية وفي رؤية الأشياء، فإنه لا يمس في شيء محيط هذه الذات، ويمكن تحديد هذا الاختلاف على الشكل التالي :
- الحكاية الشعبية : حالة بدئية (نقص) فعل (تحول) : حالة نهائية
إلغاء النقص
النصوص المعاصرة : حالة بدئية (نقص الكشف عن طبيعة فعل
النقص
تحول
حالة نهائية
الوعي بالنقص
1 -4 الجزاء
الجزاء مرحلة سردية نهائية داخل المسارالتوليدي. وينظر إليه عادة باعتباره كونا قيميا يحكم على كون قيمي آخر. إنه الحلقة الرابعة داخل الخطاطة السردية ونقطة نهايتها. وهو صورة خطابية مرتبطة بالتحريك، ولا يمكن أن يدرك إلا في علاقته بالتحريك، ما دام التحريك والجزاء كلاهما يتميزان بحضور مكثف للمرسل. وبعبارة أخرى، إذا كان التحريك هو نقطة الانتشار الأولى للفعل السردي وللكون القيمي، فإن الجزاء هو الصورة النهائية التي سيستقر عليها الفعل السردي والكون القيمي.
وعلى هذا الأساس، يجب النظر إلى الجزاء باعتباره حكما على الأفعال التي يتم إنجازها من الحالة البدئية إلى الحالة النهائية، ويتم هذا الحكم من موقع يراعي مدى مطابقة الأفعال المنجزة للكون القيمي المثمن سرديا وحدثيا. ويفترض هذا الحكم محفلا متعاليا مسؤولا عن هذا الكون ويعد مصدره الأول. إن المرسل، باعتباره الحلقة الرابطة بين البدء والنهاية أي بين التحريك والجزاء، هو الأداة التي يتم من خلالها تقييم الإنجاز المتحقق في فعل نهائي. > فإذا كان المسار السردي للمرسل يبدو لأول وهلة لا كبؤرة لممارسة السلطة فحسب، وإنما أيضا كبؤرة تتحدد داخلها مشاريع التحريك وتتبور البرامج السردية الهادفة إلى دفع ذوات - أصدقاء أو خصوم- لممارسة الأفعال التي ترغب فيها هذه الذوات<، (32) فإن هذا المرسل سينتهي إلى استعادة المعرفة المكثفة في المرحلة البدئية على شكل حكم على الحالات والتحولات التي تعد الوجه الحدثي لهذه المعرفة.
ويعتبر الفعل الذي يمارسه المرسل في نهاية النص فعلا مزدوجا. > يتعلق الأمر أولا بفعل ذهني للتعرف، أي مدى مطابقة الأفعال المنجزة وطرق تنفيذها مع معايير الكون القيمي الذي يعد هذا المرسل مالكا له، فهذا المرسل هو الذي يحكم على هذه الأفعال : هل هي مطابقة الأفعال للكينونة (...) أم لا ، ويتعلق ثانيا بالأفعال التي تلي المطابقة المحددة في التعرف، وهذه الأفعال تحيل على الجزاء <. (33)
إن الصورة التي رسمناها للمرسل، وكذا صورة الجزاء، لا يجب التعامل معهما باعتبارها جزءا سرديا يعلن فيه السارد عن نوايا النص الخفية والظاهرة من منظور حقيقة مطلقة تتجاوز النص، إن الأمر يتعلق بكون قيمي يحكم على نفسه بنفسه، بعيدا عن مضمونه الإيجابي أو السلبي، فالنص يصحح نفسه بنفسه، ويحكم على نفسه من خلال القيم المثمنة من خلال الفعل السردي نفسه. > ذلك أن مسار المرسل يتميز بالبحث عن شروط الحقيقة لانخراط المرسل في صورة العالم الذي يقدم إليه، إنه انخراط يحكم على تحريات المخبر، وعمل العالم، وبحث المؤمن< (34).
وإذا عدنا إلى النصوص السردية المعاصرة - الواقعية منها بالخصوص - حيث إن الأحداث تمر عبر مصفاة الإيديولوجيا وحيث كل حدث يقاس بمدى مطابقته أو عدمها مع هذه الإيديولوجيا، فإن الجزاء سيبدو كفعل ختامي ينشر خيوطه خارج النص. إنه نقطة بدئية لنص الواقع ونص الثقافة المحددين في أهلية القارئ النموذجي. ولعل روايات حنا منة تنهض شاهدا مثاليا على هذا النوع من الجزاء. فالبطولة الثنائية التي تميز أغلب رواياته تقود حتما إلى تنصيب أحد طرفيها كحارس أمين على مسار الإيديولوجيا ونقائها وذلك من خلال مراقبة الطرف الثاني، والدفع بهذا السلوك إلى خلق نوع من الانسجام بينه وبين الكون الايديولوجي الذي ينتمي إليه الطرف الأول. وقد يحدث أن يكون هذا الحكم حكمة تختصر الأحداث وتشتغل كعبرة أو خلاصة. وهذا ما نصادفه في رواية يوسف القعيد '' يحدث في مصر الآن'' أيضا حيث تبدأ الرواية بحكمه كتحريك مباشر وعنيف مباشر وعنيف : "يافرعون مين فرعنك''، وتنتهي بحكمة كجزاء مطلق يحيل على تحريك جديد ينشر خيوطه نحو المستقبل : أبو ذر يقول : ''عجبت لمن يبيت جائعا ولا يخرج شاهرا سيفه'' . إن الأمر يتعلق بجزاء يلغي عالم الرواية وعالم الواقع ويبشر بعالم جديد لا يتطابق مع عالم الرواية. وفي كلتا الحالتين، حالة حنا مينة وحالة يوسف القعيد، فإن الجزاء يجب النظر إليه كإسقاط لعالم الرواية على عالم الواقع.
2 - البرنامج السردي
لقد رأينا في الفقرات السابقة كيف أن التحريك، باعتباره أصلا للفعل، والتأهيل باعتباره تحيينا لهذا الفعل يحددان - داخل الخطاطة السردية- لحظتين سرديتين تقودان - داخل الاقتصاد العام للنص السردي- من الإمكان إلى التحيين سواء تعلق الأمر بالفعل (الوظيفة) أو تعلق بالذوات المنجزة لهذا الفعل (العوامل). إن هاتين اللحظتين لا تدركان إلا من خلال انتظامها داخل دائرة تحدد المضمون السردي لكل فعل يتم إنجازه، أو إسقاطه كفعل قابل للإنجاز.
وبناء عليه، إذا كان التحريك باعتباره لحظة سردية استهلالية، لا يدرك، إلا في علاقته بالإنجاز الذي يعد خاتمة لسلسلة من التحولات الرابطة بين التحيين والتحقق، فإن التأهيل هو الآخر لا يدرك إلا في علاقته بالإنجاز الذي يعد خاتمة لسلسلة من التحولات المؤدية من التحيين إلى التحقق. ولكي تشتغل هذه اللحظات في ترابط مع بعضها البعض، لا بد من وجود إطار يحدد للفعل منطقا وغاية. إن هذا الإطار يطلق عليه گريماص البرنامج السردي. ويعتبر "البرنامج السردي" صيغة تركيبية منظمة للفعل الإنساني بشكل صريح أو ضمني.
من هنا، > فإن الخطاطة السردية ليست سوى مفصلة مشخصة لوحدة تركيبية بسيطة تتحد من خلال وجود ملفوظ فعل يحكم ملفوظ حالة، وهو ما يحدد في نهاية المطاف البنية التركيبية العامة للنص السردي. فالتحريك والأهلية والإنجاز والجزاء لا يتحددون إلا من خلال وجود غاية مسطرة بشكل صريح أو ضمني، داخل يرنامج سردي يوحد الفعل ويبرره ويحكم تماسكه من بداية النص إلى نهايته. ويمكن تأويل هذا البرنامج كفعل تقوم به ذات ما لتغيير حالة تعود إلى ذات أخرى انطلاقا من ملفوظ الحالة الذي يشير إلى هذا البرنامج باعتباره نتيجة لتحول ما. ويسمح هذا التحديد، على المستوى الخطابي، بطرح صور (خطابية) مثل الهبة أو التجربة< ( 35)
ويتحدد البرنامج السردي إما من خلال تعاقد بدئي يحدد نمط تداول الموضوعات داخل المساحة النصية الفاصلة بين لحظتي البدء والنهاية، وإما من خلال إرساء قواعد بنية سجالية تضع على مسرح الأحداث ذاتين تتصارعان من أجل الحصول على نفس المضوع. ففي الحالة الأولى يتعلق الأمر ببرنامج سردي يقود من البدء إلى النهاية عبر برامج استعمالية متنوعة، إلى جعل الذات تدخل في اتصال مع موضوعاتها وفق شروط التعاقد البدئي.
وستكون الصيغة التركيبية لهذا البرنامج هي : حالة انفصال تقود إلى حالة اتصال بعيدا عن أي سجال، أو العكس من حالة اتصال إلى حالة انفصال :
ذ u م ذ n م
ذ n م ذ u م
وتقرأ هذه الصيغة كتمثيل لحالتين متعاقبتين لذات تتميز، في مرحلة أولى، بانفصالها عن موضوع القيمة، وتتميز في مرحلة ثانية، باتصالها مع هذا الموضوع، وذلك إثر تدخل ما يحدد مضمون هذا التحول. ولا يؤول هذا التدخل بهذه الصفة، إلا إذا سلمنا بوجود فعل محول تقوم بممارسته "ذات فعل"، وذلك بهدف تغيير ملفوظ حالة. وإذا أمكن التمثيل لذات الفعل ب : ذ1، ولذات الحالة ب : ذ 2، سيكون بإمكاننا تمثيل هذا التحول على الشكل التالي :
- فعل محول ذ 1 (ذ2 n م ) ]
أو
- فعل محول ذ1 (ذ2 u م ) ] (36)
إن التمييز بين ذاتين ذ 1 و ذ 2 تمييز منهجي فقط ولا يشكل قاعدة ثابتة يمكن الاستناد إليها من أجل تحديد مجمل التحولات التي يعرفها النص السردي. فقد تكون ذ 1 ذاتا أخرى غير ذ 2، وذلك مثلا في حالة استنجاد ذات أصابها نقص ما بذات أخرى وذلك لعجزها عن إلغاء هذا النقص اعتمادا على إمكاناتها الذاتية، وقد تكون ذ 1هي نفسها ذ 2 في حالة استشعار ذات ما لنقص وقيامها بإلغاء هذا النقص اعتمادا على قدراتها.
وإذا كان النص السردي في كليته يعد برنامجا سرديا تاما، فإنه قد يحتوي على سلسلة من البرامج السردية المرتبطة إما بضرورة تكرار التجربة الواحدة مرات متعددة، فالحصول على الموضوع الواحد قد يستدعي سبلا ووسائل متنوعة يحكمها برنامج أصلي، وإما مرتبطة بتعدد الموضوعات الاستعمالية المؤدية إلى الحصول على موضوع قيمة واحدة، وينتج عن هذا التعدد تعدد البرامج الاستعمالية للحصول على هذه الموضوعات ضمن ما يتطلبه البرنامج الرئيس المؤطر للنص السردي في كليته.
وفي الحالة الثانية، تحيلنا البنية السجالية على انشطار داخل البرنامج السردي الأصلي، ومثوله أمامنا على شكل برنامجين متقابلين : برنامج الذات المثمنة قيميا، أي المحفل الذي يعبر عن كون قيمي إيجابي، وبرنامج الذات المضادة، أي المحفل الذي يمثل القيم المرذولة، وهو ما يشكل المضمون الذي يجب أن يخضع للنفي، ويمكن رد مضمون بنية هذا النوع من الانشطار إلى الصيغة البسيطة التالية : هناك ذاتان تتصارعان من أجل الحصول على موضوع واحد :
- ذ 1 ترغب في الحصول على م 1
- ذ 2 ترغب في الحصول على م 1
> ووجود برنامجين سرديين يسمح لنا، من الناحية السردية، بإمكانية إبراز هذا البرنامج أو ذاك من خلال رواية أو سماع نفس الحكاية، مع الحفاظ على البرنامج المصاحب للبرنامج المتحقق ولكن بشكل عكسي<. (37) ويمكن التمثيل لهذا الانشطار من خلال اللوحة التالية :
علاقة استبدالية
علاقة (ذ1 u م ) ( ذ1 n م )
توزيعية
(ذ2 n م ) ( ذ2 u م )
إن اتصال ذ 1 مع موضوعها (ذ 1 nم ) يقرأ استبداليا كانفصال بين ذ 2 و م، والعكس أيضا صحيح. ففي الوقت الذي تكون فيه ذ 1 في انفصال مع موضوعها (ذ1 U م ) تكون ذ 2 في اتصال مع هذا الموصوع.
إن هيمنة هذا البرنامج على ذاك لن يتحكم فيه سوى الاستثمار الدلالي المثمن سرديا. فحكاية المناضل هي حكاية السلطة ولكن من زاوية عكسية، إلا أن رواية هذا البرنامج المقابل، لاتشكل مجرد تنويع بسيط ومحايد لبنية سردية قابلة للانتشار في هذا الاتجاه أو ذاك، ذلك أن سرد أحداث ما تعود إلى ب س 1، والتغاضي عن أحداث ب س 2 هو تثمين للأول، وتبعا لذلك تثمين للكون القيمي الذي يشكل هذا البرنامج سنده الرئيس.
ويمكن القول، إنه رغم الترابط الموجود بين البرنامجين، فإن إظهار البرنامج الأول مثلا، والدفع بالثاني إلى التراجع هو تعبير عن اختيار إيديولوجي، ذلك أن عملية تمثيل الأحداث لا تتعلق فقط بتغيير في مستوى السرد ( سرد أحداث هذا البرنامج أو ذاك) بل تحيل على فرق جوهري بين اختيارين إيديولوجيين. إن سرد أحداث هذا البرنامج أو ذاك يعني بشكل مباشر، استحضار سلسلة من الأسنن الثقافية باعتبارها البؤرة التي تجسد الاختلاف بين عالمين تربطهما قصة واحدة. وبعبارة دقيقة، إن الأمر يتعلق بعالمين يربطهما تداخل العناصر الثقافية وتسربها من سنن إلى آخر.
ويتجلى هذا بوضوح أكبر حين نترك الوظائف جانبا ( السند الرئيس لكل التحولات التي يمكن تسجيلها داخل نص سردي ما) ونستحضر فقط الأمارات ( بالمفهوم الذي يعطيه بارث لهذه الكلمة) حينها سنجد أنفسنا أمام تدقيق وتحديد صارمين لعالم كل ذات على حدة. وهكذا لن يصبح الصراع محصورا في موضوع تتوق كل ذات، بوسائلها الخاصة، إلى امتلاكه، بل سيصبح هذا الصراع فرصة لطرح نمطين حياتيين مختلفين، وهو صراع يشمل كل جوانب السلوك الإنساني اليومي.
فمن موقع التلقي، أي لحظة تجسيد فعل القراءة كما يظهر من خلال الأهلية التأويلية يدرك القارئ أهمية هذه الشخصية أو تلك من خلال ما تملكه من أحداث تشكل في تآلفها قصة، وأن تكون لشخصية ما قصة معناه، أنها تملك مواصفة إضافية تخبر عن تاريخ هذه الشخصية وامتدادها في الماضي أو المستقبل أو كلاهما معا. ولعل هذا ما يميز النوع السردي، فالسرد هو فرصة لخلق وضعيات إنسانية لا تحتوي على وظائف فحسب، بل تحتوي أيضا على مجموعة من العناصر البسيطة التي يطلق عليها الأمارات، وهذه الأمارات هي ما يخبر عن مجموع العناصر المحددة للنسق الثقافي الذي يفسر الأفعال ويحدد لها إطارها الإيديولوجي.
- المسار السردي ونمط الوجود السميائي
إن مقولة المسار السردي ساهمت إلى حد كبير في دحض إحدى الثيمات الرئيسية للنقد الكلاسيكي. ولقد كان لپروپ الفضل الكبير في شد الانتباه إلى ضرورة تحديد الشخصية من خلال موقعها من الفعل (الوظيفة) دونما اهتمام بالجوانب المتعلقة بالتطور السيكولوجي أوالاجتماعي لهذه الشخصية (38). من هنا وجب التعامل مع هذه المقولة باعتبارها الأداة التي تعمل على تحديد كينونة الذوات الفاعلة داخل الحكاية من خلال المجموع التام والمتنوع للأدوار التي تلعبها داخل القصة، أي تحديد مجموعة من المراحل المسكوكة التي تبرز تطور المواقع التركيبية داخل الحركة السردية.
وبناء عليه، فإن نمط الوجود السميائي لعامل ما لا يمكن الإمساك به إلا من خلال مجموع الأفعال الصادرة عنه والمندرجة ضمن مسار محدد، وتبعا لذلك جاء التمييز بين الدور العاملي والوضع العاملي لمحفل ليعطي بعدا ديناميكيا للنموذج العاملي، ويدع الباب مفتوحا أمام تطويع هذا النموذج من داخله لكي يستوعب غنى وتنوع النصوص.
تأسيسا على هذا، فإن هذه المقولة هي أداتنا في تحديد نمط الوجود السميائي للذوات وللموضوعات على حد السواء، و> من هذه الزاوية فإن الذات باعتبارها محفلا منتجا لأفعالها تمر تباعا بثلاثة أنماط مختلفة للوجود السميائي:
ذات ممكنة ذات محينة ذات محققة .
إنها تشكل ثلاث حالات سردية، الحالة الأولى سابقة عن اكتساب الأهلية، والثانية هي نتاج هذه الأهلية، وتقوم الحالة الثالثة بتحديد الذات لحظة إنتاجها للفعل الذي سيجعلها تدخل في اتصال مع موضوع القيمة وتحقق بذلك مشروعها<. (39)
وبما أن الذات لا يمكن أن تتشكل كذات إلا من خلال وجود موضوع ما تتحدد من خلاله، فإن الموضوع، باعتباره عنصرا داخل محور (الرغبة) يتكون من حدين، يمر هو الأخر بنفس المراحل ويعرف نفس نمط الوجود. > فتحيين القيمة يتم من جهة من خلال معانقة الذات لهذا الموضوع ويتم من جهة ثانية من خلال اندراجه ضمن برنامج سردي، كما أن هذه القيمة تدخل مرحلة التحقق إذا دخلت في اتصال مع الذات، كما يمكنها العودة من جديد، إثر تنازل ما، إلى مرحلة الإمكان، ويحينها من جديد أي انفصال قسري، وهكذا لسنا أمام ثلاثة أنماط للوجود السميائي لموضوعات القيمة مطابقة للمسار العام للذات ومحددة له :
موضوع ممكن موضوع محين موضوع محقق
وإنما أيضا أمام تطورات ممكنة يكون فيها الإنجاز نقطة الارتكاز بحيث إن كل تنازل سيؤدي إلى إطالة الخطاطة السردية، كما أن أي حرمان من الموضوعات يصلح لأن يكون لحظة سردية تنطلق منها مسارات جديدة <(40)
استنادا إلى هذا بإمكاننا الآن طرح سلسلة من التعادلات بين المراحل المحددة للخطاطة السردية، وأنماط الوجود السميائي، على أساس أن الخطاطة السردية هي ناظم منطقي لمجموع عناصر النص، وأن الموضوعات والذوات تعين مواقع تركيبية سابقة عن أي استثمار دلالي، وسنكون أمام المعادلات التالية.
التحريك الأهلية الانجاز الجزاء
ذات ممكنة ذات محينة ذات محققة الحكم على الافعال
موضوع ممكن موضوع محين موضوع محقق
برنامج ممكن برنامج محين برنامج محقق
وليس من الضروري أن تتحقق هذه العناصر في مجموعها وبشكل كلي ومتابع. فقد تحتوي المرحلة الواحدة مراحل متعددة من خلال الإحالة على العناصر الغائبة. كما قد تكون بعض الأنماط الوجود مفترضة فقط، أو تكون معطاة من خلال المواصفات الخاصة بهذه الشخصية أو تلك.
وفي ختام هذه الفقرة يمكن أن نقدم لوحة تختصر مجموع العناصر السردية التي سبقت الإشارة إليها .
العلاقة مرسل/ذات
العلاقة ذات /موضوع
التحريك الأهلية الإنجاز الجزاء
فعل إقناعي الحصول على الموضوع الحصول على موضوع الحكم على
( المرسل) الاستعمالي القيمة الأفعال المنجزة
فعل تأويلي للذات صيغ : إرادة الفعل
قدرة الفعل
معرفة الفعل
ذات ممكنة ذات محينة ذات محققة
موضوع ممكن موضع محين موضوع متحقق
برنامج ممكن برنامج محين برنامج متحقق
البعد التداولي (41)
البعد الذهني
ورغم أهمية مقولة المسار السردي، وأهمية الصياغة النظرية التي تسندها وكذا قدرتها على مدنا بأدوار تسمح بإجراء تقطيع شكلي لما يبدو وكأنه محكوم بمبدأ المتصل، فإنها لا تستنفد وتستوعب كل العناصر الخالقة للأثر/شخصية. فكما أن الدراسات المرجعية القائمة على البحث عن معادل واقعي لكائنات من ورق دراسات مرفوضة، فإن دراسة محايثة بشكل خالص ولا تخرج عن رصد وتسجيل الانتظامات الداخلية للعمل الأدبي، لن تكون قادرة على التعرف على شبكة الإكراهات التي تزن بثقلها، بشكل مسبق، على العمل الأدبي. فهذه الإكراهات تعد عنصرا حاسما في تشكل العمل الأدبي وإنتاجه لمجمل دلالاته. ذلك أن دراسة من هذا النوع قد تتحول إلى مجرد جرد بسيط أو مشكلة صياغة.(42)
من هنا تأتي ضرورة استحضار الإجراء التلفظي كحد فاصل بين الصياغة التجريدية للبنيات السردية، وبين تحققها، أي استحضار المحفل المنتج للكون الروائي (السارد). ذلك أن الأساليب السردية الخاصة بدخول الشخصيات إلى مسرح الأحداث، وكذا أساليب التمييز بين هذه الشخصية أو تلك تعد عنصرا أساسيا في تشكل الشخصية، كما تسمح هذه الأساليب بالتعامل معها باعتبارها بناء مطردا وكأثر للقراءة. فالتحول من مستوى سردي إلى آخر، وخلق خطابات خاصة بالشخصيات لا يمكن أن يكون مجرد تنويع عادي وبسيط للبنية السردية في بعدها التجريدي العام. إن هذه العناصر، قبل أن تكون تنصيصا أو لأنها تنصيص لهذه البنية، هي الخالقة، للأثر/ شخصية، وهي المولدة للتلوين الثقافي الخاص بالكون الذي تتحرك داخله هذه الشخصية أو تلك.
إن تصنيف الشخصيات وفق خانات تحيل على عوالم ثقافية بعينها عملية لا تنفصل عن نمط اشتغال هذه الشخصيات، كما لا تنفصل عن طبيعة العلاقات القائمة بينها. فإذا كان بإمكاننا التعامل مع البنية العاملية باعتبارها عنصرا يكشف لنا عن نمط تنظيم المتخيل الإنساني، فإن هذا التعامل يفرض علينا أخذ الصفات بعين الاعتبار، لكونها إحالة على الفعل وعلى نمط تنظيمه ( كل صفة تحتوي على إمكانية للفعل).
وعلى هذا الأساس، إذا كانت الشخصية إسقاطا لصورة سلوكية بأبعادها النفسية والاجتماعية والثقافية داخل عالم متخيل، فإن العودة بهذه الصورة إلى منبعها الأول لا يتم إلا من خلال فعل القراءة (الأهلية التأويلية للقارئ) : أي عملية تنظيم العناصر الخالقة لهذه الشخصية داخل نص معين، وتبعا لذلك فإن الشخصية هي إنتاج يتداخل فيه التسنين وفك التسنين.
إن الشخصية تندرج ( أو تبني) ضمن النص الثقافي العام بأبعاده المتعددة من جهة، وتحيل من جهة ثانية على السنن الخاص بالمتلقي، إن بناءها ليس عملية اعتباطية خاضعة لمزاج المبدع أو مزاج المتلقي، بل هي عملية واعية تخضع لمجموعة من القيود، ولا يمكنها أن تتشكل ككيان فني إلا من خلال هذه القيود، وهذه القيود ذاتها هي في الأصل حمولة دلالية محتملة يقوم النص، باعتباره سلسلة من الأفعال الممكنة القابلة للتحقق من خلال سيرورة القراءة، بتخصيص هذه الحمولة عبر نفيها أو إثباتها أو بلوة حمولة مضادة.
في ضوء هذه الملاحظات، يمكن القول إن مقترحات گريماص فيما يتعلق بدراسة الشخصية لا ترقى إلى ما يطرحه بناء الشخصية من أبعاد تتجاوز بكثير مشكلة الصياغة التجريدية الخاصة بالبنيات العاملية وتنويعاتها المعددة. ولقد كان لفليب هامون (43)، الفضل الكبير في اقتراح دراسة بالغة الجدة للشخصيات، وهي دراسة تنطلق من مجموعة من العناصر التي أغفلتها نظرية گريماص. ومع ذلك لا يمكن النظر إلى مقترحات هامون باعتبارها تشكل نقيضا لما جاء به گريماص، بل يجب النظر إليها باعتبارها إغناء وإثراء لتصورات گريماص انطلاقا من موقع تحليلي جديد.
الهوامش
1- Courtès : Introduction à la sémiotique narrative , p. 61
2- Greimas : Sémantique structurale , p p . 174 - 175
3- گريماص، نفس المرجع ص : 175
4- گريماص، نفس المرجع ص : 176
5- گريماص، نفس المرجع ص : 175
6- گريماص، نفس المرجع ص : 173
7- گريماص، المرجع السابق ص 173
8- گريماص، نفس المرجع ص : 174
9- وكمثال على ذلك يرى گريماص أن الايديولوجية الماركسية يمكن توزيعها من جهة نظر المناضل على الشكل التالي : الذات :
الانسان المرسل إليه : المرسل
الموضوع : مجتمع بلا طبقات المعيق : البرجوازية
المرسل : التاريخ المساعد : الطبقة العاملة
انظر Greimas : sémantique structurale, p .181
10- Ricدur :La narrativité, P . 34
11- Greimas (A;J) : Du sens II éd Seuil collestion poétique paris, 1983 , P 28
12- Ricoeur (paul) : La narrativité P : 37
13- ريكور ، نفس المرجع ص : 36
14- Cocorda (j.p) : Morphogenése du sens , P : 237
15- Greima (Aj) : Du sens II , P 52
16- Ubersfeild ( Anne ) : Lire le théatre , éd sociales, 1982
الفصل الخاص ب Les personnages dans le théatre
17- Henault (Anne) : Narratoligie, sémiotique générale II ed P.U.F paris 1983 p : 59
18- Greimas : Du sens Ii P : 51
19- Henaut : narratalogie p : 130
20- Greimas : Du Sens P : 168
21- Greimas : Du sens, P : 187
22-:Greimas : Du sens, P : 168
23-Greimas Courtès : Dictionnaire Article manipulation
24- Greimas : Du sens P : 169
25- Greimas Courtès : Dictionnaire Article manipulation
26- Greimas :les Acquits et les projets P : 17 - 18
27- Greimas : Du sens P. 173
28- Cocorda : Morphogenèse du sens P : 240
29- Greimas : Du sens , P : 170
30-Greimas : Courtés : Dicionnaire; Article performance
31- نفس المرجع نفس المادة .
32Greimas : Les Acquis et les projets P : 24
33- گريماص، نفس المرجع ص : 24
34- گريماص، نفس المرجع ص : 25
35- Greimas, courtés : Dictionnaire Article: programme narratif
36- ص 13 Greimas: Les Acquis et les projets
37- Greimas: Du sens Il P : 35
38-Rastier (François) : Essai de sémiotique discoursive, P 209
39- GREIMAS Les Acquis et les projets, p . 20
40- GREIMAS, Les Acquis et les projets, p . 20
41- اللوحة مأخوذة بتصرف عن : EveraertDesmedit ( Nicole) : La communication publicitaire
Louvain La neuve Brixelles 1984 P :117
42- Hamon (philipe) : personnel du roman p : 22
43 انظر مقالة Pour un statut sémiologique du personnage, in poétique du récit seul 1977















الفصل الرابع
من السردي إلى الخطابي
ننتقل في هذا الفصل من المسار السردي، باعتباره عنصرا ضابطا لمجموعة من الأدوار العاملية، ومحددا لرحلة البطل ومتحكما في أفعاله وتحولات الحالة الخاصة به، إلى المسارات التصويرية باعتبارها عنصرا مولدا لسلسلة من الأدوار الثيمية. إن الأمر يتعلق بانتقال يقودنا من المكون النحوي حيث تمثل الحكاية أمامنا كسلسلة من الحالات والتحولات وتتأسس كينية سردية، إلى المكون الخطابي بصفته استثمارا دلاليا لهذه البنية. وبعبارة أخرى ننتقل من الخطاطة السردية إلى ما يشكل الأبعاد الدلالية للنص السردي.
إن هذا الانتقال يتم من خلال طرح الممثل كنقطة لقاء بين دورين، دور عاملي ودور ثيمي. > فاستيعاب الأدوار العاملية للأدوار الثيمية يؤسس المحفل التوسيطي الذي يسمح لنا بالمرور من البنيات السردية إلى البنيات الخطابية<. (1) وبصيغة أبسط ، ننتقل من مضمون الفعل في صيغته التجريدية : معتد ، إلى صيغته المشخصة من خلال كائن بعينه : عيسى معتد.
إننا، والحالة هذه، أمام عملية قلب ثانية، إنه قلب يتم من خلال التحول من البرنامج السردي إلى الممثل، وباختصار الإنتقال من البنيات السردية كهيكل عام ومجرد، إلى ما يشكل غطاء لهذه البنيات ويمنحها خصوصيتها وتلوينها الثقافي، أي البنيات الخطابية، وذلك وفق المبدأ القائل بتبعية المكون الخطابي للمكون السردي. > فالاعتراف بمبدأ عدم التلازم الموقعي بين العوامل السميائية وممثلي الخطاب (...) وكذا الإعتراف بالمسافة الفاصلة بينهما، هو الضمانة على استقلالية التركيب السردي كعنصر منظم وضابط للتمظهر الخطابي<. (2)
إن عملية القلب هاته تتم من خلال طرح مكونين أساسيين للتجلي الخطابي : المكون الأول ويتمثل في الدلالة الخطابية ويشتمل هو الآخر على مستويين : مستوى الثيمة، ومستوى التشخيص. ويتحدد المكون الثاني في التركيب الخطابي، ويحتوي هذا المستوى على إجراءات مختلفة : وضع الممثل على خشبة الفعل، التفضيء، التزمين.
الدلالة الخطابية
إذا كانت البنيات السردية تتميز، باعتبارها شكلا كونيا عاما، بنوع من الاستقلال، من حيث التنظيم ومن حيث الوجود، عن البنيات الخطابية، فإنها تعد في الآن نفسه وعاء تصب داخله المضامين الخاصة بهذا النص أو ذاك. وبعبارة أخرى، فإن النص السردي لا يتحدد من خلال خطاطاته السردية، بل يتحدد من خلال التحققات المتنوعة لهذه الخطاطة. ولا يمكن فصل هذه التحققات بأشكالها عن الإكراهات التي يفرضها الشكل الخطابي باعتباره استثمارا دلاليا يمنح النص السردي تلوينه الثقافي الخاص. > فإذا أمكن اعتبار البنيات السردية خاصية عامة للمتخيل الإنساني، فإن التشكلات الخطابية - الموتيفات والثيمات- رغم قابليتها للتعميم، وقابليتها للانتقال من لسان إلى لسان، تظل خاضعة لمصفاة تحدد نسبيتها وتربطها بعوالم سميائية / ثقافية خاصة بمجموعة بشرية ما<. (3)
إن التركيز على استقلالية البنيات السردية وعلى طابعها الكوني ليس سوى تحديد مسبق لهيكل عام لا يكتسب كافة دلالاته إلا متحققا داخل أشكال خطابية خاصة. > ومن هذه الزاوية، فإن التجلي الخطابي للسردية ليس سوى إدماج للمكون الدلالي داخل موضوعات سردية هي إفراز للنحو السردي، رغم طبيعته التوزيعية وتبلوره كشكل للمضمون وليس كمادة له <. (4) ويتم هذا الإدماج بطريقتين مختلفتين. وبعبارة أخرى، فإن هذا الإدماج يتم انطلاقا من مستويين مختلفين داخل المكون الخطابي. فمن جهة هناك الدلالة الخطابية المحددة أساسا في البعد الثيمي ( وكل العناصر المرتبطة بهذا البعد -المسار التصويري، التشكلات الخطابية...)، وهناك من جهة ثانية التركيب الخطابي المتجلي في التزمين والتفضيء، وبلورة كيان خاص بالممثلين. و> لا يشكل البعد الثيمي سوى قلب دلالي يسمح بصياغة مختلفة وبطريقة تجريدية لنفس القيمة الدلالية <. (5)
وبعبارة أخرى، يمكن القول إن هذا القلب يمكننا من تلمس الخطوات الأولى نحو استشراق آفاق الوجه المشخص للبنية المجردة، أي تلك القيم التي لم تكن في مرحلة ما سوى إمكان يوجد خارج أي سياق. فهذا البعد الجديد يستدعي تناول اللكسيم ( الوحدة المعجمية ) وطرحه كوحدة مضمونية تحتوي في داخلها على سلسلة من الإمكانات الدلالية القابلة للتحقق جزئيا أو كليا داخل الخطاب. ويمكن النظر إلى اللكسيم من زاويتين : زاوية استبدالية، وزاوية توزيعية.
ذلك أن > اللكسيم (...) ينشر خيوطه استبداليا وفق مجموعة من الترابطات التي تجمع بين أكثر من وحدة، وهذا ما يسمح بتخصيص الخطاب وتحديد تحققه النوعي، إن اللكسيمات من هذه الزاوية تكون تشكلات خطابية، وهذه التشكلات ليست سوى صور خطابية ...] تتميز باختلافها عن الأشكال السردية والأشكال الجملية، وهي في تميزها -الجزئي على الأقل- تؤسس خصوصية الخطاب كشكل تشخيصي للمعنى. وتنشر هذه الصورة اللكسيمية خيوطها توزيعيا أيضا، فكل لكسيم يدرج داخل الخطاب يشتغل وفق توزيع إرغامي يستدعي وجود تشكلات خطابية تحكم هذا التوزيع. وتشكل اللكسيمات، من هذه الزاوية، مسارات تصويرية <.(6)
إن الثيمة من هذه الزاوية تعد تكثيفا لسلسلة من الإجراءات الخطابية المتراكبة مع الإجراءات السردية. فالانتشار التوزيعي والاستبدالي للكسيم يحيلنا على تشكل الثيمة كتشخيص أولي للمعنى يقود من اللكسيم إلى المسار التصويري إلى التشكلات الخطابية، وفق سلسلة من الإرغامات التي يفرضها الإطار الثقافي العام الذي أنتج داخله النص السردي.
فلنأخذ كمثال على ذلك اللكسيم : "جمال". فهذا اللكسيم يعد في ذاته خزانا لسلسلة من الممكنات الدلالية التي تتحقق كليا أو جزئيا وفق تنوع السياقات. فكل سياق هو في واقع الأمر مسارا تصويريا، أي انتقاء لسياق قد يجعل من الجمال يحيل على الجمال الجسدي أوالجمال بمفهومه الفلسفي أوالجمال الروحي الخ. وكل سياق هو تشكل خطابي يستدعي مسارات تصويرية متنوعة. فالجمال الجسدي يستدعي أحيانا التركيز على مفاتن جنسية، أو على تناسق في البناء الجسدي الخ. وكذلك الأمر مع الجمال الروحي.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن شكل تنظيم الوحدات السردية ( الأفعال -الوظائف) لا ينفصل عن شكل تنظيم الوحدات الدلالية ( اللكسيمات، المسارات التصويرية الثيمات...)، وأي تغيير يلحق بالتنظيم الثاني سيكون له تأثير على التنظيم الأول ويؤدي إلى تغييره. > فإذا كانت الصورة التي يقع على عاتقها تمثيل المقدس هي صورة القس، أو خادم الكنيسة أو قواس الكنيسة، فإن هذا التنوع سيؤثر على البعد التصويري للمقطع في كليته، كما أن أنماط الأفعال وكذا الفضاءات المحتوية للمقطع والمتطابقة مع الصور التي تم انتقاؤها بدئيا، ستكون مختلفة عن بعضها البعض<. '(7)
ولئن كانت العناصر المنتمية إلى المستوى الخطابي لا تتمتع ببعد كوني عام كما هو الشأن مع العناصر المنتمية إلى المستوى السردي، فإنها مع ذلك تتحكم في سيرورة إنتاج الدلالة، ومنها يمتح النص خصوصيته، وهي المحددة أيضا لطبيعة الأثر المعنوي المتولد عن تداخل الخطابي مع السردي.
وإذا كانت الثيمة هي مجموعة من القيم المتناثرة داخل النص والقابلة للتجسد في مسارات متنوعة، فإن تكثيفها وتقليصها يؤديان إلى خلق البعد الثيمي. > فإذا كان بإمكاننا تجميع الآثار المعنوية المندرجة ضمن مسار ثيمي، وكان بإمكاننا أيضا تكثيف هذه الآثار بواسطة تسمية ملائمة هي مجموع الخصائص الخاصة بالذات المنجزة لهذا المسار ( مثال : المسار '' اصطاد يختصر في ''صياد '' )، فسنحصل حينها على دور ثيمي لا يعد شيئا آخر سوى محاولة إعطاء بعد ثيمي لذات الفعل المتحكمة في برنامجها السردي< (8)
إن الثيمة باعتبارها تكثيفا لمجموعة من الوحدات المعنوية الواقعة ضمن تناظر واحد، يمكن ردها، في أفق التحول من الثيمي إلى السردي، إلى محفل يعد ضمانة على هذا الانتقال. فكما أن الدور العاملي هو تكثيف واستعادة استبدالية لمجموعة من الأفعال المسننة داخل أشكال سردية ذات طابع كوني، فإن الدور الثيمي هو تكثيف لمجموعة من السلوكات المتكررة. وبعبارة دقيقة، إن الدور الثيمي هو مجموعة من السلوكات المسننة من طرف مجتمع ما.
وعلى هذا الأساس، وإذا كانت الصورة اللكسيمية " صيد " تحيلنا من جهة على فعل وتحيلنا من جهة ثانية على دور، فإن هذا يعني أن التشكل الخطابي باعتباره ثيمة خارج أي تحقق سياقي، يمكن أن تنشر خيوطها في مسارات متعددة. ذلك أن المواصفة "صياد" تحتوي في داخلها على إمكانية للفعل ( يمكن تأويلها سرديا باعتبارها تشير إلى ما يمكن توقعه من الصياد )، وتحتوي من جهة ثانية على نشاط إنساني معين. وعلى هذا الأساس، لن تكون الثيمة من زاوية التوليد، سوى تأليف لهذين البعدين.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن دخول البعد الثيمي في علاقة مع البعد السردي يفترض وجود محفل يعد نقطة لقاء بين المستويين : الممثل. والممثل باعتباره بؤرة التجلي التصويري للخطاب يشكل نقطة الوصل بين ما يشكل نحوا سرديا يعود عبر مراحل متشابكة، إلى النموذج التأسيسي كإجراء ( تحريك النموذج التأسيسي)، وبين ما يشكل الدلالة السردية التي تعود هي الأخرى، وبنفس الطريقة، إلى النموذج التأسيسي كعلاقات ( العلاقة السكونية المكونة للنموذج التأسيسي). وتبعا لذلك فإن الدور الثيمي هو تأليف بين ما يعود إلى المواصفات كتحقق (البعد الثيمي) وبين ما يعود إلى الوظائف كإمكانية (البعد السردي).
انطلاقا من هذا، يمكن تحديد مفهوم > "الدور'' من جهة كمواصفة، أو كصفة للمثل، ومن جهة ثانية فإن هذه المواصفة ليست، من الزاوية الدلالية، سوى تعيين يحتوي في داخله على حقل من الوظائف ( أي مجموعة من السلوكات المسجلة داخل النص أو مفترضة فقط). وتبعا لذلك، فإن المضمون الدلالي البسيط للدور هو نفس مضمون المثل، باستثناء المعنم ''فردية''؛ إن الدور هو وحدة تصويرية حية، ولكنها مجهولة واجتماعية. وبالمقابل فإن الممثل هو فرد يقوم بدور أو بمجموعة من الأدوار <(9). إن لحظة حدوث هذا التأليف تعد لحظة حاسمة من أجل الانتقال من البعد الثيمي إلى البعد التصويري داخل الهيكل العام للخطاطة السردية.
التركيب الخطابي
يعد التركيب الخطابي، داخل المسار التوليدي أشد المستويات محسوسية، وذلك لكونه عنصرا معطى من خلال التجلي النصي نفسه، إنه آخر مرحلة داخل مسار يقود من أشد العناصر بساطة إلى أشدها تركيبا. ويتعلق الأمر في هذا المستوى بعملية تنظيم، وفق قواعد خاصة، لجميع المستويات داخل خطاب منسجم. وبعبارة أخرى، إننا أمام عملية تخطيب لمجموعة من العناصر الضرورية لتأسيس كون متناسق. فالتركيب الخطابي بعناصره المتنوعة، هو المسؤول في نهاية المطاف عن إعطاء بعد صوري ومحسوس لوجه مغرق في التجريدية. ولعل هذه الخاصية هي ما يجعل من نص ما نصا سرديا يتميز بكونه يستعمل صورا من العالم المحسوس من أجل معالجة مقولات مجردة. > فإعطاء بعد ثيمي لخطاب مجرد معناه جعل هذا الخطاب قادرا على معالجة مقولات ذات طابع ذهني (الحرية - الفرح)، وسيصبح لهذا الخطاب بعدا تصويريا إذا كان هذا الخطاب يلجأ من أجل توضيح المقولات، إلى صور من العالم الطبيعي أي اللكسيمات التي تحيل على أشياء وشخصيات وديكورات تعود إلى العالم المحسوس<. (10)
> إن الإجراءات الخطابية التي يجب أن تتشكل كتركيب خطابي، تملك القدرة على الاستناد إلى عمليات الوقف والوصل باعتبارها قاسما مشتركا بينها، وستكون بذلك مرتبطة بمحفل التلفظ <. (11) وتتجلي هذه الإجراءات من خلال ثلاث مستويات :
1- هناك أولا المستوى الخاص بصياغة الممثل، أي الانتقال من العامل كمقولة مجردة إلى الممثل كوحدة مشخصة.
2- وهناك ثانيا المستوى الخاص بالتزمين وهو المستوى الذي يمنح الخطاب خاصيته الزمنية.
3- وهناك في الأخير المستوى الخاص بالتفضيء، أي تحديد نقطة إرساء مرجعية تشتغل كإطار يرسم للأحداث تخوما.
- مستوى الممثل : إن الحديث عن الممثل هو الحديث عن السند المشخص الذي يشتغل كنقطة جذب تلتف حولها الأحداث وتمنح الخطاب بعدا إنسانيا. وبعبارة أخرى، فإن الممثل هو نقطة إرساء نهائية في عملية التمثيل الخاصة بقيمة دلالية. فالتمثيل يقود من أشد العناصر تجريدا إلى أشدها محسوسية عبر محطات تملك قواعد تنظيمية خاصة بها. فإذا أخذنا كمثال على ذلك مقولة دلالية كالاستبداد، فإن هذه المقولة ستخضع لأنواع متعددة من التمثيل لتستقر في نهاية المسار داخل قالب مشخص.
الاستبداد مستبد زيد يمارس أفعالا ( أو تمارس ضده) تدل على الاستبداد.
و> أهم ما يميز هذا الإجراء هو قدرته على الجمع بين مختلف المكونات التي تقود في نهاية الأمر تأسيس الممثل< (12). ويتم هذا الإجراء من خلال الربط بين دور ثيمي ( المستبد في المثال السابق) وبين دور عاملي ( الذات الفاعلة ) داخل محفل واحد ( زيد في المثال السابق كوحدة معجمية ظاهرة من خلال اسم علم).
وبناء عليه، إذا كان التركيب العاملي يتسم بالعمومية والكونية، فإن كل خطاب يتميز بتوزيعه الممثلي الخاص له كدليل على خصوصيته وتفرده. وكما يؤكد ذلك گريماص، فإن العلاقة الرابطة بين العامل والممثل علاقة مزدوجة فالعامل الواحد (ع) قد يظهر عبر الممثلين متعددين.
ع1
م1 م2 م3
وفي نفس الوقت، يقوم ممثل واحد بسلسلة من الأدوار العاملية ويشتغل على إثر ذلك، كحامل لمجموعة من العوامل :
م1
ع1 ع2 ع3 (13)
ويتطلب الإجراء الخاص بخلق الممثل في مرحلة ثانية، تحديد مجموعة من العناصر الفنية المحددة لخصائص كل خطاب : اختيار اسم العلم استنادا إلى المرجعية الكامنة وراء هذا الاختيار (دال الشخصية)، تحديد شكل توزيع الوظائف والمواصفات على الممثلين (مدلول الشخصية)، إلى غير ذلك من الخصائص التي تحدد للنص السردي تلوينه الثقافي وموجعيه الفنية الخاصة.
ويتميز المضمون الدلالي البسيط للممثل بوجود المعانم التالية : وحدة تصويرية، حية قابلة للفردنة ( الفردنة تتم في غالب الأحيان، وخاصة في النصوص الأدبية من خلال اسناد اسم علم لهذا المثل ) (14)
- مستوى الزمن : من أجل فهم الإجراء الخاص يمنح كون دلالي ما بعدا زمنيا يجب التعامل مع التزمين باعتباره إجراء يهدف إلى إفراغ البنية الدلالية البسيطة في قالب زمني، بهدف إلغاء بعدها السكوني. وتتجلى أولى مظاهر التزمين من خلال التحول من العلاقات إلى العمليات. فمجرد طرح ذات الخطاب كأداة أساسية لتحريك هذه البنية، معناه الإحالة -بشكل صريح- على البعد الزمني، وترقب انتشار هذا الزمن في مسارات زمنية خاصة، تحول البنية من العمومية إلى ما يشكل خاصية هذا الخطاب أو ذاك. > ويكمن التزمين في مرحلة ثانية، في خق برمجة زمنية تتميز بتحويل محور الاقتضاء (التسلل المنطقي للبرامج السردية) إلى محور للتعاقب (البعد الزمني للأحداث) <. (15) وسننتقل، تبعا لذلك، مع التزمين، من التعامل مع الحياة من خلال حدود قيمية، إلى التعامل معها من خلال حدود زمنية.
وإذا كنا لا نستطيع الحديث عن الزمن إلا من خلال استحضار فعالية القص كما يقول ريكور، فإن > التزمين يكمن في نهاية الأمر في إنتاج الأثر معنوي "زمنية"، وبذلك يتم تحويل التنظيم السردي إلى قصة < (16)
ومن البديهي القول إن هذه التحديدات الخاصة بالإجراء التزميني لا تستنفد كلية البعد الزمني كما لا تستوعب كامل أنماط وجوده داخل النسيج النصي، كما لا تحدثنا عن طريقة تصرف السارد في هذا الزمن وطريقة توزيعه. إنها تحدثنا فقط عن كيفية تشكل النص السردي، والأصول الكامنة خلف تحول الأحداث إلى قصة ( ما يتعلق بالتقطيع الذي تخضع له الكتلة الزمنية لكي تصبح شكلا قابلا للإدراك ).
إن الصياغة النظرية التي قدمها گريماص لمشكلة الزمن داخل النص السردي هي جزء من تصوره لعملية إنتاح المعنى. ووفق هذا التصور، فإن قضية الزمن تتلخص في إعطاء بعد زمني لبنية تتميز بطابع لازمي. وبعبارة أخرى، فإن قضية الزمن ترتبط بكيفية تحول بنية لازمنية إلى مجموعة من الأحداث لا تدرك إلا داخل الزمن. فالنموذج التوليدي - وهو مقولة مركزية داخل نظرية گريماص - لا ينطلق من العناصر المشخصة، أي مما يطرح داخل النص ويفهم من خلال الحدود الزمنية، لكي يصل إلى ما هو مجرد وعام، بل العكس هو الحاصل، فالسيرورة تنطلق من العنصر البسيط أي من حدود قيمية تستثمر في مرحلة لاحقة داخل النص من خلال حدود زمنية.
ورغم أهمية هذه التحديدات وقيمتها النظرية والتطبيقية في فهم ميكانيزمات اشتغال النص السردي، فإنها لا تجيب عن مجموعة من الأسئلة التي تطرحها مشكلة التزمين داخل النص السردي. ذلك لأنها لا تمدنا بأدوات إجرائية تسمح لنا بتحديد موقع العنصر الزمني داخل النص، كما لا تمكننا من تحديد الدور الذي يلعبه التوزيع الزمني في إنتاج المعنى. وبناء عليه، فإن القارئ سيجد في تصورات جيرار جونيت العناصر الكافية لملء هذا الفراغ، وتغطية النقص الذي تشكو منه الصياغة النظرية التي قدمها گريماص في هذا المجال.
مستوى الفضاء
إن الإكراهات الاستبدالية التي تحكم السير التوزيعي للبنيات السردية، تحدد وتحكم إلى حد كبير التمثيل الزمني والتمثيل الفضائي. فإذا كان التزمين داخل بنية النص هو برمجة مسبقة لمجموعة من الأحداث، فإن الفضاء لا يمكن النظر إليه إلا بهذه الصفة أيضا، ذلك أن التفضيء ليس سوى تخطيب لسلسلة من الأماكن التي أسندت إليها مجموعة من المواصفات لكي تتحول إلى فضاء. وبذلك فإن التفضيء يعد هو الآخر برمجة مسبقة للأحداث وتحديدا لطبيعتها (الفضاء يحدد نوعية الفعل)، وليس مجرد إطار فارغ تصب فيه التجارب الانسانية. استنادا إلى هذا فإن > التفضيء يحتوي على إجراءات التحديد المكاني المؤولة من جهة نظر التلفظ كعمليات للوصل والوقف، وهي عمليات تسقط خارجها تنظيما فضائيا شبه مستقل يستخدم كإطار يتضمن البرامج السردية وتسلسلاتها <. (17)
وعلى هذا الأساس، فإن التحديدات الفضائية والزمانية لا تخضع، في مجملها، لأية إكراهات واقعية، فهي محكومة بقواعد تعد من صلب النص، ومحددة وفق المرجعية الداخلية التي تنظر إلى النص باعتباره حاملا لكون قيمي. ذلك أن أي توزيع للفضاء لا ينفصل عن مجمل التجارب المشكلة للخطاطة السردية. ويقدم گريماص وفق هذا التصور، نموذجا عاما يتوزع الفضاء وفقه كسلسلة من المحطات التي لا وظيفة لها إلا ضمن ما تمليه مقتضيات رحلة البطل. > وهذه المحطات هي ما يمكن من طرح مجموعة من القرائن الشكلية التي تسمح بتفكيك الحكاية إلى مقاطع<. (18)
ويتوزع هذا النموذج على الأنواع الفضائية التالية :
- الفضاء الاستهلالي
- فضاء الفعل الإنجازي
- وينقسم الفضاء الإنجازي إلى قسمين :
- فضاء الاستعداد
- فضاء النصر (19)
وتتطابق هذه الفضاءات مع سلسلة التجارب التي يجب أن يخضع لها البطل (الذات) أثناء رحلته ( الرحلة الرابطة بين لحظتي البدء والنهاية). فإذا كان الفضاء الأول يحدد الإطار المكاني المدشن للحكاية، أي النقطة المكانية التي ينطلق منها البطل نحو فضاءات أخرى ( وهو ما يتطابق سرديا مع الحالة البدئية)، كما يحدد النقطة الختامية لهذه الرحلة ( أي العودة من جديد إلى الفضاء المؤطر للحالة البدئية )، فإن الفضاء الإنجازي يؤطر التجريبتين : التأهيلية والرئيسية ( أي لحظة الحصول على صيغ التأهيل)، أي ما يتطابق مع الشروط المؤدية إلى إنجاز الفعل، ولحظة تحقيق الفعل الانجازي). أما فضاء الاستعداد فهو البؤرة التي يتجلى داخلها التحول تركيبيا، أي ما يحدد نمط الوجود السميائي للذات كذات محينة مالكة للشروط التي تمكنها من الانتقال إلى مرحلة الاتصال. في حين يتحدد فضاء النصر باعتباره فضاء للفعل بامتياز، أي المكان الذي يتم داخله تحقيق الفعل الإنجازي والإعلان عن انتصار البطل في معركته من أجل الحصول على موضوع القيمة. ويأخذ هذا الفضاء في الحكايات الشعبية أشكالا متعددة منها الصعود إلى قمة جبل شامخ، أو الغوص في أعماق البحار، أو المغامرة داخل صحراء قاحلة. وبعبارة أخرى، يأخذ هذا الفضاء، في غالب الأحيان، صفة الفضاء العدواني. ويمكن تقديم هذا النموذج الفضائي على الشكل التالي :
أنواع الفضاء الفضاء الاستهلالي فضاء الفعل الإنجازي فضاء النص
التجارب
حالة بدئية الاستعداد النصر حالة نهائية
تحريك الإنجاز الجزاء
الأهلية
والجدير بالملاحظة أن هذا التصنيف لا يمكن أن يتجاوز حدود الحكايات الشعبية، ويصعب إيجاد معادل له في النصوص السردية المعاصة. إن ما يقدمه گريماص في هذا المجال لا يجيب إلا عن حركة البطل داخل المساحة الزمنية والفضائية المغطية للحكاية، وهو من هذه الناحية يعد رسما لحدود أي فعل ولموقعه داخل هذه التجربة أو تلك. فالحكاية الشعبية تسير وفق شكل سردي (صيغة تلفظية) قارة يجعل من التنقل داخل الفضاء عنصرا بالغ الأهمية، ولا يمكن لأية حكاية أن تحيد عن هذا الشكل. ذلك أن البطل، لكي يكتسب هذه الصفة، عليه أن يغادر المكان الذي توصف داخله الحالة البدئية، ليلقي بنفسه، داخل إطار فضائي مجهول ( لم يسبق للبطل في الغالب أن اكتشفه)، ليصل إلى الموضوع الذي يمكنه من تحديد حالة اتصال جديدة ( الحصول على الفاكهة التي ستشقي الملك، استرجاع الأميرة المخطوفة...). إن الفعل المحدد لحالة النقص هو دائما فعل تقوم به قوى خارجية تنتمي إلى فضاء مجهول ( أو ينتمي إلى قيم مرذولة محليا). وهذا الفضاء المجهول يفصله دائما عن الفضاء الاستهلالي حالة اعتداءينتج عنها ظهور قوى مساعدة للبطل وأخرى معيقة أو تمثلها قوة واحدة ( البطل الذي يرتمي على ثدي الغولة ليتقي شرها ويحولها إلى عنصر مساعد عبر امتصاص عدوانيتها).
أما الفضاء في النصوص السردية المعاصرة، فيشتغل بطريقة مغايرة تماما، إنه ليس تحديدا لنوعية الفعل ولا تحديدا لتوقعية ما، بل هو عنصر مساهم في عملية إنتاج المعنى، ودلالته لا تأتي من العناصر الطبيعية المشكلة له ( ما تثيره أمكنة كأعماق البحار أو قمم الجبال أو المغارات...)، بل تأتي عن طريق عرض هذا الفضاء، ذلك أن عملية انتزاع العنصر الطبيعي من بنيته الأصلية وتثبيته داخل بنية جديدة (عالم جديدة، عالم النص السردي) تمنح للفضاء دلالة جديدة هي تركيب لمعنيين : معنى العنصر داخل البنية الأولى، ومعناه داخل البنية الثانية. وهكذا، فإن أي فضاء قد يشتغل كفضاء عدواني كما قد يشتغل كعنصر مساعد، تماما كما هو الشأن مع ما يسمى بالفضاء المفتوح والفضاء المغلق، فالانفتاح ليس معطى بشكل سابق على تحيين الفضاء داخل النص، وكذلك الأمر مع الانغلاق، فتنظيم العناصر السردية وطريقة تحيين القصة داخل شكل سردي ما هو الذي يحدد طبيعة هذا الفضاء أو ذاك.
الهوامش
1-Greimas : Du Senc II p : 65
2- Greimas : Du Senc II p : 26
3- Greimas : Du Senc II p : 61
4- Greimas : Du Senc II p : 62
5- Greimas, courtès, Dictionnaire, Article thématisation
6- Courtés : Introduction à la sémiotique p. 89
7- Greimas : Du Sens II, P . 63
8-Greimas, Coutés Dictionnaire Artice thème
9- Greima, Du sens II, P . 63
10-Henaut (Anne) : Narratologie, P . 136
11- Greimas, Courtès : Dictionnaire : Discursivisation
12-) Greimas, Courtès : Dictionnaire : Actoriolisation
13- Greimas : Du Senc II p : 19
14-Greimas : Du Senc II p : 257
15- Greimas, Courtès : Dictionnaire temporalisation
16- Temporalisation
17- Greimas, Courtès , Dictionnaire : temporalisation
18- Henault (Anne) : Narratologie p : 133
19- يتعلق الأمر بالفضاءات التالية :
- espace hétérotopique
- espace topique
- espace paratopique
- espaceutopique






مصطلحات
عامل Actant
الفعل السرديActe narratif
ممثلActeur
محينة Actualisé
المساعد Adjuvant
استذكار Anaphore
مستذكِر Anaphorisant
مستذكَر Anaphorisé
مشخص Anthropomorphe
تمفصلات Articulation
المظهر الاستمراري Aspect duratif
المظهر البدئي Aspect incohatif
منحAttribution
استباق Cataphore
مستبِق Cataphorisant
مستبَق Cataphorisé
مقولة معنمية Catégorie Sémique
مركز توجيه Centre d'orientation
تداول circulation
تصنيف Classification
سنن Code
تسنين codification
الأهلية compétence
الأهلية الموسوعية Compétence encyclopédique
التشكلات الخطابية Configuration discursive
مواجهة Confrontation
اتصال Conjonction
متصل Continu
إكراهات Contrainte
تعاقد Contrat
متن Corpus
زوج Couple
الوقف Debrayage
انشطار Dédoublement
مرسل إليه Destinataire
مرسل Destinateur
وجوب الفعل Devoir faire
بعد ذهني Dimension cognitif
بعد تداولي Dimension pragmtique
منفصل Discontinu
خطاب Discours
خطاب مسرد Discourd narrativisé
خطاب منقول Discours rapporté
خطاب متراكب Discours transposé
تخطيب Discursivisation
انفصال Disjonction
هيمنة Domination
أثرالقراءة Effet de lecture
أثر الواقع Effet de réel
أثر معنوي Effet de sens
الوصل embrayage
ملفوظ Enoncé
تجربة Epreuve
فضاء Espace
فضاءالاستهلال Espace hétérotopique
فضاء النصر Espace Utopique
فضاء الاستعداد Espace paratopique
فضاءالإنجاز Espace topique
الفعل التركيبي Faire syntaxique
التصوير Figurativisation
نهائي Final
وظيفةFonction
اشتغال Fonctionnement
توليدGénération
النحو الأصولي Grammaire fondamentale
النحوالسردي Grammaire narrative
تراتبية Hiérarchie
كلجزئي Hyperonimique
جزكليHyponimique
متخيل Imaginaire
محايثةImmanence `
محفل Instance
قصدية Intentionnalité
مؤولInterprétant
مؤول نهائي Interprétant final
فعل تأويلي Faire interprétatif
القلب Inversion
استثمار Investissement
تناظر Isotopie
اللغة Langage
اللسان Langue
لكسيم Lexème
دائرة التحول Lieu de transformation
مقروئية Lisibilité
تجلي Manifestation
تحريك Manipulation
لغة واصفة Metalangage
ميتارسدي Metanarratif
صيغ Modalité
جهة Mode
نموذج Modele
النموذج التأسيسي Modele constitutionnel
سرد Narration
تسريد Narrativivsation
سرد Narrativiser
السردية Narrtivité
السرديات Narrtologie
مستوى Niveau
موضوع Objet
معيق Opposant
استبدالي Paradigmatique
إبدال Paradigme
مسار Parcours
مسار تصويري Parcours Figuratif
مسار توليدي Parcours Génératif
مسار سردي Parcours narratif
مسار ثيمي Parcours Thématique
الكلام Parole
الإنجاز Performance
شخصية Personnage
فعل إقناعي Persuasif ( Faire)
إقناع Persuasion
سجالي Polémique
قدرة الفعل Pouvoir faire
محمول Prédicat
الإجراء Proces
برمجة Programmation
برنامج Programme
برنامج سردي Programme narratif
مواصفة Qualification
محقق Réalisé
محكي Récit
تقليص Réduction
عرض بصري Représentation Visuelle
دور Role
دور عاملي Role Actantiel
دور ثيمي Role Thématique
الجزاء Sanction
معرفة الفعل Savoir Faire
خطاطة Schéma
انتقاء Selection
معنم Sème
مقطع Séquence
دال Signifiant
مدلول منطقي Signifié logique
مدلول بلاغي Signifié rhétorique
بدني Somatique
تلخيص Sommaire
تفضيء Spatialisation
وضع Statut
وضع عاملي Statut Actantiel
مسكوكة Stéréotype
بنية Structure
تتابع Succession
متتالية Suite
ذات Sujet
تزامنية Synchronie
توزيعي Syntagmatique
التركيب العاملي Syntaxe Actantielle
التركيب السردي Syntaxe Narrative
نسقي Systématique
نص نسقي Systématique( texte)
صنافة Taxinomie
تزمين Temporalisation
تحول Transformation
تثليث Triplication
وحدة Unité
وحدة سردية Unité Narrative
الكون القيميUnivers Axiologique
القيمة Valeur
مثمن Valorisé
تنويع Variation
ألسَنة Verbalisation
محتمل Virtuel
إرادة الفعل Vouloir faire
احتمالي Vraisemblable

عادل ارزيق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-10-2010, 11:19 PM   #2
حقــي
Banned
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 250
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: البنية السردية للدكتور سعيد بنكراد

بارك الله فيك.... سأتولى تصويره بيدي إف قريبا إن شاء الله فالكتاب في حوزتي...

حقــي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
البنية السردية في شعر نزار قباني / حصري أبو ذر الفاضلي الكتب اللغوية والأدبية الحصرية بصيغ أخرى 15 22-09-2013 11:08 PM
التحليل السيميائي للبنى السردية في رواية ((حمامة سلام)) للدكتور نجيب الكيلاني إبراهيم براهيمي مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 3 22-06-2013 04:24 PM
البنية السردية في الرواية السعودية عبد الكريم رسائل في الأدب العربي 4 26-11-2012 05:48 AM
دراسة البنية السردية فى القصص القرآني بركات رياض المكتبة الأدبية المصورة 7 02-10-2012 09:07 AM
سعيد بنكراد عصام محمود مكتبة علوم اللغة العربية المصورة 4 31-03-2012 03:21 AM


الساعة الآن »02:19 PM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd