روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-04-2009, 11:54 PM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,781
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

محاضرات في الأدب العباسي و المغربي و الأندلسي
و السلجوقي و المملوكي

مقرر دراسي

إعداد الدكتورة:
تيحال نادية

http://www.ensb.dz/IMG/doc/_.doc

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ

آخر تعديل بواسطة النجدية ، 28-02-2010 الساعة 01:21 PM سبب آخر: تعديل المسافة بين الواو وما بعدها في العنوان
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-05-2009, 03:48 PM   #2
نضال الخفاجي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية نضال الخفاجي
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: العراق _ بغداد
المشاركات: 4,505
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي و المغربي و الأندلسي و السلجوقي و الممل

موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

__________________
<img src=http://4upz.almsloob.com/uploads/images/www.almsloob.com-29e5a40457.gif border=0 alt= />

عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيباً
نضال الخفاجي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-05-2009, 08:24 PM   #3
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 71,367
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي و المغربي و الأندلسي و السلجوقي و الممل

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

__________________



أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-02-2010, 01:21 PM   #4
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,973
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والممل

نسأل الله أن يرفع بأعمالكم الصالحة قدركم درجات في الدنيا والآخرة

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-02-2010, 01:29 PM   #5
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,973
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

الأدب العباسي و المغربي و الأندلسي و السلجوقي و المملوكي الرابط تالف وهذا نص البحث


الأدب العباسي و المغربي و الأندلسي
و السلجوقي و المملوكي.....
( المحاضرات )
إعداد الدكتورة:
تيحال نادية












بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيّدنا و نبيّنا محمد و على آله و أصحابه أجمعين
هذه الطبعة الثانية من برنامج " الأدب العباسي و المغربي و الأندلسي و السلجوقي " لطلبة السنة الثانية من التعليم الجامعي ، من خلال التكوين عن بعد، التزمت فيه بالمواضيع المبرمجة على الطلبة في هذا المستوى ، فنقحت ما ينبغي تنقيحه:أضفت أمورا و حذفت أخرى ، و لا أزعم أنّني آتيت الموضوع حقه ، و صوّرت الأدب العربي في هذه الفترة الطويلة من العصر العباسي إلى العصر السلجوقي تصويرا كاملا و إنما حاولت وأرجو ألا أكون قد قصّرت ، و الله أسأل أن يلهمني السداد في الفكر و الإخلاص في القول و العمل ، و هو حسبي و نعم الوكيل.





الجزائر في 17 رمضان 1429
الموافق ل 17 سبتمبر 2008


د/ تيحال نادية


قبل البدء بالحديث عن الخلافة العباسية و عن خصائصها و ثقافتها و أدبائها يجدر بنا أولا أن نلقي إطلالة بسيطة عن الدولة الأموية و أسباب تضعضعها و انكسارها.
أسباب انهيار الدولة الأموية:
لقد اختلفت الآراء في أسباب انهيار الدولة الأموية ثم سقوطها عام 132هـ ،فبعض هذه الأسباب يتجه إلى تحلل الأسرة المر وانية من داخلها و وقوع النزاع على السلطة بين أفرادها ذلك النزاع الذي كان مرده إلى السياسة الخاطئة التي سار عليها الأمويون في توليتهم العهد اثنين يلي أحدهما الآخر(1)، و بعضها يرجع إلى ما يقال عن انشغال خلفاء بني أمية بلذاتهم عن تفقد أمور الدولة ، و إلى ظلمهم الرعية حتى أيئسوا الناس من إنصافهم فتمنوا الراحة منهم(2) و منها اضطراب النظام المالي للدولة و ظهور الطبقية بشكل حاد بين العرب و بين أهالي البلاد المفتوحة إلى غير ذلك من الأسباب المبثوثة في كتب التاريخ القديمة و الحديثة(3) .
و إلى هذه الأسباب جميعها يضاف سبب جوهري ، ذلك أنّه شكّك في أحقية بني أمية في الحكم ، و أنّ الأحق و الأولى به هم الشيعة، و أنّ استشهاد الحسين في كربلاء و تنازل أخيه الحسن عن حقه في الخلافة ، و مبايعة علي زين العابدين ليزيد بن معاوية ثمّ لعبد الملك بن مروان ثمّ مبايعة محمد بن علي لعبد الملك نفسه كلّ ذلك لم يكن معناه مطلقا أنّ الشيعة ألقت سلاحها و تركت الأمر نهائيا لبني أمية ، فلم يكن رأي الشيعة في هؤلاء الذين تنازلوا عن حقّهم إلاّ أنهم مغلوبون على أمرهم(4).
و قد استطاع الأمويون أن يصمدوا للثورات الشيعية أو التي رفعت شعار التشيع و أن يقضوا عليها ، و كذلك الأمر بالنسبة لثورات الخوارج و لكن الثورة التي أجهزت عليهم كانت هي ثورة العباسيين.



  1. تاريخ الإسلام السياسي و الديني و الثقافي و الاجتماعي، حسن إبراهيم حسن، ج:2، ص:7، مكتبة النهضة المصرية.
  2. انظر مروج الذهب، المسعودي2/ 194.
  3. انظر العصر العباسي الأوّل ، عبد العزيز الدوري،ص:5-18، و في الأدب العباسي الرؤية و الفن، د عز الدين إسماعيل: 15- 16.
  4. في الأدب العباسي الرؤية و الفن ، د/ عز الدين إسماعيل ص: 15-16.

قيام الدولة العباسية
العصر العباسي الأوّل:

لقد بدأت الدعوة العباسية بالظهور سنة (100هـ)في خلافة عمر بن عبد العزيز، فإنّ محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بعد أن أخذ الوصاية من أبي هاشم، أنشأ يؤلف الجماعات السرية ، فاختار اثني عشر نقيبا لبثّ الدعوة ، و جعل تحت أيديهم سبعين رجلا يأتمرون أمرهم(1)
و لقد راح دعاة العباسيين يتنقلون في الأمصار الإسلامية و يبثّون الدعوة سرا متظاهرين بالتجارة و طلب الرزق ، و بقوا على هذه الحال حتى توفي محمد بن علي و صار الأمر إلى ولده إبراهيم الإمام ، فكاتب إبراهيم مشايخ خراسان و دهاقينها و بعث إليهم الدعاة ، ثم أرسل أبا مسلم الخراساني و كان كثير الدهاء شجاعا مقداما شديد الإخلاص للعباسيين فجاء خراسان سنة (129هـ 746م) و أقام في مرو يدعو الناس إلى مبايعة آل محمد من غير تعيين ، لتكون الدعوة مبهمة ، مشتركة بين العباسيين و العلويين ، و قد لجأ إلى هذه الحيلة ليأمن معارضة الشيعيين في بلاد فارس فتبعه خلق و قد كان على خراسان نصر بن سيار من قبل الأمويين ، فخاف عاقبة الأمر ، فأرسل إلى الخليفة مروان بن محمد يخبره بحال أبي مسلم و كثرة من معه و في ذلك يقول :

أرى حلل الرماد وميض نـــار و يوشك أن يكون لها ضــرام
فإن لم يطفها عقلاء قـــــوم يكون وقودها جثث و هـــام
فإن النار بالعودين تذكــــى و إن الحرب أوّلها كــــــلام
فقلت من التعجب ليتشعريأأيقاظ أميّة أم نيــــام (2)

لكن مروان تخاذل عن نجدة نصر و كتب إليه يقول : إنّ الحاضر يرى ما لا يرغب الغائب ، فاحسم أنت هذا الداء الذي قد ظهر عندك.
و اشتدت شوكة أبي مسلم فهرب نصر بن سيار فقصد العراق فمات في الطريق.
و كان مروان قد تنبه في تلك الأثناء من غفلته فأرسل إلى الحميمة بعثا و اعتقل إبراهيم الإمام فلما قبض عليه أوصى بالخلافة إلى أخيه أبي العباس السفاح ، و أمر أهله و أنصاره بالمسير إلى الكوفة لأن فيها أنصاره من الشيعة الكيسانية .

و حبس إبراهيم في حرّان (3)حتى مات ، و لمّا علم أبو مسلم بموته دعا أهل خراسان إلى مبايعة أبي العباس السفاح ، فأجابوه ثم سيّر العساكر لقتال مروان و كان السفاح قد ذهب بأهله و أنصاره إلى الكوفة فأظهر دعوته هناك فبايعه أهلها في 12 ربيع الثاني سنة 132هـ ، فكان هذا التاريخ بداية لقيام الدولة العباسية .
1-أدباء العرب في الأعصر العباسية ، بطرس بستاني، ص: 13.
2-أنظر المرجع السابق ص:14-15.
3-حران : قال ياقوت : هي مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور و هي قصبة مضر بينها و بين الرها يوم و بين الرقة يومان، و هي على طريق الموصل و الشام .
و قد امتدت الدولة العباسية في الزمان حتى عام 656هـ عندما استولى التتار على بغداد، و بلغ عدد الخلفاء 37 خليفة و هم:

السفاح( 132-136هـ) - المتقي(329-333)
المنصور(136-158هـ) -المستكفي(333-334هـ)
المهدي(158-169هـ) - المطيع(334-363هـ)
الهادي(169-170هـ) - الطائع( 363-381)
الرشيد(170-193هـ) - القادر(381-422هـ-)
الأمين(193-198هـ) - القائم(422-467هـ)
المأمون(198-218هـ) - المقتدي بأمر الله( 467-487هـ)
المعتصم(218-227) - المستظهر بالله( 487- 512هـ)
الواثق(227-232هـ) - المسترشد بالله ( 512 – 529هـ)
المتوكل (232-247هـ- الراشد بالله( 529-530هـ)
المنتصر(247-248هـ) - المقتفي لأمر الله( 530- 555هـ)
المستعين(248-252هـ) - المستنجد بالله( 555- 566هـ)
المعتز(252-255هـ) - المستضئ بالله( 566- 575هـ)
المهتدي(255-256هـ) - الناصر لدين الله( 575- 622هـ)
المعتمد(256-279هـ) - الظاهر بأمر الله( 622-623هـ)
المعتضد( 279-289هـ) - المستنصر بالله( 623- 640)
المكتفي( 289-295هـ) - المستعصم بالله( 640- 656هـ)
المقتدر(295-320هـ)القاهر(320-322هـ)
الراضي(322-329)

و قد قسم المؤرخون العصر العباسي لطوله إلى أربعة أقسام ، هي:


  1. العصر العباسي الأول : و يبدأ من قيام الدولة عام 132هـ و ينتهي بتولي المتوكل الخلافة عام 232هـ.
  2. العصر العباسي الثاني: و يبدأ من تولي المتوكل عام 232هـ، و ينتهي بسيطرة البويهيين عام 334هـ.
  3. العصر العباسي الثالث: و يبدأ بسيطرة البويهيين عام 334هـ و ينتهي ببدء نفوذ السلاجقة عام 447هـ.
  4. العصر العباسي الرابع: و يبدأ بسيطرة السلاجقة عام 447هـ، و ينتهي بسقوط بغداد في يد هولاكو عام 656هـ.
و تابع مؤرخو الأدب المؤرخين في هذا التقسيم ،بينما رأى بعضهم أن يقسم العصر العباسي إلى قسمين فقط هما:
العصر العباسي الأول( 132هـ 334 هـ)

العصر العباسي الثاني( 334هـ - 656هـ)
و نحاول – إن شاء الله – في دراستنا أن نلتزم بالتقسيم الثاني و إن كنا لا نؤمن بمثل هذه التقسيمات السياسية للعصر، لأن العصور الأدبية المختلفة تحمل بعض الخصائص و المؤثرات من العصور السابقة و يمتد أثرها إلى العصور اللاحقة و يصعب تحديدها بالأحداث السياسية.
العصر العباسي الأول
و يمكن لنا أن نجمل أهم المظاهر السياسية و الاجتماعية و العلمية في العصر العباسي الأول في النقاط التالية:
فمن الناحية السياسية فقد انقسم الناس بين ساخط و متهيب للوضع الجديد و مؤيد له، كما شهد هذا العصر ظهور عداوة الشيعة و خروجهم عندما رأوا استئثار العباسيين بالأمر، هذا و قد عرف هذا العصر اتجاه الحكام إلى الفرس يتخذون منهم الوزراء و الولاة و القادة و إلى جانب ذلك كله فقد اهتمت الخلافة العباسية بنقل عاصمة الخلافة إلى بغداد بالقرب من الفرس و بعيدا عن أنصار بني أمية.
أما من الناحية الاجتماعية فقد عرف العصر العباسي الأول امتزاج الدماء بين العرب و غيرهم من الأجناس الأخرى عن طريق التزاوج، مما أدى إلى ظهور جيل جديد من المولدين يحمل خصائص العرب و الأجانب.
و لقد اتسع نطاق الحرية في هذا العصر مما أدّى إلى استغلالها بصورة سيّئة من جانب غير العرب مما أدّى إلى انتشار أمراض اجتماعية و خلقية و دينية و ظهور الشعوبية.
و بجانب ظهور الشعوبية ظهر تيار مضاد لها يدعو لتمجيد العرب و آخر في الزهد مضاد للانحلال و المجون الذي انتشر في هذا العصر.
أما من الناحية الثقافية فيعتبر العصر العباسي أزهى العصور العلمية و الأدبية في الدولة العربية و الإسلامية ، و ذلك بسبب حرص الخلفاء على نقل العلوم عن الحضارات الأخرى كالفارسية و الهندية و اليونانية، يضاف إلى ذلك تشجيع الترجمة و دراسة هذه الآثار و تحليلها و الإضافة عليها، و لم يكن العرب مجرد ناقلين، و إلى جانب ذلك فقد ازدهرت الثقافة الدينية و زاد الاهتمام بالتفسير و إعجاز القرآن و علوم الحديث و ازدهرت أيضا العلوم اللغوية فظهرت مدرستي البصرة و الكوفة في النحو، زد على ذلك أنهم اهتموا اهتماما عظيما بالنقد الأدبي، هذا و قد ظهر تيار جديد في مجال الشعر سمي بمذهب المحدثين ، أحدث أصحابه نوعا من التجديد في منهج بناء القصيدة العربية و أكثروا من البديع.







العصر العباسي الثاني

التحولات السياسية و الاجتماعية الثقافية:
لقد عرف المجتمع في العصر العباسي في القرنين الثالث و الرابع الهجريين بالكثير من مظاهر الفوضى و التقهقر ، فلقد كانت أوضاع الحكم غير مستقرة، فقد الأمن و كثر القتل و حوادث السرقة و النهب، و أصبحت المناصب الحساسة في الدولة نهبا بين الأقوياء ، و يكفيأن نعرف أنّ العراق و هو مركز الدولة لم يعرف الأمن و لم يتمتع بالسلام خلال طيلة القرن الرابع الهجري ، فما عسانا نقول في المناطق و الأقاليم البعيدة عن مركز السلطة، فهذا ابن الأثير في وصف الحالة المزرية التي آلت إليها السلطة خلال حوادث 334هـ يقول إنه:" في خلافة المطيع شغب الجند عن معز الدولة، و أزعجوه فضمن لهم أرزاقهم و اضطر إلى خبط الناس ، و أخذ الأموال من غير وجوهها ، و أقطع قواده و أصحابه القرى جميعا...و كانت البلاد قد خربت من الاختلاف و الغلاء و النهب "(1)
و سوف نحاول التحدث عن أهم ما ميز الحياة العباسية( سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا)
الناحية السياسية:
عرف العصر العباسي الثاني الكثير من المشاكل السياسية و المذهبية، لقد كانت أمور الخلافة قد تطرق إليها الاضطراب منذ منتصف النصف الثاني من القرن الثالث الهجري بسبب استبداد الأتراك بالأمور دون الخلفاء ، كما ازداد عدد الخارجين عليها ممن حمل لواء الثورة على السلطة، و التمرد على الحكم يضاف إلى ذلك ما أصاب الإدارة من فساد و تقهقر.
و قد جاء في الفخري قول صاحبه واصفا دولة بني بويه الذين حكموا طيلة القرن الرابع الهجري فبسطوا يدهم على السلطة و الشعب فيقول:" دوخت الأمم و أذلت العالم، و استولت على الخلافة ، فعزلت الخلفاء وولتهم و استوزرت الوزراء و صرفتهم، و انقادت لأحكامها أمور بلاد العجم و العراق و أطاعتهم رجال الدولة بالاتفاق"(2)
و هناك أسباب عديدة لهذه الحالة المتردية التي صارت عليها الخلافة العباسية و لا بأس من الرجوع إلى الوراء قليلا للتعرف على بدايات الاضطرابات الذي أصاب الحياة السياسية و أولى بذور الشوك الذي غرس في جسم الخلافة العباسية فكان الجني مرا كمرارة العلقم.
  1. الكامل ابن الأثير 6/ 217.
  2. الفخري في الآداب السلطانية، ابن الطقطقي ص: 206.
لقد أحدث المعتصم تغييرا في جيش الخلافة باعتماده على الترك، ثم تمكينهم من الإمساك بزمام الشؤون الإدارية بجانب ما أمسكوا به من زمام الشؤون العسكرية(1) ثم خلفه ابنه الواثق الذي زاد الأمور تقهقرا بتوليته لإشناس التركي من بغداد إلى آخر أعمال المغرب (2) جاعلا له على كلّ هذه البلدان كامل السيطرة، و ليته توقف عند هذا الحد بل زاد عليه بأن ولّى إيتاخ و وصيف و بغا الكبير ، فحين توفي سنة 232هـ حمل رجال الدولة للبيعة للمتوكل و منذ ذلك الوقت أصبح تولية الخلفاء و حتى عزلهم فيما بعد بقليل بيد الأتراك ، فكانت تلك الطامة الكبرى التي أصابت الحياة السياسية.
الناحية الاجتماعية:
عرفت الحياة الاجتماعية تقهقرا فضيعا ، فقد انعكس الاضطراب الذي شمل الحياة السياسية فساد عمّ الوضعين الاجتماعي و الاقتصادي، فظهر بون شاسع بين الطبقات الشعبية ، و ابتعاد عن العدل في توزيع الثروة العامة، و ظهرت الطبقية بشكل صارخ ، فأصبح المجتمع يتكون من الطبقة العليا التي تشمل الخلفاء و الوزراء و القواد و الولاة و ما يلحق بهم من الأمراء و كبار رجال الدولة و رؤوس التجار و أصحاب الإقطاع من الأعيان و ذوي اليسار ، و هذه الطبقة كانت غارقة في النعيم تجبى لها الأموال من كلّ مكان، و طبقة وسطى و تشمل رجال الجيش و موظفي الدواوين و التجار و الصناع و طبقة دنيا و تشمل العامة من الزراع و أصحاب الحرف الصغيرة و الخدم و الرقيق.
و من هنا وجد في المجتمع الأغنياء الذين يملكون الأموال الفاحشة، و الفقراء الذين يرزحون تحت وطأة الفقر و شظف العيش.
الناحية الثقافية:
الازدهار الثقافي في العصر العباسي الثاني رغم الضعف الشامل لجميع نواحي الحياة :
رغم الاضطراب و الفساد الذي أصاب كل من الحياة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و ذلك خلال منتصف القرن الثالث و القرن الرابع الهجريين فقد عرفت الحركة العلمية ازدهارا و انتعاشا لم يعرف له مثيل لا من قبل و لا من بعد هذه الفترة ، حتى أن الكثير من الأدباء اعتبر هذه المرحلة من أخصب مراحل الثقافة العربية الإسلامية، و قد كان للانقسام السياسي الأثر العظيم في ذلك الازدهار، فرغم خروج الكثير من الأقاليم من بغداد و استقلالها عنها إلا أن هذه الأقاليم كانت نفسها سببا في هذا الازدهار ، حيث أنها لم تكن متنافسة فيما بينها في شؤون السياسة فحسب ، بل كانت أيضا متنافسة أشد ما يكون التنافس في جلب الأدباء و العلماء و الإغداق في العطاء و البذل لتشجيعهم على البحث و التأليف.
1-انظر تاريخ اليعقوبي 2/473
2-انظر المصدر نفسه 2/ 479.
الموالي و الخلافة العباسية:

لقد كان الفرس هم دعامة الثورة العباسية ، لذلك كانت لهم المكانة الكبيرة فيها، فقد اتخذ الخلفاء وزراءهم و كتابهم من الفرس منذ قيام الدولة ، حيث تولى الوزارة على عهد السفاح أبو سلمة الخلال، ثم خالد بن برمك( جد البرامكة)، و في عهد المنصور تولى الوزارة أبو أيوب سليمان المورياني، ثم أبو الفضل الربيع بن يونس، و في عهد الرشيد يحي بن خالد البرمكي ، و في عهد المأمون الفضل بن سهل و الحسن بن سهل و هكذا.
و مع نفوذ الفرس القوي منذ قيام الدولة إلاّ أن الخلفاء الأوائل كان لهم من القوّة و الشأن ما مكنهم من البطش بكبار الفرس عند الشعور بأيّ خطر أو خيانة فقد قضى المنصور على أبي مسلم الخراساني أعظم من ساهم في القضاء على الدولة الأموية و قيام الدولة العباسية ، كما أنّ الرشيد نكب البرامكة و قضى عليهم عندما أحس بخطرهم ، و كذلك فعل المأمون بآل سهل.
لكن نفوذهم قد قوي بعد ضعف الخلفاء العباسيين ، حتى أصبحوا هم الحكام الفعليين للدولة، حتى أنهم كانوا يعزلون الخليفة إذا لم يخضع لهم ، و يتجلى ذلك واضحا في عهد السيطرة البويهية ، و قد أدى نفوذ الفرس السياسي و الثقافي إلى انتشار الثقافة الفارسية و العادات و التقاليد التي ورثوها عن حضارتهم السابقة.
كما أدى ذلك إلى بروز حركة الشعوبية و هي حركة تدعو إلى احتقار العرب و نشر مثالبهم ، ليصلوا من خلال ذلك إلى الطعن في الإسلام و رجاله، فهي حركة عدائية ضدّ الأمة العربية الإسلامية ، و قد تصدى لها الكثير من الكتّاب بالرد و التفنيد كالجاحظ و ابن قتيبة.
و قد دخل عنصر جديد في الصراع على مراكز القوة و السلطة في الدولة العباسية ، فبعد أن كان العرب و الفرس يمثلون القوى المتصارعة في الدولة أصبح للأتراك منذ عهد المعتصم نفوذ كبير عندما استعان بهم و بنى لجندهم منهم مدينة سامراء عام 221هـ ، و بعد ذلك قوي نفوذهم حتى أنهم قتلوا الخليفة العباسي المتوكل عام 247هـ و سيطروا على الدولة في الفترة من 247 إلى 334هـ.



الأدب في العصر العباسي:
لقد عرف العصر العباسي نهضة فكرية راقية ، و قد عرف العصر حركات ثقافية مهمة و تيارات فكرية بفضل التداخل بين الأمم.. و كان لنقل التراث اليوناني و الفارسي و الهندي و تشجيع الخلفاء و الأمراء و الولاة و إقبال العرب على الثقافات المتنوعة أبعد الأثر في جعل الزمن العباسي عصرا ذهبيا في الحياة الفكرية .
لقد كانت اللغة العربية في العصر العباسي هي اللغة الرسمية في البلدان الخاضعة لسيطرة المسلمين ، و كانت لغة العلم و الأدب و العلم و الفلسفة و الدين لدى جميع الشعوب و قد كتب النتاج بمجمله باللغة العربية مع أنّ قسما كبيرا من أصحابه ليسوا من العرب .
لقد تركت الثقافات الدخيلة أثرا عميقا في علوم العرب و فلسفتهم ، و لكن آداب الأعاجم لم يكنلها مثل هذا الأثر فالعرب لم ينقلوا إلاّ جزءا ضئيلا من الآداب الأعجمية، لأنهم لم يشعروا بحاجتهم إليها و لم يكن أدباء العرب و شعراؤهم يتقنون لغات غربية ، فظل أدبهم في مجمله صافيا بعيدا عن التيارات الأجنبية .
و قد غلب الطابع العربي على الأعاجم الذين نظموا و كتبوا بالعربية، فتأثروا بالاتجاهات الأدبية العربية و انحصر تجديدهم ضمن القوالب التقليدية ، لذلك فإن العصر العباسي و إن حمّل الأدب الكثير من التجديد و لكن هذا التجديد كان دائما ضمن الأطر التقليدية.
كما انتشرت في العصر العباسي المعارف ، و كثر الإقبال على البحث و التدوين و أنشئت المكتبات و راجت أسواق الكتب و قد وضعت المؤلفات في مختلف فروع المعرفة ، في التاريخ و الجغرافيا و الفلك و الرياضيات و الطب و الكيمياء و الصيدلة، و الصرف و النحو، و اللغة و النقد و الشعر ، و القصص و الدين ، و الفلسفة و السياسة و الأخلاق و الاجتماع و غير ذلك، و يكفي أن نقرأ كتاب الفهرست لابن النديم لنعرف إلى أيّ مدى كانت حركة التأليف مزدهرة، و أقبل الأدباء على الثقافات الجديدة يكتسبون منها معطيات عقلية، و قدرة على التعليل و الاستنباط و توليد المعاني، و المقارنة و الاستنتاج، فالأدب العباسي جاء أغنى ممّا سبقه ، و يدلنا على هذا الغنى ما نراه في شعر أبي نواس و أبي تمام و أبي الطيب المتنبي و أبي العلاء المعري...و ما نراه في نثر ابن المقفع و الجاحظ و بديع الزمان و سواهم..ثم أنّ عمق الثقافة ساعد على عمق التجربة الإنسانية، فجاء الأدب العباسي زاخرا بالمعطيات الإنسانية من حيث تصويره لجوهر الإنسان و ما يتعقب على النفس من حالات اليأس و الأمل، و الضعف و القوة ، و الحزم و الفرح و غير ذلك... كما رسم الأدب العباسي المشاكل العامة في الاجتماع و الفكر و السياسة و الأخلاق و هذا كله ظهر في خمريات أبي نواس و خواطر الرومي ، و حكم المتنبي و وجدانيات أبي فراس ، و تأملات المعري و أمثال ابن
المقفع ، و انتقادات الجاحظ، فضلا عن ذلك عرف العصر مدارس أدبية شعرية و نثرية منها مدرسة أبي نوّاس و مدرسة أبي تمام، و مدرسة أبي العتاهية ، و مدرسة المعري في ميادين الشعر.
وفي النثر عرفت مدرسة ابن المقفع ، و مدرسة الجاحظ ، و مدرسة بديع الزمان الهمذاني، ولكلّ من هذه المدارس خصائصها و اتجاهاتها ، و قد كان لها الفضل في إعلاء شأن الحياة الأدبية في العصر العباسي.
و إن كان الشعر السياسي قد ازدهر في العصر الأموي لأسباب متعددة من أهمها قيام الأحزاب السياسية و تناحرها ، إلاّ أنّ هذا اللون من الشعر قد انحصرت أهميته في العصر العباسي بسبب ضعف الأحزاب و العصبيات القبلية.. و قد ازدهر بالمقابل شعر المدح بفعل ازدهار الحياة الاقتصادية و تطوّر الحياة الاجتماعية، مع ميل الخلفاء إلى الترف و حبّ الإطراء، فأقبل الشعراء يمجدون الخلافة و الأمراء و أصحاب النفوذ مقابل العطايا السنية، كما قوي الهجاء بدافع تحاسد الشعراء و ضمنوا هجاءهم الكلام المقذع أحيانا.
أما الغزل فقد مال به أصحابه بصورة عامة إلى التهتك و الإباحية و الفحش في الألفاظ و كثر في العصر العباسي الخلعاء من الشعراء الماجنين، و أهمهم أبو نواس و حماد عجرد، و مطيع بن إياس، و الضحاك، و والبة بن الحباب إلاّ أنّ فئة من المتعففين حافظ أفرادها على العذرية في الشعر ، من أمثال البحتري و أبي تمام و ابن الرومي و أبي فراس الحمداني و الشريف الرضي فهؤلاء جاءت قصائدهم الغزلية صادرة عن وجدان صحيح فيه الصدق و البراءة و المحافظة على الآداب العامة، كما ساعدت البيئة العباسية على ازدهار فنون جديدة كانت من قبل ضعيفة أو غير معروفة ، و أم هذه الفنون شعر المجون الذي كان وليد انتشار الزندقة و تفشي الفساد بفعل اختلاط الشعوب ، و إتيان الأعاجم بفنون من الخلاعة و الفحش و رديء العادات ، أما شعر الخمر فقد ارتقى على أيدي أبي نواس و صحبه و أصابه من معطيات العصر ما جعل الشعراء يبدعون فيه و قد بلغ الشاعر أبو نواس الذروة في هذا المجال و تجاوز بذلك الأعشى و الأخطل و الوليد بن يزيد في هذا الفن، و اهتدى إلى معان و صور و آفاق و أساليب صار معها حامل لواء التجديد في الشعر العباسي و جعل من الخمريات رمزا لهذا التجديد و أساسا لنشر الآراء و فلسفة الحياة و الوجود.
و يمكن لنا أن نلخص أهم الأسباب التي أدّت إلى نهضة الأدب في العصر العباسي الأول في النقاط التالية:

  1. الامتزاج بين أبناء الأمة العربية و غيرهم من الأجناس الأخرى, و نشأة جيل جديد من المولدين يحمل الخصائص العربية و الأجنبية ( مثل بشار بن برد و ابن الرومي)
  2. انتشار التطور الحضاري المادي مثل بناء القصور و الحدائق و التماثيل و النفورات ووصف الشعراء لكل هذه المظاهر مما أثرى الدرس الأدبي .
  3. الرقي الثقافي الذي اتسعت آفاقه عن طريق التأليف و الترجمة و مجالس العلم و الثقافة.
  4. تشجيع الحكام و الخلفاء للأدب و تقديرهم للأدباء و الشعراء و إعطائهم الأموال الكثيرة.
  5. تنافس الأدباء و الشعراء فيما بينهم لنيل المكانة و الحظوة لدى الحكام و الخلفاء.
أما عن سمات الأدب في العصر العباسي الأول، فقد تطورت فنون كما ابتكرت أخرى أما الفنون التي تطورت فهي:
1-المدح: أما عن أسباب هذا التطورفهي:
تنافس الشعراء لنيل المكانة و الحظوة.
اعتبره الحكام سبيلا إلى تثبيت حكمهم.
و من مظاهر تطوره:
- عدم الالتزام بالبداية الغزلية أو البكاء على الأطلال.
- بدء القصائد بوصف الرياض أو الخمر.
- الإكثار من الحكم و الأمثال.
2- الهجاء:
لقد كان الهجاء قبل العصر العباسي يقوم على الاتهام بالبخل و الجبن و الخسة و غيرها من هذه الصفات ، و قد صار في هذا العصر سبابا مقذعا، فهذا حماد عجرد يهجو بشار فيقول :
و أعمى يشبه القرد إذا ما عمى القرد دني لم يرح يوما إلى مجد و لم يغد

3-الرثاء:
استمر الرثاء على ما كان عليه من حرارة العاطفة و المشاعر الحزينة
يقول ابن الرومي في رثاء ولده:
توخى حمام الموت أوسط صبيتي فلله كيف اختار واسطة العقد

4- الفخر و الحماسة :
تحول الفخر من الفردي و القبلي إلى الفخر القومي كمآثر العرب و فتوحاتهم، يقول أبو تمام:
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به نظم من الشعر أو نثر من الخطب
5 الغزل:
لقد طغى المجون على الغزل في هذا العصر لضعف الوازع الديني .
  1. الوصف:
و قد بلغ درجة عظيمة من التطور و الرقي نظرا لمظاهر الحياة و الطبيعة و القصور و النفورات و البساتين.
  1. أما عن الفنون الجديدة المبتكرة:
1- الزهد و الحكمة: و قد ظهر هذا اللون كرد فعل لتيار اللهو و المجون الذي تزعمه بشار، فظهر تيار الزهد يدعوا إلى البعد عن الملذات الدنيوية و الدعوة إلى العمل الصالح.
يقول أبو العتاهية:

يانفس قد أزف الرحيل و أظلك الخطب الجليل
فتأهبــي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل

  1. موضوعات جديدة: فقد ظهرت مواضيع جديدة ذات علاقة وطيدة بالحياة الحضارية المترفة كوصف القصور و الدور و الطبيعة و الغناء( انظر قصيدة أبي تمام في وصف الربيع).
هذا عن الشعر أما النثر فقد عرف تطورا واضحا هو الآخر في العصر العباسي الأول ومن أهم أسباب تطوره ما يلي:
      1. امتزاج العرب بالعجم.
      2. الترجمة من الحضارات الأخرى.
      3. الاستقرار الفكري و الحرية التي تمتع بها الكتاب و غيرهم.
أما عن أهم سماته و خصائصه فيمكن إجمالها في النقاط التالية:
    1. اتسع النثر لموضوعات متعددة.
استيعاب مظاهر الحضارة و الثقافة في هذا العصر.
    1. علت مكانة النثر إلى الحد الذي أصبح منافسا للشعر.
    2. استوعب المؤلفات الأجنبية عن طريق الترجمة.
لقد عرف النثر في العصر العباسي الأوّل رقيا واضحا و من مظاهر هذا الرقي:
1- الأفكار و المعاني التي مالت إلى:
الدقة و العمق.
التسلسل المنطقي.
ظهور أثر الثقافة الأجنبية.
الميل إلى الاستقصاء و الاستطراد.
اتسعت الفكرة للحقائق العلمية.



2- الألفاظ و العبارات:
الدقة و قوة التأثير.
التنوع بين الإيجاز و الإطناب.
الميل إلى السهولة و العذوبة.
التأثر بالقرآن الكريم و الحديث الشريف.
استخدام المحسنات البديعية غير المتكلفة.
3- فنون النثر: لقد كثرت فنون النثر حيث نجد:
النثر العلمي.
النثر الفلسفي.
النثر التاريخي.
كما تشعب النثر الفني إلى : الخطب و المواعظ و القصص و الرسائل الديوانية و الإخوانية و الأدبية.
و بعد تعرضنا لأهمّ خصائص الأدب في العصر العباسي الأول ، سنتطرق لمميزات الأدب في العصر العباسي الثاني ، و قبل ذلك يجدر بنا أن نلخص ماميّز الحياة السياسية في هذه الفترة الحرجة من حياة الأمة العربية الإسلامية.
لقد عرف العصر العباسي الثاني بعصر الدويلات ، و التي أخذت تتصارع فيما بينها و من هذه الدويلات نذكر:

  1. الدولة البويهية في فارس و العراق.
  2. الدولة الإخشيدية في مصر.
  3. الدولة الحمدانية في الشام.
  4. الدولة الغزنوية في أفغانستان و الهند.
  5. الدولة الفاطمية في شمال إفريقيا.
و قامت بينها الحروب حيث استولت الدولة الفاطمية على مصر ثمّ على الشام ، كما قامت الدولة الأيوبية على أنقاض الدولة الفاطمية.

الناحية العلمية و الأدبية:
أما من الناحية العلمية و الأدبية ، فيمكن القول أن العلم و الأدب قد نهضا بفضل عدّة عوامل، منها :
  1. التنافس بين الدويلات للظهور بمظهر العلم و الفن و الحضارة و جذب النابهين و المفكرين ، و تشجيع الحكام لهم و إغداق الأموال عليهم .
  2. تعدد المراكز الأدبية و العلمية في القاهرة و دمشق و حلب و قرطبة و بغداد ، مما أعطى الفرصة أمام الأدباء لعرض إنتاجهم في أيّة حاضرة .
  3. تنافس الشعراء و الأدباء فيما بينهم للحصول على المكانة و المال .
و يمكن أن يقال أن هذا التميز في الحركة العلمية و الأدبية كان في الشطر الأول من هذا
العصر ، ثم ما لبث في الشطر الثاني أن خمدت الحركة العلمية ، و خصوصا في بغداد بعد استيلاء السلاجقة عليها .

الشعر في العصر العباسي الثاني:
من أهم سمات و خصائص الشعر في العصر العباسي الثاني:
أولا :من حيث الأغراض:
هناك أغراض قديمة تطورت ، ومنها:
  1. العتاب: و قد جاءت فيه الدعابة و التأملات الفكرية.
  2. الرثاء: و قد اتسع إلى رثاء الأمم و الحيوانات.
  3. الزهد و الحكمة: و قد ظهر بشكل بيّن كردّ فعل لتيار اللهو و المجون.

الأغراض الجديدة للشعر في العصر العباسي الثاني:
  1. الشعر التعليمي.
  2. شكوى الدهر .
  3. وصف أنواع من الطعام و أنواع من اللهو.
  4. وصف الحيوانات المتوحشة.

ثانيا: الأفكار و المعاني: أما عن الأفكار و المعاني، فقد كانت قوية دقيقة ، مرتبة في أول العصر كما في شعر أبي العلاء المعري و المتنبي و أبي فراس الحمداني، و جاءت في أواخر العصر تافهة مليئة بالألغاز و التكلف.

ثالثا: الألفاظ و الأساليب و الصور و الأخيلة
أما عن الألفاظ و الأساليب و الصور و الأخيلة، فكانت تمتاز بالقوة و الجزالة و روعة التصوير و جمال الخيال و العاطفة الصادقة، أما في أواخر العصر فقد أصبحت ضعيفة ركيكة مثقلة بالمحسنات البديعية، سقيمة متكلفة.
النثر في العصر العباسي الثاني:
لقد عرف النثر تطورا ملحوظا في العصر العباسي الثاني لأسباب عديدة من أهمها :
  1. الاستفادة من الحضارات الأجنبية و الترجمة.
  2. الامتزاج بين العرب و الأجناس الأجنبية.
  3. الاستقرار السياسي الذي ساعد على الاستقرار الفكري.
و من أهم مظاهر نهضة النثرالفني في العصر العباسي الثاني:
كثرة فنون النثر و تعدد موضوعاته.
  1. ظهور مذاهب فنية في النثر لها خصائصها.
  2. منافسته للشعر حتى صار النثر سلما لارتقاء الوزارة و المناصب.
و من أهم فنون النثر الأدبي التي ظهرت في العصر العباسي الثاني:
  1. النثر القصصي:
خطا هذا النوع من النثر خطوات واسعة بعد الاتصال بالحضارات الأجنبية و آداب الأمم الأخرى، و بعد تطوره في العصر العباسي الأول على يد ابن المقفع في كليلة و دمنة و على يد الجاحظ ، كما في البخلاء.
يظهر ذلك في فن المقامة.
  1. الرسائل الديوانية:
و التي تستخدم لتصريف شؤون الدولة، و تتميز بالإيجاز و الدقة و الوضوح، حيث يتولى تحريرها في ديوان الإنشاء أقوى الكتاب ثقافة و شخصية و لغة.
  1. الرسائل الإخوانية:
و التي يكتبها الأفراد لبعضهم في المناسبات كالتهنئة و العتاب و الشوق و الاعتذار و غير ذلك( انظر نص جفاء صديق لابن العميد)
  1. التوقيعات:
و هي التأشيرات و التعليقات التي يكتبها المسئولون ردا على ما يرد إليهم من الشكاوى، و ترجع أسباب ظهورها إلى:
أ- تنوع شؤون الدولة.
ب- كثرة مطالب الناس.
ث- طبيعة المواقف التي تتطلب حلا سريعا.
د- تمكن الحكام من اللغة.

  1. الخطابة: و قد ارتقت في أول العصر بسبب:
  1. حرية القول .
  1. القدرة على التعبير.
  2. وجود الدوافع و المناسبات.
  1. خصائص النثر الأدبي:
  1. الإيجاز.
  2. سلامة العبارة.
  3. دقة الفكرة.
و لقد ضعف النثر الأدبي في الشطر الثاني من هذا العصر لعدة أسباب منها :
- قوة شأن الموالي مع عدم إتقانهم للغة العربية .
- اقتصار الخطابة على النواحي الدينية كخطبة الجمعة و العيدين.
- غلبة العجمة على الألسنة و اتجاه الخطباء إلى ترديد خطب السابقين بصورة آلية و بأسلوب ركيك مثقل بالزينة اللفظية.

و بعد هذه الفسحة في العصر العباسي مع إلمام بأهم ما ميّز هذه الفترة سياسيا و اجتماعيا و أدبيا ، سنعرض– إن شاء الله- لمشاهير أدباء هذا العصر في مجالي الشعر و النثر
أدباء العصر العباسي الأول
بشار بن برد:
ولد(1) بشار في البصرة إبّان الدولة الأموية في خلافة عبد الملك بن مروان من أحد كبار خلفائهاو دهاتها ( توفي عبد الملك سنة 86هـ) أو الوليد ابنه و هو من أب فارسي الأصل من موالي بني عقيل بالبصرة(2)، و نشأ في حجر هذا البيت العربي العريق، و كان يفخربولائه فيهم ، و بما أخذه عنهم من الفصاحة يقول:
إنني من بني عقيل بن كعب موضع السيف من طلا الأعناق
و تنازعته العصبية الفارسية فلم ينج من الفخر بها ، إذا ما أثاره أحد أو غمزه في نسبه غامز، و تراه يجمع بين الولاء ين فيفخر بعروبته ولاء، و بأصله الفارسي، فالشاعر منقسم النفس بين الولاء للعرب الذين ترعرع فيهم و نشأ بينهم و لقن الفصاحة و الشعر عندهم ، و الولاء للفرس الذي يجري دمهم في عروقه.
أما عن صفاته فيقول الأصمعي :" وصف لي بشار فكان أقبح الناس عمى، و أفضعهم منظرا" و قال " كان بشار ضخما عظيم الخلق و الوجه مجدورا، جاحظ المقلتين، و قد تغشاهما لحم أحمر، فكان أقبح الناس عمى و أفظعهم منظرا، و كان إذا أراد أن ينشد صفق بيديه و تنحنح و بصق عن يمينه و شماله ثم ينشد فيأتي بالعجب"(3)
و قد لقب بشار بالمرعث لأنه كان يضع رعثين أو قرطين في أذنيه كعادة الفرس القدماء ، و يكنى بأبي معاذ ، كما عرف عنه العبث منذ صغره، و كان ينزع إلى الهجاء و السخرية بالناس ، و كثيرا ما كان يدعوا إلى اقتحام اللذات فيقول:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته و فاز بالطيبات الفاتك اللهج



1- يختلف الناس في مولده.
2- الأدب في عصر العباسيين، أ.د محمد زغلول سلام ص: 327.
3- المرجع السابق نفسه، ص: 329

مجون بشار و استهتاره، و بعده عن الدين:
لقد كان لتهتك بشار و مجونه قصص جمّة، فقد عرف عنه شربه للخمر جهارا، و إتيانه للأفعال المنكرة ما أثار عقلاء الناس، فسمع يوما و هو يؤذن في غير وقت الصلاة، كما يذكر أيضا أنه خرج يوما لقضاء فريضة الحج فجنح إلى بيت للقيان يقضي فيه و صاحبا له أوقات الحج حتى إذا عاد الحجيج إلى البصرة لحقا بموكبه فيظن الناس أنهما حجا و لم يحجا إلاّ إلى اللهو و الشراب، و قد سجل صاحبه " سعد بن القعقاع" ذلك قائلا:
ألم ترني و بشارا حججنا و كان الحج من غير التجارة
خرجنا طالبي سفر بعيد فمال بنا الطريق إلى زرارة
فآب الناس قد حجوا و بروا و أبنا موقرين من الخسارة

و يبدو أن بشار لم يكن مستهترا، ماجنا فحسب بل كان زنديقا، فمما وصلنا في تفضيل النار على الطين قوله:
الأرض مظلمة و النار مشرقة و النار معبودة مذ كانت النار
كما يقول في تفضيله لإبليس على آدم:
إبليس خير من أبيكــم آدم فتنبهوا يا معشــــر الفجــــار
إبليس من نار و آدم طينة و الأرض لا تسمو سمو النار

و قد رمي بشار بالشعوبية كما رمي بالزندقة و الكفر و الإلحاد، و من الأدلة على شعوبيته قوله:

سأخبر فاخر الأعراب عني و عنه حين بارز للفخـــــــار
أحين كسيت بعد العري خزا و نادمت الكرام على العقـــار
تفاخر يابن راعيــــة و راع بني الأحرار حسبك من خسار
إلى آخر القصيدة
و هي أبيات ردّ بها على أحد الأعراب ، و كان قد سخر به في مجلس أحد أعيان البصرة إذ دخل بشار و عليه بزة الشاعر فقال الأعرابي ، من الرجل؟ فقيل له شاعر فقال : أمولى هو أم عرابي ؟ فقيل له : مولى هو، فقال: و ما للموالي و قول الشعر فغاظ بشارا هذا القول فنظم تلك الأبيات.

شعره:
قال الجاحظ : كان بشار خطيبا صاحب منثور و مزدوج و سجع و رسائل، و هو من المطبوعين أصحاب الإبداع و الاختراع المتفننين في الشعر القائلين في أكثر أجناسه و ضروبه.
و قال ابن شرف القيرواني : هو أول المحدثين و آخر المخضرمين ممن لحق الدولتين عاشق سمع ، و شاعر جمع، شعره ينفق عند ربات الحجال و عند مخول الرجال ، فهو يلين حتى يتعطف و يقوى حتى يستنكف.. و قد طال عمره و كثر شعره، و طما بحره، و نقب في البلاد ذكره.
و قد أجاد بشار في فنون الشعر المختلفة، و كانت شاعريته غنية متدفقة قال عن نفسه: لي اثنا عشر ألف بيت عين فقيل له : هذا ما لم يكن يدّعيه أحد سواك، فقال : لي اثنتا عشر ألف قصيدة ، لعنها الله و لعن قائلها إن لم يكن في كلّ واحدة منها بيت عين.
و قد سئل مرة: ليس أحد من شعراء العرب إلاّ و قد جاء في شعره شيء استنكرته العرب و شك فيه، و إن شعرك ما فيه شك أو خطأ، فقال : و من أين يأتيني الخطأ، ولدت ها هنا يعني في البصرة و نشأت في حجور ثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ، و إن دخلت إلى نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، و يفعت فأبديت إلى أن أدركت فمن أين يأتيني الخطأ؟

و إنّ الضعف الذي نجده في بعض شعره إنما هو ناجم عما قاله في مراحل الصبى الأولى، و قد ذكرت الأخبار أنه قال الشعر و هو في العاشرة من عمره ، و لعله يقصد به خطاب مستوى من الناس، و نبه هو إلى ذلك حين سئل عمّا يجيء في شعره من الهجين المتفاوت مثل قوله:

ربابة ربة البيـــت تصب الخلّ في الزيت
لها عشر دجاجات و ديك حســن الصوت
فقال : لكل وجه، و هذا قلته في ربابة جاريتي و أنا لا آكل البيض من السوق، و ربابة لها عشر دجاجات و ديك، فهي تجمع لي البيض ، و هذا عندها أحسن من " قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل " عندك .
لقد كان بشار من المطبوعين الذين يرتجلون الشعر فكان يصنعه للنائحات كما يصنعه للمغنيات، و هو إلى جانب ذلك يقول في المناسبات العظام، في فتح أو نصر، أو مديح عظيم أو قائد جليل أو خليفة فيرتفع إلى مستوى المناسبة و المقام.
هجاؤه:
نركز ها هنا على غرض الهجاء، لأن بشار قد عرف به ، و في ذلك يقول : إنما وجدت الهجاء المؤلم آخذ بضبع الشاعر من المديح الرائع و من أراد من الشعراء أن يكرم في دهر اللئام على المديح فليستعد للفقر و إلاّ فليبالغ في الهجاء ليخاف فيعطى.
لقد هجا بشار جماعة من أصدقائه كيدا أو معاتبة ، و لهذا عرف بخبث اللسان ، و بأنه كثير الوقوع في الناس ، ومن هجائه قوله فيمن يسمى ابن قزعة:
فلا تبخلا بخل ابن قزعة انه مخافة أن يرجى نداه حزين
إذا جئته للعرف أغلق بابـــه فلم تلقه إلاّ و أنت كميــــــن
و إلى غرض الهجاء قال بشار في أغراض كثيرة مما يدل على قوّة شاعريته، و من هنا كان مقدما على معاصريه ممن اقتصر على لون واحد مثل مروان بن أبي حفصة.



أبو نواس
هوا لحسن بن هانئ الحكمي الدمشقي شاعر عربي من أشهر شعراء العصر العباسي يكنى بأبي علي و أبي نؤاس و النؤاسي ، ولد بالأحواز من بلاد عربستان جنوب غرب إيران سنة 145هـ لأب دمشقي حكمي و أم فارسية الأصل و اسمها جلبان ( بضم الجيم) و المرجح أن والده كان من جند مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية في دمشق .
حياته:
بعد هزيمة مروان في معركة الزاب الأعلى، انتقلت أسرة الشاعر إلى البصرة ، و الطفل أبو نواس في الثانية من عمره ، و قيل في السادسة من عمره، و عندما أيفع وجهته أمه إلى العمل في حانوت عطار و حين آلت الخلافة إلى بني العباس انتقل من البصرة إلى الكوفة فالتقى بوالبة ابن الحباب الأسدي الكوفي أحد الشعراء اللامعين في ميدان الخلاعة و التهتك، فعمل والبة على تأديبه و تخريجه، و صحب جماعة من الشعراء الماجنين كمطيع ابن إياس و حماد عجرد، ثم انتقل إلى بادية بني أسد فأقام فيهم سنة كاملة أخذ اللغة من منابعها الأصيلة ، ثم عاد إلى البصرة فتلقى العلم على يد علمائها أدبا و شعرا.
و عندما توفي والبة تلقفه شيخ من شيوخ اللغة و الأدب و الشعر ، هو خلف الأحمر،فأخذ عنه كثيرا من علمه و أدبه، و كان له منه زاد ثقافي كبير حتى أنه لم يسمح له بقول الشعر حتى يحفظ جملة صالحة من أشعار العرب ، و يقال أن أبا نواس كلما أعلن عن حفظه لما كلفه به طلب منه خلف نسيان ما حفظ، و في هذا لون رفيع من ألوان التعليم، حتى لا يقع هذا الشاعر الناشئ في ربقة من سبقه من الشعراء المتقدمين و قد روي عن أبي نواس قوله:" ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة من لعرب منهم الخنساء و ليلى الأخيلية فما ظنكم
بالرجال؟ "

و ماكاد أبو نواس يبلغ الثلاثين ، حتى ملك ناصية اللغة و الأدب، و أطل على العلوم الإسلامية المختلفة، من فقه و حديث و معرفة بأحكام القرآن ، و بصر بناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه، و ما أن تمّ لابن هانئ هذا القدر من المعرفة حتى طمح ببصره إلى بغداد ، عاصمة الخلافة و مطمح الشعراء.

و إلى جانب الشعر و الأدب اهتم أبو نواس بدراسة الفقه و الحديث و التفسير حتى قال فيه ابن المعتز في كتابه طبقات الشعراء :" كان أبو نواس عالما فقيها عارف بالأحكام ، بصيرا بالاختلاف، صاحب حفظ و نظر و معرفة بطرق الحديث، يعرف محكم القرآن و متشابهه، و ناسخه و منسوخه"
و قد قصد أبو نواس بغداد و امتدح هارون الرشيد و نال مكانة مرموقة لديه ، و لكنه أي هارون الرشيد كان كثيرا ما يحبسه عقابا له على مايو رد في شعره من المباذل و المجون، و قد أطال الرشيد حبسه حتى عفا عنه بشفاعة من البرامكة الذين كان أبو نواس قد اتصل بهم و مدحهم، و لعل صلته بهم هي التي دفعته إلى الفرار حين نكبهم الرشيد فيما عرف فيما بعد بنكبة البرامكة، ذهب أبو نواس إلى دمشق ثمّ إلى مصر متجها إلى الفسطاط ، عاصمتها يوم ذاك، و اتصل بوالي الخراج فيها الخصيب بن عبد الحميد فأحسن وفادته وغمره بالعطاء فمدحه بقصائد مشهورة.

توفي هارون الرشيد و خلفه ابنه الأمين، فعاد أبو نواس إلى بغداد متصلا به، فاتخذه الأمين نديما له يمدحه و يسمعه من طرائف شعره، و عندما توفي الأمين رثاه أبو نواس بقصائد تنم عن صدق عاطفته نحوه.

أسلوبه:
أهم ما في شعر أبي نواس خمرياته التي حاول أن يضارع بها الوليد بن يزيد و قد حدا بنوع خاص حذو معاصره حسين بن الضحاك ، أما مدائحه فتبدو فيها الصناعة بوضوح، أما رثاؤه فنجد فيه عاطفة عميقة و حزنا مؤثرا، أما في أشعاره الغزلية ففيها من العاطفة و الشاعرية الصادقة بقدر ما فيها من الإباحية و التبذل، و لأبي نواس شعر في الزهد اختلف الناس فيه ، لكنه على أية حال يأتي أكثر في مرحلة متأخرة من حياته، و لعله شعر شاعر أسرف على نفسه و شعر بأنه مثقل بالإثم ، ينتظره الحساب العسير ، أو لعله ملّ من اللذة و لم يعد في الجسم شدة الشباب ، و لا سورته ، بل أضعفته العلل و أسكنت من نوازعه.
ديوانه:
لقد جمع ديوان أبي نواس كثيرون منهم الصولي المتوفي عا م 338هـ جمعه في عشرة فصول، و حمزة بن الحسن الأصفهاني و نسخة هذا الأخير أكثر سعة و أقل تحقيقا .
مختارات من شعر :
المدح:
قال يمدح الأمين:
تتيه الشمس و القمر المنير إذا قلنا كأنهما الأميـــــــر
فإن يك أشبها منه قليـــلا فقد أخطاهما شبه كثيــــــــر
و نور محمد أبدا تمــــــام على وضح الطريقة لا يحور
و قال يمدحه أيضا:
ملكت على طير السعادة و اليمـن و حزت إليك الملك مقتبل السـن
لقد طابت الدنيا بطيب محمـــد و زيدت به الأيام حسنا إلى حسـن
ولولا الأمين بن الرشيد لما انقضت رحى الدين، و الدنيا تدور على حزن
الزهد و التوبة:
يارب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلاّ مؤمـــن فبمن يلوذ و يستجير المجرم
أدعوك ربي كما أمرت تضرعا فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلة إلاّ الرجــــا و جميل عفوك ثمّ إني مسلــم
أبو العتاهية
هو إسماعيل ابن القاسم بن سويد العيني، العنزي أبو اسحاق، من موالي قبيلة عنزة، ولد في قرية عين التمرسنة 130هـ، كان بائعا للجرار، مال إلى العلم و الأدب و نظم الشعر حتى نبغ فيه، ثمانتقل إلى بغداد، و اتصل بالخلفاء، فمدح المهدي و الهادي و الرشيد.
أغر مكثر، سريع الخاطر، في شعره إبداع يعد من مقدمي المولدين من طبقة بشار بن برد و أبي نواس و أمثالهما، كان يجيد القول في الزهد و المديح و أكثر أنواع الشعر في عصره.

و أبو العتاهية كنية غلبت عليه لما عرف به في شبابه من مجون( اضطراب في العقل) و لكنه كفّ عن حياة اللهو و المجون، و مال إلى حياة التنسك و الزهد ، و انصرف عن ملذات الدنيا و الحياة ، و شغل بخواطر الموت، و دعا الناس إلى التزود من دار الفناء إلى دار البقاء و كان في بدء أمره يبيع الجرار ثم اتصل بالخلفاء و علت مكانته عندهم و هجر الشعر مدة، فبلغ ذلك الخليفة العباسي المهدي، فسجنه ثم أحضره إليه و هدده بالقتل إن لم يقل الشعر ، فعاد إلى نظمه فأطلقه.

و لقد أشاع أهل المجون أن أبا العتاهية زنديق، و قد حدّث الخليل النوشاني قائلا: أتانا أبو العتاهية إلى منزلنا ، فقال زعم الناس أنني زنديق، والله ما ديني إلاّ التوحيد، فقلنا قل شيئا تتحدث به عنك، فقال:
ألا إننا كلنا بائــــــد و أيّ بني آدم خالــــد
و بدؤهم كان من ربهــــم و كلّ إلى ربه عائــــد
فيا عجبا كيف يعصى الإله؟ أم كيف يجحده الجاحد
و للّه في كلّ تحريكــــة علينا و تسكينة شاهـــد
و في كلّ شيء له آيــة تدل على أنه واحـــــــد

بعد أن اعتزل أبو العتاهية الخلفاء اعتزل أغراض الشعر الأخرى كذلك ، فلم يكتب إلاّ في الزهد و قد روي أنّ الرشيد أمره ذات مرّة أن يقول شعرا في الغزل لكنه امتنع ، فضربه الرشيد و حبسه و حلف ألا يطلق سراحه إلى أن يقول شيئا في الغزل ، و وكل به أحدا يكتب إليه ما سمع ، فقال أبو العتاهية:
أما و الله إنّ الظلم لــؤم و مازال المسيء هو الظلوم
إلى ديّان يوم الدين نمضي و عند الله تجتمع الخصــوم
قيل : فلما بلغ ذلك الرشيد بكى و أمر بإخلاء سبيله.
فلسفته الشعرية:
من أسس الموعظة الشعرية عند أبي العتاهية أنه يحقر شأن الدنيا ، فهي خداعة لا تدوم على حال، فما هي إلاّ زيف و خداع، و العجب أنّ الناس يغفلون عن الوعد المضروب و الأجل المحتوم:
أنلهو و أيامنا تذهب و نلعب و الموت لا يلعب
و الغريب أنهم يصرفون كلّ همهم في الإعداد لدار هم عنها راحلون، فيشيّدون القصور، و يحشون فيها أنواع الزينة، و يهيئون لها الفرش، و هم يعلمون أنهم مفارقوها:
ياباني الدار المعدّ لهــا ماذا عملت لدارك الأخرى
و ممهّد الفرش الوثيرة لا تغفل فراش الرقدة الكبرى
فعليهم أن يحذروا الموت و ما يعقبه، من مشاهد القيامة و أهوالها، ثمّ القرار إمّا في جنة أو نار:
فلو كان هول الموت لا شيء بعده لهان علينا الخطب و احتقر الأمر
لكنه حشر و نشر و جنـــة و نار و ما قد يستطيل به الخبر
الأخلاق في شعر أبي العتاهية:
إنّ أبا العتاهية بعد تطليقه الدنيا صار أقرب إلى شعراء الأخلاق و الحكمة، لذلك نجده في الكثير من شعره يحض على التخلق بأشرف العادات و البذل و الإنفاق في أوجه الصدقات و يدعوا الإنسان إلى أن يراعي حق الجوار و حرمة الذمم، و أن يخفض جناحه لأخيه الإنسان، يقول:
أسلك بنيّ مناهج السـادات و تخلقن بأشرف العادات
لا تلهينّك عن معادك لــذة تفنى و تورث دائم الحسـرات
و إذا اتسعت برزق ربّك فاجعلن منه الأجلّ لأوجه الصدقات
و ارع الجوار لأهله متبرعا بقضاء ما طلبوا من الحاجـات
و اخفض جناحك إن منحت إمارة و ارغب بنفسك عن رديء اللذات
و في موضع آخر ينصحه بعدم الغيبة ، و هي خلة قبيحة مذمومة ، إذ شر الأخلاء من يظهر لك المودة إظهار الصديق الودود و المخلص الغيور، فإذا توارى عنك نهش لحمك :

و شرّ الأخلاء من لم يزل يعاتب طورا و طورا يذم
يريك النصيحة عند اللقاء و يبريك في السر بري القلم
كما يحض على الصدقة و النفقة فيقول:
إذا المرء لم يعتق من المال نفسه تملكه المال الذي هو مالكه
ألا إن مالي الذي أنا مـــنفق و ليس لي المال الذي أنا تاركه
و هكذا ينطلق أبو العتاهية بإيمانه المطلق ، و بكلماته الصادقة يندّد بمطامع الإنسان و حرصه على الدنيا:
ألا إلى الله تصير الأمــــور و ما أنت يادنياي إلاّ غرور
نحن بنو الأرض و سكانها منها خلقنا و إليها نصـــير
أبو تمام
أبو تمام حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشجع بن يحي بن مزينا بن سهم بن ملحان بن مروان بن رفافة بن مر بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عي بن عمرو بن الحارث بن طيء جلهم بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان (1)
ولادته و نشأته:
اختلفت أقوال المؤرخين في سنة ولادته، و مجموع الأقوال أنّه ولد في سنة 172هـ أو 190هـ أو 192هـ ، و قد ولد بقرية جاسم من قرى الجيدور من أعمال دمشق ، نشأ بمصر ، و في حداثته كان يسقي الماء في المسجد الجامع ، ثم جالس الأدباء ، فأخذ عنهم و تعلّم منهم، و كان فطنا فهما ، و كان ىيحب الشعر ، فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر و أجاد، و شاع ذكره، و سار شعره.
مكانته:
لم يختلف اثنان في تقدّمه عند حلبات القريض، و كان آية في الحفظ و الذكاء، يذكر صاحب معاهد التنصيص أنه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعب، غير المقاطع و القصائد، و عندما بلغ المعتصم خبره، حمل إليه و هو بسامراء، فأنشد أبوتمام فيه قصائد عدّة، و أجازه المعتصم، و قدّمه على شعراء وقته.
شعره:
قال الحسين بن إسحاق : قلت للبحتري: الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام. فقال: و الله ما ينفعني هذا القول، و لا يضر أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلاّ به ، و لوددت أن الأمر كما قالوا، و لكني و الله تابع له..نسيمي يركد عند هوائه، و أرضي تنخفض عند سمائه.
ـــــــــــــــ
1- تاريخ بغداد الجزء 8 ص: 248
و قال ابن المعتز: شعر أبي تمام كله حسن.
و في تاريخ ابن عساكرالجزء 4 ، الصفحة 22 أنه لما سمع قوله:
و طول مقام المرء بالحيّ مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدّد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
قال : إن كان الشعر بجودة اللفظ، و حسن المعاني، واطراد المراد، واستواء الكلام، فهي لأبي تمام، و هو أشعر الناس.

و يذكر الصولي: أن أبا تمام قد امتدح أحمد ابن المعتصم أو ابن المأمون بقصيدة سينية فلما انتهى إلى قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس
قال له الكندي الفيلسوف و كان حاضرا : الأمير فوق ما وصفت ، فأطرق قليلا ثمّ رفع رأسه فأنشد:
لا تنكروا ضربي له من دونه مثلا شرودا في الندى و البأس
فالله قد ضرب الأقلّ لــنوره مثلا من المشكاة و النــــــبراس
فعجبوا من سرعة فطنته.
و من مميزات شعره أنّه كان حصينا ، رصينا ، قويا، متينا جامعا لمزايا الفصاحة، و البلاغة، و البراعة، طرق أغلب الأغراض الشعرية.
وقيل : سئل أبو العلاء المعري: من أشعر الثلاثة؟ أبو تمام أم البحتري أم المتنبي؟ فقال: المتنبي و أبو تمام حكيمان و إنما الشاعر البحتري.
البحتري
هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحي التنوخي الطائي ، أحد أشهر الشعراء العرب في العصر العباسي ، ولد في منبج إلى الشمال الشرقي من حلب سنة 206هـ، ظهرت موهبته الشعرية منذ صغره، انتقل إلى حمص ليعرض شعره على أبي تمام الذي وجهه و أرشده إلى ما يجب أن يتبعه في شعره ، كان شاعرا في بلاط الخلفاء : المتوكل و المنتصر و المستعين و المعتز بن المتوكل، كما كانت له صلات وثيقة مع وزراء الدولة العباسية و غيرهم من الولاة و الأمراء و قادة
الجيوش، بقي على صلة وثيقة بمنبج و ظل يزورها حتى وافته المنية، خلّف ديوانا ضخما أكثر مافيه في المديح و أقله في الرثاء و الهجاء، و له أيضا قصائد في الفخر و العتاب و الإعتذار و الحكمة و الوصف و الغزل، كان مصورا بارعا و من أشهر قصائده تلك التي يصف فيها ايوان كسرى و الربيع.
لمّا قتل المتوكل ووزيره الفتح ابن خاقان لبث الشاعر في العاصمة يتقلب مع كلّ سلطان مستجديا ، حتى عاد سريعا إلى منبج يقضي فيها أيامه الأخيرة فأدركته الوفاة سنة284هـ و دفن في بلدته منبج.
آثاره:
للبحتري ديوان شعر كبير طبع مرارا في القسطنطينية و دمشق و مصر و بيروت، و قد شرح أبو العلاء المعري قديما هذا الديوان و سمّاه عبث الوليد، و للبحتري كتاب الحماسة و كتاب معاني الشعر.
في صحبة أبي تمام:
أدنى أبو تمام البحتري منه يرعاه ماديا ، و يدعمه أدبيا و زاد في أفاق طموحه، و عقد له إمارة الشعر من بعده، و تأدب البحتري بحضرة أبي تمام ، و جلس إليه جلسة التلميذ مع معلمه، و صاحبه مصاحبة طالب المعرفة ، و كان الأستاذ كريم النفس ، و كبير القلب يحب الأدباء، و يعطف على الشعراء و إن كرهه صغارهم ، و حقد عليه أدعياؤهم.
و عندما قصد البحتري المعرة كتب الشاعر الأستاذ إلى وجوه المعرة يوصيهم بتلميذه الذي تألق منه النجم، فأجروا عليه جراية قدرها أربعة ألاف درهم في السنة، و ذلك خير كثير بالنسبة إلى ما كان عليه في منبج، و حفظ البحتري لأبي تمام هذه اليد ، فقال مقدما إياه على نفسه عندما سئل عنه ، و قد قدمه بعضهم على أبي تمام، و الله ما أكلت الخبز إلا به ، و لوددت أن الأمر كما قالوا ، و لكني والله تابع له لائذ به ، نسيمي يركد عند هوائه ، و أرضي تنخفض عند سمائه.
شاعر المتوكل:
يدخل البحتري إلى القصر الممنع الأبواب إلا عن خاصة الخاصة، و الموصد المصاريع إلا عمن شملتهم يد النعمى، و بذا أصبح شاعر المتوكل، و أنشده خلال خمسة عشر عاما ، ما يفرغ من مدحه إلا ليعود إلى صياغة غيرها، لكن المتوكل قتل فكانت تلك الفاجعة العظمى، و الكارثة الجلى التي حلت بساحة الشاعر ، حتى أنه خرج عن طوره و لم يقدر أن يضبط أو يزين كلماته، و كان الألم و الحقد اللذان تفجرا من أعماقه هما المتكلمان برثاء الخليفة القتيل الذي قرنه بهجاء الخليفة الجديد " المنتصر " و شنع عليه القول ، و اختفى متواريا عن الأنظار خوفا من انتقام المنتصر ، و لكنه لم يقدر و قد تذوق حلاوة النعمة، و رغد العيش أن يبقى بعيدا عن القصر ، و هكذا عاد من جديد فظهر على المسرحالسياسي يصول و يجول بعد أن توسل بالتوبة إلى قلب الخليفة بوساطة الوزير أحمد بن الخصيب الذي شفع له ، شاملا إياه برعايته ، و قال البحتري مفسرا تواريه عن الأنظار بأنه كان يقضي مناسك الحج شكرا لله على ما قيّض للمسلمين من خليفة عادل و إمام رحيم يتحلى بالعفو و سعة الصدر ، و رد المظالم، يقول:
حججنا البنيّة شكرا لما حبانا به الله في المنتصر
تطول بالعدل لما قضى و أجمل في العفو لما قدر
رددت المظالم و استرجعت يداك الحقوق لمن قد قهر

ثم قامت دولة المعتز التي أعادت للشاعر نضارة و غضارة أيام المتوكل فغرق من جديد في البذخ ، و رفع علم التهتك و الاستهتار و شرب الخمور على دين أبي نواس حتى كأن روح النواسي تقمصت فيه
و دالت دولة المعتز و اعتلى سدة الخلافة المهتدي و كان على شيء من التدين ، فانقلبت سيرة صاحبنا فجأة من النقيض إلى النقيض، فلبس لباس التقوى و تسربل لباس الزهد مصانعة للخليفة الجديد بكذب تفضحه سيرته السابقة يقول:
و مالت الدنيا حين أشرقت له في تناهي حسنها و احتشادها
لسجادة السجاد أحسن منظرا من التاج في أحجاره و اتقادها

الوصف عند البحتري:
الوصف هو الذي رفع منزلة البحتري ، و أحله في الطبقة الأولى ، فقد أوتي من قوة المخيلة ، و روعة التصور ما جعله يتناول الأشياء المادية فيرسمها بشعره لمحا ، فيخرج لها صورا دقيقة بارعة الفن، و قد يرتفع عن المرئيات فيمعن في سماء الخيال ، ثم يعود بمختلف التصاوير و التهاويل ملؤها حركة و حياة فتحس كأنك تسمع جرسها و ترى خطراتها

و كان لنشأة الشاعر في بادية منبج يد في تصفية خياله، فشب على ما يشب على ما يشب عليه أهل البداوة من دقة الحس، و صدق المخيلة و رفت عليه منبج بجمالها الطبيعي الذي تغنى به الشعراء ، فاستمد منها خياله البديع، ثم زاده ثروة بأسفاره إلى الأمصار المتحضرة ، فبهرته المدينة الجديدة بمشاهدة عمرانها ، فشغف بها، و صورها أحسن تصوير ، كوصفه إيوان كسرى و بركة المتوكل، و قصر المعتز، و مجالس اللهو و الخمر أو وصفه للمناظر الطبيعية ، كدجلة و الربيع ، حتى أن أوصافه البدوية على ماديتها الظاهرة و ضيق حدودها و سلوكه في أكثرها مسلك من تقدمه لا يعدوها جمال الفن و لاسيما قصيدة الذئب منزلته:
نسب إلى أبي العلاء المعري أنه قال :" أبو تمام و المتنبي حكيمان و إنما الشاعر البحتري" و منهم من يضيف هذا القول إلى المتنبي نفسه فيزعم أنه قال :" أنا و أبو تمام حكيمان و إنما الشاعر البحتري" و كلا الأمرين عندنا مشكوك فيه لأنه إما مخالف لعقيدة أبي العلاء في شاعرية أبي الطيب و كان يسميه وحده الشاعر و يسمي غيره من الشعراء باسمه كما قال ابن الأثير ، و إما مخالف لعقيدة أبي الطيب و إيمانه القوي بشعره على أن البحتري أصح من أبي تمام طبعا ، و أقل تكلفا ، و أوضح الثلاثة ديباجة ، و أكثرهم انسجاما ، و أسلمهم من الغموض و التعقيد، ذلك بأن نشأته البدوية جعلته لا يحتفل بالمعاني الفلسفية و الأدلة العقلية ، و لا يتورط في التزام البديع لأنه يخالف أذواق أهل البادية المطبوعين على الشعر و لا يسرف في طلب الغريب و أوتي ديباجة رائقة قلما ظفر شاعر بمثلها حتى ضرب المثل بها فقيل ديباجة بحترية ، و شبه شعره لأجلها بسلاسل الذهب لتناسقه و تماسكه و رونقه و حسن انسجامه
ابن المعتز
حياته:
ولد أبو العباس عبد الله ابن المعتز في شعبان سنة 247هـ كما يقول ابن خلكان في بيت الخلافة، وولى والده المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد العرش عام 252هـ، و مكث فيه ثلاث سنين ، قتل بعدها بيد الأتراك الذين كان بيدهم جميع أمور الدولة إبان هذه الفترة ، و كان لنكبة والده أثر عميق في حياته و نفسيته
تلقى ثقافته في الدين و اللغة و الأدب على شيوخ العربية و أئمتها الذين حفل بهم هذا العصر الزاخر بألوان العلوم و الثقافات و الآداب و كان من أساتذته المبرد، المتوفي سنة 285هـ و ثعلب المتوفي سنة 291 هـ و سواهما من فحول العلماء
ظهرت شاعريته في أول عهده بالشباب فامتلأت بها حياته كما انصرف عن مؤتمرات السياسة إلى حياة العلم و الأدب، فكاب البليغ الساحر و الشاعر المجيد، و الناقد الواقف على خصائص الأدب و البيان، و له مؤلفات كثيرة جيدة منها ، كتاب البديع ، و فصول التماثيل ، و طبقات الشعراء ، و ديوانه مطبوع في جزأين عاصر ابن المعتز بعد وفاة والده أربعة من الخلفاء العباسيين هم المهتدي ( 255-256هـ) و المعتمد( 256-279هـ) و المعتضد( 279-289هـ) و المكتفي( 289-295هـ) و عاش بينهم معتزا بشخصيته، نبيل النفس عظيم الخلق لمّا مات ابن عمه الخليفة العباسي المكتفي بالله عام 295هـ ولى الأتراك ابنه المقتدر العرش بعده، و كان طفلا فثار الناس في بغداد و انتهت هذه الثورة المسالمة بخلع المقتدر، و تولية ابن المعتز الخلافة عام 296هـ و مكث فيها ليلة واحدة ، حيث قاوم حزب المقتدر هذه الثورة تؤيده القوة الحربية في الدولة ، قبض على ابن المعتز و وزيره محمد بن دؤاد بن الجراح و قتلا عام 296هـ و بذلك انتهت حياة شاعر كبير من شعراء العربية المعدودين
شاعريته و خصائصها:
ارهفت نفسية ابن المعتز و حياته و ثقافته و بيئته مشاعره و وجدانه و إحساسه، فنشأ شاعرا ملهم الشاعرية ، قوي الملكات ، شعره صورة لحياته الخاصة أولا و لحياة الطبقة المترفة و الاتجاهات العليا في السياسة و الاجتماع و الآداب أخيرا ، و هو فوق ذلك صورة صادقة للنفس الخالصة التي تؤمن بالفن للفن لا لأغراض الحياة و حاجاتها لأنه كان يحي حياة فنية خالصة، فلم يكن ينظم الشعر لمجد أو لمال أو لرضا خليفة و إنما ينظمه لنفسه ليرضي به نفسه و وجدانه و ذوقهو قد أجاد في الشعر السياسي كما أجاد في الفخر و الإخوانيات و الغزل و خمرياته فيها دقة معان، و رقة تصوير و كثرة تشبيهات و فنه فيها يقف بجانب فن أبي نواس في خمرياته منزلته الشعرية:
ابن المعتز أديب ساحر، و شاعر ملهم و شخصية بارزة بين الشخصيات التي نبغت في القرن الثالث الهجري ، و هو أمير التشبيه في الشعر العربي القديم و الحديثيعد من الطبقة الثالثة التي خلفت طبقة أبي نواس و طبقة بشار زعيم المحدثين و يعدون معه في طبقته أبا تمام و البحتري و بعض النقاد يجعل ابن الرومي و ابن المعتز طبقة رابعة من طبقات المحدثين ، و يجعل أبا تمام و البحتري حاملي راية الطبقة الثالثة في المحدثينأما عن المدرسة الأدبية التي يمثلها ابن المعتز فهي مدرسة المحدثين التي قاد زمامها أبو تمام و البحتري و التي امتازت بميزتين:
الأولى : هي التعمق في المعاني و استنباطها مما يتجلى لك في شعر أبي تمام و ابن الرومي واضحا ملموساالثانية: هي الصناعة الشعرية المتأنقة التي تطلب ألوان الجمال في الأداء و تعتمد على الترف البياني في الأسلوب من جناس و طباق و تشبيه و استعارة و تمثيل
ابن المعتز هو الشاعر الذي انتهت إليه الصناعة الشعرية المتعمدة المتكلفة، فقد كان يحب الفن للفن ، و ينظم الشعر ليلهو به
يقول ابن شرف القيرواني في رسالة الانتقاء: ابن المعتز ملك النظام، له التشبيهات المثلية و الاستعارات الشكلية ، و لإشارات السحرية و الافتخارات العلوية و الغزل الرائق و العتاب الشائق و وصف الحسن الفائق
نقد لشعر ابن المعتز:
يأخذ بعض الكتاب على ابن المعتز أنه لا يزيد في صوره الفنية على أن يعطيك نسخة لما يرسم لك دون أن يعبر في تصويره عن خلجات نفسه و مشاعره ففي قوله:
نظر إليك كزورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر
فهو هنا يشبه الهلال بزورق من فضة أثقلته حمولة من عنبر ، فلا يزيد على أن يعطيك نسخة من صورة الهلال، لا علاقة بينها و بين إحساسه و مع ذلك فلم يحسن في نقل نسخة تامة الشبه بالهلال، و يكفي أن تتصور الهلال في خيالك ثم تتصور بجانبه زورق ابن المعتز لتدرك الفارق الكبير، و تعلم مقدار ما شوّه ابن المعتز منظر الهلال الجميل
و مما ذكر من رديء شعر ابن المعتز قوله:
أرى ليلا من الشعر على شمس من اتلناس
فالجمع كما يقول أبو هلال(1) بين الليل و الناس رديء، و قد وقع هنا باردا
نماذج من شعر ابن المعتز:
قال في الغزل:
قف خليلي لشرة (2) دارا أو محلا منها خلاء قفارا
ألبستني سقما أقام و سارت و استجاب قلبي إليها فطار
لي حبيب مكذب بالأماني جعل الدهر موعدا و انتظار
أيها الكب بلغوها سلامي و اتقوا أخذ طرفها السحارا
و قال في الفخر:
أيها السائلي على الحسب الأطـيب ما فوته لخلق مزيد


الجاحظ

هو عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة، من بني كنانة ابن خزيمة من مضر ، لقب بالجاجظ لنتوء في حدقتيه ، و دعي " الحدقي " كنيته أبو عثمان ، كان قصيرا ذميما ، دقيقا أسود اللون(3)
ولد بالبصرة في أوائل سنة 130هـ 767م و كان جده زنجيا أسودا من أسرة متواضعة أخذ الجاحظ العلم على يد اللغوي المعروف الأصمعي، و أبو زيد الأنصاري ، و أبو زيد الأخفش و كان صديقه، و تخرج في علوم الكلام و مذاهب الاعتزال على أبي اسحاق النظام لم يقتصر الجاحظ على ما كان يتلقى من شيوخه العمالقة بل كان يتردد إلى مربد البصرة فيلتقي بالأعراب الواردين عليه فيتلقف منهم الفصاحة شفاها
ـــــــــــــــــــــــــ
1-الصناعتين، ص: 249
2 -اسم محبوبة كان يتغزل بها الشاعر ، و يتلاعب باسمها كثيرا ، فينطق به شر، و شريرة
3- أعلام في النثر العباسي ، د- حسين الحاج حسن ،
بداية التأليف:
عندما أشرف على سن العشرين و هو المعروف بذكائه و طموحه أخذ يؤلف الكتب و يعلن عنها ، و لكنه لم يكن ليلاقي القبول و الشهرة لذلك عمد إلى حيلة لطيفة إذ كان ينسب ما يؤلف في فنون المعرفة إلى سواه، ثم يقبل على الناس يحاورهم في أمره، فيعجبون بمحتواه، فيزداد ثقة بنفسه ، و رجحانا على غيره ممن نسب مؤلفه إليه(1)
ملامح شخصية الجاحظ:
من طبع الجاحظ انشراح الصدر و حب الحياة، و من مزاجه المرح و النكتة و خفة الدم ، فلا يحب الانطواء على الذات و لا الاكتئاب و لا الغفلة لأنه سريع الفهم حاد الذكاء خفيف الجسم ، يلبي رغبات الجسد و الفكر و الوح بإرادة فذة و همّة عالية و أ‘صاب متينة
مؤلفاته:
في حقل الفرق و المذاهب و الآراء:
    1. كتاب أصحاب الإلهام
    2. الرد على اليهود
    3. الرد على اليهودي و النصراني
    4. الرد على المشبهة
    5. الرد على النصارى
    6. حجج النصارى على المسلمين
في حقل المعارف العامة:
1-الأوقاف و الرياضيات
2- فضل العلم
3- كتاب المعلمين
في حقل الحيوان:
  1. كتاب الحيوان
  2. الأسد و الذئب
  3. البغال و منافعها
في الحقل الديني:
  1. كتاب الاحتجاج لنظم القرآن و غريب تأليفه-

1-مقدمة كتاب الجاحظ، المحاسن و الأضداد، ص: 8


  1. كتاب آي القرآن
  2. خلق القرآن
  3. مسائل القرآن
أما في الحقل الشرعي:
فللجاحظ مجموعة من المؤلفات منها :
  1. رسالة في الميراث
  2. رسالة في مدح النبيذ
  3. رسالة في ذم النبيذ
  4. رسالة في الشارب و المشروب
  5. كتاب في ذم الزنا
  6. كتاب في ذم اللواط
  7. رسالة في إثم السكر
و في الحقل الاعتزالي، ألف الجاحظ:
  1. كتاب فضيلة المعتزلة
  2. إحالة القدرة على الظلم
  3. الاستطاعة و خلق الأفعال
لقد شملت كتب الجاحظ مختلف ألوان العلوم و المعارف فقد خاض في الأدب و السياسة و الأخلاق و الدين و الصناعة و الزراعة و الكيمياء و الفلسفة و سائر فنون القول و الفكر فهي كما قيل: دائرة معارف ، قال المسعودي في وصف مؤلفات الجاحظ " كتب الجاحظ تجلو صدأ الأذهان ، و تكشف واضح البرهان لأنه نظمها أحسن نظم ، و رصفها أحسن رصف ، و كساها من كلامه أجزل لفظ ، و كان إذا تخوّف ملل القارئ ، و سآمة السامع ، خرج من جد كساها من كلامه أجزل لفظ ، و كان إذا تخوّف ملل القارئ ، و سآمة السامع ، خرج من جد إلى هزل ، و من حكمة بليغة إلى نادرة طريفة ، ... و سائر كتبه في نهاية الكمال .....و لا يعلم ممن سلف و خلف من المعتزلة أفصح منه "
و من أشهر مؤلفاته أيضا:
البخلاء:
و هو بحث في أصول التدبير المنزلي ، و في استثمار المال و الانتفاع بأبسط الأمور ، طبع في مصر عم 1323هـ و نشره الجمع العلمي بدمشق.
البيان و التبيين:
و قد أجمع المتقدمون من العلماء و أفاضل ألأدباء على أن هّا الكتاب من أفضل ما وضع في الأدب ، قال عنه ابن ابن خلدون : سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول فن الأدب و أركانه أربعة دواوين و هي: أدب الكاتب لابن قتيبة و كتاب الكامل للمبرد ، و كتاب البيان و التبيين للجاحظ و كتاب النوادر لأبي علي القالي ، و ما سوى الأربعة فتبع لها و فروع عنهاز
التربيع و التدوير:
و هو آية من آيات البيان ، وضعه يتندر به على صاحبه أحمد بن عبد الوهاب ، نشر في اسطنبول عام 1324هـ، و في ليون عام 1903م و نشرها السندوسي في كتابه : رسائل الجاحظ 1933م.
معارف الجاحظ و علومه:
أتقن الجاحظ علوما كثيرة ، و بقر المعرفة حتى اكتشف كل كنوزها، و قرأ كتب فلاسفة اليونان و كحم الهند و علماء الفرس و أدباء الرومان و نظر في ثمرات قرائحهم و منتجات أفكارهم فتفسحها مليا و خاض في غمار فنونها ، حتى أنه لم ينقل كتاب إلى اللغة العربية في أيّ علم و في أيّ فن إلاّ قرأه و تمثله و استظهره(1)
قال محمد كرد علي في وصف علم الجاحظ:" لم أر قط و لا سمعت من أحب الكتب و العلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلاّ استوفى قراءته كائنا ما كان ، حتى أنه كان يكتري دكاكين الورّاقين يبيت فيها للنظر ...و كان كثير الحفظ، واسع الرواية قوي الحجة ناصع البرهان ، و أقرب ما يوصف به أنه كان دائرة معارف أحاطت بمعلومات أهل دهره"(2)
لقد امتلك الجاحظ ناحية اللغة العربية فأجادها و أحاط بأسرارها ، و عرف الفارسية جيّدا و ألم بالهندية و السريانية ، و أتـقن اليونانية، و لم يجهل الرومية لقد كان الجاحظ بحق كالبحر حبت فيه روافد لمعرفة من مختلف أقطار المعمورة فعكست أشعتها في كتبه الكثيرة و تصانيفه العديدة و رسائله البليغة ، جاءت معبرة عن موضوعات المعرفة في عصره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
  1. أعلام في النثر العباسي، د- حسين الحاج حسن، ص: 95
  2. أمراء البيان ، محمد كرد علي، ج2، 317.
أدباء العصر العباسي الثاني
المتنبي( 303- 354هـ)
هو أحمد بن الحسين الجعفي ، عربي صليبة ، و بنو جعفى بطن من سعد العشيرة بن مذحج، و هي قبيلة يمانية فيها فصاحة و لسن، ينتهي نسبها إلى بني كهلان، و كنيته أبو الطيب، و لقب المتنبي قيل لقب به لادعائه النبوة.

و كان بالكوفة محلات نزلتها أفناء اليمن، و أطلقت عليها أسماء قبائلها المشهورة ، منها محلة كندة و فيها ولد المتنبي ، و إليها انتسب ، و ظهرت عليه النجابة و هو صغير ، فحمله والده في نعومة أظفاره إلى الشام ، فنشأ بها و تخرّج ، و ن؟م الشعر و هو في المكتب ، و ما أ، ترعرع حتى مات أبوه و تركه يتيما.
دعوته:
يزعم أن شاعرنا ادعى النبوة، و منهم من يقول أنه تنحل العلوية و دعا الناس إلى بيعته ، و منهم من يضيف إليه الدعوتين معا فيزعم أنه حبس في الكوفة لادعائه العلوية ، ثم حبس في حمص لادعائه النبوة، غير أن أبا العلاء المعري يشك في خبر حبسه بالكوفة إذ يقول في رسالة الغفران: " و ما وضح أن ذلك الرجل حبس بالعراق ، فأما بالشام فحبسه مشهور " و لكنه لا يصرح بحقيقة دعوته فيقول : " و حدثت أنه كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللقب ( أي المتنبي) قال : " هو من النبوة و هو المرتفع من الأرض".
و من تتبع ديوانه منذ حداثته إلى اكتهاله ، يرى حب الولاية و الرئاسة يدور في رأسه، و يدفعه إلى إظهار ما في ضميره من الرغبة في الخروج على السلطان و الاستظهار بالشجعان ، و الاستيلاء على بعض الأطراف غير مستبعد أن يلتمس الملك بالوسائل الدينية ، فيدعي العلوية أسوة بغيره من الأدعياء.
وفادته على الأمراء:
لم يرث المتنبي من أبيه مالا يسد به خلّته و يغنيه عن التكسب بشعره و كثيرا ما عانى من الفقر و شظف العيش ، و قلة الأعوان ، و ابتدأ يمدح الناس و هو في الكتاب ، و عضت به الحاجة بعد موت أبيه فراح يتردد في حواضر الشام يمدح الأمراء و السادات فعرفته دمشق، و بعلبك، و حمص و طرابلس، و منبج، و أنطاكية، و اللاذقية و طرسوس و صور و طبرية و الرملة.
اتصاله بسيف الدولة الحمداني:
كان سبب اتصاله بسيف الدولة أن ملك حلب قدم انطاكية سنة 337هـ، فاستقبله أبو العشائر ، و قدم إليه المتنبي و عرفه منزلته في الشعر و الأدب و أثنى عليه، فحمله معه إلى حلب، و اشترط عليه أبو الطيب ألا ينشده واقفا و ألا يكلف تقبيل الأرض بين يديه، فدخل سيف الدولة تحت شرطه و مالت إليه نفسه و أحبه، و أفاض عليه وافر النعم فكان يعطيه كل سنة ثلاثة ألاف دينار على ثلاث قصائد ما عدا غيرها من نوافل الأعطيات و الخيل و الجواري و الضيع حتى بلغ ما ناله في مدة أربع سنوات خمسة و ثلاثين ألف دينار.
اتصاله بكافور:
ترك المتنبي حلب سنة 346هـ( 957هـ) و أمّا دمشق و هي يومئذ من أعمال الإخشيد و عليها يهودي من قبل كافور(1) يعرف بابن مالك ، فالمس من المتنبي أن يمدحه، فتأبّى، فغضب ابن مالك و حمل كافورا على أن يطلب أبا الطيب إلى مصر ثم كتب إليه الشاعر قائلا:" لا أقصد العبد، و إن دخلت مصر فما قصدي إلاّ ابن سيده".
عرف كافور بقدم المتنبي فكان يقول:" أتراه يبلغ الرملة و لا يأتينا؟" و كانت الرملة من أعمال الإخشيد فكتب إلى أميرها يطلبه فسار إليه أبو الطيب فأمر إليه بمنزل ، و وكل به جماعة من الغلمان يخدمونه.
ـــــــــــ
  1. كان كافور مولى لمحمد بن طغج اشتراه بثمانية عشر دينارا، و كان عبدا أسود خصيا مثقوب الشفة السفلى، مشقق القدمين، ثقيل البدن، و كان إلى ذلك فطنا، حسن السياسة، فرقّاه سيده و جعله في خدمة ولديه، ثمّ قاد له الجيوش في حربه مع سيف الدولة و لمّا مات محمد سنة 334هـ(945م)انتقل الملك إلى ولده أنوجور، و كان صغيرا فناب عنه كافور و قام بتدبير دولته أحسن قيام، و توفي أنوجور سنة 349هـ فتولى بعده أخوه علي و استمر كافور بالقيام بتدبير أمور الدولة بالنيابة عنه مستبدا بالسلطة حتى مات سنة 355هـ، فاستولى كافور بعده على الملك.

و كان المتنبي لا ينفك يحلم بالملك منذ حداثته فلما صارإلى كافور بعد خيبته عند سيف الدولة ، و لقي من كافور حفاوة و إكراما، طمع فيه و شاقه أن يقطع ولاية في مملكته يدير أمورها ، و يعتاض بها من خيبته و يكبت بها حساده فوعده كافور فشرع المتنبي يمدحه في كل سانحة ، و يعرض لذكر الولاية، و كافور يماطله.
و لما كانت ليلة عيد الأضحى في أواخر سنة 350هـ(961م) خرج من مصر مستخفيا و نظم في هجو كافور داليته الشهيرة " عيد بأية حال عدت يا عيد " فأرسل كافور بعض رجاله يطلبه فلم يدركوه.
أخلاقه و صفاته:
يصور لنا شعر المتنبي أخصّ ما يمتاز به صاحبه من الصفات ففيه الكبرياء و الأنفة و الشجاعة و الطموح و حب المغامرات ، و فيه التعفف، و مجانبة اللهو و الهزل حتى أن شاعرنا كان يكره الخمر لأنها تضيع العقل :
و أنفس ما للفتى لبــــــه و ذو اللب يكره إنفاقـــــه
و كان يكره التمويه و الخداع، فقد شاب و هو غلام فلم يختضب لأن الإختضاب تمويه
و من هوى كل من ليست مموهة تركت لون مشيبي غير مخضوب
أستاذوه و علومه:
طلب المتنبي العلم في صباه و رغب في تحصيله ، فحمله والده إلى الشام فأدخله المكاتب، و طوف به في الحواضر و البوادي، و ردد في القبائل حتى توفي أبوه و قد ترعرع أبو الطيب و شعر و برع ، و كان يلزم حوانيت الورّاقين ، و يقصد أشهر أصحاب اللغة و الأدب في الشام و العراق و يأخذ عنهم فقد جالس ابن السراج، و الأخفش الأصغر و ابن دريد و أبا علي الفارسي و أخذ عنهم.
آثاره:
لم يخدم الحظ شاعرا بعد موته ، كما خدم أبا الطيب ، فإن الحرب التي أثارها عليه أعداؤه و حساده أقامت في وجوههم أنصارا له و مريدين فسارت أشعاره ، و تناقلها جمهور الأدباء و عنوا بجمعها و شرحها حتى ذكروا أن شراح ديوانه يزيدون على أربعين ، فمنهم في المتقدمين ابن جني، و أبو العلاء المعري ، و الواحدي، و العكبري، و منهم في المحدثين اليازجيان و البرقوقي.
منزلته:
أوتي المتنبي شهرة لم يؤتها شاعر قبله، فسار شعره على غوارب السنين و الأحقاب تردده الحاضر و البوادي و تختصم فيه مجالس الأدب، و تعقد عليه حلقات الطلاّب، ، و حجب شعراء زمانه فلم يذكر معه إلاّ أبو فراس ، و لولا مكانه من السلطان لأخفاه، و كان من عداوة الأدباء له أن ضاعفت سيرورة شعره،
لأن الاهتمام بنقد أقواله ، و إظهار معايبه جعل الناس يلتفتون إليه من كلّ صوب و قام له أنصار ينافحون عنه ، و يردّون حجج خصومه فصنفت الكب في ماله و ما عليه ، إنّ في قوّة شعره من قوّة البلاغ ما يسبي الأسماع، ، و يلج القلوب بغير استئذان.
و امتازت لغة المتنبي في قوتها فلاءمت قوة نفسه و معانيه و أغراضه و تبدو هذه القوة في ألفاظه الصلبة، و تراكيبه المتينة، و تشابيهه و استعاراته ، يمدها خيال بدوي عنيف يسبح في سماء محجبة بالغيوم، تنقض منها الصواعق و تثور فيها الزوابع، و تنقذف عنها الرجوم ، فما يعود إلاّ مضرجا بالدماء ديباجته تتفاوت ، فأحيانا تتجلى صافية لها رونق و رواء ، فتطرب و تبهج و تحمس، و أحيانا تتجهم كدرة معقدة نافرة فتضيق بها النفس و تتأذى منها الآذان.
و على الجملة فشعر المتنبي تاريخي لزمانه ، و هو أبرع من وصف جيشا ، و صوّر ملحمة و هو أنضج الشعراء ، تفكيرا و حكمة ، و أبصرهم بفلسفة الحياة، و أخلدهم على كرور الأجيال.
أبو فراس الحمداني
(320هـ-357هـ، 932م – 967م)
هو الحارث بن سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني، ينتمي بعمومته إلى تغلب فربيعة و بخؤولته إلى تميم فمضر الحمراء(1) لقوله:
لم تتفرق بنا خؤول في العز أخوالنا تميم
و كنيته أبو فراس، ولد على الأرجح في الموصل حيث كان أبوه و أسرته، و قتل أبوه و عمره ثلاث سنوات ، قتله ابن أخيه ناصر الدولة لأنه سعى سرا في ضمان الموصل و ديار ربيعة من جهة الراضي بالله الخليفة العباسي ، فنشأ أبو فراس يتيما تحتضنه أمه، و يعطف عليه ابن عمّه سيف الدولة أخو ناصر الدولة . فلما قام عرش الحمدانيين في حلب سنة 333هـ كان شاعرنا في جملة من ضمهم بلاط سيف الدولة من آل حمدان، فشب في كنف ابن عمه يشمله حنانه و رعايته.
أسره:ذكر صاحب يتيمة الدهر بأن الروم أسرت في بعض مواقعها الشاعر، و ذلك بعد أن جرح بسهم أصابه في فخذه، و بقي نصله فيها ، فحمل إلى خرشنة(2) ثم إلى قسطنطينية ، و ذكر ابن خلكان هذه
ــــــــــــــــــــــــ
  1. أدباء العرب في الأعصر العباسية، بطرس البستاني، ص: 363هـ.
  2. خرشنة : قلعة ببلاد الروم ، و الفرات يجري من تحتها.
الرواية و أسندها إلى أبي الحسن علي ابن الزراد الديلمي ، و جعل تاريخ أسره سنة 348هـ، و تاريخ فدائه سنة 355هـ.
موته:
توفي سيف الدولة سنة 356هـ، بعد خلاص أبي فراس بعام واحد ، و خلفه ولده أبو المعالي سعد الدولة ، و هو ابن أخت شاعرنا ، فخطر لأبي فراس أن يتغلب على حمص و يقتطعها ، و هذا يؤكد فكرة مطامعه في الملك، فقصده قرغوبة بجيش إلى حمص فاستظهر عليه و قتله ، و روى ابن خلكان عن ثابت بن سنان الصابي أن جثته بقيت مطروحة في البرية إلى أن جاء بعض الأعراب فكفنه و دفنه، و قد رثاه أبو إسحاق الصابي بقصيدة أشار إليها الثعالبي و لم يذكر منها شيئا.
صفاته و أخلاقه:
وصفه الثعالبي فقال :" كان فرد دهره ، و شمس عصره أدبا و فضلا و كرما و نبلا و مجدا و بلاغة و براعة، و فروسية و شجاعة" و كان كغيره من أبناء الملوك يميل إلى اللهو و العبث و السماع، و لكن حياته كانت سلسلة حروب و غزوات و أسر و اعتقال ، فلم يتح له أن يتنعم بمخضر العيش ، و يرتوي بماء الشباب، و كان صبورا لا يستخفه الجزع و لا يوهى له جلد و لا طالما أوصى بالصبر و افتخر به و هو إلى ذلك حسن التدين عظيم الثقة بعناية الله ، و كان يتشيع للعلويين.
آثاره:
لأبي فراس ديوان جمعه ابن خالويه بعد موته و أورد له الثعالبي في يتيمة الدهر طائفة حسنة من مختاراته و لاسيما الروميات.

ميزته:
الشعر عند أبي فراس ألهوة يتلهى بها، و بلسم يداوي به كلومه، و قد أغناه الله عن السؤال بعزة الملك، و نعيم الدولة ، فلم يصطنع المدح و لا الهجاء ، و إنما مدح قومه و عشيرته ، و هذا فخر لا مديح:

نطقت بفضلي، و امتدحت عشيرتي فما أنا مداح و لا أنا شاعر(1)

و مدح بعض أصدقائه من آل ورقاء و سواهم ، و هذا من نوع الاخوانيات فالمدح و الهجاء لا حظ لهما في شعر أبي فراس ، و ما القصيدة التي هجا بها العباسيين و مدح العلويين إلا من النوع السياسي ، اندفع إليه شاعرنا بعاطفة التشيع لعلي و أبنائه.

و كذلك الرثاء لم يكن له يد فيه ، فقد ماتت أخته فرثاها فلم يحسن رثاءها، و ماتت أخت سيف الدولة فأراد أن يرثيها فكان رثاؤه مواساة لأخيها...و ما كان لأبي فراس أن يقصر في الرثاء و هو شاعر عاطفي ، و الرثاء قوامه العاطفة ، و لعل تعوده ركوب الأهوال و المخاطر جعله يستهبن الموت فما يرتاع له ، و لا يرى فيه ما يبعث على الجزع ، فكان يستقبل مصائب الدهر في شيء من الأنفة و
ــــــــــــــــ
  1. أراد بالشاعر المرتزق المكدي بمدحه و هجائه.
الاستكبار و حبس عاطفته فلم يطلق لها العنان في التفجع.
و نظم في الحكم فما أتت له البراعة، لأن العاطفة إذا غلبت أضعفت قوة التفكير، و إنما ترك بعض أبيات جرت مجرى الأمثال كقوله: " و في الليلة الظلماء يفتقد البدر."
رومياته:
يراد بالوميات القصائد التي قالها الشاعر و هو أسير في بلاد الروم، فقد آلمه أن يتناساه ابن عمه و يهمل أمره، و لا يذكر ما له من بيض الأيادي في دولته، و كان يزيده ألما ما يبلغه من الأخبار عن والدته الحزينة ، فإنها لم ترفأ لها دمعة طوال أسره، و قصدت من منبج إلى حلب تلتمس الفداء من سيف الدولة ثم عادت خائبة ، مكلومة الفؤاد ، مكسورة الخاطر ، و ما أن علم الأسير بخبرها حتى ثار ثائره و فاضت مشاعره و بث الشجاعه في مسامع بنات عاطفته.
منزلته:
قال الصاحب بن عباد:" بدئ الشعر بملك و ختم بملك3 يعني امرأ القيس و أبا فراس ، و قال الثعالبي :3 و شعره مشهور سائر بين الحسن و الجودة، و السهولة و الجزالة، و العذوبة و الفخامة، و الحلاوة و المتانة، و من رواء الطبع ، و سمة الظرف، و عزة الملك، و لم تجتمع هذه الخلال قبله إلاّ في شعر عبد الله ابن المعتز ، و أبو فراس يعد أشهر منه عند أهل الصنعة و نقدة الكلام" و تمتاز لغته في حسن اختيار الألفاظ ، و جمال التعبير ، ففيها الجزالة و شدة الأسر في موضع الشدة، و فيها الرقة و السهولة في موضع الحنو، و جدير بنا أن ننصف أبا فراس فنقول : أنه جيد الشعر ف حماسياته، مبدع في رومياته شاعر العاطفة في كلتيهما، و هو الشاعر الملك، و الملك الفارس ، و الفارس الأسير.
الشريف الرضي
هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى الكاظم من نسل الحسين ابن علي بن أبي طالب، و قد كان أبوه نقيبا للطالبيين( رئيسا دينيا للعلويين)، ولد الشريف الرضي في بغداد ( 359هـ- 970م) و نشأ فيها و برع في علوم الفقه و اللغة و الأدب، و قال الشعر و عمره خمس عشرة سنة، و في 388هـ( 998هـ) اعتزل أبوه نقابة الطالبيين فخلفه هو فيها نائبا عنه، و في ذي القعدة 401هـ 1011 م منحه الأمير البويهي بهاء الدولة لقب الشريف، ثم أنه عين نقيبا أصيلا يوم الجمعة في 16 محرم 402هـ 1012م بعد أن ضمت إليه الأعمال التي كان يقوم بها أبوه و هي النظر في المظالم و الحج بالناس.
و كان الشريف الرضي أبيا عالي الهمة طموحا إلى المعالي لم يقبل صلة من أحد و لا جائزة، و قد ردّ جميع الصلات التي كانت على أبيه من قبله ، فخافه الخليفة المقتدر ( 295هـ- 320هـ) فاتهمه بالميل إلى
العلويين و الفاطميين، فصرفه ( عزله) عن المظالم و الحج.
و توفي الشريف الرضي في السادس من محرم 406هـ( 24/06/1016م) و دفن في بيته في محلة الأنبار إحدى ضواحي الكرخ ( الكاظمية اليوم).
كان الشريف الرضي شاعرا بارعا، و شعره يجمع إلى السلاسة متانة و إلى السهولة رصانة، و يشمل على معان يقرب جناها و يبعد مداها ، و شعره على الأسلوب القديم : جزالة في اللفظ و فخامة في المعنى ، و قد غلبت على شعره الحماسة و الفخر و برع في الرثاء و الغزل العفيف ، و في شعره رمز بارع بالبقاع الشريفة في الحجاز خاصة ، و تغلب على شعره النفحة الدينية ، و لشعره عذوبة و طلاوة على كثرة تكلفه.
و الشريف الرضي مترسل و مصنف له كتاب معاني القرآن ، كتاب مجاز القرآن ، و قد جمع ما وصل إليه من خطب الإمام علي و سماه " نهج البلاغة" .
مختارات من شعره:
قال الشريف الرضي يمدح الخليفة المقتدر بالله و يفتخر بنفسه:

لله يوم أطلعتك به العـــــــلا علما يزاول بالعيون و يرشق
لما سمت بك عزة مومــــوقــة كالشمس تبهر بالضياء و تومق(1)
و برزت في برد النبي، و للهــــدى نور على أسرار وجهك مشرق(2)
في موقف تغضي العيون جلالـة فيه و يعتز بالكلام المنطــــــــق
مالوا إليك محبة فتجمعـــوا و رأوا عليك مهابة فتفرقــوا
مهلا أمير المؤمنين ، فإننـــا في دوحة العلياء لا نتفـرق
ما بيننا يوم الفخار تفــاوت أبدا، كلانا في المعالي معـرق(3)
إلا الخلافة ميزتك فإنــني أنا عاطل منها و أنت مطـوق(4)
ــــــــــــــــــــــ
  1. موموقة: محبوبة، تبهر بالضياء، و تومق: تضر العين بنورها الشديد و يحبها الناس في وقت واحد.
  2. البرد: الثياب، كان الخلفاء يتوارثون بردة النبي يلبسونها في أيام الجمع و الأعياد و في المناسبات الدينية ( للمبايعة بالخلافة مثلا)
  3. معرق: أصيل ، قديم النسب.
  4. عاطل: لا يلبس حليا ( لجماله فهو لا يحتاج إلى الحلي) المطوق: يلبس طوقا( قلادة في العنق – أنا مثلك ، و لكن أنت خليفة و أنا لست خليفة.
بديع الزمان الهمذاني
هو أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحي بن سعيد المعروف ببديع الزمان الهمذاني , ولد سنة 358هـ الموافقة لسنة 969هـ، من أسرة عربية ذات مكانة علمية مرموقة استوطنت همذان و بها ولد بديع الزمان فنسب إليها ، و قد كان يفتخر بأصله العربي إذ كتب في إحدى رسائله إلى أبي الفضل الأسفرييني" أني عبد الشيخ و اسمي أحمد ، و همذان المولد و تغلب المورد و مضر المحتد".
و قد تمكن بديع الزمان بفضل أصله العربي و الفارسية و تضلعه في آدابهما فكان لغويا و شاعرا و راوية حديث.
أخذ اللغة عن الأديب الكبير و اللغوي الشهير صاحب" المجمل في اللغة" و هو أبو الحسين أحمد بن فارس ، و تتلمذ لابن تركان ، و عبد الرحمن الإمام و أبي بكر محمد الحسين الفراء.
انتقل سنة 380هـ، إلى أصفهان فانضم إلى حلبة شعراء الصاحب بن عباد ثمّ يمّم وجهه شطر جرجان فأقام في كنف أبي سعيد محمد بن منصور ، و خالط أسرة من أعيان جرجان تعرف بالإسماعيلية فأخذ من علمها الشيء الكثير ، ثمّ ما فتىء أن نشب خلاف بينه و بين أبي سعيد الإسماعيلي فغادر جرجان إلى نيسابور ، و كان ذلك سنة 382هـ الموافقة لسنة 992 ميلادية.
و اشتدت رغبته في الاتصال باللغوي الأديب الذائع الصيت أبي بكر الخوارزمي فكاتبه مظهرا طمعه في لقائه : " أنا لقرب الأستاذ – أطال الله بقاه – كما طرب النشوان مالت به الخمر ، و من الارتياح للقائه ، كما انتفض العصفور بلله القطر ، و من الامتزاج بولائه، كما التقت الصهباء و البارد العذب و من الابتهاج بمرآه كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب..".
و لبى الخوارزمي طلب بديع الزمان و التقيا فلم يحسن الأول استقبال الثاني ، و حصلت بينهما قطيعة ، و نمت عداوة ، فاستغل هذا الوضع بعض الناس و هيأ للأديبين مناظرة كان الفوز فيها لبديع الزمان الهمذاني بفضل سرعة خاطره ، و قوة بديهته، و نفاذ قريحته و زادت هذه الحادثة من ذيوع صيت بديع الزمان عند الملوك و الرؤساء و فسحت له مجال الاتصال بالعديد من أعيان المدينة ، و فتن به الكثير من طلاب العلم و التفوا حوله ، فأملى عليهم أربعمائة مقامة أغلبها في الكدية (1) لم تصلنا منها سوى اثنتان و خمسون مقامة ، و قد تعمد أغلب ناشري مختلف طبعات هذه المقامات ترك المقامة الشامية لما احتوته من ألفاظ فاحشة فلم يبقى منها سوى واحد و خمسون مقامة.
ـــــــــــــــــــــــ
  1. الكدية : الاستعطاء و حرفة السائل الملح.
و لم تطل إقامة بديع الزمان في نيسابور و غادرها متوجها نحو سجستان فأكرمه أميرها خلف بن أحمد أيما إكرام ، لأنه كان مولعا بالأدباء و الشعراء، و أهدى إليه أديبنا مقاماته، إلاّ أ، الوئام بينهما لم يدم طويلا، فقد تلقى بديع الزمان يوما من الأمير رسالة شديدة اللهجة أثارت غضبه، فغدر سجستان صوب غزنة حيث عاش في كنف السلطان محمود معززا مكرما ، و كانت بين بديع الزمان و أبي العباس الفضل بن أحمد الأسفراييني وزير السلطان محمود مراسلات عديدة.

و في نهاية المطاف حط بديع الزمان رحاله بهراة فاتخذها دار إقامة ، و صاهر أبا علي الحسين بن محمد الخشنامي أحد أعيان هذه المدينة و سادتها ، فتحسنت أحواله بفضل هذه المصاهرة و اقتنى ضياعا و أملاكا واسعة و عاش عيشة هنيئة .
و بمدينة هراة لفظ أنفاسه الأخيرة سنة 398 هجرية الموافقة لسنة 1007 ميلادية و لم يكن قد بلغ الأربعين من عمره، فودع الحياة التي خبرها و ذاق حلوها و مرها ، بعد أن خلف لنا آثارا رائعة تتمثا في :
مجموعة رسائل
ديوان شعر
و مقامات طبقت شهرتها الآفاق، و قد كانت و ما زالت منارة يهتدي بها من يريد التأليف في هذا الفن فيتمتع الناس بالقصص الطريفة و الفكاهة البارعة ، و يزود طلاب العلم بما يلزمهم من الدرر الثمينة في ميدان سحر الأسلوب ، و غرابة اللفظ و سموالمعنى.
المقامات:
تعتبر المقامات من أشهر مؤلفات بديع الزمان الهمذاني التي له الفضل في وضع أسس هذا الفنو فتح بابه واسعا ليلجه أدباء كثيرون أتوا بعده و أشهرهم أبو محمد القاسم الحريري و ناصف اليازجي.
و المقامات مجموعة حكايات قصيرة متفاوتة الحجم جمعت بين النثر و الشعر تناولت موضوع الكدية و الاحتيال، بطلها رجل وهمي يدعى أبو الفتح الإسكندري عرف بخداعه و مغامراته و فصاحته و قدرته على قرض الشعر و حسن تخلصه من المآزق إلى جانب أنّه شخصية فكاهية نشطة تنتزع البسمة من الشفاه و الضحكة من الأعماق ، و يروي مغامرات هذه الشخصية التي تثير العجب و تبعث على الإعجاب رجل وهمي أيضا يدعى عيسى بن هشام

و لهذا المؤلف أثر كبير في ذيوع صيت بديع الزمان الهمذاني لما احتواه من معلومات تفيد القراء من مختلف المشارب و المآرب إذ وضعه إذ وضعه لغاية تعليمية فكثرت فيه أساليب البيان و البديع و العروض و أراد التقرب به من الأمير خلف بن أحمد فضمنه مديحا يتجلى خاصة في المقامة الحمدانية و المقامة الخمرية فنوّع و لوّن ، مستعملا الأسلوب السهل ، و اللفظ الرقيق ، و السجع القصير دون أدنى عناء أو كلفة.
و تنطوي المقامات على ضروب من الثقافة، إذ نجد بديع الزمان الهمذاني يسرد علينا أخبارا عن الشعراء في مقاماته الغيلانية و مقامته البشرية و يزودنا بمعلومات ذات صلة بتاريخ الأدب و النقد الأدبي في مقامته الجاحظية و القريظية ، و الابليسية ، كما يقدم في المقامة الراستانية و هو السني المذهب ، حجاجا في المذاهب الدينية فيسفه عقائد المعتزلة و يرد عليها بشدة و قسوة ، و يستشهد أثناء تنقلاته هذه بين ربوع الثقافة بالقرآن الكريم و الحديث الشريف ، و قد عمد إلى الاقتباس من الشعر القديم و الأمثال القديمة و المبتكرة فكانت مقاماته مجالس أدب و أنس و متعة، و قد كان يلقيها في نهايات جلساته كأنها ملحة من ملح الوداع المعروفة عند أبي حيان التوحيدي في الامتاع و المؤانسة ، فراعى فيها بساطة الموضوع ، و أناقة الأسلوب و زوّدها بكلّ ما يجعل منها :
    • وسيلة للتمرن على الإنشاء و الوقوف على مذاهب النثر و النظم.
    • رصيدا لثروة معجمية هائلة.
    • مستودعا للحكم و التجارب عن طريق الفكاهة.
    • وثيقة تاريخية تصوّر جزءا من حياة عصره(1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
  1. مقامات الهمذاني، تقديم باني عميري، طبع المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية 1988.

أبو العلاء المعري
هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن محمد (1) .....ينتهي نسبه الأعلى إلى تيم الله ثم إلى قضاعة ثم إلى قحطان فهو عربي خالص نسبه البعيد ينتهي إلى تنوخ ، و هم يذكر ابن العديم من أكثر العرب مناقب و حسبا و من أعظمهم مفاخر و أدبا(2)
ولد أبو العلاء المعري بمعرة النعمان سنة 363هـ937م يقول ياقوت الحموي في وصفه" غزير الفضل، شائع الذكر ، وافر العلم ، غاية الفهم عالما باللغة حاذقا بالنحو جيد الشعر، جزل الكلام ، شهرته تغني عن صفته و فضله ينطق بسجيته(3)
أما عن لقبه فهو معري نسبة إلى المعرة مسقط رأسه كما اختار لفظا أحب أن يدعى به و هو رهين المحبسين و كان قد أطلق على نفسه هذا اللقب بمجرد رجوعه من بغداد و بعد اتخاذه لقرار الاعتزال و كان يريد بالمحبسين حبسه لنفسه في المنزل و احتجابه فيه، و تركه الخروج منه ، و حبسه عن النظر إلى الدنيا لما أصيب به من عمى يمنعه من مشاهدة الأشياء على أنه قد ذكر في اللزوميات سجونا ثلاثة ألا و هي: المنزل و ذهاب البصر ثم الجسم و ذلك في قوله(4)
أراني في الثلاثة من سجوني فلا تسأل عن الخبر النبــــــــيث
لفقدي ناظري و لزوم بيتــــي و كون النفس في الجسد الخبيث
و يبدو أنه قد أعرض عن السجن الثالث فلم يسم نفسه إلا رهين المحبسين.
ثقافته:
أخذ أبو العلاء العلم في مسقط رأسه عن جماعة من المحدثين منهم جده و جدته و أبوه و أخوه، فانتهل من هؤلاء جميعا الرحيق الديني صافيا ، أما عن المشايخ الذين أقرؤوه القرآن فقد كانوا جماعة من مشاهير القراء و رواة الحديث منهم : أبو الفرج عبد الصمد بن أحمد بن عبد الرحمان الضرير ألحمصي ، و أبو الفتح محمد أبي الحسن بن روح المعري، و أبو زكرياء يحي بن مسعر بن محمد بن يحي و غير هؤلاء كثيرون(5)


ــــــــــــــــــــــ
  1. وفيات الأعيان و أنباء أبناء الزمان لابن خلكان ج1 ص: 94، و بغية الوعاة للسيوطي ص: 136
  2. أنظر تعريف القدماء بأبي العلاء تحقيق مجموعة من الأساتذة إشراف د/ طه حسين ص: 489.
  3. معجم الأدباء، ياقوت الحموي 17 ص 397.
  4. اللزوميات ج1 ص: 249 و النبيث: الشرير، و هو أيضا من نبث التراب أي إخراجه و نبث عن السر : بحث عنه.
  5. انظر تعريف القدماء بأبي العلاء ، تحقيق مجموعة من الأساتذة بإشراف د/ طه حسين ص: 516 عن الانصاف و التحري في رفع الظلم و التجري عن أبي العلاء المعري لابن العديم ، تحت فصل عنوانه:" في ذكر اشتغاله بالعلم و ذكر شيوخه الذين أخذ عنهم"
رحلاته:
عرف عن المعري أنه خرج من المعرة و كلاهما كانتا من أجل الاستزادة في العلم و التبحر فيه:
  1. أما الرحلة الأولى فكانت تلك التي خرج فيها المعري إلى حلب طلبا للمعرفة فتنقل هناك بين أنطاكية و اللاذقية و طرابلس.
  2. أما الرحلة الثانية : فكانت تلك حمل رحاله فيها إلى بغداد سنة 399هـ و أقام فيها مدة سنة و سبعة أشهر.
عزلته:
قرر المعري منذ خروجه من بغداد أن يعتزل الناس و يتقشف في الحياة و يتعفف من متاعها فانقطع في بيت له بالمعرة حتى يطهر نفسه من مجالسة المنافقين قال(1)

تخير فإما وحدة مثل ميتة و إما جليس في الحياة منافق
آثاره: رغم ضياع الكثير من أثار المعري إلاّ أنه لا بأس من ذكر البعض منها مما ورد عن ياقوت و ابن خلكان و الزركلي:
- لزوم ما لا يلزم: و هو نتاج عزلته ، عالج فيه قضايا دنيوية و أخرى غيبية فتناول فيها منشأ الإنسان و مصيره و ما بينهما.
- سقط الزند: و قد شرحه أبو العلاء نفسه تحت عنوان " ضوء السقط" و وقف خاصة على الغريب من ألفاظه فشرحها و قربها من الأذهان.
- رسالة الغفران: و قد أملى المعري رسالته هذه بعد مضي قرابة ربع قرن من عزلته و كانت حينها شهرته قد شاعت فراسله الكثير من المستفسرين عن خصائص فكره و قد كان من بين هؤلاء المحدث علي بن منصور مستفسرا عن بعض المسائل الفقهية و بدلا من أن يجيبه برسالة عادية جعله يصعد إلى السماء و يرى بنفسه كيف جرت و تجري الأحكام الإلهية ، و لكثرة ما ورد من أسماء الغفران و مشتقاته سميت الرسالة " رسالة الغفران "
- الفصول و الغايات: و فيه مواعظ و حكم دينية و تسبيح بحمد الله.
- زجر النابح.
- رسائل أبي العلاء و منها:
- رسالة إلى خال المعري أبي القاسم في حلب عند مغادرته بغداد.
- رسالة إلى أهل المعرة قبل قدومه إليهم.
- رسالة الملائكة.
- رسالة التذكرة.
- خمس رسائل تبودلت بينه و بين داعي الدعاة الفاطمي.
- رسالة الهناء.
ــــــــــــــــــــــــ
  1. اللزوميات، أبو العلاء المعري 2/178

الخصائص الأسلوبية عند المعري:
لقد عرف المعري بشدة كلفه بالصناعة، فقد قيد نفسه تقييدا شديدا خاصة في لزومياته، و اضطر نتيجة ذلك إلى الكثير من القوافي الغريبة و الألفاظ الغامضة و صرامة قانونه هذا لا نجده في اللزوميات فحسب و إنما هو موجود أيضا في سقط الزند و لكن توظيفه له كان بدرجة أقل.
لقد أبت عليه نفسه إلا أن يحملها فوق ما ألقت عليه الحياة من أثقال فكان أن التزم في شعره ما لا يلزم من مقومات.
عرف عن المعري غموض أسلوبه و تعقده و يبدةو أن المعري شرح ديوان السقط و اللزوم و فسر غريب الألفاظ في الغفران و الفصول و الغايات.
و من الظلم أن نصف لغة المعري كلّها بالتكلف و الغرابة، ذلك أنه كثيرا ما جمع بين النقيضين في الأسلوب بالسلاسة ، مثال ذلك قوله:
يسوسون الأمور بغير عقل فينفذ أمرهم و يقال ساسة
فأف من الحياة و أف منــي و من زمن رئاسته خساسة
بينما نجده أحيانا أخرى يهيم في أودية الغرائب اللفظية، فيتكلف تكلفا شديدا.
و من أهم أسباب الغموض في شعر أبي العلاء:
ميل للمفردات الغريبة.
  1. الرغبة في إظهار المقدرة اللغوية.
  2. توظيف المسائل العلمية، إذ كثيرا ما جعل المعري هذه المعارف لوازم في شعره.
  3. العبث بالألفاظ اللغوية، فكثيرا ما يورد المعري ألفاظا مشتبهة ثم يفسرها كما يفسر علماء اللغة ما يعرض لهم من الألفاظ المشكلة.
  4. أما من حيث الصورة الشعرية فيعد المعري من أخصب الشعراء خيالا و براعة في إحكام الصورة الأدبية ففي ديوان سقط الزند يعرض المعري صورا رائعة تدل على تمكنه من التفكير العميق و على براعته في تغير القوالب اللفظية.
  5. أما فيما يخص المحسنات البديعية و إن لم يولها المعري اهتماما كبيرا في بداية حياته الشعرية إلاّ أنه بالغ في عنايته بها في لزومياته فقيد نفسه بالبديع فكان ذلك من أهم أسباب التعقيد الذي نجده في تركيبه ، فشوش المعاني و موه الأغراض .
أبو حيان التوحيدي
هو أبو حيان علي بن محمد بن العباس ، قيل كان أبوه يبيع نوعا من التمر يسمى التوحيد، أو لعل هذه النسبة جاءته من أنه كان من المعتزلة أهل العدل و التوحيد.
قضى التوحيدي معظم حياته في بغداد فتلقى فيها علوم زمانه على الفقيه المروذي( ت 362هـ) ، و المنطقي يحي بن عدي ( ت 364 هـ) ، و الفقيه أبي بكر محمد الشاشي ( ت 365 هـ) و النحوي أبي سعيد السيرافي ( ت 376هـ) و اللغوي علي بن عيسى الرماني ( ت 384 هـ) و المنطقي أبي سليمان السجستاني( ت 391 هـ).
اتصل التوحيدي مدّة يسيرة بأبي الحسن المهلبي الذي وزر في بغداد لأمير الأمراء معز الدولة بن بويه منذ 339هـ، و لما توفي معز الدولة (352هـ) رحل التوحيدي إلى ابن العميد في الري، و بعد بضع سنوات ذهب إلى الري مرة أخرىإلى الصاحب بن عباد، غير أنه لم ينل عند كليهما حظوة ما، فعاد إلى بغداد( 370هـ-980م) و بقي فيها إلى نحو سنة 400هـ، ثم تنقل فيما بعد في البلاد فأدركه الموت في شيراز ( 414هـ- 1023م).
أبو حيان التوحيدي أديب مفكر ألم بعدد من فنون المعرفة ثم صرف جانبا كبيرا منها في كتبه، و كان التوحيدي فقيها و معتزليا على مذهب الجاحظ و ذا ميل إلى التصوف ، و كان يرمى بالزندقة ، و أسلوب التوحيدي سهل واضح متين السبك يجري على السليقة خاليا من التكلف ، و كان للتوحيدي عناية بترتيب الأفكار و تخريج المعاني ، و عناية بالتراكيب مع اهتمام ظاهر بالمناقشة المنطقية ، و الجدل الفلسفي و الموازنة بين الآراء.
كتب أبي حيان كثيرة أشهرها : المقابسات( و هي مذكرات كان يكتبها بعد الجلسات التي كان يعقدها مع الأدباء و المفكرين و الأعيان، فهي من أجل ذلك من الموضوعات المختلفة في الأمور التي كان يهتم بها أهل عصره°.
    • - الامتاع و المؤانسة ( و هو أيضا مجموعة من الموضوعات التي كان البحث فيها ثائرا في أيامه°.
    • - رسالة في الصداقة و الصديق.
    • - رسالة في علم الكتابة.
    • - بصائر القدماء و سرائر الحكماء.
    • - الإشارات الإلاهية و الأنفاس الروحانية.
    • - رسالة في أخبار الصوفية.
    • - رياض العارفين.
    • - رسالة الإمامة.
    • الهوامل و الشوامل.
    • مثالب الوزيرين( الصاحب بن عباد و ابن العميد).
    • تقريظ الجاحظ.
    • الحنين إلى الأوطان.
مختارات من نثره :
من مقدمة المقابسات( ذم أهل الأزمان):
"...فقد أصبحنا في هذه الدار و كأنما هي قاع أملس أو أثر أخرس لم يبقى من يرضى هديه أو يقتبس علمه... أو يعرف حده بأدب من الآداب عليه أو يباش(1) بوجه من الوجوه إليه، و ماذلك إلا لنغل القلوب و دخل الأعراق و خلوقة الدين و غلبة القحة و ارتفاع المراقبة ، و سقوط الهيبة السياسية و التبجح بالفحشاء و المنكر(2).
و لعمري، مازالت الدنيا على سجيتها المعروفة و عاداتها المألوفة و لكن اشتدت مئونتها و تضاعفت زينتها اليوم بفقد السائس الصارم و بعدم العابد العالم ، و بانقراض أهل الحياء و التكرم و بتصالح الناس على التعادي و التظالم...."
ــــــــــــــــــــ
  1. هذه الدار الحياة لدني. الهدي( بالفتح)، الهدى( بالضم) : السلوك القويم ، إتباع الحق. يباش: ( الصيغة غير موجودة في القاموس). يقبل أحدنا عليه فرحا : ضاحك الوجه.
  2. نغل القلوب: فساد النية، تغير المودة. دخل الأعراق: فسادها . الخلوقة: التهرئ، البلى من أثر القدم.
ابن العميد( توفي سنة 360هـ)
هو أبو الفضل محمد بن الحسين ينتمي إلى أسرة فارسية من مدينة قم، كان أبوه صاحب جاه و أدب ، كان كاتبا معروفا و وزيرا مشهورا فنشأ أبو الفضل في بيت أدب و كتابة(1)
و في سنة 328هـ تولى الوزارة لركن الدولة البويهي و قام بنشاط ملحوظ في شؤون الإدارة، خاض الوزير مع الأمير غمرات السياسة و ويلات الحرب و بقي كذلك حتى توفاه الله سنة 360هـ جاء في اليتيمة قال " لم يزل أبو الفضل في حياة أبيه و بعد وفاته بالري و كور الجبل و فارس و يتدرج إلى المعالي و يزداد على الأيام فضلا و براعة حتى بلغ ما بلغ و استقر في الذروة العليا من وزارة ركن الدولة و رياسة الجبل (2)
ألم أبو الفضل بجميع ضروب الثقافة في عصره و لعله من أجل ذلك لقب باسم الجاحظ الثاني (3) قالوا عه أنه أجمع أهل عصره لآلات الكتابة ، حفظ الغريب و توسع في النحو و العروض و اهتدى إلى الاشتقاق و الاستعارات و حفظ معظم دواوين شعراء الجاهلية و الإسلام و عرف المنطق و الفلسفة و الإلاهيات حتى أنه لم يجسر أحد في زمانه أن يدعيها بحضرته، كما عرف علوم الطبيعة و الهندسة و الحيل التي جعلت الرازي يتقدم إليه بتفسيره للمقالة العاشرة في أصول الهندسة من كتاب إقليدس بعد أن نسقها و جوّدها(4)
سعة معارفه و منزلته الأدبية و الاجتماعية:
كان ابن العميد أشبه بدائرة معارف يختزن من العلوم أكثر ما أحاط به مجتمعه، و لذلك لقبوه بالجاحظ، كان مغرما باقتناء الكتب ، شديد الحرص على مطالعتها.
و لابن العميد مكانة عالية و منزلة رفيعة في عالم الأدب و الاجتماع ، و لم يكن ذلك لعلو مكانته السياسية و نفوذه الإداري ، فغيره الكثير من الوزراء و الأمراء ماتوا و أدرجوا في مطاوي النسيان ، أما هو فقد اقترن مركزه العالي بأدبه العالي إلى أن لقبوه بالأستاذ الرئيس ، قال فيه الثعالبي " أنه أوحد عصره في الكتابة" و قال ابن مسكويه" و أما كتابته فمعروفة من رسائله المدونة، و من كان مترسلا لم يخف عليه علو طبقته فيها ، و كذلك شعره الذي جد فيه و هزل فإنه في أعلى درجات الشعر " و يزيد ابن خلكان خطوة أخرى فيقول :" و أما الأدب و الترسل فلم يقارنه فيه أحد في زمانه ، و كان كامل الرياسة جليل القدر من بعض أتباعه الصاحب بن عباد"(5)


ــــــــــــــــ
  1. يتيمة الدهر ج2 ص2، و راجع معجم البلدان لياقوت الحموي
  2. يتيمة الدهر ج3 ص 139
  3. وفيات الأعيان ج2 ص 57
  4. راجع الفهرست لابن النديم ص: 342
  5. عن تجارب الأمم جé ص: 277.

و الذي يدل على علو مكانته الأدبية وفود العلماء و الأدباء عليه من مختلف الأقطار قال ابن خلكان " و قصد جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة و مدحوه بأحسن المدائح (1)و على رأسهم أبو الطيب المتنبي الذي لا يمدح غير الأمراء العظام و قد أبت عليه نفسه أن يقصد الصاحب بن عباد أو يهتم بالوزير المهلبي على علو مكانتهما في الرئاسة و الأدب.
خصائصه الفنية:
أخرج القرن الرابع الهجري نخبة ممتازة من أرباب الكتابة كأبي بكر الخوارزمي و الصاحب بن عباد و بديع الزمان الهمذاني و أبي هلال العسكري و أبي حيان التوحيدي، و أبي إسحاق الصابي و غيرهم...كما نبغ فيه أيضا جماعة من العلماء في التاريخ و الأد ب و اللغة لا يتسع المقام الآن لذكرهم.
تميز هذا القرن عن غيره من القرون السابقة باستقرار السجع في الانشاء الديواني حتى أنه شاع و أصبح الزي الإنشائي السائد ، علما أن السجع كان موجودا منذ القدم في الكتابة العربية لكنه لم يلتزم هذا الالتزام الحاصل في القرن الرابع حيث أصبح فنا أدبيا ذا أصول يعتمد السجع و البديع و التأنق.
و كان لابن العميد اليد الطولى في ذلك حتى عده البعض إمام عصره في هذا الفن ، و قالوا " بدأت الكتابة بعبد الحميد و ختمت بابن العميد"(2)
و يتميز ابن العميد بميزة خاصة و قراءة عجيبة و هي أنه رفع القلم على درجة عليا من درجات الشرف الأدبي فنحن عندما نقرأ نثره يطالعنا بإحساسه العميق و عقله المستنير بحيث تبدو لنا كل كلمة من كلماته و كأنها روح تخفق و قلب ينطق بمخزونه نطقا جوهريا رائعا.
إن الكتابة عند ابن العميد ثورة وجدانية عقلية فمرة يثور كالبركان الثائر يقذف بحممه ، و مرة تحسب نثره و كأنه هواء لطيف يلامس وجه بحيرة هادئة و هو في الحالتين في غضبه و رقته مبدع فذ يصيب هدفه بلباقة و نجاح" يضرب به المثل في البلاغة و ينتهي إليه في الإشارة بالفصاحة و البراعة مع حسن الترسل و جزالة الألفاظ و سلاستها ، إلى براعة المعاني و نفاستها"(3)
من نماذج رسائله:
قال ابن العميد في شهر رمضانالمبارك:
" أسأل الله أن يعرفني بركته، و يلقيني الخير في باقي أيامه و خاتمته و أرغب في أن يقرب على الفلك دوره، و يقصر سيرهن و يخفف حركته، و يعجل نهضته و ينقص مسافة فلكه و دائرته، و يزيل بركة الطول عن ساعاته، و يرد على غرة شوال فهي أسنى الغرر عندي، و أقرها لعيني، و يطلع بدره، و يريني الأيدي متطلبة هلاله ببشر، و يسمعني العي لشهر رمضان ، و يعرض عنّي هلاله، أخفى من السحر ، و أظلم من الكفر ، و أنحف من مجنون بني عامر ، و أبلى من أسير الهجر ، و استغفر الله جلّ وجههمما قلت إن كرهه، و استعفيه من توفيق لما يذمه ، و اسأله صفحا يفيضه، و عفوا يوسعه إنه يعلم خأئنة الأعين و ما تخفي الصدور"(4)
ـــــــــــــــــــ
1-وفيات الأعيان22 ص: 8
2-أعلام في النثر العباسي ، د/ حسن الحاج ص: 163
3-النثر الفني في القرن الرابع ، زكي مبارك12 ص: 202
4-زهر الآداب ج2 ص: 244
فابن العميد هنا يمزج السجع مزجا معتدلا، و أكثر سجعه يجري قصير الفقرات حسن الازدواج فلم يسرف إسراف الصاحب و المعري و لسان الدين الخطيب و سواهم من الساجعين الذين قرنوا السجع بالبديع.
الأدب المغربي
التفاعل الحضاري بين المشرق و المغرب
لقد فتح العرب المغرب، و استغرق هذا الفتح حوالي سبعين سنة، بدأ ببحث استطلاعي قام به عقبة بن نافع الفهري في ذي القعدة سنة 642م، و انتهت بحملة موسى بن نصير التي أخضع فيها المغرب الأقصى سنة 708م، و كان من نتائج هذا الفتح العظيم أن عرب المغرب إلى حد كبير ، و تحول إلى الإسلام تحولا عميقا.
و لا ريب أن هذا الفتح العربي الذي تمّ خلال القرن الأوّل الهجري و السابع الميلادي، قد أحدث ثورة كبرى، تمثلت في انهيار الحاجز المغلق الذي كان يفضل الشرق عن الغرب ، و في امتداد رواق الإسلام على مسافات شاسعة أمام الأرض ، تمتد من حدود مصر غربا إلى المحيط الأطلسي ، ثم فتح الطريق أمام المسلمين.
و لقد حظيت العربية باحترام أهل المغرب على وجه العموم، و قد اعتبروها لسان الأدب و لغة العلم و عنوان الثقافة، فانبلج بالتالي في القرنين الخامس و السادس الهجريين " عصر جديد أصبحت فيه اللغة العربية ربة المنزل، و صاحبة الأمر و النهي على القرائح و العقول.
و عند منتصف القرن الخامس الهجري حدث ما هو معروف من زحف القبائل العربية على المغرب العربي ، و قد كان لهذا الزحف من الأثر الكبير على الناحية الثقافية، و كان من أكبر العوامل المؤثرة في تعريب الثقافة المغربية.
و من عناصر التكوين الثقافي التي لا يمكن تجاهل تأثيرها في هذا الطور، زحف مذهب مالك بن أنس من التأثير الذي أحدثته مدرسة القيروان التونسية و مرورا بالقسم الغربي في العالم الإسلامي كله، و هو القسم الذي انتظم فيه الأندلس و بلدان المغرب العربي ، و عبورا إلى القارة الإفريقية حيث لا يزال مذهب مذهب مالك هو المذهب الغالب في هذه البلاد.
و قد انتشرت في هذا العصر ظاهرة التنافس الثقافي، و كان لسباق قائما بين بلدان لمشرق و المغرب و الأندلس و عواصمها المختلفة: المهدية و بجاية و فاس و تلمسان، و سبتة و بغداد و القاهرة و المدينة المنورة و مكة و غيرها.
و قد برزت كل مدينة من هذه المدن بلون خاص من العلوم و الآداب غلب عليها ، و اشتهرت به.
و كانت حركة الانتقال المتاحة بين العواصم الإسلامية( دون جوازات سفر أو تأثيرات دخول و خروج) كانت هذه الحركة الانتقالية التي غلب عليها طابع البعثات و الرحلات العلمية من أبرز العوامل في إذكاء روح النشاط الثقافي.
و هي ظاهرة عامة في العالم الإسلامي كله خلال هذه العصور بدرجات متفاوتة بين شعوب و حكومات هذا العالم لقد كانت حدود الأقاليم غير ذات أهمية ، و هي لم تمثل حاجزا أو فاصلا بين العلماء و الأدباء و الكتاب و الشعراء، بل كانت الأفكار في العالم الإسلامي متصلة كما تعكس تقاربا ثقافيا يعتبر خصية كبرى من خصائص الحضارة الإسلامية في عصور الازدهار.
و في الموسوعات العلمية الكبرى لهذه القرن تأكيد واضح لبروز هذه الظاهرة و دورها الإيجابي في خلق وحدة فكرية في العالم الإسلامي كله، فابن بسام يفرد القسم الرابع من موسوعته " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " لمن هاجر إلى الجزيرة أي " الأندلس " من الأفاق و طرأ عليها من شعراء الشام و العراق و يشتمل هذا القسم على تراجم هؤلاء الرحالة الشعراء في القرن الخامس الهجري ، و حتى وفاة ابن بسام سنة 542هـ قريبا من منتصف القرن السادس الهجري.
و المقري صاحب موسوعة نفح الطيب يورد لنا نحوا من مائتين و خمسين ترجمة لمن رحلوا عن الأندلس إلى المشرق من العلماء و الأدباء و الفقهاء، و يورد لنا أيضا من قريبا من خمس و سبعين ترجمة لمن رحلوا من المشرق إلى الأندلس.
و في كتاب الصلة لأبي القاسم خلف بن عبد الملك الشهير ب " ابن بشكوال" المتوفى سنة 578هـ، نلحظ الظاهرة نفسها ، فأغلبية المترجم لهم رحلوا إلى المشرق ، و كثير من المشارقة زاروا الأندلس ، و قد ألحقهم ابن بشكوال بقائمته التي أطلق عليها اسم " الغرباء ".
و في التكملة لابن الأبار، و في وفيت الأعيان لابن خلكان فوات الوفيات للصفدي ، و في جذوة المقتبس للحميدي و في غيرها من المصادر ، نستطيع التأكد من هذه الظاهرة على نحو واضح.
و حين يورد لنا " المقري التلمساني " حياة الأزدي الحميدي صاحب " جذوة المقتبس " المذكور آنفا ، يخيل إلينا أننا أمام مواطن عالمي فقد عاش و طلب العلم في كل من الأندلس و مصر و دمشق و مكة المكرمة و واسط و بغداد و غيرها.
و مما ذكر آنفا يتأكد لدينا أن التفاعل الحضاري و الثقافي بين المشرق و المغرب كان على مستو عالي و إن وجد في الوقت نفسه تفكك سياسي.
و هكذا وجدت وحدة حضارية صهرت المغرب العربي في بوتقتها، فجعلت انتماءه للحضارة الإسلامية انتماء وجود و كيان و مصير.
الدولة الرستمية بتيهرت
لقد خدمت الدولة الرستمية الأمة في الكثير من الجوانب سواء في جانب التأليف و نشر العلم أو في الجانب الاقتصادي و الاجتماعي أو في الجانب المعماري و حتى في الجانب السياسي ، و هي دولة إسلامية عريقة نشأـ سنة 160هـ و استمرت إلى سنة 296هـ أي أنها بقيت مدة 136 سنة(1).
نشأت هذه الدولة في المغرب الأوسط – الجزائر – حاليا على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم(2).
و لد عبد الرحمن في العراق في العقد الأول من القرن الثاني الهجري على أكبر تقدير، و يرجع في نسبه إلى الأكاسرة ملوك الفرس ، فهم أجداده ، إلاّ أ،ّ بعض المؤرخين يعيدون نسبه إلى اللاذارقة ملوك الأندلس قبل الإسلام، و المهم في هذا أنه سليل بيت الملوك قبل الإسلام، سواء كانوا من الفرس أم من اللاذارقة(3).
سافر أبوه به و أمه من العراق إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، إلاّ أنّ الأب وافاه أجله، و ترك يتيما و أرملة ، فتزوجت أمه برجل من أهل المغرب ، فأخذها و ابنها عبد الرحمن إلى القيروان، نشأ عبد الرحمن في القيروان ، و صادف هناك نشر الدعوة الإباضية في تلك الربوع فتعلق بها، و نصحه أحد الدعاة بالسفر إلىالمشرق لتلقي المزيد من العلم علي يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام الإباضية في ذلك الوقت ، توجه إلى البصرة و ظل مع الإمام أبي عبيدة لمدة خمس سنوات يدرس في سرداب أبي عبيدة الذي أ‘ه هذا الأخير تحت الأرض خوفا من عيون الأمويين(4)
و عاد عبد الرحمن مع أصحابه حملة العلم إلى المغرب ، و كان من ضمنهم أول إمام بويع في المغرب و هو الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني.
ــــــــــــــــــــــ
  1. الدولة الرستمية ، ابراهيم بحاز، جمعية التراث ، القرارة ، ص: 110
  2. منهج الدعوة عند الإباضية ، د/ محمد صالح ناصر، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان ص:155.
  3. معجم أعلام الإباضية ، بحاز و آخرون ج:2، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ،ط:2 1421هـ/ 2000م، ص. 246.
  4. نشأة الحركة الإباضية ، عوض خليفات، مطابع دار الشعب، الأردن ، عمان 1978، ص: 108- 137 ، و منهج الدعوة عند الإباضية ، د/ محمد صالح ناصر ص: 119- 149.
و قد كان للرستميين اهتمام كبير بالصناعة و التجارة اهتمام كبير بالصناعة و التجارة كما أنشأوا بيوتا للأموال في مدن الدولة الرستمية ، كما كان لهم إلى جانب ذلك كله اهتمام بالجانب العلمي و الفكري، فاهتمت الدولة بإنشاء المؤسسات التعليمية كالكتاب- أماكن للتعليم – و كذلك إقامة حلقات علم في المساجد سواء في التفسير او الحديث أو الفقه أو اللغة و غيرها من العلوم حتى أن أئمة الدولة الرستمية كانوا يساهمون في التعليم بأنفسهم و لا يأنفون من ذلك أو يتكبرون كالإمام عبد الوهاب الذي قضى سبع سنوات يعلم الناس أمور الصلاة في جبل نفوسة أو الإمام أفلح الذي دارت عليه أربع حلقات للعلم قبل أن يبلغ الحلم(1)
و كذلك اهتمت الدولة الرستمية بإنشاء المكتبات العلمية الزاخرة بمختلف فنون العلم و الأثر ، و من مكتباتها المشهورة مكتبة " المعصومة " التي كانت تحوي آلاف من المجلدات و الكتب، فكانت تضم بين رفوفها كتبا في علوم الشريعة من تفسير و حديث و فقه و توحيد ، و كتبا في الطب و الرياضيات و الهندسة و الفلك و التاريخ و اللغة و غيرها من العلوم المختلفة ، و ن المكتبات المشهورة الأخرى " خزانة نفوسة " الجامعة لآلاف الكتب ، و كذلك لم تخل منازل العلماء في الدولة الرستمية من وجود المكتبات الخاصة.
و هذه النهضة العلمية لا بد و أن يواكبها نهضة في مجال التأليف فحازت الدولة الرستمية قصب السبق في ذلك، فقدم أئمتها و علماؤها للأمة الكثير من المؤلفات في مختلف فنون العلم سواء الدينية أو الدنيوية(2)
كذلك نجد أن الدولة الرستمية كان لها اهتمام بالأدب العربي من شعر و نثر ، فأما النثر فيظهر ذلك جليا من خطب أئمة الدولة الرستمية و مراسلاتهم و أما الشعر فكان لهم نصيب فيه و لكن ليس كالنثر، و من شعراء الدولة الرستمية الإمام أفلح بن عبد الوهاب ، و من قصائده العصماء تلكم القصيدة في فضل العلم التي يقول في مطلعها:

العلم أبقى لأهل العلم آثــــارا و ليلهم بشموس العلم قد نــارا
يحي به ذكرهم طول الزمان و قد يريك أشخاصهم روحا و أبكارا

و قد كانت للدولة الرستمية علاقات ثقافية مع بلدان المغرب و الأندلس ، و مع بلاد السودان و بلدان المشرق العربي فكانت بينهم مراسلات و لقاءات(3)

و من أشهر مدن الدولة الرستمية : مدينة تيهرت العاصمة ، و مدينة وهران و مدينة شلف و مدينة الغدير و المدينة الخضراء و غيرها من المدن (4)
ــــــــــــــــــــ
  1. الدولة الرستمية، بحاز إبراهيم ص: 281، و معجم أعلام الإباضية ، بحاز و آخرون2/ 61.
  2. الدولة الرستمية ، بحاز ابراهيم ص: 288- 290.
  3. أنظر معجم أعلام الإباضية، بحاز و آخرون 2/61
  4. الدولة الرستمية ، بحاز، ص: 282- 398
و قد امتدت حدود الدولة الرستمية في فترة من فتراتها الزاهرة من حدود مصر شرقا إلى مدينة تلمسان في أقاصي المغرب الأوسط غربا(1)








بكر بن حماد التيهرتي
أبرز أعلام الدولة الرستمية
لقد أنجبت الدولة الرستمية العديد من الأعلام الذين نبغوا في مختلف الجوانب و من هذه الجوانب الساحة الشعرية و الأدبية ، و من أشهر فحول شعراء الدولة الرستمية بكر بن حماد التيهرتي.
هو أبو عبد الرحمن بكر بن حماد بن سمك( قيل ابن سهر) بن اسماعيل الزناتي التيهرتي، ولد بتيهرت سنة 200هـ و بها توفي سنة 296هـ ، له رحلة إلى الشرق بدأها سنة 217هـ سمع فيها الفقهاء و العلماء.
كان عالما بالحديث و تميز الرجال ثقة مأثورا ثبتا صدوقا إماما حافظا، سمع بالقيروان قبل رحلته إلى المشرق سحنون بن سعد التنوخي قاضي افريقية سنة 234هـ و في البصرة لقي عمرو بن مرزوق ، و مسدد بن مسرهند الأسدي و غيرهما من العلماء و كتب عن مسدد مسنده و رواه عنه بتيهرت .
و ما يحكى عن بكر بن حماد في الحديث ما رواه القرطبي في تفسيره ( الجامع 1/ 287 دار إحياء التراث العربي 1372هـ/ 1952م) و اقتبسه منه المقري في نفحه ( نفح الطيب 2/48-49).
هذا و قد أخذ الحديث عنه عدد من العلماء منهم القاسم بن أصبع الذي كتب مسند مسدد بن مسرهند، و منهم أبو عبد الله محمد بن صالح القحطاني المعافري الأندلسي، و منهم ابنه عبد الرحمن بن بكر بن حماد، و قاسم بن عبد الرحمن التميمي التيهرتي.
و قد نبغ بكر بن حماد في الشعر أيما نبوغ ، و نظم قصائد جيدة في أغراض مختلفة كالوصف و المديح و الهجاء و الرثاء و الاعتذار و الزهد و الوعظ.
و شعر بن حماد مبعثر بين صفحات الكتب و ثنايا المخطوطات ،و قد بذل الأستاذ محمد شاوش جهد في جمع ما استطاع من شعره من مختلف المصادر التي تمكن من الحصول عليها ، فعثر بعد البحث الطويل المستمر حسبما يذكر على نحو المائة و عشر أبيات من شعره لا غير، هذا و لم يقطع الأمل في
ــــــــــــــــ
  1. الأزهار الرياضية، الباروني 2/ 45-66
اكتشاف غيرها في المستقبل.
و جودة شعر بن حماد تعود إلى ترحاله المستمر حيث رحل إلى المشرق و هو شاب فالتقى بفطاحل شعراء القرن الثالث الهجري مثل دعبل الخزاعي، و علي بن الجهم ...فكان لهذه الرحلة التأثير الأكبر على فكره و استعرابه.
و يصف الأستاذ بونار بن حماد في الشعراء المطبوعين ، و هم قلة فيقول: " إن هذه الشخصية هي أنبغ شخصية في الشعر الغنائي بالمغرب العربي عامة و لا نجد نظيرها في عمق تفكيرها و أصالتها البيانية و امتلاكها لموهبة شعرية محترمة إلا في الأندلس ... و يحق لمؤرخ الأدب في هذا العصر أن يصرح بأن ظهور بكر بن حماد في القرن الثالث ... هو أكبر مفخرة للأدب المغربي "(1)
و هذه بعض الأبيات للشاعر في الاعتذار من الإمام أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان ( حكم الدولة الرستمية سنة 281- 249 هـ) عن خطئ ارتكبه:
و مؤنسة لي بالعراق تركتها و غصن شبابي في الغصون نضير
فقالت كما قال النواسي قبلها عزيز علين أن نراك تســـير
فأكرهني قوم خشيت عقابهم فداريتهم و الدائرات تــــدور
و أكرم عفو يؤثر الناس أمره إذا ما عفا الإنسان و هو قديــــــر
و قد اشتهر بن حماد بشعر الزهد و التصوف حتى شبه بأبي العتاهية اعتقادا منهم أنه تأثر به أثناء رحلته إلى المشرق فمن شعره في لزهد(2)
قف بالقبور فناد الهامدين بها من أعظم بليت فيها و أجساد
قوم تقطعت الأسباب بينهـــم من الوصال و صاروا تحت أطواد
و الله و الله لو ردّوا و لو نطقوا إذا لقالوا التّقى من أفضل الزاد

فهي أبيات كما نرى من أجمل و أروع ما قيل في مجال الزهد تحدث من التأثير الشيء العظيم على كلّ من يقرؤِها.
و قد اختلف في سنة وفاته، فذهب ابراهيم طلاي محقق الطبقات إلى أنه توفي سنة 292هـ و لم يذكر المصادر التي اعتمد عليها (3) و يذكر الدكتور بحاز أنه توفي في 296 هـ(4) و لعله الأصح.
ــــــــــــــــــ
1-الدولة الرستمية، بحاز ابراهيم ، جمعية التراث ، القرارة الجزائر 1993 ص: 308- 363
2- الأزهار ، للباروني 2/95، و الدولة الرستمية ل بحاز ص:364
3- الطبقات، الدرجيني 2/1 نقلا عن الأزهار للباروني 2/97
4- انظر الدولة الرستمية، بحاز ابراهيم
ابن رشيق القيرواني
كان رشيق مملوكا روميا من موالي الأزد و من أهل مدينة المسيلة ( المحمدية) في المغرب الأوسط ( الجزائر) و كانت صنعته الصياغة، و في المحمدية ولد ابنه الحسن سنة 390هـ ( 1000م) أو قبل ذلك بقليل ، فتعلم صنعة أبيه و تأدب قليلا.
و في سنة 406 هـ ( 1016م) انتقل الحسن بن يوسف بن رشيق إلى القيروان و درس على جماعة من أدبائها و علمائها ، و كان منهم أبو محمد عبد الكريم بن ابراهيم النهشلي ( و ابن رشيق كثير الاستشهاد بآرائه في كتاب العمدة) و منهم أيضا أبو عبد الله محمد بن جعفر القزاز القيرواني ( ت 412 هـ) اشتهر ابن رشيق في القيروان و اتصل بصاحبها الأمير معز بن باديس منذ سنة 410هـ فلقي عنده حظوة، و أصبح من بطانته و أهل دولته.
انتقل ابن رشيق إلى جزيرة صقلية و نزل في مازر ( على الساحل الجنوبي الغربي ) و بقي فيها إلى أن أدركته الوفاة في غرة ذي الحجة من سنة 456 هـ ( 14/ 11/1064م).
ابن رشيق عالم باللغة و النحو و بارع في الأدب و النقد و شاعر و مؤلف حسن التأليف ، و لقد غلب نقد الشعر عليه فعرف به دون سائر فنون العلم و الأدب ، و ابن رشيق شاعر مقتدر ، صحيح المعاني ، متين الأسلوب غير أن العقل يغلب في شعره على العاطفة ، و معظم معانيه مستعارة، و إن كان أحيانا يصيب الصورة الشعرية.
تقوم شهرة ابن رشيق و مكانته على كتاب " العمدة " و هو يتألف من قسمين في أولها نقد تاريخي للشعر ، و في الثاني منهما بلاغة و نقد ( و إن كنت تجد أبوابا في القسم الأول هي أخلق بالقسم الثاني ، كما نجد في القسم الثاني أبوابا أقل عددا يجب أن تكون في القسم الأول) فمن أبواب القسم الأول: فضل الشعر – الرد على من يكره الشعر – شعر الخلفاء و الصحابة- باب من رفعه الشعر ( كامرئ القيس) و من وضعه أي حطّ قدره الشعر ( كالنابغة) – باب التكسب بالشعر و الأنفة من التكسب به- القدماء و المحدثون المقلون من الشعر و المكثرون – مشاهير الشعراء- باب الشعراء و الشعر: حد الشعر اللفظ و المعنى – المطبوع و المصنوع – الأوزان- القوافي – القطع و الطوال- المبدأ و الخروج و النهاية- الإيجاز- الفرق بين الاختراع و الإبداع- المجاز- الاستعارة – التجنيس – الفرق بين الترديد و التكرار- الاستثناء- توكيد المدح بما يشبه الذم – السرقات – النسيب – المديح – الرثاء...الخ – سيرورة الشعر و الحظوة عند الممدوحين – باب في أصول النسب و بيوتات العرب – باب معرفة الأماكن و البلدان – باب الوصف...الخ
يقول ابن خلدون في تقريظ كتاب العمدة لابن الرشيق مايلي: " و هو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة ( صناعة الشعر ) و إعطاء حقها ، و لم يكتب فيها قبله و لا بعده مثله ".
و لابن رشيق من التصنيف أيضا :
- كتاب الأنموذج ( في شعراء القيروان المعاصرين له )
- قراضة الذهب في نقد أشعر العرب.
- كتاب الغرائب و الشواذ في اللغة.
و له عدد من الرسائل يرد فيها على معاصره و منافسه ابن شرف القيرواني منها :
- فوات الوفيات
- رسالة ساجور الكلب
- رسالة قطع الأنفاس
- رسالة نجح الطلب
- رسالة رفع الإشكال و دفع المحال
- فسخ اللمح و نسخ الملح
- ميزان العمل في أيام الدول.
مختارات من آثاره:
قال ابن رشيق في وصف حال المسلمين حينما بدأ الأسبان النصارى يستولون على المدن الأندلسية و يخرجون منها أهلها تقتيلا و تشريدا:
المسلمون مقسمون تنالهم أيدي العصاة بذلة و هوان
بادوا نفوسهم فلما أنفدوا ما جمعوا من صامت و صوان(1)
خرجوا حفاة عائذين بربهم من خوفهم و مصائب الألوان
هربوا بكل وليدة و فطيمة و بكل أرملة و كل حصان(2)
فتفرقوا أيدي سبا و تشتتوا بعد اجتماعهم على الأوطان(3)
ـــــــــــــــــــــــــ
  1. بادوا نفوسهم فما انفدوا: أنفقوا ما كانوا خزنوه. الصامت: المال الجامد( كالعملة و الأبنية ..إلخ). الصوان: الصندوق توضع فيه الثياب الثمينة( لصونها).
  2. الحصان: المرأة الشريفة النبيلة( التي لا يمسها أجنبي)
  3. تفرق القوم أيدي سبا: تشتتوا( تفرقوا تفرقا لا اجتماع بعده)
ابن شرف القيرواني أبو عبد الله
هو أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد محمد الجذاميّ المعروف بابن شرف القيرواني ، تاريخ ميلاده غير معروف بالضبط، و لعله يكون قد ولد في السنين الأخيرة من القرن الرابع الهجري(1)
روى ابن شرف القيرواني عن أبي الحسن القابسي( 403هـ) و أبي عمران الفاسي و قرأ النحو على أبي عبد الله محمد بن جعفر القزاز، و أخذ العلوم الأدبية عن أبي إسحاق إبراهيم الحصري.
و نال ابن شرف حظوة في بلاط المعز بن باديس في القيروان و كان المعز قد استقل بالحكم سنة (417هـ) و لكننا لا نعلم متى جاء ابن شرف إلى بلاط القيروان، و في هذا البلاط التقى ابن شرف بابن رشيق فتنافسا و تنافرا ثم تهاجيا و أقذع كل واحد منهما في هجاء الآخر، و لكن يبدو أنهما لم يتقاطعا و لا تعاديا.
و في سنة (447هـ) هاجم العرب البدو القيروان و استباحوا أهلها فانتقل المعز بن باديس منها إلى المهدية، و انتقل معه ابن شرف، ثم توفي المعز(453هـ) و خلفه ابن تميم فلزمه ابن شرف مدّة يسيرة فلم يجد عنده من الحظوة ما كان قد وجد عند أبيه فغادر افريقية( تونس) إلى جزيرة صقلية ثم انتقل نحو سنة (450هـ) إلى الأندلس و سكن المريّة ثمّ إن نفسه نازعته إلى التردد على بلاطات ملوك الطوائف للتكسب بشعره و قد استقر حينا في طليطلة عند المأمون ابن ذي النون ( 429- 467هـ) ثم انتقل إلى اشبيلية و اتصل بالمعتضد بن عباد( 434- 461هـ)
و كانت وفاة أبي عبد الله بن شرف الجذامي القيرواني في اشبيلية في أول محرم من سنة 460هـ.
أبو عبد الله محمد بن شرف القيرواني أديب كاتب مترسل و شاعر ، أما نثره فترسل فيه تأنق و تكلف ، و فيه تقليد للمقامات ، و إن كان يعالج فيه أحيانا موضوعات بعيدة عن طبيعة المقامة كما عرفها المشرق ، و أما شعره فرقيق عذب سلس في أكثر الأحيان ، و فنون شعره : المدح و الرثاء الصادق و خصوصا رثاء بلده القيروان بعد أن هاجمها البدو و خربوها ، و أحسن فنونه الوصف، و له هجاء فيه دعابة تحول أحيانا إقذاعا ، ثم له غزل و حكمة.
و يذكر صاحب معجم الأدباء (19/43): " و لابن شرف القيرواني من التصانيف : أبكار الأفكار جمع فيه ما اختاره من شعره و نثره ، و أعلام الكلام ( مجموع فوائد و لطائف و ملح منتخبة) و رسالة الانتقاد ( و هي على طراز مقامة نقد فيها شعر طائفة من شعراء الجاهلية و الإسلام) و ديوان شعر و غير ذلك " و له رسائل و مقامات.
ــــــــــــــــــــ
  1. انظر تاريخ الأدب العربي ، د/ عمر فروخ ص: 564
مختارات من آثاره:
من مقامة لابن شرف القيرواني اسمها أعلام الكلام ( 25-26):
" و أما أبو فراس بن حمدان ففارس هذا الميدان ، إن شئت ضربا و طعنا أو شئت لفظا و معنى، ملك زمانا و ملك أوانا ، أشعر الناس في المملكة ...له الفخريات التي لا تعارض و الأسريات التي لا تناهض.
و أما المتنبي فقد شغلت به الألسن ، و سهرت في أشعره الأعين ، و كثر الناسخ لشعره ، و الأخذ لكره و الغائص في بحره و المفتش في قعره عن جمانه و دره و قد طال فيه الخلف و كثر عنه الكشف و له شيعة تغلو في مدحه و عليه خوارج تتغايا في جرحه ، و الذي أقول أن له حسنات و سيئات ، و حسناته أكثر عددا و أقوى مددا ، و غرائبه طائرة و أمثاله سائرة ، و علمه فسيح و ميزه صحيح ، يروم فيقدر و يدري ما يورد و يصدر.
و في مجال الشعر قال أبو عبد الله بن شرف يصف أهل قيروان و قد جلوا عنها بعد أن هاجمها العرب ( البدو) و خربوها:
ترحل عنها قاطنوها ، فلا تـرى سوى سائر أو قاطن و هو سائر(1)
تكشفت الأستار عنهم و ربّمـا أقيمت ستور دونهم و ستائر(2)
تبيت على فرش الحصى ، و غطاؤها دوارس أسمال زوار حقائر(3)
فياليت شعر القيروان مواطنـي أعائدة فيها الليالي القصائر(4)
و يا روحتي بالقيروان و بكرتـي أ راجعة روحاته و البواكـر
كأن لم تكن أيّامنا فيك طلقـة و أوجه أيام السور سوافـر(5)

ـــــــــــــــــــــــــ
1- القاطن: الساكن في البلد أو المنزل. و هو سائر ( راحل، مهاجر)
2- انكشف عنه ستر الله : افتضح بين الناس و ظهرت معائبه،الخ، أقيمت ستور دونهم ( كناية عن حفظ كرامتهم ) و ستائر ( كناية عن احتجابهم عن العامة لعلو منزلتهم) .
3- فرش( بضم فضم- و هنا بضم فسكون لضرورة الشعر) . الحصى: صغار الحجار. السمل( بفتح ففتح ) : الثوب البالي المتهرئ. و زوار جمع زارية : تكسب صاحبها عيبا.
4- المواطن : جمع موطن . قصائر جمع قصيرة
5- الوجه الطلق: البشوش الضاحك، الفرح. و الوجه السافر: المشرق، المضيء.
الأدب الأندلسي
التركيبة البشرية للمجتمع الأندلسي:
فتح العرب بلاد الأندلس في أواخر القرن الأول الهجري، و استوطنوها زهاء ثمانية قرون، استطاعوا خلالها أن ينشروا دينهم و لغتهم ، و أن يقيموا فيها مجتمعا إسلاميا جديدا له سماته الخاصة و طابعه المميز.
و لما كانت الحياة العقلية لأي أمة هي وليدة مجتمعها بكلّ ما يمثله من بيئة طبيعية شعب و نظم تحكم حياته و سلوكه و ضروب النشاط الإنساني التي يضطلع بها ، فسوف نحاول هنا التعرف بإيجاز إلى مكونات المجتمع الأندلسي تلك التي تضافرت على صنع حياته الفكرية من علمية و أدبية.
و نبدأ أولا بالكلام عن عناصر الشعب الأندلسي ، و العناصر التي سادت الأندلس خمسة: العرب ، و البربر، و الموالي، و المولدون، و أهل الذمة من نصارى و يهود.
1- العرب:
فالعرب كانوا يحسون إحساسا قويا بنوع من الأرستقراطية نابع من غلبتهم على الأسبان و لبربر و إدخالهم في الإسلام و كذلك من لغتهم التي تفوق غيرها ، و لعل شعور التعالي هذا من قبل العرب ، هو ما كان يولد ثورة البربر عليهم أحيانا.
و كان العرب في مستهل الفتح قلة بالقياس إلى العناصر الأخرى ثم أخذت أعدادهم تتكاثر و تنتشر في أنحاء شبه الجزيرة الأندلسية بفعل الاستيطان و التوالد بالمهاجرين العرب الذين أخذوا يرحلون إليها أفواجا تلو أفواج بعد الفتح الإسلامي.
2- البربر:
و هم يشاركون العرب في البداوة و الإسلام و الشجاعة و العصبية القبلية، و كانوا في أوّل أمرهم أكثر عددا و قوة من العرب و كان تيار هجرتهم متصلا بحكم الجوار.
و قد تأثرت جماعات البربر المستقرة في الأندلس بالبيئة الجديدة تأثرا عظيما ، و لم يكد الجيل الأول منهم ينقضي حتى طلع الجيل الثاني أندلسيا قد نسي أصله و اتخذ الأندلس وطنا .
و من الناحية العقلية كانوا يجتهدون في التعرب : يتعلمون العربية ، و يقبل من له ميل منهم على دراسة الإسلام و التفقه فيه ، و من الناحية المعاشية ارتبطوا بجيرانهم من أهل البلاد عن طريق المصاهرة ، و منهم من اتخذ لم اسما عربيا زيادة في التعرب.
و كانوا أسرع اندماجا من العرب في البيئة الجديدة ، فقد حال بين العرب و بين الاندماج السريع الكامل لغتهم و اعتزازهم بعصبيتهم العربية، أما البربر فلم يكن هناك ما يحول بينهم و بين الاندماج ، فلا
عصبية و لا لغة مكتوبة ، و مع الزمن أصبحت غالبيتهم في جملة العرب الأندلسيين ، و كان لهم أعظم الأثر في بناء الأندلس الإسلامي.
3-الموالي:
و هم مولى بني أمية ، و هؤلاء يمثلون ثلاث طوائف : من دخلوا الأندلس إبان الفتح ، و من دخلوا في ولاء البيت الأموي من أهل البلاد و قد كان لهؤلاء الموالي اليد الطولى في إقامة دولة عبد الرحمن الداخل.
هذه العناصر الثلاثة هي التي دخلت الأندلس مع الإسلام أو بالإسلام و وضعت أساس إسلام الأندلس و عروبته ، أما الجزء الأكبر من عناصر سكان الأندلس ، فهم : المولدون، و أهل الذمة من نصارى و يهود.
4-المولدون:
و هم العنصر الناشئ من تزاوج العرب بالبر ، أو العرب بالإسبانيات و الصقالبة ، و قد خرج من هذا الزواج بين عربي و بربرية ، أو عربي و إسبانية جيل جديد مولد يشبه ما كان في الشرق من تزاوج بين عربي و فارسية ، و ظل اسم المولدين يطلق على هذا العنصر حتى نهاية القرن الثالث الهجري ، ثم تلاشت هذه التسمية بسبب اختلاط الناس ، و تحول أ÷ل الدولة الإسلامية في الأندلس إلى أندلسيين دون تمييز ، و من صفات المولدين من النساء الأسبانيات : الشجاعة و الذكاء و الجمال و كان لهم في الأندلس تاريخ طويل.
و قد حبب العرب في هذا الزواج ما عرف عن الأسبانيات و البربريات من جمال و بياض بشرة و اصفرار شعر و زرقة عيون و هي صفات يحبها العربي لأنها جديدة عليه.
  1. أهل الذمة:
و هم الأسبان الذين بقوا على مسيحيتهم و لم يدخلوا في الإسلام هؤلاء كانوا يرون أن البربر و العرب دخلاء عليهم، و أنهم أحق بملك بلادهم ، و يندرج مع هذا العنصر الإسباني المسيحي يهود البلاد من حيث معاملة المسلمين لهم ، فقد ضمن المسلمون لهذين العنصرين حريتهم و أدخلوهم في ذمتهم ، مقابل الجزية و الخراج على ما تقضي به الشريعة الإسلامية.
و في مستهل القرن الرابع الهجري أنشأ الخليفة عبد الرحمن الناصر جيشا من المماليك يوطد به سلطته، و كان هؤلاء المماليك من " الصقالبة " و هو إسم كانوا يطلقونه على أسرى الحرب من جميع البلاد الأوروبية ، و على من وقع في أيدي المسلمين من الرقيق، و بهذا أدخل الناصر على الأندلس عنصرا جديدا هو عنصر الصقالبة مقلدا في ذلك الخليفة المعتصم العباسي الذي أنشأ جيشا من الأتراك الذي يعتمد عليه لما تعب من العرب(1)
ــــــــــــــــــــــــــــ
  1. انظر ظهر الإسلام ، أحمد أمين، ج:3 ص: 21
و هكذا امتزجت كل هذه العناصر و الأجناس بعضها ببعض امتزاجا تسرب في عقولهم كما تسرب في دمائهم، و كانت لهم نزعة عقلية جديدة ساعد على تكوينها بالإضافة إلى عملية الامتزاج ، بيئة طبيعية غنية ، حافلة بشتى المناظر و صور الجمال ، و كان من أثر ذلك كله أن أصبحت لهم مميزات عقلية خاصة و صفات لم تكن لغيرهم من العرب الخلص(1)
أثر الطبيعة في الأدب الأندلسي
لقد لحق شعراء الأندلس في شعر الطبيعة شعراء المشرق ثم تقدموا عليهم و فاقوهم فيه و التنوع في موضوعاته و التجديد و الابتكار في صوره و أشكاله.
و الملاحظ على ما خلفوه من شعر في هذا الفن أنهم لم يقفوا به عند اتجاه واحد ، و إنما نرى لهم فيه اتجاهات شتى ، و لعل منشأ هذا التنوع في الاتجاهات ، راجع إلى أنّ محبتهم لطبيعة الأندلس الجميلة كانت عميقة الجذور في نفوسهم ، و من ثمّ فإنهم كانوا كلما التقوا بها أو واجهوها في مكان أو موقف ما ، هزّت مشاعرهم و شاعريتهم ، و ألهمتهم من معانيها ما لا يملكون له دفعا إلاّ بالتعبير عنه تمجيدا لهذه الطبيعة و تغزلا بها.
و مع تعدد الاتجاهات في شعر الطبيعة الأندلسي ، فإن هناك سمات و خصائص عامة تجمع بينها ثم ينفرد كل اتجاه بعد ذلك بسمات خاصة تقتضيها طبيعته .
و سوف نشير إلى أهم السمات العامة المشتركة ، و فيما يلي إجمال لذلك:
    • غلبة التشبيه و الاستعارة على أساليبهم ، فالتشبيه يرينا المعاني الممثلة بالأوهام شبها في الأشخاص الماثلة و الأشباح القائمة، و الاستعارة تبرز المعاني أبدا في صورة حية مستجدة تزيد قدرها نبلا ، و كلا الأسلوبين : أسلوب التشبيه و أسلوب الاستعارة يدل على خصب خيال و سموه و سعته و عمقه.
    • تشخيص الأمور المعنوية و تجسيمها ، و ذلك بإبرازها في صورة شخوص و كائنات حيّة ، يصدر عنها كل ما يصدر عن الكائنات الحية من حركات و أعمال.
    • بث الحياة و لنطق في الجماد ، لما لذلك من طرافة و وقع حسن في النفوس و من أمثلة ذلك قول أبي إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي في وصف جبل:
ـــــــــــــ
  1. بلاغة العرب في الأندلس ، أحمد ضيف، ص: 8
وقور على ظهر الفلاة كأنه طوال الليالي ناظر في العواقب
أصخت إليه و هو أخرس صامت فحدثني ليل السرى بالعجائب(1)
و قال : ألا كم كنت ملجأ قاتل و موطن أوّاه تبتل تائب(2)
و كم مرّ بي من مدلج و مؤوب و قال بظلي من مطي و راكب(3)
فالجبل هو جماد قد تحول بالتوسع الذي هيأته الاستعارة إلى إنسان حي ناطق يروي ما مر به من تجارب.
الاستعانة في رسم و تلوين الصور المستوحاة من الطبيعة ببعض فنون البديع المعنوي و اللفظي من مثل الطباق و المقابلة و المبالغة، و حسن التعليل ، و الجناس ، و هذه قليلة في صور متقدمي شعرائهم ، كثيرة في صور متأخريهم.
    • إطلاق العنان للخيال ليرتاد عالم الفكر ، و يختار منه المعاني التي توحي بالحضارة و الطرافة.
    • التصرف في أرق فنون القول و اختيار الألفاظ التي هي مادة لتصوير الطبيعة و إبداعها في جمل و عبارات تخرج بطبيعتها و كأنها التوقيع الموسيقي.
    • تصوير شعرهم لطبيعة الأندلس الحية ، و طبيعته الصامتة ، و طبيعته الصناعية الناشئة من استبحار الحضارة و العمران.
    • قلما يأتي شعر الطبيعة عندهم كغرض قائم بذاته، اللهم إلاّ في القطع القصار و على هذا فأكثره يأتي ممتزجا بأغراض أخرى كالغزل و المدح و الخمر(4)
    • ـــــــــــــــــــــــ
  1. أصخت إليه: استمعت و أصغيت إلى صوته.
  2. الأواه: المتأوه المتضرر، و تبتل: انقطع عن الدنيا ، و أخلص إلى أمر الله و طاعته.
  3. قال يقيل قيلولة: و القيلولة : نوم الظهيرة ، و المطي: جمع مطية و هي في الأصل الناقة يركب مطاها و قد تطلق على كل ما يركب من الدواب.
  4. الأدب العربي في الأندلس ، الدكتور عبد العزيز عتيق ص: 295.
الغزل
ابن زيدون و ولاّدة
كان كلّ شيء في بيئة الأندلس الجميلة يغري بالحب و يدعو إلى الغزل، و من ثم لم يكن أمام لقلوب الشاعرة إلاّ أن تنقاد لعواطفها، فأحبت و تغزلت، ثم خلفت وراءها فيضا من شعر الغزل الرائع الجميل.
و أوضح سمات هذا الغزل تتجلى في رقته الناشئة من التفنن البياني في وصف محاسن من يقع الشعراء في حبهن من نساء الأندلس الجميلات، و في تصوير مشاعرهن المتضاربة اتجاههن، من وصل و هجر ، و قرب و بعد، و إقبال و إعراض ، و ما شابه ذلك من التجارب التي يدور حولها موضوع الغزل.
و كان المتوقع أن ينفعل الشاعر الأندلسي بمؤثرات الحياة الجديدة من طبيعية و اجتماعية فيبدل من نظرته إلى المرأة ، و من مفهومه لقيم الجمال فيها، و لكن شيئا من ذلك لم يحدث، و ظل الغزل الأندلسي غزلا حسيا بعيدا عن تصوير خلجات النفوس ، و ما يضطرب فيها من شتى المشاعر.
فإلى جانب تصوير المواقف التي تنشأ عادة بين المحبين من قسوة و لين ، و وصل و هجران ، و شكوى و عتاب ، و دموع و بكاء، و ما شابه ذلكن وقف الغزل عند حدود الوصف المادي لما يتعشقه الشاعر من أعضاء جسم حبيبه، فاقامة قضيب بان، و الوجه قمر ، و الشعر ليل،أو ذهب، و المحاجر نرجس ، و الأنامل سوسن ، و الخدود تفاح، و الخال على الخد هو كما يقول الشاعر:
ما أرى الخال فوق خديك ليلا على فلق(1)
إنما كان كوكبا قابل الشمس فاحترق
و هذا إن دلّ على شيء فعلى ذوق الشاعر فيما يستهويه من مفاتن حبيبته الظاهرة، و كل ما هنالك من فروق بين الشعراء في ذلك ، إنما هي في طرق التناول و التعبير ليس غير.

و مع ما يبدو على الغزل الأندلسي من سيما ت الأناقة و الدماثة، فإن نبض العاطفة الصادقة في أغلبه نبض ضعيف ، اللهم إلاّ عند أبي الوليد أبن زيدون شاعر الغزل الأندلسي الأوحد فإن عاطفة الحب في غزله عاطفة قوية صادقة.
و ابن زيدون هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي أصل أ÷له من بني مخزوم من قريش.
و لد ابن زيدون في رصافة قرطبة، في بيت علم و جاه و غنى، سنة 394هـ(1003-1004م) فبدأ تلقي العلم على أبيه ، و كان أبوه فقيها مشهورا معروفا بالنباهةو العلم و الأدب، و لما توفي
ـــــــــــــــــــــــــ
  1. الفلق : الصبح.
( في البيرة سنة 405هـ)) كفله جده لأمه القاضي أبو بكر محمد بن إبراهيم بن سعيد القيسي( 355-432هـ) فأخذ عن جده هذا أيضا شيئا من العلم ، و قد كان من شيوخه : الفقيه القاضي أبو العباس أحمد بن عبد الله بن ذكوان و أبو بكر مسلم بن أحمد القرطبي النحوي و لكن يبدو أن عبقرية ابن زيدون قد صقلت بدراساته الخاصة و بالاختبار في الحياة، و قد ظهر ذلك واضحا في مرثيته لشيخه ابن ذكوان و هو بعد في العشرين من عمره(1)
لما اضطرب أمر بني أمية في قرطبة قبل سقوط الخلافة نهائيا ، و فرار هشام الثالث عنها سنة 422هـ، كان أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور وزيرا له، خاف أهل قرطبة من عواقب الاضطراب و الفوضى و وجدوا في أبي حزم بن جهور حاكما قديرا فولوه أمر المدينة، و قد أنشأ أبو الحزم في قرطبة دويلة من دويلات الطوائف.
و اتصل ابن زيدون بالدويلة الناشئة باكرا و وزر لأبي الحزم جهور ( وزارة استشارة لا وزارة عمل)و قد كان أبو حزم و ابن زيدون صديقين من قبل ثم كانت لابن زيدون من أول أمره ، أمال سياسية سنحت الآن فرصة الوصول إلى شيء منها ، بذلك قذفت ريح السياسة بابن زيدون في تيار الحياة العامة بما فيها من خصومة و مكائد، و في هذا التيار التقى شراع ابن زيدون – في الحياة- بشراع ولادة ابنة المستكفي.
و أعظم الأحداث أثرا في حياة ابن زيدون و في أدبه كان اتصاله بولادة ، كانت ولادة ابنة الخليفة المستكفي من أمة له مستعربة من أهل مورورا اسمها سكرى، كان الخليفة المستكفي نفسه رجلا جاهلا ضعيف الإرادة و الرأي منغمسا في اللهو مستهترا به، و كانت سكرى امرأة خبيثة شريرة، أما ولادة فكانت امرأة جميلة بيضاء شقراء مائلة إلى الهبة ( الحمرة) كما كانت ذكية متأدبة بالفنون و الآداب قوية الشخصية و لكن جمالها و ذكاءها كانا يطغيان على ثقافتها و أدبها ، و لما قتل المستكفي ( 416هـ- 1025م) انفلتت ولادة من القيود الأخلاقية و الاجتماعية و جعلت دارها منتدى لرجال الأدب و انصرفت إلى كثير من أسباب اللهو.
في هذه الفترة اتصلت ولادة بابن زيدون و يبدو أنها كانت لدة له أو تصغره قليلا، أغراها أدبه و شبابه، و لقد نعم الحبيبان بأيام و ليال مشهورة عند الناس، كان من المنتظر أن يقع ابن زيدون في حب ولادة ، و كذلك كان من المنتظر أن تستجيب ولادة لدعوة الحب التي تمثلت في شباب ابن زيدون و في جاهه الاجتماعي و مكانته الأدبية ، و لعل ولادة كانت ذات أمال سياسية – كابن زيدون نفسه – فساقها ذلك إلى أن توثق صلتها به، و خصوصا بعد أن أصبح ابن زيدون أثيرا في بلاط بني جهور، على رأي من يعتقد أن صلة ولادة بابن زيدون قد نشأت قبل قيام الدويلة الجهورية.
غير أن هذا الحب الذي بدأ باكرا ثم اشتعل بأشد ما يكون من السرعة و بأشد ما يكون من العنف لم يعش في صفائه و وفائه سوى بضعة أشهر ثم أخذ يفتر بمثل السرعة التي كان قد نشأ بها ، إن قلب ولادة قد
ــــــــــــــــــــــــــ
1-انظر تاريخ الأدب العربي ، عمر فروخ ص: 590

تغير قبل قلب ابن زيدون ، و مرد ذلك إلى عدد من الأسباب فيما قيل ، و لكن أقرب تلك الأسباب إلى التصديق ، أن ابن زيدون تعلق بجارية سوداء بارعة في الغناء كانت لولادة ، قيل ليثير غيرة ولادة فتعود إليه ، و قد عاتبت ولادة في ذلك ابن زيدون ، كما أن ابن زيدون قد أقره على نفسه بأن ميله إلى الجارية السوداء كان ذنبا له ، و لكن ذنب أجبرته ولادة نفسها على ارتكابه ، و بعد فنحن لا نعلم اليوم مبلغ هذا الحب أكان صريحا للجارية السوداء نفسها أو حبا عذريا لوقع غنائها في قلبه.
و حاول ابن زيدون أن يسترد عطف ابن زيدون ببراعته الشعرية و لكن ولادة لم تأبه به، و لا ريب في أن حب ابن زيدون لولادة – برغم ما يقال فيه- قد أوحى إلى ابن زيدون أجمل قصائده، و لقد أخطأ ابن زيدون في الطريق الذي أراد أن يسلكه إلى قلب ولادة.
و أرادت ولادة أن تغيظ أبن زيدون و تجازيه غيظا بغيظ فألقت شباك هواها على رجل قليل الذكاء واسع الثراء قليل العلم عظيم الجاه هو الوزير أبو عامر بن عبدوس ثم قطعت صلتها بابن زيدون مرة واحدة، غير أن تعلق ابن زيدون بولادة ظل شديدا ، كما أن شعره ظل يفيض بذكرها أما هي فأخذت في هجائه هجاءا فاحشا مرا(1)
كثر حساد ابن زيدون و خصومه في بلاط بني جهور و في خارج بلاط بني جهور ، و كان أشد هؤلاء عداوة له و أعظمهم أثرا الوزير أبو عامر بن عبدوس فراح يلصق بابن زيدون تهما منها أنه كان ميالا لردّ الحكم إلى بني أمية ، تهمة كانت شائعة يوم ذاك فأمر أبو الحزم جهور بحبس ابن زيدون في 14 من رجب سنة 433هـ.
نجح ابن زيدون في الهرب من السجن بمساعدة أبي الوليد بن أبي الحزم، و طاف في قرطبة متخفيا لعله يلقى ولادة فلم يلقها ، فكتب إليها بالقصيدة المشهورة " أضحى التنائي بديلا من تدانينا " فلم ترد عليه ، ثم بعث إليها بالقصيدة " أني ذكرتك في الزهراء مشتاقا " فلم ترد عليه أيضا و أخيرا بعث بقصيدته الطائية " شحطنا و ما للدار نأي و لا شحط " إلى شيخه القديم أبي بكر مسلم ابن أحمد يشكو حاله و يستشفع به إلى أبي حزم ، فنجحت الشفاعة فاستعاد ابن زيدون رضا أبي حزم و استقر في قرطبة.
و في سنة 425هـ توفي أبو الحزم بن جهور و خلفه ابنه الوليد في حكم قرطبة فقرب ابن زيدون، ثم عاد قلب أبي الوليد بن جهور فتغير على ابن زيدون لأن نفرا من أصحاب ابن زيدون قاموا في قرطبة بمحاولة لإعادة دعوة الأمويين إلى قرطبة سنة 440هـ، خاف ابن زيدون مغبة الرجوع إلى قرطبة فذهب إلى اشبيلية و لحق بالمعتضد عباد ( 434- 461هـ) فنال عنده حظوة كبيرة و أصبح وزيرا و نديما و شاعرا للمعتضد ثم لابنه المعتمد من بعده.
و لما حدثت فتنة العامة في قرطبة ( بين المسلمين و اليهود) أرسل المعتمد نفرا من رجال الدولة لتهدئة الخواطر و جعل فيهم ابن زيدون ، و كان ابن زيدون مريضا فاستعفى المعتمد فلم يعفه –
ــــــــــــــ
1- انظر إلى عدد من أبيات هجائها في نفح الطيب 4/ 205-206
قيل لأن قلب المعتمد كان قد تغير على ابن زيدون ، اشتد المرض على ابن زيدون من أثر تلك الرحلة ثم توفي في أشبيلية في نصف رجب من سنة 463هـ و نقل جثمانه إلى قرطبة و دفن فيها.


ابن زيدون أديب بارع ، فهو شاعر مجيد و ناثر مقتدر حسن التصرف في النثر المرسل و النثر الأنيق المسجوع و ابن زيدون في شعره ثم في نثره خاصة كثير الاقتباس و التضمين من القرآن الكريم و الحديث الشريف و من الأمثال و الأشعار و له إشارات واضحة إلى نتاج الشعراء و الناثرين منذ الجاهلية و إلى معاصريه من العصر العباسي ، و أثر البحتري واضح جدا في ابن زيدون كما أن نثر الجاحظ واضح في نثره و لإبن زيدون ديباجة شعر رائعة تلقى على شعره وضوحا و حلاوة و موسيقى و تظهر فيها البراعة في الصناعة حتى سماه النقاد " بحتري المغرب " و هو أفضل شعراء الأندلس الذين حافظوا على عمود الشعر العربي و لسنا نعلم أنه نظم موشحات مع أن عصره كان قد امتلأ بالوشاحين .
و فنون ابن زيدون في شعره الغزل و النسيب ( أوسع فنون شعره و أجملها و أصدقها تعبيرا عن نفسه و ألصقها بأحداث حياته) ثم المديح و لم تكن غايته التكسب لاستغناء ابن زيدون عن الكدح في سبيل المعاش و لكنه كان يتقرب بمديحه من رجال الدولة و ذوي الوجاهة و خصوصا لما نزلت به محنته ثم أراد أن يدفعها عن نفسه ، باستشفاع هؤلاء الذين كانوا السبب في تلك المحنة ، و له أيضا أشياء في وصف الطبيعة و شيء من الرثاء العادي.
و ابن زيدون كاتب مترسل في أسلوب جزل متين و لكنه نتاج قدرة لا فيض وجدان ، و هو يميل إلى الصناعة و يتكئ على السجع والموازنة بين الجمل مع شيء من الترديد ، غير أ، السجع في رسالته الهزلية أكثر منه في الرسالة الجدية.
مختارات من آثاره:
لما هرب ابن زيدون من سجنه كتب إلى ولادة بهذه القصيدة و هي أشهر ما يحفظه الناس له ، من هذه القصيدة:
أضحى التنائي بديلا من تدانينا و ناب عن طيب لقيانا تجافينا
بنتم و بنا فما ابتلت جوانحنــا شوقا إليكم و لا جفت مآقينا(1)
تكاد حين تناجيكم ضمائرنــا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت سودا ، و كانت بكم بيضا ليالينا
إذا جانب العيش طلق من تآلفنا و مورد اللهو صاف من تصافينا
ليسق عهدكم عهد السرور ، فما كنتم لأرواحنا إلاّ رياحيـنا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنـا إن طالما غير النأي المحبينا
و الله ما طلبت أهواؤنا بـدلا منكم ، و لا انصرفت عنكم أمانينا
ـــــــــــــــــــــــ
  1. ما جفت مآقينا ( أطراف عيوننا): لم تنقطع عن البكاء. الجوانح: الأطراف. ما ابتلت جوانحنا : كانت الدموع تنهمر بكثرة على صدورنا و لكن حر صدورنا( من الحزن على فراقكم كان شديدا إلى درجة كانت تجفف هذه الدموع فورا)
ظاهرة رثاء المدن
من فنون الشعر التقليدية التي احتذى فيها الأندلسيون المشارقة " فن الرثاء " و لكن شعراء الأندلس لم يقفوا بهذا الفن عند حذ رثاء موتاهم من الملوك و الرؤساء و الأقارب و الأحباب، و إنما تراهم و لأسباب خاصة بهم يتوسعون فيه ، و يطورون مفهومه، و ذلك برثاء مدنهم تلك التي غلبهم عليها أعداؤهم النصارى، و أخرجوهم منها مشردين في أنحاء الأندلس.
كانوا يرون هزل ملوكهم و جد أعدائهم، و يرون ديارهم تنتزع منهم مدينة تلو مدينة، و يرون ملكهم الذي أقامه الآباء و الأجداد حصنا للإسلام و مجدا للعروبة تتداعى أركانه أمام أعينهم فيستولي عليهم الذهول ثم لا يملكون إلاّ أن يرثوه و يتفجعوا عليه بشعر يقطر أسى و دموعا.
و قد قال شعراء الأندلس و أكثروا القول في رثاء مدنهم و دولتهم حتى صار رثاء المدن و الممالك بسبب ذلك فنا شعريا قائما بذاته في أدبهم .
و قد نجد في أدب المشارقة شيئا من هذا القبيل ، كقصيدة ابن الرومي الي رثى بها مدينة البصرة عندما أغار عليها الزنج سنة 255هـ و استباحوا فيها الأموال و الحرمات و الأعراض و التي يقول فيها:
ذاد عن مقلتي لذيذ المنام شغلها عنه بالدموع الجسام
أيّ نوم من بعد ما حلّ بالبص رة ما حل من هنات عظام؟
و لكن المشارقة لم يتوسعوا في رثاء المدن و الممالك توع الأندلسيين ، و لذلك لم يظهر هذا اللون من الشعر في أدبهم كما ظهر في الأدب الأندلسي فنا قائما بذاته.
و لعل نونية أبي البقاء صالح بن شريف الرندي، هي أروع و أشجى ما شاجت به قريحة شاعر أندلسي ، لا في رثاء مدينة بعينها كالنماذج السابقة، بل في رثاء الأندلس كل الأندلس، و تصوير نكبته التي تعلو على كل فجائع الدهر، و تتحدى السلوان و النسيان ، و كأني بأبي البقاء فغي مرثيته الخالدة هذه يتحدث بلسان كل الأندلسيين و يشعر بمشاعرهم، و يترجم عن ثورتهم الدفينة المكبوحة فكل بيت فيها يطالعنا موّارا بالعاطفة مشحونا بالأسى مبللا بالدموع تفجعا على ما آل إليه حال الإسلام و المسلمين بالأندلس.
و فيما يلي مقتطفات من هذه المرثية الشاكية الباكية، و هي بذاتها تغني عن كل شرح و تعليق ، قال أبو البقاء الرندي:

لكل شيء إذا ما تمّ نقصــان فلا يغر بطيب العيش إنسـان
هي الأمور – كما شاهدتها-دول من سرّه زمن سرّته أزمان
و هذه الدار لا تبقى على أحـد و لا يدوم على حال لها شــان
و صار ماكان من ملك و من ملك كما حكى عن خيال الطيف و سنان
فجائع الدهر أنواع منوعـة و لزمان مسرات و أحــــزان
و للحوادث سلوان يسهلـها و ما لما حلّ بالإسلام سلـوان
دهى الجزيرة أمر لا عزاء لــه هوى له أحد و انهد ثهـلان(1)
أصابها العين في الإسلام فارتأت حتى خلت منه أقطار و بـــلدان
فاسأل بلنسية : ما شأن مرسيـة ؟ و أين شاطبة أم أين جيـان؟
و أين قرطبة دار العلوم ، فكم من عالم قد سما فيها له شـــــان؟
و أين حمص و ما تحويه من نزه و نهرها العذب فياض و ملآن(2)
و الطابع الغالب على هذا اللون من الرثاء هو الأسى العميق، و التماس العظة و التأسي في قيام الدول ثم زوالها منذ القدم، و إرجاع نكبتهم إلى فعل الدهر حينا و إلى أنفسهم حينا آخر ، و تصوير ما أصاب الإسلام و المسلمين في الأندلس من ذل و هوان، و تعلقهم بديارهم الجميلة التي أجلوا عنها ، و التفجع على الأهل و الرفاق المشردين و المقابلة القاسية بين هزلهم في حقهم ، و جدّ عدوهم في باطله ، و استنهاض همم المسلمين في شتى الأقطار لمد يد المعونة إلى إخوانهم في الأندلس ، و الدعوة للذود عن الإسلام و الحرمات،و التطلع إلى المنفذ الذي ينظرون تحت علمه في معركة المصير.
و من الناحية الفنية تميزت مراثيهم لمدنهم بغلبة عنصر العاطفة عليها كما تميزت بالاعتماد أكثر على التشبيه و الاستعارة في إبراز المعاني و تجسيمها، و بث الحركة و الحياة فيها ثم باللجوء إلى أسلوب الاستفهام البياني، و خاصة ما يخرج منه عن معناه الحقيقي إلى التعجب و الإنكار و التمني ، و لا غرابة في ذلك، فكم من المعاني التي فجرتها الأندلس في نفوسهم كان يدعوا إلى العجب أو الإنكار أو التمني.
ـــــــــــــــــــ
  1. أحد و ثهلان: جبلان
  2. حمص الأندلس: هي اشبيلية، و قد سمي بنو أمية عندما ملكوا الأندلس عدة مدن بأسماء مدن الشام
الموشحات
نشأة الموشح و تعريفه:
يجمع مؤرخوا الأدب على أن الموشح في شكله المخصوص و خصائصه المعروفة " فن أندلسي " و كذلك يكادون يكونون مجمعين عند تعريف الموشح و وصفه على أن أوفى ما قيل فيه ما قاله ابن خلدون ( المقدمة 1137 – 1138 ) " و أما أهل الأندلس ، فلما كثر الشعر في قطرهم و تهذبت مناحيه ، و بلغ التنميق فيه الغاية ، استحدث المتأخرون منهم فنا منه سموه بالموشح: ينظمونه أسماطا أسماطا، أغصانا أغصانا ، يكثرون منها و من أعاريضها المختلفة و يسمون المتعدد منها بيتا واحدا، و يلتزمون ذلك عند قوافي تلك الأغصان و أوزانها فيما بعد إلى آخر القطعة ، و أكثر ما تنتهي عندهم إلى سبعة أبيات و يشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراس و المذاهب، و ينسبون فيها و يمدحون كما يفعل في القصائد ، و تجاروا في ذلك إلى الغاية ، و استظرفه الناس جملة الخاصة و الكافة لسهولة تناوله و قرب طريقه ... "
فالموشح إذا أو التو شيح فن أندلسي و هو " كلام منظوم على وزن مخصوص ، أما الموشحات فهي جمع موشحة ، و الموشحة قطعة شعرية طويلة في الأغلب تتألف من مقاطع تترتب فيها الأشطر و القوافي على نسق مخصوص ، فإذا اختار الوشاح نسقا ما في المقطع الأول من موشحته وجب عليه أن يلتزم ذلك النسق بعينه فس مقاطع تلك الموشحة.
الخصائص الأدبية في الموشح:
أول خصائص الموشح عذوبة الألفاظ مع استعمال عدد منها لمعان عربية قليلة الشهرة في المشرق نحو " أكحل بمعنى أسمر " و é" سائبة " الناعورة ، و هناك بعض الضعف في التركيب و في الألفاظ نحو " أنا فيه أهيم " في موشحة الأعمى التطيلي مكان " به " غير أن الوشاحين لم يستعملوا كلمات عامية و لا تركوا الإعراب ، و قد احتفظ نفر منهم بأسلوب مشرقي متين.
أما الصناعة اللفظية فقليلة جدا في الموشح و كان الموشح منذ نشأته الأولى فنا وجدانيا خالصا يعبر عن شخصية شاعره، و لذلك كثر فيه الغزل و الوصف و الخمر و بطل فيه الوقوف على الأطلال و الأإراض التقليدية الأخرى التي ظل الشعر المشرقي ينوء بها، إلاّ أنّ الوشاحين المتأخرين طرقوا في موشحاتهم سائر فنون الشعر قال ابن سناء الملك ( دار الطراز ص: 37 ) " و الموشحات يعمل فيها ما يعمل في أنواع الشعر من الغزل و المدح و الرثاء و الهجاء و المجون و الزهد ، و قال ابن خلدون ( المقدمة 583 ) " و ينسبون فيها و يمدحون كما يفعل في القصائد ". و سوف نعرض هاهنا لنموذجين من فن الموشحات ، أما الأولى لابن زهر (1) و فيها يصف الخمر و يتغزل بساقيها فيقول:


أيها الساقي إليك المشتكى قد دعوناك و إن لم تسمع
و نديم همت في غرته
و شربت الراح من راحته
كلما استيقظ من سكرته
جذب الزق إليه و اتكــــــا و سقاني أربعا في أربع
غصن بان من حيث استوى
باب من يهوا من فرط الجوى
خفق الأحشاء موهون القوى
كلما فكر في البين بكـــــى ويحه يبكي لما لم يقع
ما لعيني غشيت بالنظر
أنكرت بعدك ضوء القمر
و إذا ما شئت فاسمع خبري
غشيت عيناي من طول البكا و بكى بعض على بعضي معي
أما الموشح الثاني فهو أيضا من محاسن الموشحات الأندلسية لذي الوزارتين لسان الدين محمد ابن عبد الله ابن الخطيب ، و الشاعر يمزج فيها بين المدح و الغزل و وصف الطبيعة، قال:
جادك الغيث إذا الغيث همى يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلاّ حلمــا في الكرى أو خلسة المختلس
إذ يقود الدهر أشتات المنى تنقل الخطو على ما ترسم
في ليال كتمت سر الهــــــوى بالدجى لولا شموس الغرر
مال نجم الكأس فيها و هوى م ستقيم السير سعد الأثر
و طر ما فيه من عيب سوى أنه مر كلمح البصــر
حين لذ النوم شيئا أو كمـا هجم الصبح هجوم الحرس
غارت الشهب بنا أو ربما أثرت فينا عيون النرجس
الزجل الأندلسي
نشأة الزجل و تطوره:
يلتقي الزجل مع الموشحات في أنه مثلها من فنون الشعر التي استحدثها الأندلسيون، و على هذا فهو وليد البيئة الأندلسية ، مهما خرج إلى البيئات العربية الأخرى و انتشر فيها.
إن أبا بكر بن قزمان المتوفى سنة 554 هـ و الذي عاش في عصر المرابطين بالأندلس هو أول من أبدع في فن الزجل ، و لكن هذا لا يعني أنه أول من قال فيها ، بل لقد قيلت الأزجال قبله بالأندلس ، فهناك من شعراء الأندلس من تقدم أبا بكر ابن قزمان ، و حاول الزجل قبله و لكن هؤلاء الشعراء لم يبلغوا مبلغه فيه.
الزجل الذي نبت في الأندلس نوعان:
    • زجل العامة.
    • و زجل الشعراء المعربين.
أما زجل العامة أو شعر العامة ، فيتمثل في الأغنية الشعبية العامية، و التي تنبع تلقائيا لدى بعض العامة بباعث تجربة شخصية، أو من وحي حدث عام أو موقف معين ثم تشيع على أسن الناس ، و يتغنون بها فرادى و جماعات .
أما زجل الشعراء المعربين فيبدو أنه جاء تاليا في النشأة لزجل العامة ، و لعل الشعراء الذين حاولوا هذا النوع من الزجل قبل عصر ابن قزمان كانوا مدفوعين إليه بالرغبة في أن تنتشر أزجالهم المصطنعة بين الطبقات المثقفة كنوع من الطرافة أو بالرغبة في أن يعرف لدى العمة معرفتهم لدى الخاصة ، و ذلك بوضع أزجال لهم يتغنون بها و لكن هؤلاء الشعراء المعربين ممن اصطنعوا الزجل اصطناعا لم يستطيعوا في مراحله الأولى أن يتخلصوا فيه من الإعراب، و هذا ما عابه عليهم ابن قزمان حين قال، أنهم يأتون بالإعراب ، و هو أقبح ما يكون في الزجل و لم يشهد ابن قزمان لأحد من الزجالين الذين جاءوا قبله بإجادة الزجل و التفوق فيه إلاّ لزجال واحد هو الشيخ أخطل بن نماره ، و ذلك لسلاسة طبعه و إشراق معانيه، و تصرفه بأقسام الزجل و قوافيه.

لقد مرّ الزجل في تطوره بدورين : دور الأغنية الشعبية التي تأثرت إلى حدّ ما ببعض أشكال الموشحات ، و أطلقنا عليها اسم الزجل العامي ، و دور زجل الشعراء المعربين الذين ظهروا في القرن الخامس.
أما الدور الثالث من أدوار تطوّر الزجل، فهو دور زجل القرن السادس الذي شهد نهاية المرابطين في الأندلس و لما كان ملوك المرابطين لا يتقنون اللغة العربية فإن شعراء القصائد و الموشحات لم يلقوا منهم تشجيعا و لهذا اشتهر الزجل في هذا القرن.
و من زجالي القرن السادس الذين ذكرهم ابن خلدون: عيسى البليدي، و أبو عمران الزاهر الاشبيلي ، و أبو الحسن المقري الداني، و أبو بكر بن قزمان إمام الزجالين على الإطلاق على حدود قول ابن خلدون و في منتصف القرن السادس توفي إمام الزجالين أبو بكر بن قزمان ، و زالت من الأندلس دولة المرابطين
التي عاصرها، و حلت محلها دولة الموحدين، و كان عصرها بداية الدور الرابع من أدوار الزجل و سابق حلبة الزجل في هذا العصر هو أحمد بن الحاج المعروف باسم مدغليس الزجال.
و في الدور الرابع من أدوار تطور الزجل و الذي امتد على المائة السابعة ظهر بالإضافة إلى مدغليس زجالون آخرون منهم: ابن الزيات، و ابن جحدر الاشبيلي، المتوفى سنة 638هـ و منهم اليعيع ابن جحدر.
و مع كثرة زجالي القرن السابع نسبيا، فإنه لم يرزق زجالا كبيرا كابن قزمان أو مدغليس، و ربما رجع ذلك إلى أن بوادر مأساة الأندلس الكبرى كانت قد بدأت تلوح في الأفق ، بتساقط المدن الأندلسية في أيدي الأسبان ، فشغل الناس أكثر بهذا الخطر الداهم عن كل شيء آخر.
و الدور الخامس و الأخير في تطور الزجل الأندلسي يقع في المائة الثامنة، و قد عرض ابن خلدون في مقدمته إلى زجالين هذه المائة بإيجاز و عدّ منهم إلى عصره صاحبه الوزير أبا عبد الله ابن الخطيب.
موضوعات الزجل: الزجل الأندلسي مثله مثل الموشحات من حيث تناوله لموضوعات الشعر التي تناولتها القصيدة المعربة ، و الذي يتصفح ما وصل إلينا من أزجال الأندلسيين يرى أنهم قالوا الزجل في الغزل و المدح و الوصف و الخمريات ، و المجون و التصوف و غير ذلك من فنون الشعر التقليدية لمعروفة.
و إذا شئنا أن نقيّم فن الزجل الذي نشأ أصلا في بيئة الأندلس ثم انطلق منها إلى البيئات العربية الأخرى، فإن قيمته ليست في تنوّع أشكاله و أوزانه و لا فيما استلهمه أو استعاره من معني شعراء العربية و أساليبهم البيانية و البديعية التقليدية و إنا تكمن قيمته الحقيقية فيما استمده من واقع حياة العامة متمثلا في الجديد من معانيهم و حكمهم و أمثالهم ، و في المبتكر من تشبيهاتهم و غيرها من أنواع المجاز، و في الشائع المألوف من ألفظهم و صيغهم العامية، كما يكمن في تصوير حياتهم العمة بجدّها و هزلها، و أفراحها و أحزانه، , اهتماماتها و همومها، و لعل كل ذلك هو ما يكسب الزجل صفة الشعبية و يسلكه في الأدب الشعبي كفن من فنونه(1).
ـــــــــــــــــ
1- الأدب العربي في الأندلس، د/ عبد العزيز عتيق، ص: 412
شعر النجدة و التوسل
شعر النجدة و التوسل هو أحد فنون الشعر التي استحدثها شعراء الأندلس بالإضافة إلى الموشحات و الزجل، و هو شعر يقوم على استنهاض عزائم ملوك المغرب العربي في المحل الأوّل ، و همم المسلمين في شتى أقطارهم كي يهبوا بباعث الأخوة الإسلامية لنجدة إخوانهم بالأندلس و مد يد العون في جهادهم ضدّ أعدائهم من نصارى الأندلس الذين أطمعهم ضعف ملوك المسلمين بها ، فراحوا يضاعفون من غاراتهم على مدنهم و يهددون أهلها بالاكتساح الشامل.
و منذ القرن السادس فصاعدا، و بسبب تخاذل ملوك الأندلس، و تفرق كلمتهم و إسرافهم على أنفسهم في اللهو و المجون، و انشغالهم عن أمور الجهاد بمحاربة بعضهم بعضا أخذ العدو ينجر عليهم ، و يباغتهم بالإغارة من وقت لآخر و الاستيلاء على أطراف بلادهم شيئا فشيئا ، و كلما مرّ الزمن ازداد المسلمون ضعفا و ازداد الأعداء تبعا لذلك قوة و جرأة عليهم.
و قد كثر شعر الاستغاثة هذا في الأدب الأندلسي، حتى صار بكثرته و تنوع صوره فنا جديدا في الشعر الأندلسي بل في الشعر العربي كله، لأنه نابع من صميم مأساة الأندلس التي لم يكن لها نظير من قبل في تاريخ الإسلام.
و من شعراء الأندلس من كان بعيد النظر فتنبأ بالمأساة الكبرى قبل وقوعها فراح ينعى في شعره على ملوك الأندلس تخاذلهم أمام أعداء البلاد، و جورهم في الرعية و تهاونهم في أمور الدين و إسافهم في حياة الترف و المجون.
و في أخريات عصر الموحدين حاصر ملك برشلونة مدينة بلنسية، و لماّ اشتدّ الحصار عليها استغث قائد الأعنة الأمير زيان بن أبي الحجاج بن مردنيش ملك شرق الأندلس بسلطان تونس أبي زكريا بن أبي حفص ، و أوفد عليه كاتبه و شاعره أبا عبد الله بن الآبار القضاعي، فقام بين يدي السلطان منشدا قصيدته السينية الفريدة الطويلة و التي منها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلســا إن السبيل إلى منجاتها درســـا
يا للجزيرة أضحى أهلها جــزرا للحادثات و أمسى جدّها تعسا(1)
في كل شارقة إلمام بائقــة يعود مأتمها عند العدا عرســـا
و في كل بلنسية منها و قرطــبة ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا
مدائن حلها الإشراك مبتسمـــا جذلان ، و ارتحل الإيمان مبتئسا
يا للمساجد عادت للعدا بيعــا و للنداء غدا أثناءها جرســا
لهفي عليها إلى استرجاع فائتها مدارسا للمثاني أصبحت درسـا(2)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
  1. الجزر: كل شيء مباح للذبح. و الجد: البخت و الحظ.
  2. المثاني: القرآن


و أربع نمنمت أيدي الربيع لهــــا ما شئت خلع موشية و كسـا
كانت حدائق للأحداق مونقة فصوح النضر من أدواحها و عسا(1)
صل حبلها أيها المولى الرحيم فما أبقى المراس بها حبلا و لا مرسـا
و أحيي ما طمست منها العداة كما أحييت من عودة المهدي ما طمسا(2)
و قمت فيها بأمر الله منتصـر كالصارم اهتز أو كالعرض انبجسا
هذي رسائلها تدعوك من كثـب و أنت أفضل مرجوّ لمن يئسا

و قد اهتز الملك ارتياحا لهذه القصيدة ، و لشغفه بها و حسن موقعها منه، أمر شعراء حضرته بمجاوبتها، فجاوبها غير واحد، ثم بادر السلطان بإعانة أهل بلنسية بأساطيله التي لم تكد تصل للنجدة حتى كان الطاغية ملك برشلونة قد تغلب على بلنسية و أخذها صلحا سنة 637هـ، و حال بينها و بين أساطيل سلطان تونس.
التوابع و الزوابع
لأبي عامر بن شهيد
هو أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد، ولد في قرطبة سنة (382هـ - 992م) و كان أبوه الأديب الوزير عبد الملك بن شهيد شيخا كبيرا مريضا يميل إلى النسك، من أجل ذلك لم يتمتع الطفل الصغير بشيء من مال أبيه إلا ما كان يبديه نحوه المنصور بن أبي عامر من الإنعام و العطف.
و مع ذلك فقد نشإ أبو عامر بن شهيد جوادا عزيز النفس ثم نال قسطا كبيرا من العلم و الأدب و فاز بنصيب من علم الطب غير أنه ما كاد يبلغ مبلغ الشباب ليأخذ بحظه من الدنيا حتى ثارت الفتنة في قرطبة فضاع فيها شبابه و علمه و أدبه و عمره، و اضطر في سبيل الحصول على الرزق إلى أن يتطوف بشعره للتكسب من الذين كانوا يتنازعون الحكم في قرطبة و على العديد من المدن الأندلسية كمالقة و المرية و دانية.
ـــــــــــــــــ
  1. صوح: يبس. و عسا: جف
  2. طمس: درس و امحى.
و كان أبوعامر بن شهيد أصم ، كما كان يشكو من ضيق التنفس ( الربو ) و قوي مرضه سنة 425هـ فبقي طريح الفراش يحتمل الآلام بصبر بالغ حتى وافته منيته في أواخر جمادى الأولى من سنة 426هـ ( 11/04/1035م) في قرطبة.
أدبه:
أبو عامر بن شهيد شاعر ناثر ، ناقد مكثر، مطيل، مجيد و مقتدر في كلّ ذلك، و شعره قريب الشبه بشعر المشرق و عليه لمحة من البداوة.
و أدبه وجداني فلسفي و عاطفي موضوعي في وقت معا، تجد فيه الشكوى على جانب الفكاهة، و التشاؤم إلى جانب العابة و في أدبه تأنق و تكلف أحيانا، و صناعة يكثر فيها الجناس و الميل إلى استعمال الغريب ، كل ذلك مع سرعة في البديهة و مقدرة على الارتجال.
مؤلفاته:
لأبي عامر بن الشهيد تصانيف غريبة عجيبة منها: كشف الدك و إيضاح الشك، حانوت عطار، و التوابع و الزوابع(1)
و رسالة التوابع و الزوابع قصة خيالية جعل ابن شهيد مسرحها في وادي الجن من دنيانا هذه و جعل دليله في ذلك الوادي جنيا اسمه زهير بن نمير من بني أشجع الجن( و ابن شهيد من بني أشجع أيضا) و في هذه القصة يستعرض ابن الشهيد عددا من المشكلات البيانية و الأدبية مع نفر من الجن الذين يتبدون في صور مختلفة ( في صور البغال و الحمير و الإوز الخ ) في أسلوب قصصي نقدي مرح يميل مرة للهزل و مرة للجد و تذكرنا هذه الرسالة برسالة أبي العلاء المعري رسالة الغفران، غير أن رسالة الغفران أشهر.
و هذا نموذج من رسالة التوابع و الزوابع( مطلع الفصل الأول)
تذاكرت يوما مع زهير بن نمير أخبار الخطباء و الشعراء و ما كان يألفهم من التوابع و الزوابع، و قلت : هل حيلة في لقاء من اتفق منهم؟ قال: حتى أستأذن شيخنا و طار عني ثم انصرف كلمح البصر ، و قد أذن له فقال : حلّ على متن الجواد فصرنا عليه و سار بنا كالطائر يجتاب الجو فالجو، و يقطع الدوّ فالدو(2) حتى التمحت أرضا لا كأرضنا ، و جو لا كجوّنا متفرع الشجر عطر الزهر، فقال لي : حللت أرض الجن ، أبا عامر فبمن تريد أن نبدأ ؟ قلت الخطباء أولى بالتقديم لكني إلى الشعراء أشوق قال: فمن تريد منهم ؟ قلت : صاحب امرئ القيس ، فأمال العنان (3) إلى واد من الأودية ذي دوح تنكسر أشجاره و ـــــــــــــــــــــ
  1. التابع و التابعة: الجني و الجنية يكونان مع الإنسان يتبعنه حيث ذهب، الوبعة: إسم شيطان أو رئيس للجن
  2. اجتاب : قطع، الدو الفلاة: الصحراء الواسعة
  3. العنان: عنان الفرس ، أمال العنان: عطف بنا( نحو وادي الجن)
تترنم أطياره، فصاح : يا عتبة بن نوفل ، بسقط اللوى فحومل و يوم دارة جلجل ، إلا ما عرضت علينا وجهك و أنشدتنا من شعرك ثمّ سمعت من هذا الإنسيّ و عرّفتنا كيف إجازتك له(1)
فظهر لنا فارس على فرس شقراء و كأنها تلتهب ، فقال : حيّاك الله يازهير و حيا صاحبك ، أهو فتاهم (2) قلت هو هذا و أيّ جمرة ، يا عتيبة .
العصر السلجوقي و المملوكي و العثماني
قامت الدولة السلجوقية في إصبهان بفارس سن 429هـ1038م، و في سنة 447ه 1055م دخل طغرل بك السلجوقي إلى بغداد و أزال السلطة البويهية من عاصمة الخلافة ، ثم استمر هذا العصر إلى سنة 639هـ 1220م حينما انقرضت جميع فروع الدولة السلجوقية.
في أثناء هذا الدور نشبت الحروب الصليبية ثم انقرضت الدولة الفاطمية 967هـ و قامت على أنقاضها الدولة الأيوبية، و يحسن أن نلاحظ أن الحكم السلجوقي كان في قارة آسيا فقط، أما الكم الفاطمي و الحكم الأيوبي فقد كان في قارة آسيا و قارة إفريقية معا.
و قد أقام السلاجقة دولة في إصبهان ( فارس) سنة 429هـ، و مدّوا سلطانهم من حدود الصين إلى العراق و في سنة 447هـ 1055م دخل طغرل بك السلجوقي إلى بغداد وقضى على الحكم البويهي فيها.
و بعد أن ثبت السلاجقة ملكهم في العراق بسطوا نفوذهم على بلاد الروم ( آسيا الصغرى) و على الشام خاصة سنة 463هـ و أخذوا يدافعون الروم عن سواحل الشام ، و ينازعون الفاطميين في الجنوب، غير أن الشام لم تكن موحدة في أيامهم بل كانت مدنها موزعة بين أمرائهم.
و بينما كان السلاجقة يؤسسون ملكهم في الشام ثارت الحروب الصليبية مائتي سنة أو تزيد قليلا من سنة 488هـ 1095م ، إلى سنة 691هـ 1291م تلاحقت فيها موجات الإفرنج على الشام و مصر من انكلترا و فرنسا و جرمانية و عملت في البلاد تقتيلا و تدميرا.
عصر المماليك: 648 – 923 هـ( 1250 – 1517 م)
إجتاح التتار المغول بغداد و قضوا على الخلافة العباسية فيها سنة 656هـ 1258 م ، و كان المماليك قد أقاموا دولة لهم في مصر و بسطوا سيطرتهم على الشام و الحجاز، و دولة المماليك فرعان قاما في مصر: فرع المماليك البحرية الذي امتد حكمه من سنة 648 إلى سنة 784 هـ ( 1250- 1382م) ، ثم فرع المماليك البرجية الذي امتد حكمه من سنة 748 إلى 923 هـ ( 1382 – 1517)
  1. كيف إجازتك له: ما تقول في جودة شعره
  2. أهو فتاهم( أهذا من البشر) ، و أيّ جمرة من جمرات العرب مثل يضرب للرجل القوي البارع دولة المماليك البحرية ( 648- 784هـ):
كان الأيوبيون في أواخر حكمهم قد اتخذوا مماليك من الأتراك، فلما جاء الملك الصالح أيوب، 637هـ 1240م استكثر منهم حتى كانوا معظم جنده و حرسه و خدمه ثم أسكنهم في روضة ( جزيرة) بحر( نهر) النيل من أجل ذلك سموا " الممالك البحرية " .

و مات الملك الصالح فجأة سنة 647 هـ 1249م فخلفه ابنه طوران شاه، و لكن طوران شاه أغضب المماليك فقتلوه في أوائل سنة 648هـ ( لبيع 1250م) و اتفقوا على أن يقيموا مكتنه أمه شجرة الدر ، و على أن يكون أتابك العسكر (قائد الجيش) عز الدين أيبك ، و بعد ثلاثة أشهر بدا لهم أن الملك لا يستقر إذا تولته امرأة فبايعوا عز الدين أيبك بالملك فكان أول سلاطين المماليك البحرية.

و قد توالى على عرش المماليك البحرية في أثناء النصف الثاني من القرن السابع للهجرة، و بعد عزالين أيبك ، عشرة سلاطين أشهرهم و أعظمهم: الظاهر بيبرس ( 658- 676ه) و المنصور قلاوون ( 678-689هـ) و الأشرف خليل ( 689- 693هـ).

و في سنة 658هـ استولى التتر على حلب ثم على دمشق و أشاعوا فيهما القتل و الخراب فتصدى لهم الظاهر بيبرس عند عين جالوت قرب الناصرة بفلسطين ثم عند حمص وردّ خطرهم عن الشام و عن العالم الإسلامي، و لم يكن التبسط التتري في العراق و الشام فتحا منظما ، بل كان اجتياحا فوضى يقضي على العالم الذي تمر به جحافله، فإذا لم تقع بلدة في طريق التتر فإنها كانت لا تشعر بوجودهم.

أراد الظاهر بيبرس أن يعيد الخلافة العباسية في بغداد، و لكن الحاكم التتري قتل الخليفة الذي اختاره بيبرس و قتل الذين معه سنة 659هـ، فأقام بيبرس في القاهرة خليفة من نسل بني العباس ، و قد عاشت الخلافة العباسية في القاهرة و لكن بلا سلطة فعلية ، حتى جاء الفتح العثماني ( 923هـ - 1517 م) .

إن الاجتياح التتري قد قضى على اللغة العربية بين طبقات الشعوب التي كانت تمسكه شرق العراق، مع العلم بأن حركة إحياء اللغة الفارسية تعود إلى أواسط القرن الرابع الهجري، أما الحال في البلاد التي حكمها المماليك فكانت مختلفة، إن المماليك لم يكونوا عربا ، و لكنهم كانوا مسلمين ، و قد حملهم اهتمامهم بالدين على أن يولوا اللغة العربية عناية كبيرة لأن اللغة العربية لغة الإسلام.
و قد كثر في عهد المماليك التصنيف في التفسير و الحديث و الفقه و الخلاف في المذاهب الفقهية و الجدل، و اتسع التأليف في التاريخ اتساعا كبيرا و خصوصا في الطبقات و التراجم.
و سنتناول فيما يلي مشاهير الأدباء ممن ذاع صيته في هذه الفترة من حياة الأمة العربية الإسلامية في المجالين الشعر و النثر.
صفي الدين الحلي
هو صفي الدين أبو الفضل أبو المحاسن عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم بن أحمد بن نصر بن سرايا الحلي الطائي، ولد في الحلة ( قرب الكوفة) في الخامس ن الربيع الثاني 677هـ( 27/ 08/ 1278م ) و نشأ فيها.
اتصل صفي الدين بالملك المنصور نجم الدين غازي الأرتقي صاحب ماردين ( 692- 712 م) و حظي عند ابنه و خليفته نجم الدين صالح( ت 725 هـ).
و في سنة 726 هـ 1326م ذهب إلى الحج فعرج في طريقه على السلطان الناصر قلاوون الذي كان قد جاء إلى عرش المماليك البحرية في مصر للمرة الثالثة697 هـ و مدحه، ثم عاد إلى ماردين.
و كانت وفاة صفي الدين الحلي في بغداد في أوائل سنة 750هـ 1349م كان صفي الدين الحلي شاعر عصره و أشهر شعراء زمانه برغم تقليده للشعراء العباسيين في المعاني و الأغراض و الأسلوب، و قد كان حسن الصناعة بارعا في الصياغة ، مجيدا في القصائد الطوال و في المقطعات ، ثم أنه نظم في معظم أنواع الشعر من القصيد و المشطر و المخمس و الموشح ، و كان أحيانا يتكلف في الصناعة تكلفا بعيدا ، و إذا نحن استثنينا البوصيري كان صفي الدين أول من قصد نظم البديعيات ( القصائد في مدح الرسول صلى الله عليه و سلم أو جعل منها فنا قائما بنفسه على الأصح ، و له القصائد الأرتقيات في مديح الملك المنصور ( من آل أرتق) جعل أوائل حروفها مثل رويها نحو:
حمراء لو ترك السقاة مزاجها أمست لنا عوضا عن المصباح
حق الصبا دين عليك فوفه بالشرب بين خمائل و رداح
و عدد هذه القصائد تسعة و عشرون بعدد حروف المعجم ، ثم له قصيدة كل كلمة من كلماتها مصغرة:
نقيط من مسيك في وريد خويلك أو وسيم في خديد؟
مختارات من آثاره:
مدح صفي الدين السلطان الناصر قلاوون بقصيدة وازى بها قصيدة المتنبي في كافور: " بأبي الشموس الجانحات غواربا "
أسبلن منفوق النهود ذوائبا فتركن حبات القلوب ذوائبا(1)
ـــــــــــــ
  1. أسبل: ألقى ، أنزل، غطى. ذوائب: جمع ذؤابة : الصغيرة من الشعر ذوائب جمع ذائبة.
و جلون من صبح الوجوه أشعة غادرن فوذ الليل منها شائبا(1)
بيض دعاهن الغبي كواعبا و لو استبانا الرشد قال كواكبا(2)
لصفي الدين رسالة تتضمن قصة قائمة على الفكاهة و الدعابة جارية على أسلوب المقامات و هي قطعة صغيرة من رسالة " الدار في محاورة الفار " كتبها صفي الدين على لسان داره التي كان يسكنها في ماردين ثم أرسلها إلى الملك الصالح ( أبي المكارم شمس الدين يشكو فيها – رمزا – من مماطلة نائب له ( للملك الصالح ) بدين ، و القطعة المختارة يخاطب الجرذ بها إخوانه الفئران و يقول لهم : أن الدار لما هجرها ساكنها ( صفي الدين ) ساءت حالهم ( لأنها خلت من الطعام لخلوها من الساكنين ) أما و قد عزم صفي الدين على الرجوع إلى الدار فعلى الفئران أن يحسنوا استقباله و أن يكونوا شاكرين هادئين: " .... هذه الدار المباركة أول تربة بركم أترابها ، و أول أرض مسّ جسمكم ترابها فلا يكن على أيديكم خرابها ، ألا و إنها منذ خلا مسكنها من ساكنها و تمكن العفاء (3) من أماكنها، جعلتموها ندوة نهاركم و ليلكم و حلبة رجلكم و خيلكم، و الآن قد انجابت عنها أيام البؤوس و أفلت طوالع النحوس (4) و لحظها الدهر بعين الرضا و قضى بسعدها فصل القضا ، و تولاّها نعم المولى و ابتدر لسكناها الصفي الحلي..."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-جلا: أزاح، أظهر ، كشف، أبرز ( رفعن اللثام عن وجوههن فظهرت وجوههن البيض كأنها الصبح) . الفوذ: الشعر المجاور للأذن. فور الليل: الليل. غادرن: تركن ( لما كشفن عن وجوههن أصبح الليل منيرا أبليض كأنه شائب)
2- بيض : نساء جميلات. الكاعب: التي كعب ( استدار) ثدياها ( في أول صباها) . دعاهن الغبي كواعبا: سماهن نساء.
3- العفاء: الخراب
4- انجابت: انقشعت ، انجلت : زالت . البؤوس جمع بؤس : الشقاء . أفلت: غابت. طوالع: نجوم.
البوصيري
هو الإمام شرف الدين محمد بن سعيد بن حما الصنهاجي البوصيري الدلامي المصري: نسبة إلى صنهاجة ( إحدى القبائل العظيمة في المغرب فلعل أحد أجداده كان منها ) و إلى بوصير ( أو بوصير قوريدس) أو بوصير بين الفيوم و بني سويف في مصر – بلدة والده) و إلى دلاص ( بلدة والدته) و كذلك ركبت له نسبة من اسم البلدين ( بوصير و دلاص) فقيل له الدلاصيري.
و لد البوصيري في أول شوال من سنة 608هـ( 6/3/1212م ) بناحية دلاص أو في بهشيم ، و كلتاهما من أعمال البهنسا ، و يبدو أنه اتجه منذ مطلع حياته نحو التصوف فأخذه عن أبي العباس المرسي( ت 686هـ) خليفة أبي الحسن الشاذلي ( ت 656هـ) في طريقته، و لكن يبدو أن حياته في بيته و بين الناس كانت بعيدة جدا عما يدعوا إليه التصوف الصحيح.

يذكر بروكلمان أن البوصيري سكن القدس عشر سنوات بعدئذ انتقل إلى المدينة، ثم قضى ثلاث عشرة سنة في مكة يعلم القرآن، و لما عاد إلى مصر دخل في خدمة الدولة فعين ( كاتبا) في بلبيس الشرقية ، نحو سنة 659هـ، فبقي في خدمة الدولة نحو أربع سنوات و حاول أن يكتسب بالشعر فلم يتم له ذلك فافتتح كتّابا لتعليم القرآن، في هذه الأثناء كان يتردد على الإسكندرية حيث كان الشيخ أبو العباس المرسي قد استقر.
و أسن البوصيري ثم أدركه الضعف و توفي في المستشفى المنصوري في القاهرة سنة 694هـ( 1295م) أو بعد ذلك بقليل.
كان البوصيري فقيها و كاتبا و حاسبا و شاعرا، و لكن شهرته في الشعر و في مدح الرسول عليه الصلاة و السلام خاصة،له الهمزية ( 458 بيتا) في مدح الرسول و استعراض شيء من تاريخ الدعوة الإسلامية إلى آخر دولة الخلفاء الراشدين و له البردة ( ميمية، 180 بيتا) في مدح الرسول ( صلى الله عليه و سلم)
قال البوصيري:
" اتفق أن أصابني فالج أبطل نصفي ففكرت في عمل قصيدتي هذه ( البردة) فعملتها و استشفعت إلى الله تعالى في أن يعافيني، و كررت إنشادها و بكيت و دعوت و توسلت و نمت فرأيت النبي – صلى الله عليه و سلم – في المنام فمسح على وجعي بيده المباركة و ألقى عليّ بردة( ثةبا واسعا يلبس فوق غيره) فانتبهت و وجدت في نهضة و خرجت من بيتي ".
و قد أكثر البوصيري من مطالعة التوراة و الإنجيل و عدد من كتب الدين اليهودية و النصرانية ، و رد على ما فيها مما يخالف الرأي الإسلامي، و نحن نجد ذلك في قصائده و في تعاليق له على تلك القصائد.
و البوصيري ناثر مترسل ، فقد كان بضع سنوات في خدمة الدولة ثم كان أيضا معلما ، و
للبوصيري تعاليق على قصيدته اللامية " المخرج و المردود على النصارى و اليهود " ( الديوان 127- 171 ) تجري في أسلوب مرسل سهل لا تكلف فيه و لكن لا براعة خاصة تميزه.
و من بعض تعاليقه على القصيدة اللامية ( الديوان 141):
".... و مما يدل أيضا على ذلك ما أذكره – و هو ما لا ينكره أحد من اليهود ، و ذلك أن التوراة التي بأيديهم الآن ليس فيها ذكر البعث و القيامة و لا الدار الآخرة و لا الجنة و لا النار ، و كل ما ذكر من خير فيها إنما هو معجل في الدنيا فيجزون – كما زعموا على الطاعة بنصر على الأعداء و طول العمر و طيب العيشة، و سعة الرزق و طول المكث في الأرض المقدسة ، و يجزون على الكفر و المعاصي بالموت و منع قطر السماء و منع الثمرة و ظهور الأعداء عليهم ....و ليس في كتابهم اليوم ذم الدنيا و لا الزهد فيها و لا وظيفة صلاة معلومة ، بل فيها الأمر بالبطالة و الأكل و الشرب و القصف و الغناء و اللهو...
و من آثاره الشعرية قوله من الهمزية النبوية:

كيف ترقى رقيك الأنبيـــــاء يا سماء ما طاولتها سمــاء
لم يسووك في علاك، و قد ـا ل سنا منك دونهم سنـاء(1)
إنما مثلوا صفاتك للنـا س كما مثل النجوم المــــاء(2)
أنت مصباح كل فصل، فما تصد ر إلاّ عن ضوئك الأضـواء
ـــــــــــــــــــــ
  1. السنا: النور، الضوء. السناء: العلو، الارتفاع.
  2. الأنبياء فيهم من صفاتك خيالها( كما يظهر خيال النجوم في صفحة الماء)
ابن نباتة المصري
هو جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن الحسين بن نباتة الفرقي الحذافي المصري، ولد في القاهرة في ربيع الأول سنة 686هـ( نيسان – ابريل 1287م).
درس ابن نباتة المصري الحديث و الفقه و الأدب ، و قد كان له اتصال في أثناء تعلمه بتقي الدين بن دقيق العيد( ت 702 هـ) و بهاء الدين بن النحاس النحوي و علم الدين قس بن سلطان الضرير.
بدأ ابن نباتة المصري نظم الشعر باكرا ، و افتتح كتابا ليتكسب بالتعليم ، ثم أنه اتصل بآل فضل الله ، و هي أسرة كان نفر من من أفرادها يتولون الكتابة للأيوبيين في مصر و الشام غير أنه لم ينل عند الأيوبيين في مصر حظوة، ذهب في سنة 716هـ، 1306م إلى الشام و اتصل بالملك المؤيد أبي الفداء صاحب حماة فنال عنده حظوة فكان يمدحه و يؤلف له الكتب فأقبلت عليه الدنيا و كان أكثر مقامه في حماة عند أبي الفداء ثم توفي أبو الفداء ( 732هـ- 1331م) فخلفه ابنه الملك الأفضل و لم يكن ذا مقدرة فزهد في الدنيا ثم عزل في تلك السنة نفسها فزال بعزله ملك الأيوبيين.
في هذه الأثناء كلها اتصل ابن نباتة بنفر من الوجهاء و رجال الدولة يمدحهم، منهؤلاء الوزير أمين الدولة عبد الله الأميني ، و اصطحبه الوزير الأميني إلى القدس سنة 735÷ت( 1334- 1335م) ثم جعله ناظرا على كنيسة القيامة، و رجع ابن نباتة المصري إلى دمشق و كان في كل عام يزور القدس ليجمع " متحصل كنيسة القيامة " من الزوار ثم قتل الوزير الأميني ( 741هـ) و في أوائل سنة 743هـ 1342م دخل ابن نباتة ديوان التوقيع على يد القاضي شهاب الدين بن فضل الله العمري ، و يبدو أنه عزل من هذا الديوان سنة 745هـ ثم عاد إليه سنة 748هـ في هذه الأثناء اتصل بآل السبكي في دمشق و مدح نفرا منهم، من هؤلاء تقي الدين السبكي ( ت 756هـ- 1355م) و ابنه تاج الدين ( ت 771هـ).
و في سنة 761هـ عاد ابن نباتة المصري إلى القاهرة بعد أن كان قد غاب عنها خمسين سنة أو تزيد فأكرمه السلطان الناصر حسن إكراما كثيرا فأكثر ابن نباتة من مدحه، و ألف له مجموعة خطب منبرية ( بعدد أسابيع السنة الهجرية) ليلقيها الخطباء في المساجد في صلاة الجمعة ( و قد ذكر ابن نباتة الناصر حسنا في مكان الدعاء من هذه الخطب ذكرا جميلا) و لكن هذه الحال الحسنة لم تدم على ابن نباتة حتى كانت وفاته في أوائل صفر من سنة 768هـ ( خريف 1366م).
ابن نباتة المصري شاعر و رجز و وشاح ثم هو ناثر " باحث و مترسل "
يمتاز ابن نباتة المصري في شعره بالرقة و حسن التورية و بالاقتباس من القرآن الكريم و الحديث الشريف ، ثم بالاتكاء على مصطلحات أصحاب النحو و العروض و الفقه و التصوف و الفلسفة مع نظر إلى مصطلحات الشيعة و هو في ذلك يكثر من الصناعة حتى يصبح جانب من شعره رمزا (1)
ـــــــــــــــــــــــ
1- الرمز هو تعبير مجانب يقوم على الإيغال في الاستعارات خاصة و في التوريات و الكنايات كما نجد في الأدب الصوفي مثلا( راجع ترجمة عمر ابن الفارض ص: 520)
و لابن نباتة المصري قصائد طوال و مقطعات تطول و تقصر في المديح و الرثاء و الخمر و النسيب و الغزل و وصف الطبيعة و جانب من مدحه البديعيات ( مدائح نبوية).
أما نثره ففصيح يسلك فيه منهج القاضي الفاضل في تكلف الصناعة:
و مصنفات ابن نباتة المصري كثيرة منها القطر النباتي ( مقطعات شعرية رقيقة) المؤيدات( مدائح في الملك المؤيد أبي الفداء ) سوق الرقيق( غزل) السبعة السيارة ( مقطعات سباعية من سبعة أبيات في أغراض مختلفة)، و له أيضا : اختيارات من شعر ابن قلاقيس ، اختيارات من شعر ابن الحجاج، كتاب خبز الشعير ( في السرقات الشعرية من شعره هو و من غير شعره).
أما في النثر فله مجمع الفرائد، سجع المطوق ، سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون، زهر المنثور ( في الترسل) ، رسالة المفاخرة بين السيف و القلم، رسالة المفاخرة بين الورد و النرجس، حظيرة الأنس في حضرة القدس ( وصف رحلته إلى بيت المقدس) و ديوان خطب منبرية.
مختارات من شعره:
قال ابن نباتة المصري من بديعية له:
لو كنت ارتاع من عذل لروعني سيف المشيب برأسي و هو مسلول
أما ترى الشيب قد دلت كواكبـه على الطريق لو أن الصب مدلول
و السنّ قد قرعتها الأربعون و في ضمائر النفس تسويف و تسويـل(1)
ـــــــــــــــــــــــــ
1-النفس تميل إلى أن تسوف ( تؤجل ، تؤخر) التوبة، ثم تسول لصاحبها ( تزين له ، تغشه) أن الموت بعيد.
القلقشندي
هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن عبد الله الفزاري القلقشندي ، ولد في قلقشندة قرب قليوب ( شمال القاهرة) سنة 756هـ 1355م و نشأ فيها ثم انتقل إلى الإسكندرية و تلقى فيها الحديث و الفقه و النحو و الأدب على نفر من علمائها فأجازه عمر بن الملقن الأنصاري سنة 778هـ 1376م بالافتاء و الرواية الحديث.
اشتغل القلقشندي بالتدريس و التأليف ، و في سنة 791هـ1389م عيّن في ديوان الإنشاء في القاهرة، و كانت وفاته في عاشر جمادى الثانية من سنة 16/07/1418م.
كان القلقشندي واسع الإحاطة بعلوم زمانه بارعا في علوم البلاغة خاصة يفضل النثر على الشعر لأن الشعر مثقل بالقيود اللفظية ( من وزن و قافية يحوجان إلى التقديم و التأخير و التبديل و الحذف)مما يجعل المعنى أسير الألفاظ ، في النثر تكون تبعا للمعنى فيبرز المعنى طليقا من القيود دالا على عبقرية صحيحة ، و مع ذلك فالقلقشندي مرهف الحس في تخير شواهده القصار و الطوال من الشعر الجيد، و كان للقلقشندي إلمام بالعلوم الرياضية و الطبيعية...
و كان القلقشندي مؤلفا مكثرا له " صبح الأعشى في كتابة الإنشاء" تكلم فيه على فضل الكتابة و تاريخ ديوان الإنشاء و على صفات الكاتب و آداب الكتابة و ما يحتاج إليه الكاتب من المعارف في اللغة و الدين و الجغرافية و التاريخ و الآداب ، ثم تكلم على الحياة السياسية و الإدارية في مصر و الشام و على أسلوب المكاتبات و على ما يعرض في إدارة الدولة من الأحوال ، و له أيضا نهاية الأرب في معرفة قبائل العرب ، قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان، حلية الفضل و زينة الكرم في المفاخرة بين السيف و القلم
مختارات من آثاره:
مقدمة صبح الأعشى:
" الحمد لله جاعل المرء بأصغريه : قلبه و لسانه ، و المتكلم بأجمليه فصاحته و بيانه... الذي حفظ برسوم الخطو ما تكلّ الأذهان السليمة عن حفظه....
و بعد، فلما كانت الكتابة من أشرف الصنائع و أرفعها، و أربح الضائع و أنفعها ...لاسيما كتابة الإنشاء التي هي منها بمنزلة سلطانها... لا تلتفت الملوك إلاّ إليها ، و لا تعول في المهمات (1) إلاّ عليها ،
ـــــــــــــــ
1-تعول: تعتمد، المهمة ( بفتح الميم و الهاء ): الأمر المهم( بضم الميم و كسر الهاء).
يعظمون أصحابها و يقربون كتابها ... (م) كانت الديار المصرية و المملكة اليوسفية (1) قد رجحت سائر الأقاليم ...و حظيت من فضلاء الكتاب بما لم تحظ به مملكة من الممالك و لا مصر من الأمصار(2) و حوت من أهل الفضل و الأدب ما لم يحو قطر من الأقطار..."
ـــــــــــــــــ
  1. المملكة اليوسفية: دولة يوسف بن أيوب بن شاذي( صلاح الدين الأيوبي)
  2. المصر: البلد الكبير الذي هو عاصمة لمنطقة ، كالكوفة و البصرة و حمص.

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-03-2010, 06:41 PM   #6
كربوب خديجة
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 77
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

جزاك الله خيرا ,فعلا نحن فى امس الحاجة الى محاضرات عن الادب العباسى ,استادتى الفاضلة لاتبخلى علينا اكرمك الله,

كربوب خديجة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-05-2010, 04:50 PM   #7
حمزة حمزة
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 18
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

بارك الله فيك و جزاك الله خيرا

حمزة حمزة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2010, 03:41 PM   #8
بدر حلب
أبو غالية ( وفقه الله )
 
الصورة الرمزية بدر حلب
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: سوريا
المشاركات: 21,411
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

شـــكـ بارك المولى فيكم ـــراً جــــزيـــــلاً

__________________



<!-- Facebook Badge START -->مكتبة تاريخ سوريا syria history

<!-- Facebook Badge END -->

<!-- Facebook Badge START -->
بدر حلب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-06-2010, 02:09 AM   #9
الحلم الوردي
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية الحلم الوردي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: جدة
المشاركات: 1,015
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

__________________
يابن اَدم كيف تكون مسلماًولم يسلم منك جارك؟
يابن اَدم كيف تكون مؤمناًولم يأمنك الناس؟



الحلم الوردي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-08-2010, 06:04 PM   #10
سرورأمنو
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 1
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي


بارك الله فيك وجزاك الله عنا كل خير

سرورأمنو غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-09-2010, 11:29 PM   #11
ابن عبد ربه
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركات: 49
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

بارك الله فيكم ...
الرابط لا يعمل معى

ابن عبد ربه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-09-2010, 01:15 AM   #12
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,973
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابن عبد ربه مشاهدة المشاركة
بارك الله فيكم ...
الرابط لا يعمل معى
لا حاجة للرابط يا أخي الفاضل
تم عرض المادة العلمية كاملة في المشاركة الخامسة

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-02-2011, 11:49 AM   #13
واسطي اصيل
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2011
المشاركات: 44
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

وفقك الله لكل خير وجعله في ميزان حسناتك

واسطي اصيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-05-2012, 04:19 AM   #14
توتي حياتي
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 2
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

توتي حياتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2012, 09:30 PM   #15
بليغ دواوري
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2012
المشاركات: 2
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

شكرررررررررررا

بليغ دواوري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2012, 09:30 PM   #16
بليغ دواوري
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2012
المشاركات: 2
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

شكررررا أختي الكريمة

بليغ دواوري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-10-2012, 12:10 AM   #17
نصر ابراهيم
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 248
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

نصر ابراهيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-12-2012, 11:32 PM   #18
كريم سعيد
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 92
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: محاضرات في الأدب العباسي والمغربي والأندلسي والسلجوقي والمملوكي

بارك الله فيك

كريم سعيد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
تاريخ الأدب العربي الأدب الحديث حنا الفاخوري عبد الكريم المكتبة الأدبية المصورة 17 14-09-2013 07:28 AM
الجامع في تاريخ الأدب العربي الأدب القديم أبو يوسف المكتبة الأدبية المصورة 16 04-08-2013 02:24 AM
الأدب والغرابة دراسات بنيوية في الأدب العربي إبراهيم أمين المكتبة الأدبية المصورة 12 17-07-2012 05:26 PM
الحياة الاجتماعية في الاندلس وأثرها في الأدب العربي و في الأدب الأندلسي إبراهيم براهيمي المكتبة الأدبية المصورة 13 23-10-2011 07:00 PM
((هل أعلمه الأدب أم أتعلم منه قلة الأدب)) فــلــة الواحة العامة (الطرائف والغرائب والحكم .. الخ ) 3 01-11-2010 06:18 PM


الساعة الآن »04:37 PM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd