روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-01-2012, 11:55 PM   #1
نبهات
مشرفة ( وفقها الله )
 
الصورة الرمزية نبهات
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 10,313
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

Lightbulb المنهج في النقد الأدبي العربي الحديث (المنهج النفسي أنموذجاً)



بحث في إشكالية المنهج
في النقد الأدبي العربي الحديث
المنهج النفسي أنموذجاً
د. صالح بن سعيد الزهراني
الأستاذ المشارك في كلية اللغة العربية - جامعة أم القرى
ملخص البحث

تهدف هذه الورقة إلى البحث في قضية المثاقفة بين الثقافة العربية والثقافة الغربيّة المعاصرة وذلك من خلال التركيز على الثاقفة النقدية ، واتخاذ المنهج النفسي أنموذجاً لهذه الثقافة .
وتعرض للمهاد الفلسفي والمعرفي الذي تأسس عليه المنهج النفسي في نقد الأدب وتؤكد أنه منهج له سياقه الثقافي الخاص به ، وتكشف عن محاسن هذا المنهج وعيوبه التصورية والإجرائية ، كما تكشف عن أن المنهج النقدي بوصفه البستمولوجيا لا يمكن فصله عن فلسفته التي نشأ في ظلالها .
وترى أن المثاقفة الحقيقية يجب أن تكون مثاقفة راشدة تبحث عن الحكمة وتستلهمها ولا تستنسخها كيفما اتفق .
الثقافة العربية والمثاقفة

“ المثاقفة ” بين الأمم ، ضرورة تفرضها الرغبة في التأثير والتأثر بحثاً عن الحكمة ، واسترشاداً بالرؤى النيرة ، والأفكار الخلاّقة من أجل تشييد بنية ثقافية متماسكة ، وواعية بذاتها ، وعارفة ما لدى الآخرين من منجزات وأفكار يمكن توظيفها ، أو رفع المناعة ضدها ، لما لها من أثر في سلب الهويّة ، وطمس معالم الخصوصيّة .
وبمقتضى الطبيعة البشرية المبنية على النقص ، وعلى حبّ البحث عن الجديد ، ومعرفة الآخر قامت الثقافات البشرية على “ المثاقفة ” فأثرت وتأثرت ، واختلفت درجات ذلك التأثير والتأثر باختلاف الرصيد الحضاري ، والشعور بقيمة الذات والحفاظ عليها ، فذابت ثقافات في نسيج ثقافات غالبة ، وفقدت هويتها ، كما حدث مع غالب ثقافات العالم الثالث ، ونجحت ثقافات أخرى في المثاقفة ، عندما قامت على أسس محكمة ، كما تحقق للثقافة اليابانية ، والثقافة الكونفوشوسيّة في الصين عندما تثاقفت مع “ ثقافة الغرب ” .
وهذه الورقة معنيّة بالبحث في “ المثاقفة ” بين الثقافة العربيّة والثقافة الغربيّة مع التركيز على المثاقفة النقديّة عبر تحوّلاتها العديدة وتقديم “ المنهج النفسي ” في النقد الأدبي أنموذجاً لهذه المثاقفة .
وقد عرضت الورقة لماهية الثقافة ، وأبرزت حرص ديننا الإسلامي على البحث عن الحكمة ، ودعوته للمثاقفة الراشدة . وعرّفت المثاقفة ، مع سرد موجز لتاريخ المثاقفة في الثقافة العربيّة ، مع الثقافات الأخرى ابتداءً بحركة الترجمة على يدي خالد بن يزيد بن معاوية في القرن الهجري الأول ، ومروراً بمرحلة الازدهار على يدي الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد . ثمّ بما حدّث بعد ذلك في حالات الشقاق السياسي والدويلات المتناحرة في القرن الرابع ، وأوضحت طبيعة تلك المثاقفة ، وما تركته من آثار في تراثنا الثقافي .
وكشفت عمّا آل إليه المشهد الثقافي في “ مثاقفتنا الجديدة ” مع الغرب عقب دخول الحملة الفرنسيّة إلى مصر عام 1798 م ، وكيف انقسم الواقع الثقافي إلى فئتين متنابذتين ؟ ، وكيف غذّى الوسط الاجتماعي هذا الانقسام ، وساعد على نشوء كثير من تشوهاته ؟ .
وحين عرضت “ للمثاقفة ” النقديّة المعاصرة مع الغرب منذ منتصف القرن العشرين الميلادي ، باعتبارها شريحة تكشف طبيعة مثاقفتنا مع الغرب كشفت على وجه الإجمال عن تحوّلات المناهج النقدية ابتداءً بمناهج الحتمية العلميّة ، وانتهاء بمناهج النقد النسائي والنقد الثقافي ، وأبرزت تحيّز هذه المناهج إلى سياقها الفكري والتاريخي ، وما حدث من اضطراب وخلط في تطبيق تلك المناهج على أدب مغاير له سياقه الفكري والتاريخي المغاير ، مع الإشارة إلى ما حققته تلك المناهج من كشوفات في تفتيق النّص وإن أساءت إلى روح الثقافة العربيّة ، ورصيدها الحضاري ، بحسب تعبير بعض النقّاد
وكان “ المنهج النفسي ” هو المنهج الذي استوقف هذه الورقة حتى تكون الرؤية أكثر علميّة ، وإنصافاً ، فوقفت على نشأة علم النفس وأوضحت تحوّلاته، ومدارسه المتعدّدة ، التي كانت ثمرة من ثمار تحوّلات الحمولات الفكرية والاجتماعية في الغرب ، وهي تحولات زعم كثير من النقاد العرب ، أنها لا تؤثر في المناهج النقدية ، فهم يتعاملون مع هذه المناهج التقديّة بوصفها أداة إبستمولوجيه ، لا بوصفها مذهباً فلسفياً ، وكأنه يمكن نزع المنهج من سياقه الثقافي ، والتعامل مع مفاهيمه وأدواته الإجرائية بمعزلٍ عن خصوصيّة السياق وحمولات الفكر والتاريخ .
وقد أثبتت هذه الورقة أن مقولة فصل الأداة الإبستمولوجية عن سياقها الفكري والتاريخي مقولة خاطئة ، فكثير من حمولات ذلك السياق كانت حاضرة في الممارسة الإجرائية ، وما كان للمفاهيم أن تتجه تلك الوجهة لولا أن السياق الثقافي كان الموجه الرئيس لها .

ماهيّة الثقافة :
الثقافة في الفكر العربي([1]) تعني التقويم والتهذيب ، من ثقفت الرمح إذا هذّبته وقوّمته ، ويراد بها الحذق والفطنة ، وترد بمعنى التمكن والغلبة كما في قوله تعالى : س إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ش([2]) .
أمّا في الفكر الغربي فدلالتها مرتبطة بزراعة الأرض ، ثم استخدمت
مجازاً في تعريف الفلسفة حيث عرفها شيشرون بأنها زراعة العقل (
Mentis Culture ) وفي عصر النهضة أصبحت الكلمة تطلق على الدراسات المتعلقة بالتربية والإبداع(
[3]) .
وقد تعددت تعريفات الثقافة حتى أصبحت تقارب مائتي تعريف تقريباً ، وقد أقرّت منظمة اليونسكو في مؤتمرها الذي عقدته للثقافة في المكسيك عام 1982 م التعريف الآتي : (( إن الثقافة بمعناها الواسع يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها جميع السمات الروحيّة والمادية والفكرية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً بعينه ، أو فئة اجتماعية بعينها ، وهي تشمل الفنون، والآداب، وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسيّة للإنسان، ونظم القيم، والتقاليد، والمعتقدات ))([4]).
وكثرة تعريفات الثقافة زادت المفهوم تعقيداً ، حتى اختلط بمفاهيم أخرى كالحضارة ، والمدنية ، والتقدّم ، ومع هذا فيمكن إجمال تلك المفاهيم المتعددة للثقافة في معنيين اثنين :
1 - المعنى الأنثربولوجي الذي بمقتضاه تصبح كلُّ فعاليّة إنسانية ونشاط ذهني أو مادي “ ثقافة ” سواءً كان تراكم خبرات ، أو صنع أدوات ، أو ممارسة تصوّرات فهي بهذا المفهوم الإنسان فاعلاً ومنفعلاً .
2 - السمات المميزة لأمة من الأمم في المعارف والقيم وطرائق الإبداع الجمالي والتقني وطرز الحياة ونمط التفكير والسلوك والتعبير ، والتطلعات للمثل العليا([5]) .
وأمّا المثاقفة فيعرفها ميلقن هرسكر فيتز ، ورالف لنتون ، وروبرت ردفيلد بأنها : (( التغيير الثقافي في تلك الظواهر التي تنشأ حين تدخل جماعات من الأفراد الذين ينتمون إلى ثقافتين مختلفتين في اتصال مباشر ، ممّا يترتب عليه حدوث تغييرات في الأنماط الثقافية الأصلية السائدة في إحدى الجماعتين أو فيهما معاً ))([6]) .
ممّا سبق يتضح لنا أن الثقافة هي السمة المميّزة لأي أمة من الأمم روحياً ومادياً ، وفكراً وإبداعاً ( وفي إطار من هذا التصوّر نعرض للثقافة العربيّة بوصفها سمة مميّزة للأمة الإسلامية عن غيرها من أمم الأرض في التصور والممارسة ) ، ونقف على المثاقفة بوصفها رافداً ثقافياً تسعى كل أمة من خلاله لتنمية كيانها الثقافي ، واستثمار ما لدى الآخرين من الحِكمَ التي كانت نِتاج عبقرية مُلهَمَة ، وعملٍ دؤوب ، وستكون المثاقفة النقديّة نموذجاً نكشف من خلاله عن الوعي الثقافي بالآخر تكافؤاً واختلافاً .

القرآن الكريم وهو يعرض لنا تجارب الأمم السابقة وتصوّراتها يؤسس لنا منهجاً في الوعي بالآخر ، ويحدّد لنا سبيلاً إلى المثاقفة . فالبشرية واحدة ، والعالم الذي تتدافع فيه عالم واحد ، والربّ الذي تتجه إليه بمشاعرها وسلوكياتها واحد لا شريك له .
وهذا الانفتاح على تلك الثقافات يؤكد أن الثقافة البشريّة واحدة ، وأن استيعابَ تلك الثقافات ونقدها هو أساسُ بناءِ الكيان الثقافي الخاص .
فالبنية الثقافية بنية ممتدّة في أعماق الزّمان ، تضيف إليها الأمم إضافات متباينة في كمها وكيفها ، ولهذا لم تدّعِ أمةٌ من الأمم أنها مكتفيةٌ ذاتياً بما لديها، وأنها طفرة عبقريّة مفاجئة ، لم تقل ذلك الحضارة اليونانية والرّومانية ، ولا الحضارة العربيّة الإسلاميّة ، ولا الحضارة الغربيّة([7]) .
من هنا كانت المثاقفة ضرورة وجود ، وإمكانية تواؤم . والمثاقفة الراشدة هي التي تقوم على أسس متينة وتوظف (( جملة من النماذج المعرفية والمناهج الحكميّة والموازين الدقيقة للفصل بين المطلق والنسبي والمشترك والخاص ، والمؤقت والدائم من ذلك التراث وبذلك استوعب المطلق والمشترك الإنســاني والدائم المستمر ، وتجاوز النسبي والخاص والمؤقت ))([8]) .
وحين نتأمل حركة التاريخ نجد أن الحضارة العربيّة الإسلاميّة بوعي من دستورها الإلهي قدرت الثقافات الأخرى . فلم تقف معزولة عنها ، وإنما تثاقفت معها فتأثرت بها وأثرَّت فيها .
وتكاد تجمع المصادر العربيّة على أن خالد بن يزيد بن معاوية 85 هـ كان أول من بدأ حركة الترجمة إلى العربيّة للعلوم الهرمسيّة([9]) .
ثم تعزّزت حركة الترجمة على يدي المأمون الذي شجع حركة الترجمة وأغدق عليها ، إمّا لأنه كان مُحبّاً للفلسفة اليونانية ، وإما لاستراتيجيّة سياسيّة يقاوم بها المأمون الغنوصَ المانوي والعرفان الشيعي المصدر المعرفي الذي تنفرد به الحركات المعارضة للعباسيين([10]) .
غاية الأمر أن شيوع الفكر الهرمسي والاشتغال بالفلسفة اليونانية أحدثا هزّة للعقل العربي تمثلت في الولع بالنظر التجريدي والتأملات العقلية والقياس المنطقي وإهمال المنهج التجريبـي الذي التقطه الغرب فبدأ به ثورته العلمية الحديثة([11]) واتجاه كثير من المفكرين إلى الجدل العقائدي أولاً عند بني أميّة في “ الجــبر ” والاختيار ثم إلى الجدل الفلسفي ، وبلغ هذا الجدل في القرن الثالث الهجري على أيدي المعتزلة مرحلة النضج حيث اتسم منهجهم (( بظاهرة الإمعان في استقصاء الفكرة الواحدة ، وتقليبها من جميع وجوهها والتغلغل فيها إلى أقصــى إمكانيـــاتها ، وشق أبعاد جديدة لها ، واكتشاف ما يمكن أن تنطوي عليه من عناصر عقلية ومواد فكرية تساعدهم على صياغة وجهة نظرهم في الله والكون والحياة والمصير )) ([12]) .
ومع هذا جمع العرب بين الفلسفة والعلم ، والتأمل والتجربة ، وأضافوا للعلم إضافات مهمة قائمة على الاستقراء والملاحظة ونقد المنطق الصوري الأرسطي ، الذي يغلب عليه التجريد ومجافاة المحسوسات ، كما نجد ذلك في كشوفات الجغرافيين وعلماء الطب والطبيعة ، وما نقف عليه في مباحث ابن خلدون في علم التاريخ وعلم العمران([13]) .
لقد أثرت هذه المثاقفة على الفكر العربي تأثيراً واضحاً لكنّ الغلبة كانت للثقافة العربيّة لأنها ثقافة غالبة وليست مغلوبة .
وفي أشدّ حالات الشقاق السياسي والدويلات المتناحرة في القرن الرابع الهجري ، ونجاح الحملات الصليبية على الشام ، ونجاح المغول في تدمير بغداد والشام بعد ذلك لم ينبهر العرب بالغزاة ، لأن حضارة المغزو أعظم من حضارة الغازي ، فكانت الهزيمة للجسد وليست للروح([14]) وللجغرافيا وليست للتاريخ ، وكانت الثقافة العربيّة تعيش ازدهاراً لا مثيل له ، واستطاعت تجاوز المحنة ، وكان كثيرٌ من عباقرة الثقافة العربيّة نتاجاً لتلك الحقبة وما تلاها أمثال المتنبي والمعري والفارابي وابن سينا وابن حزم وابن طفيل وابن رشد وعبد القاهر وابن جني وابن خلدون وغيرهم([15]) .
لقد وُجدت آثار الثقافات الأخرى في تراثنا الفكري ، ولكنها آثارٌ ذائبة في النسيج الثقافي ، فهي أشبه ما تكون بالجداول الرقراقة التي تصب في نهر عظيم .

أما الذي حصل مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي عقب دخول الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798 م فقد كان مختلفاً حيث حدث شرخ ثقافي هائل في الثقافة العربية وانقسم الناس إلى قسمين (( القسم الأول الذي أوجعته الهزيمة الجسدية فركز جهوده على تقوية الجسد العسكري الاقتصادي كيف ؟ بالتوحد بالخصم الغالب ، يأخذ سلاحه منه ، بتقليده والأخذ عنه ، بتحديث مجتمعنا على شاكلته ... بدأ الأخذ المنبهر بالتكنلوجيا ( ق 19 ) وانتهى بمفاهيم العلم
( ق 20 ) .

أما القسم الثاني : الأخفتُ صوتاً والأبعدُ عن النفوذ فكان القسم الذي أوجعته الهزيمة الروحية . فركز جهوده على بعث الروح والإحساس بالقيمة الذاتية . انعزل عن الخصم الغالب وخاصمه ، وعكف على تراث السلف الصالح يحاول العثور على منابع القوة فيه ))([16]) .
الانشقاق الثقافي وانكسار الروح والجسد ولد فئتين متصارعتين فئة منكفئة على ذاتها ، وفئة مرتمية في أحضان الآخر، وكانت هذه الفئة هي الريح الهوجاء التي عصفت بالأمة وذلك من خلال المشروع الذي رسمه محمد علي باشا وذلك بإرسال البعثات العلمية إلى فرنسا عام 1826 م ، وكان الشيخ حسن العطار وتلميذه رفاعة الطهطاوي من ضمن أفراد هذه البعثة ، ونلحظ الانبهار بحضارة الغرب وثقافته في كتابي الطهطاوي “ تخليص الإبريز في تلخيص باريز ” و “ مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية ” ([17]) ، وتم بناء المعاهد ومصانع السلاح على النمط الغربي([18]) .
فحصل الفصام الثقافي والانبهار بمنجزات الغرب في حداثته وتحديثه . وكان المبتعثون العرب كما عبّر المفكر مالــك بن نبي يعيشون إمّا في “ مزابل الغرب ” وإمّا في “ مقابره ” ([19]) ، وهكذا عاشت الثقافة العربية بين فكرتـين “ ميتــــة ” و “ مميتة ” ([20]) .

عاد المثقفون العرب يقدمون لنا الثقافة الغربية نموذجاً مثالياً يجب أن يحتذى، كما رأينا عند رفاعة الطهطاوي وأحمد لطفي السيد ، وسلامة موسى ، وطه حسين ، ومحمود عزمي ، وعلي عبد الرازق ، ومنصور فهمي ، وشبلي شميل ، وفرح أنطون ، وإلياس أبي شبكة . وقد ارتبط “ التغريب ” لدى هؤلاء المفكرين بالعداء لكل انتماء عربي وإسلامي وشرقي تاريخي أو ديني أو أدبي ، والولاء للقومية المصرية أو الفرعونية أو ثقافة الأبيض المتوسط ، وكان العداء للفصحى ، ومعركة القديم والجديد ، وفصل الدين عن الدولة بعض أقنعة التغريب المتعددة([21]) .
فالتقدم عند هؤلاء على اختلاف مجالات طروحاتهم مرهون باستنساخ الثقافة الغربية والتماهي معها ، وكانت النتيجة من هذه التبعية المقيتة والمثاقفة الذليلة اتساع الهوة الفاصلة بيننا وبين الغرب بدلاً من تجسير الفجوات وبناء القناطر .
وممّا عزّز هذا الانسلاخ وهذه المثاقفة غير المتكافئة كون القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين مهادَ ركودٍ حضاري وهزائم عسكرية مما أشعل فتيل الإحساس بالدونية والغبن الحضاري ، وانطفاء الإحساس بالكرامة وقيم الانتماء، فضعفت المباديء في النفوس ، وتحطمت الإرادة .
هذا الفراغ الحضاري في العالم الإسلامي الذي تقابله كتلة حضارية هائلة في الغرب أحدث خللاً في التوازن الاستراتيجي بين الثقافتين العربية الإسلامية والثقافة الغربية المسيحية ، فعمدت الحضارة الغربية إلى تصدير ثقافتها عبر ترسانة إعلاميّة هائلة تضخ قيماً ثقافية تكرّس الاستعلاء والغَلَبة وتمارس إرهاباً فكرياً ، وغسيلاً عقلياً منظماً يزلزل القيم ، ويتلاعب بالعقول ابتداءً من دعايات الكوكاكولا ، وانتهاءً بأفلام سلفستر ستالون ، وبطولات الهكرز ، ودراسات المستقبل([22]) .
هذا الركود الحضاري وتلك الهزائم المتتالية كانا مناخاً مناسباً لنشوء أورام سرطانية ثارت على نظام الجسد الاجتماعي وبدأت تفتك بخلاياه ونسيجه الداخلي ، فاستحالت الثقافة العربية إلى ساحة حرب أهليّة ، وسجال مغالط ، عطل قدراتها ، وأفقدها القدرة على الاستبصار ، وجرّها إلى صناعة ثنائيات متضادّة كالأصالة والمعاصرة ، والتراث والحداثة ، والرجعيّة والتقدميّة ، والعقلانية والعرفانية ، والذكورة والأنوثة وما إلى ذلك([23]) .
وتحوّل المجتمع الثقافي إلى طوائف متنافية ينكر بعضها بعضاً . واشتغل المثقفون بالتجريح والاتهامات وتصيّد العثرات ، والتنابز بتهم العمالة والزندقة، والتخلف والخنوع حتى أصبحت الثقافة العربيّة ثقافة شتائمية قوامها التنافي ، وليس التنامي والتكامل([24]) .
وهذا الانشقاق الثقافي الذي ولّدته المثاقفة مع الغرب لا يدّل على خطورة المثاقفة من حيث هي بحث عن المعرفة بقدر ما يدل على ضعف المؤسسات الثقافية في العالم العربي فالارتماء في أحضان الآخر ، والانكفاء على الذات وجهان لقصور في الوسائل والغايات لدى أجهزة بناء المعرفة . الذين نادوا بالتغريب لم يجدوا في مناهج التعليم لديهم ما يحقق الرضا الثقافي ويبني الحصانة الذاتية ضد التلاشي والاستلاب ، والذين آثروا التقوقع وغمرهم طوفان الانطفاء والتبلّد لم يجدوا في ما تلقوا من معارف منهجاً رشيداً يتجافى الرتابة والتكرار ويزرع الشغف بالمعرفة والبحث عن الحكمة الضالة ، فكان القصور الذاتي سمة لكلا الفريقين . (( عجز عن اكتشاف الذات )) و (( خوف من الآخر )) .
الثقافة العربيّة المعاصرة “ ثقافة استنساخ ” للآخر أو للذات ، والخروج من حال النسخ إلى حال الابتكار يحتاج إلى محاضن خاصة ، ووسط اجتماعي حيّ ، وهذا ما عجز عن تحقيقه العرب ، ونجح في إيجاده اليابانيون لقد كانت (( الانطلاقة الحديثة للمجتمع الإسلامي معاصرة لانطلاقة أخرى في اليابان . فالمجتمعان قد تتلمذا سوية حوالي عام ( 1860 ) في مدرسة الحضارة الغربيّة .
واليوم هاهي اليابان القوة الاقتصادية الثالثة في العالم ( فالأفكار المميتة ) في الغرب لم تصرفها عن طريقها . فقد بقيت وفيّة لثقافتها ، لتقاليدها ، لماضيها...
بينما المجتمع الإسلامي وبالرغم من الجهود الحميدة التي خصه بها التاريخ تحت اسم النهضة فإنه بعد قرن من الزمان ليس غير مجتمع ذي نموذج متخلف .
والواضح في النتيجة أن المشكلة التي تطرح نفسها لا تتعلق بطبيعة الثقافة الغربية ، بل بالطبيعة الخاصــــة بعلاقتنا بها ))([25]) .
إن الأزمات والمحن هي “ المحفزات ” التي تنشط خلايا الثقافة ، وتجدد دماءها كما حصل في تاريخ الأمة في القرن الرابع الهجري ، وكما حدث بعد سقوط دولة الخلافة ، وتداعي القوى الكبرى حيث هبّ دعاة الإصلاح الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربيّة ، والشوكاني في اليمن ، والأفغاني ومحمد عبده في مصر ، وعبد الحميد بن باديس في الجزائر ، والكواكبي في بلاد الشام([26]) .
والثقافة العربية في أزماتها الماحقة منذ 1967 م كانت حالة نشاز ، كانت شذوذاً عن القانون الحضاري ، حيث لم ترتفع حمى المرض في جسد الأمة ، فكانت قوى المناعة تغط في سبات عميق ، مع أن العالم العربي يتثاقف مع الغرب ، ويستهلك كل أدوات تحديثه([27]) .
بين “ الارتماء ” و “ الانكفاء ” أين تكمن المثاقفة الراشدة ، وما السبيل إلى تحقيقها ؟!
“ المرتمون ” و “ المنكفئون ” كُلٌّ يدعي الأصالة ، والانتماء . وكُلٌّ يرى في الآخر وجهاً من وجوه التخلف والانهزاميّة ، وسبباً من أسباب تعثر الأمة في شهودها الثقافي الخلاق .
“ المرتمون ” لا يُقرون باستلابهم الثقافي وغربتهم الفكرية ، و“ المنكفئون ” لا يعترفون بعجزهم وخوفهم من الجهاز المعرفي عند الغرب ، فالأزمة تكمن في القدرة لدى الفريقين على اكتشاف الذات ونقدها ، هناك استسلام مفعم بالطمأنينة في المعتقد والمنهج والمعرفة ، وليس هناك رغبة في الاعتراف بالقصور الذاتي والنقص (( هذه الغبطة هي العائق عن اكتشاف الفرد لذاته لأنه لم يدرك أنه يعيش استلاباً كاملاً ، فهو يتوهم أنه تام التفرد .. لذلك يندر في الناس من يخترق هذا العائق ؛ لأنه أصلاً لا يعلم بوجوده فلا يحاول اكتشافه فضلاً عن اختراقه ))([28]) .
إننا نؤمن إيماناً لا يداخله شك ، أن الغرب يعلن لنا العداء ، ويرى في الثقافة العربية الإسلامية خطراً ينعته الساسة والمفكرون الغربيون “ بالخطر الأخضر ” ولهذا يمارس الغرب بمراكز دراساته الاستراتيجية ، وترساناته الإعلامية ضغطاً هائلاً على مراكز الحس في الثقافة العربيّة الإسلاميّة ، ويسعى جاهداً لتفكيك بنيتها ، والتشكيك في مرجعيتها ، ويمجد هتك نسيجها الداخلي ، ويلتف حول الخارجين على قيمها الثابتة . كما حدث مع طه حسين ، وسلمان رشدي ، ونصر أبو زيد ، وفاطمة المرنيسي ، ومحمد شكري ، وأدونيس ، ومحمد أركون ، ويمارس قمعاً ثقافياً لمن يشب عن الطوق كما حدث مع محمد إقبال ، وعبد الوهاب المسيري ، وجارودي* .
وليست مؤسسة فرانكلين ، والمنظمة العالمية لحرية الثقافة ، وأندية الروتاري ورابطة مقاومة الهتلرية ، ومجلة الكاتب المصري وحوار وشعر إلاّ نماذج لمسخ الثقافة العربيّة ، واستقطاب مبدعيها إلى جبهاتها .
ونؤمن إيماناً تاماً أن الثقافة العربيّة تملك تصوّراً كونيّاً شاملاً للوجود من خلال مرجعيّة قطعية الثبوت هي القرآن الكريم والسنة النبوية ، وأن الخيرية التي كنا بسببها أعظم الأمم ، والأمانة التي حملناها ، والاستخلاف الذي ينتظرنا لا ترضى جميعاً لنا هذا السبات الثقافي ، وهذه الغيبوبة الفكريّة ، ونؤمن كذلك أننا نعيش حالة انقراضٍ ثقافي يحتاج إلى تدخل عاجل ومراجعة دؤوبة ونقد ذاتي لا يتوقف ونؤمن أن الغرب حقق من خلال مثاقفته معنا سبقاً حضارياً وثقافياً لا مثيل له ، يوجب علينا أن نفيد من تجاربه ، ونتثاقف معه فنعيش العصر ونحييه ونحياه في آنٍ واحد .

المثاقفة النقدية :
منذ منتصف القرن العشرين الميلادي والنقد العربي يعيش انفتاحاً على النقد الغربي بكافة تحولاته ابتداءً بمناهج الحتمية العلمية ( المنهج التاريخي - والمنهج النفسي - والمنهج الاجتماعي ) ومروراً بالأسلوبية والنقد الجديد وانتهاءً باللسانيات ونظريّة التلقي والنقد النسائي والنقد الثقافي .
وهذه المناهج تختلف في إجراءاتها وتصوّراتها وممارساتها ، فإذا كانت مناهج الحتمية العلميّة تتعامل فيما بينها مع النص الأدبي على أنه وثيقة تاريخية أو نفسية أو اجتماعية وتقف عند حدود المحيط الخارجي للنص ، فلا نجد في المنهج التاريخي إلاّ أسماء الناس والأماكن ، ولا نلمس في المنهج النفسي إلا عقد الكاتب وحصاراته ولا نستدل من المنهج الاجتماعي إلاّ على أحوال الناس وسلوكياتهم ومستوى المعيشة في المجتمع ، فإن الأسلوبيّة ركزت على النص وأولته اهتماماً خاصاً ، ما لبث عند أصحاب النقد الجديد أن تحول إلى بنية مغلقة على ذاتها ، فإذا كان النقد عند أصحاب الحتمية العلميّة مؤلفاً بلا نصّ ، فقد أصبح عند النقد الجديد نصاً بلا مؤلف([29]) .
وجاءت البنيوية لتجمع بين الطرفين وتضيف طرفاً ثالثاً هو المتلقي في البحث عن أنظمة النص ووحداته مع التركيز على النص الأدبي ، وما لبثت التفكيكيّة أن أماتت المؤلف ، والنص ، واستبقت المتلقي لتجعله مبدعاً يكتب نصاً موازياً للنص المكتوب([30]) .
وقد حاول الدكتور محمود أمين العالم أن يحصر لنا اتجاهات المثاقفة مع هذه المناهج النقدية في أربع مدارس تجمع عدداً من المناهج المختلفة في طرائق الإجراء المتفقة في جذورها الأبستمولوجية والفلسفية ، هي :
1 - المدرسة الوجدانية التي تضم النظرية الرومانتيكية كما في ممارسات مدرسة الديوان ، ومدرسة أبولو ، وجهود جبران خليل جبران ، وميخائيل نعيمة ، وتطبيقات المنهج النفسي عند أحمد محمد خلف الله ، والنويهي ، والخولي ، ومصطفى سويف ، ويحيى الرخاوي .
2 - مدرسة الذوق الفني كما تجلّت في نقد طه حسين الذي بدأه تقليدياً ثم متأثراً بمناهج الحتمية العلمية التاريخي عند هيبولت تين ، ثم الجمع بين منهج البحث العلمي والتذوق الفني بعد ذلك وكما نجد لدى محمد مندور - في نظراته النقدية
3 - المدرسة النقدية الجدلية : التي تتخذ من مفهوم الانعكاس أساساً في فحص العمل الأدبي ، كما في كتابات عصام حفني ناصف ، وسلامة موسى ، ومجلة الطليعة السورية ، وعمر فاخوري ، ومفيد الشوباشي ، ورئيف خوري . ثم مجلة الثقافة الجديدة ، وحسين مروّه ، والشرقاوي ، والخميسي ، ولويس عوض ، ومحمد دكروب ، وصلاح حافظ ، وعبد العظيم أنيس ، ومحمود العالم، وعبد المحسن طه بدر ، وغالي شكري ... الخ
ثم في أتباع البينوية التكوينية عند ( غولدمان ) أمثال : جابر عصفور ، ومحمد بنّيس ، ومحمد برادة ، وأتباع باختين أمثال : يُمنى العيد ، وسيد البحراوي ، وأمينة رشيد .
4 - المدرسة النقديّة الوضعيّة والبنيويّة كما في كتابات أدونيس ، وصلاح فضل ، وفريال غزول ، وسيزا قاسم ، وخالدة سعيد ، وكمال أبو ديب ، وعبد الفتاح كليطو ، والغذامي ، وعبد الكريم الخطيبـي([31]) .
وفي نهاية عرضه يسجل ملاحظات مهمة أهمها أن : (( التصورات الأساسيّة لهذا الفكر النقدي صدى لتصورات ومفاهيم نقدية أوروبيّة ، وإن كانت استجابة في أغلب الأحيان لاحتياجات اجتماعية موضوعية أسهمت في استيعابها وتشكيلها تشكيلاً خاصاً يتلاءم وهذه الاحتاجات ، ويعبر عنها بمستوى آخر )) ([32]) .
* هذه المناهج النقديّة التي استنسخها النقد العربي الحديث نتاج خصوصيّة ثقافية ، وتحوّلات فكرية واجتماعية مغايرة ، ولهذا لا يمكن تجريدها من خصوصيتها الثقافية وحمولاتها الفكريّة ، فهي (( بوصفها نظريات أو مقاربات أو أدوات بحثية تحليلية للأدب تحمل مضامين ثقافية تجعلها متلائمة مع بيئتها الحضارية الغربية ، وأن الناقد غير الغربي ، ونقصد به هنا الناقد الذي يحمل ثقافة عربية إسلامية مضطر إن هو أراد تطبيق أيٍّ من تلك المناهج على أدب أنتجته تلك الثقافة العربية إلى سلوك أحد سبيلين :
1 - أن يطبق تلك المناهج كما هي ، وبالتالي يتبنى سواءً أراد أم لم يرد المضامين والتوجهات الفكرية التي شكلت تلك المناهج ، ومثل ذلك التطبيق سيؤدي في الأغلب إلى إساءة فهم المادة الأدبية موضوع التحليل النقدي .
2 - أن يُحدث تغييراً جوهرياً في المنهج الغربي الذي يطبّقه إلى حد يجعل من الصعب القول بأن المنهج المطبق هو المنهج الأصلي ذاته .
أما القول بإمكانية فصل المنهج عن سياقه دون إحداث أية تغييرات ، أو بعد إدخال تعديلات طفيفة ، فهو نوع من الوهم الذي سرعان ما يتكشف تحت محك التحليل التاريخي للخلفية الثقافية الفلسفية التي تحملها تلك المناهج ))([33]) .
لكننا نجد عدداً من النقاد العرب يرفض هذا التصوّر ، ويرى إمكانية الفصل بين المنهج النقدي ومضمونه الفلسفي ، فعبد الله العروي مثلاً يقول :
(( يمكن أن ترفض التاريخانية أو البنيويّة كفلسفة ، وتوظف كمنهج للتحليل في حدود معيّنة ))(
[34]) ويذهب أبو ديب إلى أن البينوية ليست فلسفة (( لكنها طريقة في الرؤية والمنهج ومعاينة الوجود ))([35]) .
وهذا المنطق التبريري لا يثبت أمام البحث العلمي وقبل ذلك أمام صيرورة الأفكار ، وطبيعة الأشياء ، فالمناهج النقدية لا يمكن أن تنشأ من فراغ ، وما تحولات الخطاب النقدي الغربي إلا نتيجة لكشوفات العلوم التجريبية ، وتراكمات البنية الثقافيّة .
فالحتمية العلمية ثمرة من ثمار “ المادية ” التي كانت تشكل عصب الفكر الغربي في القرن التاسع عشر في الفيزياء والفسيولوجيا والفلسفة الوضعيّة .
المادية هي التي تفسر لنا حتمية العلاقة بين النص ومحيطه الخارجي ، وتربط بين الواقع والإبداع ، فالإبداع انعكاس لعلاقات الإنتاج ، ونتيجة حتمية للبيئة والمناخ والعرق([36]) .
وهي التي تكشف لنا منهج السلوكية ، والتحليل النفسي لدراسة النفس الإنسانية ، فالحقيقة كل ما هو مادي يمكن إدراكه بإحدى الحواس ، ولأن العقل لا يمكن إدراكه بإحدى الحواس قامت السلوكية بدراسة السلوك متخذة من نظرية الفعل المنعكس الشرطي سنداً لها . وذهبت مدرسة التحليل النفسي إلى أن الشعور لا أثر له في سلوك الإنسان ، فاللاشعور هو الذي يحدد سلوكيات الإنسان ، ويحكم حركته في الحياة . فالشخصية مثل كتلة الجليد العائمة لا يعلو منها إلا أقلها أما معظمها فهو مغمور بالماء([37]) .
وجاءت فيزياء القرن العشرين لتنقض هذه المسلمات التي قامت في ظلالها تلك المناهج فتحطمت فيزياء نيوتن على يدي إنشتاين ونظريته في النسبية التي أثبتت أن علاقات المكان والزمان وقوانين الحركة لا تُعرف إلا بالمواقف الشخصية للمراقب ، وليس بالحياد كما أقر نيوتن . وبناءً على هذا اكتشف الغربيون أن الميكانزم الآلي لا يطاق في فرع من فروع المعرفة مكرّس لخدمة البشر يُنظر من خلاله إلى الإنسان على أنه حيوان أو آلة صماء ، فهو قوّة واعية يجرّب ويقرّر ويتصرّف([38]) .
وجاءت الشكلانية والبنيويّة كنتيجة من نتائج العلم التجريبـي الذي لا يرى للذات دوراً في معرفة العالم ، لأنه لا يمكن إخضاعها لمبادئ القياس التجريبـي فكان محتوى اللغة هو اللغة ؛ لأن اللغة يمكن إخضاعها وقياسها بالمعايير التجريبية([39]) . وهذا يفسر لنا الاهتمام بالنص الأدبي عند هؤلاء .
وحين ثار الفكر الغربي على التجربة وآمن بقدرة العقل على إدراك المعرفة الكاملة جاءت التفكيكية ارتداداً إلى الذات وإيماناً بقيمة العقل في إدراك المعرفة، وهكذا ينشأ منهج نقدي في ظل التجريبية ، ليقوم على أنقاضه منهج آخر في ظلال “ المثاليّة ” .
إن البحث عن العقد والحصارات في النص الأدبي لا يمكن فصلها عن “ غريزة الجنس ” التي جعلها فرويد أم الغرائز ، وجعل كل نشاط إبداعي تسامياً بهذه العقدة المكبوتة ، حتى الله تعالى يفسره تفسيراً جنسياً ، تعالى الله عما يقول الجاهلون علواً كبيراً .
هذا التصور البهيمي لنشاط الإنسان وإبداعه لا يمكن قبوله ، فلا يمكن اختصار جهاد الإنسان وكدحه في غريزة حيوانية إلاّ إذا عُدنا إلى المهاد الفلسفي الأول لهذا الفكر وآمنا به وهو نظرية النشوء والارتقاء عند داروين .
ولا يمكن أن تتحول كلمات اللغة إلى رموز جنسيّة أو أسطورية إلا من خلال تغييب العقل ، واحتقار الإنسان ، والجهل بماهيته وغايته في هذه الحياة .
لقد أصبحت أعين الشعراء الجاهليين عند أصحاب المنهج الأسطوري شاخصة إلى السماء (( فإذا ركبوا نياقهم فإنما هم يركبون ناقة السماء الخالدة ، وإذا صوّروا الصراع بين الصياد الرامي ، أو الصياد الكلاّب وبعض حيوان الصحراء فإنما هم يتحدثون عن هذه المجموعات من كواكب السماء ونجومها ، وإذا صوروا ظبية أو مهاة أو نخلة فإنما هم يصورون الإلهة القديمة الشمس ، وإذا ذكروا ثوراً وحشياً فإنما هو ثور السماء المعبود لدى شعوب كثيرة ))([40]) .
ولا يمكن فهم مقولة البنية الفوقية والبنية التحتية عند جاكبسون بمعزل عن المقولة ذاتها عند ماركس ، فالدين والسياسة والثقافة ( البنية الفوقية ) لا يمكن دراستها بمعزل عن ( البنية التحتية ) القوى الاقتصادية والاجتماعية([41]) .
وليس موت المؤلف ، واللعب الحُرّ بالدوال ، وانتفاء القصدية ، وغياب المركز الثابت ، وتعدد القراءات سوى ثمرة من ثمار الشك في اليقينيات حتى أصبح النص - كما يصوره بارت - كصفحة السماء ، ناعمة منبسطة وعميقة من دون حواف أو علامات ، والقارئ كالعرّاف الذي يرسم عليها بطرف عصاه مربعاً وهميّاً يستطيع أن يستقريء منه حسب قواعد معينة ، حركة طيران الطيور([42]) .
ولهذا ليس للنص معنى ، ولا وجود لقراءة خاطئة ، فكل قراءة إساءة لقراءة سابقة .
إننا لا ننكر أن هذه معرفة لا يمكن تجاهلها ، لكنها “ معرفة منحازة ” للغرب ؛ لأنها نتاج تصورات خاصة ، ولا ننكر أن النقد العربي الحديث حقق من خلالها كشوفاً مهمة في قراءة النص النقدي والإبداعي ، لم تكن لتتحقق لولا وجود هذه المثاقفة ، لكن هذا النجاح كان مصحوباً بإخفاق أكبر منه فقد وُضِعت النصوص في كثير من الممارسات على أجهزة التعذيب ، وأجبرتها على الإفضاء باعترافات كاذبة وهذا ما أدركه شولز([43]) قبل أن ندركه نحن ، والأدهى من ذلك أنها شوّهت التشكيل الحضاري للأمة برمته([44]) . وقد كشف الدكتور سعد البازعي عن أربع سمات للخطاب الحداثي في النقد العربي الحديث في مثاقفته مع الغرب هي :
1 - مناهضة الفكر المحافظ في الثقافة العربيّة من خلال توظيف خطاب ذي منزع ليبرالي أو تقدمي يساري .
2 - النظر إلى الغرب بوصفه مركز القيادة الثقافية للعالم فالتحرر والتقدم والمعرفة لا تتم إلا من خلال المثاقفة معه .
3 - عزل المفاهيم والمناهج المستعارة عن سياقها المنهجي والثقافي ، إما جهلاً بها ، أو تهميشاً لها .
4 - الاضطراب والخلط بين المفاهيم والمناهج والسياقات في التنظير والممارسة الإجرائية([45]) .
“ المثاقفة النقدية ” تكشف لنا إشكالية الثقافة العربيّة في مثاقفتها مع الغرب في جميع المعارف ، فهي إشكالية منهج هذه الإشكالية يمكن اختصارها في اتجاهين متعارضين : (( أحدهما : يدعي الأصالة ولكنه منغلق عاجز . والثاني : يزعم التفتح ولكنه واقع في براثن التبعيّة والاستلاب ))([46]) .
وكثيراً ما يذهب أصحاب الاتجاه الثاني إلى الحديث عن نجاحهم في كسر شوكة الجبهة المضادة التي تراجعت إلى الصفوف الخلفية وانتقلت من مرحلة الهجوم إلى موقع الدفاع ، وأعلنت إفلاسها الثقافي عندما جمدت التراث في قوالب ثابتة مقابل التألق والتجدد وتعدد الرؤى عند أصحاب الاتجاه الأول كما يعبر سامي سويدان([47]) .
والانغلاق “ والانفتاح ” ، أو الرفض المطلق والقبول المطلق دليل تيه منهجي ومثاقفة بلا وعي (( لا الرفض بحد ذاته قادراً على إضعاف حضور تلك المناهج في سياقات حضارية غير سياقاتها ، ولا مجرد القبول ممكناً من منح تلك المناهج صفة الحياد الذي يمكنها من الانسجام الكامل داخل أطرٍ ثقافية غير أطرها الأصلية .. ))([48]) .

فأين يكمن “ المنهج ” وكيف تتحقق المثاقفة الراشدة ؟؟
أسهل الحلول بروز نزعة توفيقية في النقد العربي الحديث تدّعي توافق كثير من المفاهيم النقدية بين خطابين نقديين مختلفين “ غربي ” و “ عربي ” بحجة أن كثيراً من المفاهيم النقدية الجديدة عن الغرب ذات أصول ضاربة في تراثنا النقدي فالبيئة بوصفها سمة مميزة للإبداع موجودة عند الجاحظ والقاضي الجرجاني وابن رشيق ، والوجهة النفسية في تحليل النص الأدبي مبثوثة في تراث عبد القاهر ، والتناص هو السرقات الشعرية ، والبنية الفوقية والتحتية يمكن أن نجد لها أصولاً في “ المعنى ” و “ معنى المعنى ” .
وهذا “ التلفيق ” الذي يلغي الحمولات الفكرية ، وينتزع المفاهيم من سياقاتها ليس أقل ضلالاً من “ الانغلاق الفجّ ” والتشيّع الأعمى للذات أو للآخر . وخطورة هذا التوجه لا تنحصر في تخطيه للأبعاد الفلسفية للمناهج النقدية ، وإغفال المرجعية الفكرية للمفاهيم والمصطلحات وطرائق الإجراء فحسب . وإنما في كون التراث النقدي العربي يصبح مرهوناً في أصالته وقدرته على الانفتاح والتجدد بتعالقه مع المقولات النقدية الغربية الحديثة ، فهي التي دائماً تمنحه البقاء ، وتهبه شهادة استمرار الصلاحيّة .
يذهب الدكتور عبد العالي بو طيب إلى وجوب استحضار ثلاثة مباديء أساسية للتعامل المنهجي الذي يهدف إلى استثمار إيجابيات المناهج الغربية في نقد الأدب هي :
1 - ضرورة فهم المنهج في شموليته ، فهناك جانبان في كل منهج “ جانب مرئي ” يتمثل في وجود أدوات إجرائية تساعد على إدراك الحقيقة وتقديم الدليل عليها ، “ وجانب لا مرئي ” يتمثل في الخلفية النظرية المؤطرة للمنهج ، والمحددة لغاياته والعلاقة بين هذين الجانبين علاقة جدلية كعلاقة العلة بالمعلول ، والفهم العميق لا يتحقق إلا باستحضارهما معاً .
2 - قيمة المنهج في كفايته الإجرائية ، فكل المناهج صالحة بالقوة مهما اختلفت خلفياتها الايدلوجيّة مالم يثبت الفحص عكس ذلك ، فالإيمان بصلاحية المنهج أو عدم صلاحيته بدون فحص لكفايته “ تشيع أعمى ” منافٍ لأبسط قواعد البحث العلمي ، والاختبار يتحقق من خلال التماسك النظري للمنهج والقدرة الإجرائية أو التطبيق .
3 - قضية المنهج والإشكال الحضاري العام : فانقسامنا إلى تيارين متضادين مظهر لهذا الإشكال ، ظروف تاريخية تحتم الاقتباس ، وخصوصية ثقافية تفرض شروطاً موضوعية تضبط الاقتباس وترسم حدوده([49]) .
هذه المباديء الأساسية التي يطرحها الدكتور بو طيب ويطرحها غيره من النقاد العرب([50]) ، يدّعي العلم بها كثير من الناس ، وإن كانت الممارسات النقدية تنفي هذا العلم ، أو تكشف عواره .

المثاقفة النقدية مع الغرب مرّت بمرحلتين اثنتين :
1 - مرحلة الانبهار والتقليد .
2 - مرحلة التساؤل .
في مرحلة الانبهار والتقليد كان الناقد العربي يملأ خزائنه بكل جديد أو قديم من المفاهيم والآليات ، وهدفه الاستعراض الثقافي ، ومجاراة الموضات النقدية ، وإشعار الآخرين بالتفرد ، وقد مارس كثير من النقاد العرب على قرائهم “ قمعاً ثقافياً ” حيث يحيط الناقد نفسه بهالة من المافيا اللغوية التي يتمترس خلفها موهماً القاريء بدونيته ، وتخلفه ، وقصور وعيه ، وأصبح الاعتراض على أي ممارسة نقدية تقوم على آليات هذه المناهج سمة التخلف والانحطاط الفكري ، وهذا العنف في الطرح كان له عنف مضاد استخدم لغة التشهير ، والاستعداء ، بدلاً من نقد الذات ، والمراجعة ، والاعتراف بالانطفاء والتبلد ، ولم تزل هذه المرحلة تلقي بظلالها على الخطاب النقدي العربي ، وتمسك بمفاصله ، وتتحكم في حركته . وهذا ما نجده عند كمال أبو ديب في “ الرؤى المقنّعة ” ، وسعيد بن سعيد في “ حداثة السؤال ” وجابر عصفور في كثير من دراساته المنشورة بمجلة فصول ، وأدونيس في “ صدمة الحداثة ” وغيرهم .
وفي مرحلة التساؤل بدأت تظهر نغمة جديدة من “ الشك والتساؤل ” في الظهور على السطح ، عن وضع النقد العربي المعاصر الذي عجز عن صياغة نظرية نقدية عربية تنتمي إلى التراث الإسلامي ، وتعي شروط العصر ، وبدلاً من “ السجال المغالط ” “ وحوار العنف ” بدأنا نجد اعترافات بالتيه المنهجي ، والمثاقفة غير المتكافئة كما ظهر جلياً في كتابات الدكتور شكري عياد ، وعباس الجراري ، وحسن المنيعي ، وحسين الواد ، وإدريس الزمزاني ، وعبد العالي بو طيب ، وعبد العزيز حمودة ، ومصطفى ناصف ، وعبد القادر القط ، ووهب رومية وغيرهم .
وظهر ما يسمى “ بالنقد الإسلامي ” الذي يقدم نفسه بديلاً ، وحلاً لإشكالية المنهج كما نجده في جهود عماد الدين خليل ، ونجيب الكيلاني صاحب مفهوم “ الإسلاميّة ” وعددٍ كبير من أعضاء رابطة الأدب الإسلامي . ولكن حضور هذا المنهج ظل ضعيفاً ، واصطبغت ممارسات نقاده بالسطحية والهشاشة إلى حدّ كبير .
وهذا التساؤل المطروح لم يكن مقتصراً على المثاقفة النقدية ، فقد أصبح شغل كبار المفكرين العرب في الفترة الأخيرة البحث عن أسباب تعثرنا الثقافي وركودنا الحضاري الأمر الذي استدعى مراجعة الثقافة العربية ونقدها وتفكيك آلياتها ، تارة بآليات غربية ورؤية انتقائية متعسفة كما نجده عند أدونيس ومحمد عابد الجابري ، وفؤاد زكريا ، وحسن حنفي ، والطيب التيزني ، وجابر عصفور ، والعروي وأركون وبرهان غليون ، وغيرهم ، وتارة برؤية عربيّة باحثة عن منقذ يعضدها إحساس بقيمة العقل العربي وعظمة تراث الإسلام كما نجده عند محمد جابر الأنصاري ، وعبد الحميد أبو سليمان ، وعماد الدين خليل ، وطه جابر العلواني ، ومحمد قطب ، وفهمي جدعان ، ومحمود شاكر ، وجودت سعيد ، وخالص جلبي ، وعبد الكريم بكّار ، وجمال سلطان وغيرهم .

الثقافة العربية تدخل ألفيتها الثانية* في غبشٍ من التصوّر أفقدها كثيراً من القيم ، وأدخلتها المثاقفة غير المتكافئة نفقاً مظلماً لا يمكن الخروج منه إلا باستراتيجية* واعية تستشعر عالمية الإسلام ، وخصوصية الثقافة ، وكرامة الإنسان واستخلافه .
* المثاقفة غير المتكافئة سلخت من أذهان المثقفين العرب “ حقيقة الثقافة ” حيث إن الثقافة في العربية تعني مجموعة من الدلالات المهمّة .
1 - مضمون مفهوم الثقافة نابعٌ من الذات الإنسانية ، لا يُغرس فيها من الخارج فكلمة ثقافة تعني تهذيب الفطرة البشرية وتقويم اعوجاجها وإطلاق طاقاتها .
2 - مفهوم الثقافة يعني التنقيب عن قيم الحق والخير والعدل ، وهي قيم تهذب الوجود وتقوّم اعوجاجه ، وكل قيمة تناهض هذه القيمة لا تتسق مع مقتضيات التهذيب .
3 - مفهوم الثقافة مرتبط بالفطنة والذكاء يقال : غلام لَقِنٌ ثقف أي ذو فطنة وذكاء . والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه ، فتكديس الأفكار الميتة أو المميتة كما يرى مالك بن نبي ليس وعياً ، وإنما الوعي في إدراك ما تقتضي الحاجة إلى معرفته لصناعة الحياة ، وإصلاح المجتمع .
4 - مفهوم الثقافة في أصله العربي مرتبط بالنقد الذاتي والمراجعة والتهذيب والإصلاح .
5 - مفهوم الثقافة لا يحمل أحكاماً قيمية تحدد نوعية الثقافة وحشية أو بربرية أو بدائية أو مستنيرة ، فالتهذيب يجعل من الثقافات انطلاقاً من قيم المجتمعات التي تنتمي إليها ، وظروفها التي تعيشها على درجة واحدة من القيمة الإنسانية([51]) .
6 - مفهوم الثقافة يعني التمكن والغلبة .
وهذه الدلالات لا نجدها في المفهوم الغربي للثقافة الذي يعني زراعة الأرض، (( الكل المركب الذي يشمل المعارف والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القــدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع ))([52]) .
فليس هناك بحث عن قيم الحق الخير والعدل ، وليس هنا دلالة على إصلاح اجتماعي ، أو نقد ومراجعة ، ولهذا انطلاقاً من هذا المفهوم يمكن فهم ممارسات الغرب تجاه أبناء المجتمعات الأخرى ، وتفسير ثقافة الرجل الأبيض التي يسعى لزرعها في عقول الناس بالقوة ، وليست مفاهيم “ الانتشار الثقافي ” و “ اللحاق بالركب ” و “ تضييق الفجوة ” و “ الثورات الثقافية ” و “ الدور التحضيري لأوروبا ” ([53]) ، ونهاية التاريخ و “ صدام الحضارات ” إلاّ نتاجاً لمفهوم الثقافة في سياقها الغربي .
وفرضت المثاقفة النقدية غير الراشدة مفاهيم شديدة الخطورة على تراثنا وذوقنا الجمالي ، ونظريتنا الأدبية ، فالنص مثلاً في التراث العربي يعني الرفع والإسناد يقال : نصَّ الحديث ينصُّه نصاً رفعه ، وكُلّ ما أظهِر فقد نُصّ ، وقال عمرو بن دينار : ما رأيت رجلاً أنصَّ للحديث من الزُّهري : أي أرفع له وأسند([54]) .
وفي تاج العروس : (( النصّ بمعنى الرفع والظهور . قلت : ومنه أخذ نص القرآن والحديث وهو : اللفظ الدال على معنى لا يحتمل غيره .. ))([55])(( فأين هذا من المدلول اليوناني حيث تحمل الكلمة معنى “ النسيج ” و “ التداخل ” وهو المعنى الذي مهد لظهور نظرية النصوصية ، أو اشتباك النصوص ببعضها بشكل نسيجي ))([56]) .
وجرتنا هذه المثاقفة إلى القول بأن الشاعر صانع أشكال ، لا صانع أفكار ، وأصبح هوس البحث عن الأشكال الجديدة سمة للإبداع والتفرد ابتداءً بقصيدة التفعيلة ، ومروراً بالقصيدة الكلية ، وانتهاءً بالقصيدة التوقيعة وقصيدة النثر ، والشعر في العربية يعني العلم والفطنة ، وإنما سمي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بمالا يشعر به غيره .
وبدلاً من أن يكون النقد “ تقويماً وتأويلاً ” أصبح بحوثاً في التاريخ وأحوال النفس الإنسانية ، وعلاقات المجتمع ، وقراءات إسقاطية للأساطير والخرافات وترميزاً للواضح الجليّ ، وتلاعباً بالدوال ، ورسوماً هندسية ، وإحصاءات حسابية ، وقراءات شارحة ومتيالغة بحجة أن النقد فلسفة وليس لعبة يتوسط فيها الناقد بين النص والمتلقي .
المثاقفة الراشدة نقدية أو غير نقدية تحتاج أولاً إلى أسس متينة تقوم عليها ، تتمثل في الإيمان اليقيني بخصوصية الثقافة العربية الإسلامية ، وأنها نتاج مرجعية مميزة ، فالتفريط في هذه الخصوصية ، أو التهاون في ثوابت هذه المرجعية الخالدة خيانة لله وللأمة .
لكن هذا الإيمان اليقيني لا يتحقق بالوعود وكتابة الاستراتيجيات على الورق وإنما يتحقق ببناء المؤسسات الثقافية وتشييد مراكز البحث وبناء العقول الواعية ، والمراجعة الدؤوبة والنقد الذاتي والتثقيف المتواصل للمناهج والمعرفة.
لقد عجزت المؤسسات الثقافية في الوطن العربي عن إيجاد “ الكتلة الحرجة ” من العقول الحية التي تؤمن بأن الثقافة والمثاقفة غربلة دائمة ، وتهذيب متجدد ، فنشأت أجيال من “ المثقفين الموظفين ” تتخذ مسارين متعاكسين “ هروب من الثقافة العربية ” و “ هروب إلى الثقافة العربية ” وكلا المسارين نتاج صناعة ثقافة رديئة .
المثاقفة الراشدة إيمان بأن الحكمة ضالة المؤمن ، ولكن الحكمة إبرة في كومة من القش تحتاج إلى صبر ومهارة في آن واحد . وهذا هو المنهج الذي نبحث عنه منذ أن كتب شكيب أرسلان قبل مائة عام لماذا تقدم الغرب ، وتخلف المسلمون ، وها نحن نعيد السؤال مرة أخرى بعد قرن من الزمان ، فأين المنهج ، وكيف يتحقق ؟ هذا هو السؤال .
ولو أني جُعلــت أميرَ جيشٍ لما قاتلتُ إلاّ بالســؤالِ
فـإنّ الناس ينهزمـون عنـه وقد ثبتوا لأطراف العوالي([57])
علم النفس - السند الفلسفي

فكر الأمة يشكل منظومة من الوعي في التصور والممارسة تنبثق من رؤية خاصة للكون والإنسان والحياة . ولهذا فإن نزع الأفكار من سياقاتها التي نبتت فيها نظر للشيء من غير جهته ؛ بمقتضاه يغدو تفكيك تلك الأفكار وعرضها تحت مجهر النقد أمراً يفتقر إلى أبجديات المنهج العلمي الصحيح ، ومن ثم تكون الأحكام المبنية على هذا النظر - وإن وقفت على شيء وأدركت أبعاده - مفتقرة إلى رؤية شمولية تتتبّع خيوط الأفكار كما نمت في رؤية الأمة التي نسجتها في ظلال تصور كوني خاص .
وعلم النفس بوصفه منظومة من الوعي بالسلوك ، لا يصح النظر إليه ومحاكمته بمعزل عن سياقه الفكري والتاريخي والاجتماعي ، الذي استمد منه رؤيته ، وتحددت بموجبه أنساقه .
لقد نشأ هذا العلم في عصر التنوير في أوروبا معتمداً على ثلاثة علوم هي :
1 - الفيزياء .
2 - الفسيولوجيا .
3 - الفلسفة العقلية([58]) .
وهذه العلوم الثلاثة تشكل لحمة الفكر المادي وسداه في الخطاب الغربي الحديث في القرن التاسع عشر الميلادي .
في الفيزياء ظهرت قوانين الحركة الآلية عند “ جاليلو ” و “ نيوتن ” فأكدا ما ذهب إليه “ كوبرنيقوس ” ونقضا نظرية “ بطليموس ” التي كانت تدين بها الكنيسة وتقول : إن الأرض هي مركز الكون ، وإن الأجرام السماوية تدور حول هذا المركز([59]) . جاء “ كوبرنيقوس ” فاكتشف في كتابه “ حركات الأجرام السماوية ” أن الأرض هي التي تدور حول الأجرام ، وأيد جاليلو بتلسكوبه الذي صنعه ذلك عملياً ، وعاد عن ذلك تحت تعذيب الكنسية ، وجاء “ نيوتن ” بقانون الجاذبية وأيده بقانون رياضي مطرد([60]) .
وجوهر ما ذهب إليه “ جاليلو ” و “ نيوتن ” (( أن الكون آلة ضخمة ))([61]) وفسر “ نيوتن ” جميع ما يحدث في الكون على أساسٍ من حركة أجزاء المادة بنظريته التي تقول : (( إنه من الممكن تفسير ظواهر الطبيعة بربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل قوى خارجية عنها ))([62]) أي أن الكون شبيه بالآلة في حركته .
وعرّف الفيزيائيون المادة بأنها : (( ما شغلت حيزاً من الفراغ ، وهي صلبة وبسيطة وواضحة للعيان ))([63]) وأن حركتها محكومة بنظام آلي لا يختل ، فتركيب المادة ، وترتيب أجزائها المكونة لها هما مصدر فهم الحركة وتفسيرها
(( فما نحس به ، وما يفوح عن الزهر من العطر ، أو ينبثق عن الشمس الغاربة من اللون ، أو ما نشعر به من المخاوف والآمال .. جميع هذه الظواهر مردها تبعاً للمذهب المادي إلى حركات أجزاء صغيرة من المادة ، تنطلق في الفضاء طبقاً لقوانين حتمية حاسمة ، هذه الأجزاء الصغيرة هي التي يتولد عنها علمنا بها ، فليس العقل بعبارة أخرى إلا شعور هذه الأجزاء الصغيرة بذاتها ))([64]) وبهذا يصادر المنهج المادي في فيزياء القرن التاسع عشر قيمة الإنسان الذي كرمه الله بالقوة العاقلة يقول جود : (( لكن هذا الانتصار التجريبـي للمادية ، كان يعاني من نقص كبير ، لقد سلب الإنسان أهميته في النظام الكوني للأشياء، وأنكر عليه حقيقة عقله ، ليس في تصميم الكون ما يدعو إلى إعلاء الإنسان )) ([65]) .
فنتج عن هذا القصور المادي للكون المحكوم بميكانزم آلي لا يختل (( أن الأشيـــاء الحقيقــية إنما هي الأشياء المادية وحدها ))([66]) لأنها هي التي يمكن أن تدركها الحاسة ، وما سوى ذلك فهو الوهم ، لأنه (( ما من شيء يمكن أن يكون حقيقياً إلا وهو قابل من الناحية النظرية ؛ لأن يدرك بالحواس ، ومن هنا فإن البحث في طبيعة الأشياء المحسوسة وتحليلها إلى عناصرها وذراتها ؛ إنما هو معالجة للحقيقة بصورة مباشرة ، أما تصور القيم الأخلاقية ، وتأمل الخبرات الدينية والاستمتاع بها مثلاً ، فليس إلا خبط عشواء وجرياً وراء السراب ))([67]) .
وفي ضوء هذا التفسير المادي لحقيقة الكون لم تفهم طائفة علماء الفسيولوجيا الحياة إلا أنها (( نتيجة عرضية لسلسلة عمليات مادية لا حياة فيها، ولم تر العقل إلا أنه نشاط متولد عن الدماغ ))([68]) وظهر اليهودي الانجليزي تشارلز دارون بكتابه “ أصل الأنواع ” الذي ذهب فيه إلى أن الحياة تطورت شيئاً فشيئاً ، من الكائنات العضوية إلى الإنسان ، لقد كانت نطفاً هلامية في زبد البحر ، فظهرت “ الأميبا ” في المياه الدافئة ، قبل ستمائة مليون سنة ، وخرجت إلى اليابسة حيث تناسلت في هيئة زواحف ضخمة ، ثم في هيئة طيور ولبائن أنجبت قرد مدغشقر ، الذي ظهرت عنه سلالتان هما الإنسان ، وقرود تشبه الإنسان ))([69]) .
وبحسب قانون “ الانتخاب وبقاء الأصلح ” عاشت الأنواع التي استطاعت التكيف مع الطبيعة ، بفضل ما وهبتها الطبيعة من صفات نوعية ساعدتها على البقاء([70]) . وكان ذلك كله يتم بدون منطق منظم([71]) .
(( ولم يزد علم الأحياء الحديث عن إيراد التفاصيل ووضع النقط على الحروف في ذلك الاكتشاف ))([72]) .
وذهبت الفلسفة العقلية في عصر التنوير إلى الثورة على الكنيسة ، ونقض مسلماتها من خلال الاعتماد على العقل ، وإعلاء مكانته فجاء ديكارت بفلسفة الكوجيتو أنا أشك فأنا أفكر ، وأنا أفكر : فأنا موجود([73]) . أي الاستدلال على وجود النفس بالفكر([74]) .
جاء ديكارت وقد أثبت علم الآليات أن حركة المادة تخضع لقانون معلوم ، لكن هذا لم يعجب الفلاسفة ، ولم ينكروه في آن واحد ، فسعوا إلى التوفيق بين الرؤيتين ، فذهبوا إلى أن العقل والجسم يقعان في خطين متوازيين ، وإذا كان وقع لأحدهما حادث ، ووقع لصاحبه حادث آخر فإن هذا لا يعني أن الحادث العقلي ناتج عن حادث جسمي، لأن هذا معناه تبادل التأثير بينهما، فمرد هذا التأثير هو العناية الإلهية تلك العناية التي تجعل اليد تمتد إلى الطعام عند الإحساس بالجوع وهذه النظرية المعروفة عند تلاميذ ديكارت بنظرية الموازاة([75]) .
وجاء العلم في القرن التاسع عشر فرفض هذه الفكرة التي ترد حركة الجسم والعقل إلى العناية الإلهية فهذه تعاليم الكنيسة التي لا يقوم العلم إلا على أنقاضها ، فقال العلماء والفلاسفة إن العقل (( نوع مهذب راق من المادة ، يمكن تصوره باعتباره هالة من الإشعاع تحيط بالدماغ ، كتلك الهالة من الضياء تشع عن رؤوس القديسين ، ووظيفة هذه الهالة هي أن تعكس الأحداث التي تقع في الدماغ ))([76]) .
وهذا المنهج العقلي الذي دعا إليه “ ديكارت ” ، لتطبيقه على مناحي الفكر والحياة ما عدا الدين ، ذهب إليه “ روجر بيكون ” صاحب المنهج التجريبـي - ففصل بين ما هو بشري ، وما هو إلهي ، لكن هذا الخوف مما هو إلهي تلاشى على يد “ سبينوزا ” واضع أسس مدرسة النقد التاريخي الداعية إلى إخضاع الكتب المقدسة للبحث العقلي ، وكأنها تراث بشري([77]) . وعزز هذا التوجه الجديد “ جان لوك ” القائل : (( من استبعد العقل ليفسح للوحي مجالاً فقد أطفأ نور عينيه كلتيهما وكان مثله كمثل من يقنع إنساناً بأن يفقأ عينيه ، ويستعيض عنهما بنور خافت يتلقاه بواسطة المرقب من نجم سحيق ))([78]) .
لقد اتضح لنا أن العلوم الطبيعية تشكل وحدة واحدة جذرها الفيزياء والكيمياء وتتفرع منهـا علوم الحياة وعلم النفس . الفيزياء والكيمياء يبحثان المادة في صورتها الأولى البسيطة ، وعلم الحياة وعلم النفس يتناولان المادة في صورتها المعقدة([79]) .
وهذه العلوم الطبيعية تقوم على عدد من الأسس هي :
1 - وحدة الكون أو وحدة العلوم . ولهذا يقولون : (( إن الوحدة الحقيقية للعالم تنحصر في ماديته ))([80]) .
2 - الميكانزم ويعني أن الكون آلة ضخمة ، وأن سلوك الإنسان وظيفة من وظائف الميكانزم يمكن معرفته وتفسيره من الكائن ذاته .
3 - الإجرائية : وتعني صحة النظرية العلمية القائمة على الإجراء .
4 - الحتمية : فكل معلول ناتج عن علة([81]) .

مدارس علم النفس

وفي ظل هذا التصور الكوني للعالم والحياة نشأ التصور الخاص بالإنسان في علم النفس الغربي من خلال مدرستين اثنتين هما :
1 - السلوكية .
2 - التحليل النفسي .

1 - السلوكية :
ظهرت السلوكية في علم النفس الأمريكي على يدي “ جون واطسون ” ، الذي سعى إلى دراسة السلوك دراسة موضوعية([82]) متأثراً في منهجه بالمنهج التجريبـي للعلم في القرن التاسع عشر الذي حصر الحقيقة في كل ما هو مادي، يمكن إدراكه بإحدى الحواس ، ولما كان العقل غير ذلك جعلت السلوكية دراسة السلوك مقصورة على ما يمكن إدراكه وهو الحركة متخذة من نظرية “ الفعل المنعكس الشرطي ” في تجارب “ بافلوف ” على الكلاب سنداً لها وهي نظرية تتلخص في ما يسمى “ بالمثير والاستجابة ” ، فهناك مثير يثير العقل فيحدث استجابة لدى الجسم ، ولهذا كان الدماغ أشبه ما يكون بمحطة الاستقبال عند “ بافلوف ” ، يستقبل الدوافع سواءً كانت دوافع حث ، أم دوافع كف فتؤدي إما إلى التهيج وإما إلى القمع ونتيجة لهذا القمع الذي يحدث للدوافع يحصل تعديل في الشبكة العصبيّة في الدماغ ويتم ذلك بصورة آلية لا دخل للإنسان فيها([83]).
لقد ألغت السلوكية قيمة العقل في السلوك ، فهي وإن آمنت بوجوده ، فإنها لا ترى له سلطة على سلوك الكائن الحي ، وهذا ما ذهب إليه أصحاب نظرية الموازاة ، فالإنسان (( ما هو إلا جسم ، أما الشعور فلا يعدو أن يكون حصيلة ثانوية لعمليات جسمية ، يصاحبها أحياناً ، وإن كان ذلك يحدث بصورة عرضية ))([84]) ، وهذا ما ذهب إليه “ ماركس ” حين جعل مشاعر الإنسان تالية لوجوده . يقول : (( في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محددة لا غنى عنها ، وهي مستقلة عن إرادتهم ، وعلاقات الإنتاج تطابق مرحلة محدودة من تطور قواهم المادية في الإنتاج ، والمجموع الكلي لهذه العلاقات يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع ، وهو الأساس الحقيقي الذي تقوم عليه النظم القانونية والسياسية والتي تطابقها أشكال محدودة من الوعي الاجتماعي . فأسلوب الإنتاج في الحياة المادية هو الذي يعين الصفة العامة للعمليات الاجتماعية والسياسية والمعنوية في الحياة . ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم ، بل إن وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم ))([85]) .
لقد جاءت السلوكية لتسد ثغرة في الميكانزم المادي لحركة الكون ، فكان الميكانزم العصبي كما تصوره السلوكية بحثاً عن قانون ذلك الميكانزم في جانب النفس الإنسانية يقول هاري ويلز : (( لقد ظلت المادية تعاني ضعفاً ما منذ أن كانت تفتقد هذه الحلقة أي منذ كان الميكانزم العصبي مجهولاً ، واستغل المثاليون هذا الضعف واستفاد منه الرجعيون لنشر الجهل وتشويش الفكر وخلق أساطير عن الطبيعة البشرية ))([86]) .
وبهذا التصور أصبح الإنسان كالحيوان لا عقل له ، فهو منقاد لدوافعه التي تدفعه وفق قانون لا يختلف ، وكأنه ترس في آلة . وبهذا يفقد الإنسان في هذا التصور أغلى ما يملك وهو العقل ، وليس غريباً أن تصل السلوكية إلى هذا التصور فهي تبني نظرتها على فكرة أصل الأنواع عند “ دارون ” الذي يجعل الإنسان حيواناً متطوراً ، وعلى نظرية “ بافلوف ” في ردود أفعال الكلاب على عددٍ من المثيرات .

2 - التحليل النفسي :
التحليل النفسي هو المدرسة الأخرى في علم النفس ، وقد ذهبت هذه المدرسة في تحليل الشخصية إلى أن الشعور لا أثر له في سلوك الإنسان ، فاللاشعور هو الذي يحدد سلوكيات الإنسان ، ويحكم حركته في الحياة (( فالشخصية الإنسانية مثل كتلة الجليد العائمة في البحار القريبة من القطب لا يعلو منها فوق سطح البحر إلا جزء ضئيل ، ويبقى معظمها مغموراً بالماء ، وكذلك الشعور يؤلف جزءاً ضئيلاً من العقل ، أما الباقي وهو ما يُعرف باللاشعور أو العقل الباطن فهو الجزء الأعظم ، وليس ذلك فحسب بل إنه الجزء المهم من العقل ))([87]) .
ويعود الفضل في بروز هذه المدرسة إلى الطبيب النمساوي “ سيجموند فرويد ” عندما أصدر عدداً من الدراسات التي تبحث في اللاشعور أو ما يسمى بالعقل الباطن ، ثم جاء بعده عدد من تلاميذه أبرزهم “ إدلر ” و “ يونج ” . وقد كان غرض هذه المدرسة الكشف عن طبيعة القوى اللاشعورية في النفس الإنسانية([88]) .
1 - فرويد :
قدم فرويد نظرية مهمة ، وذائعة الصيت في تحليل الشخصية ، فقد كان طبيباً نفسياً يعالج العصابيين([89]) فأراد فهم سلوكياتهم ، وتوجيهها وجهة صحيحة([90]) . فجعل “ اللاشعور الشخصي ” محور السلوك الإنساني وهو (( مجموعة العوامل النفسية والفسيولوجية غير المحسوسة التي توثر في السلوك البشري ))([91]) ، ولا يمكن فهم اللاشعور الشخصي عند فرويد بمعزل عن حديثه عن قوى النفس الثلاث الهو ، والأنا ، والأنا الأعلى .
أما الهو فمعناه (( كل ما هو موروث ، كل ما يظهر عند الميلاد ، كل ما هو مثبت في الجبلّة ))([92]) .
وأما الأنا فالخصائص الرئيسة له أنه يسيطر على الحركة الإرادية ، ويحفظ الذات([93]) .
وأما الأنا الأعلى فهو (( راسب من رواسب فترة الطفولة الطويلة التي يعيش فيها الإنسان الناشيء معتمداً على والديه تتكون في الأنا منظمة خاصة يمتد فيها تأثير الوالدين هذا ))([94]) .
إن كل ما يثبت في الجبلّة عند “ فرويد ” هو الطاقة الجنسية التي تبدأ من المرحلة الفمية عند الطفل (( فإلحاح الطفل في المص وتشبثه به في مرحلة مبكرة ينم بوضوح عن حاجة إلى الإشباع ، على الرغم من أنها حاجة تنبعث عن تناول الغذاء وتتأثر به إلا أنها تسعى إلى الحصول على لذة مستقلة عن التغذية ، وبالتالي يمكن ويجب أن توصف بأنها جنسية ))([95]) ، وتتطور طاقة “ اللّبيدو ” مع الطفل إلى المرحلة السادية الشرجية والمرحلة القضيبية التي يتجلى فيها الشكل النهائي للحياة الجنسية([96]) . ويأتي دور الأنا أو الذات الواعية التي تحاول الموازنة بين الرغبات الخاصة ، والواقع الخارجي بكل ما فيه من سلطة وقيم اجتماعية ، والأنا الأعلى (( ينشأ من تلبس الطفل بشخصية والده وحينئذ تنشأ “ عقدة أو ديب ” كنتيجة طبيعية لحب الولد لأمه جنسياً ، يحول وجود الأب دون تحقيقه ، فيتكون في نفس الطفل نحو أبيه شعور مزدوج طرفاه الحب والكراهية في آن واحد . ثم يتخلص الطفل من هذا الصراع أما البنت فإنها تتخذ المقابــل، وتتخــلص من العقدة [ عقدة أليكترا ] بزيادة تلبسها بشخصية أمها وعند ذلك ينشأ الضمير. وتكون مهمــته الكبت والقمــع للشهوات الجنسية غير المرغوب فيها ، وذلك لحماية الذات من عسف ذوي السلطــان في الـخارج الأب أو المجتمع أو الدين أو التقاليد ))([97]) .
وعلى هذا فغريزة الجنس هي عاصمة الغرائز ، ينشأ الإنسان حاملاً في أعماقه هذه البذرة التي تصبح المحرك الرئيس لطاقاته في الحياة ، ويغدو همه الوحيد في حياته هو إفراغ هذه الطاقة ، إلا أن ذلك لا يتحقق على الوجه الأكمل حفاظاً على قيم المجتمع ، وخوفاً من تعاليم السلطة ، وهنا يأتي الحلم الذي تتحقق فيه الرغبة حين يخلد الأنا الأعلى في سباته العميق .
(( وقد يكون الحلم صريحاً وواضحاً وربما لا يكون . وإذ ذاك تصبح لصور الحلم دلالة رمزية ، فالصور التي تظهر في الحلم رموز الحقائق في اللاشعور : فالطائر ليس طائراً حقيقة بل رمزاً لشيء آخر قد يكون أما أو أباً ، والطيران شبق جنسي ، والسير إلى الشمال رغبة في الزنا بالمحارم ))([98]) .
ومن هذا المنظور ذهب فرويد إلى تفسير الدين والأخلاق والفن فليست هذه الأشياء إلا تعويضاً عن الدوافع الغريزيّة لدى الإنسان فالدين (( يستقي أصوله من رغبتنا إلى الرعاية السماوية التي نتصورها في صورة الأب الحنون الذي يحل محل الأب الحقيقي لأن هذا لا يلبث أن يخيب آمالنا كلما شببنا عن الطوق ، وبلغنا مبلغ الرجولة )) ([99]) والأخلاق ما هي (( إلا قواعد أوجدها الإنسان لتكون كالحاجز تصد غرائزه التي لو انطلقت من زمامها لجعلت النظام الاجتماعي أمراً مستحيلاً ))([100]) أما الفن فقيمته (( إنما تنبثق من حاجة الإنسان إلى أن يبتدع أنواعاً من الوهم تقيه من النظر إلى الأشياء كما هي في حقيقتها مما لا يسهل على الإنسان أن يحتمله ))([101]) .
وهذا هو ما يسميه “ فرويد ” بالتسامي ، فالأنا بوصفها المسيطر على الحركات الإرادية تتقبل الدافع الغريزي وتتسامى به وذلك بأن تحيله من صورته التي هو عليها أو من وضعه إلى وضع آخر ذي قيمة ، وهو ما عبر عنه بقوله :
(( إن المنبهات القوية الصادرة عن المصادر الجنسية المختلفة تنصرف وتستخدم في ميادين أخرى بحيث تؤدي الميول التي كانت خطرة في البداية إلى زيادة القدرات والنشاط النفسي زيادة ملحوظة . تلك إحدى مصادر الإنتاج الفني ، وإن تحليل شخصية الأفراد ذوي المواهب الفنية ليدلنا على العلاقات المتغيرة القائمة بين الخلق الفني والانحراف والعصـــاب ، بقدر ما كان التسامي كاملاً أم ناقصاً... وإن الجانب الأكبر لما نسميه الطبع مركب من مادة المنبهات الجنسية ومؤلف من ميول ثبتت منذ الطفولة أو اكتسبت عن طريق التسامي أبنية الغاية منها كبت الاتجاهات المنحرفة التي استحال استخدامها ))(
[102]) .
وعلى هذا فالإبداع الفني إنما هو إعلاء لدافع غريزي أو جنسي على وجه التحديد .
وحين اتجه “ فرويد ” إلى التحليل النفسي للإبداع الفني نظر إليه في إطار من تشبيهه باللعب والتخيل والحلم وربط ذلك بالإنسان فالإنسان (( يلعب طفلاً ، ويتخيل مراهقاً ، ويحلم أحلام يقظة وأحلام نوم ))([103]) والطفل حين يلعب ، والمراهق عندما يتخيل ، أو يحلم أحلام يقظة أو أحلام نوم فإنه يبني له عالمه الخاص به ، والإبداع من حيث هو مشابه للحلم ، لأنه هروب من سلطة الرقيب ، تحت قناع مخادع هو الرمز الذي ينطوي على دلالتين ظاهرة وباطنة([104]) . (( وأغلب الرموز في الحلم رموز جنسية ))([105]) .
ومهمة المحلل النفسي أن يكشف دلالات هذه الرموز الجنسية التي يستحيل فيها الإبداع إلى استراتيجية من الدعارة المقنعة ، والهوس الجنسي المراوغ ؛ لأن (( كل قائم في صورة إنما يرمز إلى عضو الذكورة ، وأن كل تجويف يعني أعضاء المرأة التناسلية ، وأن العمود أو التمثال المنحوت لجسم إنسان منتصب لم يكن في الأصل غير رمز لعضو التناسل ، وأن الجزء الداخلي من المبني يرمز إلى رحم المرأة ))([106]) .
واستوقفت فرويد سيكلوجية التلقي فرأى أن الفنان يقدم لمتلقيه بفنه رشوة ، ينال من خلالها المتعة التي تغريه بالاندفاع نحو متعة أعمق حين يصبح حالماً مع الفنان([107]) .
والمبدع الحقيقي عند فرويد هو الذي يخلع على أحلامه الخاصة طابع الفن ، ولا يكون ذلك إلا بطمس النزوع الذاتي ، وإضفاء صفة الإنسانية من خلال التعالي على البواعث الخاصة للأحلام([108]) .
ويشعر المتلقي بلذة الإبداع حينما يشاهد نوازعه التي عجز عن تحقيقها تتحقق أمام عينيه ، فيكون الفن بمثابة العزاء الذي ينتزعه من إحساسه بالحرمان من الوصول إلى غاياته التي يطمح إليها([109]) .
ويكاد ينحصر جهد “ فرويد ” في التحليل النفسي للإبداع من خلال ثلاثة أعمال هي :
1 - أعمال الفنان الإيطالي الشهير ليوناردو دافنشي .
2 - رواية الإخوة كرامازوف للروائي الروسي دستوفيسكي .
3 - قصة غراديفا لفلهم ينسن . قاص ألماني مجهول .
1 - الدراسة الأولى سماها (( ليوناردو دافنشي دراسة نفسية جنسية لذكريات طفولية ))([110]) . وفيها قام بتحليل شخصية دافنشي تحليلاً نفسياً متكئاً على ملاحظة وجدها في إحدى أوراق الرسام العظيم وهي رؤيا طفولية (( فقد روى أنه يذكر عندما كان في المهد أنه رأى نسراً ينزل عليه ويفتح له فمه ويضربه بذيله على شفتيه عدة مرات ))([111]) ، وفي ضوء هذه الرؤيا فسر “ فرويد ” ذلك البطء الذي اشتهر به “ دافنشي ” وهو ينجز أعماله العظيمة ، وتنقلاته الكثيرة وغموض ابتسامة “ الجوكندا ”([112]) ، فكان عند دافنشي فيما يرى “ فرويد ” (( انحراف جنسي على مستوى اللاوعي تأثرت به حياته ، وتأثر به فنه ))([113]) .
2 - (( دستوفسكي وجريمة قتل الأب ))([114]) وقد اتخذ من رواية الإخوة كرامازوف مصدراً لهذه الدراسة التحليلية (( وقد وجد “ فرويد ” في شخصية هذا الكاتب الروائي فناناً وأخلاقياً وعصابياً وآثماً ، وبقدر ما مجد “ فرويد ” الفنان في شخصية “ دستوفسكي ” ورآه جديراً بالخلود ، قسا على الإنسان فيه، فهو عنده سجان من سجاني الإنسانية ، وهو سادي يعذب نفسه ، ويعذب الآخرين ، ومجرم يتعاطف مع الآثمين ))([115]) .
3 - (( الإيهام والحلم في غراديفا لفلهم ينسن ))([116]) .
وفي هذه الدراسة يتخطى ما قرره في الدراستــين السابقتــين فإذا كان كتــابه الأول (( في معظــمه قصة مرض باثوغرافيا ))([117]) وكان كتابه الثاني بحثاً عن (( الصراع الهستيري الذي كان يصيب دوستوفسكي ورغبة الأوديبية في موت أبيه ، وشذوذه الجنسي الدفين ))([118]) فإن كتابه هذا (( تحليل أدبي خالص ))([119]) يعتمد فيه على دراسة النص الأدبي وكشف رموزه الفنية ولهذا يرفض (( أي محاولة للكشف عن عقد ينسن وأمراضه العصبية ... ويكتفي بتفسير المبنى السيكلوجي والحلمي في الكتاب محللاً تقنياته الرمزية في الخلط الكلامي ، والخلط المكاني معمقاً في معناه مقوياً له بعامة ، ويستنتج أن ينسن كان على وعي بحقائق التحليل النفسي ، لا لأنه درس هذا العلم بل لأنه استكشف ذاته فما الفنان إلا محلل نفسي من نوع آخر ))([120]) .
والمبدع عند فرويد يشبه العصابي ، فهو كثير الانطواء ، على صدام دائم مع واقعه ، الذي لا يسمح له بإظهار دوافعه الغريزية (( فيلجأ لإشباعها إلى عالم الوهم حيث يجد بديلاً عن الإرضاء المباشر لرغباته ، ويستعين للوصول إلى تحول مطالبه اللاواقعية إلى غايات قابلة للتحقيق من الوجهة الروحية على الأقل بما يسميه فرويد بالقدرة على التسامي ، وتعتبر هذه إحدى آليات الدفاع التي تعفيه من القصاص أو المرض لكنها تجعله رهين عالم وهمي حيث لن يطول الأمد به حتى يصبح مريضاً بالعصاب ))([121]) .
وبهذا يختصر الإنسان بجميع مناشطه وتطلعاته وأحلامه في هذه الغريزة ، ويطمس جماليات العمل الفني ، ويشوه غاياته .
2 - إدلر :
إذا كان “ الجنس ” هو أم الغرائز عند فرويد ، وهو الموجه للسلوك الإنساني ، وكل نشاط يمكن تفسيره بهذه القوة الدافعة . فإن “ الشعور بالنقص ” هو قوة الدفع الأولى للسلوك عند “ إدلر ” يقول في كتابه “ فهم الطبيعة البشرية ” : (( إن كل طفل وهو يقف بمفرده أعزل عن معونة الآخرين لا يلبث أن يشعر إن عاجلاً ، أو آجلاً بعجزه عن معالجة شؤون العالم الواقعي . وهذا الشعور بالعجز هو القوة الدافعة ونقطة الارتكاز الأولى التي يبدأ منها جهاد الإنسان ، وهو يقرر الهدف الأقصى لوجوده ))([122]) .
فالطفل حين يولد ، يكون بحاجة إلى نوع من الرعاية والاهتمام ، وهي رعاية سرعان ما تستحيل في نظر الطفل إلى نوع من التسلط على نفسيته ؛ لأنها تشعره بعجزه ، الأمر الذي يولِّد لديه شعوراً بالنقص ، مما يفضي به إلى أن يبني لنفسه عالماً من الخيال يكون فيه سيداً مطاعاً ، ويسعى إلى تقديم نفسه للآخرين على أنه مركز القوة ، وسيد القرار([123]) .
و“ إدلر ” يركز في تحليله للسلوك الإنساني على سنوات الطفولة الأولى لأنها هي الموجّه للسلوك في المستقبل ، مقلّداً أستاذه “ فرويد ” (( لأن الأساليب التي يتخذها الطفل للتعويض عن شعوره بالنقص تقرر طبيعة الهدف الذي يوجه نشاطه خلال حياته كلها ))([124]) .
وبحسب تفسير “ إدلر ” فإن النشاط الإنساني تعبير عن هذا الشعور ، لكن الناس يختلفون في طبيعة النقص ، وطريقة التعبير عنه وتعويضه وهو أمر لا يتم إلا على أنقاض الآخر من خلال (( قوة الإرادة ، وفرضها على الجماعة ، والتسلط على المجتمع ، فكأن تحقيق الهدف يأتي عن سبيل الكفاح ، والاقتحام لا على سبيل الألفة ، والتعاون مع المجتمع ، والفرد إذ يبلغ النجاح في مساعيه، فإن نجاحه يعني الحيلولة بين الآخرين وبين تحقيق أهدافهم ))([125]) .
وهذا هو الصراع الذي تنطلق منه المادية الجدلية عند لينين ، والمادية التاريخية عند ماركس وهو صراع على مطالب الإنسان في هذه الحياة كما حددها ماركس (( الغذاء والكساء والإشباع الجنسي ))([126]) . فحضارات الأمم ، وتعاقبها ، وصدامها إنما يكون حول هذه المطالب الثلاثة . وهذه المطالب الأرضية تنبثق من تصور دارون للإنسان ، في أنه حيوان بوهيمي ، دنيوي الآمال ، فلا غرابة أن يولي هذا الحيوان غرائزه هذه العناية ، كما عند فرويد ، ويصبح كل توجيه لها كبتاً وقمعاً ، يورث العقد ، ويُشعر بالنقص يقول الفيلسوف الإنجليزي جود : (( بينما يذهب فرويد إلى الكشف عن جانب الوحش في الإنسان ، فإن إدلر يذهب إلى الكشف عن جانب الشيطان المتمرد فيه ))([127]) .
3 - يونج :
إذا كان اللاشعور الشخصي هو محور نظرية “ فرويد ” في بناء الشخصية ونموها فإن اللاشعور الجمعي هو جوهرها عند “ يونج ” وهو عنده (( صور ابتدائية لا شعورية ، أو رواسب نفسية لتجارب ابتدائية لا شعورية ، لا تحصى ، شارك فيها الأسلاف في عصور بدائية ، وقد ورثت في أنسجة الدماغ ، بطريقة ما ، فهي - إذن - نماذج أساسية قديمة لتجربة إنسانية مركزية ))([128]) .
لم يعد وعي الإنسان مقصوراً على علاقة الطفل بوالديه كما عند “ فرويد ” ، فالوعي عند يونج إنما يتشكل في ظلال مخزون ثقافي موروث يمتد حتى تجربة الإنسان البدائي مع الكائنات والأشياء ، وقوام هذا المخزون الذي يسميه “ يونج ” باللاشعور الجمعي “ الأنماط العُليا ” وهي تلك الأساطير والخرافات التي يحركها نداء اللاوعي (( فتبدو في أحلام الأفراد ورؤى الفنانين العرافين ، كي تعيد التوازن النفسي للعصر ))([129]) .
والأنماط العليا عند يونج لها مرتبتان :
1 - الأنماط العليا الشخصية ، نمط الظل ، والقِران المقدس والأنيما ، وهذه تبرز في شكل شخصي فترى مباشرة . فالإنسان يلتقي أولاً مع ظله أو مع وجهه الذي يخفيه بواسطة الشخصية ، ويلتقي بوالديه اللذين يشكلان له نمط القِران المقدس ، ويواجه أحوال اللاشعور ، وهي الأنيما أو النفس([130]) .
2 - أنماط التحول ، كنمط الأم ، ونمط الطفل ، ونمط البنت ، فنمط الأم (( يحمل صورة الأم الطبيعية ، والأم الأرض ، والأم الروح ، ونمط الطفل الذي يحمل صورة الطفل الإله أو الطفل البطل ، ونمط البنت الذي يحمل صورة العذراء ، والأنثى المجهولة ، والأنثى الخرافية ، والأنثى الأضحية ))([131]) .
وعلى هذا تكون هذه الأنماط الشخصية ، وأنماط التحول ميراثاً إنسانياً انبثق من تصور الإنسان البدائي للكون ، وهو ما يسمى بالأساطير ، وليست الأساطير (( إلا تاريخ البشرية الأولى ، تنوسيت ملامحه الدقيقة ، وأضفى الخيال الإنساني عليه جواً فضفاضاً ، وتاريخ الآلهة ، ما هو إلا تاريخ لعصر الأبطال حين كان الإنسان يعجب بالقوة والجبروت ، والبطولة في شتى ألوانها المادية والمعنوية ، ويتطور هذا الإعجاب عند الأجيال إلى نزعة من التقديس تتلاشى معها حيناً بعد حين الحدود الفاصلة بين المحدود المطلق ، وبين حقائق الواقع الإنساني ، وخفايا الوجود الغيبـي ، فتصل إلى حد عبادة الآباء ، ثم تصل إلى تناسي هذه الأبوة ، ودخولها في مرحلة تالية ))([132]) .
وعبقرية الإبداع الفني كامنة في هذه الصور الأسطورية التي تشكل قاسماً مشتركاً بين الناس ، فهي التي تطلق قوى المخيلة للمبدع (( ومن هنا كانت الروائع في الأعمال الفنية خالدة ولا وطن لها . ذلك لأنها إنما تنبع من اللاشعور الجمعي ، حيث ينبسط التاريخ وتلتقي الأجيال ، فإذا غاص الفنان إلى هذه الأعماق فقد بلغ قلب الإنسانية ، وإذا عرض على الناس قبساً من هذا المنبع العظيم عرفوا أنه منهم ولهم ))([133]) .
والإبداع كما يعتمد على التسامي عند فرويد فإنه عند تلميذه يونج يعتمد على الإسقاط وهو (( العملية النفسية التي يحول بها الفنان تلك المشاهد الغريبة التي تطلع عليه من أعماقه اللاشعورية يحولها إلى موضوعات خارجية يمكن أن يتأملها الأغيار ))([134]) .
وهذا الإسقاط يتم من خلال الرمز الناتج عن إطلاع المبدع حدسياً على اللاشعور الجمعي ولهذا كان إبداع الرمز أعظم وظائف اللاشعور([135]) ؛ لأنه (( أفضل صيغة ممكنة للتعبير عن حقيقة مجهولة نسبياً ))([136]) . والأسطورة هي جوهر هذا الرمز الذي عمد إليه الشاعر المعاصر ليستثمر قيم الفن والجمال فيه يقول د: أنس داود :
(( لقد أثرت آراء فرويد ويونج على الأخص في الاتجاهات الأدبية المعاصرة، واعتبرت الأسطورة عملاً فنياً رمزياً ، يستطيع أن يتكيء الفنان المعاصر على دلالاتها الخصبة في التعبير عن القيم ، وعن المشاعر الإنسانية الأصيلة والمتطورة على السواء . فإنه بالتوسع في الدلالات الرمزية للأساطير وبانتقاء بعض العناصر دون بعضها الآخر في تمثل فني واعٍ ، يمزج بين عالم هذه الأساطير وبين الرؤية الفنية الشاملة للإنسان وللعالم ، يستطيع الشاعر المعاصر أن يحيل هذه الرموز الأسطورية إلى وسائط فنية ثرية بالعطاء ، لقارئه ، حيث تستثير في نفسه أعمق النوازع وأصدق الأحاسيس بجانب ما تشف عنه في استخداماتها الموفقة من اتجاهات فكرية معاصرة ))([137]) .

التحليل النفسي والفكر الحديث :
لقد حظيت نظرية التحليل النفسي بكثير من العناية والاهتمام ، وأثرت في الفكر الحديث تأثيراً عنيفاً حتى إنه (( لا تكاد توجد نظرية واحدة قد أحدثت ما أحدثته من الانقلاب في سير المجتمعات إلا نظرية دارون من قبل ، ونظرية كارل ماركس التي سبقت فرويد في الزمن ولكنها لحقته في التنفيذ ... لقد اعتنقت آراءه الجماهير ، يظاهرها في ذلك كثير من العلماء . ولم يكتفوا بنصوص نظرياته ، بل توسعوا في تفسيرها على هواهم ، وآمنوا جميعاً بأن الأمر الطبيعي هو أن تنطلق الغرائز من معقلها ، ولا تقف عند حد إلا حد الاكتفاء ))([138]) .
وقد رجع المفكر الإسلامي محمد قطب هذه الهزة العنيفة التي أحدثتها هذه النظرية إلى الأسباب التالية :
1 - الثورة على تعاليم الكنيسة التي رأى فيها الناس حجراً على الحريات ، وسبباً للعقد والانحرافات الخلقية .
2 - انتصار النظريات العلمية على قيم الكنيسة، وتدميرها تدميراً شاملاً.
3 - الحرب العالمية الأولى ، ونتائجها النفسية على الشباب المسجون في متاريس الحرب الذي قضى شبابه في السجون والخنادق والمعتقلات ، وتعرض لحروب الميكروبات ، والغازات السامة . فخرج هذا الجيل لا يفتش إلا عن إشباع غرائزه الحيوانية ، فكان فرويد هو الهادي ، والداعي إلى هذه السنة السيئة . فكان في نظرهم أحد صناع الحضارة الحديثة في القرن العشرين .
4 - ظهور بحوث في الفلسفة وفي علم الاجتماع تنطلق من تصورات فرويد للنفس الإنسانية فتسعى جاهدة لإثبات أن المجتمع قيد لحركة الحياة ، وصيرورة الأشياء .
5 - الدعم الكبير الذي لقيته نظرية فرويد من اليهود حتى جعلوها من أهم الأسس التي تقوم عليها سياستهم وفكرهم الخاص ، فقد ورد في بروتوكولات حكماء صهيون ما نصه (( يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان فتسهل سيطرتنا .. إن فرويد منا وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس ، ويصبح همه الأكبر هو إرواء غرائزه الجنسية وعندئذ تنهار أخلاقه ))([139]) .
أما أبرز آثارها في الفكر الحديث فهي :
1 - الشك في العقل ، وقد كان ذلك نتيجة لنظرة فرويد إلى العقل ، فهو خادم للغريزة ، وليس هادياً إلى الحقيقة كما يُعتقد ، ووظيفته ليس الحدس بالحقيقة ، بل الإقناع بما نعتقده غريزياً ، ولهذا فنتائجه لا يمكن الوثوق بها لأنها تبرير لمتعقداتنا فهو أداة ضعيفة في مجال المعرفة .
2 - التمرد على السلطة : فقد كشف فرويد وإدلر إلى أن نزعة التسلط على الآخرين من أهم دوافع اللاشعور ، وهذه الرغبة يحدث لها نوع من التسامي في الحق الإلهي للملوك أو في سلطة رجال الدين ، أو في سلطة القانون، وليست هذه الصور إلا قناعاً للرغبة في فرض السيطرة على العقول ينشأ الشك فيها والتمرد عليها .
3 - الجبرية : فالإرادة في التحليل النفسي ليست ملكة تُمارس بحرية ، إذ ليس بمقدور الإنسان أن يضبط نفسه ، فأساليب الإنسان في الحياة نتاج رغبات لاشعورية في أعماق نفسه ، وعلى هذا ليس هناك ما يسمى بحرية الإرادة ، ونتج عن هذا التصور انزلاق في الشهوات ، واستغراق في الملذات ، لأن المستقبل في علم الله ، وللإنسان ساعته التي يعيشها .
4 - الأبيقورية العملية : وذلك بالاستمتاع بملذات الحياة ، يقيناً بزوالها ، بمعزل عن التفكير فيما هو محرّم ، وهذا نتاج الشك في الأخلاق عند مدرسة التحليل النفسي ، وزرع التعاليم التي تقول : إن كبح الدافع الغريزي مضر بالشخصية ، يورث الاضطرابات العصبية ، والسخط من الحياة ، فأصبح الباطل حقاً ، والحرام حلالاً([140]) .

التحليل النفسي والنقد الأدبي :
من المألوف الذي لا ينكره أحدٌ أن النزعة النفسية في تفسير الأدب قديمة قدم الأدب ، فهي تمتد في أفق التاريخ الإنساني حتى فيلسوفي اليونان أفلاطون وأرسطو فأفلاطون يجعل الشاعر متبوعاً ينطق عن وحي سماوي وهو في حالة استحضار بين النبوة والجنون([141]) .
ويربط الشعر بوظيفة خلقية لما له من تأثير على النفوس([142]) ، وأرسطو (( المصدر الأول لعلم النفس والنقد النفسي للأدب )) في عدد من مؤلفاته أمثال كتاب النفس ، وكتاب الطبيعيات الصغرى وغيرهما([143]) .
لكن هذه النزعة لم تأخذ طابع العلم فتصبح منهجاً نقدياً (( إلا بعد أن ظهرت نتائج دراسات الفرويديين للغة والباطن ، كذلك بعد أن أفاض أتباع يونج في الحديث عن الأسطورة والرمز .. ))([144]) .
وقد كان غرض هذا المنهج البحث عن سيكلوجية المبدع من خلال أثره الأدبي الذي تركه عبر اتجاهات عديدة (( فهي تارة تحلل أثراً معيناً من الآثار الأدبية ، لتستخرج من هذا التحليل بعض المعلومات عن سيكلوجية المؤلف . وهي تارة أخرى تتناول جملة آثار المؤلف وتستخرج منها نتائج عامة عن حالته النفسية ثم تطبق هذه النتائج العامة في توضيح آثار بعينها من آثاره . وهي تارة تتناول سيرة كاتب من الكتاب على نحو ما تظهر من أحداث حياته الخارجيّة ، وفي أمور أخرى كرسائله واعترافاته أو يومياته الشخصية ثم تبني من هذا كله نظرية في شخصية الكاتب : صراعاته ، حرماناته ، صدماته ، عصاباته ، لتستعمل هذه النظرية في توضيح كل مؤلف من مؤلفاته ، وهي تارة أخرى تنتقل من حياة المؤلف إلى آثاره ، ومن آثاره إلى حياته ، موضحة هذه بتلك ، وتلك بهذه ... وهي في أكثر الأحوال تجمع بين هذه الأغراض كلها ، وتستعمل هذه الأساليب جميعها ))([145]) .
وقد استثمر هذا المنهج في الغرب استثماراً كبيراً فقام أيرنست بتفسير لمسرحية هاملت في ضوء عقدة أوديب ، وكونراد إيكن في كتبه شكيات ، وملحوظات في الشعر المعاصر ، والعقلية الشعرية ، وريتشاردز في مباديء النقد الأدبي ، ومودبودكين في الأنماط العليا في الشعر ، وشارل بودوان في التحليل النفسي للفن ، وهوقمان في الفرويديّة والعقل الأدبي وكولردج في قينوس وأدونيس . وأتورانك في الفنان وأسطورة ميلاد البطل ، ودكروتش في إدجار الأن بو - دراسة في العبقرية ، وشارل مورون في نظريات وقضايا([146]) .
ومع الناقد الإنجليزي “ آي ا. ريتشاردز ” شهد علم النفس حضوراً واسعاً في النقد الأدبي ، حيث فرّق بين اللغة العلمية لغة الحقائق ، واللغة الانفعالية لغة المشاعر ، وجعل “ التوازن الحسي ” عنصراً ثابتاً في الجمال الفني ومعناه (( اتزان الدوافع وانسجامها )) فالتجربة الجمالية هي التي تتوازن فيها الدوافع من خلال عنصري : الحركة والانسجام ، وهذا بخلاف التردد الذي تتصارع فيه الدوافع وتتعارض مشبهاً ذلك بالحمار الموضوع بين رزمتي حشيش([147]) .
واستطاع “ جاك لاكان ” أن يبتدع نظرية جديدة في النقد النفسي ، من خلال صياغة جديدة لنظرية فرويد في تفسير الأحلام ، حيث نقلها إلى النص ، فاللاشعور يطوي المعنى في صورة رمزية تحتاج إلى فكّ لشفرة تلك الصورة ، فصور الأحلام تخضع إلى “ تكثيف ” أولاً ، ثم “ إحلال ” آخراً ، وقد سمّى الأولى “ استعارة ” والثانية “ كناية ”([148]) .
وفي العقد السابع من القرن العشرين الميلادي حدثت تحولات جديدة على يدي “ نورمان هولاند ” حين اتجه باهتماماته إلى القاريء وترك المبدع والنص ، وقد نتج عن هذا التحول ما يسمى الآن بنظرية التلقي([149]) .

وأصبح هذا المنهج بكل تصوراته من أهم المناهج التي اصطبغت بها حياتنا الفكرية ، في العقد الخامس من القرن العشرين ، فأمين الخولي ينشر بحثاً بعنوان “ علم النفس الأدبي ” بمجلة علم النفس عام 1945 م([150]) . وينشر بعده بعامين محمد خلف الله (( من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده عام 1947 م ، وتتابع العطاء فكتب طه حسين كتابه عن المتنبـي ، ومع أبي العلاء في سجنه والعقاد ابن الرومي حياته من شعره ، وشخصية أبي نواس ، والعبقريات ، والنويهي نفسية أبي نواس ، وشخصية بشار ، وثقافة الناقد الأدبي ، والشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه ، وحامد عبد القادر دراسات في علم النفس الأدبي ، ومصطفى سويف الأسس النفسية للإبداع في الشعر خاصة ، وأنور المعداوي الأداء النفسي في شعر علي محمود طه ، وعز الدين إسماعيل ، الأسس الجمالية للنقد العربي ، والأدب وفنونه ، والتفسير النفسي للأدب ، وقضايا الإنسان في المسرح المعاصر ، ومصطفى ناصف ، قراءة ثانية لشعرنا القديم ، ودراسة الأدب العربي ، والصورة الأدبية ، والمؤلفات في هذا الباب كثيرة تعد ولا تحصى([151]) .
وبلغ من حماس بعض الباحثين أن يبحث عن أصول هذا المنهج في النقد القديم كما فعل محمد خلف الله ، مع أن المنزع مختلف ، والغاية مباينة ، ولكنه الولع بالجديد الذي أفضى بإقحام تصورات تراث أمة على تراث أمة أخرى ، وكأنه لا قيمة لتراثنا إلا بحديثه عن كل نظرية غربية .
والمتتبع لحركة هذا المنهج في عقول أبناء الأمة في هذا العصر يجد أنه يتخذ مسارين ربما يستقل أحدهما عن الآخر :
1 - المسار الأول يتخذ من منهج فرويد ونظريته في اللاوعي الشخصي سبيلاً لدراسة النص الأدبي وهو ما يعرف بالتحليل النفسي .
2 - المسار الآخر ينطلق من فكرة اللاشعــور الجمــعي عند يونج . وهو ما يسمــى في النقد الحديث “ بالمنهج الأسطوري ” .
وكلا الاتجاهين ينمانِ عن غيبوبة فكرية ، في عصر من عصور الانحطاط والتخلف يتخذ من مقولة إنسانية الفكر وكونية العالم متكئاً لطرحه النقدي ، وفي هذا الكلام حق وباطل فالإنسان لا يمكن أن يعيش بمعزل عن التأثر والتأثير، فإما أن يكون مؤثراً وفاعلاً في حركة التاريخ ، وإلا سحقته العجلة ، ولفظه العالم خارج السياق ، وبهذا يكون ملاذاً لكل فكر تخطته صيرورة الحياة ، وقام على أنقاضه فكر جديد .
إن التراث العربي في أزهى عصوره لم يقف متخاذلاً يتغنى بماضيه ، بل زاحم تراث الأمم الأخرى وأثر فيها ، وتأثر بها، ولكنه ظل تراثاً إسلامياً في تصوره ، عربياً في محياه ؛ لأن الأمة كانت غالبة ، يعتد فيها المفكر والشاعر بأمته ، ويفتخر بإرثها الحضاري والثقافي ، أما الذي يحدث في عصرنا هذا فهو بالضد مما كان ، إذ شاع لدى كثير من الباحثين الإيمان بضآلة الأمة ، والتنصل من كل ما يمت لها بصلة ، فكان المثقف الجديد انهزامياً في داخله ، مستهلكاً لثقافة غيره ، مغلوباً على أمره . يقول الدكتور عبد الحكيم حسان : (( لعل أهم ما يفرق بين اتصال العرب بالثقافات الأجنبية في القرون الوسطى وبين اتصالهم بالثقافة الأوروبية في العصر الحديث أن العرب في العصر العباسي اتصلوا بثقافات ميتة سياسياً كالثقافة الهيلينّية ، أو مغلوبة كالثقافة الفارسية ، أو ليست ذات تأثير من هذه الناحية كالثقافة الهندية . أما في العصر الحديث فقد اتصلوا بثقافة حية متفوقة ، وذات تأثير سياسي بالغ القوة . ولهذا فإن إحساس العرب في العصر العباسي بأنهم سادة موقفهم ، وأنهم أحرار في اختيار ما يروقهم ورفض مالا يرضيهم من هذه الثقافات لم يكن له وجود في العصر الحديث الذي أحس العرب فيه بالإضافة إلى الشعور بالضعف العسكري بالنسبة للغرب ، ثم الخضوع لنفوذه السيــاسي - بالحاجة الماسة إلى الإصلاح وإلى تغذية تراثهم الثقافي بدم جديد يعينه على النهوض ومواكبة الركب الحضــاري الحديث ))([152]) .

محاسن المنهج وعيوبه :
الذي لا ينكره منصف أن المنهج النفسي في نقد الأدب فتح آفاقاً جديدة لمعرفة النفس الإنسانية أمام النقاد والأدباء ، وهي آفاق كانت بعيدة عن أذهانهم ، وزادهم وعياً بخصائص النفس الإنسانية في نماذجها المختلفة ، ووصف لهم ما أمكن من خلجات النفس ومشاعرها([153]) .
ودعا نقاد الأدب إلى تخطي الرؤية الساذجة في النظر إلى العمل الأدبي ، والبحث عن دلالات أعمق ينطوي عليها النص ، تتجاوز الدلالة الظاهرة التي يعرفها كل إنسان([154]) .
وكشف عن علاقة متينة بين العمل ومنتجه([155]) ، وأوضح العبقرية التي يتميز بها المبدعون تلك العبقريات التي كانت تنسب إلى الإلهام أو إلى الجنون ، أو إلى شياطين الشعر ، يقول فرويد : (( الشعراء والروائيون يعرفون بين السماء والأرض كثيراً من الأشياء ما تزال حكمتنا المدرسية غير قادرة على الحلم بها . فهم في معرفة النفس أساتذتنا نحن البشر العاديين ؛ لأنهم يعّبون من ينابيع لم نجعلها بعد قابلة للإدراك علمياً ))([156]) .
وقدّم لنا فهماً جديداً للنص ، وفسر أفكاره الغامضة ، وهي من أهم محاسن هذا المنهج (( سواءً في فهم الصور الشعرية والتركيبية أو في وعي شخصيات أبطال الآثار المسرحية والقصصية . فالصورة الأدبية كانت ، في ما سبق فرويد من مدارس النقد واتجاهاته ، تعد ضرباً من ضروب الزينة الأسلوبية ، وتحمل على ولوع الأدباء بترصيع الكلام بالأصباغ المجازية ، لذلك فإن عناية الناقد إنما تتجه إليها في حدود انطباع بسيط لا يتجاوز الوقوف على ما فيها من جودة الانفراد ، أو ابتذال الاحتذاء . أما مع فرويد وبعده ، فقد حملت هذه الصور دلالات بلغت من العمق شأناً بعيداً عندما عُدّت رمزاً يفصح عن خبايا نفسية مضمرة تحيل على اللاوعي وعلى ما في الشخصية المبدعة أو القارئة من عقد ومركبات وحصارات يشترك فيها الجميع ويتمايز بها الأفراد في القوة والضعف والاشتداد ))([157]) .
والمنهج النفسي عند بسلر هو الذي أخرجنا من مأزق التطرف في الحكم النقدي لصالح الجمالية أو لصالح الأخلاقية ؛ لأن هذا المنهج لا يقف عند وظيفة التقويم ، ولكنه يتخطاها إلى تفسير النص فاجتمع الجمالي والأخلاقي معاً في أصل واحد (( هو الأصل النفسي . فبالرجوع إلى هذا الأصل لن نرد كلامنا عن الأثر الفني إلى اعتبار جمالي أو أخلاقي ، لأننا نريد لهذا الأثر تقويماً ، وإنما سنرد الأثر إلى مصدره ، ونحاول أن نجد له تفسيراً نفسياً . فإذا وفقنا إلى هذا التفسير أخرجنا هذا من ورطة التقويم على أساس الاعتبارات الجمالية أو الأخلاقية ))([158]) .
واستطاع المنهج النفسي أن يقدم لنا شيئاً عن سيكلوجية التذوق الفني حين جعل فرويد قيمة الفن عند المتلقي في أنه يقدم له رشوة من خلال تحقيقه لرغباته المكبوتة في عمل أدبي ، يصبح معه المتلقي حالماً بغد أفضل([159]) .

لكن محاسن المنهج النفسي لا تكاد تذكر إذا ما قيست بعيوبه ، وهي عيوب كثيرة يمكن إرجاعها إلى مستويين اثنين :
1 - عيوب تتعلق بالأساس العلمي للمنهج وتصوره للإنسان .
2 - عيوب تتعلق بالإجراء النقدي .

1 - عيوب الأساس العلمي للمنهج وهي قسمان :
أ - عيوب علمية تتعلق بالأساس العلمي للمنهج .
ب - عيوب فكرية تتعلق بتصور الإنسان .

أ - العيوب العلمية :
أما العيوب العلمية فكما سبق أن عرفنا ، انطلق علم النفس في القرن التاسع عشر من تصور مادي للإنسان كما في التحليل النفسي ، أو من تصور حيواني كما في السلوكية ، ومبنى هذا التصور أو ذاك على مفاهيم الفيزياء والأحياء والفلسفة العقلية التي كانت تشكل عصب الفكر المادي في أوروبا آنذاك . وقد حصل لتلك المفاهيم التي وقفنا عليها تغير جذري في القرن العشرين ، وهو تغير يفضي بنا إلى القول بأن تلك المفاهيم العلمية التي اتكأ عليها علم النفس في القرن التاسع عشر مفاهيم أثبت العلم الحديث فسادها ، ومن ثم فساد كل تصور أو نظرية فلسفية تجعل منها سنداً لما تقول .
ففي الفيزياء لم تعد المادة واضحة متماسكة تشكّل حيّزاً من الفراغ ، كما كان يُعتقد ، لقد أصبحت عالماً من الطلاسم والألغاز ، وصارت (( شبكة من الشحنات الكهربائية ، وسلسلة من الأحداث المحتملة ترتفع وتنخفض حتى تتلاشى في العدم ))([160]) بل إنه لا يمكن مشاهدتها([161]) . تلك الذرة الصغيرة أصبحت في فيزياء القرن العشرين (( كأنها نموذج مصغر لمنظومة شمسية ... في مركزها عدد من الشحنات الكهربائية الموجبة تعرف بالبروتونات ، وهذه تؤلف النواة ، ويدور حول النواة على مسافات مختلفة ، وفي مدارات غير منتظمة عدد من الشحنات السالبة تسمى الالكترونات . والشحنة الموجبة في كل بروتون تساوي تماماً الشحنة السالبة من كل اليكترون غير أن عدد البروتونات التي تتألف منها النواة أكبر كثيراً في العادة من عدد الالكترونات . وإنما تحصل الموازنة بين الشحنات الموجبة للبروتونات ، والشحنات السالبة للالكترونات
التي تدور حول النواة ، بوجود شحنات سالبة ، الكترونات أخرى موجودة في النواة
))(
[162]) والذرة التي كانت صلبة في وضع مادي ثابت أصبحت بخلاف ذلك فقد (( أخذ الفيزيائيون المحدثون يطاردونها - كما يقول أدنجتون - من السائل المتصل إلى الذرة ، ومن الذرة إلى الالكترون ، حتى أضاعوها في النهاية ))([163]) .
والذرة التي كان يُظن أن معرفتها لا يمكن الشك فيها أصبحت تلك المعرفة خادعة ، لأنه ثبت حديثاً أنه (( إنما يستنتج وجودها من أحداث تقع خارجها ، يظن أنها تُسببّها وتأتي عنها ))([164]) .
فالإدراك الحسي في الفيزياء الحديثة ، لم يعد في الوجود العيني للمادة ، وإنما في الحادث النفسي الداخلي ، فحقيقة الأشياء عقلية وليست مادية ، فالظاهرة المادية ليس إلاّ أثراً للكيفية التي تتجلى فيها الحقيقة الروحية([165]) . لقد كانت الفيزياء القديمة تقول بالتمّاس بين ماديين عندما أضغط بأصبعي على طرف المنضدة مثلاً ، أما الفيزياء الحديثة فتقول : إن الدفع ناشيء عن ذرات الأصبع وذرات المنضدة . وذلك الدفع يولد تياراً عصبياً يصل إلى الدماغ ينتج عنه شعور باللمس ، فليس هناك علم بشيء يقع خارج الجسم ، لأنه قد يحصل تنبيه للجهاز العصبي دون وجود منضدة([166]) .
فيزياء القرن العشرين بكشوفاتها الجديدة لم تكمل ما قام به ( نيوتن ) بل حطمت بنيانه ، حيث هدم إنشتاين بنظرية النسبية فكرتي الزمان والمكان المطلقين ، وأثبت أن علاقات المكان والزمان وقوانين الحركة لا يمكن تعريفها إلا بالمواقف الشخصية للمراقب ، وليس بالحياد كما ذهب إلى ذلك ( نيوتن )([167]) .
وجاءت ثورة فيزياء الجسيمات على يد “ إيرنست رذرفورد ” حيث أثبت أن الذرة عبارة عن نواة متناهية الصغر يحيط بها كم هائل من الإلكترونات أصبحت تفسيرات نيوتن لها تبعث على الإحباط ، فانهارت إمبراطورية نيوتن وتطورت ميكانيكا الكم على يدي “ نيلزبور ” و “ فيرنرها يزنبي ” ([168]) .
وانبنى على هذا التغير الفيزيائي تغيرٌّ في مفهوم علم الأحياء للحياة في القرن العشرين ، فقد كانت النظرية الآلية ترى أن الحياة نتيجة عرضية لعمليات مادية ، وأن العقل نشاط متولد من الدماغ . واجتمع أخيراً أدلة تقول : إن أسلوب الكائن الحي ليس آلياً ولا يمكن تفسيره آلياً ، فالحياة ظاهرة من صفتها التجدد والإبداع ، واستحداث صور جديدة في الكائنات ، ومنها ظهرت نظريات التطور المبدع ، والتطور الناشيء ، ونظرية الكائن الحي ، والنظرية العضوية([169]) .
إن الماء يتكون من الأوكسجين والهيدروجين بنسبة معينة ، لكن في الماء خصائص ليست هي خصائص كل من الأوكسجين والهيدروجين . وكذلك جسم الإنسان فهو دماغ ولحم وعظام وأعصاب ، ولكل منها خاصية معينة لكن له من اجتماع هذه الأجزاء خصائص ليست موجودة في تلك الأجزاء([170]) .
وبناءً على هذا فلم يعد كل مادي حقيقياً ، وأصبح المعنوي كالدين ، وقيم الحق والخير والجمال مما صح ثبوته ، وعدّ باباً من أبواب الحقيقة ، وبهذا تقوّض الأساس العلمي لعلم النفس ، فالإنسان لم يعد شبيهاً بالآلة لا دخل للعقل في سلوكياته ، فله عقل ، وله غاية يسعى إلى تحقيقها ، ومطالب يهدف إلى بلوغها هي أسمى من مطالب الجنس والغذاء والكساء . فلم يعد التفسير الآلي أو الحيواني للسلوك الإنساني واعياً بأبعاد الإنسان ، إن الإنسان يستجيب للمنبه ، كما تستجيب الآلة ، لكنه لا يعمل كما تعمل ، فاستجابتها آلية أما استجابته فهي استجابة فعالة ونشيطة . فهو يدرك الموقف الخارجي ، ولذلك فاستجابته لا تعتمد على قوة ذلك المنبه بقدر ما تعتمد على الدافع النزوعي الذي لديه ، وهو مؤثر بالغ في الاستجابة ، وهذه الاستجابة موجهة إلى غاية يمكن استمرارها بعد زوال المثير بخلاف الآلة .
والإنسان كل موحدٌ ، أما الآلة فهي خليط مركب ، ولهذا يمكن تبديد هذا الخليط وتعديله ويظل له نفس الخصائص ، أما الإنسان فلا يمكن أن يُؤلف منه إنسانٌ آخر([171]) .
ب - عيوب فكرية :
والإنسان لم يكن حيوانياً في مطالبه ، كما صوّره فرويد ، وماركس ، ولا يمكن تفسير سلوكه تفسيراً حيوانياً كما فعلت السلوكية ، التي طبقت سلوكيات الحيوان على الإنسان ، وفسرت سلوكه بذلك المقتضى استناداً على نظرية “ الفعل المنعكس الشرطي ” عند بافلوف ، وهي نظرية ثبت فشلها ، فقد ذهب كوهلر في تجاربه الشهيرة على القردة والموز إلى نسبة القدرة والاستبصار للقردة ، وهي قدرة مكنتها من إدراك الموقف الذي وضعت فيه من حيث هو كل منظم([172]) .
ومما سبق يتضح أن علم النفس الغربي في مدرستي التحليل النفسي والسلوكية أنه علم يقوم على احتقار الإنسان ، ومسخ مكانته ، فهو كائن حيواني تسيّره غرائزه ، كما تسيّر الحيوان غرائزه وشهواته ، أو كما يحرك الآلة مفتاح التشغيل وفق قانون أوتوماتيكي مطرد .
وهذا التصور المبني على أسس فكرية خاصة ، يمكن فهمه من خلال سياقه الذي نبت فيه ويمكن إيجاد مسوغات له في فكر جاهلي منحرف ، رأى أن تعاليم الكنيسة تخدير للعقول وهيمنة “ للأكليروس ” على أفكار الناس وحرياتهم ، فكل ما يمت إليها حقاً كان أو باطلاً لا تقوم الحياة به ، ولا يتحقق الوجود الإنساني إلا على أنقاضه ، فالإنسان سيد نفسه يعرف طريقه الذي يسلكه ، ويملك قضاءه وقدره بيديه ، ويدرك أن الحياة إنما هي أيام قليلة السعيد فيها من أشبع غرائزه ، وعاش ساعته بكل ما فيها من لذة .
إن هذا المنهج نتاج موقف من العالم وإدراك له ، وهو موقف وإدراك لا يصلح لأمة أعزها الله بالإسلام ، الدين الذي أقام تصوراً سوياً وشاملاً للكون والإنسان والحياة ، تجلى فيه الإنسان كائناً مكرماً على جميع المخلوقات قال تعالى : س ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ش([173]) ، كرمه الله تعالى بالعقل ، وأوجد لديه الغريزة ، وحدد له الغاية ، وأنار له السبيل ، وهو قادر بعد هذا كله على أن يصعد إلى منزلة الملائكة حين يغلب عقله على نزواته ، وهو قادر أيضاً على اللصوق بالأرض حين ترجح نوازعه على عقله .
إن الإسلام يؤمن بمطالب الإنسان الدنيوية ، فهي مطالب لا تقوم الحياة إلا بها ، ولكنها مطالب محكومة بالعقل ، وبالغايات ، التي تجعلها تتحقق وفق توازن نادر الوجود قال تعالى: س وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدينش([174]) يقول محمد قطب : (( والإنسان يكره فقدان التوازن ولو كان إلى أعلى ؛ لأنه يحرص على أهدافه العليا التي لا تتحقق بغير الاستجابة لنوازع الأرض ، وكل ما يعمله ويهدف إليه هو تنظيف الوسائل التي يستجيب بها الفرد لنوازعه ، حتى ترتفع الحياة كلها ، وتصبح كريمة جميلة، خليقة بمعنى التكريم الذي أسبغه الله على الإنسان ))([175]).
لقد نشأ الإنسان على الفطرة السوية ، لا على الشبق الجنسي ، فأدرك قيمة الكون والحياة ، وفسره تفسيراً إيمانياً يعيده إلى بارئه سبحانه وتعالى ، فلم يكن محض الصدفة ولم يكن ذرة ضائعة ، أو آلة ضخمة محكومة بنظام آلي خاص إنه صنع الله الذي أتقن كل شيء([176]) .
وأدرك أن له في هذه الحياة غاية ، هي عبادة الله فهو مستخلف في هذه الأرض ، ووفق هذا التصور يكون نشاطه الحركي ، وتكون استجاباته وانفعالاته([177]) .
وليس هناك نفس إنسانية كاملة ، وخالصة من النقائص إلا نفسه صلوات الله وسلامه عليه ، ولهذا أسس الإسلام منهجاً متكاملاً لفهم النفس الإنسانية وتربيتها ، فهي مجموعة من الخطوط المتقابلة ، الخير والشر ، والحب والكراهية ، والسلب والإيجاب ، قد يغلب جانب على جانب فيحدث انحراف في سلوكياتها ، فكان منهج التربية الإسلامية خير منهج كشف عن طبيعة النفس ، وحدد لها ما يجعلها نفساً سوية يتغلب فيها جانب الخير على نوازع الشر وأدرانه([178]) .
وعلى هذا فإن الفهم الصحيح لطبيعة النفس الإنسانية ، وتقدير مناشطها في الحياة ، إنما ينبغي أن يكون وفق هذا التصوير الرباني العظيم ، فموجد النفس هو أعلم بطبيعتها ، وهو الأقدر سبحانه على وضع المنهج الملائم لها قال تعالى : س ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ش([179]) .
وإن النقد النفسي حين يكون محتاجاً إلى فهم طبيعة النفس الإنسانية والقوى الدافعة لسلوكها ، في تفسيره للعمل الأدبي إنما يجب أن يتمثل هذه النظرة ، لأنها الأقدر ، والأجود ، ففيها يظل للإنسان مكانته ، وللعقل قيمته ، وللغايات أثرها البالغ في توجيه المناشط في هذه الحياة .
ولقد اكتشف الغربيون أنفسهم - تبعاً للكشوفات العلمية الحديثة - ضلال تصورات مدرسة التحليل النفسي والمدرسة السلوكية في دراسة السلوك البشري ، حيث يتم إخضاع العقل للغريزة في الأولى ، وإلغاؤه في الأخرى ، حيث ذهب كثير من علماء النفس في أعقاب الحرب العالمية الثانية إلى أن هذا الموقف (( لا يطاق في فرع من فروع المعرفة مكرس لخدمة الجنس البشري ))([180]) مما إدى إلى نشوء حركة جديدة تنادي بأنسنة علم النفس .
ففي اجتماع وطني للرابطة الأمريكية لعلم النفس عقدت في عام 1971 م قرر أتباع هذه الحركة أن يطلقوا علها اسم “ علم النفس الإنساني ”([181]) .
وجوهر ما ترمي إليه هذه الحركة كما يعبر “ إيرفن تشايلد ” الأستاذ بجامعة ييل النظر إلى الإنسان (( بوصفه إنساناً ، لا مجرد حيوان أو آلة ، فالإنسان قوة واعية ، وهذه هي نقطة الانطلاق ، فهو يجرب ، وهو يقرر ، وهو يتصرف .. ))([182]) .
النظرة الجديدة تتجه إلى الإنسان ليس بوصفه رزمة من ردود الأفعال ، ولا هو نتاج قوى خارجية ، ليس آلة ، وليس جرذاً كما يُعبر “ فكتور فرانكل ”([183]) .
وإن الأساطير لا يمكن أن تكون ميراثاً إنسانياً . فهي رؤية وثنية للعالم ، سواءٌ أكانت أساطير يونانية ، أو جاهلية عربية . فالأساطير اليونانية تقوم على تقسيم الكون بين آلهة عديدة ، إله للخصب ، وإله للنسل ، وإله للشمس ، وإله للقمر([184]) . والأساطير الجاهلية تقوم على عبادة الأصنام ، والحيوانات ، وقوى الطبيعة ، اعتقاداً بوجود قوى خارجية فيها ، فعبدوها إفادة منها أو دفعاً لشرورها([185]) .
الأساطير اليونانية يمكن أن تكون ميراثاً فكرياً للشاعر الأوروبي الذي ورث هذا التصور حين كانت هذه الأساطير الوثنية إحدى دعائم وجوده الثقافي وتصوراته للكون والحياة .
والأساطير الجاهلية يمكن أن تكون مصدراً لتصور جاهلي جديد يؤمن بالخرافة ويقدسها ، ويجعل من الحق باطلاً ، والباطل حقاً .
إن هذه الأساطير يونانية أو عربية ، لا يصح أن تكون مصدراً لتصور الإنسان المسلم الذي يملك أعظم تصور شامل للإنسان والكون والحياة ، يقوم على منهج إلهي محكم ، يجعل من الكون دليلاً من دلائل قدرة الله سبحانه وتعالى ، وخادماً مطيعاً للإنسان ، تدبر حركته قوة إلهية . وهو منقاد لربه ، يسبح له ويخضع لنواميسه .
لا يحس الإنسان تُجاهه بالخصــومة واللَّدد ، فالعلاقة بينــهما قوامــها الحـب والألــفة . والخضوع كله لله سبحانه وتعالى([186]) .
قال تعالى : س ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ، وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون ، هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ش([187]) .

2 - عيوب الإجراء النقدي :
إن المنهج النقدي ، إنما كان منهجاً نقدياً ، لأنه يفترض فيه أن يقوم بوظيفة من وظائف النقد ، التقويم ، أو التفسير أو التوجيه ، ومطامح أصحاب هذا المنهج - كما عند بسلر - تجعله يجمع بين التفسير والتقويم بدون انحياز لأي وظيفة من هاتين الوظيفتين . وحينما نتأمل نتائج المنهج في الكشف عن جماليات النص الأدبي التي تمثل جوهر أي نظرية نقدية لا نجد شيئاً ، فالنص الأدبي في ضوء المنهج النفسي يستحيل إلى وثيقة نفسية ، نعرف من خلالها عقد المؤلف وحصاراته ، ولا نعرف شيئاً عن النص الأدبي ، إلا فيما ندر فهو إذ يحلل النص لا يدلنا على ما ينطوي عليه النص من قيم فنية وجمالية تجعل منه أدباً له خصوصيته الفنية في الرؤيا والنسيج .
تقول إليزابيث دور : (( يبدو لي أن أي تناول للشعر عن طريق علم النفس فاشل منذ اللحظة الأولى ، فعلم النفس يستطيع أن يقدم الكثير فيما يختص بالقوى اللاشعورية التي تعمل خلف مفهوم الفن ، ولكن له حدوده التي تجعل منه أداة نقدية غاية في الضعف . فهو لا يستطيع أن يلمس العمل الفني ذاته ، ولا يستطيع أن يميز بين الجيد والرديء ))([188]) .
إن كل عمل أدبي يمكن أن نجد فيه نفسية منتجه ، ولكن ما قيمة ذلك في موازين أدبية الأدب ، وإذا كان هذا المنهج لا يكشف لنا الجيد من الرديء ، فإنه لا يفرق بين الجيد والرديء . وهو منهج أحادي النظرة ، لا يبحث في الأدب إلا عن دور اللاوعي والأدب نتاج الوعي واللاوعي معاً([189]) .
وحين يولي اللاوعي قيمة في تفسير النص الأدبي ، يصبح مسرحاً للرموز الجنسية يقول إريك إندرسون : (( وفي سبر ما هو جنسي تعوّد نقاد الأدب المتخصصون في التحليل النفسي أن يغتصبوا نزاهة الأعمال الفنية )) ([190]) .
ويقول آرنولدهوسر : (( أما عن دراسة الآثار الفنية بوصفها مطايا للرموز الجنسية فقد كانت باديء ذي بدء ، من بين الفروع المحببة لأبحاث نظرية التحليل النفسي ، لقد كانت هذه مهمة مجزية حقاً ، يسهل أداؤها بطريقة آلية إن في قليل أو كثير ، وليــس من حد - فيما يظــن - لتأملاتها الجســورة ، ونتائجــها المذهلة ، .. وألف الناس في النهاية بل ضاقـــوا بذاك الزعم القائل بأن أي موضوع قد يكون رمزاً لأعضاء التناسل ، وأن من الممكن أن نربط بين العلاقات الإنسانية جميعها تقريباً وبين موقف أوديب . وأن الفن يكتظ بصور الأمهات . وأن الأبطال ما كانوا يخشون شيئاً خشيتهم من الخصاء ))([191]) .
لقد أصبحت كل دلالة رمزية في النص تصب في بنية فكرية واحدة تحرك النص هي بنية الجنس ، وهذا التفكير الأعوج ، والمنطق المضلل يغفل قيماً إنسانية جليلة القدر في الأدب ؛ لأن المحلل النفسي يحاكم النص بمقتضى تصور مسبق ، فهو يبحث عن دليل يعزز ذلك التصور ، فذهب كثير من الباحثين انطلاقاً من هذا التصور إلى إيجاد دلالات غامضة لما هو غاية في المباشرة([192]) ، وحين يستعصي ربط النص على هؤلاء بمنتجه ، فتنعدم أو تتلاشى صورته فيه يرمى النص بالضعف ، وعدم المصداقية([193]) .
لقد حلل العقاد شخصية أبي نواس على أساس من نرجسيته ، ونظر إليها النويهي في ضوء شذوذه الجنسي ، ولاسيما في ولعه بالخمرة ، التي كانت عنده تمثل شعوراً جنسياً ، ورغبة كرغبة الولد في أمه([194]) ، لكن هذا التفسير مع نشازه ، لا يقدم لنا قيمة فنية لهذا الشعر تجعله رؤية خاصة ، وشعوراً مميزاً بالأشياء لا نجده إلا عند أبي نواس .
وأصبحت الناقة عند الشورى ومصطفى ناصف رمزاً للأمومة([195]) ، وغدا الحمار والثور في شعر الجاهليين عند علي البطل ، ونصرت عبد الرحمن إلهين يُعبدان من دون الله ، ولذلك فهما لا يُقتلان([196]) ، وإذا ما قتلا - في غير شعر الرثاء - قال أحدهما إن الشاعر أخطأ في التصور ، وأن أول شاعر قتل عنده الثور هو أبو ذؤيب الهذلي في عينيته الشهيرة ، التي قالها بعدما أسلم إذ لا حرج أن يموت الإله القديم([197]) .
على أن هذا ليس صحيحاً فهناك شعراء جاهليون قتل عندهم الحمار والثور في غير شعر الرثاء كامرئ القيس ، وزهير ، وعلقمة وغيرهم([198]) .
إن هذا المنهج يجعل من الحيوانات كائنات مقدّسة ، وأساطير لآلهة قديمة لم يزل صداها حياً في نفس الإنسان الحديث ، ويبدو النص الشعري عالماً من الطقوس ، وقطعاً من التفكير اللاهوتي المظلم . لقد ذهب “ مالكولم كادلي ” إلى تشبيه دعاة هذا المنهج بمن اكتشف فجأة نصف كرة أرضية جديدة([199]) .
وهذا المنهج قد يجد في الأدب ما يحقق له مبتغاه ، لكنه يقع فيما وقع فيه أتباع فرويد ومريدوه من أصحاب منهج التحليل النفسي . فلا يكشف لنا عن أدبية النص ، ولا يقدم تقديراً للقيمة الجمالية فيه .

الخاتمة :
“ المثاقفة ” كما هي بحث عن الحكمة ، فهي خيار لا محيد عنه ، لكل أمة تولي شهودها الثقافي أهميّة كبيرة ، وتطمح لحمل شعلة الحضارة ، والإضافة المبدعة للبشرية ، وتحقيق أمانة الاستخلاف .
والمثاقفة كما هي طموح ، فهي منهج راشد ، لأن المثاقفة وفق المنهج الراشد ، توسيع للمدراك ، وإنارة للذاكرة الجمعية ، بمقتضى هذا الرشد يتحقق ترسيخ الهوية ، واستيعاب منجزات العصر ، والمشاركة الفاعلة في أحداثه .
والأمة العربية المسلمة أمة مثاقفة ، فهي أشد الأمم حرصاً على المعرفة لأنها أمة “ اقرأ ” ، وأقوم منهجاً لأنها أمة القرآن .
وحين تثاقفت الأمة بمنهج راشد حين كانت غالبة ، ذوّبت المعرفة في نسيجها الثقافي ، وظلت محافظة على هويتها الخاصة . وعندما غُلبت صارت مولعة بتقليد الغالب في تحديثه وحداثته . وهنا انقسمت الثقافة العربية على نفسها بين متقوقع عاجز ، منفتح مستلب ، وكل حزب بما لديهم فرحون .
وليست المثاقفة النقديّة إلاّ صورة من صور المشهد الثقافي العربي في مثاقفته مع الغرب في ظل من غياب المنهج الراشد الذي أورث “ عقلاً مستعاراً ” يعيش انقطاعاً مع تراثه ، ومسخاً لهويته ، واستلاباً لذاته .


الهوامش والتعليقات

(1) انظر على سبيل المثال : لسان العرب لابن منظور (( ثقف )) .
(2) سورة الممتحنة ، آية رقم 2 .
(3) الحضارة – الثقافة – المدنية (( دراسة لمسيرة المصطلح ودلالة المفهوم ، نصر محمّد عارف . منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالولايات المتحدة الأمريكية ، والدار العالمية للكتاب الإسلامي . الرياض ط 2 / 1415 هـ - 1995 م )) ص 19 .
وانظر ثقافة المسلم في وجه التيارات المعاصرة . الدكتور : عبد الحليم عويس ، الرياض النادي الأدبي بالرياض ، 1399 هـ / 1979 م ص 15 .
وانظر المنظور الإسلامي للثقافة والتربية (( دراسة في اجتماعيات التربية )) الأستاذ الدكتور محمّد عبد العليم مرسي ، الرياض ، مكتبة العبيكان ، ط1 / 1417 هـ - 1996 م ص 27 .
(4) الوثائق الرئيسيّة لإعلان مكسيكو 1982 م نقلاً عن الدكتور محمّد الرميحي في مقالة (( واقع الثقافة ومستقبلها في أقطار الخليج العربي )) ، ضمن كتاب الثقافة والمثقفون في الوطن العربي . بيروت : منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة ، ط1 / 1992 م ص 267 .
(5) الخطة الشاملة للثقافة العربيّة . منشورات المنظمة العربيّة للتربـية والثقــافة والعلوم تونس ، الطبعة الثانية 1996 م ص 18 ، 19 .
(6) الحضارة – الثقافة – المدنية ص 24 .
(7) إشكالية التحيّز رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد ، الجزء الأوَّل ، تحرير : الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري ، منشورات المعهــد العالمي للفكر الإسلامي ، الولايات المتحدة الأمريكيّة، ط2 ، 1417 هـ / 1996 م ، ص 615 ، وانظر كذلك مقدمة الكتاب لرئيس المعهد المفكّر طه العلواني ص (( ك )) .
(8) المرجع السابق (( ك )) المقدمة .
(9) تكوين العقل العربي . الدكتور محمّد عابد الجابري ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربيّة ، الطبعة الثالثة 1988 م ص 194 .
(10) المرجع نفسه ص 224 .
(11) انتفاضة العقل العربي . الدكتور : محمد عبد الرحمن مرحبا ، بيروت : منشورات دار عويدات ، الطبعة الأولى 1994 م ص 245 .
(12) المرجع نفسه ص 364 .
(13) نفسه ص 249 .
(14) تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها دعوة لتشخيص الموروث المجتمعي العربي وإعادة تأسيس الثقافة العربيّة لعصر تنوير جديد . الدكتور : محمد جابر الأنصاري . بيروت : المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر ، الطبعة الأولى ، 1992 م ص 13 .
(15) المرجع نفسه ص 17 .
(16) إشكالية التحيّز ص 603 .
(17) أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث . الدكتور فهمي جدعان ، عمّان – دار الشروق ، الطبعة الثالثة 1988 م ص 117 ، 118 .
(18) إشكالية التحيّز ص 608 .
(19) نقلاً عن مخطط الانحدار وإعادة البناء . الدكتور : خالص جلبي ، الرياض : منشورات كتاب الرياض ، مؤسسة اليمامة الصحفيّة ، 1417 هـ / 1996 م ص 103 .
(20) مشكلات الأفكار في العالم الإسلامي ، مالك بن نبي ، ترجمة الدكتور ، بسام بركة ، والدكتور : أحمد شعبو وإشراف وتقديم عمر مسقاوي ، بيروت ، دار الفكر المعاصر ، ودمشــق دار الفكر الطبــعة الأولى ، 1413 هـ / 1992 م ص 146 .
والفكرة الميّتة : هي الفكرة المنحرفة عن مثلها الأعلى في الثقافة الأصلية .
والفكرة المميتة : هي الفكـــرة المستوردة التي فقدت هويتها وجذورها في عالمها الأصلي ، انظر المرجع نفسه ص 153 .
(21) أسس التقدم ص 329 .
(22) انظر على سبيل المثال :
- سقوط آسيا - كالوم هندرسون ترجمة : فريق بيت الأفكار الدولية عمّان ، 1999 م .
- المتلاعبون بالعقول (( الإصدار الثاني )) هربرت أ. شيلر ، ترجمة : عبد السلام رضوان ، الكويت ، عالم المعرفة ، 1419 هـ / 1999 م .
- صدمة المستقبل - المتغيّرات في عالم الغد ، ألفين توفلر ، ترجمة : محمد ناصف ، تقديم : الدكتور أحمد كمال أبو المجد ، القاهرة : نهضة مصر ، 1990 م .

(23) انظر الفكر العربي وصراع الأضداد ، للدكتـــور : محمّد جابر الأنصاري ، بيروت : المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر .

(24) انظر بنية التخلّف . إبراهيم البليهي ، الرياض : منشورات كتــاب الريــاض ، مؤسسة اليمامة الصحفيّة 1415 هـ / 1995 م ص 92 .
(25) مشكلات الأفكار في العالم الإسلامي ص 151 .
(26) تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها ص 19 .
(27) المرجع نفسه ص 19 وما بعدها .
(28) بنية التخلّف ص 192 .
(29) الموقف من الحداثة ومسائل أخرى . الدكتور عبد الله محمّد الغذّامي ، جدة ، مطابع دار البلاد ، الطبعة الأولى ، 1407 هـ / 1987 م ص 60 .
(30) المرايا المحدّبة من البنيوية إلى التفكيك ، الدكتور : عبد العزيز حمّودة ، الكويت ، عالم المعرفة 1418 هـ / 1998 م ، ص 65 وما بعدها .
(31) الفلسفة العربيّة المعاصرة مواقف ودراسات بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الثاني الذي نظمته الجامعة الأردنيّة ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربيّة ، ط1 ، 1988 م ، ص 77 – 99 والجدير بالذكر أنه يذكر مدارس أخرى لكن لا علاقة لها بالمثاقفة مع الغرب .
(32) المرجع نفسه ص 100 .
(33) إشكاليّة التحيّز ص 267 ، ص 268 .
(34) المرجع نفسه ص 269 .
(35) المرجع نفسه ص 269 .
(36) علم اجتماع الأدب ، الدكتور سيّد البحراوي . القاهرة : الشركة المصريّة العالميّة للنشر ، ط1 / 1992 م ، ص 13 وما بعدها .
(37) منازع الفكر الحديث ، جود ، نقله إلى العربيّة عباس فضلي ، راجعه الدكتور : عبد العزيز البسام ، بغداد ، مطبعة المجمع العلمي العراقي ، 1956 م ، ص 249 .
(38) العلم في منظوره الجديد ، روبرت م. أغروس وآخرون ، ترجمة الدكتور : كامل خلايلي ، الكويت ، عالم المعرفة 1409 هـ / 1989 م .
(39) المرايا المحدّبة ص 191 .
(40) شعرنا القديم والنقد الجــديد ، الدكتور : وهب روميّة ، الكويت ، عالم المعرفة 1416 هـ / 1996 م ، ص 126 .
(41) المرايا المحدّبة ص 191 .
(42) المرجع نفسه ص 337 .
(43) نفسه ص 285 .
(44) إشكاليّة التحيّز ص 272 .
(45) عالم الفكر – الكويت – المجلد الثامن والعشرون – العدد الرابع إبريل – يونيو 2000 م من إشكاليات المثاقفة في النقد الأدبي العربي الحديث ص 124 ، ص 125 .
(46) عالم الفكر ، الكويت المجلد الثالث والعشرون ، العددان الأول والثاني يوليو – ديسمبر 1994 م بحث إشكاليّة المنهج في الخطاب النقدي ص 462 .
(47) عالم الفكر - الكويت - المجلد الثامن والعشرون ، ص 125 .
(48) إشكالية التحيز 272 .
(49) عالم الفكر ص 469 .
(50) انظر على سبيل المثال : عباس الجراري في خطاب المنهج منشورات السفير بالمغرب 1990م والمصطفى الشاذلي في ظاهرة الاغتراب في النقد العربي رسالة علمية بكلية الآداب جامعة المولى إسماعيل بالمغرب . وإدريس الزمزاني في أفق الرؤيا مقاربات في النص والإبداع منشورات بابل بالرباط 1991 م ، وشكري عياد في المذاهب الأدبيّة والنقديّة عند العرب والغربيين ، منشورات عالم المعرفة 1414 هـ / 1993 م . ومصطفى ناصف في دراسة الأدب العربي ، منشورات الأندلس ، وعبد العزيز حمّودة في المرايا المحدّبة ( سبق ذكره ) وغيرهم من النقاد .
(51) الحضارة – الثقافة – المدنيّة ، بتصرّف ص 31 / 32 .
(52) المرجع نفسه ص 20 .
(53) نفسه ص 20 وما بعدها .
(54) لسان العرب (( نصص )) .
(55) تاج العروس (( نصص )) ، وانظر إشكاليّة التحيّز ص 275 .
(56) إشكالية التحيّز ص 275 .
(57) الشعر ، لأبي هلال العسكري .
(58) علم النفس ومشكلات الفرد ، ط. عبد الرحمن عيسوي ، بيروت : دار النهضة العربية ، 1992 م ، ص 44 .
(59) العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة . سفر بن عبد الرحمن الحوالي ، مكة المكرمة ، مطابع جامعة أم القرى ، ط1 ، 1402 هـ / 1982 م ، ص 150 .
(60) المرجع نفسه 150 - 156 .
(61) منازع الفكر الحديث ، جود ، نقله إلى العربية عباس فضلي ، راجع الترجمة د. عبد العزيز البسام ، بغداد ، مطبعة المجمع العلمي العراقي 1956 م ، 1375 هـ ، ص 81 .
(62) العلمانية ص 155 .
(63) منازع الفكر الحديث ص 5 .
(64) المرجع نفسه ص 37 .
(65) نفسه ص 22 – 23 .
(66) نفسه ص 5 .
(67) نفسه ص 5 – 6 .
(68) نفسه ص 9 .
(69) نفسه بتصرّف ص 24 .
(70) تعالى الله عما يقول الجاهلون ، إنه الهروب من كل ما يمت إلى الكنيسة بصلة .
(71) العلمانية ص 179 .
(72) منازع الفكر الحديث ص 24 – 25 .
(73) مدخل إلى فلسفة العلوم ، دراسات ونصوص في الإيبستيمولوجيا المعاصرة ج2 ، المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي ، د. محمد عابد الجابري ، المغرب ، دار النشر المغربية ، بدون تاريخ ص 51 .
(74) المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية ، د. جميل صليبا ، بيروت: دار الكتاب اللبناني ط1 / 1973 م ، جـ2 / ص 250 .
(75) منازع الفكر الحديث ص 33 – 34 بتصرف .
(76) المرجع نفسه ص 35 .
(77) العلمانية ص 154 .
(78) المرجع نفسه ص 154 .
(79) علم النفس ومشكلات الفرد ص 45 .
(80) الإنسان بين المادية والإســلام . محمد قطب . بيروت : دار الشروق ، ط 8 – 1403هـ ، 1983 م ، ص 57 .
(81) علم النفس ومشكلات الفرد ص 45 – ص 48 .
(82) المرجع نفسه ص 61 .
(83) منازع الفكر الحديث 51 – 52 .
(84) المرجع نفسه ص 68 .
(85) نقلاً عن الإنسان بين المادية والإسلام ص 57 .
(86) نقلاً عن العلمانية ص 398 .
(87) منازع الفكر الحديث ص 249 .
(88) علم النفس ومشكلات الفرد ص 34 .
(89) في النقد الحديث دراسة في مذاهب نقدية حديثة وأصولها الفكرية ، د. نصرت عبد الرحمن ، عمان مكتبة الأقصى 1979 م ، ص 186 .
(90) علم النفس ومشكلات الفرد ص 33 .
(91) المعجم الأدبي ، جبّور عبد النور ، بيروت ، دار العلم للملايين ، ط2 ، 1984 م ، ص 224 .
(92) الموجز في التحليل النفسي ، سيجموند فرويد ، ترجمه عن الألمانية سامي محمود علي ، وعبد السلام القفاش ، راجعه مصطفى زيور ، القاهرة ، دار المعارف ط2 ، 1970 م ، ص 15 .
(93) المرجع نفسه ص 16 .
(94) المرجع نفسه ص 16 .
(95) المرجع نفسه ص 24 .
(96) المرجع نفسه ص 24 .
(97) الإنسان بين المادية والإسلام ص 31 .
(98) في النقد الحديث ص 187 – ص 188 .
(99) منازع الفكر الحديث ص 252 .
(100) المرجع السابق ص 252 .
(101) المرجع نفسه ص 252 .
(102) نقلاً عن الموجز في التحليل النفسي ص 93 .
(103) في مناهج الدراسات الأدبية ، حسين الواد ، الدار البيضاء ، منشورات عيون، 1988م ، ص 8 .
(104) المرجع نفسه ص 9 .
(105) الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي ، محمد الولي ، نشر المركز الثقافي العربي ، بيروت ، ط1 / 1990 م ، ص 200 .
(106) فلسفة تاريخ الفن ، أرنولد هوسر ، ترجمة رمزي عبده جرجس ، مراجعة ، د. زكي نجيب محمود منشورات المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالقاهرة ، 1968 م ص 59 .
(107) الأسس النفسية للإبداع الفني في الشــــعر خاصة ، د. مصطفى سويف ، القاهرة ، دار المعارف ، ط4 / 1981 م ، ص 74 .
(108) في مناهج الدراسات الأدبية ص 9 – ص 10 .
(109) انظر النقد الأدبي والعلوم الإنسانية ، جان لوي كابانس ، ترجمة د. فهد عكام ، دمشق ، دار الفكر ، ط1 ، 1402 هـ ، 1982 م ، ص 45 .
وانظر أيضاً علم النفس والأدب ، د. سامي الدروبي ، القاهرة : دار المعارف ، ط2 / 1981 م ، ص 34 .
وانظر أيضاً في مناهج الدراسات الأدبية ص 10 .
(110) النقد الأدبي ومدارسه الحديثة ستانلي هايمن ، ترجمة د. إحسان عباس ، و د. محمد يوسف نجم ، بيروت : دار الثقافة 1981 م ، 1 / 262 .
(111) في مناهج الدراسات الأدبية ص 7 ، والنقد الأدبي والعلوم الإنسانية ص 37 .
(112) في مناهج الدراسات الأدبية ص 7 .
(113) المرجع نفسه ص 8 .
(114) النقد الأدبي ومدارسه الحديثة 1 / 262 .
(115) في مناهج الدراسات الأدبية ص 8 .
(116) النقد الأدبي ومدارسه الحديثة 1 / 262 .
(117) المرجع نفسه 1 / 263 .
(118) المرجع السابق 1 / 263 .
(119) المرجع نفسه 1 / 264 .
(120) نفسه 1 / 264 .
(121) فلسفة تاريخ الفن ص 51 .
(122) نقلاً عن منازع الفكر الحديث ص 254 .
(123) المرجع نفسه ص 254 .
(124) نفسه ص 254 .
(125) نفسه ص 256 .
(126) الإنسان بين المادية والإسلام ص 63 .
(127) منازع الفكر الحديث ص 256 .
(128) النقد الأدبي ومدارسه الحديثة 1 / 245 – 246 .
(129) المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي دراســة نقدية ، عبد الفتاح محمد أحمد ، بيروت، دار المناهل ، ط1 ، 1408 هـ ، 1987 م ، ص 23 .
(130) المرجع نفسه 25 – 26 .
(131) المرجع نفسه ، ص 253 .
(132) الأسطورة في الشعر العربي الحديث ، د. أنس داود ، القاهـــرة : مكتبة عين شمس ، 1975 م ، ص 24 – 25
(133) الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة ص 204 .
(134) المرجع نفسه ص 203 .
(135) المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي ص 16 .
(136) الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة ص 206 .
(137) الأسطورة في الشعر العربي الحديث 33 – 34 .
(138) الإنسان بين المادية والإسلام ص 43 .
(139) نقلاً عن الإنسان بين المادية والإسلام ، هامش 55 . ولم أقف على النص أو على ترجمة معناه في كتاب الخطر اليهودي بروتوكولات حكماء صهيون ، ترجمة التونسي . ومثل هذا الاحتفاء لقيه بافلوف من حكومة ستالين التي كانت تقيم له المهرجانات حتى وفاته ، وهناك نصوص كثيرة يصرح فيها فرويد بيهوديته ، وتسخير فكره لأمته ، ذكرها الدكتور حمد المرزوقي في كتابه إشكاليات فكرية معاصــرة ، تحت عنوان (( فرويد قراءة عربية )) ص 221 .
(140) منازع الفكر الحديث 277 – 284 بتصرف .
(141) مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق ، ديفد ديتشس ، ترجمة د. محمد يوسف نجم ، ود. إحسان عباس ، بيروت : دار صادر ، 1967 م ، ص 23 .
(142) المرجع نفسه .
(143) النقد الأدبي ومدارسه الحديثة ، ستانلي هايمن 1 / 258 .
(144) النقد الأدبي الحديث أصوله واتجاهاته ، د. أحمد كمال زكي ، بيــروت : دار النهضة العربية ، 1981 م ، ص 247 .
(145) علم النفس والأدب ص 255 .
(146) الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي أصوله وقضاياه ، د. سعد أبو الرضا ، الرياض : مكتبة المعارف ، ط1 / 1401 هـ / 1981 م ، ص 13 – 20 ، والنقد الأدبي الحديث أصوله واتجاهاته ص 248 .
(147) في النقد الأدبي الحديث مدارسه ومناهجه وقضاياه ( ودراسات نقديّة تطبيقيّة ) الدكتور : محمد صالح الشنطي ، حائل : دار الأندلس ط1 / 1419 هـ / 1999م، ص 151 .
(148) المرجع نفسه ص 153 .
(149) نفسه ص 146 .
(150) الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة ، ص (( ج )) المقدمة .
(151) انظر النقد الأدبي الحديث أصوله واتجاهاته ص 247 – 249 ، والاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي أصوله وقضاياه ص 13 – 21 .
(152) أنطونيو وكليوباترا دراسة مقارنة بين شيكسبير وشوقي ، د. عبد الحكيم حسان ، جدة : الدار السعودية للنشر والتوزيع ، ط2 ، 1407 هـ / 1987 م ، ص 215 – 216 .
(153) النقد الأدبي أصوله ومناهجه ، سيــد قطب ، بيروت : دار الشروق ، ط3 ، 1400هـ - 1980 م ، ص 190 .
(154) دراسة الأدب العربي ، د. مصطفى ناصف ، بيروت : دار الأندلس ، ط3 ، 1983 م ، ص 136 .
(155) في مناهج الدراسات الأدبية ص 14 .
(156) النقد والعلوم الإنسانية ص 29 .
(157) في مناهج الدراسات الأدبية 12 – 13 .
(158) التفسير النفسي للأدب ، د. عز الدين إسماعيل ، بيروت : دار العودة ، ط4، 1981م ، ص 19 .
(159) في مناهج الدراسات الأدبية 9 – 10 ، النقـــد الأدبي والعلوم الإنسانية ص 45 ، علم النفس والأدب ص 34
(160) منازع الفكر الحديث ص 7 .
(161) المرجع نفسه ص 108 .
(162) المرجع نفسه ص 102 ، والذرات تختلف فذرة الهيدروجين تحتوي على بروتون واحد ذي شحنة موجبة ، وعلى الكترون واحد ذي شحنة سالبة وذرة الهليوم فيها أربعة بروتونات والكترونات . أما ذرة اليورانيوم ففيها 238 بروتون ، 146 الكترون في النواة ، و92 الكترون خارج النواة ، انظر ص 102 .
(163) المرجع نفسه 121 - 122 .
(164) نفسه 115 .
(165) نفسه 120 - 124 .
(166) نفسه 120 .
(167) العلم في منظوره الجديد . روبرت م. أغروس ، جورج ن. ستانيو ، ترجمة د. كامل خلايلي ، الكويت : عالم المعرفة 1409 هـ / 1989 م ، ص 21 .
(168) المرجع نفسه ص 21 .
(169) نفسه 9 .
(170) نفسه 175 - 176 .
(171) نفسه 149 - 152 .
(172) نفسه 73 .
(173) سورة الإسراء ، آية 70 .
(174) سورة القصص 77 .
(175) الإنسان بين المادية والإسلام ص 70 .
(176) مقومات التصور الإسلامي ، سيد قطب ، القاهـــرة : دار الشروق ، ط3 ، 1403 هـ / 1988 م ، ص 351 .
(177) المرجع نفسه ص 362 .
(178) انظر للاتساع دراسات في النفس الإنسانية ، محمد قطب ، القاهرة : دار الشروق ، ط10 ، 1414 هـ / 1994 م .
وفي النفس والمجتمع ، محمد قطب ، بيروت : دار الشروق ، ط7 ، 1403 / 1983 م.
ومنهج التربية الإسلامية ج1 ، محمد قطب ، بيروت : دار الشروق ، ط6 ، 1402 هـ/ 1982 م .
(179) سورة الملك ، آية 14 .
(180) العلم في منظوره الجديد ص 85 ، ص 86 .
(181) المرجع نفسه ص 86 .
(182) نفسه ص 86 .
(183) نفسه ص 88 .
(184) مقومات التصور الإسلامي ص 352 .
(185) الشعر الجاهلي تفسير أسطوري 86 .
(186) مقومات التصور الإسلامي 343 .
(187) سورة الجاثية ، آية 27 - 29 .
(188) الأسس الجمالية في النقد العربي عرض وتفسير ومقارنة د. عز الدين إسماعيل ، القاهرة : دار الفكر العربي ، ط3 ، 1974 م ، ص 108 .
ومثل هذا التصور انظر : النقد الأدبي أصوله ومناهجه 189 . في مناهج الدراسات الأدبية 16 ، النقد الأدبي والعلوم الإنسانية ص 49 ، فلسفة تاريخ الفن ص 80 .
(189) في مناهج الدراسات الأدبية 17 .
والنقد الأدبي ومدارسه الحديثة 1 / 284 .
(190) مناهج النقد الأدبي إنريك إندرسون إمبرت ، ترجمة د: الطاهر أحمد مكي ، القاهرة : دار المعارف ، ط2 ، 1992 م ، ص 138 .
(191) فلسفة تاريخ الفن 58 - 59 .
(192) دراسة الأدب العربي 133 .
(193) المرجع نفسه ص 150 وهناك دراسة قيمة أعدها الدكتور وهب رومية بعنوان “ شعرنا القديم والنقد الجديد ” صدرت عام 1416 هـ عن عالم المعرفة بالكويت ، كشفت عوار هذا المنهج .
(194) النقد الأدبي أصوله واتجاهاته 256 - 257 .
(195) انظر الشعر الجاهلي تفسير أسطوري . د: مصطفى عبد الشافي الشوري ، القاهرة : دار المعارف ، ط1 ، 1986 م ، ص 147 .
وقراءة ثانية لشعرنا القديم ، د: مصطفى ناصف ، بيروت : دار الأندلس ، ط2 ، 1401 هـ / 1981 م ، ص 93 وما بعدها .
(196) الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري دراسة في أصولها وتطورها ، د: علي البطل ، بيروت : دار الأندلس ، ط1 ، 1980 م ، ص 131 ، 138 .
والصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث ، د. نصرت عبد الرحمن ، عمان: مكتبة الأقصى ، ط2 ، 1402 هـ / 1982 م ، ص 81 - 83 .
(197) الشعر الجاهلي تفسير أسطوري 162 .
(198) على الترتيب انظر :
ديوان امريء القيس ، تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم ، القاهرة : دار المعارف ، ط4 ، 1984 م ، ص 76 ، 175 ، 268 .
شرح شعر زهير بن أبي سُلمى صنعة أبي العباس ثعلب : تحقيق : د. فخر الدين قباوة ، بيروت : دار الآفاق الجديدة ، ط1 ، 1402 هـ / 1982 م ، ص 108 .
شرح ديوان علقمة بن عَبْدة الفحل للأعلم الشنتمري ، قدم له ووضع هوامشه وفهارسه د: حنا نصر الحتي ، بيروت : دار الكتاب العربي ، ط1 ، 1414 هـ / 1993 م ، ص 63 .
(199) المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي ص 226 .


المصادر والمراجع

1 - الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي أصوله وقضاياه ، الدكتور : سعد أبو الرضا ، الرياض : مكتبة المعارف ، ط1 ، 1401 هـ / 1981 م .
2 - أسس التقدّم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث ، الدكتور : فهمي جدعان ، عمّان ، دار الشروق ، ط3 ، 1988 م .
3 - الأسس الجماليّة في النقد العربي عرض وتفسير ومقارنة ، الدكتور : عز الدين إسماعيل ، القاهرة : دار الفكر العربي ، ط3 ، 1974 م .
4 - الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة ، الدكتور : مصطفى سويف ، القاهرة : دار المعارف ، ط4 ، 1981 م .
5 - الأسطورة في الشعر العربي الحديث ، الدكتور : أنس داود ، القاهرة : مكتبة عين شمس ، 1975 م .
6 - إشكالية التحيز ، رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد ، ج1 ، تحرير : الأستاذ الدكتور : عبد الوهاب المسيري ، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، الولايات المتحدة الأمريكية ، ط2 ، 1417 هـ / 1996 م .
7 - انتفاضة العقل العربي ، الدكتور : محمد عبد الرحمن مرحبا ، بيروت : منشورات دار عويدات ، ط1 ، 1994 م
8 - الإنسان بين المادية والإسلام ، محمد قطب ، بيروت : دار الشروق ، ط8 ، 1403 هـ / 1983 م .
9 - أنطونيو وكليوباترا دراسة مقارنة بين شيكسبير وشوقي ، الدكتور : عبد الحكيم حسان ، جدة : الدار السعودية للنشر والتوزيع ، ط2 ، 1407 هـ / 1987 م .
10 - بنية التخلف ، إبراهيم البليهي ، الرياض ، منشورات كتاب الرياض ، مؤسسة اليمامة الصحفية 1415 هـ / 1995 م .
11 - تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها ، دعوة لتشخيص الموروث المجتمعي العربي وإعادة تأسيس الثقافة العربية لعصر تنوير جديد ، الدكتور : محمد جابر الأنصاري ، بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط1 ، 1992 م .
12 - التفسير النفسي للأدب ، الدكتور : عز الدين إسماعيل ، بيروت : دار العودة ، ط4 ، 1981 م .
13 - تكوين العقل العربي ، الدكتور : محمد عابد الجابري ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، ط3 ، 1988 م .
14 - ثقافة المسلم في وجه التيارات المعاصرة ، الدكتور : عبد الحليم عويس ، الرياض : النادي الأدبي بالرياض ، 1399 هـ / 1979 م .
15 - الثقافة والمثقفون في الوطن العربي ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، ط1 ، 1992 م .
16 - الحضارة - الثقافة - المدنية - دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم ، نصر عارف ، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن والدار العالمية بالرياض ، ط2 ، 1415 هـ / 1995 م .
17 - الخطة الشاملة للثقافة العربية ، منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، تونس ، ط2 ، 1996 م
18 - دراسة الأدب العربي ، الدكتور : مصطفى ناصف ، بيروت : دار الأندلس ، ط3 ، 1983 م .
19 - دراسات في النفس الإنسانية ، محمد قطب ، القاهرة : دار الشروق ، ط10 ، 1414 هـ / 1994 م .
20 - ديوان امريء القيس ، تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم ، القاهرة : دار المعارف ، ط4 ، 1984 م .
21 - سقوط آسيا ، كالوم هندرسون ، ترجمة : فريق بيت الأفكار الدولية ، عمان ، 1999 م .
22 - شرح ديوان علقمة بن عبدة الفحل ، الأعلم الشنتمري ، قدم له ووضع هوامشه وفهارسه الدكتور : حنا نصر الحتي ، بيروت : دار الكتاب العربي ، ط1 ، 1414 هـ / 1993 م .
23 - شرح شعر زهير بن أبي سلمى ، صنعة أبي العباس ثعلب ، تحقيق : الدكتور فخر الدين قباوة ، بيروت : دار الآفاق الجديدة ، ط1 ، 1402 هـ / 1982 م .
24 - الشعر الجاهلي تفسير أسطوري ، الدكتور : مصطفى عبد الشافي الشوري ، القاهرة : دار المعارف ، ط1 ، 1986 م .
25 - شعرنا القديم والنقد الجديد ، الدكتور : وهب رومية ، الكويت : عالم المعرفة ، 1416هـ/ 1996 م .
26 - صدمة المستقبل - المتغيرات في عالم الغد ، ألفين توفلر ، ترجمة : محمد علي ناصف ، تقديم: الدكتور أحمد كمال أبو المجد ، القاهرة : دار نهضة مصر ، 1990 م .
27 - الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي ، محمد الولي ، بيروت : المركز الثقافي العربي، ط1 ، 1990 م
28 - الصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث ، الدكتور : نصرت عبد الرحمن ، عمّان : مكتبة الأقصى ، ط2 ، 1402 هـ / 1982 م .
29 - الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري دراسة في أصولها وتطورها ، الدكتور : علي البطل ، بيروت : دار الأندلس ، ط1 ، 1980 م .
30 - عالم الفكر ، الكويت ، المجلد الثالث والعشرون ، العددان الأول والثاني يوليو - ديسمبر 1994 م . عالم الفكر الكويت المجلد الثامن والعشرون ، العدد الرابع ، إبريل - يونيو - 2000 م .
31 - علم اجتماع الأدب ، الدكتور : سيد البحراوي ، القاهرة : الشركة المصرية العالمية للنشر، ط1 ، 1992 م
32 - العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة ، سفر الحوالي ، مكة المكرمة: مطابع جامعة أم القرى ، ط1 ، 1402 هـ / 1982 م .
33 - علم النفس والأدب ، الدكتور : سامي الدروبي ، القاهرة : دار المعارف ، ط2 ، 1981 م .
34 - علم النفس ومشكلات الفرد ، الدكتور : عبد الرحمن عيسوي ، بيروت : دار النهضة العربية ، 1992 م .
35 - العلم في منظوره الجديد ، روبرت م. أغروس ، جورج ن. ستانيو ، ترجمة الدكتور : كامل خلايلي ، الكويت : سلسلة عالم المعرفة ، 1409 هـ / 1989 م .
36 - فلسفة تاريخ الفن ، آرنولد هوسر ، ترجمة : رمزي عبده جرجس ، مراجعة الدكتور : زكي نجيب محمود ، القاهرة : منشورات المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ، 1968 م .
37 - الفكر العربي وصراع الأضداد ، الدكتور : محمد جابر الأنصاري ، بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط1 ، 1996 م .
38 - الفلسفة العربية المعاصرة مواقف ودراسات ، بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الثاني الذي نظمته الجامعة الأردنية ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، ط1 ، 1988 م .
39 - في مناهج الدراسات الأدبية ، حسين الواد ، الدار البيضاء : منشورات عيون ، 1988 م .
40 - في النقد الأدبي الحديث مدارسه ومناهجه وقضاياه ودراسات نقدية تطبيقية ، الدكتور : محمد الشنطي ، حائل : دار الأندلس ، ط1 ، 1419 هـ / 1999 م .
41 - في النفس والمجتمع ، محمد قطب ، بيروت : دار الشروق ، ط7 ، 1403 هـ / 1983م .
42 - في النقد الحديث دراسة في مذاهب نقدية حديثة وأصولها الفكرية ، الدكتور : نصرت عبد الرحمن ، عمان : مكتبة الأقصى ، 1979 م .
43 - قراءة ثانية لشعرنا القديم ، الدكتور : مصطفى ناصف ، بيروت : دار الأندلس ، ط2 ، 1401 هـ / 1981 م .
44 - لسان العرب ، لابن منظور ، طبعة جديدة محققة ومشكولة ومذيلة بفهارس مفصلة تحقيق : عبد الله الكبير وآخرين ، القاهرة : دار المعارف ، بدون تاريخ .
45 - المتلاعبون بالعقول “ الإصدار الثاني ” هربرت أ. شيلر ، ترجمة : عبد السلام رضوان ، الكويت : سلسلة عالم المعرفة ، ط2 ، 1419 هـ / 1999 م .
46 - مخطط الانحدار وإعادة البناء ، الدكتور : خالص حلبي ، الرياض : كتاب الرياض ، مؤسسة اليمامة الصحفية ، 1417 هـ / 1996 م .
47 - مدخل إلى فلسفة العلوم - دراسات ونصوص في الابيستيمولوجيا المعاصرة ج2 - المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي ، الدكتور : محمد عابد الجابري ، المغرب : دار النشر المغربية ، بدون تاريخ .
48 - المرايا المحدبة من البنيويّة إلى التفكيك ، الدكتور : عبد العزيز حمودة ، الكويت : عالم المعرفة ، 1418 هـ / 1998 م .
49 - مشكلات الأفكار في العالم الإسلامي ، مالك بن نبي ، ترجمة الدكتور : بسام بركة ، والدكتور : أحمد شعبو ، وإشراف وتقديم عمر مسقاوي ، بيروت : دار الفكر المعاصر ، ودمشق : دار الفكر ، ط1 ، 1413 هـ / 1992 م .
50 - المعجم الأدبي ، جبور عبد النور ، بيروت ، دار العلم للملايين ، ط2 ، 1984 م .
51 - المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية ، الدكتور : جميل صليبا ، بيروت : دار الكتاب اللبناني ، ط1 ، 1973 م .
52 - مقومات التصور الإسلامي ، محمد قطب ، القاهرة : دار الشروق ، ط3 ، 1403 هـ / 1983 م .
53 - منازع الفكر الحديث ، جود ، نقله إلى العربيه : عباس فضلي ، راجع الترجمة الدكتور : عبد العزيز البسام ، بغداد : مطبعة المجمع العلمي العراقي 1956 م .
54 - مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق ، ديفيد ديتش ، ترجمة الدكتور : محمد يوسف نجم ، والدكتور : إحسان عباس ، بيروت : دار صادر ، 1967 م .
55 - مناهج النقد الأدبي ، إنريك إندرسون إمبرت ، ترجمة الدكتور : الطاهر أحمد مكي ، القاهرة : دار المعارف ، ط2 ، 1992 م .
56 - المنظور الإسلامي للثقافة والتربية ، دراسة في اجتماعيات التربية ، الأستاذ الدكتور : محمد عبد العليم مرسي ، الرياض : مكتبة العبيكان ، ط1 ، 1417 هـ / 1996 م .
57 - المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي دراسة نقدية ، عبد الفتاح محمد أحمد ، بيروت : دار المناهل ، ط1 ، 1408 هـ / 1987 م .
58 - منهج التربية الإسلامية ، محمد قطب ، ج1 ، بيروت : دار الشروق ، ط6 ، 1402هـ/ 1982 م .
59 - الموجز في التحليل النفسي ، سيجموند فرويد ، ترجمه عن الألمانية : سامي محمود علي وعبد السلام القفاش ، راجعه : مصطفى زيور ، القاهرة : دار المعارف ، ط2، 1970م .
60 - الموقف من الحداثة ومسائل أخرى ، الدكتور : عبد الله الغذامي ، جدة : مطابع دار البلاد ، ط1 ، 1407 هـ / 1987 م .
61 - النقد الأدبي الحديث أصوله ومناهجه ، سيد قطب ، بيروت : دار الشروق ، ط3 ، 1400 هـ / 1980 م
62 - النقد الأدبي الحديث أصوله واتجاهاته ، الدكتور : أحمد كمال زكي ، بيروت : دار النهضة العربية 1981 م
63 - النقد الأدبي والعلوم الإنسانية ، جاي لوي كابانس ، ترجمة الدكتور : فهد عكام ، دمشق : دار الفكر ، ط1 ، 1402 هـ / 1982 م .
64 - النقد الأدبي ومدارسه الحديثة ، ستانلي هايمن ، ترجمة الدكتور : إحسان عباس والدكتور : محمد يوسف نجم ، بيروت : دار الثقافة ، 1981 م .


م/ن




..........



نبهات غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-01-2012, 08:54 AM   #2
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,976
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: المنهج في النقد الأدبي العربي الحديث (المنهج النفسي أنموذجاً)

أُنعِم عليكم بدخول الجنان ورؤية الرحمن غاليتي

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-02-2012, 12:01 PM   #3
وليدالحمداني
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 390
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: المنهج في النقد الأدبي العربي الحديث (المنهج النفسي أنموذجاً)

مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

وليدالحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-02-2012, 09:16 PM   #4
نبهات
مشرفة ( وفقها الله )
 
الصورة الرمزية نبهات
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 10,313
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: المنهج في النقد الأدبي العربي الحديث (المنهج النفسي أنموذجاً)

شكرا،بارك الله فيكم




........

نبهات غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
البحث عن المنهج في النقد الأدبي العربي الحديث أبو يوسف المكتبة الأدبية المصورة 11 23-11-2012 01:56 PM
إشكالية المنهج في النقد الأدبي العربي الحديث ـ العيد جلولي نبهات المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 3 12-02-2012 08:00 AM
المنهج أولا في علوم النقد الأدبي أم يوسف 5 المكتبة الأدبية المصورة 1 07-04-2011 10:09 PM
المنهج الموضوعي في النقد الأدبي أبو يوسف المكتبة الأدبية المصورة 9 23-05-2010 11:46 PM


الساعة الآن »05:35 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd