روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > المكتبات الشاملة والمتكاملة والمعارف العامة والدوريات > قسم الأعمال الكاملة للمؤلفين
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 15-09-2011, 03:49 AM   #1
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي مؤلفات شبلي شميل

1- فلسفة النشوء و الارتقاء
الرابط: http://www.archive.org/details/majma...rshi00shumuoft
2. مجموعات شبلي شميل
الجزء الأول:http://www.4shared.com/document/Jw8J1gtQ/___1.htm
الجزء الثاني:http://www.4shared.com/document/eYoTCBf0/___2.htm

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 03:50 AM   #2
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

شبلي شميّل.. رائد من أعلام النهضة العربيّة


بقلم: جان دايه

كان الدكتور شبلي شميّل (1850 – 1917) متعدد الموهبة و"خضّاضاً" في كتاباته ومواقفه. وبسبب ضيق المساحة، اكتفي بالاضاءة عليه، باحثاً واديباً، عبر نماذج من كتاباته المتميزة بالتحدي والاثارة والسخرية.
دشن شميّل انتاجه الفكري بسلسلة دراسات ومقالات تناول فيها موضوعا خطيرا وجديدا بالنسبة الى قراء العربية. فقد بدأ منذ عام 1876 يكتب حول نظرية النشوء والارتقاء التي رسم مبادئها البريطاني تشارلز داروين (1807 – 1882)، وكان في ترجماته وابحاثه تلك، اول من تناول الداروينية باللغة العربية. اللافت انه امتطى ذلك المركب الخشن وهو لا يزال طالبا في الكلية السورية الانجيلية التي اصبحت تعرف بالجامعة الاميركية بعد عام 1920.
ورغم عدم ايمان الدكتور يعقوب صروف بكامل النظرية، نشر في مجلته العلمية "المقتطف"، معظم ما كتبه شميّل عنها. وقد يكون فعل ذلك لأسباب ثلاثة، اولها منهجي ويقضي بنشر كل بحث علمي او فلسفي، بصرف النظر عن ايمانه به او رفضه له، والثاني صحافي ويقضي باحتضان المجلة هذا الموضوع الخطير والجديد على قراء العالم العربي، والثالث ان شميّل كاتب بارع، فهو لم يكتف بترجمة النصوص الداروينية، بل اضاف اليها وصاغها بأسلوب يوحي كأنها نصوص شميّلية.
وانهمرت الردود الغاضبة على "حكيم الشرق" و"طبيب العمران"، وكان العامل الديني هو الدافع الرئيسي، اعتقادا من اصحاب الردود ان الداروينية فلسفة إلحادية. ورغم ضراوة الانتقادات وكثافتها، استمر شميّل في تأليف فصولها والدفاع عنها. ويعود ذلك الى عاملين، اولهما اعتقاده ان "الحقيقة يجب ان تقال لا ان تُعلم"، والثاني ان بعض الذين ردّوا عليه لم يقرأوا ما نشره عن فلسفة النشوء والارتقاء. وثمة عامل ثالث لا يجوز اغفاله، وهو موافقة قلة من المثقفين والكتاب لشميّل وآرائه العمرانية، ومنها داروينيته. من هؤلاء مدير الكلية الشرقية الاسبق الاب بولس الكفوري، والاديب امين الريحاني الذي اقتدى بشميّل ودشّن حياته الادبية بكتاب "المحالفة الثلاثية" الذي اغضب رجال الدين المسيحي، والكاتب المصري المعروف سلامة موسى. ومن المرجح ان الدكتور ادوين لويس حض طلابه في الجامعة الاميركية على قراءة داروين بتحريض من شميّل الذي كان في غاية الفرح لتمرد هذا المبشر الاكاديمي (ادوين لويس) على منع المؤسسة الدينية التي ينتمي اليها قراءة داروين. ولم يفاجأ شميّل حين طردت الادارة لويس وبعض طلاب الطب والصيدلة المتضامنين معه ومنهم جرجي زيدان، ناهيك بالدكتور كورنيليوس فانديك الذي "طرد" نفسه من الجامعة التي اشترك في تأسيسها، بسبب تضامنه مع زميله وطلابه.
المقهى مسرحاً
كما قادة الفكر، لم يكتف شميّل بإفراغ ما في جعبته حول الداروينية في "مصر القاهرة" و"المقتطف" و"البصير" وغيرها من الدوريات التي اصدرها "الشوام" في مصر، بل هو جمعها وقدّم لها واصدرها في كتاب عنوانه "فلسفة النشوء والارتقاء" عام 1910. ومن اطرف ما احتضنه الكتاب، العبارة التي توّج بها المؤلف الغلاف وقال فيها للقارىء: "طالع هذا الكتاب بكل تمعّن، ولا تطالعه الا بعد ان تطلق نفسك من اسر الاغراض لئلا تغمّ عليك وانت واقف تطل على العالم من شرفة عقلك تتلمس الحقيقة من وراء ستارها". ولم يكن جبران في حاجة الى قراءة النصيحة الاكاديمية ليقرأ الكتاب بدون موقف سلبي مسبق. ذلك انه كان من المعجبين بشميّل حين قرأ كتابه. لكن الاعجاب لا يعني البصم على كل ما تنص عليه الداروينية الشميّلية. وبدلا من ان يكتب مراجعة نقدية "رصينة" وينشرها في جريدة "السائح" او "مرآة الغرب" او "الهلال" ممهورة باسمه الصريح، نشر مسرحية صغيرة في مجلة "الفنون" النيويوركية اطلق عليها تسمية "رواية" وذيّلها بتوقيع مستعار "احد تلاميذ حفار القبول". اما ابطال المسرحية فهم: الدكتور شبلي شميّل، الشيخ اسكندر العازار، جبران خليل جبران، امين الريحاني، وحنا سمعان. المكان: قهوة المنظر الجميل في عاليه. الزمان: مساء احد والشمس جانحة الى الغروب. يدخل الدكتور شميّل والشيخ العازار والريحاني وجبران، ويجلسون على كراسٍ واطئة حول مائدة، وكل منهم مسحور بجمال المناظر وهيبة الشمس وألوان الشفق المتدرجة من الاصفر الى الاحمر الناري. وبعد سكينة يلتفت الدكتور شميّل الى رفاقه ويقول بصوته الجهوري: يا ترى، هل كان لألوان الشفق تأثير على فطرة القرد الذي تحدر منه الانسان حسب الناموس المعروف بتأثير الوسط؟ اجابه العازار: بالله عليك دع داروين ومذهبه مدفونين بين صفحات الكتب ولا تشوّه مجلس هذا المنظر بذكر القرود. الا يكفي ما عندما من القرود البشرية؟ وقال جبران: يذكّرني هذا المنظر بصورة للرسام تيرنر الانكليزي تمثل رجوع عولص (عوليس) من جزيرة كاليبسو. وعلّق الريحاني: لقد ضاعت الطاسة بين قرود داروين ورسوم تيرنر، وكلا الرجلين من امة ثلجية الاخلاقية، رمادية العواطف. واكتفى شميّل بالقول: ابتدأنا بفطرة القرود، وانتهينا بأمة الانكليز".
من المؤكد ان جبران استوحى هذه المسرحية الخيالية من مئات "المسرحيات" الواقعية التي كانت تحصل في مقهى "سبلندد بار" او في منزل شميّل، والمعروفة بمجالس الدكتور شميّل. وكانت بعض الدوريات في القاهرة، وبخاصة "مجلة سركيس" تنشر وقائع الحوار. وعلى سبيل المثال، فمجلة "الهلال" نشرت وقائع مجلس جرى في منزل شميّل في حضور البرنس محمد علي حليم واحمد زكي باشا وسليم بسترس والدكتور صابر بسيط ونجيب شاهين وطانيوس عبده وسليم سركيس الذي سجّل الحوار وأهداه الى اميل جرجي زيدان. لاحظ الضيوف هرة بيضاء تجلس قرب صحن الحكيم وأبدوا استغرابهم من طول باله. فقال لهم: "لما كان مدبر الكون قد اختار ان لا يكون لي نسل، فقد اخترت ان اعطي محبتي وعنايتي لهذه القطة، وقد جعلها صاحبنا وولي نعمتنا في هذه الايام طانيوس عبده قطة تاريخية". هنا، وقف الشاعر الفكه وألقى قصيدة حول الهرة التاريخية، قال فيها:
الهرة البيضاء يا سادتي
هرة مولانا الحكيم الكبير
يقول يا بنتي ولو مكنت
قالت له "بابا" بصوت جهير
كم حولت اوراق داروينه
الى فراش مستطاب وثير
ونحن لو طفنا بأوراقه
لما تلقانا بغير الزئير
وخلال استغراق شميّل في ذكريات فلسفية، قاطعه احمد زكي باشا قائلا: "يظهر انك كنت فيلسوفا حتى في صغرك"! فأجابه الفيلسوف: انني لا اعلم من الفلسفة الا اسمها، ولا اعي من العلوم الا رسمها. ولكنني من صغري اكره الرياء. فإنما الرياء والمواربة والتدليس وما شاكل هي سلاح من يرغب ان يكون مقربا من الاستبداد، متمتعا بما يمكن تحصيله من خيرات الظلم". لعل تصدّيه للمعتمد البريطاني في مصر، خير دليل. فقد طلب منه رئيس "جمعية الاتحاد اللبناني" اسكندر عمون مرافقته لمقابلة المعتمد من اجل ابلاغه قرار الجمعية السياسي الخاص بلبنان. ويقول شميّل في سياق تذكّره اللقاء: "رأيت المعتمد يكثر من الصقاعة وهو جالس ومجعوص، ورئيسنا شديد التحفظ في كلامه الرسمي معه. فغلبتني السليقة واخذتني الحدة التي لا تقدّر عواقب في دائرة الحق الواجب. فقاطعت الكلام واسترعيت سمع المعتمد ان رئيسنا يخاطبك بكلام مألوف لك، واما انا فأريد ان اخاطبك بلغة لم تتعودها في مجالسك الرسمية". اضاف مخاطبا ممثل بريطانيا العظمى والحاكم بأمره في مصر: "الدول، ومنها دولتك، ارتكبت في حق لبنان، بسبب اغراضها المتنابذة، خطأ فظيعا. والواجب يقضي عليها بتداركه، الا اذا كانت تريد لهذا الجبل ان يموت. ولكن النزع الذي يسبق الموت لا يكون غالبا بدون اضطراب شديد. فجمعيتنا وضعت هذا التقرير الذي امامك منه هذه النسخة ورفعته الى الدول المذكورة رأسا. وزيارتنا لك لاحاطتك علما بالامر لا لشيء آخر. حتى اذا سألتك دولتك عنا كنت عالما بنا وبما قدّمته لك جمعيتنا". وكانت ثمرة غضب شميّل ان المعتمد "اعتدل في جلسته الى الاجلال وتحوّل في حديثه الى الجد والكمال"، على حد ما ورد في "الاهرام" بتاريخ 6 حزيران 1914.
ولو كان القمقم يتسع لأكثر من واحد بالالف من حجم المارد، لرويت بالتفصيل كيف قال احد رجال مجلس ادارة جبل لبنان لابن السادسة عشرة: "انت تعلمت كذا وكذا، ولكن يوجد علم لم تتعلمه بعد وهو علم السلوك!" واجابه شميّل على الفور: "إن كنت تعني بذلك علم النفاق، فهذا لم اتعلمه ولن اتعلمه" ("المقطم"، 10 تشرين الاول 1908).
لنعد الى شبلي شميّل الكاتب. مارس الكتابة اكثر من ممارسته الطب. ثم انه كتب في اكثر من لون فكري وادبي. كان فيلسوفا وعالم اجتماع واديبا وشاعرا. ولم يخل اي اثر له من السحر الاصيل. وندر ان نشر دراسة او قصيدة او قطعة نثرية صغيرة، الا احدثت صدى وردودا رافضة او مؤيدة او مداعبة على الاقل.
كتب شميّل الكثير من المقالات عن الاشتراكية. وكانت الردود عليه غير قليلة وغاضبة، وخصوصا ان معظمهم ومنهم الصحافي الفكه سليم سركيس، ظن ان اشتراكية شميّل ماركسية. رد شميّل على سركيس، وبطريقة مخاطبة الحماة لتسمع الكنة، فأكد ان الاشتراكية ترجمة لفظة "سوسياليزم" الافرنجية وضعها كتّابنا الاولون وجرى عليها الجمهور. وهي خطأ في التعريب جرّ معه خطأ اعظم في الفهم. والصواب الاجتماعية من الاجتماع اي العمران واصحابها الاجتماعيون، ولكننا جاريناهم هنا عملا بالمثل القائل: خطأ مشهور خير من صواب مهجور". اضاف مداعبا صاحب "مجلة سركيس" ان "الاشتراكية لا تعلّم اقتسام المال – كن مطمئنا على ثروتك او ثريتك ما شئت وما شاءت النحاة تصغير ثروة – بل العدل في تقسيم المنفعة بين العمل ورأس المال". الجدير ذكره ان سركيس لم ينشر النقد في مجلته، بل في جريدة "المؤيد" التي كان ينشر مقالا يوميا فيها تحت عنوان دائم "الشيء بالشيء يذكر".
خوف ونفور
من المحاضرات التي استمطرت الردود الكثيرة وبخاصة من الجنس اللطيف، تلك التي ألقاها شميّل في "جمعية الاعتدال" في القاهرة عام 1886 بعنوان "المرأة والرجل وهل يتساويان؟". لعل اكثر ما اغضب السيدات قول الحكيم المحاضر ان "وزن دماغ الذكر يزيد على دماغ الانثى بأربعين غراما عند الولادة و150 غ من سن 20 الى 60". هذا الفرق مع غيره من الفروقات الاخرى الواردة في المحاضرة، دفعت بالمحاضر الى القول في "مسك" الختام: "لا نحقّر المرأة كما فعل شوبنهور الالماني حيث جعلها تحت العجماوات وقال انها من شر المخلوقات... ولا نبالغ في تعظيمها كما فعل ديدرو الفرنسوي حيث جعلها فوق الرجل وقال ان الذي يتكلم عنها ينبغي له ان يغطّ قلمه في قوس قزح ويرمّل خطه بغبار اجنحة فراش الحقل... بل نضعها في مقامها الحقيقي الذي يليق بها، والذي جعلت فيه، اعني عضوا لازما للهيئة الاجتماعية تابعة للرجل في ارتقائه، مساعدة له، متممة ما نقص من كماله". ولكي يأخذ القارئ فكرة عن كثرة ردود الجنس اللطيف وضراوتها، اكتفي بإعادة نشر مقدمة رد شميّل على الردود حيث قال وفق موضة السجع الدارجة وقتذاك: "ما بال ربات الحجال وذوات اللطف والدلال برزن من خدورهن غضابى. واوسعنني لوما وعتابا. وفتحن عليَّ حربا اعدى من حرب البسوس. واظلم من يومَي سعد وبوس. وما اتيت ضدهن بمنكر. ولا ارتكبت في حقهن ذنبا لا يغفر. أوماذا رأين في مقالتي (المرأة والرجل وهل يتساويان؟) من قصد التحامل عليهن والاجحاف بحقوقهن، حتى نفخن في البوق وهجن بنات جنسهن في الاقطار وتألّبن عليَّ جماعات متفقات لأول مرة، وتربّصن في مناوأتي تربص الآساد وعهدي بهن انفر من الظباء".
لم تشترك الاديبة مي زيادة (1886 – 1941) بالحوار التصادمي لأنها كانت في العام الاول من عمرها. لكنها قرأت في مطلع حياتها الادبية محاضرة شميّل وسيرته، فنفرت منه، وشاءت الصدفة ان يزور شميّل منزل والدها الصحافي الياس زياده، ويدور بين الزائر ومي حوار استهله بالقول: "منذ زمن طويل اتشوّق للتعرف بك"! فأجابته: "اني اخاف منك". وسأل: "أتخافين مني؟ لماذا؟" وقالت: "لأسباب متعددة اهمها انك تكره السيدات، وانك عالِم مادي، وانا شاعرة روحية الميول"!..
وفي اليوم الثاني تلقت مي قصيدة من الشاعر شميّل قال فيها:
تقولين اني اسير الثرى
وانت تحومين حول السهى
وانك في ذا المحيط ترين
النفوس واني اريكِ الصدى
فراعكِ مني نشيد تصاب
فأنشدتِ فينا اختلاف الهوى
تظنين اني فتنت ببادٍ
وليس افتتاني بهذي النهى
كأني نظرت بعينكِ فيكِ
وانتِ نظرتِ بعيني انا
وردّت عليه مي بقصيدة ولكن بالفرنسية، وبتوقيع مستعار "ايزيس كوبيا"، لأنها لم تكن بعد قد اتقنت العربية واحتلت رأس لائحة اديبات العالم العربي في الثلث الاول من القرن الماضي.

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 03:51 AM   #3
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

في فكرية المنوّر والمصلح الاجتماعي شبلي شميل شاكر فريد حسن ألطبيب والفيلسوف والمفكر والمصلح اللبناني شبلي شميل، من اعلام حركة التنوير المعاصرة ورواد الاتجاه الماركسي العَلماني في الفكر العربي الحديث، وأحد المشاهير في رسم وتشكيل

المشهد الفكري والثقافي في النهضة العربية. عرف كرائد في نشر الفلسفة المادية وتأكيد فكرة الطبيعة واعلاء شأن العلم وتثبيت قيم الحرية والعدالة. وقد جمع في حياته ونظرته الشاملة بين الفكر والعمل، ولم يكن مجرد مفكّر نظري وانما شارك فعلا في أحداث المجتمع وتطوره بطريقة ايجابية، وتبني المبادئ والأسس العامة لفلسفة النشوء والارتقاء ونظرية التطور لداروين ووجد في ذلك كثيرا من العنت والرفض من رجالات الدين المتشددين والسلفيين المتعصبين الذين اتهموه بالكفر والالحاد.
ولد شبلي شميل سنة 1853 وتعلم في بيروت وعاش في مصر واصدر مجلة "الشفاء" سنة 1881 وتوفي سنة 1917. ومن كتبه ومؤلفاته "فلسفة النشوء والارتقاء، مجموعة مقالات، رسالة الحقيقة" وغيرها.
شبلي شميل من المثقفين العرب الطلائعيين الذين لم يسقطوا في ثقافة التكسب المالي والفكري، واحسوا بالحاجة التاريخية الى الانسلاخ عن الولاء للدولة العثمانية، والدعوة الى اليقظة القومية العربية التي تجمع كل العرب بغض النظر عن الانتماء الديني والعرقي. حارب الجهل والتخلف والظلامية والخرافة والتعصب باشكاله كافة، ووقف ضد الظلم والقهر والاستبداد، وانحاز الى الحداثة والمعاصرة والعلمانية وشارك في معركة تحرر الانسان المقهور من احكام المجتمع وتقاليده، ودعا الى تحرير العقول من ضيق الافق العقلي وانشاء مختبرات فسيحة للفكر التقدمي واحترام حرية المعتقد والفكر والتعبير، وحلم بمستقبل مؤكد تضيؤه افكار التقدم والحضارة والمدنية، والنقد العقلاني، والتسامح الكوني، الديني والسياسي والاجتماعي.
وغني عن القول ان شبلي شميل مفكر ومثقف شمولي المعرفة ومصلح اجتماعي ووجه نهضوي لا يموت، زاوج بين دوره القيمي والثقافي ومساهماته الفكرية وكفاحه السياسي، وكان منفتحا على العلم وسعى الى تغيير الواقع الاجتماعي العربي ورأى في المدنية الغربية بمفاهيمها ومنجزاتها العلمية، المثال الذي يجب ان يحتذى اذا ما ارادت المجتمعات العربية النهوض وتحقيق التقدم العصري والحضاري والتخلص من حالة التخلف والتآكل والانكماش والتقهقر التي تنتابها، وآمن بمقولة "الدين لله والوطن للجميع" وطالب بتحقيق مصالحة بين التيارات الفكرية والمذهبية والايديولوجية المختلفة، وفق مبادئ العقل والفلسفة والعلم، وهو بلا ادنى مبالغة واحد من ملامح الفكر التنويري ورجالات النهضة الثقافية والفكرية والعلمية العربية الذين ساهموا في المعركة النضالية من اجل ارساء مجتمع الحرية والدمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ومن الداعين الى احترام العقل والاقتداء به.
واخيرا، لقد حاول شبلي شميل بكل خلايا فكره وضميره ووجدانه ان يعطي الجواب على الاسئلة المصيرية الكبرى، فاعطاه نقيا خالصا ومضى مع مجايليه من اعلام النهضة العربية المعاصرة الى منازلهم الغاربة بعد ان اجهض مشروعهم الفكري التنويري واخفقوا في تحقيق احلامهم وطموحاتهم، وظلوا مصابيح مشعة في فضاء الثقافة العربية التحررية المتنورة والعقلانية، ونبضا في عروق وعصب الوعي العربي والضمير الحي وقرارة الامل الذي لا ينطفئ.
(مصمص)
مجلة المثقف

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 04:28 AM   #4
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 71,096
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

بارك الله تعالى فيكم
كنت أتمنى لو اطلعتُ على هذا الموضوع قبل سنين
إذ أن لشبلي شميل أثره الكبير في الحركة الفكرية العربية اليوم

__________________



أبو ذر الفاضلي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 07:17 AM   #5
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

نعم كان لشبلي أثر وأي أثر، فلقد أثر على صاحب مجلة العصور وجعله يتبنى نظرية دارون، و ظهر أثر كتاباته على العقاد وسيد قطب، وإسماعيل مظهر، و إبراهيم بن عبد القادر المازني، وقد كان يحضر مجالس مي معشوقة الأدباء، و محبوبة الشعراء، فقد كان يغشى مجالسه و التي كان يغشاها إبراهيم بن عبد القادر المازني، و عباس محمود العقاد، وأنطون الجميل، وإسماعيل صبري، وولي الدين يكن، وخليل مطران، ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، و محيي الدين رضا و يعقوب صروف، وفارس الخوري، وكان شبلي شميل يجهر في وجوههم بالمزاح؛ فيقول: يا أدباتية يا أولاد الكلب، فترد عليه مي قائلة، يا أستاذ عجبت لأمرك، فقلمك يجعلنا أولاد قرود، ولسانك يجعلنا أولاد كلاب !!!
و لشبلي الفضل في ترجمة نظرية دارون ـ على ما فيها ـ وكان ملحداً، وقد أبنه الشيخ محمد رشيد رضا، وستجد مذكراته في مجلة البيان للبرقوقي، وسألحق ما أجده هنا ـ إن شاء الله ـ.

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 07:48 AM   #6
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

كلام العلاَّمة محمد كرد علي في مؤلفات الفيلسوف الفلسطيني شبلي شميل:

مؤلفات الدكتور شميل
قليل من المؤلفين المتقدمين والمتأخرين من رزقوا شجاعة الدكتور شبلي شميل، وصراحته في المجاهرة بآرائه العلمية والفلسفية والاجتماعية عرف ذلك منذ نحو أربعين سنة فعد في مصر والشام أحد أفراد قلائل جداً وربما كان فرداً في بابه نبت المؤلف في كفر شيما من جبل لبنان ودرس الطب في كلية الأميركان وأتقن الفرنسية؛ فسهل الكتابة بها كما سهل عليه الكتابة بالعربية، وهو ينظم الشعر يتوخى فيه المعاني العلمية والاجتماعية وهاجر إلى مصر منذ أربعين سنة، ولولا ذاك لاضطهد وأوذي كثيراً خصوصاً ومن مذهب الدعوة إلى العلم المحض الجديد والزهد في التعاليم القديمة كيف كانت حالها، وهو ناشر مذهب دارون في النشوء والتحول باللغة العربية وهذا المذهب هو الذي يدعي بعضهم أن أصل الإنسان قرد والحقيقة: أنه لا يقول أن القرد أصل الإنسان وأن الحمار أصل الفرس بل إن الإنسان والقرد والفرس وسائر الأحياء في الطبيعة قاطبة من أصل واحد في نشوئها من مواد الطبيعة وبمجرد قواها وقد تغيرت تبعاً لناموس المطابقة حتى بلغت مبلغها الآن بالانتخاب الطبيعي؛ فمذهب دارون الذي أثار ضجة كبرى في هذا الشرق الأدنى يوم ظهوره بالعربية هو مذهب علمي محض يدرس اليوم في المدارس الحرة من غير نكير وهو لا يضر بجوهر الأديان عَلَى ما يقول بعض الباحثين فيه بيد أن الحكمة تقضي عَلَى المتشبعين به أمثال صديقنا الشميل أن يدعوا إليه ولا يغضوا من شأن تعاليم رسخت في النفوس فوقرتها عَلَى توالي القرون، وعندنا أن المبادئ العلمية كانت تربي قبولاً من النفوس في بلادنا أكثر مما رأت لو لم يعرض أربابها بما هو أعز عزيز عَلَى الناس شربوا تقديسه مع لبن أمهاتهم وهيهات أن يتحولوا عنه بمجرد دعوة داعٍ أو تعريض معرض.
والكتب التي بين أيدينا من مؤلفات الشميل هي
كتاب فلسفة النشوء والارتقاء
وقع في 377 صفحة طبع بمطبعة المقتطف بمصر سنة 1910 وكان نشر أكثره في مجلة المقتطف العلمية كبيرة المجلات العربية ومجموعة ثانية، وهي كجزء ثانٍ للكتاب فيها موضوعات شتى عمرانية طبيعية علمية تاريخية أدبية سياسية تقريرية انتقادية فكاهية مما نشره المؤلف في جرائد مجلات كثيرة فضم شتاته، وقد طبع في مطبعة المعارف بمصر، وهو يقع في 341 صفحة، والكتاب الثالث رسالة في آراء الدكتور شبلي شميل طبعت بمطبعة المعارف بمصر سنة 1912.
( محمد كرد علي، مطبوعات ومخطوطات، مجلة المقتبس، العدد 79 - بتاريخ: 1 - 9 - 1912، ص 57، 58).

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 08:21 AM   #7
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

أقوال عن شبلي شميل:
يقول الأستاذ خليل الخوري:" أعلم رجال زمانه في العلوم الطبيعية " (1).
يقول الأستاذ إبراهيم الدباغ:" كان شبلي يغضب للإلحاد، لا لرب العباد، ويسب الدين والديان، إذا عارضه في نظرية القرود إنسان"(2).

==============================
(1) خليل الخوري، بين حافظ وإمام العبد، مجلة الرسالة، العدد 911 - بتاريخ: 18 - 12 - 1950، ص 22).
(2) مصطفى الدباغ، من رسائل إبراهيم الدباغ " الكتب "، مجلة الرسالة، العدد 770 - بتاريخ: 05 - 04 - 1948، ص 46.


__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 08:32 AM   #8
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

(1)

مذكرات شبلي شميل
الدكتور شبلي شميل معروف مشهور لا خفاء به، وهل يخفى القمر؟!
والدكتور - وليس يدافع في ذلك اثنان - ذو عقل كبير جبار كعقول الفلاسفة، وذو قلب سليم طاهر كقلوب الأطفال. لذلك نحبه جداً ونحترمه جداً. والدكتور خليق منا نحن الناطقين بالضاد بالحب والإحترام، وأن ننافس به الغربيين رافعين أصواتنا إذا كان عندكم معشر الغربيين أمثال هيكلوولس ودارون فعندنا شبلي شميل، وليس ينقصنا أن يكون عندنا أمثاله، ولكن ينقصنا فقط أن جمهورنا ليس كجمهورهم في تقدير النوابغ والعبقريين.
والدكتور وإن كنا نحبه ونحترمه كما أسلفنا بيد أنا لا نتفق وإياه في كثير من آرائه الدينية، وبعض آرائه الأخرى وهذا لا ينافي حبنا احترامنا وأن ننتفع بعمله وأدبه وبكل ما يفيض علينا عقله وتجاربه وملاحظاته - ونحن نقدم اليوم إلى قرائنا مما لم ينشره الدكتور مذكراته التي رأيناها كالمرآة يرى فيها الناظر تاريخ مصر ونهضتها العلمية والأدبية والسياسية والإجتماعية منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم مما لا يكاد يظفر بمثله في كتاب أو مجلة، ذلك إلى كثير من تعليقات الدكتور التي لا نغالي إذا قلنا أنها جماع فلسفته وآرائه وسننشرها تباعاً في البيان إن شاء الله.
اليوم الأول
حتى سنة 1875 وهي السنة التي اتخذت فيها مصر موطناً لي بعد تخرجي من المدرسة الكلية في بيروت، ورجوعي من فرنسا لم يكن في كل القطر المصري جريدة عربية عمومية سوى جريدة أسبوعية اسمها (الإسكندرية) لمنشئها سليم حموي وكان مركزها مدينة الإسكندرية.
وهي التي انتقلت بعد ذلك إلى القاهرة وتحول اسمها إلى (الفلاح) ثم ماتت. فسليم حموي شيخ الصحافة العربية في القطر المصري لو برَّ الصحافيون.
وفي هذه السنة قدم إلى مصر سليم تقلا وأخوه بشارة تقلا من كفرشيما من أعمال لبنان، وأنشأ جريدة الأهرام في الإسكندرية أسبوعية أولاً ثم يومية، ثم انتقلت إلى القاهرة، ولا تزال حية حتى اليوم.
ولقد أظهرا من الثبات وحسن الإدارة وصادفا من المساعدة ما سهل لهما النجاح وحبب للآخرين الإقتداء بهما.
وفي هذه السنة عينها قدم الإسكندرية أديب إسحق وسليم نقاش من مدينة بيروت وفي عزمهما أن يمارسا فن التمثيل، وقد مثلا بعض الروايات في تياترو زيزينيا في الإسكندرية، وأثنى الجمهور عليها كثيراً لأنهما كانا مقتدرين في فن الإنشاء والتمثيل معاً.
ومن الروايات التي شخصاها رواية :" أندرومارك " لراسين المؤلف الفرنسوي نقلها إلى العربية أديب اسحق، واقتفى مؤلفها في كل ما التزمه من المحسنات اللغوية فجاءت في العربية محكمة كما هي في الفرنساوية. وكأنهما رأيا كثرة نفقات التمثيل وليس لهما سند مالي فانفصل أديب ونوى أن يلحق بالصحافة ففي ذات يوم ورد لي كتاب من أخي أمين شميل المقيم في الإسكندرية يقول فيه أن أديب اسحق متوجه إلى القاهرة وفي نيته أن يشترك مع أنيس خلاط صاحب جريدة الجريدة العربية الوحيدة التي كانت تطبع فيها. وقد وصف لي براعته وكنت قد سمعت بها. فلما تعرفت به فتنت بمقدرته في فن الإنشاء مع اتساع مقتبساته مما كان له شأن عظيم في تلك الأيام والنهضة اللغوية في أولها. ومما قرأه لي حينئذٍ مقالة في غاية الإحكام كل عباراتها مقتبسة وليس له فيها غير التنسيق والربط؛ فأسكنته معي وعرفته ببعض نوابغ تلك الأيام كالشيخ محمد عبده واللقاني ولطيف سليم وغيرهم ممن كانوا يجتمعون كل مساء تحت لواء الشيخ جمال الدين الأفغاني في قهوة بالقرب من البوستة القديمة.
ولما أبدى لي أنه آتٍ ليشترك في تحرير جريدة أنيس خلاط لم أستصوب رأيه لعلمي أن الجريدة المذكورة ليس لها شأن فخفت أن تؤثر على مطلعه فلا تبدو حينئذٍ مواهبه كما يجب. ووددت له الاستقلال في العمل.
فأشرت عليه أن ينشئ جريدة باسمه وكأنه استصعب الأمر جداً؛ فقال: ومن أين لي المال اللازم ؟! وذكر لي أن تقلا كلفته الرخصة نحو مائة ليرة. فشجعته وقلت له: لعلي أستطيع أن آخذ لك رخصة بلا نفقة تذكر.
وأما الطبع فيكون في أول الأمر بالأجرة المؤجلة. وفي الحال قمت معه إلى نظارة الداخلية وكانت الأعمال يومئذٍ تجري بالنفوذ أكثر منها بالنظام.
وقابلنا أدوار اليأس من مفتشي الداخلية فعرفته به، وأوصيته أن يساعده للحصول على الرخصة فوعدنا الرجل خيراً وبراً بوعده.
فقدم أديب حينئذٍ طلباً بإنشاء جريدة أسبوعية اسمها (مصر) ومركزها القاهرة.
ثم تركته يمشي وحده لأني رأيته في أمر المداخلة مع الناس أقدر مني جداً فحيث أخطو أنا خطوة يخطو هو خطوات.
ولم يمض أسبوع حتى جاءني يقول أن الرخصة جاهزة ويلزم نصف جنيه فقط لدفع الرسم في المحافظة فنقدته القيمة، وكنا حينئذٍ في الطريق متوجهين إلى المطعم للغذاء ومعنا أخي أمين، وكان قد قدم إلى القاهرة زائراً في شغل.
قلت عن أديب أنه كان مقتدراً جداً في أمر الإختلاط بالناس واجتذابهم إليه فكان يفتن من يجانسه ممن يجالسه فتعرف في هذه المدة القصيرة بكثير من أهمهم له كان بلا ريب عبد السلام المويلحي وكان في إبان نفوذه يومئذٍ فأعجب بأديب جداً وأصبح له صديقاً حميماً وسنداً مالياً عظيماً كما كان له بعد ذلك جبرائيل مخلع من وجهاء التجار السوريين في الإسكندرية فلم يصادف صعوبات كثيرة في إصدار جريدته في القاهرة ولا في نقلها بعد ذلك بأشهر قليلة إلى الإسكندرية.
ومن أول ما ظهرت جريدة مصر انتشرت انتشاراً عظيماً والتف حولها أشهر كتاب مصر في تلك الأيام من مصريين وسوريين. وقد تمكنت الصداقة بين أديب وجمال الدين ورجاله حتى صارت جريدة مصر لسان جمال الدين وحزبه بل صارت معروفة بين الجميع أنها لسان الحزب الوطني.
وهذه أول مرة ذكر فيها اسم هذا الحزب في مصر فيما أعلم.
وكانت مرامي هذا الحزب ضد ..........، وهي التي انتهت بعد ذلك بالثورة العرابية.
( عبد الرحمن البرقوقي، مذكرات شبلي شميل، مجلة البيان العدد 32 - بتاريخ: 20 - 2 - 1917، ص 13، 14).

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 08:37 AM   #9
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

(2)

مذكرات شبلي شميل

باب الأدب والتاريخ

اليوم الثاني
أما جمال الدين فكان من نوابغ عصره، عالماً واسع الإطلاع في علوم الأقدمين وفلسفتهم، ذا ذكاء مفرط وأدب رائع، مع شجاعة في القول لا تصدر إلا من نفوس مستقلة كريمة وكان ذا حديث طلى شهي لا يمل منه سامعه مع فصاحة عربية في التزام القواعد واختيار الألفاظ ولكنها ممزوجة ببعض لكنة أعجمية تنم عن أصله الغريب، وإنما وقعها على الأذن كان محبوباً ونظره كان جذاباً، وله عينان إلى إلى السواد غائرتان قليلاً تتقدان ذكاء. وهو لم يكن يعرف لغة من لغات الإفرنج الحافلة بالأفكار الجديدة والعلوم الحديثة ولكنه كان ذا مقدرة عجيبة في التحصيل حتى أنه ليستفيد منك الشيء الجديد ويصبه في قالب المعلوم المختمر ويوهمك أنه معروف له منذ زمان طويل. وجمال الدين لم يكتب فيما أعلم شيئاً وإنما كان يلقي على آخرين مقالات إضافية نشرت في جريدة مصر تحت أسمائهم. ولولا الشيخ محمد عبده يده الكاتبة لما كان لصوته صدى، ولبقيت تعاليمه في صدور أكثر الذين تلقوها منه وماتت معهم، إذ كانت كل تعاليمه حديثاً يلقيه حسب مقتضى الحال. فهو فيلسوف من الفلاسفة المشائين الروائيين ورواقه كان رواق القهوة التي بجانب البوستة القديمة المتقدم ذكرها. ولعل تلاميذه لا ينسون في مستقبل الأيام أن يحيوا ذكره بينهم في ذلك المكان.
وقبل جريدة مصر كانت شهرة جمال الدين مقتصرة على الأخصاء وأعماله محصورة في دائرة مريديه، وأما جريدة مصر فكانت سبباً كبيراً لإذاعة صيته ونشره في الآفاق.
ولما عرفت أديب بجمال الدين كانت معرفتي بهذا الأخير حديثة العهد.
فقد كنت أسمع به وأنا في الإسكندرية فلما أتيت إلى مصر وددت أن أتعرف به. وكان يتردد كثيراً على بيت حنا عيد قنصل دولة البلجيك. فلما أبديت رغبتي هذه لعيد المذكور ضرب لي موعداً للإجتماع به عنده في إحدى السهرات. ولما تعارفنا أخذنا ننتقل من حديث إلى حديث إلى أن ابتدرته بالسؤال الآتي (ولم يكن سبق لي كتابة أو تصريح في هذا الموضوع بعد) قلت - ما قول سيدي الشيخ (لفظة الأستاذ لم تكن قد جرت بعد على الألسنة كما هي اليوم) في المعبود الأول الذي اتخذه الإنسان من بين أشياء هذا الوجود؟
وكأني لحظت أنه أخذ بهذا السؤال على غرة كأنه لم يخطر له ببال من قبل. فتقلقل قليلاً كأنه يريد أن يتمكن في مجلسه ولم يطل به ذلك حتى دخل في مقدمة مستفيضة أغنته عن التزام الصمت طويلاً للتفكير وأعانته على تصوير الحكم بما له من سرعة الخاطر وحدة الذهن.
ولا أذكر شيئاً من هذه المقدمة وإنما أذكر أنه انتهى بها إلى القول إن المعبود الأول للإنسان الأول كان يقتضي أن يكون في ثنايا الغيوم المتلبدة أو هي نفسها.
أما أنا فلم أكن من رأيه وكأني نظرت إلى الإنسان نظراً أعرق في الحيوانية. فاعتبرت الإنسان الأول لاصقاً بأرضه يتخبط فيما أمامه متخوفاً من كل شيءٍ إذ كان يجهل كل شيءٍ فاتخذ معبوده الأول من أشيائها، ولم يرتفع ببصره إلى ما فوق إلا بعد ذلك بكثير.
واعتبرت حينئذٍ العبادة الفتشية أول عبادات الإنسان وجعلتها في الغابات الكثيفة ذات الشأن في الميثولوجية القديمة، وفي الأشجار الكبيرة المفردة القائمة في العراء يستظل بها.
للمذكرات بقية
( عبد الرحمن البرقوقي، مذكرات شبلي شميل، مجلة البيان العدد 30 - بتاريخ: 20 - 1 - 1917، ص 10، 11).

__________________





آخر تعديل بواسطة أبو الفداء أحمد بن طراد ، 15-09-2011 الساعة 08:39 AM
أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 08:49 AM   #10
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

(3)
باب الأدب والتاريخ

مذكرات شبلي شميل
قلت أن جمال الدين كان من الفلاسفة الرواقين أي أنه كان ينشر تعاليمه في طي المحادثات الإعتيادية ولكنها كانت محادثات خلابة في لذة المعنى وحسن الإنسجام، ولم يتهيأ له أن وقف خطيباً في قوم إلا مرة واحدة أظهر فيها أنه خطيب مفوه أيضاً، وكان ذلك بمعنى أديب اسحق وفي تياترو زيزينيا على محضر من جمهور غفير من علية القوم من رجال ونساء من السوريين والمصريين.
فألقى خطبة اجتماعية سياسية أبدع فيها معنى ومبني وجرأة وبقي يرتجل الكلام نحو ساعتين من دون أن يبدو عليه أدنى تعب أو يتعلثم حتى خلب العقول وأقام الناس وأقعدهم كأنه رابطهم بسلاسل كلامه يلعب بهم كما يشاء وقد أعجبني منه قوله فيها وهو يتكلم عن استبداد الملوك واستماتة الشعوب. قال كأن الناس ليسوا شيئاً والملك هو كل شيء إن قام قاموا وإن قعد قعدوا.

ولما بلغني أن جمال الدين بعد أن نفي من مصر ببضع سنين كتب رسالة باللغة الأفغانية في نفي مذهب الماديين ترجمها الشيخ محمد عبده إلى العربية دهشت لتصوري أن الرجل لم يكن من المتدينين.
على أن جمال الدين كسائر الفلاسفة الأقدمين لم يكن يستطيع بمبادئه النظرية وفلسفته المجردة أن يجزم جزم الطبيعيين في استنادهم إلى العلوم الحديثة اليوم؛ فكان يتعذر عليه إلا أن يكون من الشكوكيين أمثال: المعري وفولتير الذين ينكرون الأنبياء ولكنهم يقفون مترددين في أمر الخلق هل هو حادث أو قديم فيكونون تارةً من الإلهين وطوراً من اللإرديين لعدم تمكنهم من ضابط علمي محسوس يضبط أحكامهم، ويقوي حجتهم في ترددهم اللهم إلا أن يكون كفولتير من النفعيين، وجمال الدين تنبوا أخلاقه العالية عن ذلك. فبقي أنه من المصافيين الحكماء الذين يكونون في اعتقادهم على هوى جليسهم تارة أقرب إلى المعطلين، وطوراً أقرب إلى المؤمنين أي أنهم يكونون كما وصفهم الإمام الغزالي حيث يقول إن الآراء ثلاثة أقسام رأي يشارك فيه الجمهور فيما هم عليه ورأي يكون بحسب ما يخاطب به كل سائل ومسترشد ورأي يكون بين الإنسان ونفسه لا يطلع عليه الأمن هو شريكه في اعتقادي. ويصعب علي جداً بعد اختباري الرجل بنفسي من جهة ثم سماعي عنه بعد ذلك أن أبدي فيه حكماً جازماً ولكني أرجح جداً أنه لم يكن من المؤمنين.

اليوم الثالث
وأما أديب فأول عدد أصدره من جريدة مصر أصدره في القاهرة. وقد أعدت له مقالة موضوعها العبادة الفتيشية لقرب عهد المذاكرة في هذا الموضوع على ما تقدم وجعلت لها توطئة من عندياتي تعبت فيها جداً حتى جاءت على ما أحب (وهي التي كانت غرضي في كل تلك المقالة) ودفعتها إلى أديب لينشرها في أول عدد يصدر من جريدته فلم يبد عليها أقل ملاحظة وكان يقيم هو في المكان الذي كنت فيه.
وقد تأخر صدور العدد الأول أكثر من أسبوعين وكلما سألته عن ميعاد صدوره كان يجيب بأن أسباباً طرأت أخرت صدوره ولكنه لم يذكر لي شيئاً يختص بمقالتي.
ثم قبل صدور العدد بأيام قليلة عزمت على ترك القاهرة والعودة إلى الإسكندرية. وبعد وصولي إليها بأيام وصلني العدد المنتظر من الجريدة وبالطبع أول ما بحثت عنه مقالتي وهي كانت أول مقالة نشرتها في جريدة مصر.
ولقد دهشت جداً لما رأيتها منشورة ولكنها مبتورة والتوطئة التي كانت موضع إعجابي - لأنها كانت لي وكل فتاة بأبيها معجبة - محذوفة بلا شفقة ولم ينشر من المقالة إلا الحوادث المعروفة في الكتب والتي هي شواهد على حقيقة هذه العبادة في الأمم والقبائل المختلفة.
فأخذتني سورة الغضب من صاحبي ولاسيما من تكتمه هذا وهو معي كل يوم فكتبت له كتاباً بأحرف من نار أظهرت له فيه مزيد استيائي من سلوكه هذا المسلك معي وحسبت ذلك آخر العهد بيننا لتبايننا في الأخلاق.
أما أديب فكان إذا جرح يعرف كيف يؤاسي فما عتم أن وردني جوابه فكان لغضبي كالزيت الطافي فوق أمواج البحر الهائج فاسترضاني بذكائه أكثر مما أغضبني بحيلته، وكان جوابه شعراً في أكثر من عشرين بيتاً من النظم الرقيق الخفيف لا أروي منها سوى الأبيات الثلاثة الأولى والكتاب فقد مني. قال: ـ

العذر ثم العذر يا سيدي ... من حادث ما إن جرى عمدا
قد ألزموني حذف ديباجه ... كانت لجيد صحيفتي عقدا
قالوا تمس الدين في بلد ... كل له فيه غداً عبدا
وهذا كان شأنه معي كلما طرأ طارئ أثارني ضده وأديب كان كاتباً مصوراً فإذا وصف شيئاً أراكه كأنه مرسوم أمامك وقد وقع لي مرة أني كتبت له كتاباً طويلاً في أمر تأثرت منه جداً خططته بريشة دقيقة وبسرعة واحدة فائقتين وخطي الهيروغليفي معروف للمطلعين عليه!!!!؛ فوردني منه جواب لم أطلع على فاتحته حتى كنت ألين من الشمع لقبول عذره فيه مهما كان. قال: ـ
قرأتك بصعوبة وفهمتك بسهولة؛ أما الأول فلتعرج خطك السرطاني، وأما الثاني فلظهور حدتك على رؤوس أحرفك.
للمذكرات بقية
( عبد الرحمن البرقوقي، مذكرات شبلي شميل، مجلة البيانالعدد 31 - بتاريخ: 5 - 2 - 1917، ص 8ـ 10).

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 08:56 AM   #11
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

(4)
مذكرات شبلي شميل

ومن المقالات التي لي ونشرت في جريدة مصر الفتاة مقالة نقدت فيها قانون المطبوعات، وهو القانون المعمول به اليوم والذي وضعت مواده حوال سنة 1880م، ولكن لم يعمل به في ذلك الحين، ومضمونها أن الآلات التي يخترعها الإنسان ليست إلا أعضاء متممة لأعضائه الطبيعية فلا يجوز أن يسن لها قانون غير القانون المسنون لنفس هذه الأعضاء وهو القانون العام. فإذا كنا نستطيع أن نسعى بأرجلنا إلى الشر وأن نعمله بأيدينا فهل تقيد أرجلنا وأيدينا بالقيود قبل العمل.
فالذي يطلق على الأعضاء الطبيعية يجب أن يشمل الأعضاء الإضافية والطباعة من هذه الأعضاء فيجب أن تترك لها الحرية كما تترك لليدين والرجلين حتى إذا جنت أخذت بجنايتها.

وكأنه بلغني أن واضع بنود هذا القانون رجل فرنسوي طريد الحرية في بلاده أو طريد أكثر منها يدعى بورلي هذه المنشورة في مصر الفتاة وقد أرسلت إليه نسخة منها. ثم ختمت كتابي بقولي: ـ
إني لأعجب كيف أن رجلاً نظيرك طريد الحرية يقبل أن يضع بنود مثل هذا القانون.
ولكن يظهر أن لسماء مصر تأثيراً خاصاً على العقول. ولم أزد على ذلك.
والظاهر أن صاحبنا وهو في أبان نفوذه في قلم قضايا الحكومة في ذلك الحين يوم مسألة مقاطف جبل الزيت وظهور العملة (المزيفة التي أثري بها ناس تحني لهم الرؤوس اليوم وترفع لهم القبعات) لم يألف عندنا مثل ذلك فكبر عليه أن يخاطب بمثل هذه اللهجة من رجل مجهول وهو في هذا المقام من النفوذ فهاج وماج وتوعد وأخذ يسأل من أكون أنا كما بلغني بعد حين من الموظفين في مصلحته وبعضهم وهو نجيب عنحورى لا يزال حياً يسعى حتى اليوم.
والظاهر أنه حاسب نفسه بعد ذلك فعرف أن الحق أغلب وأن صاحب هذا القول لا يخشى تهويلاً فصمت، وانفض هذا الإشكال، ولكن من دون رد على خطابي كما كان يفعل أكابر القوم في بلاده وكأنه جرى في ذلك مجرى أكابرنا في بلادنا لأن كل شيء يعدي والقبيح عدواه أسرع من عدوى الحسن.
ومذكراتي هذه خدمتني كثيراً في مجلة الشفاء بعد ذلك وقد فقدت مني اليوم ولم يبق في ذاكرتي منها إلا أهم حوادثها ولم أحفظ من أسماء الأطباء إلا الذين لازمتهم كثيراً ووقعت لي معهم حوادث تحفظ ولاسيما أن ذاكرتي في الأسماء والتاريخ في غاية الضعف ولكنها
قوية جداً في الحوادث نفسها وذلك يدل على ما بي في كل أموري من الميل الخاص المنطبع في من أصل فطرتي من النظر إلى الجوهر والإعراض عن الأعراض.
وقد رافقني هذا الضعف في كل أعمالي العملية والدنيوية حتى كنت أشعر به عندما كنت أريد أن أبسط مسألة جوهرية علمية أو أدبية تلزمني فيها المصاحبات المحسنة والمؤيدة مما هو ضروري في كل كتابة.
وكان شرهي الأكبر علي في أشغالي المالية ذهبت كلها طعمة سائغة لقلة تدبيري وعد احتياطي وكثرة تسليمي واعتمادي فيها كثيراً على سواي ولقد كان لهذا الإضطراب في أموري الدنيوية صدى وأي صدى على سائر حياتي العلمية والفكرية بعد ذلك ونزع مني كل لذة كنت أشعر بها وأنا منصب عليها كل الإنصباب بجملتي قبل هذا التاريخ.
( عبد الرحمن البرقوقي، مذكرات شبلي شميل، مجلة البيان العدد 32 - بتاريخ: 20 - 2 - 1917، ص 14،13).

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 08:59 AM   #12
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

المفكر شبلي شميل (1850-1917)---- المرأة والرجل , وهل يتساويان ؟


قد يبدو طرح هذا السؤال - المرأة و الرجل وهل يتساويان ؟من قبل طبيب وفيلسوف ومفكر يدعوا الى الأشتراكية في القرن التاسع عشر امر عجيب ومثير- ان يفكر رجل تقدمي من طراز رفيع بعدم مساواة المرأة مع الرجل - وهو الذي قال الحقيقة ان تقال لا ان تعلم - والأشتراكية كالأجتماع نفسه ذات نواميس طبيعية تدعو اليها - وهو اول من نشر فلسفة النشوء والأرتقاء والتطور التي دعا اليها دارون في عام 1911 في كتابة فلسفة النشوء والأرتقاء وبدا في نشر سلسلة مقالات حول العلم والمجتمع والتي اثارت اهتماما كبيرا وأثرت تأثيرا بالغا في عقول معاصريه وذكر المفكر أسماعيل مظهر ان قراءة كتاب شبلي شميل - فلسفة النشوء والأرتقاء - أحدثت حسب قوله - في ذهنه من الأنقلاب والأثر ما تعجز الكلمات واللغة عن التعبير عنه- او وصفه وذكره جمال الدين الأفغاني- يعتبر الدكتور شميل من أبرز من أيدوا مذهب دارون وعمل على نشره وأستطاع بجرأته الأدبية ان ينتصر لدارون وينشر مذهبه رغم ان الأديان عارضت ذلك . الا ان قدرة وجرأة شبلي شميل ودقة بحثه وجرأته على بث ما يعتقده وعدم تهيبه من سخط المجموع لما يجهله من حقائق العلم . ولقد وقف شبلي شميل في المعارك الفكرية بين دعاة العلم ودعاة التخلف و انحاز طبعا الى العلم والتطور ودوران الأرض حول نفسها وحول الشمس - بالأضافة الى هذا اعطى الجزء الأكبر من وقته لمسائل شتى في الفلسفة والشعر والسياسة والقانون وحقوق المرأة والأجتماع وقضية الحرب والسلام وترجم كتاب بخنر- ست محاضرات حول نظرية دارون ونشرت في مجلة البصير 1898 وكانت الضجة كبيره حولها وأثارت لغطا كبيرا لأنها تتعارض مع الفكر الديني وهاجم نظرية النشوء والأرتقاء - جمال الدين الأفغاني وغيره من رجال الدين والكتاب . والشميل واحد من رواد الفكر التقدمي والتطوير الأجتماعي والدعوة الى المبادئ الاشتراكية وهاجم سياسة المستبدين الأتراك و دعا الى الحرية ورفض الأستغلال والأستبداد ورغم هذا وذاك يقف شبلي شميل موقفا سلبيا من فكرة المساواة بين الرجل والمرأة وهو موقفا غريبا ويصمم على رفض هذه المساواة منطلقا من حجج غريبة فجمجمة الرجل اكبر من جمجمة المرأة ....... ودماغ الذكر أثقل من دماغ المرأة ولذلك كان الذكر اعقل من الأنثى بأجماع الحكماء والطبيعيين وقد أتفقت جميع الشرائع ان تعامل المراة معاملة القاصر المحتاج الى وصي وسببه - مابها من الخفة والطيش ( من محاضرات له في جمعية الأعتدال , مجلة المقتطف - مجلد 11 -1886 ) وهو يرى ان المرأة تنحط عن الرجل كلما كان الأنسان اعرق في الحضارة والمدنية وتساوية او ترتفع عنه كلما كان أقرب الى البداوة والخشونه جسديا وعقليا ويقول في نفس المحاضرة - نحن نعتقد في صحة القاعدة وهي ( ان تغلب الرجل على المراة من ضروريات الارتقاء والضد بالضد ) ويستقبل انصار المرأة هذ ا الموقف بهجوم شديد وتنهال على المقتطف رسائل عديدة من السيدات يحتججن على موقفه فيرد متسائلا - كيف يمكن ان يكون هنالك مساواة بين الرجل والمرأة – وهما مختلفان بالطبع من أصل الفطرة في التركيب والقابليات و الواجبات فطلب المرأة مساواة الرجل كطلب الرجل مساواة المرأة أمر مستحيل - المقتطف المجلد -12 -1887 .
ويذهب شميل ان المرأة ليست مساوية للرجل في العقل ويتجه الى مباحث في علم الزولوجيا ( علم الحيوان ) وعلم الأنثروبولوجيا (علم الأنسان ) لأثبات ذلك . واوضح ان الرجل يأكل اكثر من المرأة ولكنها انهم منه , اي انها تشره فيه أكثر منه والتنفس اقوى في الذكر منه في الأنثى وهو يتناول من الأوكسجين المطهر للدم اكثر منها وقوة ضغط الدم في الذكر اعظم منها في الأنثى وانما نبضه ابطء من نبضها وعظم المرأة اخف من عظام الرجال والرجل يستعمل يمناه اكثر من المرأة والمرأة تستعمل يسراها اكثر من الرجل وهي بارزة الفكين اكثر منه وقدم المرأة اكثر انبساطا واقل تحدبا من قدم الرجل وذلك يدل على الأنحطاط وذوات الغنج والدلال بالأحذية المصنعة ذات الكعب المتطاول وصوت المرأة أعلى من صوت الرجل ومقدم الدماغ هو مقر القوى العاقلة الرفيعة أصغر في المرأة منه في الرجل ونصف دماغ المرأة الأيمن اكبر من الأيسر بخلاف الرجل وهذا يفهم منه لماذا المرأة تتياسر اي تذهب ذات اليسار والرجل ييامن اي يذهب ذات اليمين , فأن حركة التزرير في الرجل يمينية وفي المرأة يسارية . وهكذا يذهب شبلي شميل في عملية تشريح ونظرة فيزيولوجية ليبين لنا الفرق بين المرأة والرجل ويظهر التفاوت الأخلاقي والعقلي بينهما ويرى هنالك وجه أدبي في الأختلاف في هل ان المرأة انبل خلقا من الرجل ام لا ؟ هل ان المراة افهم من الرجل وأكسل واشبق وأبخل وأكثر عجبا وكبرا وحسدا واشد حنقا وحقدا ؟ ويرجع الى الحكماء والفلاسفة وقولهم في المرأة مثل أبو قراط و أرسطوا يوافقون على ان المرأة احط من الرجل ويضيق بنا المقام هنا عن أستيفاء ما قيل عن المرأة من مدح وذم وتسنيع ( القول بالحسن وبالصفات والحميدة من الفعل سنع ) وتشنيع , ويرى شميل هنالك تفوق الرجل عن المرأة في المجتمع الحضاري وتغلب الرجل على المرأة من ضروريات الأرتقاء والضد بالضد وهنالك أختلاف بينهما من حيث النمو ويرى النمو السريع دليل على الأنحطاط ويرى معظم الفرق بين ارجل والمرأة يكون في الكهولة اي عند منتهى النمو ويتجه الى مقارنة بين الأوزان الذكر والأنثى ويرى ان الأنثى تفوق الذكر في بعض الأمور ثم يفوقها الذكر في اوزان المواليد في البلدان المتقدمة ويخلص الى نتيجة ان نظره في موقع المرأة يجب ان يكون في مقامها الطبيعي ويقودنا الى الحكم عليها حكما صحيحا فلا نحقر المرأة كما فعل شوبنهور - الألماني أحد فلاسفة العصر وجعلها تحت العجماوات وقال انها من أشر المخلوقات ولانبالغ في تعظيمها كما فعل ديدرو الفرنسي حيث جعلها فوق الرجل وقال ان الذي يتكلم عنها ينبغي له ان يغط فمه في قوس قزح ويرمل خطه (رش عليه الرمل ) ويرى شميل بل نضعها في مقامها الحقيقي الذي يليق بها والذي جعلت فيه- اعني عضوا لازما للبيئة الأجتماعية تابعة للرجل في أرتقاءة مساعدة له متممة ما نقص من كماله , مخففه عنه مشاق الحياة الداخليه , كما هو يذلل لها مصاعب الحياة الخارجية , حاضنة اولادها تحت جناحي حنوها وتدبيرها عن طبع وتهذيب كما هو يسهر على راحتهم بعين سعية وأقدامه عن سابقة ومعرفة , لاتنازعه هي ما لا تجديها المنازعة فيه نفعا , ولايبخسها هو حقا أعترف لها به مقامها في الهيئة الأجتماعية , متقاسمين الأعمال كل منهما في دائرته غير متطاول الى دائرة سواه , وبذلك يتم نظام العائلة البشرية التي هي- أم- الأجتماع الأنساني. واخيرا
شبلي شميّل، (1850-1917) مفكر لبناني من طلائع النهضة العربية. تخرج من الكلية البروتستنتية / الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم توجّه إلى باريس لدراسة الطب، ثم استقر في مصر، أقام في الإسكندرية، طنطا، ثم القاهرة.
• أصدر مجلة (الشفاء) سنة 1886م، وكان أول من أدخل نظريات داروين إلى العالم العربي من خلال كتاباته في المقتطف، ثم مؤلفه (فلسفة النشوء والارتقاء). كما أصدر هو وسلامة موسى صحيفة أسبوعية اسمها المستقبل سنة 1914 لكنها أغلقت بعد ستة عشر عددا.
• كان من العلامات الأخلاقية المعروفة. دافح عن العلمانية كنظام سياسي، إذ كان يرى بأن الوحدة الاجتماعية، ضرورة أساسية لتحقيق إرادة شعبية عامة، تستلزم الفصل بين الدين والحياة السياسية على اعتبار أن الدين كان عامل فرقة.
من مؤلفاته
• - "فلسفة النشوء والارتقاء".
• - "مجموعة مقالات". مما نشره في المقتطف والهلال.
• - "المعاطس". رسالة.
• - تحقيق لكتاب فصول أبقراط.
• - تحقيق لكتاب أرجوزة لابن سينا.
رغم هذه الملاحظات يبقى شبلي شميل الرائد الحقيقي للمنهج العلمي في التفكير ( في مجال المراة لا) للدفاع عن العلم للدفاع عن الأشتراكية العلمية وهذا يكفيه فخرا في تأريخ الفكر العربي الحديث .


المصدر: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=224325

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 09:03 AM   #13
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

النشوء والارتقاء في المقتطف:
http://www.damascusuniversity.edu.sy...es/707-754.pdf

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 09:04 AM   #14
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

كتاب : الأهوية والمياه والبلدان
تأليف : عالم الطب اليوناني أبقراط (ت: 357 قبل الميلاد)
تعريب وتحقيق : د/ شبلي شميل
طبعة : المقتطف - مصر
الطبعة : الأولى
سنة : 1302هـ
عدد الصفحات : 64 ورقة
الرابط: http://www.ahlalhdeeth.com/vb/attach...5&d=1270401844

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 09:11 AM   #15
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

كتب شبلي شميل إلى العلاَّمة السيد محمد رشيد رضا فقال:
إلى غزاليّ عصره السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار :
أنت تنظر إلى محمد كنبي وتجعله عظيمًا , وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله
أعظم ، ونحن وإن كنا في الاعتقاد ( الدين أو المبدأ الديني ) على طرفي نقيض، فالجامع بيننا: العقل الواسع , والإخلاص في القول , وذلك أوثق بيننا لعرى المودة .
... ... ... ... ... ... ... من صديقك الدكتور شميل
الحق أولى أن يقال
دع من محمد في سدى قرآنه ... ما قد نحاه للحمة الغايات [1]
إني وإن أك قد كفرت بدينه ... هل أكفرنَّ بمحكم الآيات
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من ... حكم روادع للهوى وعظات
وشرائع لو أنهم عقلوا بها ... ما قيدوا العمران بالعادات
نعم المدبر والحكيم وإنه ... رب الفصاحة مصطفى الكلمات
رجل الحجا رجل السياسة والدَّها ... بطل حليف النصر في الغارات
ببلاغة القرآن قد خلب النهى ... وبسيفه أنحى على الهامات
من دونه الأبطال في كل الورى ... من سابق أو لاحق أو آت
( المنار )
كتب الدكتور إليَّ بهذا لا لينشر بل ليقرأ على أنه خواطر جاشت في صدره ، ثم
بعد أن نشر المؤيد ما نشره عن التيمس , ورددت عليه في الجريدة استأذنت الدكتور
بنشر ما كتبه فأذن , وهو كما يرى القارئ أكثر من البرنس كايتاني تعظيمًا للنبي
صلى الله عليه وسلم , وكذا للقرآن الحكيم الذي لم يدرك البرنس كايتاني تأثيره ؛ لأنه
لا يفهمه كالدكتور شميل .
ونحن-على كوننا نشكر لشميل ما اعترف به من مزايا نبينا وكتابنا ، ونسأل الله
أن يهديه للباقي منها وهو المهم الأعظم - لا نقول : إنه اعترف بنبوته ولا بحقية
كون كتابه إلهيًّا . وننكر عليه أشد الإنكار قوله : إن النبي صلى الله عليه وسلم من
حيث كونه رجلاً أعظم منه من حيث كونه نبيًّا على أنهم لا يعنون بمثل هذا التعبير
الذي قاله شميل وكايتاني أنه نبي وسياسي وأن نبوته أقوى من سياسته . بل يعنون أنه
نجح بسياسته لا بنبوته التي ادعاها , ولكن المؤيد غفل عن هذا وادعى أن ما قاله
كايتاني حق ، ولو كان حقًّا لكان هو وجميع علماء أوروبا وعلماء أهل الكتاب
والوثنيين العارفين بتاريخ الإسلام كلهم على الحق , واستلزم ذلك كون المسلمين
على غير الحق فيما يتعلق بأصل دينهم ؛ لأنهم يقولون بخلاف هذا القول ! !
----------------------
(1) يريد بالغايات معناها اللغوي , وهي المقاصد , يَعْنِي الدينية , ويعني بالأمر بتركها تركه البحث فيها ؛ أي : إنه يبحث في القرآن من حيث هو كتاب اجتماعي لا من حيث هو كتاب ديني كما قال لنا مشافهة .
( محمد رشيد رضا، القرآن و نجاح دعوة النبي عليه الصلاة و السلام آراء علماء أوربا في ذلك، مجلة المنار، المحرم - 1326هـ/ مارس - 1908م، 11/ 9).

__________________





آخر تعديل بواسطة أبو الفداء أحمد بن طراد ، 15-09-2011 الساعة 09:31 AM
أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 09:30 AM   #16
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

رسالة الشيخ عبد القادر القباني

صاحب مجلة ثمرات الفنون
ورد
الشيخ محمد رشيد رضا عليها



الدكتور شبلي أفندي شميل

اطلعت في مجلة الهلال شهر حزيران سنة 1909 على مقالة للدكتور المومأ إليه ، بحث بها بحثًا فلسفيًّا ، يخال للمطالع من أول وهلة أن الدكتور قصد به محاربة الأديان السماوية على الإطلاق؛ بما توخاه من نفي الخلق وإثبات النشوء، وقد عجبت بعد إطالته لتأييد هذا المذهب الجديد من قوله: ( لا حياء في الدين)، وهذا مما يدل أن للدكتور دينًا، فما هو دينه يا ترى ؟!
سعى إخوان الدكتور المومأ إليه لأخذ توقيع بعض الناس؛ لانتخابه عضوًا في مجلس الأعيان العثماني بصفة أنه عالم مسيحي، والعالمية والمسيحية صفتان مرتبطتان بنواميس وقواعد توجب السلامة لكل بني البشر، باعتبار أن للمسلم
أصولاً تقضي بإحقاق الحق، كما أن الدين قانون لمكارم الأخلاق يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
وكنت أستغرب عدم تعيين المومأ إليه بعد ذلك الانتخاب. ولعل الذين رفضوا قبول تعيينه عضوًا في المجلس الآنف الذكر؛ عرفوا أن الدكتور على مذهب دارون، وأنه ليس بمذهب معقول ولا مشروع ولا له أتباع في البلاد العثمانية ؛ ليكون نائبًا عنهم؛ لأن أصحاب الأديان المعروفة هم المسلمون والنصارى واليهود.
كنت أقف مبهوتًا كلما نظرت إلى مصور الإنسان:
( أطلس رسوم هياكله على اختلاف أشكالها ) وما احتوت عليه من تراكيبه الكلية والجزئية الظاهرة والخفية التي لا تدون ولن تدون؛ لانطواء كل شيء في العالم الكبير العظيم ضمن هذا الجرم الصغير، وكنت أكرر تمجيد قدرة الخالق سبحانه كلما تأملت في الأوعية والأوردة والأدوات والمصانع وأسبحه وأقدسه؛ لإعطائه كل شيء خلقه، وهدايته إلى استعمال وظيفته.
وأنشد قول الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر سيدي محيي الدين ابن العربي - رضي الله عنه - في توجيه الخطاب إلى الإنسان.
وتحسب أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر
وأقول في نفسي: إن الأطباء يلزم أن يكونوا أكثر الناس اعتقادًا بتوحيد الخالق سبحانه؛ لوقوفهم على حقائق ودقائق ولطائف في تركيب الإنسان لا يعرفها غيرهم ، كما أنه لا زلنا نسمع عن أساطين الأطباء أنهم كلما اكتشفوا شيئًا جديدًا يقولون: إن الطب لم يزل طفلاً: { وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } ( الإسراء :85 ).
وبالنظر إلى الدقائق واللطائف والرقائق المنطوية في العالم الإنساني، قال بعض علماء الصوفية: " من عرف نفسه فقد عرف ربه ".
وإذا قلنا - وهو الواقع -: إن الأطباء أكثر الناس علمًا بنظام العالم الإنساني؛ فهل يسلم العقل أنهم ينسبون إلى الطبيعة الجامدة غير المتصفة بالعلم والقدرة
والإرادة؛ أنها أوجدت هذا الإنسان العاقل بالنشوء { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } ( النور : 16 ) .

الكون موجب للحيرة أو هو بعجائبه محل الحيرة؛ ولذلك قال بعض شيوخ علماء التصوف : " العجز عن درك الإدراك إدراك ".
وإذا كانت علوم مدنية أوربا لبواعث نقف تأدبًا عن إيرادها، و قد احتوت على الإلحاد، فقد احتوت أيضًا على علوم ذات فوائد عظيمة: اجتماعية وأخلاقية واقتصادية وسياسية إلى غير ذلك، والشرق بحاجة إليها وخصوصًا بدورنا الدستوري؛ ذلك الدور السعيد الذي يقضي بتوحيد مشارب عناصر الوطن وتماسكهم لكي يسعدوا بالوطن ويسعد بهم، وذلك يستلزم أن ينقل إلى الوطن من علوم مدنية أوربا ما يعود عليه وعلى أبنائه بالخير وأسمى المطالب، وخصوصًا لجهة البحث عن أحوال بلاد النمسا والمجر المشابهة من حيث تعدد العناصر للبلاد العثمانية،
وبيان البواعث التي قضت بوحدة تلك العناصر واتفاقها وقيامها شعبًا واحدًا يؤيد مصلحة الوطن ويعزز قوته.
ألم يكن البحث بمثل ذلك خيرًا وأعم نفعًا من تأييد مذهب دارون، ذلك المذهب الذي قضاياه تخيلات افتراضية صورها الوهم وقربها الاعتقاد بها ، وهي لا
يمكن أن تحل في محل دين من الأديان مطلقًا . نعم .. إن من يميل إليها يكون حجر
عثرة في سبيل العفاف والإنسانية والعدالة ، تأخذ بيد من مال معها إلى الأهواء ،
وتجسره على فك ارتباطه من قيود الدين الأدبية فتسوء عاقبته ، ويتحمل صاحب
هذه البدعة مثل وزر ذلك المسكين الذي مرق من الدين بالإغواء وزخرف القول
المموه .
ومن المؤكد أن الاعتقادات الفاسدة التي تناقض الدين ؛ فضلاً عن أنها تبعد
الإنسان عن خالقه ، فهي توجب شرورًا تؤخر الوطن بأدبياته ومادياته ، فنرجو من
أفاضل الشرقيين الذين وهبوا العلم أو تحصلوا عليه بجدهم أن يتحفوا الشرق بغرر فوائد أوربا وحسناتها ، ويدعونا من إلحاد الملحدين؛ لأن الحسن في نفسه حسن ويوجب حسن الأحدوثة ، والسيء في نفسه سيء ويوجب سوء العاقبة ، أجارنا الله من ذلك، وأن يهبنا الصدق في القول والإخلاص في العمل
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... بيروت
... ... ... ... ... ... ... ... ... عبد القادر قباني

( المنار )
صاحب هذه الرسالة يعرفه كثير من قراء المنار، ومنهم من لا يعرفه. هو شيخ رجال الصحافة وكبيرهم عبد القادر أفندي القباني صاحب جريدة ثمرات الفنون
التي عاشت أكثر من ثلث قرن وأوقفت في العام الماضي ، وكان مديرًا للمعارف
ببيروت إلى ذلك العام.
وقد جرى في دفاعه عن الدين في رسالته هذه على ما تعوَّد، فجزاه الله عن نفسه ودينه خيرًا.
ولكنه جاء بشيء من المبالغة في الكلام عن مذهب دارون ومخالفته للدين وإفضائه إلى الشرور، حتى جوَّز أن يكون هو الذي منع جعل الدكتور شميل عضوًا في مجلس الأعيان كما طلب الكثيرون من السوريين ! وعجيب مِن مثل القباني أن يخطر هذا في باله ! وهل يظن أنه لا يوجد في رجال المجلس العمومي من المبعوثين والأعيان مَن يقول بصحة رأي دارون في تباين الأنواع ؟ وهل كان الكاتب نفسه يمنع كتب دارون وكتب مَن على رأيه مِن المدارس، وغير المدارس؛ لو بقي مديرًا للمعارف بعد الدستور أو صار ناظرًا للمعارف العمومية ؟
أؤكد لصديقي الكاتب: أن مذهب دارون لا ينقض - إن صح وصار يقينًا - قاعدة من قواعد الإسلام، ولا يناقض آية من آيات القرآن، وأعرف من الأطباء وغيرهم مَن يقولون بمثل قول دارون؛ وهم مؤمنون إيمانًا صحيحًا ومسلمون إسلامًا صادقًا، يحافظون على صلواتهم وسائر فرائضهم، ويتركون الفواحش والإثم والبغي التي حرم الله تعالى عملاً بدينهم.
على أن هذا المذهب علمي ليس من موضوع الدين في شيء.
ثم إنني أعلم أن الدكتور شميلاً لم يكتب ما كتب ردًّا على صاحب مجلة الهلال؛ إلا إنكارًا لبعض ما قاله في الاستدلال على صحة الدين من طريق العلم، ولم يقصد بذلك التعرض لإبطال الدين نفسه، أعني أن بحثه كان في الدليل لا في
المدلول، وهو وإن كان غير متدين لا يستجيز الكتابة في إبطال الدين والتنفير عنه بل أنكر قولاً وكتابة على جماعة من إيطاليا أنشأوا مدرسة في الإسكندرية ظهروا فيها بمقاومة الدين، ولو كانت كتابته للهلال في الاعتراض على الدين لكنا ممن عني بالرد عليه.
لا فرق بين الدكتور شميل وبين الكثير من أهل بلادنا الذين يرون رأيه في الدين وأكثرهم من النصارى المتعلمين
( أي من النصارى جنسيةً لا اعتقادًا ) إلا أنه هو يصرح برأيه؛ لأن ظاهره وباطنه سواء لا نفاق عنده ولا جبن ولا مصانعة والذين يجلون علمه واختباره لم يسعوا إلى جعله عضوًا في مجلس الأعيان للمدافعة عن مذهب دارون، فإنهم يعلمون أن مجلس الأعيان لا يعرض عليه هذا المذهب ليبدي رأيه فيه، وإنما أحبوا أن يكون في ذلك المجلس عضو عربي سوري هو من أوسع العثمانيين علمًا واختبارًا، وأشدهم حرية واستقلالاً، وحرصًا على عمران
البلاد، وارتقاء أهلها في العلوم والآداب.

أما قول الكاتب الغيور: إن الأطباء يلزم أن يكونوا أكثر الناس اعتقادًا بتوحيد الخالق، فهو صحيح، وهو يعني أنهم جديرون بأن يكونوا أشد اعتقادًا وأقوى توحيدًا، وما أرى إلا أن المؤمنين منهم بالله تعالى موحدون، لا شرك في إيمانهم ولا وثنية كما في إيمان أكثر الناس: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } ( يوسف : 106 ) وليس للكاتب أن يعجب من حرمان بعضهم من الإيمان، وهو قد
صرح بأن الكون موجب للحيرة، أو هو بعجائبه محل الحيرة.
والكلمة التي عزاها في هذا المقام لبعض شيوخ الصوفية يعزونها إلى الصديق الأكبر، وهل يظن أن أحدًا من علماء الكون- الطب وغيره - الكافرين موقن في كفره ؟ كلا .. إن هم إلا حائرون . ولكن الحائرين فريقان:
فريق: نشأ على دين وتربى عليه فظل لابسًا له.
وفريق: نشأ وتربى في مهد الحرية والاستقلال كالإفرنج ومن تلا تلوهم، فهم في حيرتهم هذه لا يلبسون لباس الدين.
أما سبب فشو الكفر في هؤلاء الناس:
فهو أنهم يتعلمون العلوم الكونية بأحسن الأساليب وأقرب الطرق إلى الأذهان، ولا يتعلمون معها دينًا يتفق معها، ويرون فيما عليه أهل الأديان كلها أباطيل ينقضها العلم نقضًا ويهدمها هدمًا، ولا يوجد الآن في الأرض دين يتفق مع العلم إلا دين الإسلام الذي هو دين القرآن، لا دين
جماهير المسلمين الذين يلتمسون الخيرات والحسنات، ويدفعون الشرور والسيئات بالاستغاثة بالألوف من الأموات، والطواف بقبورهم والتمسح بما ينسب إليهم من قبر حجري أو خشبي، وقفص من نحاس أو حديد، وباب من الخشب، وعمود من الرخام، وشجرة من الأشجار، وحجر من الأحجار، وبئر من الآبار، وجلد من النعال، وخرقة من القماش؛ الذين يضيق دينهم عن قلنسوة أو كمة تلبس للوقاية من الشمس، فما بالك بما لا يحصى من مكتشفات العلم ونتائج العقل.

فهلمَّ أيها الكاتب الغيور، نتعاون على جهاد البدع والخرافات والتقاليد والعادات التي ألصقت بهذا الدين فجعلته كغيره أو أشوه من غيره في نظر العالمين، ونجاهد أنصار هذه الضلالات من أرباب العمائم، الذين هم أضر على الدين من مذهب دارون، لعله يتيسر لنا إنقاذ الإسلام من هؤلاء الجاهلين وإخراجه من جحر الضب الذي وضعوه فيه، ونبين لأهل العلوم والعرفان أنه بريء من هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، واتخذوه هزوًا ولعبًا، وأنه هو الحنيفية السمحة وهم الماثلون المضيقون، وأنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهم عن الفطرة ناكبون، وأنه موافق لمصالح البشر في كل زمان ومكان وهم لا يوافقون،
فإذا نجحنا في هذا، فأنا الضامن لك على الأطباء والكيماويين، والطبيعيين والفلكيين، والاجتماعيين والاشتراكيين، والقانونيين والسياسيين، أن يفضلوه على
جميع الأديان، ويرجحوا جعله دين المدنية في هذا الزمان.

أرأيتك هذا الدكتور شميل الذي ترد عليه، إنه يقول في كل ناد وسامر، وعلى مسمع من المؤمن والكافر: إنه لا يوجد دين اجتماعي إلا دين القرآن، فهو بهذا القول يدعو إلى نصف الإسلام وهو النصف الدنيوي منه.
ولكن يوجد فينا كثير من أصحاب العمائم ينفر عنه بقسميه الدنيوي والأخروي ! !
وأما ما أشار إليه الكاتب الغيور من حث أمثال الدكتور شميل على وضع المؤلفات في الفنون والعلوم العصرية النافعة للأمة في هذا العصر، فهو أفضل ما ينبغي الحض عليه والترغيب فيه؛ لتكون لغة البلاد غنية بعلمائها، وسيكون هذا على قدر عناية الأمة والحكومة بالعلم، والله الموفق وبه المستعان.
( محمد رشيد رضا، شبلي أفندي شميل، مجلة المنار، شعبان - 1327هـ/ سبتمبر - 1909م، 12/ 632).

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 09:30 AM   #17
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

المعرفة والحقيقة عند شبلي شميل:
http://ns.umc.edu.dz/aud-vis/index.p...04-18-09-22-31

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 09:41 AM   #18
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

تقريظ حسين وصفي رضا ( شقيق الشيخ محمد رشيد رضا والذي خر صريع مروءته سنة 1911م)

لكتاب فلسفة النشوء والارتقاء لشبلي شميل

( فلسفة النشوء والارتقاء )
وهو الجزء الأول من مجموعة الدكتور شبلي شميل الشهير، صفحاته 367 بقطع المنار وحروفه، طبع بمطبعة المقتطف بمصر سنة 1910 ويطلب من مؤلفه بمصر.
أهدى إلينا صديقنا الدكتور شبلي شميل هذا الكتاب الذي أعاد طبعه مرة ثانية في هذه الأيام لنفاد الطبعة الأولى ولرغبة الكثيرين من أصدقائه في ذلك وقد أثبت على صفحته الأولى هذه الفقرة:
( طالع هذه الكتاب بكل تمعن ولا تطالعه إلا بعد أن
تطلق نفسك من أسر الأغراض لئلا تغم عليك وأنت واقف تطل على العالم من شرفة عقلك تتلمس الحقيقة من وراء أستارها ) ونحن لم نتمكن من التوفر على مطالعته
لنبدي رأينا فيه بحرية وإخلاص، ولكن هذا لا يمنعنا أن نقول: إن فلسفة النشوء والارتقاء لا تنافي الإسلام بجملتها كما أنها لا تلتئم معه ومع العقل في تفصيلاتها، ولم يكن لصديقنا الدكتور ولا لواضعيها؛ إذ وضعوها مطمع في أن تكون قضية مسلمة بكلياتها وجزئياتها.
ولو أن الدكتور شميل اقتصر في كتابه هذا على شرح فلسفة دارون وهكسلي وآرائهما في أصل الأنواع وأدلتهما على تحولها وارتقائها وتأييد مذهبهما بآرائه الخاصة دون التعرض للشرائع الإلهية والأديان المتبعة؛ لتقبله أهل الاستعداد له بقبول حسن، أما محاولة الدكتور لإرادة القراء على الأمرين فطمع في غير مطمع، وهذه الحكومة الفرنسية على تشددها في محاربة زعماء الدين بقوتي الدليل والإكراه لم تتمكن من نزع الدين من النفوس على كونه دينًا تسليميًّا بحتًا لا يسوغ للعقل أن ينكر منه شيئًا، وإن كان غير معقول؛ فما بالك بدين الإسلام الذي ينبذ كل
منكور عقلاً ، بل هو الدين الذي فك العقول من عُقلها، وأشرع سبيل استقلال الفكر، وأرشد إلى النظر في أسرار الكون والحكم على الأشياء بالعقل دون الهوى؛ لا جرم
أن دينًا هذا مكانه من أفئدة أهله لا يقوى على زلزاله منها شبهات مرجعها آراء ومرويات لرجال الدين ربما يكون الدين بريئًا منها.
لو أتيح للدكتور شميل أن ينظر في الإسلام نظرة تنفذ إلى صميمه على الشرط الذي وضعه لقراء كتابه؛ لآب اليوم وهو مسلم قلبًا ولسانًا، وهاهو اليوم على كونه لم يعن بفهم فلسفة الإسلام بعض عنايته بحل طلسمات مذهب دارون نراه وهو المنصف المستقل الفكر يقول: إن القرآن هو أحكم الشرائع التي يتبعها البشر، وإن محمدًا أعظم رجل في التأريخ.
حتى إنني قلت له مرة : إذًا أنت مسلم . فقال: بل محمدي.
بل هذه كلمته في خاتمته الحفيلة التي هي صورة مصغرة للكتاب قال: ( ص352 ).
( خذ مثالاً شريعة القرآن فإنها بين الشرائع الدينية الشريعة الوحيدة الاجتماعية المستوفاة [1] التي ترمي إلى أغراض دنيوية حقيقية بمعنى أنها لم تقتصر على الأصول الكلية الشائعة بين جميع الشرائع، بل اهتمت اهتمامًا خاصًّا بالأحكام الجزئية فوضعت أحكام المعاملات حتى فروض العبادات أيضًا، وهي من هذه الجهة شريعة عملية مادية حتى إن الجنة نفسها لم تخرج فيها من هذا الحكم من أشجار وأثمار وأنهار إلى آخر ما هنالك، وطالما جرى أتباعها عليها صلحت أمور دنياهم على سواهم... إلخ )
ثم ذكر بعد ذلك مزج علماء المسلمين لنظريات الفلسفة اليونانية في كلامهم حتى صرفوا بذلك الدين عن حقيقته وحولوه عن غايته: ( إلى المرامي المجردة والمنازع النظرية وسائر علوم الجدل الأدبية المقامة عليه حتى إلى ما لا علاقة له بالدين مطلقًا [2] ).
إلى غير ذلك من الأقوال التي تدل على أن الدكتور الفاضل إنما هو منكر للغواشي التي علقت بالدين ساخطًا على تقاليده وخلط كثير من أهله بين جوهره ونظرياتهم. ونحن نقر الدكتور على هذا الرأي بل نحن إنما نكتب ونخطب سعيًا وراء هدم تلك التقاليد التي تتبرأ منها ومن المصرين عليها.
والكتاب مطبوع طبعًا متقنًا على ورق جيد ويطلب من مؤلفه بميدان توفيق بمصر .
---------------------
(1) شريعة موسى مادية عملية أيضًا ولكنها غير مستوفاة ، وشريعة عيسى وإن كانت حكمًا ومواعظ تعتبر أصولاً كلية إلا إنها في جملتها نظرت إلى العالم الروحاني أكثر من الحياة الدنيا بخلاف شريعة محمد فإنها نظام اجتماعي عملي مادي قانوني حقيقي ا هـ من هامش الكتاب .
(2) إن الأسئلة التي ترد على مجلة المنار من أطراف العالم الإسلامي والتي يتجشم صاحب المنار المفضال مشقة الرد عليها مضطرًّا تدلك على مبلغ تقهقر القوم في فهم الدين (وبعد أن ذكر أمثلة من تلك الأسئلة قال) وغير ذلك من الأسئلة التي تضطرب لها عظام النبي في قبره والقرآن وشريعته بريئان منها لو أنهم يفقهون ا هـ من هامش الكتاب .
( حسين وصفي رضا، تقريظات المطبوعات الجديدة، مجلة المنار، جمادى الأولى - 1328هـ/ يونيه - 1910م، 13/ 374).

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 10:04 AM   #19
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

تأبين الشيخ محمد رشيد رضا لشبلي شميل:

الدكتور شبلي شميل
في اليوم الأول من هذه السنة الميلادية سنة ( 1917 ) اغتالت المنية الطبيب النطاسي، الحكيم الاجتماعي، العالم الطبيعي، الأديب الكاتب، الناظم الناثر، الدكتور شبلي شميل الشهير بتصانيفه ومقالاته العلمية والاجتماعية في المجلات والجرائد العربية والفرنسية.
كان شبلي فذًّا نادر المثل في مجموعة علومه وأعماله وأفكاره وأخلاقه والذي
يحملنا على ترجمته أنه كان من طلاب الإصلاح المدني والتجديد الاجتماعي
المخلصين- وقليل ما هم - لا من الذين اتخذوا العلم ذريعة لجمع المال ولا وسيلة
لجاهٍ كما هو شأن السواد الأعظم من المتعلمين ، فهو لم يدخر مالاً ، ولم يتأثل عقارًا ،
ولم يصرف جُلّ أوقاته للكسب ، بل كان اشتغاله بالأمور الاجتماعية أكثر من
اشتغاله بالطب ، ومثل هذا يكون مؤثرًا في أهل جيله تأثيرًا نافعًا أو ضارًّا لا كالذين
يعدون من العلماء بورقة شهادة يحملها كل منهم بيده ، ونرى أنه يعيش عمرًا طويلاً
ثم يموت كما يموت العصفور لا يترك أثرًا في جيله يُنسب إليه .
لهذا نذكر عن هذا
الرجل أهم ما نرى فيه العبرة من ترجمته فنقول :
كان أول من نشر مذهب دارون باللغة العربية وانتصر له وناضل دونه ؛ إذ
كان رجال الدين ولا سيما الكاثوليك الذين نشأ شميل على مذهبهم يعدون هذا المذهب من دعائم الكفر، ولم يكتف الرجل بذلك بل كان يصرح قولاً وكتابة بالتعطيل والإلحاد، ولم يتجرأ أحد قبله على ما تجرأ عليه من ذلك فيما نعلم مع كثرة الذين زاغت عقائدهم من المتعلمين على الطريقة الأوربية الحديثة.
ومن الغريب أن نرى المحامين عن النصرانية وكتبها الدينية كاليسوعيين ( الجزويت ) لم يتصدوا للرد على الدكتور شميل كدأبهم في الرد على أمثاله من كتاب الشرق والغرب، وقد كانت مجلتهم ( المشرق ) واقفة بالمرصاد والهلال وغيرهما من الصحف المنشرة كلما نشر فيها شيء يخالف الدين أو المذهب الكاثوليكي ردوا عليه أشد الرد.
فإذا كان الجزويت لم يشنعوا على الدكتور شبلي شميل كما شنعوا على من لم يجهر بمثل ما جهر به فلا عجب إذا سكت عنه من دونهم عصبية وعناية بهذا الأمر، وأكبر ما
بلغنا من مقاومة بعض القسيسين له أنهم كانوا ينهون بعض الناس سرًّا عن دعوته لمعالجة مرضاهم.
وجمهور المتعلمين على الطريقة العصرية من السوريين في مصر وسورية وأمريكة يحبون الدكتور شميل ويعدونه من دعاة الإصلاح
الاجتماعي المخلصين ، ومنهم من يغلو فيه ، أما النصارى منهم - وهم الأكثرون-
فلا يرون عدم تدينه مانعًا من إصلاحه الاجتماعي ؛ إذ لا علاقة للدين بذلك عندهم، ولا شك في كون هذا من تساهلهم الذي قاربوا به الإفرنج ، وأما المسلمون فلا يرون
مروقه من عقيدته التي نشأ عليها مبعدًا له عنهم ؛ لأنها ليست عقيدتهم فهو في نظرهم طبيب عالم اجتماعي غير مسلم ، ولكنه أقرب من غيره من المخالفين لهم إلى التساهل والإنصاف لحريته واستقلال فكره.
وله أصدقاء من مسلمي مصر لعلهم يزيدون على أصدقائه من مسلمي سورية الذين لا يعرفه أكثرهم إلا بالسماع.

وأما مذهب داروِن فقد تكلم بعض علماء المسلمين فيه وفي مخالفته لظواهر النصوص في خلق آدم -عليه السلام- ، ولم يجعلوا ذلك ردًّا على الدكتور شميل؛ لأنه لم يكن صاحب المذهب، وقد سبق أشياخنا إلى الرد على مذهب دارون، وأول ما رأيناه في ذلك ما أبرزه لنا الأستاذ الإمام في ترجمته لرسالة أستاذي الذي تخرجت على يديه الشيخ حسين الجسر في الرسالة الحميدية فهو قد لخص هذا
المذهب وبين أن دلائله في أصل البشر ظنية لم تصل إلى درجة القطع ، وأنها لو ثبتت وصارت يقينية لا تكون حجة على الإسلام لإمكان تأويل ظواهر النصوص الواردة في الكتاب والسنة في خلق آدم.
وقد أقر أكابر علماء سورية شيخنا على تلك الرسالة وترجمت بالتركية فأقرها علماء الترك، وكافأه السلطان عبد الحميد على خدمته للإسلام بها برتبة علمية عالية وراتب شهري . ورغب إليه أن يكون من شيوخ قصره فاعتذر وعاد إلى طرابلس الشام بعد أن أقام في قصر يلدز عدة شهرًا ضيفًا مكرمًا عند السلطان . وأما علماء الأزهر فقد اطلع كثير منهم على الرسالة الحميدية وأعجب بها . ولكن لم نسمع أن أحدًا منهم كتب في موضوعها شيئًا.

بينا رأي المسلمين الذين يعرفون الدكتور شبلي فيه، وأنهم كانوا يرونه أقرب إلى التساهل والإنصاف، وبيان ذلك أنه كان يقول: إنه لا يوجد دين اجتماعي يتفق مع مصالح البشر المدنية إلا دين القرآن. سمعت هذا منه غير مرة. وأخبرني أنه طالما خطر في باله أن يجمع ما في القرآن من الآيات الواردة في المسائل الاجتماعية والأدبية ويفسرها تفسيرًا علميًّا اجتماعيًّا.
وأنه قد حاول هذا الجمع
فصعب عليه تجريد ما أراده لما في القرآن من المزج بين هذه المسائل والمسائل
الروحية الأخروية. وقال لي: إنك أقدر مني على تجريد ما أريد، فلو فعلت لكان تفسيري نافعًا لك فيما تتوخاه من التوفيق بين الإسلام والعلم العصري والحضارة العصرية، ومن نشر محاسن الإسلام بين الناس؛ لأن ألوفًا من الناس يقرؤون تفسيري ولا يقرؤون تفسيرك.

وأما رأيه في نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- فهو أنه كان يفضله على جميع البشر، وقد كتب إليَّ منذ تسع سنين كتابًا أودعه أبياتًا من الشعر في ذلك هذا نصه:
إلى غزالي عصره السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار .
أنت تنظر إلى محمد كنبيٍّ فتجعله عظيمًا ، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله أعظم، ونحن وإن كنا في الاعتقاد
( الدين أو المبدأ الديني ) على طرفي نقيض فالجامع بيننا العقل الواسع والإخلاص في القول، وذلك أوثق بيننا لعُرَى
المودة.
... ... من صديقك الدكتور
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... شميل
( الحق أولى أن يقال )
دع من محمد في سدى قرآنه ... ما قد نحاه للحمة الغايات
إني وإن أكُ قد كفرت بدينه ... هل أكفرن بمُحْكم الآيات
أوَما حوت في ناصع الألفاظ من.. حكم روادع للهوى وعِظات
وشرائع لو أنهم عقلوا بها ... ما قيَّدوا العمران بالعادات
نِعْمَ المدبر والحكيم وإنه ... رب الفصاحة مصطفى الكلمات
رجل الحِجَا رجل السياسة إنه ... بطل حليف النصر في الغارات
ببلاغة القرآن قد خطب النهى ... وبسيفه أنحى على الهامات
من دونه الأبطال في كل الورى ... من سابق أو لاحق أو آت

وقد نشرنا هذا الكتاب والأبيات في ( ج1 م11 ) في معرِض الرد على البرنس كايتاني في زعمه أن نجاح النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في كفاءته من حيث هو سياسي محنَّك أكثر من نجاحه من حيث هو نبي، وأن حُنْكَته وسياسته أفادا أكثر من إفادة القرآن.
رددنا على صاحب هذا القول وعلى المؤيد الذي نقل كلامه وأقره وعلى الدكتور شميل فيما زعمه من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل من حيث كونه رجلاً منه من حيث كونه نبيًّا . وسألنا الله تعالى أن يهديه إلى الباقي من مزايا كتابنا ورسولنا -صلى الله عليه وسلم- وهو المهم الأعظم المتعلق بأمر الدين والآخرة الذي أشار إليه في البيت الأول ، وكفر به في البيت الثاني، فقد صرح لنا بأن مراده بلُحمة الغايات أمور الآخرة.

إن الدكتور شبلي شميل قد اهتدى بالاطلاع على القرآن الحيكم إلى ما فيه من الحكم الروادع للهوى والشرائع والموافقة لأصول العمران حتى في هذا الزمان.
وبالاطلاع على سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى كونه قد فاق جميع أبطال البشر وعظمائهم، ويدخل فيهم عنده أكابر الأنبياء -عليهم السلام- وكبار الساسة وقواد الحروب وأهل الفصاحة والأدب.
فلو أن الدكتور تأمل فيما اهتدى إليه من هذين الأمرين وكان مؤمنًا بالله تعالى لجزم بكونه نبِيًّا مرسلاً من عنده عز وجل؛ لأن ما امتاز به كتابه وما امتاز به شخصه على جميع البشر من سابق أو لاحق أو آتٍ إنما كان بعد أن بلغ أربعين سنة في الأُمية بين أهل الشرك والجاهلية فهل يُعقل
أن تحدث هذه المزايا العلمية العملية الأدبية العمرانية الحربية السياسية الاجتماعية لرجل في سن الكهولة دفعة واحدة ؟
كلا إن هذا لا يعقل أن يكون إلا بوحي وتأييد من الله عز وجل .
ولكن كثيرًا من الباحثين في مثل هذه المسألة يبحثون فيها من جهة واحدة منصرفين عن سائر الجهات فلا يحيطون بسائر أطراف المسألة، والصوارف عن أمثال هذه المباحث كثيرة ، أظهرها : كون إنكار الأديان عندهم من القضايا المسلمات، وكنت أرى أن للدكتور شبلي شميل مانعًا قلما يشاركه فيه غيره في بلاده وهو عدّه الجرأة على التصريح بالتعطيل مزية من المزايا العظيمة التي انفرد بها ، وحب الامتياز من غرائز البشر الراسخة ، فمن رأى نفسه قد انفردت
بشيء منه قلما يفكر ويبحث في شيء من شأنه أن يذهب بما انفرد به ، على أن
رجال الدين الذين على مذهب أسرته الذي نشأ عليه ثم ارتد عنه قد حكموا بأنه تاب من ردته وعاد قبل الموت إلى دينه ومذهبه الأوَّلَيْن ، ولذلك جنَّزوه وصلوا عليه في
كنيستهم ودفنوه في مقابرهم
، وجماهير الناس يرتابون في ذلك أو يجزمون بخلافه ويعدون هذا من غرائب تساهل الكاثوليك.

كان الدكتور شبلي شميل من دعاة الاشتراكية وهو مستقل برأيه فيها غير مقلد لطائفة من طوائفها، وكان ماديًّا في آرائه وأفكاره إلا أنه كان متحليًا بكثير من الأخلاق الحسنة المحمودة التي يضاد بعضها ما تقتضيه الأفكار المادية التي غلبت
على عقله وخياله ، كالرأفة والسخاء والصدق والوفاء والنجدة والمروءة والشجاعة وغير ذلك.
وإن تحلي بعض المعطلين بالفضائل من أقوى الشبهات على الدين في هذا العصر، فإننا نسمع كثيرًا من المرتابين أو الراسخين في الكفر يقولون: أيّ حاجة للناس في الدين وإننا نرى كثيرًا من المصلين الصائمين منغمسين في
المعاصي والرذائل، بل ترى كثيرًا من رؤساء الأديان الرسميين كذابين طماعين أدنياء بخلاء لا يُرجى منهم معروف، ونرى فلانًا وفلانًا مما لا دين لهم متحلين
بالأخلاق الفاضلة والآداب العالية والسبق إلى عمل المعروف ، وقد أجبت عن هذه الشبهة في المنار غير مرة واتخذت تأبين الدكتور فرصة لبيان ذلك للجمهور.

في اليوم المتمم للأربعين من تاريخ وفاته أقام النادي السوري في القاهرة حفلة تأبين للدكتور الذي هو من نوابغ السوريين بلا خلاف، أجاب الدعوة فيها مئات من أهل العلم والأدب والوجاهة من سكان القاهرة على اختلاف مذاهبهم
ونِحلهم فغصَّ النادي بهم ، وافتتح الجلسة رئيسها أحمد حشمت باشا بخطبة وجيزة أطرى فيها المؤبَّن إطراءً كبيرًا.
ثم دعي الدكتور يعقوب صروف إلى الكلام في علم الدكتور شميل، وهو أعلم الناس به وبعلمه فجاء من ذلك بخلاصة جمعت فأوعت.
ثم دُعيت إلى الكلام على أخلاقه فقلت ما خلاصته على ما أتذكر الآن:
( أشكر لإدارة النادي السوري اختيارهم إياي للكلام في أخلاق الدكتور شبلي شميل؛ فإن الكلام في الأخلاق أحب إليَّ؛ لأن أثرها في حياة الناس العملية أعظم من أثر العلم ؛ لأن العلم يبين طرق العمل ، والأخلاق هي التي تبعث عليه وتهدي
إلى الغاية منه ، فحُسن الأخلاق هو الذي يجعل العلم نافعًا وسوء الأخلاق قد يجعله ضارًّا ، ولذلك شبه حكماؤنا علم فاسد الأخلاق بالسيف في يد المجنون، وإننا نرى مبلغ تأثير ضرر العلم بسوء استعماله في الحرب الأوروبية الحاضرة التي كان الموقد لنيرانها بعض الأخلاق المذمومة من الطمع والكبر وحب العلو واستعباد الأقوياء للضعفاء.
على أن العمل النافع لا يرتقي إلا بالعلم، وما ساد بعض الأمم على بعض إلا بالعلم ، { هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } ( الزمر : 9 )

وإنما تظهر حقيقة المرء وتُعرف ترجمته ببيان علمه وأخلاقه وأعماله، وقد أحسن النادي باختيار العلامة الدكتور صروف للكلام على علم الدكتور شميل فهو أعلم
منَّا بهذه العلوم وبمكان الرجل منها، وقد جاء بفصل الخطاب في ذلك.
كان الدكتور شميل متحليًا بعِدّة من الأخلاق الحميدة التي لا يرتقي العمران البشري إلا بكثرة المتحلِّين بها في الأمم كالصدق واستقلال الرأي والشجاعة والثبات والسخاء والوفاء والنجدة والمروءة والرأفة، يعرف له ذلك كل من عرفه، وكل خلق من هذه الأخلاق له تأثير في أعمال الناس ومعاملاتهم ، ولا يمكن بيان ذلك بالتفصيل في وقت قصير محدود كوقتنا هذا وإنما أشير إلى بعض ذلك بالإيجاز
فأقول:
إن من أضر مفاسد الكذب طمس الحقائق وإبطال ثقة الناس بعضهم ببعض ،
فالكذاب لا يوثَق بخبره ولا بعلمه ولا برأيه ولا يمكن أن يرتقي قوم فُقدت الثقة من
بينهم . ومن أكبر بواعث الكذب الجُبن
، ولولا ما أوتي الدكتور شميل من الجرأة والشجاعة لما أمكنه أن يكون صادقًا يقول ما يعتقد، وإن كان مما ينكره عليه ويكرهه منه أهله وقومه والسواد الأعظم من أهل وطنه، والشاهد على هذا تصريحه قولاً وكتابة بالآراء التي تخالف عقائد هؤلاء الذين يعيش معهم، والمعروف أن الخوف من عاقبة قول الصدق، هو الذي يحمل الناس على الكذب، ولذلك يكثر في عهد الاستبداد والظلم، ولكننا نرى كثيرًا من كبراء الحكام ورؤساء الناس في بلاد كثيرة يكذبون على رعاياهم ومرؤوسيهم، فلا يتجرؤون على التصريح لهم بما لا يرضيهم، وإن كان التصريح خيرًا لهم، وهكذا يعيش كثير من أكابر الناس وأصاغرهم عيشة الكذب والغش والرياء والنفاق لجبنهم وضعف ملكة الاستقلال فيهم، ولم يكن شميل مرائيًا ولا منافقًا بل كان مستقلاًّ شجاعًا يقول ما
يعتقده حقًّا وصوابًا غير هيَّاب ولا وَجِل.

وكان على جرأته وشدته في آرائه رقيق القلب سخي النفس ، فكان إذا دُعي إلى معالجة فقير يخف إليه مرتاحًا ويعالجه مجانًا ، وربما اشترى له الدواء ، وزاده
ثمن الغذاء ، على أنه لم يكن ذا فضل من المال
، وإننا نرى كثيرًا من الأغنياء البخلاء ، يحتالون على أكل أموال الناس حتى الفقراء والأدباء ، ونحن أصحاب الصحف قد جرَّبنا جميع أصناف الناس فوجدنا في كل صنف منهم ( حتى علماء الدين وكبار الحكام من قضاة وغيرهم ) أناسًا يتعمدون هضم الحق فيعِدُون جابي الصحيفة ويمطلون، حتى تمر الشهور والسنون، ولا يصدقون ولا يفون.
فهل يمكن أن ترتقي أمة إلا بزوال هؤلاء أو زوال النعمة من أيديهم ؟ إن السخي لا يمنع حق أحد؛ لأن من يعطي الناس من ماله ما ليس لهم، لا يعقل أن يمسك عنهم ما
هو لهم
، وفي مثل شائع بين كثير من المسلمين : إن الذي يزكي لا يسرق.
وهنا مسألة مهمة تخفى على كثير من الناس، وهي إن أكثر مكارم الأخلاق لا تنطبق في النفس إلا بالتربية الدينية، وتكون عرضة للفساد بالتعطيل والأفكار
المادية، فكيف اتصف الدكتور شميل بتلك الأخلاق الحسنة مع كونه كان ماديًّا متعطلاً ؟

يحتج بهذه الشبهة بعض الملاحدة على عدم الحاجة إلى الدين قائلين: إننا نرى فلانًا وفلانًا ممن مرقوا من الدين أفضل أخلاقًا وآدابًا من المتدينين الذين نرى من رؤسائهم وعلمائهم من فشا فيهم الكذب والطمع والدناءة والبخل والجبن والرياء والنفاق، والجواب عن هذه الشبهة:
أن فاسدي الأخلاق من المنسوبين إلى الدين لم
يتربوا تربية دينية صحيحة بل لم يكن لهم حظ من الدين إلا الاسم أو تعوّد بعض
العبادات من غير فَهْم لحكمها ولا قيام بحقها ، وإن أولئك المتعطلين الحسني الأخلاق
قد تربوا تربية دينية تكونت بها أخلاقهم
، فقد حدثني الدكتور شميل عن نفسه أنه كان في نشأته الأولى مبالغًا في التدين مواظبًا على العبادة ، وأن فكرة التعطيل ما
طرأت عليه إلا بعد سفره إلى أوروبة ، فقد لقي في فرنسة عالمًا ماديًّا قال له كلمة هدمت عقيدته الدينية هدمًا ، ولم يذكر تلك الكلمة .
وأقول: إنها لم تهدم تأثير التربية الدينية في نفسه ، ولا ما ورثه من أخلاق أهل بيته ، ولا عجب فقد ثبت في العلم
الحديث أن لكل نوع من المدرَكات الفكرية والوجدانية مركزًا خاصًّا في دماغ الإنسان، وما كل فكر يأخذه المرء بالتسليم يؤثر في أخلاقه وآدابه العملية بل لا بد في هذا التأثير من التربية العملية أو كونه عقيدة يجزم صاحبها عقلاً ووجدانًا بأن العمل بمقتضاها سعادة، وتركها شقاوة لا تعد لها شقاوة، وفكرة الإلحاد ليست كذلك، فهي قد كانت محصورة في مركز صغير من دماغ الدكتور شميل له صلة بلسانه ولا سلطان له على قلبه، ولذلك كانت تظهر أحيانًا في كلامه، ولكنها لم تنزع من نفسه ما تربى عليه في بيته من الأخلاق الدينية كالصدق والرحمة والسخاء وغير
ذلك ).

ثم ذكرت في التأبين رأي الدكتور في الإسلام وفي نبينا -عليه الصلاة والسلام- وقرأت كتابه وأبياته في ذلك، وقد تقدم ذكرها في هذه الترجمة.
هذا ما أتذكره من كلامي في أخلاق الدكتور شميل لم أترك منه شيئًا ولكنني زدت مسألة الشبهة الأخيرة إيضاحًا؛ لأنني رأيت بعض الناس لم يفهمها حتى قال لي بعضهم: إن التأبين يقصد به المدح وأنت ذممت الرجل وجعلته مجنونًا، وإنما أخذ جعلي إياه مجنونًا من قولي: إن فكرة الكفر والإلحاد قد طرأت على دماغه في الكِبَر، وقد عبرت بكلمة المخ بدل الدماغ ففهم ذلك الرجل وغيره من ذلك ما فهموا ولغطوا به.

ثم دعي الدكتور كحيل إلى الكلام في سيرة شميل الطيبة فقرأ خطبة طويلة بالفرنسية بيَّن فيها ذلك.
ودُعي محمد حافظ بك إبراهيم فأنشد قصيدة بليغة استعاد
الجمهور كثيرًا من أبياتها مرارًا. ودُعي أيضًا كل من أنطون جميل الأديب المشهور وحسن أفندي الشريف وهو شاب من أبيار وأميل أفندي زيدان صاحب الهلال فألقى كل منهما خطبة فصيحة أطرى فيها الفقيد إطراء الشاب الممتلئ إعجابًا بآرائه وأفكاره ونشاطه وهمته، فدل ذلك على تأثير الرجل في أنفس النابتة الجديدة ثم قام ابن أخيه رشيد بك شميل صاحب جريدة البصير فشكر للنادي السوري وللمؤبنين عملهم، وانفضت الحفلة.
( محمد رشيد رضا،الدكتور شبلي شميل، مجلة المنار، جمادى الآخر - 1335هـ/ أبريل - 1917م، 19/ 625).

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 10:13 AM   #20
أم يوسف 5
( وفقها الله )
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 40,757
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

بسم الله الرحمن الرحيم

بارك الله فيك .. ماقصرت .. سلمت وغنمت

__________________

تحصنا بالله الذي لاإله إلا هو وإليه كل شئ
وتوكلنا على الحي الذي لايموت
واستدفعنا الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله


لكل مريض
اللهم رب الناس مذهب البأس إشف أنت الشافي
لاشافي إلا أنت
إشفهم شفاء لايغادر سقما













أم يوسف 5 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-09-2011, 11:56 AM   #21
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 71,096
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

شكرا لجهودك المميزة وبانتظار المزيد

__________________



أبو ذر الفاضلي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-09-2011, 08:59 AM   #22
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

من لطائف الدكتور شبلي شميل
حين كان يصدر مجلة الشفاء منذ ربع قرن أرسلها للقراء دون أن يتلقى قيمة الاشتراك, وأخذ يطالب القوم حتى أدركه اليأس فاضطر إلى أن يكتب مقالا عن مرضين خطيرين .. والدكتور طبيب- سماهما باسمين أجنبيين, وقال: إن أعراض المرض الأول هي أن صاحبه إذا وصلته مجلة أدبية أو علمية بادر إلى ردها, وكتب عليها كلمة مرفوض, أما المرض الثاني فأشد خطرا, لأن صاحبه يتقبل المجلة إلى آخر السنة, ثم لا يرسل مليما واحدا, وليس الذنب ذنب هؤلاء, ولكنه ذنب أصحاب المجلات الذين يبتلون القراء بشتى الأمراض المستعصية, ولابد أن يتوبوا إلى الله.
( محمد رجب البيومي، طرائف شتى، تقديم مجلة الزهور المصرية، ...)

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-09-2011, 09:05 AM   #23
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل

جرنالوفوبيا وجرنالوفاجيا
كتبها الدكتور شميل لما كان صحافياً يصدر الشفاء منذ 25 سنة:
الأول: معناه الخوف من الجرائد.
والثاني: التهامها - وقد نحت لهما بعضهم اسمين عربيين، فسمى الأول الجنفرة من الجرنال والنفور والثاني الجبلعة من البلع أو الجأكلة أيضاً من الأكل. وهما مرضان لم يسبق لأحد وصفهما ومن أعراض الأول أن الواحد إذا ورد له جريدة ملفوفة بادر على الفور إلى ردها وكتب على غلافها مرفوض أو مرضوض لم مرتب وهو مرض حميد.
ومن أعراض الثاني أن الواحد يقبل الجريدة إذا لم يردها في آخر سنتها ولكنه يلتهم ثمنها، وهو مرض أشد ضرراً من الأول، وقال بعض المحققين بل
المرضان طوران مختلفان لمرض واحد كالخنازيري والسل ولو كره البرفسور بتر.
والحق يقال إن الذنب ليس على هؤلاء وحدهم بل على أصحاب الجرائد أيضاً فإنهم هنا خلافاً لأوروبا يطرحون جرائدهم على الناس خوفاً من أنهم لو حذوا حذو أهل أوروبا ولم يرسلوا الجريدة إلا لمن يطلبها ويدفع ثمنها سلفاً لربما لم يجدوا مشتركاً - فها نحن قد وصفنا الداء فعلى الطبيب الحاذق أن يصف الدواء.
شبلي شميل
( شبلي شميل، مجلة الزهور المصرية، دار صادر (تصويرا عن: مطبعة المعارف بشارع الفجالة - مصر)، العدد 5 - بتاريخ: 1 - 7 - 1910، 1/ 200، 201).

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-09-2011, 09:20 AM   #24
أبو الفداء أحمد بن طراد
مستشار وفقه الله
 
الصورة الرمزية أبو الفداء أحمد بن طراد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,695
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: مؤلفات شبلي شميل


الجنايات والاجتماع

إن للاجتماع أمراضاً كما للجسم الحيّ. وهي كأمراض الجسم الحيّ إما مستوطنة وتسمى: جنايات وجرائم؛ وأما وافدة وتسمى: قلاقل وثورات.
وأسبابها كأسبابها أما متمة واصلة وهي في أحوال الأفراد الخاصة.
وأما مُعدّة مهيئة وهي في نظامات الاجتماع نفسه كما هو الحال في الجسم الحي.
فالجنايات كالأمراض نفسها لا تقع إلا إذا توفر لها هذان العاملان: أحوال خاصة في الأفراد، واستعدوا في جسم الاجتماع.
وسياسة الاجتماع كطبابة الجسم الحي: رداعة توجَّه إلى الجاني كما يداوي الطب المريض؛ ومانعة أو واقية تمنع أسباب الجناية لوقاية المجتمع منها قبل وقوعها، كما يمنع الطبّ المرض بمقاومة أسبابه بعلم حفظ الصحة المعروف بعلم الهيجين.
ففلاسفة الاجتماع يقاومون الجنايات بالشرائع المسنونة، وهي كالطب الشافي للأمراض.
ويحاولون بالنظامات الموضوعة وهي كالطب المنعي الواقي من الأمراض.
وكما أن طبابة الأجسام الشافية والواقية تتوقف على تعرُّف طبائع الحي الأمراض التي تفتك بهِ ودرس الوسائل النافعة، كذلك سياسة الاجتماع الرادعة والواقية تتوقف على تعرّف طبائع الجناة ودرس الشرائع والنظامات الموافقة أيضاً.
رغم أن الطب البشري لم يقُل كلمته الأخيرة في كل ذلك، كذلك الطب الاجتماعي لم يقل كلمته الأخيرة أيضاً.
غير أنا إذا قابلنا بين الطبين نجد أن الطب البشري تقدم أكثر جداً مما تقدم الطب الاجتماعي.
فشفاء الأمراض صار أسهل مما كان في الماضي وصارت طبائعها معروفة أكثر كذلك.
وإذا كانت صناعة الطب لم تتقدم كل التقدم المطلوب في شفاءِ الأمراض حتى الساعة، لكنها تقدمت كثيراً في علم الوقاية منها.
فإن علم حفظ الصحة يكاد يكون قد ألمَّ بكليات نواميس الأمراض وكيفية تولدها ووسائل منعها.
وقد تمكن من حصر كثير منها.
وفي بعض البلدان تمكن من منعها أصالة لأن الطب البشري سار مع العلم سيراً حثيثاً وجنباً لجنب.
وإذا كان لم يتمكن من منعها بتاتاً فليس من نقص في علمهِ، بل من صعوبات أخرى تعترضهُ متأتية من نظامات الاجتماع نفسها.
فالأمراض الوافدة التي كانت تنقضّ في الماضي على أوروبا وتفتك بمئات الألوف من سكانها في زمن قصير كوافدات الطاعون والجدري الأسود والهواء الأصفر والحمَّى التيفوئيدية نفسها حتى خانوق الأطفال المعروف بالدفثيريا قد قلَّت اليوم جداً وزالت منها في بعض الأماكن طبيعتها الوافدة.
فإذا كانت أكثر المدن الكبرى في هذه الجهات بلغت الغاية في النظافة بعد أن كانت مجمعاً للقاذورات وصار السكان فيها أكثر اعتناءً من قبل بنظافة وآكلهم ومشاربهم ومساكنهم وملابسهم وأجسادهم؛ فالفضل في ذلك للطب الذي عرف كيف يستفيد حالاً من العلم.
وسوف تخفّ الأمراض جداً وتقلّ ويلاتها كلما اصطلحت نظامات الاجتماع ومكَّنت الطب من العمل بقواعد علم الصحة كما هي معروفة له اليوم.
بخلاف الطب الاجتماعي فإنهُ لم يتقدَّم على نسبة تقدُّم العلم اليوم فهو لم يتعرَّف طبائع الاجتماع وطبائع الجناة جيداً. وشرائعه الشافية ونظاماتهُ الواقية لا تزال قاصرةً جدًّا عن المقصود وما ذلك إلاَّ لأن نظرهُ في طبيعة الاجتماع لم يتغير كثيراً عما كان في الماضي، ولم يتيسر لهُ حتى اليوم تطبيق نظاماتهِ وشرائعهِ على النواميس الطبيعية التي اكتشفها لهُ العلم.
والحق يقال أن هذا التطبيق محفوف بالمصاعب لأسباب كثيرة ناشئة عن غلبة تعاليمهِ الدينية والأدبية في شرائعهِ ونظاماتهِ وتأثيرها في طبائع أفراد المجتمع أنفسهم.
فإذا كان الطب قد استفاد كل الفائدة من العلم الطبيعي فلأن موضوعها واحد فلم يكن يمكن فصل أحدهما عن الآخر
بخلاف سياسة الاجتماع فهي حتى الآن لا تزال للأسباب المتقدمة باقية في واد والعلم الطبيعي يسير في واد آخر. ولا يستفاد من ذلك أن الاجتماع لم يستفيد من حركة العلم اليوم في سياساته؛ فإن إنكار ذلك مجازفة فأمراضه الوافدة قلت جدًّا فقلت حروبه وانكسرت حدَّة ثوراتهِ وخفت وطأة قلاقله.
ولا شك أن الجرائم والجنايات قد قلت كذلك عما كانت في الماضي البعيد.
كل ذلك لسهولة مراسهِ اليوم أكثر من قبل لاصطلاحه نوعاً بفضل ما انتشر عليهِ من ظل العلم الحديث.
غير أن القلاقل إذا كانت قد خفت وطأتها فهي لم تقلّ اليوم بل زادت واستوطنت كذلك كقلاقل العمّال.
وإذا كانت الجنايات قد قلت عما كانت في القديم فهي لم تقلّ قلة مطلقة بل ربما كذلك بالنسبة إلى ما كانت عليهِ في الماضي القريب لزيادة انتشار العلم وزيادة الشعور بالحاجة معهُ مع بقاء أسبابها.
لأن الطب الاجتماعي لم ينظر كثيراً في هذه الأسباب وإذا نظر فلم يهتدِ كثيراً إلى الوسائل الواقية منها أو أنهُ لم يحسن تطبيقها عليها.
وأسبابها إنما هي في نظامات الاجتماع نفسها التي لا تزال حتى الآن بعيدة جدًّا عن توفير التضامن له بتوفير العمل وتوفير المنفعة المتبادلة.
فالشارع لم ينظر في الجنايات إلاَّ إلى العقاب فكأن الصعوبات التي تعترضهُ في نظامات الاجتماع صرفتهُ عن ترّف طبائع العمران للبحث في الوسائل الواقية إلى تعرّف طبائع الجناة أنفسهم لتحديد العقوبة.
وقد هداهُ العلم اليوم في ذلك كثيراً وخدعه أكثر لأن الاعتماد في العلم على جهة واحدة مضرٌّ جدًّا.
فنظر في الأمر نظرة علمية هي في مصلحة الجاني أكثر منها مصلحة المجنيّ عليهِ.
إذ نظر إلى الجاني كنظرهِ إلى المريض المستحقّ غالباً للشفقة والحنان بقطع النظر عن تأثير جنايتهِ في الاجتماع. وهو نظرٌ يوافق عليهِ العلم إذا كان الغرض منهُ توفير عضوٍ من أعضاء المجتمع لنفع منهُ لهذا المجتمع.
وإلاّ فالشفقة في الطب كما في الشرائع يجب
أن تشمل الأهم وهو الجسم الاجتماعي نفسهُ.
ولو كانت هذه الشفقة في الشرائع اليوم ترمي إلى إصلاح الجاني لا يعتني بها كثيراً في الشرائع حتى اليوم.
وكل ما تفعله هذه الشرائع لمصلحة الاجتماع هي أن تحبس الجاني وتكفَّ شره عن المجتمع إلى حين.
وكثيراً ما يضيف الجاني إلى عيوبه وهو في السجن عيوباً أخرى يكتسبها من مخالطته لسائر الجناة المحبوسين معه في سجن واحد.
فلا يخرج من السجن حتى يعود إلى جنايته بجسارة وتفنن لم يكونا له من قبل.
فتخفيف العقوبة على الجاني لم تفد الاجتماع بل
ذكر بعضهم أن القتل كان يزيد كلما قلَّ القصاص بالقتل. وليس في الأمر غرابة والدواء على ما تقدم. حتى ولا القتل نفسه يستطيع بالإرهاب أن يقلّل القتل عسى أن يستطيع الجاني أن يستغفل نظام الاجتماع وينجو من عقاب مؤجل. ولذلك رأى بعضهم أن يشغَّل الجاني في سجنه حتى يدفع ثمن جنايته فيكتسب عملاً نافعاً ويعوّض على المجنيّ عليه ويُرهَب لطول الإقامة حينئذٍ في السجن.
وهو أقرب الآراء إلى العدل مهما قام عليه من الاعتراضات.
ويلزم حينئذٍ أن لا يقبل عن شغله عوضاً ولو كان ذا مال ويشمل التعويض حوادث القتل التي كثيراً ما يذهب فيها التعويض المدني هدراً فيفقد الإنسان عزيزاً له ويفقد معيِّلاً كذلك.
على أن الجاني نفسه مظلوم، وظالمه نظام الاجتماع نفسهُ سواء عن جهل لقلة انتشار العلم أو عن حاجة لقلة توفر العمل أو عن مرض لتطرّق ذلك إليهِ بالوراثة المكسوبة هي نفسها من الاجتماع.
والشرائع التي تعاقبهُ كأنها تعاقب بهِ جهلها في تطبيق نظاماتها على حاجة العمران والتي كثيراً ما يكون الجاني العزوم فيها أنبل جداً من الذين يحرجونه ويسترون جناياتهم بالخبث؛ فما دامت تعاليم الاجتماع لا تتمشى على قواعد العلم الحديث فتضع العمران في مقامهِ الطبيعي وتعتبرهُ جسماً حيّاً كسائِر الأحياء وتطلق عليهِ نواميسها الطبيعية فمن المستحيل أن تهتدي إلى إحكام الروابط بينهُ. وما دامت نظامته لا توفّر له النفع المتبادل فيصعب جداً ضبطهُ ولقد صدق القائل: إن توفر أسباب الثروة في بلاد لمن أفضل أسباب تقليل الجنايات فيها.
فالناس في كل أمورهم دنيا وآخرة إنما هم يقتتلون على رغيف.
الدكتور شبلي شمبل
( شبلي شميل، مجلة الزهور المصرية، دار صادر (تصويرا عن: مطبعة المعارف بشارع الفجالة - مصر)، العدد 26 - بتاريخ: 1 - 7 - 1912، 3/ 233 ـ 238).

__________________




أبو الفداء أحمد بن طراد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
شميم الحلي.. حياته وشعره ابن شهاب الدين المكتبة الأدبية المصورة 5 03-06-2014 03:19 AM
أم سليم بنت ملحان أم ذر كتب التراجم والسير بصيغ أخرى 2 20-01-2012 05:11 PM
لقاء مع نزيهة سليم أبو ذر الفاضلي كتب متنوعة حصرية مصورة 2 11-06-2011 01:44 PM
عهد سليم الأول أم ذر كتب التاريخ والحضارات بصيغ أخرى 2 10-01-2011 01:52 PM
مأساة تدعى سعدى سليم بدر حلب الواحة العامة (الطرائف والغرائب والحكم .. الخ ) 11 01-07-2010 01:48 PM


الساعة الآن »01:07 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd